العمل الصالح هو القاعدة الذهبية


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

RIGHT WORK.jpg

 

العمل الصالح هو القاعدة الذهبية

تعليقًا على رسالة “طرق تنشئة الأطفال في الثقافات المختلفة والإرغام الإلهي”, أرسلت إلينا فقيهتنا الفاضلة, سيادة الأستاذة هالة كمال,  الرسالة التالية.  تقول فضيلتها:

“من العجيب أن يجيب الدكتور كمال بأن “كل ما يحتاجه الواحد منا هو أن “يدرك” أن المطلوب منا هو أن نراعي مصالح خلق الله وأن نشعر بشعورهم.  هذا هو كل ما هو مطلوب”, قبل أن  يسأل الدكتور سلامة  “هل للحياة أسس؟   وما هي هذه الأسس؟”

أتصور أن مثال تنشئة الأطفال وما تفضَّل الدكتور كمال بشرحه وما طرحه من أسئلة قد ساهم بلا شك – في رأيي – في ‘تقليص’ مساحة الاختلاف بشأن موضوع الفطرة إلي أضيق الحدود.  والسؤال هو التالي : ماذا كان يمكن أن يكون حال العالم لو تبنّينا هذا الأسلوب الربَّاني في تنشئة أطفالنا ؟  “مراعاة مصالح خلق الله”.  فكرة معقّدة بقدر بساطتها.  ألا تلخّص هذه الفكرة مجمع القيم والمثُل كلها ؟  بمعني أن تلك المراعاة تستلزم معرفة الحد الأدني لترسيخ مفاهيم الحق، والحب، والخير، والعدل، والرحمة، والشجاعة، والإيثار, في نفس الإنسان.

 

كي تراعي مصالح الناس، لا بد أن تتوافر لديك معرفة أولية بما يحقق تلك المصالح, ثم الرغبة والإرادة الكافية لتحقيقها – أو علي أقل تقدير الحفاظ عليها – ما يتطلّب قدرًا من الأخلاق الكريمة التي لا تجعل من الصعب عليك أن “تشعر بشعورهم” وهذا لا يتأتّي للإنسان إلا بالتربية التي توفّر القدوة الصالحة.  كان هذا هو السّائد في مصر الأربعينيات, والخمسينيات, والستينيات.   يعرف الجيران بعضهم البعض بما يكفي لمشاركة الأفراح والأتراح.  يهبّ الواحد منهم لنجدة جاره ومساعدته.  يراعي كل منهم مصالح الجيران, والسكن الذي يجمعهم, والشارع أمامه, بل والحيّ بأكمله.   عاصرت ذلك الزمن الذي كانت فيه جدتي تحرص علي أن يذوق الجيران من عمل يديها.   كان الناس قديمًا يشعرون بمشاعر بعضهم حقًا وصدقًا.  أعرف صديقاً ذهب لسريره لينام ليلاً، فلم يجده لأن الست والدته تبرّعت به إما لابن الجيران أو لكلب الجيران.  لا أذكر.  كما أعرف رجلاً كان يوزّع مرتبه علي الفقراء في الطريق إلي منزله، فإذا ما عاد استلقّي وعده من زوجته، متهمة إياه بالخرف والجنون.   كانوا يقولون عليه “الراجل البركة بتاع ربنا” ويقصدون الرجل “المتخلف العبيط”.  كان الناس يدركون بحسّ عالٍ وعميق ضرورة المحافظة علي البيئة من حولهم، أما الآن فحدث عن القمامة والقذارة ولا حرج.   يكفي أن نتذكر حال نهر النيل زمان وحاله الآن.  تحدثني صديقتي الألمانية أنهم يمنعون استخدام السيفون بعد العاشرة مساءً منعًا لإزعاج الجيران؛ أما لدينا فالتلوث السمعي يخترق جدران بيتك بل غرفة نومك بأبشع وأقذع الأصوات من كل حدب وصوب.


مراعاة مصالح خلق الله.  هل ما زالت تلك الفكرة اليوتوبياوية تشغل أذهان الآباء والأمهات في زماننا هذا أم أن أطفال اليوم يشبّون علي مشاهد الخلافات, والعنف الزوجي, والتعدّي اللفظي, ومختلف أشكال الإساءة للآخرين وللبيئة ؟  أشاهد مظاهر تعامل بعض العامة تخريبًا وتلويثًا فأشعر أن هناك شيء أشبه بالغِلّ المدفون والرغبة اللامعقولة في الانتقام والتشفّي من كل ما حولهم بشكل – بالنسبة لي – غير مبرَّر ولا مفهوم.  ولا يحدثني أحدهم عن المستوي الاجتماعي او الاقتصادي، فقد انقلب الهرم أوائل الخمسينيات وطالت الثروات طبقات كانت ماديًا واجتماعيًا  في أسفل سافلين, ونظرة إلي شوارع وبنايات ‘وسط البلد” – التي كان الخديوي إسماعيل يريدها كباريس- بهجمات القرويين وتجارتهم القميئة – شباشب وملابس – قد ملأت الأرصفة ولم تترك مكاناً لا للمشاة ولا للسيارات.  نتبادل صور “مصر زمان” علي صفحات التواصل بشكل يرسم مدي حنين جيلنا لما عاصره وشبّ عليه ويبكي قلبه قبل عينيه لتشويهه وفقده بهذا الشكل المزري.   وإن دلّ التحسُّر على الزمن الجميل علي شيء مما يهمّنا في حديثنا عن “تنشئة الأطفال” فرأيي أن أمهات ذاك الزمن – رغم بساطة عقولهن وتعليمهن- كنّ أساتذة في التربية, والتنشئة السليمة, والمتابعة, التي خلقت أجيالاً من المواطنين الصالحين فكمّ من العظماء قامت علي تربيتهم أمّهات لا يعرفن حتى القراءة والكتابة.  

 

نعاني في زماننا هذا من خلَل رهيب في التربية، جعلني أقول إن الأهل هم أنفسهم بحاجة لإعادة تربيتهم أولاً.  فهل تخلّت, أو أوشكت الأمهات على التخلّي, عن تلك المهمة المقدسة ؟  وما البديل ؟  وأقول : لا بديل عن الأمّ, ولا تربية الأم, ولا متابعتها, ولا اهتمامها, ولا حضنها.  رأيت نساءً ذوات مناصب وحيثية اجتماعية يرتكب أبناءهن وبناتهن من التصرفات ما يندى له الجبين ولا يحرّك فيهن ذلك ساكنًا.  وهي معضلة غريبة تحتاج لباحثي علم النفس والاجتماع لفكّ طلاسمها: التناسب العكسي بين مستوي الأمهات التعليمي والقدرة علي تربية الأبناء.

 

يوصي الدكتور كمال بالقاعدة الذهبية للتربية :

“أن تبيِّن لهم أن كل قواعد التعامل تتلخص في قاعدة واحدة هي مراعاة مصالح الناس, موضحًا أن في ذلك مصلحتهم, ومصلحتك, ومصلحتي, ومصلحتنا جميعًا, حيث إن من لا يراعي مصالح الناس لا يراعي الناس مصلحته”.  انتهي

 

قلب أهل زماننا القاعدة رأسًا علي عقب، فأصبحت :

لا تراعي سوى مصالحك الخاصة، وخذ بكل الأسباب التي تجعلك تفرض – بالقوة – على الآخرين مراعاة مصالحك، ولو عصلج أحد فافرمه. 

 

أعتذر عن الاستطراد، ولكن موضوع “التنشئة” أثار شجوني وأحزاني على شباب وفتيات أرى منهم ومنهن سلوكيات لم أكن أتوقع رؤيتها ولا في أسوأ أحلامي .  أما شرح وتفسير الأستاذ المياحي، التلميذ النابغة لشيخنا الجليل المهري لآيات “الإلهام الربّاني” فيستحق مقالاً منفصلاً لروعته وأهميته”.    انتهى كلام فضيلتها

 

خالص الشكر لفقيهتنا الفاضلة سيادة الأستاذة هالة كمال على كريم رسالتها.  ولي تعليق.

تحدثنا فقيهتنا الفاضلة عن “سلوك” خلق الله في مصر كما كان عليه من خمسين عامًا وكما هو عليه اليوم.  وشتان بين ما هو عليه الآن وما كان عليه من خمسين عاما.   وفي هذا فلن يختلف أحد مع ما تذهب إليه فضيلتها.  وعلى من يشك في ذلك أن يمارس القيادة في شوارع القاهرة لمدة ساعتين يوميًا لمدة ستة أشهر ولسوف يقر بعدها بإذن الله بما تقوله الأستاذة هالة.  إلا أن السؤال التالي هو السؤال الحقيقي.  أليست “القاعدة الذهبية” في تنشئة الأطفال هي عين العمل الصالح الذي يخبرنا الله سبحانه وتعالى بأنه هو والإيمان هما الطريق إلى الجنة ؟  أليس هذا هو ديننا ؟  وإذا كان هذا هو ديننا فأين نحن من ديننا ؟  في أي كتاب من كتب الفقه السني القديم جاء أن الإيمان والعمل الصالح هما الطريق إلى الجنة ؟  لا أرى سوى “إعلان الإيمان على رؤوس الإشهاد”, والصلاة, والصيام, والحج والعمرة.   وكأن “إعلان الإيمان” بالله شرط من شروط الإيمان بالله.  وكأننا نحن الموكلون من الله بـ”أخذ أسماء” من يؤمنون بالله.  وكأن من لا يحمل بطاقة عضوية الاتحاد الاشتراكي فهو ليس باشتراكي.  وكأن الإيمان بالله يتوقف على “إخطارنا” بالإيمان بالله.  وكأن الأمر له أدنى علاقة بنا.  وكأن الصلاة, والصيام, والحج من صالح الأعمال.  إذا كان العمل الصالح هو كل عمل يراعي فيه القائم به مصالح الناس, فكيف “تراعي” الصلاة, والصيام, والحج مصالح الناس ؟  

 

وكأن ما تحاول هذه الأسئلة لفت النظر إليه هو خطأ ما ذهب إليه الفقه السني القديم من أن “الصلاة” هي الفارق بين الكفر والإيمان.  أي أن من ترك الصيام, والزكاة, والحج فليس بكافر أما من ترك الصلاة فقد كفر.   انشغل الفقه السني القديم بـ”شعائر الإسلام” وترك “جوهرتي الإسلام”.  وجواهر الإسلام ليست هي “إعلان الإيمان على رؤوس الإشهاد” والصلاة, والصيام, والحج, والزكاة, وإنما هي “الإيمان والعمل الصالح”.  

“يعلم كل واحد منا أن هناك ركنان اثنان فقط للإسلام: واحد لا يعرفه إلا الله, وليس لأحد أن يعرفه إلا الله, والثاني يعرفه المؤمن والكافر.  الأول هو الإيمان, والثاني هو العمل الصالح.  يستحيل على مؤمن أو كافر التعرف على إيمان مؤمن أو كفر كافر.  يستحيل على مؤمن أو كافر ألا يتعرفا على  صلاح عمل مؤمن أو كافر”.

 

حان وقت أن يسأل الواحد منا نفسه عما إذا كان “الأساس الصلب” الذي يقوم عليه الإسلام هو “إعلان الإيمان بالله والقيام بالصلاة” أم “الإيمان بالله والقيام بالعمل الصالح”.  ما يريده الله منا ليس هو إعلان الإيمان بالله والقيام بالصلاة وإنما الإيمان بالله والقيام بالعمل الصالح.  لا يوجد لدي أدنى شك في أنه في اللحظة التي يدرك فيها الواحد منا أن هذا هو ما يريده الله منا في أننا سنستجيب لدعوة الله لنا لمراعاة مصالح الناس في كل أعمالنا.   عندما نظر الأئمة العظام في جوهر الإسلام, لم يروْا, رضي الله جل ثناؤه عنهم جميعًا وأرضاهم, سوى شعائره ولم يرَ أحد منهم أبدًا جواهره.   ولن ينصلح حال أمة الإسلام إلا عندما ندرك أن جوهر الإسلام هو الإيمان بالله والقيام بالعمل الصالح وليس إعلان الإيمان بالله والقيام بالصلاة.   الإيمان بالله والقيام بالعمل الصالح هما الطريق إلى جنة الله في دنياه كما في آخرته.   وتخيل ما سيكون عليه حال المسلمين عندما “يؤمنون” بأن الإيمان بالله وإقامة العمل الصالح هو الطريق إلى الجنة وليس “إعلان الإيمان بالله وإقامة الصلاة”.

 

وإن الحمد لله على ما آتانا وما لم يؤتنا, وما أعطانا وما لم يعطِنا.  وضع “إعلان الإيمان بالله وإقامة الصلاة” في كفة, وضع في الكفة الأخرى “الإيمان بالله والقيام بالعمل الصالح”.  وانظر واعتبر.

