الطبطبة السياسية.. حين تغيب القضية اليمنية

الطبطبة السياسية والقضية اليمنية

الطبطبة السياسية.. حين تغيب القضية اليمنية

مرحبا،

إذا نظرنا إلى تجدد المعارك في عدد من الجبهات ضمن سياق الصراع اليمني الممتد عبر سنوات عجاف، فقد نحتاج إلى قراءته من زاوية مختلفة قليلاً.

ما يظهر من هذا التصعيد خلال أغسطس وسبتمبر 2026 هو أن صنعاء لا تضغط في نقطة واحدة، واستراتيجياً، قد يبدو ذلك مفهوماً، فإذا كان خصمك:

  • متعدد القيادات،
  • متعدد غرف العمليات،
  • ومعلوماته الاستخباراتية غير مدمجة،

فإن أفضل طريقة لاختباره تتمثل في الضغط على الجبهة الأقوى، ثم فتح جبهة ثانوية، ومراقبة الاستجابة لتحديد المحور الأضعف، ثم إجبار الخصم على نقل احتياطاته تحت الضغط إلى نقطة ثالثة،

وقد يفهم البعض ما اقوله، وقد لا يفهمه آخرون،

لكن لأوضح أنه ليس ضرورياً أن تكون كل الهجمات بهدف السيطرة على المواقع،

فقد يكون الهدف اكتشاف سرعة الاستجابة، وزمن وصول التعزيزات، ومعرفة من يصدر الأمر، ومن يرفض التحرك، وما الطرق اللوجستية المتاحة.

في الحرب،

لا تقاس وحدة القيادة بالهيكل التنظيمي وحده،

بل بعدد الدقائق أو الساعات التي تفصل بين اكتشاف التهديد، وصدور القرار، ووصول القوة المناسبة،

وهنا تظهر الدولة الحقيقية في مقابل الدولة الورقية.

لذلك تبدو لي المقارنة بين مناطق الحكومة الشرعية ومناطق سلطة صنعاء أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة في القوة العسكرية أو السيطرة الجغرافية،

فالمسألة تتعلق، في جوهرها، بكيفية إدارة الدولة، أو بكيفية إدارة السلطة لملفاتها المختلفة.

هل تملك السلطة مركزاً قادراً على جمع القرار السياسي والعسكري والأمني في اتجاه استراتيجي واحد؟

الدولة، يا سادة، ليست حكومة، وهذا ما أكرره دائماً،

وليست الدولة جيشاً، ولا أجهزة أمن واستخبارات معزولة بعضها عن بعض،

إنما تتشكل الدولة من تكامل ثلاث منظومات رئيسية:

  • الحكومة ومؤسساتها،
  • القوات المسلحة،
  • الأمن والاستخبارات.

على أن تتحرك هذه المنظومات الثلاث جميعاً في إطار

  • رؤية سياسية وطنية واحدة تحدد الغاية،
  • وتوحد القرار،
  • ثم تترك لكل مؤسسة أن تنفذ مهامها باحتراف، كلٌ ضمن اختصاصه.

وهنا يبرز المشهد اليمني الغريب:

في صنعاء، وبصرف النظر عن الموقف من طبيعة السلطة القائمة أو مشروعها السياسي،

يبدو مركز القرار أكثر وضوحاً وتماسكاً، فالمعلومة الأمنية والعسكرية والسياسية تتحرك داخل منظومة شديدة المركزية، وتعود في النهاية إلى قيادة واحدة تحدد الهدف والتوقيت وكيفية التحرك.

أما في مناطق الحكومة الشرعية، فالصورة معقدة،

هناك حكومة معترف بها دولياً،

ومجلس قيادة،

ووزارتا دفاع وداخلية،

وتشكيلات عسكرية وأمنية عديدة،

إلا أن هذه المنظومة لا تمتلك، حتى الآن، وحدة القرار الاستراتيجي.

