اتفاق بين التحالف والشرعية حول معسكرات #عدن 


بحسب مصادر مطلعة فأن بنود الاتفاق الذي تم بين التحالف العربي والشرعية بخصوص القوات العسكرية المتواجدة في عدن كانت كالتالي : 
– أخراج ثلاثة الوية من الحماية الرئاسية من مدينة عدن وهي كلا من معسكر لواء النقل بدار سعد ومعسكر مهران ومعسكر الغزل والنسيج التابع للقائد سقراط بحيث سينتقل لواء النقل بمعية لواء مهران لتعزيز جبهتي كرش وصعدة وكذلك تعزيز جبهة مكيراس بقوة من معسكر الغزل والنسيج مع البقاء على معسكر الحماية الرئاسية في جبل الحديد والمعاشيق كلواء رئاسي وحيد في عدن…
– بالنسبة لقوات الحزام الامني نقل القوة المتواجدة في معسكر المشاريع الى معسكر الجلاء بالبريقا بالاضافة لنقل تقريباً لواءين الى مدينة المخا كتعزيز لصفوف القوات المقاتلة هناك وتحويل قوة الحزام الامني لوزارة الداخلية كقوة أمنية اضافية …
– تحويل معسكر بدر لمقر وزارة الدفاع ( القيادة العامة للوزارة ) وأنشاء مباني اضافية لها والعمل على تفعيل دور مقر قيادة المنطقة العسكرية في التواهي …
– بقى بعض المعسكرات المهمة في المدينة منها قوات الشرطة العسكرية والقوات الخاصة لمكافحة الارهاب في التواهي وتعزيز دورهما في المدينة والمحافظات المحررة بشكل عام كما سيتم ابقاء معسكرين في منطقة بئر أحمد كذراع عسكري للجيش والتحالف .
– تعزيز الجهاز الامني في عدن بقيادة مدير الامن والعمل على تعزيز جهاز أمن المنشأت …

Advertisements

ارجوحة النفس و Freikauf von Rumäniendeutschen


ارجوحة النفس.jpg
ذكريات من الحرب العالمية الثانية حول السخرة والترحيل الذي تعرض له ناطقو الالمانية في  رومانيا بعج هزيمة النازية في الحرب الثانية ، استخدمتها الكاتبة الالمانية الرومانية المولد في روايتها ارجوجة النفس فوالدتها احدى من تعرض للترحيل والسخرة في الاتحاد السوفيتي إنها الروائية  #هيرتا_موللر  الحائزة على نوبل 2009
الحكاية العجيبة والحقيقة وهي تعبر عن اهمية الرأس المال البشري للدول المتقدمة ،باختصار قصة اكبر تحرير لمواطنين المان  في السخرة 250 الف مواطن تحديدا . دفعت المانيا ثمن تحريرهم لرومانيا نقدا بين الاعوام 1968 الى 1989. رغم ان ارتباطهم الفعلي بارضهم وموطنهم المانيا لم يجتز معرفتهم باللغة الألمانية، حيث وكان  وجودهم واستقرارهم  في رومانيا من 800 سنة في 3 كتل سكانية وجغرافية هي
Siebenbürgersachsen, Banater
Schwaben, Sathmarer Schwaben..
تعرضت تلك الأقلية الألمانية في رومانيا للاضطهاد بعد هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية ، عندها  تم ترحيل 80 ألف ألماني من رومانيا، إلي معسكرات السخرة في الاتحاد السوفيتي، والأغلبية توجهت إلي مصانع مدينة دنيبروبتروفسك في أوكرانيا حالياً.. ومن تبقي من الأقلية الألمانية في رومانيا لم يسلم
من الاضطهاد والتهجير والحرمان من فرص العمل والتضييق علي خصوصيته الثقافية.. وضع الأقلية الألمانية في رومانيا كان بائسا لدرجة دفعت ألمانيا الغربية سنة 1954 لتقديم عرض للرومانيين لاستقبال الألمان، وتخليصهم من الاضطهاد.. الحكومة الرومانية ردت علي الوفد الألماني في أحد المؤتمرات الاقتصادية في ستوكهولم، أن ثمن تخليص الأقلية الألمانية من بؤسها..هو 1000 دولار أميركي علي كل رأس، ولن يُسمح لشخص واحد بالسفر إلا بعد دفع ثمنه..
سنة 1968 ألمانيا الغربية في عهد فيلي براندت توصلت لتسوية حقيقية مع الرومان كي تفدي الاقلية الالمانية .. وفورا تم تشكيل وفد للتفاوض من 6 اشخاص اخذوا اسماء مستعارة يرأسهم  هانز جونتر هوش، والمحامي كوت كسنجر ،  في مقابل الوفد الروماني الذي كان يترأسه ستيليان أوكتافيان وتوصلوا لصفقة بعد قرابة 1000 اجتماع غير رسمي تحت مسمى (داورد )  ، وبعد شد وجذب حول المطالب الرومانية التي ركزت على مبلغ يدفع فورا كسلفة للحكومة الرومانية و آلية احتساب المبالغ المالية على كل رأس من الاقلية الرومانية ادت الى الوصول الى اتفاق مالي  هو  توزيعهم على فئات a , b , c  , d هي  , الاسعار بالمارك الالماني :
  • لفئة A: 1،800 DM الناس الذين لا تشملهم فئة لاحقة؛ والرجال الذين بلغوا سن 62 عاما ، والنساء الذين بلغوا سن 60
  • الفئة B1: 5500 طلاب DM الذين لم يكملوا دراستهم
  • فئة B2: DM 7000 طالب وطالبة في السنتين الأخيرتين من تعليمهم
  • الفئة C: 11000 DM الأفراد مع شهادة جامعية
  • الفئة D: 2،900 DM الناس الذين أتموا التدريب المهني، ولكن ليس كلية، والعمال المهرة اصحاب الحرف 