16 ديسمبر 2014

Advertisements

الحكم الاخلاقي لدى الطفل 24


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

SOCIAL CHILD6.jpg

الحكم الأخلاقي لدى الطفل   – 47

الفصل الرابع

أخلاق الطفل وأنواع العلاقات الاجتماعية

 

سواء أردنا أم لم نرد فإن الموضوعات التى كان علينا أن ندرسها من حيث صلتها بأخلاق الطفل قد تطرقت بنا إلى قلب المشكلات التي درسها المعاصرون من علماء الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. فالمجتمع – في نظر أتباع دوركايم – هو المصدر الوحيد للأخلاق.   فإذا كان الأمر كذلك فليس هناك نظام أحسن من علم نفس الأطفال يمكن أن نشاهده فيه.   ومن يقرأ كتاب “التربية الأخلاقية” لدوركايم لا بد أن يلاحظ أن كل نظام اجتماعي لا بد أن يؤدي حتمًا إلى نظام تربوي.   لعل هذا هو السبب الذي دعانا إلى دراسة بعض النظريات المهمة المعاصرة في علم الاجتماع وعلم النفس الأخلاقي ومقارنتها بالنتائج التي وصلنا إليها رغم الصعوبات التي تواجه أي محاولة من هذا النوع.  وسوف نبتعد عن أي مناقشة ذات صفة عامة, ونقصر بحثنا على الميادين التي تتناول فيها نظريات علم النفس الاجتماعي الطفل تناولاً مباشرا.  على أساس هذه النظرية يبدو لنا أن الموضوعات الآتية تستحق منا الدراسة, وهي آراء دوركايم وفوسونيه   Fauconnet عن المسؤولية التي أدت إلى ظهور كتابات دوركايم عن العقوبة فى المدرسة, وكذلـك نظرية دوركايم عن السلطة كمصدر للحياة الأخلاقية للطفل, ونظريات بولدوين Baldwin وفوق هذا كله نظريات بوفيه عن أصل الأحكام الأخلاقية.  وأخيرًا, نتعرض لبعض الآراء التربوية الخاصة بذاتية الضمير عند الأطفال.  ولكي نتجنب أي سوء فهم قد يتعرض له هذا البحث, فإنه يجب أن نشير ابتداء إلى أننا سنتناول هذه الموضوعات التربوية الخاصة من الناحية النفسية لا التربوية.

 

الواقع أن أغلبية الحقائق التربوية هي حقائق من علم النفس الاجتماعي, لذلك فإنا – رغم عدم رغبتنا في أن نضع نظامًا للتربية على أساس بحثنا هذا – نتساءل عما إذا كان نظام يقوم على السلطة كالذي يؤيده دوركايم هو فعلاً ضروري في دستور الحياة الأخلاقية.   وهذا سؤال في علم النفس النظري وعلم النفس التطبيقي.   فإذا كان البحث فيما إذا كان دواء أوصى به بعض الأطباء سوف يقتل المريض أو يشفيه مما يعنى به السيكولوجي كما يعنى به الطبيب, فإنا كذلك سوف نتناول موضوع التربية من الناحية التجريبية لا من الناحية العملية.

 

نظريات دوركايم وفوسونيه (1)

وضع بول فوسونيه في كتابه “المسؤولية” آراء دوركايم عن العدل الجزائي (العقاب), والقانون, والقانون الجزائي (قانون العقوبات) في قالب جذاب ومبتكر, وختم بحثه بأن بيَّن أن المسئولية في آخر أشكالها, أو في أنقاها كما يرى هو، ليست سوى المسؤولية المادية التي وجدنا لها أمثلة كثيرة عند الأطفال.  لهذا فليس هناك بحث أوفى من هذا البحث يمكن العثور عليه ليعاوننا في دراسة ما قد تشتمل عليه روح التربية عند دوركايم، ونقصد بذلك فكرة أن الجماعة واحدة، وأن صفة الدوام فيها هي من نوع يضمن قيام واستقرار القيم الأخلاقية.   فالمسؤولية عند فوسونيه هي “الصفة التي يتصف بها أولئك الذين يجب أن يعتبروا، على أساس قاعدة ما، أشخاصًا سلبيين بالنسبة للعقوبة” (ص11). ومعنى أنك مسؤول أنك تستحق “العقاب عدلاً” (ص7).

 

ولننتقل إلى الدراسة المقارنة للجماعات المختلفة التي لدينا عنها معلومات كافية تسمح لنا بأن نقيِّم نوعاً القانون التطوري الذي يسود على تاريخ المسؤولية كله، فنرى أنا إذا قارنا بين المسؤولية عندنا وبين أكثر أشكالها غنى وفهمًا لوجدنا أنها تقلصت بالتدريج حتى وصلت إلى شكلها الحاضر .

 

تنحصر المسؤولية في الجماعات المتحضرة المعاصرة في الراشدين, الأحياء, العقلاء. أما في  المجتمعات القديمة أو غير المتحضرة – كما كان الحال في العصور الوسطي, بل وأحيانًا في العصور الحديثة – فإنا نجد أن المسؤولية أيضًا تنصب على الأطفال, والمجانين (حتى ولو عرف عنهم ذلك), وكذلـك الأموات, والحيوانات, والجماعات, على السواء.  ويمكننا أن نصل إلى النتيجة نفسها لو أنا درسنا مواقف المسؤولية دراسة تطورية.  أما في مجتمعاتنا فنجد أن القصد (أو بعض الظواهر النفسية الأخرى, مثل الإهمال, والنسيان, إلى آخره) ضروري في حالة المسؤولية.  أي أن “القصد”, من الناحية الأخلاقية, هو كل شيء.  وفى نظر القانون لا بد من وقوع مخالفة ولكن ليس هناك ذنب بلا قصد، أو قلة تبصر، أو إهمال.  وفي أثناء دراستنا لتاريخ القانون الجزائي وصلنا إلى المسؤولية الجماعية الخالصة (ص105) .  بمعنى آخر, تقيم الأخلاق البدائية, والقانون القديم, المسؤولية حتى في الأعمال القسرية, والحوادث, والتصرفات التي ارتكبت بلا إهمال أو قلة تبصر.  باختصار, المسئولية البدائية هي أولاً وقبل كل شيء “مادية” وانتقالية, أما المسؤولية عندنا فشخصية, وفردية.  أي تقتصر على الفرد.   فما هي المسؤولية, إذن؟

 

لحل هذه المشكلة, نجد أن فوسونيه يتفق مع روح دوركايم في شرح هذه الظاهرة لا عن طريق وضع القوانين التي تتحكم في تكوينها أو نموها بل عن طريق تأكيد العناصر الثابتة والمشتركة في كل المرحلة.  ينبغي هنا أن نلاحظ هذه النقطة الأساسية.  وعلى هذا يجب أن توضع التفسيرات الفلسفية المسؤولية لأنها تهمل الحالات الأولية للظاهرة التي ندرسها.   هذا ونجد في النظريات التطورية من مثل نظريات وسترمارك Westrmark وغيره هذا العيب.  إذ هي تهمل الحالات الأولى للانحرافات الاخلاقية والعقلية كما لو كانت آراؤنا الحديثة التي تتضمن أرقي القواعد والنتائج الضرورية لكل ما تقدمها.   أما إذا نسبنا نفس القيمة إلى كل الحالات التي توصلنا إليها الطريقة المقارنة فإنا سوف نرى أنه حتى إذا كانت العقوبة لا تؤيد وجود علاقة صريحة ومحدودة بالضحية فإنها دائمًا محدودة العلاقة بالجريمة.  بمعنى آخر, فإن الجريمة تستحق العقاب في كل عصر ومكان وإذا كانت العقوبة لا تقع على رأس المذنب مباشرة فإنها تقع على شخص ما.  أي أننا إذا نظرنا إلى الجريمة على أنها عمل مادي مستقل بمعزل عن الدوافع التي أدت إليها فإنها تصبح مركزًا لمرض معدٍ يجب القضاء عليه وعلى ما حوله قريبًا كان أم بعيدا.   وإذا كان الجزاء/العقاب موجهًا إلى الجريمة فما ذلك إلا لأنه لا يستطيع الوصول إلى الجريمة فينحرف نحو النائب عنها (ص234).

 

وهنا تتداخل نظرية دوركايم عن الجريمة، فكل مجتمع يتكون أساسًا من مجموعة من العقائد والوجدانيات مكونة “كلاً” يجب الدفاع عنه.  ونواة هذه العقائد هي مشاعر التقديس, وهى مصدر كل أخلاق ودين.  وكل ما يسيء إلى المشاعر القوية والمحدودة لهذه العاطفة الجماعية فهو جريمة, وكل جريمة فيها انتهاك لحرمة.   والجريمة التي تتعدى على الروابط الاجتماعية تعتبر لمجرد أنها أدت إلى ذلـك ذات معنىً صوفي، فهي مصدر الفساد والتدنيس, وما قد ينعكس منهما مرئيًا أو غير مرئي لا حصر له، ولذلـك يجب أن يكبت, وكذلك يجب أن تكبت نتائجها القاتلة, ويجب أن توضع الأشياء وضعها الصحيح.  والعقوبة هي العملية الصوفية ذات التأثير في إعادة الشئ إلى أصله.  ولهذا فليس يهم كثيرًا على من تقع العقوبة.  المهم أنه لا بد من وقوع عقوبة, كما لا بد أن تكون العقوبة مناسبة للجريمة,  فهذا دستور المسؤولية.  أكثر من ذلك, فإنه يسهل أن نعرف كيف ظهرت طريقة اختيار الشخص المسؤول فالعملية قد قامت بفضل النظام الآلي للانتقال الذى يخضع لقوانين الانتقال السيكولوجي :

أولاً, هناك انتقال عاطفي.  فالعواطف التي تثيرها الجريمة تنتقل إلى كل شيء يتصل بها من قريب أو بعيد.

ثانيًا, هناك حكم.   فالمجتمع يقرر أن شخصًا معينًا هو المسؤول, وهذا الحكم يصبح سائدًا عن طريق علاقات الاتصال أو التشابه.   يترتب على هذا, طبعًا, أن المذنب نفسه – إن أمكن الوصول إليه – يعتبر ممثلاً للنهاية العظمى للعلاقات مع الجريمة.  أما في حالة عدم إمكان الوصول إليه, فإن أي شيء يرتبط بالجريمة يجب عقابه.  وعلى هذا فإن المسؤولية تنصب من الخارج على رأس المذنب أو من يحل محله وتحولهم إلى أشخاص يحملون غيرهم.  أي إلى آلات للتطهير الجماعي.  لهذا كان للمسئولية  وظيفة محدودة, هي إمكان تحقيق الجزاء/العقاب عن طريق السماح له بأن يقوم بدوره النافع (ص297).   وهذا الدور أخلاقي من أساسه, إذ أنه في الحالة التي توجد فيها عقوبات يمكن التأكد من وجود أخلاق.    فالعقوبة – وبالتالي المسؤولية – لهما إذن نصيب في القيم الأخلاقية (ص300).

 

وتبقى هناك مشكلة.  هذه المشكلة هي أنه إذا كانت هذه هي روح المسؤولية فكيف يتأتى إذن أن هذا الدستور قد تطور حتى وصل إلى درجة أننا لم نعد نستطيع لأول وهلة أن نصل إلى حالته البدائية؟  كيف تقطعت المسؤولية بهذه الطريقة حتى في الراشد العادي الذي قام بعمله عن قصد؟  ولماذا أصبحت المسئولية فردية وروحية بهذه الطريقة؟

 

الواقع أن حالة المسؤولية الحاضرة – نظرًا لأنها أبعد ما تكون عن أن تصل إلى نقطة الاتصال الضرورية لإحداث تغيير داخلي فى المسؤولية – نجدها على العكس من ذلك تنتج من الضعف التدريجي للقيم البدائية الذى يعود إلى فعل العوامل المضادة.   لذلك, فإن السبب العام لهذه العملية التطورية يبدو أنه خارجي بالنسبة إلى المسؤولية ذاتها, فهو الحنو والنزعة الإنسانية.   ذلك أنه ولو أن المجتمع قد تثير الجريمة غضبه فإن المشاعر المضادة قد تظهر وقت العقوبة.   وكما قال إيرينج Ihring فإن قصة القصاص هي قصة الإبادة المستمرة.   هذا هو السبب في أن المسؤولية تميل إلى التقلص باستمرار.  