ولا يمكن إنكار أنه، مع مطلع عام 2026، ظهرت محاولات لإعادة ترتيب المشهد، فتشكلت الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور شائع الزنداني، كما بدأت عملية لإعادة هيكلة ودمج أجزاء من المنظومة العسكرية والأمنية، بما في ذلك ما يتصل بالمرتبات،

لكن

التقارير تشير إلى استمرار الطبيعة الهجينة لبعض التشكيلات، وإلى تفاوت علاقتها بسلسلة القيادة الرسمية، ما يعني أن الانتقال من تعدد القوات إلى جيش دولة موحد لم يكتمل بعد.

قد توجد عشرات الألوية والتشكيلات، لكن الأسئلة تبقى:

من يمتلك المعلومة الكاملة؟

ومن يحدد أن التهديد في هذه الجبهة رئيسي، وفي الأخرى خداعي؟

ومن يستطيع تحريك الاحتياط من منطقة إلى أخرى؟

ومن يملك حق إصدار الأمر الذي تلتزم به جميع القوات، من دون الحاجة إلى تفاوض سياسي جديد بين مراكز النفوذ المتعددة؟

وحدة الجيش لا تقاس بكشوف المرتبات، وإنما بزمن الاستجابة للتهديد، وبقدرة مركز القيادة على إدارة مسرح العمليات،

وللأسف، لا تزال فصائل القوات (تتفاوض) ، فيما تستمر المعارك في (الدوران).

هذه المشكلة العسكرية والأمنية ليست سوى انعكاس لمشكلة سياسية أكبر، تتمثل في غياب المشروع الوطني الجامع الذي تنتظم تحته بقية القضايا،

وهذا هو محور الاهتمام لهذا المقال،

العديد من القضايا البارزة على راسها القضية الجنوبية، والقضية الحضرمية تتصدرها مطالب حضرموت وحقوق الحضارم، وقضايا تهامة وغيرها،

هذا بالإضافة إلى قضايا الموارد والتمثيل والأرض والخدمات والمظالم التاريخية، وهذه القضايا في جلها حقيقي وعادل، ولا يجوز تجاهلها أو إنكارها،

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول كل قضية، بحكم ضعف المركز،

إلى مشروع سياسي قائم بذاته،

ثم إلى تمثيل خاص،

وقوة خاصة،

وتصور خاص للسيادة والموارد والعلاقات.

في المقابل،

تكاد تغيب عن التداول السياسي، أو غابت فعلياً،

القضية التي يفترض أن تسبق جميع هذه القضايا، وهي القضية اليمنية،

ما الدولة التي يريد اليمنيون إعادة بنائها؟

وما الذي ينبغي أن يبقى اختصاصاً سيادياً للدولة، مهما اختلف شكلها؟

وكيف توزع السلطة والثروة؟

وكيف تعالج المظالم التاريخية من خلال العدالة الانتقالية وجبر الضرر؟

وكيف يمكن للمحافظات والأقاليم والمجتمعات المحلية أن تحصل على حقوقها، من دون أن يؤدي ذلك إلى إنشاء سيادات موازية؟

غياب الإجابة عن هذه الأسئلة يجعل الحكومة تتعامل مع كل أزمة محلية على حدة، وغالباً بمنطق “الطبطبة السياسية”،

يتم الاعتراف بالمطالب، وهذا أمر جيد، ثم يجري استيعاب أصحابها، أو من يمثلون القضية أو يدعون تمثيلها، ثم يمنح بعضهم المناصب.

بمعنى آخر: نعم، قضيتك عادلة، وسنمنحك تمثيلاً، وتشكيلة، ومجلساً، وحصة!

لكن ما يتعلق بموقع هذه المطالب أو القضايا داخل الدولة، يظل مؤجلاً.

قد ينجح هذا الأسلوب في تهدئة أزمة مؤقتة،

لكنه يصنع، على المدى الطويل، حوافز خطرة،

فهو يرسل رسالة إلى مختلف القوى مفادها أن رفع سقف المطالب، وتحويلها من مطالب حقوقية إلى قضايا سياسية، ثم من قضايا سياسية إلى مراكز قوة، هو الطريق الأسرع للحصول على حصة أكبر من الدولة،

أي إن الرسالة: كلما رفعت سقف قضيتك، حصلت على مكاسب أكبر من الدولة.

