من اقتصاد الإغاثة إلى الاستثمار المجتمعيإعادة هندسة الاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي في اليمن

image - من اقتصاد الإغاثة إلى الاستثمار المجتمعيإعادة هندسة الاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي في اليمن 1

الورقة الشهرية الجديدة المنشورة في العدد 55 من مجلة الرابطة الاقتصادية من الصفحة 36 ،
يمكنك تنزيل المجلة والاطلاع على ورقة المقال

https://eaf-ye.com/admin/uploads/magazine/pdf/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF55_compressed.pdf


من اقتصاد الإغاثة إلى الاستثمار المجتمعي

إعادة هندسة الاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي في اليمن

(ضمن خارطة طريق الدولة التنموية البراغماتية)

(1)  المدخل: الاقتصاد الثالث الذي لم نكن نحسبه:

مرحباً،

في الأوراق السابقة من هذا المسار، حاولت الاقتراب من سؤال كبير وملح في هذه اللحظة التاريخية التي تمر بها اليمن: ما النموذج الاقتصادي الممكن لدولة تتآكل مؤسساتها، وتتبعثر مواردها، وتختلط فيها السيادة بأدوات الجباية، ويعيش اقتصادها بين ضعف الدولة وهشاشة السوق؟

بدأت الرحلة بالبحث عن النموذج الاقتصادي للدولة، وطرحت مفهوم “الدولة التنموية البراغماتية” باعتباره مساراً ممكناً للخروج من اقتصاد الحرب والتبعية والانتظار، ثم انتقلت إلى تفكيك عقدة المركز والأطراف عبر “الحكم الذاتي الاقتصادي للمحافظات”، وإلى “إعادة هندسة البنك المركزي والقطاع المصرفي”، ورسم “أطلس جديد للكيانات الاقتصادية” يفصل بين السيادي والتجاري والاجتماعي.

وحاولت الوصول إلى الإنسان نفسه من خلال “إعادة تنظيم سوق العمل”، والانتقال من الضمان الشخصي والتجاري إلى الثقة المؤسسية، وصولاً في الورقة السابقة إلى “المرحلة الانتقالية” بوصفها نظام تشغيل مؤقت للدولة، يحفظ المؤسسات ويمنع الهدم، ويعيد تشغيل الخدمات، ويمهد لبناء الدولة المُمكنة.

لكن معظم هذا النقاش ظل يدور حول طرفين تقليديين: القطاع العام والقطاع الخاص،

وبينهما ، بقي طرف ثالث يتحرك بصمت، ويمتص الصدمات، ويوفر الخدمات، ويحشد التبرعات، ويدير المشروعات، ويخلق فرصاً للعمل، لكنه لا يظهر في الصورة الاقتصادية بالحجم الذي يتحرك به فعلياً..

نعم ، إنه الاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي.

هذا الاقتصاد لا يقتصر على الجمعيات الخيرية التي توزع الغذاء، ولا على المنظمات التي تقدم الإغاثة وقت الازمات والكوارث، بل يمتد ليشمل فضاءً واسعاً من الكيانات:

  • المؤسسات والجمعيات الأهلية.
  • الأوقاف والمؤسسات الوقفية.
  • الجمعيات والاتحادات التعاونية.
  • النقابات العمالية والمهنية.
  • المشروعات والشركات الاجتماعية والتضامنية.
  • برامج المسؤولية المجتمعية للشركات.
  • المبادرات المجتمعية والتطوعية.
  • الصناديق والمؤسسات الوسيطة للتنمية والتمويل الاجتماعي.

هذه الكيانات لا تنتمي جميعها إلى قالب قانوني واحد، ولا تعمل بالطريقة نفسها، ولا تسعى إلى الغاية ذاتها،

فالجمعية الأهلية تقدم منفعة عامة أو مشتركة دون توزيع للأرباح،

بينما تملك التعاونية رأس مال وأسهماً وأنشطة اقتصادية وفائضاً يحقق المنفعة لأعضائها.

والنقابة تنظم علاقات العمل والمهنة،

أما الوقف فيحوّل الأصل المالي أو العقاري إلى مورد دائم لخدمة غرض اجتماعي أو تنموي.

لهذا،

فإن اختزالها في عبارة “الجمعيات الخيرية” يمثل أحد الجذور الرئيسية لضعف هذا القطاع، فحين لا نفهم طبيعة الكيان، نضع له قانوناً غير مناسب، ونخضعه لجهة لا تفهم وظيفته، ونراقبه بأدوات تعطل عمله بدلاً من أن تحمي المجتمع وتنمي طاقاته.

وفي اليمن، لم يكن الاقتصاد الاجتماعي خلال سنوات الحرب مجرد فاعل هامشي، فحين تراجعت مؤسسات الدولة، وانكمش النشاط الاقتصادي الخاص، وانهارت الخدمات العامة في مناطق واسعة، تدخلت المنظمات والمؤسسات والصناديق والمبادرات المجتمعية لتوفير الغذاء والمياه والصحة والتعليم وفرص العمل المؤقتة ودعم المشروعات الصغيرة.

وتولدت خلف هذه التدخلات حركة اقتصادية متكاملة تشمل:

  • موظفين وعاملين مؤقتين ومحليين.
  • خبراء ومستشارين.
  • مقاولين وموردين.
  • خدمات نقل وتخزين واتصالات وسلاسل إمداد.
  • برامج تدريب وتأهيل.
  • مشتريات محلية وأعمال بناء وصيانة.
  • تمويل مشروعات صغيرة وأصغر.
  • تشغيل أصول ومرافق خدمية واجتماعية.

وفي أحد البرامج الدولية الكبرى وحده، الذي نفذته مؤسسات يمنية رائدة (من بينها الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة و وكالة تنمية المنشآت SMEPS)، حصل قرابة 443 ألف شخص على فرص عمل مدفوعة وتدريب مهني، واستفاد نحو 5.4 ملايين شخص من خدمات مجتمعية في المياه والطرق والري (بحسب تقارير البنك الدولي)[1]

 وهذه ليست مجرد صور لجمعية توزع إعانات، بل شواهد لاقتصاد حقيقي يحرك العمل والدخل والأصول المحلية.

ومع ذلك، ظل هذا الاقتصاد “غير مرئي” تقريباً، فلا نعرف على مستوى وطني موحد:

  • كم تبلغ قيمة الأموال التي تتحرك داخله؟
  • كم وظيفة دائمة ومؤقتة يوفرها؟
  • كم يبلغ حجم مشترياته من السوق المحلي؟
  • ما قيمة الأصول التي يديرها؟
  • كم تبلغ قيمة العمل التطوعي الذي يقدمه المجتمع؟
  • كم مؤسسة تحولت من الاعتماد على المنح إلى الاستدامة؟
  • وكم أسرة خرجت فعلاً من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج؟

المشكلة إذن ليست غياب النشاط، بل غياب الحساب الاقتصادي الذي يكشف هذا النشاط.

ورغم أن الأمم المتحدة طورت منهجية خاصة لإنشاء “حساب اقتصادي تابع للمؤسسات غير الربحية والاقتصاد الاجتماعي والعمل التطوعي” [2](UN Satellite Account)، ليشمل حساب القيمة المضافة والأصول والعمل التطوعي، إلا أن اليمن ما زال يتعامل مع هذا الفضاء الواسع بوصفه ملفاً إدارياً محصوراً في إجراءات التسجيل والترخيص، أو بوابة للحصول على موافقات التمويل.

ومن هنا ينطلق السؤال الأساسي لهذه الورقة:

كيف يمكن للدولة اليمنية، خلال المرحلة الانتقالية، أن تعيد هندسة الاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي، بحيث ينتقل من الإغاثة المتفرقة إلى الاستثمار المجتمعي، ومن أموال تتحرك في الظل إلى قوة اقتصادية وتنموية مرئية ومستدامة؟

(2) مفارقة ضخامة القطاع وإدارته

إذا أردنا أن نفهم الخلل، فعلينا أن نبدأ من الصورة المؤسسية القائمة.

تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التعامل مع قوانين وكيانات متباينة في جوهرها:

  1. قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية.
  2. قانون الجمعيات والاتحادات التعاونية.
  3. قانون تنظيم النقابات العمالية.
  4. إضافة إلى الرعاية الاجتماعية والتأمينات وعلاقات العمل وملفات اجتماعية أخرى.

لكن هذه القوانين لا تدير قطاعاً واحداً.

قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية ينظم كيانات لا تستهدف توزيع الربح، ويفتح لها المجال للحصول على التبرعات والهبات والوصايا، وتحقيق عوائد من أصولها، ومزاولة الأنشطة الاقتصادية والتجارية إذا استخدمت أرباحها في تحقيق أهدافها ولم توزع على المؤسسين أو القيادات، كما يجيز لها إقامة المشروعات الخدمية والإنتاجية ويمنحها إعفاءات ضريبية وجمركية.

أما قانون التعاونيات فيتعامل مع منظمات اقتصادية واجتماعية لها أعضاء مساهمون ورأس مال وأسهم وأنشطة إنتاجية واستثمارية، ويمكنها تلقي القروض والهبات والتبرعات وتحقيق عوائد من أنشطتها.

بينما ينظم قانون النقابات العمالية الدفاع عن حقوق العمال، وعلاقات العمل، والتدريب المهني، وتحسين ظروف التشغيل، وزيادة الإنتاج، وحماية ممارسة النشاط النقابي.

نحن إذن أمام ثلاث عائلات مختلفة:

  1. كيانات المنفعة العامة والعمل الأهلي.
  2. كيانات الاقتصاد التعاوني والإنتاج المشترك.
  3. كيانات تنظيم العمل والدفاع عن الحقوق المهنية.

وجمعها في إدارة واحدة لا يصنع التكامل، بل يصنع التزاحم، فالجهة التي يفترض أن تطور سوق العمل تصبح منشغلة بانتخابات الجمعيات وتصاريح المنظمات، والجهة التي يفترض أن تبني الاقتصاد الاجتماعي تصبح منشغلة بنزاعات العمل والتفتيش العمالي.

والنتيجة أن الجميع يخسر:

  • سوق العمل لا يجد وزارة متفرغة لبناء منظومة وطنية للموارد البشرية والتشغيل والمهارات.
  • والاقتصاد الاجتماعي لا يجد مؤسسة حكومية تفهم التمويل الاجتماعي، والوقف المؤسسي، والتعاونيات، وريادة الأعمال الاجتماعية، وقياس الأثر.

إن المشكلة ليست في اسم الوزارة وحده، ولا تحل بمجرد تغيير اللافتة من “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل” إلى اسم أكثر حداثة.

المشكلة في فلسفة الإدارة، فالنموذج الحالي ينظر إلى الدولة باعتبارها:

  • جهة تسمح بالتأسيس.
  • وتوافق على التمويل.
  • وتراقب الانتخابات.
  • وتطلب التقارير.
  • وتتدخل عند المخالفة.

لكنه لا ينظر إليها باعتبارها جهة مسؤولة عن:

  • تنمية السوق الاجتماعي.
  • زيادة قدرات الكيانات.
  • تسهيل تكوين الأصول والأوقاف.
  • بناء أدوات التمويل المستدام.
  • ربط المنظمات بالخطط الوطنية والمحلية.
  • قياس القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي تولدها.
  • وتحويل البرامج المؤقتة إلى مؤسسات وأصول مستدامة.

وهكذا أصبحت لدينا، مفارقة قطاع كبير وإدارة صغيرة: أموال وأنشطة وتعاقدات واسعة، يقابلها تنظيم متفرق، وقدرات إدارية محدودة، وغياب لقياس الأثر الحقيقي.

(3) من “جزيرة الصندوق الاجتماعي” إلى “معمار الصناديق التنموية والسيادية للمحافظات”

إذا كان ما سبق كشف عن غياب “الحساب الاقتصادي” للقطاع الثالث، وتشتت مرجعياته القانونية، فإن قراءة الواقع اليمني تفرض علينا التوقف أمام حالة استثنائية نجحت في البقاء والصمود وسط ركام الحرب وتآكل مؤسسات الدولة: تجربة الصندوق الاجتماعي للتنميةو (SFD) و الكيانات التابعة له وابرزها SMEPS  وأيضاً الوحدات التنفيذية وعلى رأسها مشروع الأشغال العامة.

الصندوق الاجتماعي ليس مجرد جمعية أهلية كبيرة، ولا ينبغي حشره في خانة “المنظمات غير الحكومية”، بل يمثل حالة  لنموذج براغماتي ناجح في الحوكمة والإدارة التنموية.

خلال العقود الماضية، وخاصة أثناء سنوات الحرب والانقسام، استطاع الصندوق الاجتماعي للتنمية أن يحافظ على:

  1. استقلالية حوكمته وشفافيته مما أبقى على ثقة المانحين الدوليين والمجتمع المحلي على حد سواء.
  2. مرونة التشغيل والوصول الميداني حيث استمر في تنفيذ برامج كثيفة العمالة، وبناء المرافق، وتأهيل البنية التحتية المجتمعية في مختلف المحافظات.
  3. الربط بين الإغاثة والتنمية والتشغيل عبر تحويل التمويلات إلى فرص عمل مدفوعة، ودعم للتمويل الأصغر، وتأهيل للمنشآت الصغيرة.