 

في البداية نجد أن المجتمع يعاقب كل إنسان.   فالفرد ليس أكثر من وسيلة لغاية.   أما الآن فإننا نعاقب في الغالب مرغمين, ويعطى المذنب كل فرصة للدفاع عن نفسه, والتخلص من العقوبة.  وهذا يؤدي إلى نتيجيتين أساسيتين : الأولى “يمكن أن نقول إن المسؤولية أصبحت فردية خلال تطورها, فبينما نجد المسؤولية جماعية وانتقالية عند المجتمعات البدائية فإننا نجدها في المجتمعات الراقية شخصية تمامًا”.  (ص330).   والنظم الدينية وحدها – ونقصد بذلك أكثر نظمنا محافظة – هي التي ما زالت فكرة الخطيئة الأصلية فيها تحيي فكرة المسؤولية الجماعية.  دنست خطيئة آدم الإنسانية كلها بخطيئة تدعو إلى التكفير.  أما في القانون وفي الأخلاق فإن هذه الأمور تثور علينا.   غير أن مسؤوليتنا الفردية الخالصة ليست سوى حالة غش للمسؤولية الحقيقية.   وقد تعلمنا بصفة عامة أن المسؤولية فردية في طبيعتها انتقالية بالصدفة.   وقد يفسر تاريخ المسؤولية على أساس تقدمي؛ فالمسؤولية الحقيقية ذات الصفة الشخصية يقال إنها تمت فى خلال عملية التطور.  مع ذلك, ولأننا نميل إلى عرض الحقائق على ضوء مختلف تمامًا, فصفة الاتساع والقابلية للانتقال التي تتصف بها المسؤولية قد تبدو لنا صبغتها الأساسية.   على العكس من ذلك, فإن فردية المسؤولية هي نتيجة لعملية محدودة وضعيفة.  أما القوى التي تجعل المسؤولية فردية فهي أبعد ما تكون عن أن تنقيها أو تكملها إذ أنها مضادة لطبيعتها؛ فالمسؤولية الرقيقة تشبه القيمة الإيجابية الدنيا للمسؤولية, فهي تميل نحو نقطة الصفر.  على أساس وجهة النظر هذه, فإن تطور المسؤولية يبدو أنه تراجعى؛ فالمسؤولية التامة هي المسئولية في أضعف حالاتها حين تقترب من النقطة التي لا تظهر فيها.” (ص343-4).

 

أما الناحية الثانية من نواحي تطور المسؤولية فهي الناحية الروحية.  فالمسئولية  البدائية هي مسؤولية مادية, والجريمة هي أولاً وقبل كل شيء حادثة مادية, والرابطة التي تربط الجريمة بالمسؤول عنها هي دائماً رابطة مادية (ص345). على العكس من ذلك, فإن المسؤولية في نظر العلماء المعاصرين تنشأ في ضمير الشخص المسؤول بسبب العلاقة النفسية بين هذا الضمير وبين الحادث نفسه, وهذه الصفات تتعارض تمام المعارضة مع الموضوعية التي وصفناها. (ص345/6). ويرجع سبب ظاهرة الروحية هذه إلى أن المجتمع – وهو الذي يبدأ خارجيًا بالنسبة لعقل الإنسان –    “يصبح حلوليًا أكثر وأكثر من الفرد، ثم يصبح عنده اجتماعيًا أكثر فاكثر بمرور الزمن, ثم يضاف إلى ما هو عضوي ونفسي الأصل ويهذب عن طريق الاشتراك في الحياة الاجتماعية.   وروحية الاخلاق, أو الآراء الدينية, توضح التداخل الحقيقي للنواحي الاجتماعية في الفرد (ص367).   باختصار, لو أن المسئولية عنيت بالدافع وحده فهي تفعل ذلك بفضل العملية نفسها التي جعلتها فردية “فكلما أصبحت الحياة الاجتماعية فردية كلما كانت أكثر تعمقًا في داخل الفرد” (ص351).  على ذلك, فإن شعورنا الأخلاقي ليس أكثر من البقايا الداخلية للشعور الجماعي, وهذا ليس كسبًا فالروحية في المسؤولية تشبه الفردية, وهي تظهر خلال التاريخ على شكل جذب عظيم وإبادة مستديمة.  أما المسؤولية الشخصية فهي بعيدة عن أن تكون مقبرة عند الجميع على أنها مسؤولية في أرقى مستوى كما قد يظن ولكنها في الواقع ليست إلا شكلاً ضامرًا من أشكال المسؤولية” (ص350).

 

من الضروري, على أية حال, ألا يكون الإنسان إطلاقيًا إلى أقصى حد, فما زالت في مجتمعاتنا آثار للمسئولية الجماعية والمادية.  يذكر فوسونيه أنه وجد أمثله لهذا الاتجاه في قانون العقوبات في إيطاليا.  أي أن الشكل الحديث لم يقضِ تمامًا على الشكل البدائي.  “فالحالة الأولى مازالت فرعًا حيًا للشجرة الأصلية التي انفصلت منها الحالة الأخيرة بالتدريج” (ص277).   من الطبيعي, إذن, على أساس وجهة النظر التربوية أن نتفق مع دوركايم على استخلاص ضرورة إقامة نظام للعقوبات المدرسية على اعتبارها الوسيلة الوحيدة لإحياء دائم لكل مسئولية في عقول الناس.

 

ولا نعرف فيما نعرف نظرية أنسب من نظرية دوركايم وفوسونيه تلقي ضوءًا على المشكلات التي أثارتها فكرة تقرير الوحدة الأخلاقية للمجتمع، ففوسونيه قد وضع نطاقا محكمًا حاول فيه أن يشرح ظاهرة نجح أكثر من أى شخص آخر فى تتبع تطورها التاريخي وذلك عن طريق الاستمرار في حالات الإدراك الجماعي. ولا داعي لأن نناقش التحليل الدقيق الذي وضعه فوسونيه ولا التقسيم الصحيح للحقائق التى جمعها، فالعلاقة الوثيقة بين ظاهرة المسؤولية الموضوعية التي يمكن ملاحظتها عند الطفل والظاهرة التي تميز القسر الاجتماعي البدائي تؤيد النظرية القائلة بأن خارجية العلاقات تؤدى إلى قيام نوع من الواقعية الاخلاقية المصاحبة لها والذي يبدو لنا في حاجة إلى تفسير هو التفسير العام الذي وضعه للمسئولية, وللعقاب, وللعلاقات القائمة بين الحقائق الأخلاقية والمجتمع على اعتباره كلا ثابتاً لا يتغير.

 

وخير درس نتلقاه من علم الاجتماع المقارن هو أنه يوجد على الأقل نوعان من المسؤولية : واحدة مادية وانتقالية، والأخرى شخصية وفردية، وأن التطور الاجتماعي قد أدى بالتدريج إلى سيادة النوع الثاني.  فإذا سلمنا بهذا أمكن أن نصل إلى حلين: هما أن نعرف المسؤولية بالاتجاه الذي أخذته في التاريخ – بموجبها – أو أن نعرفها بعناصرها التركيبية الثابتة.  اختار فوسونيه الحل الثاني اعتمادًا على قوة منهج دوركايم المسلم بها, فقد ذكر لنا أن الذي يعنيه في تاريخ المسؤولية ليس هو الأشياء التي تتغير بقدر ما هو الأشياء الثابتة.   والذي أدى به إلى هذا الاختيار هو عمق أساس وحدة الحقائق الاجتماعية.  وأيًا كان الاختلاف في المدنية فهناك شيء اسمه مدنية (ص20).   إلا أننا قد نتساءل : إلى أي حد يمكن اعتبار هذه الطريقة مرضية؟  ماذا نقول عن عالم من علماء النفس الذي يشرح نظرية السلبية والعدد فيضع لنا معادلات في السحر والصوفية في نفس مستوى أينشتين في السلبية، أو نظريته في الأقرام المركبة؟  فأنت إذا بحثت عن العناصر المشتركة في جميع المراحل واستعدت كل الاعتبارات الخاصة بالموجهات أو الاتجاهات فلن تصل إلى شئ سوى بقايا إحصائية عديمة الثبات  (ما هي العناصر المشتركة في كل مراحل السببية؟) وإلا فإنا نعزو كل شيء إلى الحالات البدائية، وهذا ما نخشي أن يكون قد فعله فوسونيه.  

(1)P.Fouconnet, Lu Responsibilié Exude de Sociologie paris alcan 1920

 

#كمال_شاهين

 

 

تعليق على كتاب نظرية ظهور العلم


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

اقرأ الكتاب من هنا :

https://ambmacpc.files.wordpress.com/2016/12/d986d8b7d8b1d98ad8a9-d8b8d987d988d8b1-d8a7d984d8b9d984d985.pdf

 

تعليق على كتاب “ظهور العلم”


الأستاذ الدكتور مدير مركز تطوير الفقه الاسلامي ,

كنت أنوي ألا أمدح سلسلة مقالات “ظهور العلم” ولم تمنحني سيادتك الفرصة لإنفاذ ما انتويته.  لذلك, وبعد قراءة تلك السلسلة الذهبية بحق أَخْلُص للتالي:

أولاً أن حياتي شخصيًا قد تغيّرت -إلى الأفضل- عقب قراءتي بانتظام لكتاباتك في المركز – أنا وأولادي – فهم يتنافسون الآن فيما بينهم نحو الوصول إلى المرحلة الرابعة من المستوى الإدراكي ويقيّمون أداء بعضهم البعض.  وهذه ليست مبالغة.  هذا ما يحدث فعلا. 

ثانيًا, أنني فهمت الآن – كما فهم الآخرون – السر في كثرة ترديد سيادتك لإنجازات المسيو بياچيه وأسسه في علم النفس الإدراكي. 

ثالثًا, لفت نظري ربط العملية الإدراكية بسائر العمليات البيولوچية للإنسان التي تقوم عليها حياته نفسها أو على الأقل شكل ونوعية هذه الحياة.  فحينما تقول :

“لكي يحقق الإنسان إرادة الله, إذن, عليه أن “يتعلم” كيف يصنع ما يريد.  أي عليه أن يتعلم كيف يسيطر على العالم حوله.  مرة أخرى, تذكر أن الإنسان هو خليفة الله في أرضه.  تبيّن قصة نمو الإدراك قصة كفاح الإنسان في التخلص من المعوقات التي تعيق فهمه لدنيا الله وبالتالي تعيق مسعاه إلى السيطرة على دنيا الله.  باختصار, تبين قصة نمو الإدراك قصة كفاح الإنسان في سبيل تحقيق مراد الله” انتهي

 

لقد ساعدنا المسيو بياچيه على إدراك سر جمال, ومعقولية, وأهمية, وعبقرية العبارة الزيدية الرائعة

“اخرجوا إلى الدين والدنيا فأنتم لستم في دين ولا دنيا”.

 

أحسست بذلك بعد قراءتي لملامح المستوي الثاني للإدراك، والتي تم تلخيصها كما يلي:

  • عدم القدرة علي إدراك التناقض (المصريون رائعون)
  • النظرة الجزئية 
  • الشخصنة والتمحور حول الذات 
  • سيطرة الحسّ
  • العجز عن التصنيف على أساس قاعدة ثابته
  • العجز عن تكوين مفاهيم متجانسة
  • العجز عن القيام بأيّ من العمليات العقليّة العليا (الاستنتاج, أو الاستدلال, أو الاستقراء, أو التعريف, أو الافتراض، ….)
  • العجز عن التحقّق
  • المهم أن يكون الكلام (حلو) 
  • أنا مركز الكون.  أبي أعظم رجل في الكون.  أسرتنا أعظم أسرة في الكون.  قبيلتنا أعظم قبيلة في الكون.
  • الفخر بالذات : نحن الذين دهنا الهواء دوكو.  نحن الذين خرمنا التعريفة.  وطبعًا, نحن الذين بدعنا العلم.

(انتهي)

 

ما فعله الدكتور كمال بسلسلة (ظهور العلم) – في تصوّري – أنه مارَس ولأول مرة في تاريخ الثقافة العربية شيئًا لا نعرفه ولم يسبق لنا أن رأيناه ولذلك فلا قبل لنا بتقبله, ولا هضمه, ولا التعامل معه.  ألا وهو : مواجهة النفس والمصارحة بمنتهي الصدق والأمانة.  وهذا ما لم نعتده, أو نتعوده, أو نتربّي عليه.   درسنا, وتعلمنا, وحفظنا ما تلقّيناه واستلمناه في كتب التاريخ التابعة لمناهج وزارة التربية والتعليم المصرية – وعلى ألسنة مدرّسيها – بأننا أعظم ناس في بلد هي أم الدنيا, صاحبة حضارة تضرب في عمق التاريخ بسبعة آلاف سنة، علماؤنا هم الذين وضعوا أسس العلم في العالم, وأخذوا بيده تاتا تاتا بمنتهي الكرم, والعطف, والحنيّة, إلى أن أكرم الله الدول التي كان أهلها قرود علي الشجر في أوروبا وفتح عليهم فأخذوا الناقة وشرخوا.  طبعًا بفضلنا وبعطائنا الحاتمي الطّائي الغير مسبوق.  كما أننا نتمتع بأكثر أجواء الأرض اعتدالاً وروعة, أضف إلى ذلك أن موقعنا التاريخي في وسط العالم جعلنا مطمع الأمم (قد تكون الأخيرة هي الحقيقة الوحيدة فيما سبق).  ما أعظمها من مناهج مريحة لذيذة.