وهناك صورة اخرى من الاتفاق اولية كانت

  • الاطفال : 4000
  • المتقاعدين 6000
  • البالغين 10000

استمر تنفيذ الاتفاق حتى نفاذخ في 4 ديسمبر 1989 ………………………..

اعطيت العملية السرية اسم Geheimsache Kanal..

Freikauf von Rumäniendeutschen 

رومانيا خالية من الالمان بالشراء

وبدأوا في دفع المبالغ المطلوبة بالفعل لفداء الناس..طريقة الدفع كانت بدائية منعًا لإثارة الشكوك..هانز هوش يسافر رومانيا كل فترة، بدون جواز سفردبلوماسي، معه حقيبة فيها 6,5 مليون مارك، يقابل

المفاوض الروماني، يدفع المبلغ، يستلم كشف من استردوا حريتهم، يصلوا بعدها إلى بون..
مُدهش ما فعلته دولة كألمانيا لاسترداد حرية أبناءها، حتى لو كانت صلاتهم الجغرافية انقطعت بالوطن
الأم من 800 سنة..مُدهش أن يقدر الزعماء حرية وكرامة شعوبهم، ويبذلوا أقصي ما في وسعهم من تدابير لحمايتهم..
#اعادة_نظر

الغبطة .. فكرة #ايليا_ابوماضي


الغبطة فكرة

#ايليا_ابوماضي

 