(وقبل ان أكمل لنتوقف قليلاً وندعوا ونستغفر ونقرأ الفاتحة على ابرز قيادي في الصندوق الاجتماعي للتنمية والذي أغتيل بيد آثمة تكره الخير والنماء لهذه البلد الشهيد (وسام قائد) رحمه الله رحمة الابرار)

أثبت الصندوق أن “الإدارة المؤسسية الصارمة” قادرة على العمل في أعتى الظروف الهشة، ولكن، أصبحت لدينا “جزيرة مؤسسية” عالية الكفاءة في وسط محيط من التفكك، والخطورة هنا تكمن في الاعتماد الكلي على هذه الجزيرة وحدهـا، دون نقل جيناتها المؤسسية إلى بقية مجالات الاقتصاد الاجتماعي.

التجربة الناجحة للصندوق الاجتماعي للتنمية تفتح الباب أمام صانع القرار في اليمن لعدم الاكتفاء بكيان واحد، بل التأسيس لـ “معمار تنموي جديد للصناديق” تتكامل فيه الدولة مع المحافظات والقطاع الخاص.

وهذا يتطلب استصدار “قانون عام لإطار الصناديق التنموية والاجتماعية” يتوافق مع أفضل الممارسات الإقليمية والدولية ، ليسمح بنشوء ثلاثة مستويات حيوية من الصناديق:

 الصناديق الوطنية السيادية للمرحلة الانتقاليةوتشمل الكيانات الحالية (الصندوق الاجتماعي، مشروع الأشغال العامة، وصناديق الحماية الاجتماعية الوطنية)، وتكون مهمتها إدارة البرامج الكبرى على مستوى الجمهورية، والتدخل في المشاريع العابرة للمحافظات، وإعادة الإعمار المباشر.
 الصناديق التنموية والسيادية للمحافظات (اللامركزية التنموية)انسجاماً مع ورقة “الحكم الذاتي الاقتصادي للمحافظات”، يحق لكل محافظة (أو مجموعة محافظات متكاملة “إقليم”) إنشاء “صندوق استثمار وتنمية مجتمعية” يتبع سلطتها المحلية وحوكمتها. يمول هذا الصندوق من نسبة محددة من إيرادات المحافظة المحلية، ومساهمات القطاع الخاص المحلي، وبرامج المانحين الموجهة للمحافظة. يخصص الدخل حصراً لتمويل مشاريع المياه والكهرباء الريفية، دعم صغار المزارعين والصيادين (الاقتصاد الأزرق والزراعي)، وتوفير الضمانات للقروض التنموية للمنشآت الصغرى في المحافظة.
 الصناديق الاجتماعية والوقفية للقطاع الخاصإتاحة الإطار القانوني للبنوك، الشركات الكبرى، والبيوت التجارية لتأسيس “صناديق تنموية أو وقفية مستقلة ذات شخصية اعتبارية”. بدلاً من إنفاق مخصصات المسؤولية المجتمعية في تبرعات متناثرة، تؤسس الشركة صندوقاً وقفياً يُدار وفق معايير الحوكمة المالية، وتوجه عوائده سنوياً لتمويل المنح الدراسية، أو الأبحاث التطبيقية، أو دعم المستشفيات والمراكز الحرفية. تمنح الشركات التي تؤسس هذه الصناديق إعفاءات وحوافز ضريبية تناسب حجم أثرها المجتمعي الموثق.

مصفوفة معمار الصناديق التنموية المقترحة في اليمن

نوع الصندوقالمظلة التشريعية والحوكمةالمصدر الرئيسي للتمويلنطاق العمل والأولويات
 الصناديق الوطنية الكبرى  مثل SFDقانون خاص + مجلس إدارة وطني مستقلالدولة، المنح الدولية، والقروض التنمويةالمشروعات الاستراتيجية الكبرى، إعادة الإعمار، وبناء معايير القطاع.
 صناديق المحافظات التنمويةقانون السلطة المحلية + قانون إطار الصناديقحصة المحافظة من الموارد تمويلات محليةتوطين الاستثمار المجتمعي، دعم سلاسل القيمة المحلية (صيد، زراعة…).
 صناديق القطاع الخاص والشركاتقانون الصناديق + السجل التجاري/الوقفياقتطاعات المسؤولية المجتمعية أصول موقوفةالتمكين الاقتصادي، المنح التعليمية، الابتكار، والخدمات الصحية المتقدمة.

في رؤية “الدولة التنموية البراغماتية” للمرحلة الانتقالية، يتطلب تحويل الصندوق إلى “الذراع التنفيذي والاستثماري الرئيسي للدولة في التنمية المجتمعية”، عبر تحويل الصندوق الاجتماعي للتنمية من “جزيرة معزولة” إلى “مدرسة تنموية وقاطرة لتأسيس أرخبيل من الصناديق الوطنية والمحلية والخاصة”  يعتبر حجر الزاوية للانتقال من الإغاثة المتفرقة إلى الاستثمار المجتمعي المؤسسي، وهو ما يمنح الدولة اليمنية في مرحلتها الانتقالية أدوات تنفيذية مجربة، وشفافة، وبعيدة عن البيروقراطية المعقدة والمقعدة.

(4) من القطاع غير الربحي إلى الاقتصاد الاجتماعي:

المشكلة في اليمن لا تبدأ فقط من ضعف القوانين أو محدودية الجهاز الإداري، بل تبدأ قبل ذلك من الاسم والتعريف.

  • عندما نطلق عليه “القطاع الخيري”، فإننا نختزله في التبرعات والإعانات الموسمية.
  • وعندما نطلق عليه “القطاع الأهلي”، فإننا نركز على طبيعة مؤسسيه لا على وظيفته التنموية.
  • وعندما نطلق عليه “القطاع غير الربحي”، فإننا نعرفه بـ ما لا يفعله (عدم توزيع الربح)، دون أن نوضح ما يفعله ويولّده من خدمات ووظائف وأصول وقيمة اجتماعية.

ولهذا تبدو عبارة “الاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي” أكثر دقة واستيعاباً، لأنها تتعامل مع هذه الكيانات كجزء أصيل من الدورة الاقتصادية العامة:

تنتج السلع والخدمات،

وتشغل الموارد البشرية،

وتتعامل مع البنوك والموردين،

وتملك الأصول،

ولكنها تفعل ذلك لتحقيق منفعة عامة أو جماعية، لا لتعظيم العائد الخاص على رأس المال.

وقد اعتمد مؤتمر العمل الدولي [3](ILO) هذا المفهوم ليشمل الكيانات التي تمارس أنشطة اقتصادية واجتماعية تخدم المصلحة العامة، وتقوم على التعاون والمساعدة المتبادلة، وأولوية الإنسان والغرض الاجتماعي على رأس المال.

وكما أقول دائماً: ” لكل معنى مفهوم ولكل مفهوم نتيجة، تغيرت المفاهيم تغيرت النتائج” وبناء عليه فهذا التحول المفاهيمي يحدد نظرة الدولة:

هل تراه قطاعاً مستحقاً للرعاية والشفقة، أم شريكاً أصيلاً في التنمية الاستثمارية؟

وهل تقيس نجاحه بعدد السلال الغذائية الموزعة، أم بعدد الأسر التي خرجت فعلياً من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج والعمل؟

وبناء عليه:

  1. ليست كل أعمال الخير اقتصاداً اجتماعياً، فالعمل الخيري الفردي والمباشر عمل محمود، لكنه لا يتحول إلى اقتصاد اجتماعي إلا إذا اكتسب صفة الكيان المستمر، ونظام الحوكمة، والموارد المعلنة، والبرامج والأصول القابلة للقياس والقيام بذاتها.
  2. “غير ربحي” لا يعني بلا نشاط أو فائض اقتصادي، بل في مصيـر هذا الفائض ، حيث يذهب فائض الشركة لجيب المالك او المؤسسين او المساهمين، يعاد توظيف فائض المؤسسة غير الربحية في رسالتها وتطوير أصولها وحمايتها،  والقانون اليمني لا يحظر النشاط الاقتصادي غير الربحي، لكن الثقافة الإدارية للأسف كرست عقلية “انتظار المنحة او المعونة”.
  3. المجتمع المدني أوسع من الاقتصاد الاجتماعي، حيث يضم النقابات، والاتحادات، والكيانات الحقوقية والثقافية والسياسية،  أما الاقتصاد الاجتماعي فيركز تحديداً على الكيانات التي تجمع بين الغرض الاجتماعي والنشاط الاقتصادي المنظم لإنتاج السلع والخدمات.
  4. التعاونيات منشأت يملكها الأعضاء جماعياً، ويشاركون في رأسمالها، ويتخذون قراراتها ديمقراطياً (عضو واحد = صوت واحد) لتحقيق مصلحة اقتصادية مشتركة، فهي مشاريع اقتصادية تنموية محلية يقع بين الشركة والجمعية ، بالتالي ليست جمعيات خيرية او غير ربحية بالمفهوم الكامل.
  5. المشروعات الاجتماعية تبيع سلعاً وخدمات في السوق لتحقيق غرض اجتماعي صريح، وتستثمر معظم أرباحها في هذا الغرض، وتسمح الممارسات الدولية بوجوه قانونية متعددة لها كـ(شركات غير ربحية، شركات محدودة الربح، أو تعاونيات).

(5) أطلس الاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي في اليمن

لكي تستطيع الدولة تنظيم هذا القطاع بفاعلية، يجب ألا تتعامل معه ككتلة صماء واحدة، بل أن تقسمه إلى عائلات مؤسسية واضحة تفهم طبيعة كل كيان، ومصدر تمويله، ونطاق عمله، ومستوى الحوكمة والرقابة المطلوب منه. ويشمل هذا الأطلس تسع عائلات مؤسسية رئيسية:

 الجمعيات الأهلية والخيرية مقابل المؤسسات التنمويةينبغي كسر حالة الخلط التنظيمي بين هذين الكيانين، فالتمييز بينهما جوهري في بنية القطاع:الجمعيات الأهلية والخيرية: كيانات تقوم على العضوية والجمعية العمومية، وتعتمد أساساً على حشد التبرعات الشعبية والمنح الموسمية، وهي بحاجة مستمرة لمانحين، مما يجعلها عرضة للتقلبات المالية والارتهان لأولويات التمويل الخارجية والداخلية. المؤسسات التنموية الأهلية: كيانات تنشأ إما بجهد أفراد مقتدرين يغطون برامجها من دخلهم، أو تؤسسها شركات تجارية وبيوت مالية كذراع تنموي وإداري لبرامج مسؤوليتها المجتمعية (CSR)،  وتتميز هذه المؤسسات بوجود تمويل محدد ومستقر نسبياً. التوجه الاستراتيجي الأفضل للمؤسسات التنموية التابعة للشركات والبيوت المالية هي  أن تتحول إلى “مؤسسات مانحة وتنموية”،  أي أن تتخلى عن التنفيذ المباشر على الأرض، وتتفرغ لتمويل وإسناد الجمعيات الأهلية والمؤسسات التنموية الصغيرة والجهات التنفيذية المحلية (على غرار النماذج الإقليمية الناجحة كالتجربة السعودية). بالتالي يمنع تطبيق البيروقراطية ذاتها على الجمعية الصغيرة والمؤسسة الكبرى، بل يبني تصنيفاً يراعي حجم الكيان (صغير ومحلي / متوسط / وطني كبير)، ومصدر التمويل (تبرعات مجتمعية / مخصصات شركات / منح دولية)، ودرجة المخاطر، بما يوازن بين سهولة الحركة ومتطلبات الحوكمة والشفافية.
 الأوقاف والمؤسسات الوقفيةالوقف ليس مجرد تبرع عابر أو أصول عقارية جامدة، بل آلية تاريخية تحول الثروة الخاصة إلى رأس مال اجتماعي وتنموي دائم.استقرار المؤسسات التنموية والجمعيات والنقابات يستدعي الانتقال من الوقف التقليدي إلى “الوقف المؤسسي” أو «الصناديق الوقفية». وذلك عبر تخصيص الشركة أو المؤسس أصولاً استثمارية (أسهم، محفظة مالية، أصول عقارية) لصالح المؤسسة الوقفية، وتدار هذه الأصول بعقلية استثمارية مرنة يفصل فيها بين الناظر، ومدير الاستثمار، والمستفيد، وتوجه عوائد هذه الاستثمارات سنوياً لتغذية المؤسسات التنموية والخيرية التابعة او المستقلة، مما يضمن استمرارية خدماتها ويحميها من تقلبات السوق والتمويل.
 الجمعيات والاتحادات التعاونيةتمثل التعاونيات الذراع الاقتصادية المباشرة للاقتصاد الاجتماعي (منظمات قائمة على الملكية الجماعية والديمقراطية: عضو واحد = صوت واحد). لا ينبغي حصر التعاونيات في القطاعين الزراعي والسمكي فقط، بل يجب التوسع نحو “الجمعيات التعاونية الخدمية والتعليمية والإسكانية والمهنية”. (على سبيل المثال: تتيح التعاونيات التعليمية للمعلمين وأولياء الأمور تأسيس وإدارة مدارس وجامعات تعاونية غير ربحية تقدم تعليماً نوعياً بسعر التكلفة وتدار بديمقراطية وتشارك في أرباحها التنموية، مما يفتح أفقاً جديداً لبناء مرافق حيوية بجهد مجتمعي منظم). وهذا يتطلب إخراج التعاونيات من زاوية الرعاية الاجتماعية، وتأطيرها بسجل اقتصادي متخصص، مع تقديم دعم فني قطاعي من الوزارات المعنية (الزراعة، الثروة السمكية، التجارة، التعليم.. وغيرها).
 النقابات والاتحادات العماليةكيانات غير ربحية تهدف لحماية حقوق العمال والموظفين في المنشآت والمؤسسات، وتطوير بيئة التشغيل، والمشاركة في علاقات العمل والإنتاجية. موقعها الطبيعي يتبع منظومة سوق العمل والتشغيل وليس مركز الاقتصاد غير الربحي، مع ضمان استقلاليتها النقابية التامة بعيداً عن التدخل الحكومي أو التوظيف السياسي.
 النقابات والهيئات المهنية (المُنظم والمظلة للعمالة المستقلة)تختلف جذرياً عن النقابات العمالية، فهي تنظم مهناً تخصصية ومستقلة (أطباء، مهندسون، محامون، محاسبون، فنانون، ميكانيكيون، سباكون، وحرفيون…). الشهادة الأكاديمية أو الدبلوم لا يكفيان وحدهما للدخول إلى السوق، وكذلك الخبرة والممارسة التي تضيع لفقدان أي اثبات لها، هنا يأتي دور النقابة المهنية في تنظيم ممارسة المهنة، وتقييم الخبرة، وإصدار “رخص المزاولة وشهادات الاعتماد المهني” بدرجات متدرجة (مبتدئ، ممارس، محترف، خبير)، (على غرار دور نقابات المهن التمثيلية والهندسية والأطباء في النماذج العربية العريقة كالتجربة المصرية). العمالة المستقلة في قطاعات المهن والنقل والحرف لا تمتلك رب عمل يغطيها، ولذا فإن النقابة المهنية هي الكيان القادر على تصميم وتوفير “أوعية التأمين الصحي والاجتماعي والتقاعدي المرن”  لحمايتهم عند الإصابة أو انقطاع العمل، وحتى تضمن آلية للوصول الى التمويل وفتح الحسابات وتحديد مصادر الدخل،  ولكي تستمر النقابات في أداء هذا الدور، فإنها بحاجة إلى تنمية استثمارات وأوقاف خاصة بالنقابة لتغطية خدمات أعضائها دون تعثر.
 المشروعات والشركات الاجتماعية (Social Enterprises)شريحة غائبة تشريعياً في اليمن، وتتمثل في تأسيس شركات تمارس النشاط التجاري كاملاً في السوق لبيع سلع أو خدمات، لكنها مقيدة قانونياً بغرض اجتماعي صريح (مثل: شركات توفير الطاقة الشمسية للأرياف بأسعار ميسرة، شركات تدوير النفايات وتشغيل الفئات الأشد احتياجاً، مراكز طبية تعيد استثمار أرباحها لعلاج الفقراء). وهذا يتطلب إيجاد صيغة “الشركة الاجتماعية” في قانون الشركات، تسمح بالنشاط التجاري وتضمن إعادة استثمار النسبة الأكبر من الأرباح في الغرض الاجتماعي وتمنح حوافز ضريبية ملائمة.
 المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR)مسار نقل الموارد والخبرات من القطاع الخاص إلى التنمية والمجتمع. وهنا لا يمكن تحويل كل المساهمات المجتمعية للشركات إلى مؤسسات أهلية فقط، فهناك زكاة، وصدقات، وتبرعات مباشرة. المطلوب هو عدم فرض المسؤولية المجتمعية كضريبة إضافية، بل تنظيمها عبر تعريف وطني، وإفصاح سنوي للشركات الكبرى، وتوفير حوافز ضريبية ملحوظة للشركات التي تقتطع نسبة من أرباحها لتأسيس أوقاف تنموية أو مؤسسات مانحة مستقلة وتقدم برامج مساهمة مجتمعية بارزة وفاعلة.
 المبادرات المجتمعية والعمل التطوعيطاقات شبابية وشعبية مرنة تنطلق للاستجابة السريعة أثناء الأزمات والكوارث في الإغاثة، المياه، إصلاح الطرق، والتعليم. وهذا يتطلب الاعتراف بها و عدم خنق المبادرات بالتسجيل المعقد منذ اليوم الأول، بل اعتماد مبدأ “الاعتراف المتدرج” (مبادرة مؤقتة بتسجيل مبسط لدى السلطة المحلية إلى فريق تطوعي معتمد ثم كيان مؤسسي مسجل عند الاتساع والتمويل الكبيرة ومتى توفرت الإمكانات لذلك وليس الزاماً)، مع إصدار لائحة لحماية المتطوع وتوثيق ساعات عمله واحتساب قيمتها في الحساب الوطني.
 المؤسسات الوطنية الوسيطة والممكِّنةوتشمل الكيانات الوطنية الكبرى مثل: الصندوق الاجتماعي للتنمية، مشروع الأشغال العامة، برامج التمويل الأصغر، وصناديق الضمان. ودورها لا يقتصر على التنفيذ، بل تقوم بجمع التمويلات الكبرى، وبناء قدرات المنظمات المحلية، وتحمل مخاطر الابتكار التنموي والاجتماعي.

و كما أوضحتُ في ورقة سوق العمل (من الضمان التجاري إلى الثقة)، فإن اليمن يفتقر حالياً لـ “وزارة موارد بشرية موحدة”، حيث تتوزع المهام بين “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل” و “وزارة الخدمة المدنية” ، وإلى أن يتحقق الإصلاح الهيكلي بفصل ملف الرعاية الاجتماعية كاملاً وتوحيد سوق العمل، فإن الخيار البراغماتي الممكن خلال المرحلة الانتقالية داخل “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل” الحالية هو إنشاء وتفعيل ثلاثة قطاعات رئيسية متخصصة ومستقلة إدارياً وفنياً:

  1. قطاع الجمعيات والمؤسسات الأهلية والتنموية (لإدارة المنفعة العامة والتنمية الأهلية).
  2. قطاع التعاونيات والاقتصاد التضامني (لإدارة التعاونيات الإنتاجية والخدمية).
  3. قطاع النقابات والاتحادات العمالية والمهنية (لإدارة علاقات العمل واعتماد المهن بالتعاون مع الوزارات الفنية).

وبناء على ما سبق هنا فهذا التصور لمصفوفة الهوية المؤسسية لاطلس القطاع الاجتماعي وغير الربحي:

عائلة الكيانالغاية الأساسيةمصدر الدخل والتمويل الرئيسيالتعامل مع الفائض من النشاطالإشراف التنظيمي والفني
 الجمعيات الأهلية والخيريةمنفعة عامة أو مشتركةتبرعات شعبية ومنح موسميةيعاد استثماره ولا يوزعقطاع الجمعيات المركز الوطني
 المؤسسات التنموية والمانحةذراع تنموي وإدارة CSRأرباح ومخصصات المؤسسين والشركاتيُعاد توظيفه في المنح والبرامجقطاع الجمعيات والمؤسسات
 الأوقاف والمؤسسات الوقفيةاستدامة الإنفاق التنمويعوائد محفظة الأصول الموقوفةيُوجّه حصراً وفق شرط الواقفقطاع الجمعيات المركز الوطني /هيئة الاوقاف
 التعاونيات (إنتاجية وخدمية)منفعة اقتصادية/خدمية للأعضاءأسهم، أنشطة، وقروضيُوزع جزء ويُحتجز جزء للنموقطاع التعاونيات  الوزارات الفنية
 النقابات والاتحادات العماليةحماية حقوق وعلاقات العملاشتراكات وعوائد مشروعةيُوجّه لخدمة الأعضاء والنشاطقطاع النقابات والعمل
 النقابات والهيئات المهنيةتنظيم المهنة، الاعتماد، والتأمينرسوم، اشتراكات، وأوقافيُوجّه لتطوير المهنة ورعاية الاعضاءقطاع النقابات والعملالجهات ذات العلاقة بالمهنة او المجال
 المشروعات والشركات الاجتماعيةحل مشكلة مجتمعية بنشاط سوقيبيع سلع/خدمات واستثماريُعاد استثماره مع تقييد التوزيعسجل الشركات  المركز الوطني
 المسؤولية المجتمعية (CSR)إسهام القطاع الخاص بالتنميةأرباح ومخصصات الشركاتيُموّل أوقافاً ومؤسسات مانحةحوافز ضريبية
 المبادرات التطوعيةاستجابة مرنة لاحتياج محليمساهمات محدودة وتطوعلا يوجد توزيع ماليتسجيل مبسط لدى السلطة المحلية
 المؤسسات الوسيطةالتمويل، التمكين، وبناء القدراتالدولة، المانحون، والاستثماريُعاد توظيفه في البرامجقوانين خاصة رقابة عامة

(6) قوانين تعمل كجزر منفصلة

عند مراجعة التشريعات اليمنية المنظمة للجمعيات والمؤسسات الأهلية، والجمعيات التعاونية، والنقابات العمالية، تظهر مفارقة مؤسسية تستحق التوقف أمامها: المشكلة ليست في أن هذه القوانين تجاهلت الوظيفة التنموية والاقتصادية، بل في أن النصوص تحتوي في أصلها على أفكار متقدمة نسبياً قياساً بمرحلة صدورها، لكن التطبيق الإداري جمد روحها وحولها إلى جزر معزولة.

فقانون الجمعيات والمؤسسات يقر بالدور التنموي ويحمي استقلالية الكيانات، وقانون التعاونيات يراها منظمات اقتصادية ديمقراطية ذات أسهم وأنشطة استثمارية، وقانون النقابات العمالية يربط النشاط بحقوق العمال وعلاقات العمل والإنتاجية.

القانون فصل بين الهويات، بينما الجهاز الإداري التقليدي أعاد خلطها واستحواذها تحت سقف إداري واحد،

أين تكمن الاختلالات الهيكلية في المنظومة التشريعية الحالية؟

  1. تُنظم القوانين القائمة ثلاثة عوالم متباينة:
  2. المنفعة العامة والتنموية (الجمعيات والمؤسسات)،
  3. الملكية والإنتاج الجماعي (التعاونيات)،
  4. وعلاقات العمل والحقوق (النقابات).
  5. وعصرها جميعاً داخل هيكل تقليدي محدد الإمكانات جعل الوزارة تنشغل بجمع ملفات متناقضة، فخسر سوق العمل وزارة متفرغة لسياسات الموارد البشرية وتأهيل المهارات، وخسر القطاع الثالث مؤسسة تفهم ريادة الأعمال الاجتماعية، والوقف المؤسسي، وحوكمة القطاع.
  6. يتعامل النظام الحالي بالمتطلبات البيروقراطية ذاتها مع جمعية صغيرة ومؤسسة تنموية وطنية كبرى تدير ملايين الملايين، هذا النهج يرهق الكيانات الصغيرة بالمعاملات الشكلية، بينما يفتقر لأدوات الرقابة المالية والحوكمة الفعالة الموجهة للكيانات الكبرى ذات التمويلات الدولية والمخاطر المرتفعة.
  7. يكتفي قانون الوقف الشرعي الحالي بالإشارة للوصايا والعوائد، ويفتقر للربط مع مفهوم “الوقف المؤسسي الخاص ذي الغرض التنموي العام” ، وهو الإطار الذي يسمح للشركات، والمؤسسات التنموية، والنقابات باقتطاع أصول استثمارية (أسهم، أصول عقارية) وتوجيه عوائدها الدائمة لضمان استدامة المؤسسات التعليمية، الصحية، والتنموية بعيداً عن تقلبات التمويل.
  8. تكتفي المنظومة الحالية بجمع السجلات الورقية، دون إلزام السلطات بإصدار حساب اقتصادي وطني سنوي يوضح القيمة المضافة للقطاع، وحجم أصوله، وقيمة العمل التطوعي، والوظائف التي يوفرها.
  9. تدار أغلب المبادرات والجمعيات في المحافظات بعقلية مركزية تتطلب موافقات طويلة، مما يعطل الشراكة الميدانية مع السلطات المحلية ويمنع مواءمة التدخلات التنموية مع الأولويات المحلية لكل محافظة.

لتجاوز تضارب المصالح الحالي ، حيث تلعب الوزارة دور واضع السياسة، والترخيص، والتمويل، والرقابة، والمُعاقب في الوقت ذاته،  تقتضي الحوكمة الرشيدة الفصل المرن بين أربع وظائف مؤسسية:

الوظيفة المؤسسيةالجهة المسؤولةطبيعة الدور والمهام
 رسم السياسات العامةالوزارة المعنية (الشئون الاجتماعية والعمل) ويفضل ان تكون لدينا وزارتين وزارة الشئون الاجتماعية تدير القطاع الاجتماعي وغير الربحي  و وزارة الموارد البشرية تجمع العمل مع الخدمة المدنية (المقترح)تحديد التوجهات الوطنية والاستراتيجيات الكبرى.
 التنظيم والتسجيل والحوكمةالمركز الوطني للاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي (المقترح)تطبيق السجل الموحد، الرقابة المتدرجة، والإفصاح.
 التمويل وبناء القدراتالصناديق والمؤسسات الوسيطة  مثل SFD وصناديق المحافظاتتقديم المنح، القروض التنموية، وتأهيل الكيانات.
 الإشراف الفني والمهنيالوزارات القطاعية (زراعة، صحة، تعليم…) والنقابات المهنيةالاعتماد المهني، جودة الخدمات، وإصدار رخص المزاولة.

وبناء على مع الطرح البراغماتي في السلسلة، ولأن اليمن يفتقر حالياً لـ “وزارة موارد بشرية موحدة” (حيث تتوزع المهام بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة الخدمة المدنية)، فإن الخيار البراغماتي التنفيذي خلال المرحلة الانتقالية داخل “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل” القائمة هو إنشاء وتفعيل ثلاثة قطاعات متخصصة ومستقلة تنظيماً وفنياً:

  1. قطاع الجمعيات والمؤسسات الأهلية والتنموية: يختص بالعمل الأهلي، التنموي، والمؤسسات المانحة.
  2. قطاع التعاونيات والاقتصاد التضامني: يختص بالتعاونيات الإنتاجية والخدمية والتعليمية.
  3. قطاع النقابات والاتحادات العمالية والمهنية: يختص بعلاقات العمل، والحقوق النقابية، والاعتماد المهني بالتعاون مع الوزارات الفنية للنقابات المهنية.