إلا أننا أيضًا قد عملنا ما يجب علينا عمله وكنا نخرج من الامتحانات ناسين ما كتبناه.  الظاهر أننا كان عندنا بدايات شك أنه قد تكون هناك ثمة خُدعة في الموضوع.  لكنها – أي المناهج –

 

وهكذا قامت المناهج بالواجب وخدّرتنا الخدر اللذيذ, فركنّا عقولنا واكتفينا بهذا القدر من الصعود, والعظمة, والسّبق، لأننا عملنا ما يتوجب علينا عمله وعليهم هم إكمال المشوار.  وجاءنا الشيخ الشعراوي يرحمه الله ليزيد في طمأنينتنا وراحة بالنا – حتي من عذاب الضمير – ليؤكد لنا بمنتهي الثقة أن الله “سخرهم” لنا ليعملوا على خدمتنا ونتفرغ نحن لعبادة الله.  يا قوة الله! 

 

هالة كمال

29 مارس 2013

الحكم الاخلاقي لدى الطفل 23


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

Child thief5.jpg

الحكم الأخلاقي لدى الطفل   – 46

العدل الجزائي

والآن ننتقل إلى العدل الجزائي فنجد أنه على خلاف أسس العدل الموزع يظهر أنه لا يوجد هنا في آراء الجزاء أو العقوبة أي عنصر عقلي خالص أو بديهي.   فبينما تزداد قيمة فكرة المساواة كلما ازداد النمو العقلي فإن فكرة العقوبة تأخذ فى الضعف.   لتوضيح هذا المعنى يجب أن نميز – كما سبق أن فعلنا – نوعين منفصلين من أنواع الجزاء: فهناك من جهة التكفير والثواب التي يظهر أنها تشمل الفكرة النوعية عن العقوبة.  من جهة أخرى فهناك الآراء الخاصة “بوضع الأشياء موضعها الصحيح” أو إصلاحها, كما أن هناك المقاييس التي تتجه نحو تجديد الاتحاد الذي انفصم نتيجة للذنب.   وهذه الأفكار الأخيرة التي جمعناها تحت عنوان “العقوبة التبادلية” يظهر أنها لا تنهض إلا على فكرة المساواة وفكرة التبادل.   والمجموعة الأولى من الآراء هي التي تميل لأن تتناقص حين تعقب الأخلاق الذاتية أخلاق الغيرية والسلطة.   أما المجموعة الثانية فهي أصلب عودًا لأنها تقوم على شيء أكثر من فكرة العقوبة.

 

ومهما قيل عن هذا التطور في القيم فإنه يمكن أن نذكر هنا – كما ذكرنا فيما يتعلق بالعدل الموزع – ثلاثة مصادر للنواحي الثلاث الهامة للجزاء؛ فقد رأينا قبلاً (الفقرة 1) أن استجابات فردية معينة تشكل ظهور الجزاء وأن قسر الراشد يشرح تكوين فكرة التكفير.  أما التعاون فيقضي على فكرة العقوبة قضاءً نهائيا.  لا يمكن أن ننكر أن فكرة العقوبة لها جذور بيولوجية, فاللكمة تقابلها لكمة, والظرف جزاؤه الظرف.  ردود الأفعال الغريزية للدفاع والمشاركة الوجدانية تؤدي, إذن, إلى قيام نوع من التبادلية الأولية التي هي الأرض التي تنمو عليها فكرة الجزاء ولكن هذه الأرض ليست كافية بنفسها, والعوامل الفردية لا يمكن بنفسها أن تسمو على مستوى الانتقام المقزز إلا إذا كانت خاضعة – على الأقل ضمنيًا – لنظام منظم ومقنن من العقوبات الداخلة في العقاب.

 

فالأشياء تختلف عن طريق تدخل الكبار وسلوك الطفل منذ بداية حياته حتى قبل أن يستطيع الكلام نجده يخضع في ثبات لعملية المنح أو المنع.   فالناس تبعًا للظروف التي تقوم بينهم وبين الطفل علاقة سرور أو استياء وقد يتركونه يبكي.  ونفس التغيرات في أصوات من حوله تكفي لتكوين عقوبة مستمرة.   وفي السنين التالية نجد الطفل موضع ملاحظة مستمرة فيقيد كل ما يعمله أو يقوله، وهذا يؤدي إلى التشجيع أو اللوم.   ولا زالت الأغلبية العظمي من الكبار تعتبر العقوبة – جثمانية أو غيرها – مشروعة تمامًا.  ومن الواضح أن هذه الاستجابات من جانب الكبار ترجع في الغالب إلى تعب أو عدم صبر ولكنه فى الغالب أيضًا يفكر فيها.   مع ذلك, فإنا نكرر أن هذه الاستجابات من جانب الكبار هي نقطة البداية لفكرة العقوبة التكفيرية, فإذا لم يشعر الطفل بشيء سوى الخوف وعدم التصديق كما قد يحدث في الحالات المتطرفة, فإن هذا يؤدي ببساطة إلى حرب علنية.  ولكن, نظرًا لأن الطفل يحب والديه ويحس نحو أعمالهم باحترام، وهو ما استطاع بوفيه أن يحلله، فإن العقوبة تبدو له إجبارية من الناحية الاخلاقية ومرتبطة بالضرورة بالعمل الذى استفز الكبار.  أما العصيان, الذي هو الأساس الذي تقوم عليه كل خطيئة, ففيه خرق للعلاقات العادية بين الأب والطفل, ولذلك فمن الضرورى إصلاحه, ونظرًا لأن الآباء قد أبانوا عن غضبهم العادل, وذلك عن طريق استجاباتهم في شكل عقوبات, فإن قبول هذه العقوبات يتضمن الشكل الطبيعى للإصلاح.  أي أن الألم الذي تؤدي إليه العقوبة يؤدي كذلك إلى إعادة إقامة العلاقات التي اهتزت منذ قليل اهتزازًا مؤقتا.   بهذه الطريقة, فإن فكرة العقوبة تصبح مستمدة من قيم أخلاق السلطة.  لذلك نرى أن هذه الفكرة البدائية والمادية للعقوبة التكفيرية ليست مفروضة بواسطة الكبار على الطفل – وربما لم يحدث أن اخترعها الكبار من الناحية السيكولوجية – وإنما هي نتيجة حتمية للعقوبة التي انحرفت في عقلية الطفل الواقعية الرمزية.  فإذا تبين قيام مثل هذه الوحدة المتينة بين فكرة العقوبة والاحترام الجانبي مضافًا إليها أخلاق السلطة, فإنه يترتب على ذلك أن كل تقدم في التعاون والاحترام المتبادل من شأنه أن يقلل تدريجيًا ارتباط فكرة التكفيرية بفكرة العقوبة، وأن يضعف من الاخيرة بحيث تصبح عملاً إعداديًا بسيطًا أو مجرد مقياس للتبادل.  وهذا ما نعتقد أننا قد لاحظناه فعلاً في الأطفال.  فإنه كلما ضعف احترام الكبار كلما نمت أنواع معينة من الأخلاق التي لا يمكن للمرء إلا أن يضعها تحت عنوان العقاب.  وقد رأينا مثالاً لهذا في الأحكام التي نطق بها الأطفال الذين اختبرناهم في موضوع مقابلة الضرب بالضرب, فإن الطفل يحس أكثر وأكثر أنه من العدل أن يدافع عن نفسه وأن يرد على ما ناله من ضربات.  وهذا “عقاب” من غير شك إلا أن فكرة التكفير لا تقوم بأي دور في هذه الأحكام حيث إن المسألة مسألة تبادل خالص, فهذا شخص أعطي لنفسه الحق في أن يضربني فهو لذلك قد أعطانى الحق في أن أكيل له بنفس المكيال.  وبالمثل فإن من يغش يحصل على امتياز عن طريق الغش ولذلك كان من العدل أن نعيد المساواة وذلك بطرده من اللعب أو باسترجاع الكريات التى قد يكون قد كسبها.

 

قد يقال إن مثل هذه الأخلاق قد لا توصلنا إلى نتائج بعيدة ما دام ضمير الراشد الخير يطالب بشيء أكثر من تطبيق التبادلية.   فالإحسان والتسامح عن الأضرار التى تبودلت هو في نظر الكثيرين أشياء أعظم بكثير من المساواة الخالصة, ويعنى علماء الاخلاق في هذه الناحية بالنزاع بين العدل والحب ما دام العدل غالبًا ما يدعو إلى ما لا يقره الحب, والعكس بالعكس.   ولكنا نرى أن هذه العناية بالتبادلية هي  بالذات التي تقود الإنسان إلى ما بعد عدل الأطفال قصيري النظر ممن يردون على الضربات التي أصابتهم بضربات مساوية لها من الناحية الحسابية.   فالتبادلية لها وجهان, مثلها في ذلك مثل الحقائق الروحية التي هي نتيجة النمو الذاتي لا القسر الخارجي.  يقصد بذلك التبادلية الحقيقية والتبادلية المثالية ؛ فالطفل يبدأ بمزاولة المثالية نفسها ببساطة.   وهذا ليس شيئًا سهلاً كما قد يظن الكثيرون.  ثم بمجرد أن يعتاد الإنسان على هذا الشكل من التوازن في أعماله, نجد أن سلوكه يتغير من الداخل نتيجة تكوينه يعود فيؤثر كما كان على محتوياته.   فما كان يعتبر عدلاً لم يعد مجرد عمل تبادلي وإنما أصبح سلوكًا يسمح بتبادلية مدعمة غير محدودة.   فيحل المثل القائل “عامل الآخرين بمثلما تحب أن يعاملوك به” محل فكرة المساواة غير الناضجة.  فالطفل يضع العفو فوق الانتقام لا على أنه نتيجة للضعف وإنما لأنه ليس هناك نهاية للانتقام (طفل في العاشرة).   وكما أنه في المنطق نستطيع أن نتبين نوعًا من التفاعل بين شكل القضية ومحتوياتها حين تكون قاعدة التناقض مؤدية إلى تبسيط التعريفات الابتدائية وتقنينها, كذلك الحال في الأخلاق.   إذ تتضمن التبادلية تنقية اتجاه السلوك العميق وترشده إلى فكرة العالمية نفسها, وذلك عن طريق مراحل متدرجة.   دون أن نترك دائرة التبادلية نستطيع أن نقول إن الكرم – وهو الذي يميز المرحلة الثالثة – يتحالف مع العدل الخالص البسيط, ومع أشكال العدل النقية جدًا مثل الإنصاف والحب, فلا يعود هناك أي نزاع حقيقي.

 

ختامًا, يمكن القول إننا وجدنا في ميدان العدل – كما في الميدانين الآخرين اللذين درسناهما – ذلك  النزاع بين نوعي الأخلاق اللذين لفتنا أنظار القراء إليهما كثيرًا.  فأخلاق السلطة, تلك التي تقوم على الواجب والطاعة تؤدي في ميدان العدل إلى الخلط بين ما هو عدل تبعًا للقانون القائم وبين قبول عقوبة التكفير.  أما أخلاق الاحترام المتبادل والتي تقوم على فكرة الخير (كمعارضة للواجب) وفكرة الذاتية,  فإنها تؤدي في ميدان العدل إلى نمو المساواة, وهي الفكرة التي يقوم عليها العدل الموزع والتبادلية. فالاتحاد بين المتساويين يبدو مرة أخرى كمصدر لمجموعة كاملة من الآراء الأخلاقية المكملة والمتطابقة وهي التي تميز التفكير المعقول.   ويمكن أن نتساءل عما إذا كان من المستطاع أن تنمو هذه الحقائق دون مراحل تمهيدية يصاغ فيها ضمير الطفل بواسطة الاحترام الجانبي للكبار.   ونظرًا لأن هذا الموضوع لا يمكن إخضاعه للتجربة, فمن العبث أن نناقشه.  ولكن من المؤكد أن التوازن الأخلاقي الذي نصل إليه بواسطة النظريات التكميلية للواجب الغيري وعن طريق العقوبة الخالصة – كما تسمى – هو توازن غير مستقر نظًرًا لأنه لا يسمح للشخصية بأن تنمو وتتسع إلى أقصى حدودها.   فكلما نما الطفل فإن خضوع ضميره لعقل الكبار يبدأ في نظره أن يكون أقل قانونية.  وفيما عدا حالات النمو الأخلاقي المضبوطة الناتجة إما عن الخضـوع الداخلي المقرر (هؤلاء الكبار الذين يبقون أطفالاً طول حياتهم) أو من الثورة المدعمة, فإن الاحترام من جانب واحد يميل من تلقاء نفسه إلى أن ينمو في اتجاه الاحترام المتبادل وحالة التعاون التي تتضمن التوازن العادي.   من الواضح أنه ما دامت هذه الأخلاق هي من النوع التعاوني فإن أخلاق الطفل تنمو بسرعة متأثرة بالأمثلة المحيطة بها.  والواقع أن احتمال أن تكون هذه ظاهرة ذات اتجاه واحد هو أقرب إلى الصواب من أنها مجرد ضغط اجتماعي, ذلك أنه لو أن الجماعات البشرية تطورت من الغيرية إلى الذاتية, ومن نظم دينية استبدادية إلى نظم ديموقراطية تقوم على المساواة, فإن ظاهرة التكاتف الاجتماعي التي وضعها دوركايم تساعد على تحرير كل جيل من الجيل الذي سبقه وبذلك يصبح النمو الذي وصفناه ممكناً عند الأطفال والمراهقين.