SAD4.jpg

أقبلَ العيدُ ، ولكنْ ليسَ في الناسِ المسرَّهْ

لا أَرى إلاَّ وُجُوهاً كالحاتٍ مُكْفَهِرَّهْ

كالرَّكايا لم تَدَعْ فيها يدُ الماتحِ قطرَهْ

أو كمثلِ الرَّوضِ لم تَتْركْ به النكباءُ زهرَهْ

وعيوناً دَنقتْ فيها الأماني المُسْتَحِرَّهْ

فَهْيَ حَيرى ذاهلاتٌ في الذي تهوى وتكرَهْ

وخدوداً باهتاتٍ قد كساها الهَمُّ صُفْرَهْ

وشفاهاً تحذرُ الضحكَ كأنَّ الضحكَ جمرَهْ

ليسَ للقومِ حديثٌ غير شكوى مستمرَّهْ

قد تساوى عندهُمْ لليأسِ نفعٌ ومضرَّهْ

لا تَسَلْ ماذا عراهُمْ كلُّهم يجهل ُ أمرَهْ

حائرٌ كالطائرِ الخائفِ قد ضَيَّعَ وكرَهْ

فوقَهُ البازِيُّ ، والأشْرَاكُ في نجدٍ وحُفْرَهْ

فهو إنْ حَطَّ إلى الغبراءِ شَكَّ السهمُ صدرَهْ

وإذا ما طارَ لاقى قشعمَ الجوِّ وصقرَهْ

كلُّهم يبكي على الأمسِ ويخشى شَرَّ بُكْرَهْ

فهمُ مثل عجوزٍ فقدتْ في البحرِ إبرَهْ

* * *

SAD7.jpg

أيّها الشاكي الليالي إنَّما الغبطةُ فِكْرَهْ

ربَّما اسْتوطَنَتِ الكوخَ وما في الكوخِ كِسْرَهْ

وخَلَتْ منها القصورُ العالياتُ المُشْمَخِرَّهْ

تلمسُ الغصنَ المُعَرَّى فإذا في الغصنِ نُضْرَهْ

وإذا رفَّتْ على القَفْرِ استوى ماءً وخُضْرَهْ

وإذا مَسَّتْ حصاةً صَقَلَتْها فهيَ دُرَّهْ

لَكَ ، ما دامتْ لكَ ، الأرضُ وما فوق المَجَرَّهْ

فإذا ضَيَّعْتَها فالكونُ لا يَعْدِلُ ذَرَّهْ

أيُّها الباكي رويداً لا يسدُّ الدمعُ ثغرَهْ

أيُّها العابسُ لن تُعطَى على التقطيبِ أُجْرَهْ

لا تكنْ مُرَّاً ، ولا تجعَلْ حياةَ الغيرِ مُرَّهْ

إِنَّ من يبكي لهُ حَوْلٌ على الضحكِ وقُدْرَهْ

فتَهَلَّلْ وتَرَنَّمْ ، فالفتى العابسُ صَخْرَهْ

سَكَنَ الدهرُ وحانتْ غفلةٌ منهُ وغِرَّهْ

إنَّهُ العيدُ … وإنَّ العيدَ مثل العُرْسِ مَرَّهْ

العمل الصالح هو القاعدة الذهبية


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

RIGHT WORK.jpg

 

العمل الصالح هو القاعدة الذهبية

تعليقًا على رسالة “طرق تنشئة الأطفال في الثقافات المختلفة والإرغام الإلهي”, أرسلت إلينا فقيهتنا الفاضلة, سيادة الأستاذة هالة كمال,  الرسالة التالية.  تقول فضيلتها:

“من العجيب أن يجيب الدكتور كمال بأن “كل ما يحتاجه الواحد منا هو أن “يدرك” أن المطلوب منا هو أن نراعي مصالح خلق الله وأن نشعر بشعورهم.  هذا هو كل ما هو مطلوب”, قبل أن  يسأل الدكتور سلامة  “هل للحياة أسس؟   وما هي هذه الأسس؟”

أتصور أن مثال تنشئة الأطفال وما تفضَّل الدكتور كمال بشرحه وما طرحه من أسئلة قد ساهم بلا شك – في رأيي – في ‘تقليص’ مساحة الاختلاف بشأن موضوع الفطرة إلي أضيق الحدود.  والسؤال هو التالي : ماذا كان يمكن أن يكون حال العالم لو تبنّينا هذا الأسلوب الربَّاني في تنشئة أطفالنا ؟  “مراعاة مصالح خلق الله”.  فكرة معقّدة بقدر بساطتها.  ألا تلخّص هذه الفكرة مجمع القيم والمثُل كلها ؟  بمعني أن تلك المراعاة تستلزم معرفة الحد الأدني لترسيخ مفاهيم الحق، والحب، والخير، والعدل، والرحمة، والشجاعة، والإيثار, في نفس الإنسان.