تعتمد الدولة لتحقيق هذا المسار ، العمق الاستراتيجي التالي:

 المسار العاجل (تشغيل الممكن بالقوانين القائمة)الوزارة المعنية إطلاق السجل الرقمي الوطني الموحد للكيانات والعمالة المستقلة. إحداث القطاعات الثلاثة المستقلة داخل الهيكل الحالي للوزارةـ وتطوير أدوات القطاعات وبناء قدرات الفريق ، ويمكن الاستفادة من المنح الموجهة في البناء المؤسسي لقطاعات الدولة. تطبيق لائحة التصنيف الرقابي المتدرج حسب الحجم والمخاطر. و إطلاق العمل بالحساب الاقتصادي التابع لقياس مساهمة القطاع في الناتج المحلي والتوظيف.
 المسار الاستراتيجي (تحديث المعمار التشريعي)إصدار “قانون إطاري للاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي” يحدد التعريفات، والحوافز الضريبية، والسجل الوطني الموحد. إصدار “قانون أطر الصناديق التنموية والسيادية للمحافظات” لتنظيم صناديق الاستثمار المجتمعي الوطنية والمحلية والخاصة. تحديث قوانين الجمعيات، والتعاونيات، والوقف الشرعي الى الوقف المؤسسي لإدخال مفهوم “الشركة الاجتماعية”، و”المؤسسة المانحة”، وتسهيل الوقف الاستثماري المؤسسي للنقابات والشركات. و تطوير قانون العمل التطوعي لحماية المتطوعين، وتوثيق ساعات العمل واحتساب قيمتها الاقتصادية وتسجيل خبراتهم.

(7) الوقف المؤسسي: من التبرع المستهلك إلى الأصل المستدام

إذا كانت الزكاة والصدقات تمثل تدفقات مالية دورية وموسمية، فإن الوقف يمثل رأس المال الدائم للاقتصاد الاجتماعي والإنماء المستدام.

المال المتبرع به ينفق غالباً مرة واحدة لتغطية احتياج طارئ أو استهلاكي، أما الوقف فيحول جزءاً من الثروة إلى أصل استثماري مستمر، تحفظ عينُه وتُوجه عوائده المالية لتمويل غرض اجتماعي، تنموي، خدمي على المدى الطويل.

ومن هنا، فإن قيمة الوقف الحديث لا تقاس فقط بحجم أصله المالي عند إنشائه، بل بقدرته التنموية على:

  • حماية رسالة المؤسسات التنموية والنقابات من تقلبات المانحين والتمويل الخارجي.
  • تغطية النفقات التشغيلية والأساسية بانتظام دون عجز.
  • بناء احتياطيات استثمارية طويلة الأجل.
  • التمويل المباشر والمستدام لقطاعات التعليم، الصحة، الأبحاث، والتنمية الميدانية.
  • نقل المؤسسات الأهلية من ثقافة “طلب المنح سنوياً” إلى ثقافة “إدارة أصل يولد المال”.
  • تحويل العمل الأهلي والخيري من إنفاق استهلاكي عابر إلى تكوين رأس مال مجتمعي متراكم.

أحد الاختلالات في الفكر الإداري اليمني هو الخلط التنظيمي بين ثلاثة أنماط من الأوقاف:

  1. الوقف العام: الذي تتولى الدولة إدارته نيابة عن أغراض عامة أو مستفيدين غير محددين.
  2. الوقف الخاص أو الأهلي: الذي يحدد الواقف ناظره وغرضه الاجتماعي او العائلي.
  3. الوقف المؤسسي: الذي يؤسسه أو فرد، أو أسرة، أو شركة، أو مؤسسة أهلية/نقابية لصالح كيان تنموي أو رسالة مجتمعية مستمرة.

وظيفة الدولة في نموذج الدولة التنموية البراغماتية تجاه الوقف المؤسسي تتمثل في:

  • تسجيل الوقف وحماية أصله المالي والقانوني.
  • التأكد الصارم من احترام وتنفيذ شرط الواقف.
  • مراقبة قواعد الحوكمة والنزاهة والإفصاح المالي.
  • منع الاستيلاء، أو التصرف، أو البيع غير المشروع لأصول الوقف.
  • مساءلة مجلس النظارة وحماية حقوق المستفيدين.

أما إدارة الأصل واستثماره فيجب أن تبقى مسؤولية مستقلة تتولاها مجالس الأوقاف أو مدراء استثمار متخصصون وفق وثيقة الوقف وسياسة استثمارية معلنة.

فالرقابة لا تعني الإدارة، وحماية الوقف لا تعني مصادرته أو وضع اليد عليه.

ولمنع احتكار سلطة القرار أو تضارب المصالح داخل الوقف المؤسسي، يصمم الهيكل التشغيلي من أربع حلقات مستقلة ومتكاملة:

  1. الواقف (أفراد، شركات، مؤسسات): يخصص الأصل المالي أو العقاري ويحدد الشروط والأغراض التنموية.
  2. مجلس النظارة أو الأمناء: مجلس مستقل يحمي غرض الوقف، ويقر الاستراتيجيات الاستثمارية، ويراقب الأداء.
  3. مدير الاستثمار (جهات أو محافظ استثمارية متخصصة): يدير الأصول والمحفظة المالية وفق معايير السوق وضوابط المخاطر، دون أن يتأثر بقرارات التوزيع.
  4. المؤسسة المستفيدة أو البرنامج التنموي: تتلقى الفوائض والعوائد المالية السنوية وتستخدمها حصراً في تنفيذ الأنشطة التنموية وفق شرط الواقف.

هذا الفصل المؤسسي يمنع تركيز السلطة في يد شخص واحد، فالذي يستثمر المال لا يقرر وحده لمن يصرف، والذي يستفيد من العائد لا يملك أصل الوقف، والواقف لا يحتفظ بسيصرة تسمح له باسترداد المال متى شاء.

وبالتالي ، لا ينبغي حصر الوقف المؤسسي في الأراضي والعقارات فقط، لأن ذلك يفرغ الوقف من مرونته، ويجمد الأموال في أصول ذات عائد بطيء وتكلفة صيانة مرتفعة.

الوقف الحديث يتسع لمحافظ استثمارية متنوعة:

  • الأوقاف العقارية: (مبانٍ، مراكز تجارية، وأراضٍ استثمارية مخصصة للريع).
  • أوقاف الأسهم والحصص: (أسهم موقوفة في شركات تجارية ناجحة أو بنوك).
  • المحافظ والصناديق المالية الوقفية: (سندات تنموية، صكوك، وصناديق استثمارية متوازنة).
  • الأوقاف النقدية الجماعية: (صناديق تجمع مساهمات نقدية صغيرة ومتعددة لتكوين أصل استثماري كبير).
  • أوقاف المهن والنقابات: (محافظ وقفية تنشئها النقابات المهنية لتغطية التأمين الصحي والتقاعدي للعمالة المستقلة).
  • أوقاف المسؤولية المجتمعية للشركات: (أصول يوقفها القطاع الخاص لدعم مؤسساته التنموية والمانحة).
  • الأوقاف المحلية للمحافظات: (أصول موقوفة لدعم مشاريع المياه، الصحة، التعليم داخل مديريات محددة).

وإذن، لا تتطلب المرحلة الانتقالية انتظار صدور قانون وقف معقد وجديد قد يستغرق فترة طويلة، بل يمكن البدء الفوري بإجراءات عاجلة وبراغماتية:

  1. إصدار لائحة مؤقتة للأوقاف المؤسسية والخاصة تضع القواعد الإجرائية للتأسيس والاستثمار والإفصاح.
  2. إنشاء سجل خاص بالأوقاف المؤسسية يتبع الجهة التنظيمية (القطاع غير الربحي) لمنع تداخلها مع الوقف العام المباشر.
  3. الفصل الإداري التام بين ولاية الأوقاف الحكومية على الوقف العام، وبين دورها التنظيمي والحمايتي للأوقاف المؤسسية والخاصة.
  4. اعتماد نماذج معيارية لوثائق الوقف تسهل على الشركات والأفراد تأسيس أوقافهم بوضوح قانوني وشرعي محصن.
  5. حماية أصل الوقف قانونياً بالنص صراحة على حظر الحجز أو التصفية لأصل الوقف بسبب أية ديون أو التزامات مالية على المؤسسة المستفيدة.
  6. تنظيم الوقف النقدي ومحافظ الأسهم عبر وضع أطر مصرفية ومالية تسمح للبنوك والمؤسسات المالية بإدارة الصناديق الوقفية النقدية بحوكمة عالية.
  7. آلية قضائية موجزة عبر تخصيص دائرة أو مسار قضائي سريع للفصل في منازعات الأوقاف حمايةً لأصولها وحقوق مستفيديها.

المصفوفة التالية توضح حوكمة الوقف المؤسسي:

نمط الوقف المؤسسيالمالك/الواقفالإدارة والاستثمارمصير العائد الماليمستوى الرقابة والإفصاح
 وقف الشركات (CSR)الشركة أو البيت التجاريمدير محفظة / شركة استثماريمول المؤسسة التنموية المانحة التابعة للشركةتقرير استثماري سنوي وإفصاح ضريبي
 وقف النقابات المهنيةأعضاء النقابة/الجمعية العموميةلجنة استثمار نِقابية شريفةيمول التأمين والصحة للقطاع المستقلتدقيق محاسبي مستقل إفصاح للأعضاء
 الوقف النقدي الجماعيمتبرعون ومستثمرون متعددونمجلس أمناء الصندوق الوقفييوجه للتعليم، الصحة، القروض الميسرة والبيضاءالقوائم المالية المعلنة معايير الحوكمة
 الوقف التنموي للمحافظةمجتمعات محلية وسلطة المحافظةمجلس إدارة صندوق المحافظةيمول الخدمات والتنمية المحلية بالمحافظةرقابة السلطة المحلية والجهاز المركزي

تحرير الوقف المؤسسي من الوصاية البيروقراطية المقعدة، وإخضاعه في المقابل لرقابة حوكمية واحترافية شفافة، هو الطريق الأمثل لتحويل هذا القطاع من “قطاع يعيش على الإغاثة والإنفاق اليومي” إلى “قوة اقتصادية وتنموية ذات أصول استثمارية مستدامة” تؤمن مستقبل الخدمات والتنمية في اليمن.

(8) الزكاة: بين الفريضة الدينية والجباية العامة

إذا كان الوقف يمثل “الأصل الاستثماري الدائم” للاقتصاد الاجتماعي، فإن الزكاة تمثل “التدفق المالي الدوري الإلزامي” لإعادة توزيع جزء من الثروة.

لكن الوقف والزكاة ليسا أداة واحدة،

فالوقف يبدأ بإرادة الواقف وحبس أصل،

بينما الزكاة فريضة دينية مرتبطة بأنصبة ومقادير ومصارف ثمانية محددة شرعاً لا يملك المزكي تحويلها إلى أي غرض عام لمجرد أنه نافع.

ومع ذلك،

فإن النظام القانوني والإداري اليمني الحالي حرف فلسفة الزكاة، حيث نقلها من كونها فريضة يؤديها المسلم بطيب نفس وتكافل، إلى التزام جباية قسري تحتكره الدولة وتتعامل معه كإيراد عام يخلط بمالية الدولة وأحياناً بضرائبها.

وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات جوهرية:

  1. وجوب الزكاة شرعاً حق ثابت شرعياً.
  2. حق الدولة في تنظيم أدائها، هو واجب ودور ضروري لمنع التلاعب، وحماية البيانات، ومكافحة غسل الأموال، وضمان وصول الحق لمستحقيه.
  3. احتكار الدولة لتحصيلها وصرفها المباشر، هذا اختيار إداري وسياسي تاريخي، وليس نتيجة شرعية أو دستورية حتمية لا تقبل المراجعة والتطوير.

وبناء على ذلك ، يبرز الاختلالات التي ينبغي تصحيحها في البيئة التشريعية اليمنية التعامل مع الزكاة كنوع من “الضرائب الدينية”، فالضريبة والزكاة قد تلتقيان في كونهما التزامين ماليين، لكنهما تختلفان في المصدر، والغرض، والوعاء، والمستفيد:

وجه المقارنةالضريبة (حق عام للدولة)الزكاة (فريضة وحق للمصارف الشرعية)
 المصدر والشرعيةيقررها القانون والتشريع المدني.مصدر وجوبها شرعي وديني ثابت.
 المكلفونتفرض على جميع المواطنين والمستثمرين بغض النظر عن الدين.ترتبط بالمسلم، وماله النامي وفق أنصبة وشروط.
 المصير الماليتدخل الخزانة العامة والموازنة الموحدة للدولة.تودع في حسابات مستقلة ومقيدة حصراً.
 مصارف الإنفاقتنفق على الخدمات العامة والأولويات الحكومية السيادية.تذهب حصراً للمصارف الشرعية الثمانية المحددة.

وبناء عليه:

  • لا تعد الضريبة زكاة، ولا تحل الزكاة تلقائياً محل الضريبة إلا بنص قانوني وحافز ضريبي صريح.
  • لا تدمج أموال الزكاة بالحساب العام للموازنة العامة للدولة.
  • لا تفرض الزكاة كالتزام ديني على شركة مملوكة بالكامل لغير المسلمين، أو على حصة الشريك/المستثمر الأجنبي غير المسلم في الشركات المختلطة والأجنبية، بل تخضع حصصهم للضرائب والرسوم القانونية فقط، منعاً للغموض والتمييز المالي الذي يضر ببيئة الأعمال.