 

وهكذا نكون قد وصلنا إلى حيث تلتقي مشاكل علم الاجتماع مع مشاكل علم النفس وأصبحنا أمام سؤال فى غاية الأهمية فنقتنع بهذه الإشارات.   ولنقارن الآن النتائج التي وصلنا إليها مع الآراء الأساسية في علمي الاجتماع والنفس المتصلة بالطبيعة التجريبية للحياة الأخلاقية.

 

#كمال_شاهين

 

للعيد معنى آخر 


لأولئك الذين يفهمون لا حاجة للشرح .

لأولئك الذين لا يفهمون لا إمكانية للشرح .
عندما نصدق ان الحرب انقاذ للأمة .

عندما نصدق ان الفاسد  يسرق لأجل أن يقتات الضعفاء .

عندما يظلم شعب هنا وهناك

يقال

الساسة العرب اجتمعوا لنزع الظلم وهم صنعوه

اجتمعون لكسر الذل وهم ابتكروه .

مازال الشعب المجيد المصاب بداء الوهم وتصديق الخرافة يتساءل

متى يصحو صلاح الدين ؟

متى يأتي ابن الخطاب ؟

لن يأتيا

من يصنع التغيير هو من حول القادة

اما صلحوا أو فسدوا فتعينوا من حول قادتكم
انها ايام نحاول رغم

الجوع

المرض

الجهل

و

الظلم

ان نضحك

نبتسم

ونقول أننا #سننتصر #سنعيش

رغم كل ألم

سنقول للجميع

كل عام وانتم بخير

عساكم من عواده

وتقبل الله طاعتكم

محبتي الدائمة

#انت_سلوكك

#انا_انسان

#اعادة_نظر

 

أحمد مبارك بشير

24/6/2017

الحكم الاخلاقي لدى الطفل 22


 

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

JUSTICE CHILD6.jpg

الحكم الأخلاقي لدى الطفل   – 44

 

العدل الموزع

والآن ننتقل إلى الأسئلة المتعلقة بما سميناه العدل الموزع في العلاقات بين الأطفال.   وقد درسنا في هذا الموضوع نقطتين بدا لنا أنهما فى غاية الأهمية, هما مشكلة الاختلاف في العمر, ومشكلة المساواة في حالة الأطفال من نفس العمر.   وها هما قصتان استخدمناهما لتحليل السؤال الأول :

 

القصة1

كان ولدان يلعبان الكرة فى الفناء، وكانت الكرة تذهب خارج الحدود تتدحرج في الطريق, وقد ذهب ولد من تلقاء نفسه وأحضرها عدة مرات، وبعد ذلك أصبح هو الولد الوحيد الذي يطلب منه إحضارها, فما رأيك فى هذا ؟

 

القصة2 

كان بعض الأولاد يتناولون الشاي على الحشائش.  كان مع كل واحد رغيف اشتراه ووضعه بجانبه ليتناوله بعد خبزه الأسمر، فجاء كلب في هدوء من خلف أحد الأولاد وأخذ رغيفه.  فماذا ينبغي أن يعمل؟ 

 

لسنا فى حاجة إلى تحليل طويل لكل نوع من الإجابات، فالأولاد كانوا متشابهين في طلب المساواة.  ففي القصة الأولى ليس من العدل أن نجعل الولد نفسه يقوم بالعمل دائمًا للمجموعة.  وفي الثانية يجب أن ينال كل فرد نصيبه من الخسارة, فيشارك كل منهم بنصيب متساو.  إذا كنا قد عنينا هذه الإجابات فما ذلـك إلا لأنها خاصة بقصتين متشابهتين.   أما حيث تكون الرغبة في المساواة في نزاع مع سلطة الكبار فإنه يجب أن نتذكر أن صغار الأطفال فى الغالب يضعون الحق فى جانب السلطة (الفقرة 5).   وها هي ذي بعض الأمثلة :

فال Wal (6) القصة 1   – ليس عدلاً.   – لماذا؟  – لأنه يجب أن يذهب ولد آخر.

القصة 2    – يجب أن يشاركوه.  – لماذا؟  – حتى يتساوى الجميع.

 

شما Schama (7) القصة 1   – ليس عدلاً لأنه كان يجب أن يطلبوا من الآخرين كل بدوره.   أما في حالة القصة الخاصة بالأب الذي كان يرسل أحد أولاده برسائل أكثر من الآخر فإن شما أجاب أنه عدل لأن الأب قال ذلك.  أما عن القصة 2 فأجاب أن على الآخرين أن يقتسموا معه حتى يقوم بجزء من العمل.   إلا أنه عندما سألناه – لمجرد أن نرى ما إذا كانت الرغبة في المساواة أقوى من السلطة – ولكن لو أن الأم لم تطلب أن يعطى أكثر من ذلك؟  أجاب أنه كان عليه أن يحول بين الكلب وبين الرغيف.  – وهل هذا عدل؟  – نعم, كان يجب عليه أن يكون حذرًا.   وإذا لم تقل الأم لم شيئًا, فماذا يكون العدل؟   – أن يقتسموا.

 

دل Dell (8) القصة 1  – ليس عدلاً, إذ كان يجب أن يذهبوا بأنفسهم.

القصة 2  – كان يجب أن يقتسموا.

 

روب Rob القصة 1  – كان على كل واحد منهم أن يذهب  في دوره.

القصـة 2   – كان عليهـم أن يقتسموا.   – ولكن الأم قالت إنه لا يجب؟   – ليس هذا عدلاً.

 

فسكا Fascha (10) القصة 1   – كان يجب أن يذهب ولد آخر.

القصة 2   كان على كل منهم أن يشارك بالنصف الولد الذى فقد كل ما معه.

 

وهكذا نكون قد حصلنا على كثير من أمثلة النمو التدريجي للمساواة (الفقرة 5) فلا حاجة بنا إلى الإطالة في بحث هذه النقطة.  ومع ذلك فقد بقي السؤال الخاص برأى الأطفال في الفروق فى السن وهل تعطى الأسبقية للكبار أم للصغارأم يعامل الكل سواء؟   وقد عرضنا القصتين الآتيتين على الأطفال :

 

القصة1

ذهب ولدان في نزهة جبلية وكان أحدهما كبيرًا والآخر صغيرًا, فلما جاء وقت الغداء كان قد بلغ بهما الجوع مبلغه, وأخرج كل طعامه من محفظته ولكنهما وجدا أن الطعام لا يكفيهما معًا, فماذا كان ينبغي أن يكون العمل؟   أن يعطى الطعام كله للولد الكبير, أم الصغير, أم يوزع بينهما بالتساوي؟

 

القصة2

كان ولدان يتسابقان (أو يلعبان الكريات إلخ ..) وكان أحدهما كبيرًا والآخر صغيرًا, فهل يجب أن يبدأ كل منهما من نفس المكان أم أن يبدأ الصغير من مكان قريب.

 

السؤال الثانى معقد لأن اللعبة منظمة، وبالتالى لها قواعد تقليدية، أما الأول فإنه يؤدي إلى رد فعل ذي أهمية خاصة؛ فالصغار من الأطفال يميلون إلى المساواة وإلا فإنهم يعطون الأسبقية بصفة خاصة لكبار الأطفال احترامًا لسنهم, أما كبار الأطفال فيميلون إلى المساواة وإلا فإنهم يعطون الأسبقية بصفة خاصة إلى الصغار شفقة عليهم.

 

جان Jan (7.5)  – كان يجب أن يكون نصيب كل سواء.  – ولكنهم أعطوا النصيب الأكبر للصغير.   فهل هذا عدل؟  – لا، كان يجب أن يكون نصيب كل سواء.  لكل النصف.   – أليس الصغار أكثر جوعاً؟  – نعم.  – لو أنك كنت الصغير فماذا كنت تفعل؟  – كنت أعطي نفسي النصيب الأقل وأعطى الأكثر للكبار.

 

نيف Nav (7.5)  – كان يجب أن يعطى الكبار النصيب الأكبر.   – لماذا ؟  – لأنهم أكبر.

 

فال Fal (7.5)   – كان يجب أن يعطى الولد الأكبر أكثر.  – لماذا؟  – لأنه أكبر سنًا.   – وإذا كنت أنت الصغير فهل كنت تعطي معظم الطعام للكبار؟  – نعم.  – وهل يجب أن يأخذوا هم أكثر أم أنهم يحتاجون إلى أكبر نصيب؟  – يجب أن يعطوا أكثر.

 

روب Rop (9)  – زيادة طفيفة للولد الكبير.  – لماذا؟  – لأنه أكبر سنا.  – أيهما يزداد جوعًا أثناء المشي: الصغار أم الكبار؟  – كلاهما سواء.  – لو خرجت للنزهة مع ولد في الثانية عشرة وكان معكما قطعة واحدة فقط من الخبز فماذا تفعل؟  – أعطيه معظمها.  – وهل ترى هذا حقا؟  – نعم, كنت أحب أن أعطيه معظمها .

 

وها هم أولاد يفضلون المساواة

فال Wal (7)  – يجب أن يكون نصيب الكل سواء.  – لماذا؟   ومرة أخرى كان هنا خمس قطع من الشيكولاتة فطلب الصغير ثلاثاُ فهل هذا عدل؟  – كان الأفضل أن يعطى كل واحد قطعتين ونصف.          – افرض أنك كنت تسير متنزهًا مع ولد وكنت أنت الأكبر سنًا واحتفظت لنفسك بالنصيب الأكبر.  فهل هذا عدل؟  – ليس عدلاً.

 

نس Nuss (10)   – كان يجب أن يقتسموا.  – ولكن الولد الصغير قال : “إني صغير فيجب أن آخذ النصيب الأكبر”, فهل هذا عدل؟  – ليس عدلاً.  – وإذا قال الكبير إن له الحق في النصيب الأكبر لأنه أكبر فهل هذا عدل؟  – يجب أن يكون نصيب كل سواء.   – أنت الآن في سن العاشرة.  افرض أنك كنت تمشي متنزهًا مع ولد في الخامسة عشرة وأعطاك معظم الموجود, فماذا كنت ترى؟  أن ذلك منه جميل وعدل؟  – قد يكون العدل أوفر لو أن كلاً منا تساوى مع زميله.

 

وأمثلة للإنصاف :

شمو Schmo (10)  – كان ينبغي أن يعطى الصغير أكثر لأنه أصغر.  –  لكنهما أكلا سواء, فهل هذا عدل ؟  – ليس عدلاً تامًا.

 

برا Bar (10)  – لكل منهما نصيب مساو للآخر. – لكن الصغير أعطى معظمه, فهل هذا عدل ؟   أما بالنسبة للعب فقد اختلفت الإجابات تبعًا لكون اللعب سباقًا أو كريات.   فالسباق نسبيًا مقنن, وهذا التحرر من القواعد يسمح بمحاباة الصغار.   أما في لعبة الكريات, فإن سلطة القواعد تعقد الإجابات.   فالصغار يطالبون بالمساواة لأنها قاعدة اللعب التي لا تنتهك حرمتها أما الكبار فيميلون إلى عمل استثناءات لمراعاة الصغار.

 

وهاك مثالان لإجابات طفلين صغيرين :

بري Bri (6)  في مسابقات الجري :  – يجب أن يعطى الصغير أسبقية البدء لأن الولد الكبير يستطيع أن يجري بسرعة أكبر من الصغير.   أما في الكريات فيجب “أن يكون الكل سواء”.  – لماذا ؟  – لأنه إن لم يجرِ كلاهما من نفس النقطة وقمنا بمراعاة الصغار فإن الله يجعل الأطفال الكبار يصيبون الكريات ويحرم الأطفال الصغار من ذلك.   أي أن تقديم استثناءات للأطفال الصغار مراعاة لضعفهم هو نوع من “الغش” الذي يعاقب الله من ارتكبه.

 

فال Wal (7)   في مسابقات الجري.  – في السباق يجب أن يضع الإنسان “الصغير إلى الأمام قليلاً”.  

أما في حالة لعبة الكريات, فعلى الكل أن يبدأ من عند “الخط”.  – لماذا ؟  – يجب أن تبدأ دائمًا من الخط.    

 

ها هو ذا مثال واحد من إجابة الكبار من الأطفال.

برا Bra (10)  فى السباق يعطي “برا” للصغار أسبقية البدء في سباقات الجري كما يطبق نفس القاعدة في حالة لعبة الكريات كذلك.   “لأن ذلك يحدث دائمًا حين يكونون أقل سنًا بمقدار سنتين أو ثلاث.”