وهكذا تدخل الدولة تدريجياً في سوق للمظالم السياسية،

تتنافس فيه القوى على تحويل المظالم إلى نفوذ ومقاعد وموارد وتشكيلات،

بدلاً من تحويلها إلى حقوق دستورية وقانونية تكفلها الدولة للجميع، لا لفئة أو مجموعة بعينها.

لذلك، ليس المطلوب إغلاق القضايا المحلية باسم الوحدة الوطنية،

ولا إطلاقها بلا سقف باسم احترام الخصوصيات،

بل المطلوب، إعادة ترتيبها داخل هرم وطني واضح،

فالعدالة لا تتناقض مع الدولة،

والخصوصية المحلية لا تتناقض مع المواطنة،

والحكم المحلي الواسع لا يعني تعدد السيادات،

تبدأ المشكلة عندما تفقد الدولة القدرة على تحديد الخط الفاصل بين هذه المستويات.

ومن هنا أعتقد أن التحدي أمام الحكومة الشرعية اليوم لا يتمثل فقط في الاحتفاظ باعتراف المجتمع الدولي بها، فهذا الاعتراف مهم، لكنه غير كافٍ، ومتى سقطت هذه الحكومة ستُكنس الأرض من تحتها،

لذلك يجب تحويل الاعتراف الدولي إلى شرعية الدولة، أي إلى:

قدرة على اتخاذ القرار،

واحتكار السياسة الخارجية، وإدارة الأمن القومي، وتوحيد القرار العسكري، وإنفاذ القانون،

وإدارة الموارد، وتقديم مشروع يستطيع اليمني أن يرى نفسه فيه قبل أن يبحث عن مشروع آخر يحتمي به.

ولهذا فإن القضية اليمنية، التي ينبغي إعادة وضعها في قلب النقاش، ليست

شعاراً عن الوحدة،

وليست إنكاراً للتنوع والمظالم،

وليست دعوة إلى العودة إلى نموذج الدولة المركزية القديمة، بل هي سؤال أساسي:

كيف نبني دولة تتسع لحقوق الجميع، من دون أن تتحول إلى مجموعة كيانات تتعايش مؤقتاً تحت اسم دولة؟

الصراع اليوم ليس صراعاً بين صنعاء وعدن فحسب،

بل صراع بين منطق الدولة ومنطق الكيانات،

ويتطلب تجاوز هذا الصراع الخروج من “الطبطبة السياسية”، والبدء بإعادة بناء المظلة القادرة على احتواء الجميع:

القضية الوطنية اليمنية،

ومركز الدولة القادر على تحويلها من شعار إلى قرار ومؤسسات وقوة شرعية واحدة،

أجد أن هذا المسار يتمحور حول تبني عقيدة وطنية جامعة،

تمثل القضية السياسية والسيادية الأولى،

ويتبناها مجلس القيادة،

وتتمحور حولها حركة الحكومة، بما يقود إلى توحيد قوتها وجيشها وقرارها،

ويمكن صياغة هذه العقيدة الوطنية للقضية اليمنية في المبادئ التالية:

  1. اليمن هو القضية السياسية والسيادية الأولى.
  2. لا تمتلك أي جماعة أو محافظة أو تشكيل عسكري سياسة دفاعية أو خارجية مستقلة عن الدولة.
  3. جميع المظالم التاريخية مشروعة للفحص والمعالجة وجبر الضرر، من دون أن تتحول إلى سيادات متوازية.
  4. يبدأ تحديد شكل الدولة وتقاسم السلطة والثروة من خلال تفاوض دستوري وطني شامل.
  5. يعد احتكار الدولة للسلاح والقرارين الأمني والعسكري شرطاً سابقاً لاستقرار أي تسوية سياسية.

ومن هنا ينطلق السؤال المحوري الذي ينبغي أن يدار بكفاءة، وأن يوضع له أساس للعمل والشراكة محلياً، ومع الشركاء الإقليميين والدوليين: كيف يمكن إعادة بناء مركز الدولة اليمنية؟

أصلح الله بالكم.

أحمد مبارك بشير

‏06‏/09‏/2026

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.