وللأسف نجد أن قانون الزكاة رقم (2) لسنة 1999م والدستور (المادة 21) يجعل الزكاة التزاماً تحتكره الدولة عبر “مصلحة الواجبات/الهيئة” التي تلعب دور المحصل، والمقدر، والموزع، والمراقب على نفسها، هذا الاحتكار الإداري أدى في ظل ظروف الحرب والانقسام السياسي إلى:

  • تآكل ثقة المزكي (من أفراد وشركات) في وصول زكاته إلى مصارفها الحقيقية.
  • اندفاع الكثيرين إما للتهرب، أو البحث عن قنوات غير رسمية للتحصيل والتوزيع.
  • استخدام أجهزة الجباية لتقديرات تحكمية تقترب من الإكراه المالي.

والسؤال البراغماتي:

هل حماية الزكاة تستلزم احتكار الدولة لجمعها، أم أن حمايتها تتأتى بصورة أفضل عبر “تعدد قنوات الأداء تحت تنظيم ورعاية وإفصاح عام؟”

يستند المدافعون عن التحصيل المركزي الحصري إلى الآية الكريمة من سورة التوبة رقم 103 : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)

لكن القراءة الفقهية والمؤسسية تؤكد أن هذه الآية تؤسس لـ “الولاية والمسؤولية التنظيمية العامة للسلطة”

وليست إكراهاً إدارياً باحتكار الجمع في يد جهاز حكومي واحد.

فالولاية تتحقق بالتنظيم، والاعتماد، والرقابة، وحماية المصارف، ولا تستلزم إلغاء دور المؤسسات الأهلية والتعاونية المعتمدة.

ولنأتي لآية المصارف والتي فيها إقراراً صريحاً بأن المال الاجتماعي لا يدير نفسه بنفسه، فهو بحاجة إلى حوسبة، وبحث ميداني، وتوثيق، وتدقيق، وتوزيع.

في سورة التوبة الآية 60: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

  • العاملون عليها ليسوا حصراً موظفين حكوميينة فالعامل على الزكاة قد يكون باحثاً اجتماعياً، أو محاسباً في مؤسسة أهلية معتمدة، أو مشغلاً لمنصة رقمية، أو مدققاً مستقلاً.
  • و الإدارة المهنية كلفة مشروعة تُغطى بـ “أجرة المثل والنفقة الفعلية المعقولة”، وليست اقتطاعاً تعسفياً.
  • و لا يجوز تحميل رواتب ونفقات مؤسسة أو جمعية كاملة على حساب الزكاة إلا بقدر العمل الفعلي المباشر المخصص لإدارة دورة الزكاة وحساباتها.

وفقاً لما سبق لنضع النموذج المقترح، والذي يقوم على على قاعدة:

تعدد القنوات، ووحدة المعايير، وشفافية الرقابة،

 حيث يتاح للمزكي (فردًا أو شركة) أداء زكاته عبر القنوات المعتمدة التالية:

 الأداء المباشر للمستحقحق الفرد في إيصال زكاته مباشرة لأقاربه، جيرانه، أو الفقراء المعروفين لديه، دون حاجة لتسجيل المبالغ الشخصية البسيطة حماية لكرامة الناس وخصوصيتهم. (أما مبالغ الشركات الكبيرة فيشترط إثباتها بوثائق محاسبية ومصارف محددة).
 الجمعيات والمؤسسات غير الربحية المعتمدةيسمح للجمعيات والمؤسسات الأهلية باستقبال الزكاة بشرط حصولها على “رخص اعتماد زكوي” تتطلب: حساباً مصرفياً مقيداً للزكاة، ولجنة شرعية، وتدقيقاً مالياً خارجياً، ونظاماً لحماية بيانات المستفيدين.
 المؤسسات التنموية التابعة للشركاتيجوز للشركة أداء زكاتها عبر مؤسستها التنموية، بضوابط صارمة تميز بين الزكاة والمسؤولية المجتمعية (CSR)، فيحظر استخدام أموال الزكاة في الدعاية التجارية، أو تقديم منافع لعملاء الشركة وموظفيها التنفيذيين، أو شراء منتجات الشركة إلا بشروط منافسة شفافة.
 المنصات الرقمية المعتمدةإتاحة منصات دفع وحاسبات زكوية رقمية تربط المزكي بالمصارف المعتمدة فورياً مع إصدار إشعارات رسمية وتتبع مالي إلكتروني شفاف.
 الصندوق العام الاختياري للزكاةصندوق وطني مستقل تديره الدولة كإحدى القنوات (وليس كقناة احتكارية)، وتكمن أهميته في التدخل في الكوارث الكبرى، ودعم المناطق النائية التي تفتقر لمؤسسات أهلية مؤهلة.

ولضمان الانضباط التنظيمي، يجب الفصل وعدم الخلط بين ثلاثة أوعية مالية:

  1. الزكاة: محددة بالنصاب والمصارف ، و حساب مصرفي مقيد، و  لا تستخدم للبنية العامة.
  2. الصدقات والتبرعات: أوسع من الزكاة، وتستخدم لتمويل المستشفيات، والمدارس، والبنية التحتية، والأبحاث، والجمع العام للتبرعات ينغي ان يخضع لترخيص وإفصاح محكم لمنع جمع الأموال عبر الحسابات الشخصية دون رقابة.
  3. التمويل الجماعي (Crowdfunding)، وهي منصات رقمية حديثة لا تصنف جميعها كعمل خيري، فالتمويل بالأسهم يتبع هيئة سوق المال، والتمويل بالقرض الميسر يتبع رقابة البنك المركزي، بينما يتبع التمويل بالتبرع الاجتماعي إطار المركز الوطني للاقتصاد الاجتماعي “المقترح تأسيسيه”.

ومن أجل تنظيم الزكاة وتحويله الجهات الحكومية من “هيئات اجباية احتكارية” أو إدارة تابعة لوزارة المالية (التي تعنى بالضرائب والموازنة)، يقترح أن يؤسس ” المجلس الوطني لتنظيم الزكاة” أو أي اسم مناسب ويكون هذا الكيان مستقلاً  ويتبع المركز الوطني المقترح للاقتصاد الاجتماعي.

يختص هذا المجلس المقترح لتنظيم الزكاة:

  1. إصدار المعايير المحاسبية والشرعية الموحدة لحساب الزكاة.
  2. منح وإلغاء “شهادات الاعتماد الزكوي” للجمعيات والمؤسسات والمنصات.
  3. الرقابة على الفصل المحاسبي التام بين أموال الزكاة وغيرها من أموال المؤسسة.
  4. تحديد سقوف وقواعد التكلفة التشغيلية لـ “العاملين عليها” بناءً على الكلفة الفعلية لا النسب الثابتة التعسفية.
  5. حماية بيانات المزكين والمستفيدين وحظر نشر صور صريحة تصادر كرامة الفقير.
  6. إصدار التقرير الوطني السنوي الإجمالي عن حصيلة الزكاة ومصارفها في الجمهورية دون التدخل في التحصيل المباشر.

الزكاة “ياسادة” ليست صندوقاً مفتوحاً لتمويل مشاريع البنية التحتية للحكومة (كالطرقات والمباني العامة)، لكنها في المقابل لا تقتصر على “التوزيع الاستهلاكي القصير” (السلال الغذائية) ، ولذا من الجيد ان يتم عبر الزكاة توسيع النفع في المصارف الثمانية من ذلك مثالاً:

  • تمليك الأسر الفقيرة أدوات مهنة (معدات حرفية، منظومات طاقة، وسائل نقل إنتاجية).
  • تسديد ديون الغارمين المستحقين لإعادتهم للدورة الاقتصادية.
  • تمويل برامج التدريب المهني السريع المرتبطة بتمليك أصل إنتاجي للفقير.
  • كفالة الطلاب الفقراء في التخصصات المهنية والطبية والتكنولوجية.

و لتجاوز قيد المادة (21) من الدستور وقانون الزكاة لعام 1999م، تعتمد خارطة طريق مرحلية تشمل:

 المرحلة العاجلة الفوريةإصدار قرار انتقالي يفسر “تولي الدولة” الوارد في الدستور باعتباره ولاية تنظيم ورعاية واقتضاء وليس احتكاراً تنفيذياً، مع الوقف الفوري لدمج أي أموال زكوية ضمن إيرادات الخزانة العامة، وإلزام جميع الجهات بفتح حسابات بنكية مقيدة ومستقلة.
 المرحلة المتوسطةتشكيل “المجلس الوطني لتنظيم الزكاة”، وإصدار اللوائح المؤقتة للاعتماد الزكوي، وتدشين أول دفعة من المؤسسات الأهلية والمنصات الرقمية المعتمدة، وإصدار التقرير السنوي الأول.
 المرحلة الاستراتيجية التشريعيةإصدار «قانون تنظيم أداء الزكاة وحماية أموالها» ، وتعديل النص الدستوري في الصياغة النهائية ليكون: تنظم الدولة أداء الزكاة، وتحمي أموالها، وتضمن صرفها في مصارفها الشرعية، ويجوز أداؤها مباشرة أو عبر الجهات العامة والأهلية المعتمدة وفقاً للقانون، ولا تعد أموال الزكاة من الإيرادات العامة للدولة.

(9) الصدقات والتبرعات: من العطاء الفردي إلى التمويل المجتمعي المنظم

إذا كانت الزكاة فريضة ذات مقادير ومصارف محددة، وكان الوقف أصلاً استثمارياً يُحبس لضمان الاستدامة، فإن الصدقات والتبرعات تمثل المساحة الأوسع والأكثر مرونة في التمويل المجتمعي.

فالإنسان يستطيع أن يتصدق بالقليل أو الكثير، في أي وقت، ولغرض مشروع يختاره: لمريض، لمؤسسة، لمرفق صحي، لطالب علم، لمبادرة محلية، أو لرعاية أسر متعففة.

وهذه المرونة هي مصدر قوة التبرعات، وهي في الوقت ذاته مصدر مخاطرها، فكلما اتسعت الأغراض والقنوات دون نظام ضامن، ازدادت احتمالات:

  • جمع الأموال باسم حاجات صورية أو غير حقيقية.
  • استخدام الحسابات الشخصية للأفراد والخلط بين مال الحملة ومال القائمين عليها.
  • تغيير غرض الحملة بعد جمع المال دون إذن المتبرعين.
  • انتهاك كرامة الفقراء والمرضى بإنتاج مواد إعلامية واستغلال صورهم.
  • تضخيم التكاليف التشغيلية والاقتطاعات التعسفية.
  • تسرب الأموال لأنشطة غير مشروعة أو تحول العطاء إلى سوق عشوائي بلا حوكمة.

ومن هنا لا يكون السؤال:

هل تسمح الدولة للناس بالتصدق؟

فليس من وظيفة الدولة أن تمنح الناس إذناً لفعل الخير، وإنما السؤال هو:

متى ينتقل العطاء من علاقة شخصية بين معطٍ ومتلقٍ إلى «نشاط مالي عام» يستدعي التنظيم والإفصاح والمساءلة؟

بالتالي، لا ينبغي استخدام كلمة “تبرع” لتغطية أوعية مالية تختلف حقوقها وطرق إدارتها، ويبنى المعمار القانوني على التمييز بين سبعة نماذج للعطاء:

 الصدقة الفردية المباشرةعطاء الشخص المباشر من ماله الخاص لمحتاج أو قريب، دون دعوة الجمهور للشراكة ودون وسيط. وهذه لا تحتاج إلى ترخيص أو تدخل حكومي، بل تخضع للقواعد العامة لمكافحة الجريمة وغسل الأموال. 
 التبرع غير المقيدمال يمنحه المتبرع لمؤسسة موثوقة لتوجيهه وفق رسالتها، ويمنح المؤسسة مرونة لتغطية النفقات الأساسية، وتطوير أصولها، وسد الفجوات.
 التبرع المقيدمال مخصص لغرض حتمي صريح (علاج مريض معين، بناء بئر، شراء جهاز طبي). هذا المال يعد “أملاً مقيداً” بإرادة المتبرع ولا يصبح ملكاً حراً للمؤسسة.
 الهبة والوصيةنقل ملكية أصل أو مال لمؤسسة، وتؤول ملكيته لها بحسب الشروط دون أن يخضع لقواعد الوقف المحبوس.
 المنحة المؤسسيةتمويل تعاقدي تقدمه شركة، أو مؤسسة مانحة، أو جهة دولية وفق ميزانية محددة، جدول زمني، ومؤشرات قياس أداء (KPIs).
 التبرع العينيمعدات، أدوية، مواد غذائية، أو خدمات. ويجب أن يُقيم بمنفعته الميدانية الفعلية لا بقيمته الدفترية الشكليّة المعلمة.
 حملة جمع التبرعات العامةدعوة جمهور غير محدد لتقديم الأموال لغرض معلن. وهنا تبدأ العلاقة المالية العامة التي تستوجب الترخيص والتنظيم، لأن الجامع يتصرف في أموال غيره على أساس وعد معلن.