 

 

ختامًا, يمكننا القول إننا وجدنا أن فكرة العدل تنمو مرتبطة بالعمر العقلي وكوظيفة له.   وقد ظهر خلال هذا القسم من البحث ثلاث مجموعات من الحقائق ترتبط كل واحدة منها بالأخريات.  هذه الحقائق هي:

الأولى: أن التبادلية تثبت عن طريق السن؛ فمقابلة الضرب بمثله خطأ عند الصغار لأنه محرم حسب قانون الكبار ولكنه عدل عند كبار الأطفال لأن هذا النوع من العقوبة يقوم بوظيفته مستقلاً عن الكبار وهو يضع “العقوبة التبادلية” في مستوى أرقى من “العقوبة التكفيرية”.

الثانية:  أن الرغبة في المساواة تزداد بازدياد السن.

الثالثة:  أن مظاهر التعاون – مثل عدم الغش أو عدم الكذب بين الأطفال – تنمو موافقة للميول التى ذكرناها.

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

الحكم الأخلاقي لدى الطفل   – 45

(7) خاتمة – فكرة العدل

في ختام بحثنا, يحسن أن ندرس الإجابات عن سؤال يجمع كل ما تحدثنا عنه.   سألنا الأطفال في بداية حوارنا, وفي نهايته, أن يعطونا هم أمثلة عما يعتبرونه ظلماً (1).   تألفت الإجابات التي حصلنا عليها من أربعة أنواع :

1-    سلوك مضاد للأوامر الصادرة من الراشد, مثل الكذب, والسرقة, ومقاطعة الحديث, إلى آخره.  باختصار كل ما هو ممنوع.

2-     سلوك مضاد لقواعد اللعب.

3-    سلوك مضاد للمساواة (مساواة في العقوبة وفي المعاملة).

4-    أعمال ظالمة مرتبطة بمجتمع الراشد (ظلم اقتصادي أو سياسي)

 

وقد دلت الإحصائيات الآتية بكل وضوح على أهمية السن :

  ممنوع  لعب عدم مساواة ظلم اجتماعي
سن6-8 64% 9% 27% ___
سن 9-12 7% 9% 73% 11%

 

وها هي ذي أمثلة يمتزج فيها ما هو عدل وما هو ممنوع :

في سن 6  “بنت صغيرة كسرت طبقاً”, “ثقبت بالونا”, “أولاد يحدثون ضوضاءً بأقدامهم أثناء الصلاة”, “يكذبون”, “أشياء غير صحيحة”, “ليس من العدل أن تسرق” إلى آخره.

في سن 7  “الحرب”, “العصيان”, “النزاع على لا شيء”, “الصراخ للاشيء”,  “المزاح”, إلى آخره.

في سن 8   “الحرب”, “الكذب”, “السرقة”, إلى آخره.

 

وها هي ذي أمثلة لعدم المساواة :

فى سن 6 “إعطاء كعكة كبيرة لواحد وصغيرة للآخر”, “إعطاء قطعة شيكولاته لواحد واثنتين للآخر”.

فى سن 7  “أم تحابي ابنتها الصغيرة فتعطيها أكثر من الكبيرة مع أنها ليست ظريفة”, “ضرب صديق لم يعمل لك شيئًا”.

فى سن 8   “شخص أعطى أنبوبتين لأخوين ولكن إحداهما كانت أكبر من الأخرى (وهذه مأخوذة من التجربة), “توأمتان لم تعطَ كل منهن نفس العدد من الكريز (أيضًا في التجربة).

فى سن 9  “أم تعطي قطعة كبيرة من الخبز لطفل دون آخر”, “أم تعطي كلبًا ظريفاً لأخت دون الأخرى”, ” عقوبة شخص بقسوة أكبر من الآخر”.

في سن 10   “حينما يقوم كل منكما بعمل واحد ولا تنالان عليه نفس المكافأة”, “ولدان يعملان وفق ما طلب منهما وينال أحدهما أكثر من الآخر”, “تأنيب طفل دون الآخر مع أن كلاً منهما قد عصى”.

في سن 11  “ولدان سرقا الكريز ولكن أحدهما عوقب لأن أسنانه صارت سوداء”, “قوي يضرب ضعيفاً”, “مدرس يحابي أحد الأولاد ويعطيه درجات أعلى”

في سن 12   “حكم متحيز”.

 

بعض أمثلة الظلم الاجتماعي.

سن 12  “معلمة تفضل تلميذًا لأنه أقوى, أو أذكى, أو أحسن زيًا”.

“غالبًا ما يفضل الناس اختيار أصدقاء أغنياء على الفقراء وقد يكون الفقراء أظرف”

” أم لا تسمح لبنيها بأن يلعبوا مع أولاد أقل منهم حسن ملبس”.

“أطفال يطردون بنتا صغيرة من اللعب لأنها أقل منهم حسن ملبس”.

 

وهذه الدلالات التلقائية لو أضفناها إلى بقية البحث لاستطعنا – على أساس إمكان التحدث عن مراحل للحياة الاخلاقية – أن نستخلص وجود ثلاث فترات كبيرة في نمو الإحساس بالعدل عند الأطفال : فهناك فترة تمتد إلى سن 7- 8 وفيها يخضع العدل لسلطة الراشد، ثم تمتد فترة بين 8-11 تقريبًا تسود فيها فكرة المساواة المتدرجة. وأخيرًا, تقوم فترة حوالى 11-12 يسود فيها العدل المتساوي مع تقدير لاعتبارات الإنصاف.

 

تتميز الفترة الأولى بعدم التمييز بين فكرة العدل وبين فكرة الظلم, أو بين فكرة الواجب وبين فكرة العصيان.   فكل ما يطابق ما تمليه سلطة الراشد فهو عدل.   والطفل حتى في هذه المرحلة يعتبر بعض أنواع المعاملة ظلمًا, وهى المعاملات التي لا يتبع فيها الكبار القواعد التي وضعوها للأطفال (مثال ذلك عقاب الطفل على خطأ سبق السماح له بارتكابه دون أي عقاب).   إلا أنه لو التزم الكبار بالقواعد التي وضعوها هم أنفسهم لنظر الطفل إلى كل شيء يقومون به على أنه عدل.

 

أما فيما يتعلق بالعقاب, فإن الطفل ينظر إلى كل عقوبة على أنها قانونية تمامًا, بل وضرورية لأنها تشكل الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق.   ذلك أن الكذب إن لم يعاقب عليه فإن الإنسان يسمح لنفسه أن يكذب إلى آخره.   وفي القصص التي أدخلنا فيها العقاب في صراع مع المساواة فإن الطفل الذي ينتهى إلى هذه المرحلة يضع العقاب فوق المساواة أيًا كان نوعها.    وفي اختيار العقوبات نجد أن العقوبة التكفيرية تتقدم على التبادلية, فالأساس الذي يقوم عليه النوع الأول من العقوبة لم يفهم تمامًا بعد عند الطفل.   أما في دائرة العدل الحلولي فإن أكثر من ثلاثة أرباع الأطفال دون الثامنة يعتقدون في عدل آلي ينبع من الطبيعة ومن الأشياء غير الحية, وإذا حدث أن قام صراع بين الطاعة والمساواة فإن الطفل عادة يميل إلى جهة الطاعة.   فالسلطة عنده لها الأسبقية على العدل.   وأخيرًا, فيما يتعلق بالعدل بين الأطفال, فإن الحاجة إلى المساواة قد بدأ الشعور بها فعلاً ولكن الطفل لا يذعن لها إلا حيث لا يوجد خلاف مع السلطة.   مثال ذلك عملية مقابلة الضرب بالضرب التي تعتبر عند طفل العاشرة مسألة بديهية من مسائل العدل فإنها تعتبر عند أطفال 6-7 سوء سلوك وإن كانوا يقومون بها في عالم الواقع   (يجب أن نتذكر أن القاعدة الغيرية ليس من الضروري أن تلاحظ في الحياة الواقعية).   من جهة أخرى, حتى في العلاقات بين الأطفال فإن سلطة الكبار منهم تتفوق على المساواة.   باختصار, نستطيع القول إنه في الفترة التي يكون فيها الاحترام من جانب واحد أقوى من الاحترام المتبادل, فإن فكرة العدل لا يمكن أن تنمو إلا في نواح معينة حين يبدأ التعاون في الاستقلال عن القسر.  أما في جميع النواحي الأخرى فإن العدل يختلط مع القانون, والقانون غيري خالص إذ هو من صنع الكبار.

 

أما الفترة الثانية فلا تظهر في مستوى التفكير والحكم الأخلاقي حتى سن 7 أو 8 ولكن من الواضح أن هذا يأتي متأخرًا قليلاً عما يحدث بالتطبيق.    تتميز هذه الفترة بنمو تدريجي للذاتية وأسبقية المساواة على السلطة.   ففي ميدان العقاب, نجد أن الطفل لم يعد ينقاد إلى فكرة العقوبة التكفيرية بنفس السهولة كما كان قبلاً.  أما العقوبة الوحيدة المقبولة المعتبرة قانونية فهي التي تقوم على أساس التبادلية.   أما الإحساس بالاعتقاد في العدل الحلولي فقد أخذ يتناقص, وأصبح العمل الأخلاقي يطلب لذاته مستقلاً عن الثواب والعقاب.   وفي ميدان العدل الموزع نجد أن قواعد المساواة لها السيادة.  وفي حالة النزاع بين العقوبة والمساواة نجد أن المساواة تتفوق على أي اعتبار آخر.  وهذا ما يحدث أيضًا في النزاع مع السلطة.   وأخيرًا, فإنه في العلاقات بين الأطفال نجد أن المساواة تتفوق بالتدريج كلما زاد العمر الزمني.

 

وحوالى سن 11-12 نجد أن اتجاهًا عقليًا جديدًا بدأ يظهر, ويمكن أن يقال عنه إنه يتميز بالإنصاف, وهو ليس نمو المساواة في اتجاه النسبية.   فبدلاً من أن ينظر الطفل إلى المساواة كوحدة فإنه ينظر إلى الحقوق المتساوية للأفراد فيما عدا الموقف الخاص بكل منهم.  يؤدي هذا في حالة العقاب إلى عدم تطبيق نفس العقوبة على الجميع ولكنه ينظر بعين الاعتبار إلى العوامل المخففة عند البعض.  أما في ميدان العدل الموزع فمعناه أن الطفل لم يعد يعتبر القانون واحدًا للجميع ولكنه يراعي الظروف الشخصية لكل فرد (مراعيًا الصغار).   وهذا الاتجاه العقلي نظرًا لأنه أبعد ما يكون عن إعطاء حقوق خاصة أو امتيازات ولذلك يؤدى إلى جعل المساواة أكثر تأثيرًا.

 

وحتى لو كان هذا التطور لا يشمل مراحل عامة، بل مجرد مظاهر تميز عمليات معينة ومحددة فقد قلنا ما يكفي، ولنحاول الآن تفصيل الأسس السيكولوجية لفكرة العدل وحالات نموها.   كذلك نعمل على التمييز بين العقاب والعدل الموزع لأن الاثنين يسيران معًا فقط حتى يهبطا إلى عناصرهما الأساسية.   ولنبدأ بالعدل الموزع, فنصيبه في النمو العقلي يظهر أنه يدل على أنه هو الشكل الأساسي التام للعدل نفسه :

والعدل الموزع قد ينخفض إلى مستوى آراء المساواة والإنصاف, وهذه الأفكار من ناحية فلسفة المعرفة لا نستطيع إلا أن نعتبرها في البداية إذا قصدنا بالبداية لا الأفكار الفطرية بل قصد بها قاعدة لا يساعدنا فيها العقل ولكنه يميل للتدقيق في معرفتها كما هي, فالتبادلية تفرض نفسها على التعليل العملي كما تفرض القواعد المنطقية نفسها من الناحية الأخلاقية على التعليل النظري.   أما من الناحية النفسية – وهي الناحية التى تدرس الأشياء كما هي لا كما ينبغي أن تكون – فإن القاعدة الابتدائية لا وجود لها سوى في حالة توازن فهي تشتمل على المثل الأعلى المتوازن الذي تتجه نحو الظاهرة.   أما السؤال في جملته فهو معرفة لماذا كانت الحقائق وهي كما هي ولكن شكلها التوازني هو كما وصفناه ليس شيئًا آخر.   وهذه المشكلة الأخيرة – وهي مرتبة على أساس السبب – يجب ألا تختلط مع الأولى؛ فهذه الأخيرة لا يمكن أن تحل بغير التفكير المجرد, وهاتان المشكلتان لا يمكن أن يتفقا إلا إذا أصبح العقل والحقيقة متساويين في الامتداد.   وفي الوقت نفسه يحسن أن نحصر أنفسنا في دائرة التحليل النفسي .   هذا وقد أصبح مفهومًا أن الشرح التجريبي لفكرة التبادلية لا يمكن أن يعارض بأي حال كونها ظاهرة ابتدائية.

 

من هنا فإنه لا يمكن أن نفكر أن فكرة المساواة أو العدل الموزع ذات جذور فردية وبيولوجية, وهذه ضرورية ولكنها ليست حالات كافية لنموها.   ويستطيع الإنسان أن يلاحظ عند الطفل في مرحلة متقدمة جدًا نوعين من الاستجابات يتبعان دورًا هامًا جدًا في هذه العملية الخاصة – أولاهما الغيرة وهي تبدأ مبكرًا جدًا عند الأطفال, فالأطفال فيما بين الشهر 8 ، 12 كثيرًا ما يظهر عليهم غضب شديد حين يشاهدون طفلاً آخر يتمتع بالرقاد على ركبة أمهاتهم أو حين تؤخذ منهم لعبة وتعطى لطفل آخر.  من جهة أخرى, يستطيع الإنسان أن يلاحظ في موضوع التقليد والتعاطف اللاحق استجابات غيرية وميلاً للمشاركة يظهران في وقت مبكر أيضًا, فقد يعطي طفل في شهره الثانى عشر لعبه إلى طفل آخر وهكذا ولكن مما لا يحتاج إلى بحث أن المساواة لا يمكن أن تعتبر نوعًا غريزيًا ولا منتجًا تلقائيًا لعقل الفرد ولكنها استجابات سبق أن أشرنا إلى أنها تؤدي إلى تعاقب الأثر والتعاطف تعاقبًا لا نظام فيه.   حقًا تمنع  الغيرة, طبعًا, الآخرين من الاستفادة منا والحاجة إلى الاتصال تمنع الذات من الاستفادة من الغير ولكن المساواة الحقيقية والرغبة الصحيحة للتبادل تتطلب قيام قاعدة جماعية هي نتيجة لحياة تقوم على أساس مشترك ولا بد أن يولد من تبادل أعمال الأفراد واستجاباتهم كل للآخر إدراك ارتباط ضروري متزن ومحدود بين كل من “الآخر” و”الذات”.   هذا هو التوازن المثالي الذي يشعر به بشكل غامض في كل نزاع وجميع حالات إقامة السلام ومن الطبيعي أن يتضمن تربية الأطفال بعضهم وبعض تربية تبادلية.

 

ولكن بحثنا يدل على قيام فترة طويلة من الزمن بين الاستجابات الفردية البدائية التي تعطي الحاجة إلى العدل فرصة الإبانه عن نفسها وبين الحصول التام على فكرة المساواة.   ذلك أنه لا يمكن أن يتجرد العدل فعلاً من انحرافاته العرفية قبل سن 10-12 وهي السن التي سبق أن رأينا قبلاً أنه فيها تصل جماعات الأطفال إلى أرقى مستوىً من النظام وتقنين القواعد.   هنا, كما في الحالات السابقة, يجب أن نميز بين القسر والتعاون, وتصبح مشكلتنا, إذن, هي ما إذا كان الاحترام الجانبي – الذي هو مصدر القسر – أو الاحترام المتبادل – الذي هو مصدر التعاون – هو العامل المرجح في نمو العدل المتساوى.

 

نحن نرى أنه في هذه النقطة بالذات لا يمكن أن تتعرض نتائج تحليلنا لأي شك, فالسلطة كما هي لا يمكن أن تكون مصدرًا للعدل لأن نمو العدل يتضمن الذاتية.   ليس معنى ذلك طبعًا لا يقوم بدور ما في نمو العدل حتى النوع الموزع منه.   فما دام الكبار يتعاملون مع الطفل على أساس التبادل ويؤثرون فيه بالقدوة لا بالأمر, فإنه يلعب في هذا المجال كما في غيره دورًا ذا أثر فعال.  إلا أن أهم أثر مباشر لنفوذ الكبار هو الإحساس بالواجب الذي وضحه بوفيه.   وهناك نوع من التناقض بين الخضوع الذي يتطلبه الواجب والذاتية الكاملة وجد أنه لا يمكن أن يخرج إلى الوجود إلا نتيجة اتفاق حر.   وسلطة الراشد حتى إذا قامت بدورها في تطابق مع العدل فإن لها تأثير مضعف لما تتضمنه روح العدل.   من هنا كانت الاستجابات التي لاحظناها بين صغار الأطفال الذين خلطوا ما هو عدل بما هو قانون, ونظروا إلى القانون على أنه كل ما تضعه سلطة الكبار.   والعدل متحد مع القواعد الموضوعة كما هي الحال في نظر كثير من الكبار نذكر منهم أولئك الذين لم ينجحوا في وضع ذاتية الضمير فوق التعصب الاجتماعي والقانون المكتوب.

 

ولهذا فإن سلطة الراشد ولو أنها قد تكون لحظة ضرورية فى التطور الاجتماعي للطفل غير أنها ليست في ذاتها كافية لخلق إحساس بالعدل فهذا قد ينمو فقط خلال التقدم الذى يحدثه التعاون والاحترام المتبادل فيبدأ من التعاون بين الأطفال ثم بين الطفل والراشد ويؤيد هذه النظرية أن الإنسان ليدهشه أن يري في مجمتع الأطفال كما هو في مجتمع الراشدين – ذلـك الامتداد الذي يسير فيه التقدم في المساواة جنباً إلى جنب مع الاتحاد “العضوي” ونقصد به نتائج التعاون ذلك أنا لو قارنا الجماعات التى يكونها أطفال 5-7 بمجتمعات 10-12 فإنا نستطيع أن نميز أربعة تغيرات مستقلة.  أولها أنه بينما نجد مجتمع الصغار يكون كلا لا شكل له وغير منظم الأفراد فيه جميعًا متشابهون, نجد أن مجتمع الكبار يكون وحدة عضوية ذات قوانين وتعليمات، وفي الغالب نجد نظامًا لتقسيم العمل (قادة, حكام, إلخ .. ) وثانيها أنه يقوم بين الكبار من الأطفال اتحاد أخلاقي أقوى مما بين الصغار؛ فالصغار مركزيو الذات تلقائيًا لا شخصيون يتنافسون وراء كل إيحاء يأتيهم ولكل تيار من تيارات التقليد, فالإحساس بالجماعة في حالتهم هو نوع من الاشتراكية الخاضعة للكبار ولأوامر الراشدين، أما الكبار فعلى العكس من ذلك نجد أن فكرة الحرمان من الحقوق تطبق على حالات الكذب والغش وكل ما يتعارض مع الاتحاد؛ فالإحساس بالجماعة إذن مباشر ومحافظ عليه.  أما التغيير الثالث فهو أن الشخصية تنمو بمعنى أن الجدل وتبادل الآراء يحلان محل التقليد المتبادل البسيط عند صغار الأطفال.  وأخيرًا فإن الإحساس بالمساواة أقوى بكثير عند الكبار عنه عند الصغار, فالصغار مازالوا بصفة مبدئية خاضعين لسيادة السلطة وعلى هذا فإن الرابطة بين المساواة والاتحاد هى ظاهرة نفسية عالمية وليست كما تبدو قاصرة على مجتمع الراشدين معتمدة فقط على العوامل السياسية.  وعند الأطفال, كما هو عند الراشدين, يقوم نوعان نفسيان من التوزان الاجتماعي : نوع يقوم على قسر السن فيبعد كلاً من المساواة والاتحاد “العضوى”  ولكنه يشق مركزية الذات عند الفرد دون أن يبعدها, وهو يقوم على التعاون ويعتمد على المساواة والاتحاد.

(1)فى الواقع أن هذا الاصطلاح ظلم injuspe غير معروف لدى الجميع ، ولكن يمكن أن يحل محله دائماً غير عدل Pas juste

 

#كمال_شاهين

#تطويرالفقهالاسلامي

 

الوضع المعيشي للاجئين في مصر


الوضع المعيشي للاجئين في مصر


الدكتور  #عادل_عامر

adel amer3.jpg


 تنتشر بين أوساط الجماعات اللاجئة، مجموعة من الأمراض التي تعد فى حقيقتها انعكاساً للأوضاع أو الظروف المعيشية التي كانوا يعيشونها قبل الهجرة أو بعدها، فقد كان لظروف الاضطهاد والقهر وأعمال العنف التي يوجهها اللاجئون الأفارقة بفعل الحروب الأهلية أثراً كبيراً فى انتشار بعض الأمراض العضوية والنفسية والعصبية بين هذه الجماعات، كما كان للأوضاع المعيشية المتردية التي يعيشها هؤلاء بعد الهجرة أثر فى انتشار كثير من الأمراض، قد استطاعت بعض الدراسات تحديد أكثر الأمراض انتشاراً بين الجماعات اللاجئة.

 يعانى اللاجئون السودانيون من أمراض مثل فقر الدم المزمن والصداع والأرق وارتفاع ضغط الدم واضطرابات المعدة، يعانى الصوماليون من الصداع المزمن والأرق وآلام المعدة، ويرجعون أسباب المرض لصراعهم ومحاولاتهم الدائمة للإقامة والاستقرار فى مصر، بالإضافة لإصابة بعضهم بجروح نتيجة للحروب الأهلية، ويعافى آخرون من مرض السكر ومشاكل فى الجهاز التنفسي والأمراض النفسية.

 وقد كان للأوضاع المادية الميسرة التي يعيشها اللاجئون العراقيون أثر كبير فى اختفاء أمراض سوء التغذية بين أسر العراقيين، فلم تتعد نسبة من يعانون من أمراض مثل مرض الأنيميا والفشل الكلوي ومشكلات الكبد وهى أمراض تعد فى حقيقتها مؤشراً على نوعية الحياة، ورغم تعدد وسائل وطرق الحصول على الخدمة الصحية فى المجتمع المصري ما بين قطاع صحى حكومي وآخر خاص ومدنى وتعدد أساليب العلاج.

 يفتقر اللاجئون إلى الوعى الكافي بالمساعدات الطبية التي تقدمها المنظمات غير الحكومية، وقد يرجع ذلك إلى عدم إعلان المؤسسات عن نفسها، وعن الخدمة الصحية التي تقدمها للاجئون بشكل كافي، أو انخفاض المستويات التعليمية للاجئين بما لا يؤهلهم لمعرفة حقوقهم القانونية فى المجتمعات المضيفة والخدمات التي تقدمها لهم كثير من المؤسسات والمنظمات.

 ويلجأ اللاجئون إلى الطب الشعبي أو إلى الصيادلة لتشخيص أمراضهم ووصف العلاج بسبب ضيق مواردهم المالية. كما أن الأماكن التي توجد بها الجهات التي تقدم الرعاية الصحية للاجئين تكون بعيدة عن أماكن تجمع اللاجئين، فموقع مكتب منظمة أفريقيا والشرق الأوسط التي تقدم الخدمة الصحية بعيد إلى حد ما عن أماكن تجمع بعض الجماعات اللاجئة، مما يجعل اللاجئين يجدون صعوبة فى الوصول إليه وغالباً ما يكون على اللاجئ أن يأتي أكثر من مرة للحصول على الخدمة الطبية أمر صعب خاصة بالنسبة للاجئين الذين يعانون ظروفاً صحية سيئة، كما يجد اللاجئون المقيمون بصورة غير شرعية صعوبات عند الاقتراب من المكتب بسبب خوف هؤلاء اللاجئين من قوات الأمن الموجودة فى المنطقة. كما تتطلب عملية حصول اللاجئين على الخدمة الصحية من المستشفيات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني قيام اللاجئين بمجموعة من الإجراءات الإدارية اللازمة للحصول على الخدمة تجعل المريض يحجم عن العلاج.

 فقد أعربت الأسر العراقية عن شكواها بشأن الإجراءات المعقدة الكثيرة التي تعوق حصولهم على خدمة كاريتاس بالتحويل إلى أحد المستشفيات أو باسترجاع ما دفعوه فى العلاج الخاص، وقد دفع هذا بغالبية الأسر العراقية اللجوء إلى الخدمات الصحية الخاصة. كا يشكو اللاجئون السودانيون من طول الإجراءات اللازمة للحصول على الخدمة الصحية من مؤسسة كاريتاس وكذلك من مكتب منظمة أفريقيا والشرق الأوسط لدعم اللاجئين.