و ينبغي وفقاً لما سبق ، أن تفرق المنظومة التشريعية بين من يتصرف في ماله الخاص (حرية كاملة)، وبين من يطلب أموال الآخرين، فمن يطلب أموال الناس يُصنف قانونياً كـ “أمين مال ووسيط ومسؤول عن صحة الوعود”، ولذلك يحظر حظراً تاماً استخدام الحسابات البنكية الشخصية للأفراد في جمع التبرعات العامة والحملات الكبيرة، وتحدد أربع قنوات رسمية معتمدة لجمع المال العام:

  1. الجمعيات والمؤسسات المعتمدة: تجمع التبرعات ضمن أغراضها بسجل حظي بسريان مالي ورسمي، عبر حسابات مصرفية باسم الكيان نفسه.
  2. الحملات الفردية تحت رعاية مؤسسية: يستطيع الفرد أو الناشط اقتراح إطلاق حملة حالة مرضية أو إغاثية، ولكن عبر مؤسسة أهلية راعية تنظم الحساب المصرفي، تتحقق من صحة الحالة، تدفع للمستشفى أو المستفيد مباشرة، وتُصدر تقرير الإغلاق.
  3. المنصات الرقمية المرخصة: منصات تقنية استضافة وحشد وتتبع للمدفوعات، تلتزم بـ “حسابات أمانة مقيدة” ولا تمتلك الأموال أو تخلطها بعملياتها.
  4. الصناديق العامة وحملات الطوارئ الحكومية: حملات تطلقها الدولة في الكوارث والسيول، وتلتزم بذات قواعد الإفصاح وفصل الحسابات والقوائم المعتمدة.

و تطبيقاً لتوصيات مجموعة العمل المالي (FATF)[4] لحماية القطاع غير الربحي دون خنقه، يستبدل نظام “الموافقة المركزية البطيئة لكل حملة” بنظام “التصنيف الرقابي المتدرج القائم على المخاطر”:

فئة الحملةخصائص الحملةالإجراء والمسار الرقابي المقترح
 محلية محدودةمبلغ منخفض، ونطاق مجتمعي ضيقتسجيل إلكتروني مبسط لدى منصة أو مؤسسة راعية.
 مؤسسية اعتياديةتنفذها جمعية مسجلة ضمن برنامجهاإخطار إلكتروني وإفصاح دوري ضمن القوائم السنوية.
 وطنية مرتفعة القيمةتستهوي جمهوراً واسعاً ومبالغ ضخمةمراجعة مسبقة لخطة الحملة، وتدقيق مالي مستقل.
 عابرة للحدود / طوارئتحويلات دولية أو مناطق نزاععناية واجبة موسعة وتتبع للتدنيفقات ومصادر التمويل.

وآلية ذلك في تقييد نية المتبرع:

 النية قيد شرعي وقانوني حتميالإعلان عن نداء التبرع يخلق “التزاماً تعاقدياً أخلاقياً وقانونياً”، فلا يجوز تحويل أموال “علاج الطفل فلان” لبناء مدرسة أو لمشروع آخر لمجرد أنه مفيد، إلا في حال إعلان “الغرض البديل أو الثانوي” مسبقاً في نداء الحملة (على غرار المعايير البريطانية لجمع التبرعات[5]).  عند وجود فائض أو تعذر التنفيذ، يتبع الترتيب الآتي:تنفيذ الغرض البديل المعلن في وثيقة الحملة. توجيه المال لغرض وثيق الصلة ومطابق لإرادة المتبرعين. استئذان المتبرعين أو إعادة الأموال إن أمكن ذلك. صدور قرار تنظيمي من وحدة تنظيم العطاء في الحالات المعقدة.
 التكاليف التشغيلية العادلة (إلغاء وهم “صفر تكلفة”)استناداً لمفهوم (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا)، فإن التثبت، والتدقيق، والبحث الميداني، والتحول الرقمي له تكلفة مالية حقيقية. أما خديعة “وصول 100% من التبرع للمستفيد” تُدفع إما بالتقصير، أو باقتطاع مبالغ خفية من الباب الخلفي. ومن أجل ذلك يقترح:الإفصاح المسبق عن نسبة أو مبلغ التكلفة الإدارية والتشغيلية قبل استقبال التبرع. حظر عقود جمع الأموال التي تمنح المسوقين عمولات مفتوحة أو نسباً عالية متغيرة من المبالغ المجموعة، والاعتماد بدلاً من ذلك على أجور ورسوم ثابتة ومحددة.
 صيانة كرامة المستفيد وحقوق المتبرعحقوق المتبرع: معرفة الكيان، وضوح الغرض، الحصول على إشعار تلقائي باستلام المال، الإفصاح عن التكاليف الجوهرية، وعدم تداول أو بيع بياناته الشخصية للتسويق. حقوق المستفيد (الكرامة أولاً): الفقر والحاجة ليسا تنازلاً عن المواطنة والكرامة. يحظر نشر الصور المهينة للمرضى أو الأطفال، ويحظر استخدام المساعدات للابتزاز السياسي أو المذهبي. وتصدر المساعدات عبر بطاقات رقمية أو كشوفات محصنة دون وسم بصري يشعر صاحبها بالإذلال.

ومن أجل ذلك تنشئ الدولة “السجل الوطني الإلكتروني لحملات التبرع العامة” ليكون دليلاً شفافاً متاحاً للجمهور، يعرض:

  • رقم الحملة الترخيصي ومعلومات الكيان المعتمد.
  • الهدف المالي المحدد، والمبلغ المحصل حتى اللحظة، وتاريخ الإغلاق.
  • نسبة التكاليف التشغيلية المعلنة، والتقرير الختامي للإنجاز.
  • ولا يعرض في هذا السجل إطلاقاً: الأسماء التفصيلية أو البيانات الحساسة أو عناوين وصور المستفيدين والأسر المحتاجة.

وينشأ داخل “المركز الوطني للاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي” المقترح،  جهاز تنفيذي متخصص يُسمى: “وحدة تنظيم العطاء والتمويل المجتمعي”.

التبرعات والعطاء المجتمعي ليست بديلاً عن الدولة وميزانيتها في تقديم الصحة، والتعليم، والرواتب، والحماية الاجتماعية، بل رافد رديف يمتص الصدمات، ويسد الفجوات، ويبتكر الحلول.

والدولة التنموية البراغماتية لا تقف عائقاً بين المتصدق والمحتاج، بل تبني “النظام المؤسسي الرقمي الشفاف الذي يحمي نية المتبرع، ويصون كرامة المستفيد، ويضمن إيصال الحق إلى مستحقيه بحوكمة رفيعة وأثر موثق”.

(10)                    الاستثمار الاجتماعي وقياس العائد

قامت أجزاء واسعة من العمل التنموي والإغاثي في اليمن على سؤال بسيط:

“كم أنفقنا؟”.

ثم تطور السؤال قليلًا ليصبح:

“كم شخصاً استفاد؟”.

لكن الاقتصاد الاجتماعي الحقيقي والحديث يتطلب طرح سؤال أعمق:

“ما الذي تغير فعلاً في حياة الناس والمجتمع نتيجة ما أنفقناه؟”

قد تنفق مؤسسة مليون دولار، وتنفذ عشرات الأنشطة، وتوزع آلاف السلال والمساعدات، دون أن تحقق تغيراً مستداماً يوازي حجم هذا الإنفاق.

وفي المقابل، قد تنفق مؤسسة أخرى مبلغاً أقل، لكنها تنجح في:

  • نقل أسر من الاعتماد على المعونات إلى الدخل المستقل والمستقر.
  • حماية الأطفال من التسرب المدرسي والعمالة المبكرة.
  • تخفيض معدلات المرض عبر تحسين مصادر المياه والبيئة المحلية.
  • خلق فرص عمل محلية حقيقية وتأهيل الشباب لمهن يطلبها السوق.
  • بناء أصول إنتاجية ومجتمعية تستمر في العطاء بعد انتهاء التمويل.
  • تجنيب الدولة والمجتمع تكاليف وإخفاقات مستقبلية باهظة.

الفرق بين الحالتين لا يكمن في نبل العاطفة أو حسن النوايا، بل في نوع القيمة التي ولدها الإنفاق، ومن هنا ينبثق مفهوم “الاستثمار الاجتماعي”،

فالمال هنا لا يُعامل كعنصر مستهلك يخرج من الخزانة وينتهي بنهاية النشاط، بل كمورد يوظف لإحداث تغيير اجتماعي واقتصادي محدد، قابل للقياس، والاستدامة.

نعتمد في هذه الورقة المفهوم الواسع لـ الاستثمار الاجتماعي وهو:

توظيف المال، أو الأصول، أو الوقت، أو الخبرات الفنية في تدخل منظم يستهدف تحقيق نتائج اجتماعية، اقتصادية، أو بيئية قابلة للقياس، مع صيانة استدامة الأثر والموارد.

وقد يتخذ الاستثمار الاجتماعي صوراً وأدوات متعددة:

  • منحة تأسيسية مشروطة بالأثر.
  • قرضاً ميسراً أو منحة قابلة للاسترداد.
  • ضماناً مالياً لتشجيع التمويل البنكي للمنشآت الصغرى والتعاونيات.
  • أصلاً وقفياً استثمارياً يولد تدفقات دائمة.
  • تمويلاً مقابل النتائج أو مشاركة في رأس مال مشروع الاجتماعي.

وهنا نضع تمييزاً بين أربعة مسارات مالية وتنموية:

المسار الماليالهدف الاجتماعي والبيئياسترداد رأس المالالعائد المالي للممول
 التبرع والمنحة التقليديةهدف رئيسي وأساسيلا يُستردصفر
 الاستثمار الاجتماعي الواسعهدف رئيسي مقصودقد يسترد جزئياً أو كلياًقد يتحقق أو يعاد توظيفه
 الاستثمار ذو الأثرهدف رئيسي ومباشرنعم، يسترد الأصلعائد متوقع بدرجات متواضعة
 الاستثمار التجاري التقليديثانوي أو غير مقصودنعمالعائد الربحي هو المحرك الرئيسي

ومن هذا ، ليس كل إنفاق مال على غرض نبيل يعد استثماراً اجتماعياً، فالإغاثة العاجلة أثناء الحروب والكوارث ضرورة إنقاذية حاسمة لتأمين الرمق، لكن تحويل الإغاثة الاستهلاكية المؤقتة إلى نمط حياة دائم جريمة تعطل طاقات المجتمع، وتحوله الى (اتكالي) ومنعدم الحيلة.

والنموذج الذكي للمرحلة الانتقالية يجمع بين المسارين في برنامج واحد ممتد:

  1. دعم إغاثي ونقدي طارئ يمنع الجوع والانهيار المعيشي.
  2. تأهيل وتمليك أصل إنتاجي يمنح الفرد مهنة ورأس مال مصغر.
  3. ربط بالسوق وشبكات التمويل عبر التعاونيات والضمانات المالية.
  4. متابعة وتقييم للأثر الصافي للتأكد من خروج الأسرة الفعلي من دائرة الاحتياج.

تعتمد الورقة سلسلة التغيير التنموي لا مجرد قياس المخرجات، فالمؤسسة التي تعلن أنها “دربت 500 امرأة و حصلت على 300 آلة خياطة” توثق مخرجات فقط،  أما قياس الأثر فيجيب عن الأسئلة الحقيقية:

  • كم مشروعاً استمر بعد 12 شهراً؟
  • كم ارتفع دخل الأسرة المادي؟
  • كم أسرة استغنت عن السلة الغذائية؟
  • وهل كان هذا التحسن بسبب المشروع أم بسبب انتعاش عام في السوق؟

منهجية العائد الاجتماعي على الاستثمار (Social Return on Investment – SROI) تهدف إلى تقدير القيمة الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية الناجمة عن التدخل ومقارنتها بالتكلفة المالية المباشرة:

SROI = إجمالي القيمة الاجتماعية والمالية الصافية المقدرة /إجمالي تكلفة الاستثمار المالي.

إذا أظهر التحليل أن برنامجاً كلف مليون دولار وحقق منافع اجتماعية صافية مقدرة بـ 3 ملايين $، فإن نسبة العائد هي (3:1)، أي أن كل ريال استُثمر ولد ما قيمته 3 $ من المنافع والوفر المجتمعي.

تتولد هذه القيمة الاجتماعية من أشكال متعددة ، من ذلك:

  • زيادة الدخل المباشر وتأسيس أصول أسرية.
  • انخفاض نفقات العلاج نتيجة تحسن المياه والصحة الأولية.
  • الوفر في نفقات الإغاثة والرعاية الحكومية.
  • الوقت القصير الوارد من تقليل مسافة جلب المياه أو الخدمات.
  • تحسن مستويات الاستقرار النفسي والاجتماعي والكرامة الإنسانية للمستفيدين.

لكي لا تتحول تقارير الأثر إلى مجرد أدوات تسويق وإعلانات، يجب تعديل نتائج أية دراسة بأربعة محددات أساسية لخصتها معايير القيمة الاجتماعية الدولية[6] (Social Value International):

  1. ما كان سيحدث دون التدخل ، وهنا يتم  عزل التحسن الطبيعي الذي كان سيطرأ على المستفيد حتى لو لم ينفذ المشروع.
  2. مساهمة الأطراف الأخرى ، وهذا عبر إرجاع جزء من النجاح للجهات التمويلية أو الحكومية أو الأسرية التي شاركت في التدخل.
  3. الإزاحة ، وهذا بالتأكد من أن المشروعات الجديدة لم تتسبب في الضرر بمشاريع مجاورة قريبة عبر نقل المبيعات فقط دون تحريك الطلب الكلي.
  4. تراجع الأثر بمرور الوقت ، ويتم عبر احتساب التناقص الطبيعي لكفاءة التدريب أو المعدات بمرور السنوات إذا لم تجدد.

و تجنباً لتحويل قياس الأثر إلى عبء بيروقراطي يرهق الكيانات الصغيرة، تعتمد مستويات متدرجة للقياس انسجاماً مع توصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية[7] (OECD):

  1. القياس الأساسي (للمبادرات والجمعيات الصغيرة) عبر قياس المخرجات المباشرة، ورضا المستفيدين.
  2. إدارة النتائج (للمؤسسات المتوسطة) باعتماد “نظرية تغيير” وتحديد خط أساس، وتتبع المستفيدين بعد 6-12 شهراً.
  3. تقييم الأثر المعمق (للبرامج الكبرى) بمقارنات عينية، ومراجعة مستقلة، وتحليل عزل المتغيرات الخارجية.
  4. العائد الاجتماعي على الاستثمار (SROI)، للمشاريع الاستثمارية والوقفية الكبرى التي تتطلب اتخاذ قرارات تخصيص رأس المال.

لا تحتاج المشروعات الاجتماعية إلى قالب تمويلي جامد، بل تتطلب طيفاً مرناً من الأدوات المالية ومن ذلك:

  1. المنحة التأسيسية للمراحل الأولى عالية المخاطر.
  2. المنحة القابلة للاسترداد حيث تُسترد أصل المبالغ عند نجاح المشروع ليعاد تدويرها لمشاريع أخرى.
  3. القروض الميسرة والتمويل التشاركي لفترة سماح وتكلفة منخفضة تناسب دفق المشروعات الصغرى والتعاونيات.
  4. ضمانات التمويل لتغطية المخاطر و لتشجيع البنوك على إقراض القطاع الثالث.
  5. التمويل المختلط  عبر دمج المنحة مع القرض والضمان لخفض كلفة الاستثمار.
  6. التمويل مقابل النتائج عبر ربط صرف التمويل بتحقق نتائج ملموسة ومتحقق منها عبر طرف ثالث مستقل.

ومن أجل توطين هذا التحول خلال المرحلة الانتقالية، يُقترح بناء معمار تنفيذي مرن يضم:

  1. وحدة قياس وإدارة الأثر تتبع “المركز الوطني للاقتصاد الاجتماعي”، وتضع المبادئ والمؤشرات الوطنية المرجعية.
  2. صندوق الاستثمار الاجتماعي كنافذة تمويلية ممكنة تعتمد المنح القابلة للاسترداد، والضمانات، والتمويل المختلط بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية والقطاع المصرفي.
  3. مختبر المشروعات الاجتماعية كحاضنة تقدم الدعم الفني، وتصميم نماذج الأعمال الاجتماعية، واختبار المنتجات والخدمات الاجتماعية قبل توسيعها.
  4. شبكة المقيمين المستقلين وتمثل هيئة أو قائمة من الاستشاريين والمؤسسات المحايدة المعتمدة لتدقيق وتقييم تقارير الأثر منعاً لتضارب المصالح.

(11)                    المعمار المؤسسي الجديد

بعد تحديد مكونات الاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي، ومصادر تمويله، وأدوات استدامته وقياس أثره، نصل إلى السؤال المؤسسي:

من يدير هذه المنظومة، ومن ينظمها، ومن يمولها، ومن يراقبها؟

لا يكفي أن نعترف بالقطاع أو نحدث قوانينه، إذا أبقيناه حبيساً داخل الجهاز الإداري التقليدي نفسه الذي اختزل عمله لعقود في التسجيل الورقي والموافقات البطيئة ومتابعة الانتخابات.

كما لا يكفي تغيير اسم “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل”، ثم إعادة توزيع الإدارات القديمة تحت لافتات حديثة.

المشكلة تكمن في جمع وظائف مختلفة ومتعارضة داخل جهة واحدة، والإصلاح الحقيقي يبدأ من قاعدة أساسية هي:

السياسة ليست تنظيماً، والتنظيم ليس تمويلاً، والتمويل ليس تنفيذاً، والتنفيذ ليس رقابة.

وحين تجتمع هذه الوظائف في جهة واحدة تصبح الدولة خصماً وحكماً وممولاً ومنفذاً في الوقت نفسه، أما حين تفصل بينها، فإنها تصبح أقدر على إدارة التنمية بكفاءة ونزاهة.

الجمع الحالي بين “الشؤون الاجتماعية” و “العمل” يدمج مجالين تختلف فلسفتهما التشغيلية:

  • مجال العمل والتشغيل: يعنى بسوق العمل، والأجور، والمهارات، والسلامة المهنية، وعلاقات العمل، والنقابات العمالية.
  • مجال التنمية الاجتماعية: يعنى بالحماية الاجتماعية، وسياسات الحد من الفقر، وتمكين الفئات الهشة، والاقتصاد الاجتماعي، والشراكات غير الربحية، والاستثمار الاجتماعي.

لذلك اقترح إعادة هيكلة المسارين إلى وزارتين تخصصيتين تعملان ضمن منظومة حكومية متكاملة:

  1. وزارة الموارد البشرية والعمل: تجمع بين الخدمة المدنية، وسياسات الوظيفة العامة، وتنظيم سوق العمل، والتشغيل، والتصنيف المهني، والتدريب الفني، والنقابات العمالية (تطبيقاً لما طرحته في ورقة سوق العمل العدد 52 من مجلة الرابطة).
  2. وزارة التنمية الاجتماعية: تتفرغ لقيادة السياسة الاجتماعية للدولة، وتصميم شبكات الأمان الاجتماعي، وإدارة ملفات الفقر والهشاشة، والتعاقد على شراء الخدمات الاجتماعية، وتقييم الأثر التنموي العام. (دون أن تنشغل بالمعاملات اليومية للترخيص والتسجيل).

كما أقترح إنشاء “المركز الوطني للاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي” او المسمى المناسب كمؤسسة عامة تنظيمية وتنموية ذات استقلال إداري وفني، ترتبط خلال المرحلة الانتقالية بمجلس الوزراء، مع ارتباط سياساتي بوزارة التنمية الاجتماعية.

لماذا المركز؟

  • لحماية القطاع الاجتماعي من التجاذبات السياسية والتقلبات الوزارية المتعاقبة.
  • للفصل التام بين “واضع السياسة الاجتماعية” (الوزارة) و”المُنظم التنفيذي” (المركز).
  • لتوفير “نافذة رقمية موحدة” بدلاً من تشتت المعاملات بين عدة هيارات ووزارات.
  • لمنع تضارب المصالح عندما تتعاقد الوزارة مع مؤسسة أهلية ثم تتولى رقابتها بنفسها.

و حتى لا يتحول المركز إلى بيروقراطية متضخمة، يُبنى حول ست وحدات تنظيمية فائقة الرقمنة:

الوحدة التنفيذيةالاختصاصات والمسؤوليات الرئيسية
 التسجيل والتصنيفالسجل الموحد، التصنيف بحسب الحجم والمخاطر، وتحديث الهوية الرقمية.
 الحوكمة والامتثالمتابعة الإفصاح المالي، منع تضارب المصالح، وتدقيق قواعد الامتثال.
 العطاء والتمويل المجتمعيتنظيم التبرعات العامة، ترخيص المنصات، ومتابعة القنوات.
 تنظيم أداء الزكاةاعتماد الجهات والمستقبلين، متابعة الحسابات المقيدة، والمعايير الشرعية.
 الأثر والبيانات الوطنيةقياس العائد الاجتماعي (SROI)، الحساب التابع للقطاع الاجتماعي وغير الربحي، والمؤشرات.
 تنمية القطاع والابتكاردعم المشروعات الاجتماعية، التحول الرقمي، وتسهيل أدوات الاستثمار.

يُشكل مجلس الإدارة بتوازن يمنع الهيمنة الحكومية المطلقة، فيضم ممثلين عن وزارات الشئون او التنمية الاجتماعية، والموارد البشرية، والمالية، والتخطيط، والإدارة المحلية) والبنك المركزي، وممثلين منتخبين عن الجمعيات، التعاونيات، والأوقاف المؤسسية، والقطاع الخاص، إلى جانب خبراء مستقلين في الحوكمة والأثر.

  1. يتعامل الكيان مع المركز عبر “رقم مؤسسي وطني موحد”، تنجز من خلاله إجراءات التأسيس، والربط الضريبي والبنكي، والتقارير السنوية الشاملة التي تتوزع آلياً بين الجهات المعنية دون مطالبة المؤسسة بإعادة تقديم بياناتها لجهات متعددة.
  2. ولا يتدخل المركز في التقييم الميداني للخدمات التخصصية، بل يقتصر دوره على الشخصية القانونية والحوكمة المالية، وتتولى الوزارات الفنية (الصحة، التعليم، الزراعة، الثروة السمكية) الإشراف على جودة الخدمة والمواصفات الميدانية عبر وحدات شراكة متخصصة تعمل داخل المنصة الرقمية نفسها دون طلب تراخيص موازية بناء على طبيعة الكيانات الاجتماعية وغير الربحية.

تحدد المصفوفة التالية خطوط الفصل بين مكونات المعمار الجديد لمنع التداخل والازدواجية:

الوظيفة والمسارالجهة المختصة بالولايةما لا ينبغي للجهة القيام به (الخط الأحمر)
 السياسة الاجتماعية العامةوزارة التنمية الاجتماعيةالتسجيل والرقابة اليومية على المؤسسات.
 سوق العمل والموارد البشريةوزارة الموارد البشرية والعملإدارة الجمعيات الأهلية وحملات التبرعات.
 التنظيم والتسجيل والحوكمةالمركز الوطني للاقتصاد الاجتماعيتقديم التمويل المباشر أو تنفيذ المشروعات.
 الإشراف الفني والمهنيالوزارات القطاعية + النقابات المهنيةإعادة تسجيل الكيانات أو التدخل في حوكمتها الداخلي.
 التمويل وبناء القدراتالصندوق الاجتماعي للتنمية والجهات الوسيطةإصدار التراخيص القانونية أو الرقابة السيادية.
 إدارة الوقف العامهيئة/مؤسسة إدارة الأوقاف العامةوضع اليد أو إدارة الأوقاف المؤسسية الخاصة.
 تنظيم أداء الزكاةمجلس تنظيم الزكاة (داخل المركز)الجباية الاحتكارية المباشرة أو دمج الأموال الموازنة.
 التنسيق والربط المحليفروع المركز بالسلطات المحلية للمحافظاتفرض رسوم أو تراخيص محلية موازية للقانون.

يحتفظ الصندوق الاجتماعي للتنمية (SFD) بموقعه الاستراتيجي كـ “مؤسسة تنموية وسيطة مستقلة بموجب قانونها الخاص” ، و يتفرغ الصندوق:

  • لإدارة التمويلات الكبرى،
  • وتنمية المجتمعات المحلية،
  • وتشغيل البرامج كثيفة العمالة،
  • ودعم التمويل الأصغر والاستثمار الاجتماعي.

 المعمار المؤسسي الجديد لا يستهدف زيادة عدد الهيئات والمكاتب الحكومية، بل يُقاس نجاحه التنفيذي بعدد المعاملات والاشتراطات التي تم إلغاؤها، والزمن الذي اختصر، والشفافية الرقمية التي أتيحت، والتحول الفعلي للأموال من إنفاق استهلاكي إلى أثر تنموي مستدام ومقاس.

(12)                    خارطة الانتقال والضمانات

بناء المعمار المؤسسي الجديد أسهل على الورق منه في الواقع الميداني، خاصة في دولة تعيش انقساماً سياسياً، وضعفاً مالياً، وتعدداً في مراكز النفوذ، لذلك فإن التحول التنظيمي لا ينبغي أن يبدأ بإلغاء الهياكل القائمة دفعة واحدة أو انتظار إصدار قانون معقد وشامل، لأن ذلك سيؤدي حتماً إلى تجميد التحويلات، وتعطيل الخدمات، وإحداث فراغ إداري يضر بالمجتمع.

بالتالي تدار عملية التحول المؤسسي إلى المبادئ التالية:

  1. عدم تجميد أي حساب مصرفي أو إيقاف ترخيص مؤسسة عاملة بحجة “توفيق الأوضاع”.
  2. البدء بتطبيق القرارات والمنصات الرقمية وفصل المسارات إدارياً قبل التوسع في إنشاء الهيئات والتوظيف.
  3. الاعتماد على السجل الرقمي الموحد والربط بين الجهات لتقليل الاحتكاك البشري وتقليص زمن الخدمة.
  4. اختبار النماذج في محافظات نموذجية (مثل حضرموت وعدن) وتقييم النتائج قبل التوسع الوطني.
  5. إطلاق اللوائح والمسارات المؤقتة أولاً، واستخدام نتائجها الميدانية في صياغة التشريعات الدائمة.
  6. إشراك الجمعيات، والتعاونيات، والأوقاف، والقطاع الخاص في تصميم المنصات ومراجعة الأدلة التنظيمية.
  7. المعيار الاساسي للتقييم هو الامتثال، والشفافية، والحوكمة، وليس القرب من السلطة أو الموقف السياسي.