شكاوى من أسعار العلاج
 تتمثل الشكوى الرئيسية للاجئين فى ارتفاع أسعار الخدمة الطبية وارتفاع أسعار العلاج مما قد يدفع البعض منهم إلى الخروج من المستشفيات قبل الشفاء لعدم قدرتهم على الدفع، فقد أكد 90٪ من العراقيين أن المشكلة الحقيقية التى تعترض حصولهم على الخدمة الصحية فى المجتمع المصري هى ارتفاع التكلفة العلاجية بينما يعانى الفلسطينيون من صعوبة الحصول على الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة، واضطرارهم إلى شراء الأدوية غير المدعمة ذات التكلفة العالية، وبالرغم من الخدمات العلاجية المدعمة التي تقدمها مؤسسة كاريتاس للاجئين تغطى 50٪ من مجموع النفقات الطبية، إلا أن الكثير من اللاجئين لا يستطيعون حتى دفع نصف القيمة ومن ثم يتعين على كاريتاس إما تحمل التكلفة كاملة أو يتخلى اللاجئ عن الرعاية الطبية. كما أن المؤسسات التي تقدم الخدمة الصحية للاجئين تعانى من عدة صعوبات أبرزها العجز فى الميزانية بما يؤثر على الخدمة الطبية التي تقدمها، فمثلاً يعانى مستشفى فلسطين المسئول عن تقديم الرعاية الصحية للاجئين الفلسطينيين من عجز هائل فى موازنته، التي خضعت إلى عدة تخفيضات بسبب الأولوية التي أعطاها الصندوق الوطني الفلسطيني عام 1955، إلى إنشاء المراكز الصحية فى غزة والضفة الغربية، وجاء على حساب الخدمة المقدمة للاجئين فى مصر، كما أن الرواتب التي كانت تقتطع من موظفي منظمة التحرير الفلسطينية، لم تكن ترسل إلى الهلال الأحمر مقابل الخدمات المقدمة لهم، وينطبق ذلك على المبالغ التي كان من المفترض أن تحولها السلطة الفلسطينية لدعم اللاجئين الفلسطينيين فى مصر.

اللاجئون والسكن
 يعانى اللاجئون من مجموعة صعوبات أكدتها الدراسات التي تعرضت للمشكلات السكنية للاجئين فى المجتمع المصري، تتركز المشكلات الرئيسية التي تواجه اللاجئين عند السكن فى الاستغلال المفرط من جانب ملاك العقارات للاجئين، والذى يظهر فى الزيادة المستمرة فى قيمة الإيجارات وعدم ثباتها فى ظل انخفاض دخول اللاجئين، التهديد المستمر بالطرد والإبعاد، صعوبة التقاضي أمام المحاكم، السكن فى الأحياء الهامشية والفقيرة.

 وفى ظل المشكلات التي يواجها اللاجئون فى حصولهم على عمل، وانخفاض المستوى العام للأجور يصعب على اللاجئين الارتقاء بنوعية حياتهم وتحسين أوضاعهم ومع استغلال ملاك العقارات الذين يتحكمون فى قيمة الإيجار مما يدفعهم إلى السكن فى الأحياء الهامشية والفقيرة التي تفتقر إلى مقومات العيش مثل الخدمات الأساسية والمرافق إضافة إلى ما يفقده اللاجئون من شعورهم بالأمن الاجتماعي الإنساني الناتج عن غياب الرقابة فى بعض الأحياء.

 يعيش الغالبية العظمى من اللاجئين فى تجمعات سكنية توجد على أطراف المدن وتبعد عن المراكز الحضرية وتفتقر إلى شبكة مواصلات كافية ترتبط بين هذه التجمعات وبين المراكز الحضارية، فأبناء الطبقة الدنيا من اللاجئين الفلسطينيين يقطنون الأحياء الفقيرة فى شبرا والعباسية وعين شمس، بالإضافة إلى العيش فى محافظة الشرقية فى مناطق محددة مثل أبو كبير والزقازيق وفاقوس وفى سيناء بمناطق رفح والعريش والشيخ زويد، أما اللاجئون السودانيون فيقطنون فى عدة أماكن بمصر، إلا أن جميعها من المناطق الهامشية الخالية من أية خدمات عامة، بالإضافة إلى ضيق الحيز المكاني وارتفاع عدد الأفراد الذين يسكنون بداخله فعلى سبيل المثال فى منطقة الكيلو 4.5 يعيش كل أربعة أفراد أو أكثر فى غرفة واحدة.

 وتجدر الإشارة إلى أن سكنى اللاجئين فى الأماكن الهامشية والفقيرة يختلف باختلاف جماعات اللاجئين، بل وداخل الجماعة الواحدة باختلاف الوضع الطبقي للأفراد، فمثلاً لا يسكن العراقيون فى الأحياء الهامشية، بل على العكس فالغالبية العظمى منهم وفقاً لنتائج مسح العراقيين يقطنون الأحياء الراقية مثل السادس من أكتوبر والشيخ زايد، ويعيش بها نحو 49.2٪ من العراقيين ومدينة نصر التي يقطنها نحو 13.2 ومدينة الرحاب 9.4٪، ويعيش الأثرياء من اللاجئين الفلسطينيين فى القاهرة بأحياء مدينة نصر.

عجز الجمعيات الأهلية
 تفتقد منظمات المجتمع المدني المعنية بشئون اللاجئين والتي تتنوع ما بين منظمات دولية وجمعيات أهلية ومؤسسات دينية، إلى التنسيق فيما بينها وبين الحكومة تتركز كثير من تلك المؤسسات فى العاصمة.

 بما يعيق اللاجئين المقيمين خارج القاهرة عن الحصول على الخدمة الصحية، وتضع بعض الجمعيات الأهلية شروطاً على حصول اللاجئين على خدماتها كالدين والعرق كما فى حالة اللاجئين السودانيين الذين ينشئون مجموعة من الجمعيات تفرق بين سكان الجنوب والشمال وبين المسلمين والمسيحيين عند تقديم خدماتها، 

 كما أن لطبيعة النشاط الخدمي المزدوج الذى تقدمه بعض الجمعيات الأهلية التي تشمل مساعداتها المصريين واللاجئين أثر كبير على عزوف الكثير من اللاجئين عن طلب الخدمة من هذه الجمعيات، إذ عادة ما يشعر اللاجئون باستياء من معاملة هذه الجمعيات لهم وكأنهم طالبو خدمة من الدرجة الثانية، فعلى سبيل المثال دائماً ما يرجئ مركز الهداية الخيرى عملية الكشف الطبي على اللاجئين أصحاب الحالات غير الحرجة إلى الشهر التالي، خاصة عندما يزداد أعداد طالبي الخدمة الصحية. 

 افتقار معظم الجمعيات الأهلية للموارد المادية والثابتة اللازمة لتمويل المشروعات التي تتبناها الذي يؤدي الي انسحاب أعضاء الجمعيات من عضويتها أو الي العمل التطوعي بما يجعل الجمعيات أو المؤسسات تعجز عن تحقيق أهدافها توجد بعض الأسباب مرتبطة باللاجئين أنفسهم مثل تدني أوضاعهم المادية.

أوضاع اللاجئين فى المجتمعات المضيفة
 تتأثر أوضاع اللاجئين فى المجتمعات المضيفة تأثراً كبيراً بتطور الأحداث السياسية بين هذه المجتمعات والمجتمعات الأصلية للاجئين، فأي تطور فى العلاقات الدولية سواء بالسلب أو بالإيجاب تنعكس آثاره على اللاجئين، وقد كان لتطور العلاقات المصرية ـ الفلسطينية أكبر الأثر على السياسة التعليمية المتبعة فى التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين، فمنذ عام 1945 فتحت الجامعات المصرية للطلبة الفلسطينيين وحتى عام 1978 تمتع الفلسطينيون بحق مساو للمصريين فى الالتحاق بالتعليم الحكومي بجميع مراحله مجاناً،

إلا أن تطور الأحداث السياسية الذى جاء كنتيجة لضلوع بعض الفلسطينيين فى اغتيال وزير الثقافة يوسف السباعي عام 1978، وما تلا ذلك من انضمام منظمة التحرير الفلسطينية إلى جبهة الصمود والتصدي المعادية لمصر مع كل من جنوب اليمن والعراق وسوريا والجزائر فى القمة العربية بطرابلس، كما قام الفلسطينيون بأعمال شغب فى فترة حكم الرئيس السادات لمصر احتجاجاً منهم على سياسته مع إسرائيل، ففي يناير 1972 قام أعضاء نقابة الاتحاد العمالي الفلسطيني بالانضمام إلى الطلاب المصريين فى أعمال شغب واسعة النطاق احتجاجاً على سياسة الجمود التي يتبعها السادات لا حرب لا سلام مما أدى بالسادات إلى اعتقال الكثيرين منهم على اعتبار أنهم المحرضون على هذه المظاهرات، كما تظاهروا ضد اتفاقية سيناء الثانية فى سبتمبر 1975، 
 والتي أدت إلى ترحيل عدد كبير من الطلاب الفلسطينيين وتقليص حاد لأنشطة الاتحاد العمالي الفلسطيني، بالإضافة إلى الكثير من الإجراءات العقابية التي خفضت بشكل كبير من عدد الطلاب الفلسطينيين فى مصر، وفى نوفمبر 1977 أغلق الاتحاد العمالي أثناء زيارة السادات للقدس.

 وأطلقت الحكومة المصرية حملة إعلامية مناهضة للوجود الفلسطيني ومجموعة قوانين جديدة أثرت على الفلسطينيين كقانونيي 47 و48 اللذين ألغى بموجبها كل القوانين التي تساوى بين المصريين والفلسطينيين فى كثير من المجالات كان من أهمها التعليم. وأصبح الطلاب الفلسطينيون فى مصر مطالبين بسداد الرسوم الجامعة بالجنيه الإسترليني وحاول بعضهم التحايل على تلك المشكلة بدخول الامتحانات دون سداد الرسوم الدراسية إلا بعد الوصول للسنة النهائية أو الانتظار لصدور قرار عفو وزاري، واشترط القرار الوزاري الصادر عام 1978 على الطلبة الفلسطينيين الانتقال من المدارس الحكومية إلى المدارس الخاصة، وقد كان لكل هذه القرارات أثرها على انخفاض عدد الطلاب الفلسطينيين، بينما كان عدد الطلاب الجامعيين فى الفترة من 1965 ــ 1978 يصل إلى نحو 20 ألف طالب انخفض هذا العدد ليصل عام 1985 إلى 4500 طالب فقط.

وضع اللاجئين السودانيين فى مصر 
 وبالمثل فقد كان لتطور الأحداث السياسية بين مصر والسودان الأثر نفسه على وضع اللاجئين السودانيين فى مصر، فقد كان لضلوع بعض السودانيين فى محاولة اغتيال الرئيس المخلوع حسنى مبارك فى أديس أبابا عام 1995، أكبر الأثر على تدهور العلاقات المصرية السودانية، فقد كان للسودانيين قبل هذا التاريخ الحق فى دخول مصر بدون تأشيرة سفر ولكن منذ ذلك التاريخ حرم السودانيون من هذا الحق، وأصبح دخولهم إلى مصر يتطلب جواز سفر وأوراقاً رسمية وانعكست هذه الأحداث بعد ذلك فى سلسلة من القرارات لتنظيم عملية اللجوء من السودان إلى مصر.

 كان من بينها القرارات الخاصة بتنظيم عملية حصول اللاجئين السودانيين على فرص العمل، التي بمقتضاها تم معاملة اللاجئين السودانيين معاملة الأجانب، وأصبح حصولهم على فرصة عمل فى مصر يتطلب حصولهم على تصريح عمل، وبعد ذلك توالت القرارات كان آخرها فى عام 2004 إذ غيرت الحكومة المصرية من شكل تأشيرة الدخول، و غير مصرح بالعمل على تصاريح إقامة اللاجئين السودانيين المقبولين، ومن ثم تصبح أية محاولة من جانب اللاجئين السودانيين للحصول على فرصة عمل محاولة غير قانونية، وبعد عدة محاولات جادة لأكثر من عام نجحت المفوضية فى إقناع السلطات بإلغاء الختم الجديد فى مايو 2005 وحاول اللاجئون السودانيون الالتفاف حول هذه العقبات القانونية عن طريق حصولهم على أراض زراعية لاستصلاحها وزراعتها.

 ويتمثل رد الفعل الطبيعي لفشل اللاجئين فى الالتحاق بسوق العمل الرسمي فى انخراط اللاجئين فى مزاولة الأنشطة غير الرسمية التي تتناسب مع قدراتهم ومؤهلاتهم، ولكن افتقاد هذه القطاعات إلى وسائل الحماية الكافية التي يتمتع بها القطاع الرسمي يمثل عقبة رئيسية أمام هؤلاء اللاجئين، ونظراً لحساسية وضعهم كلاجئين تجعلهم عرضة لاستغلال أرباب الأعمال الذين يجبرونهم على العمل لساعات أطول بأجر أقل مما يتقاضاه المصريون الذين يزاولون أعمالهم نفسها. وتشير بعض الدراسات إلى تعرض اللاجئين السودانيين للمعاملة غير اللائقة من جانب أصحاب العمل للعاملين فى القطاع الخدمي ووفقاً لمنظمة العفو الدولية، فقد تجنب اللاجئون العراقيون عدم السماح لنسائهم بالعمل فى الخدمة المنزلية فى مصر بالرغم من حاجتهم الشديدة لهذا المصدر من الدخل تفادياً لإساءة المعاملة