تتدرج خارطة الانتقال عبر أربع مراحل متكاملة، كما يلي:

 المرحلة التمهيدية برنامج المئة يوم الأولىإصدار قرارات بوقف فرض أية رسوم غير قانونية، و حظر استخدام الحسابات الشخصية للحملات العامة الكبيرة، و وقف دمج أموال الزكاة في الموازنة، وتشكيل “فريق وطني فني لإدارة الانتقال”. إطلاق “السجل الرقمي الموحد”، و إحداث القطاعات الثلاثة المستقلة داخل وزارة الشؤون الاجتماعية القائمة (جمعيات، تعاونيات، نقابات)، و نشر “ميثاق الخدمات” المحدد للأزمنة والوثائق، وإصدار أدلة جمع التبرعات وحسابات الزكاة، وتطبيق خط الأساس الاحصائي للقطاع.
 المرحلة الأولى والمتوسطة السنة الأولى والى نصف السنة الثانيةإعادة تسكين ملفات الخدمة المدنية وسوق العمل والنقابات العمالية في “وزارة الموارد البشرية والعمل”، وتفريغ “وزارة التنمية الاجتماعية” للسياسات الاجتماعية العامة والحماية. تأسيس المركز الوطني للاقتصاد الاجتماعي (بصفة انتقالية) و إطلاق وظائف السجل، والتصنيف الرقابي المتدرج، ووحدة العطاء، ومجلس تنظيم الزكاة. إطلاق بوابات الشراكة في الوزارات الفنية (صحة، تعليم، زراعة)، وتفعيل مكاتب الاقتصاد الاجتماعي في المحافظات النموذجية لتنسيق التدخلات التنموية.
 المرحلة الثالثة نهاية السنة الثانيةصدور “القانون الإطاري للاقتصاد الاجتماعي وغير الربحي”. تعديل وقوانين الجمعيات، والتعاونيات، والزكاة، والوقف (الشرعي) المؤسسي، والشركات الاجتماعية. التثبيت القانوني الدائم للمركز الوطني واختصاصاته التنظيمية.
 المرحلة الرابعة من نهاية السنة الثالثةالتوسع في أدوات التمويل الاجتماعي المختلط، وبناء الصناديق الوقفية للشركات والنقابات، وتفعيل الشراء الحكومي ذي القيمة الاجتماعية، وإصدار التقرير الوطني السنوي للحساب الاقتصادي التابع.

يقود هذه العملية “المجلس التوجيهي للتحول نحو الاقتصاد الاجتماعي” برئاسة رئيس الوزراء (أو من يفوضه)،

ويضم وزراء التنمية الاجتماعية، الموارد البشرية (الشئون الاجتماعية والعمل والخدمة المدنية)، والمالية، والتخطيط، والإدارة المحلية، والبنك المركزي، والصندوق الاجتماعي للتنمية، وممثلين عن السلطات المحلية، وممثلين عن التعاونيات والجمعيات والقطاع الخاص.

وظيفة المجلس التوجيهي:

  • حسم تنازع الاختصاص بين الوزارات،
  • اعتماد أدلة الانتقال،
  • وتذليل العقبات البيروقراطية، دون التدخل في القرارات الميدانية اليومية لتسجيل المؤسسات أو منح التمويل.

تحدد المصفوفة التالية المخاطر الرئيسية التي قد تواجه عملية التحول وكيفية التعامل معها:

الخطر المتوقع أثناء الانتقالمظاهر الخطر والتهديدالضمانة التنفيذية والوقائية المقترحة
 الاستحواذ والتسييساستغلال التسجيل والترخيص لمكافأة الموالين وإقصاء المختلفين.معايير حوكمة معلنة، حق الطعن القضائي، والقبول الضمني التلقائي عند تأخر القرار.
 تضخم الجهاز البيروقراطيتحويل المركز إلى هيئة ضخمة تلتهم الميزانيات وتكرر الوظائف.اعتماد الرقمنة الشاملة، سقف وظيفي مرن، والاعتماد على الكوادر الفنية التأهيلية.
 احتكار النافذة الموحدةتحول النافذة الموحدة إلى “عنق زجاجة” يعطل المعاملات.القبول الضمني القانوني بعد 30 يوماً، وتفويض الصلاحيات لمكاتب المحافظات.
 إرهاق الكيانات الصغيرةفرض معايير تدقيق معقدة وكلفة مالية على الجمعيات والمبادرات القروية.نظام تصنيف متدرج بحسب الحجم والمخاطر، مع إعفاءات وإفصاح مبسط.
 التمويل غير المشروعاستغلال التبرعات والغطاء الأهلي في أنشطة محظورة.التحقق الرقمي من الحسابات المقيدة، والتنسيق المعياري مع وحدة المعلومات المالية.
 احتكار الكبار للتمويلاستحواذ المنظمات الكبرى على التمويلات لعجز الكيانات المحلية عن صياغة العقود.تخصيص نوافذ تمويلية للمجتمعات المحلية عبر الصندوق الاجتماعي وصناديق المحافظات.
 تسييس الزكاة والأوقافاستخدام أموال الزكاة أو الأوقاف لتمويل النفقات السيادية العامة للحكومة.الفصل المحاسبي التام، ومجالس حوكمة مستقلة ونشر التقارير المالية للجمهور.
 صناعة الأثر الوهميتضخيم الأرقام والنسب لشركات الاستشارات لجلب المانحين.اعتماد شبكة مقيمين مستقلين، وتطبيق معايير عزل العوامل الخارجية.

نجاح خارطة الانتقال يقاس بعدد الإجراءات التي ألغيت، والزمن الذي اختصر، والتحول الفعلي لأموال المجتمع إلى أصول ومشاريع ذات أثر تنموي مستدام.

(13)                    الخاتمة: من اقتصاد يعمل في الظل.. إلى شريك في بناء الدولة

خلال سنوات الحرب والانقسام المؤسسي، تراجعت مؤسسات الدولة، وانكمش القطاع الخاص، وتعطلت الخدمات الأساسية، لكن المجتمع لم يتوقف، تحركت الجمعيات والمؤسسات الأهلية المستقلة والتابعة للقطاع الخاص، وكذلك التعاونيات، والمبادرات المحلية، والصندوق التنموي والوحدات التنفيذية المساندة، والمتطوعون من كل أطياف المجتمع،

قدموا الغذاء، المياه، والتعليم، وشغلوا الموردين والمقاولين، ومولوا المشروعات الصغرى، واستوعبوا جزءاً كبيراً من الانهيار الاجتماعي.

ومع ذلك،

ظل هذا النشاط الضخم خارج التصور الاقتصادي الرسمي،

إذ تعاملت معه الدولة بوصفه “ملفات إدارية للتسجيل، أو مساعدات طارئة، أو أعمالاً خيرية موسمية”

ولم تتعامل معه كـ “اقتصاد حقيقي له أصول، وعاملون، ومشتريات، وحساب اقتصادي، وأثر قابل للقياس”

ظل التفكير الاقتصادي التقليدي يدور حصراً بين طرفين:

دولة تقدم الخدمات وتدير الموازنة العامة، وسوق يطلب الربح التجاري.

لكن بينهما تقف مساحة واسعة تشغلها القطاع الاجتماعي وغير الربحي ،

مساحة تستخدم أدوات الاقتصاد، لكنها توجه عوائدها لمنفعة مجتمعية حقيقية دون استحواذ خاص على الفائض.

هذا الضلع الثالث لا يحل محل الدولة في وظائفها السيادية والنقدية، ولا بديل عن القطاع الخاص في استثماراته،

لكنه يملا الفجوات بينهما:

  • يصل لفقراء الأرياف،
  • ينظم صغار المنتجين،
  • يبتكر الحلول الخدمية،
  • ويحول التبرع إلى أصل استثماري مستدام.

اليمن لا يعاني من نقص عددي في الكيانات المسجلة وررقياً، بل يعاني من هشاشة النوعية، حيث تبدأ كيانات كثيرة دون نموذج استدامة، وتعاش على المنحة قصيرة الأجل، وتنقاد برغبات المانحين، وتدير أموالاً كبيرة بأدوات إدارية قديمة، والقوة التي تنشدها الدولة التنموية في هذا القطاع لا تقاس بالأعداد المكتوبة على الأوراق، بل بـ:

  • حوكمة تحمي رسالة المؤسسة وتمنع تضارب المصالح.
  • أصول وقفية تضمن الاستدامة المالية والاستقلال.
  • كوادر محترفة تتقاضى أجوراً عادلة.
  • بيانات رقمية يُوثق بها عبر سجل وطني موحد.
  • أدوات لقياس الأثر الصافي للتعلم وتطوير التدخلات.

تتأطر الرؤية المتكاملة للورقة في عشرة تحولات استراتيجية تنقل القطاع من وضعه القائم إلى النموذج المأمول:

المسار والملفالوضع التنظيمي القائمالاتجاه الاستراتيجي المقترح
 توصيف القطاعقطاع خيري هامشي ورعاية اجتماعية.اقتصاد اجتماعي وغير ربحي معترف به وبأصوله.
 الرعاية التنظيميةوزارة تجمع شتات الوظائف والمتناقضات.فصل السياسات عن التنظيم، والتمويل، والرقابة.
 الهيكل الرقابيبيروقراطية موحدة تثقل الصغار وتغفل الكبار.رقابة متدرجة قائمة على المخاطر والحجم.
 الاستدامة الماليةالارتهان للمنح والتبرعات الموسمية.بناء الأوقاف المؤسسية والصناديق التنموية.
 أداء الزكاةجباية احتكارية تخلط أموالها بالموازنة.أداء منظم متعدد القنوات بحسابات مقيدة.
 جمع التبرعاتحملات غير منضبطة عبر حسابات شخصية.تمويل مجتمعي موثق عبر منصات ومؤسسات معتمدة.
 قياس الإنجازعدد الأنشطة والسلال الموزعة فقط.قياس الأثر الصافي والعائد الاجتماعي (SROI).
 إدارة التمويلإنفاق استهلاكي ينتهي بدفع المال.استثمار مجتمعي يبدأ عند ظهور التغيير.
 العلاقة مع المركزمركزية قاتلة تعطل المبادرات المحلية.سجل وطني موحد وتنفيذ لا مركزي بالمحافظات.
 صورة الإنسان“مستفيد دائم” يظهر في تقارير الصور.“مواطن قادر ومنتج” يستعيد استقلاله وكرامته.

دعوني أتذكر في الختام حكاية شعبية شهيرة “شوربة الحجارة” وهي تحكي عن عابر سبيل جائع حلَّ على قريةٍ سادها الشح وعزل الخوف أهلها في بيوتهم. لم يملك الرجل طعاماً، لكنه ملك حيلةً ذكية، وضع حجراً عادياً في حلة ماء مغلي، وصاح بأنه يصنع شوربة سحرية تحتاج فقط للقليل من الملح والخضار.  تبرع كل جارٍ بما يخفيه في بيته، لينتهي الأمر بوليمة عظيمة أطعمت القرية بأكملها.

لم يكن الحجر سحرياً، بل كان “المُنظم” الذي أخرج الوفرة الكامنة في البيوت.

وهذا تماماً هو جوهر ما اريد الوصول إليه،

إن الاقتصاد الاجتماعي ليس اقتصاد الفقراء أو الفئات العاجزة،

بل “اقتصاد ما يستطيع الناس أن يصنعوه معاً عندما يتنظمون”

  • وعندما يصبح هذا القطاع مرئياً في القانون،
  • ومحسوباً في الإحصاء الوطني،
  • ومحمياً بالحوكمة،
  • ومستداماً بالوقف المؤسسي،
  • ومهنياً بالعاملين عليه،
  • ومقاساً بالأثر الصافي،

فإنه لن يبقى مجرد قطاع إسعافي يتدخل لترقيع الفشل بعد انهيار الدولة أو عجز السوق، بل يصبح شريكاً أصيلاً وموثوقاً في منع الفشل من الأساس،

هذه هي الدولة التنموية البرغماتية التي نسعى إليها:

  • دولة قوية بوظائفها وسيادتها.. لا بتدخلها الاحتكاري في كل شيء.
  • وسوق منتج ومحفز.. لا منفلت أو ريعي.
  • ومجتمع منظم ومستقل.. لا تابع أو متسول.
  • ومواطن لا ينتظر من ينقذه.. بل يجد الكيان المؤسسي الذي يُمكنه من أن ينهض ويشارك في إنقاذ مجتمعه ووطنه.

أصلح الله بالكم،

ودمتم ودامت مجتمعاتكم ومؤسساتكم سالمة،  وقادرة على صناعة الأمل والبناء، والأمل في الله وحده لا شريك له،

وتذكروا قوله تعالى:

(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)

 (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

وإلى لقاء قريب بإذن الله.

احمد مبارك بشير

‏02‏/08‏/2026


[1] https://www.worldbank.org/en/news/feature/2022/03/02/scaling-up-impact-for-recovery-and-resilience-in-yemen?utm_source=chatgpt.com

[2] https://unstats.un.org/unsd/nationalaccount/docs/UN_TSE_HB_FNL_web.pdf

[3]   المؤتمر في دورته 110 اعتمد مفهوم (الاقتصاد الاجتماعي والتضامني) بأنه: يشمل المؤسسات والمنظمات والكيانات الأخرى التي تُعنى بالأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لخدمة المصلحة الجماعية أو العامة، والتي تقوم على مبادئ التعاون الطوعي والمساعدة المتبادلة، والحوكمة الديمقراطية أو التشاركية، والاستقلال الذاتي، وإعطاء الأولوية للأفراد والأهداف الاجتماعية على رأس المال في توزيع واستخدام الفوائض والأرباح والأصول. https://www.ilo.org/resource/news/definition-social-and-solidarity-economy-adopted-international-labour

[4] https://www.menafatf.org/sites/default/files/Newsletter/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%85%D9%88%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%202012%D9%85.pdf

[5] https://gcvs.org.uk/revised-code-of-fundraising-practice/

[6] https://www.socialvalueint.org/

[7] https://www.oecd.org/en/publications/measure-manage-and-maximise-your-impact_2238c1f1-en.html

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.