 

كي تراعي مصالح الناس، لا بد أن تتوافر لديك معرفة أولية بما يحقق تلك المصالح, ثم الرغبة والإرادة الكافية لتحقيقها – أو علي أقل تقدير الحفاظ عليها – ما يتطلّب قدرًا من الأخلاق الكريمة التي لا تجعل من الصعب عليك أن “تشعر بشعورهم” وهذا لا يتأتّي للإنسان إلا بالتربية التي توفّر القدوة الصالحة.  كان هذا هو السّائد في مصر الأربعينيات, والخمسينيات, والستينيات.   يعرف الجيران بعضهم البعض بما يكفي لمشاركة الأفراح والأتراح.  يهبّ الواحد منهم لنجدة جاره ومساعدته.  يراعي كل منهم مصالح الجيران, والسكن الذي يجمعهم, والشارع أمامه, بل والحيّ بأكمله.   عاصرت ذلك الزمن الذي كانت فيه جدتي تحرص علي أن يذوق الجيران من عمل يديها.   كان الناس قديمًا يشعرون بمشاعر بعضهم حقًا وصدقًا.  أعرف صديقاً ذهب لسريره لينام ليلاً، فلم يجده لأن الست والدته تبرّعت به إما لابن الجيران أو لكلب الجيران.  لا أذكر.  كما أعرف رجلاً كان يوزّع مرتبه علي الفقراء في الطريق إلي منزله، فإذا ما عاد استلقّي وعده من زوجته، متهمة إياه بالخرف والجنون.   كانوا يقولون عليه “الراجل البركة بتاع ربنا” ويقصدون الرجل “المتخلف العبيط”.  كان الناس يدركون بحسّ عالٍ وعميق ضرورة المحافظة علي البيئة من حولهم، أما الآن فحدث عن القمامة والقذارة ولا حرج.   يكفي أن نتذكر حال نهر النيل زمان وحاله الآن.  تحدثني صديقتي الألمانية أنهم يمنعون استخدام السيفون بعد العاشرة مساءً منعًا لإزعاج الجيران؛ أما لدينا فالتلوث السمعي يخترق جدران بيتك بل غرفة نومك بأبشع وأقذع الأصوات من كل حدب وصوب.


مراعاة مصالح خلق الله.  هل ما زالت تلك الفكرة اليوتوبياوية تشغل أذهان الآباء والأمهات في زماننا هذا أم أن أطفال اليوم يشبّون علي مشاهد الخلافات, والعنف الزوجي, والتعدّي اللفظي, ومختلف أشكال الإساءة للآخرين وللبيئة ؟  أشاهد مظاهر تعامل بعض العامة تخريبًا وتلويثًا فأشعر أن هناك شيء أشبه بالغِلّ المدفون والرغبة اللامعقولة في الانتقام والتشفّي من كل ما حولهم بشكل – بالنسبة لي – غير مبرَّر ولا مفهوم.  ولا يحدثني أحدهم عن المستوي الاجتماعي او الاقتصادي، فقد انقلب الهرم أوائل الخمسينيات وطالت الثروات طبقات كانت ماديًا واجتماعيًا  في أسفل سافلين, ونظرة إلي شوارع وبنايات ‘وسط البلد” – التي كان الخديوي إسماعيل يريدها كباريس- بهجمات القرويين وتجارتهم القميئة – شباشب وملابس – قد ملأت الأرصفة ولم تترك مكاناً لا للمشاة ولا للسيارات.  نتبادل صور “مصر زمان” علي صفحات التواصل بشكل يرسم مدي حنين جيلنا لما عاصره وشبّ عليه ويبكي قلبه قبل عينيه لتشويهه وفقده بهذا الشكل المزري.   وإن دلّ التحسُّر على الزمن الجميل علي شيء مما يهمّنا في حديثنا عن “تنشئة الأطفال” فرأيي أن أمهات ذاك الزمن – رغم بساطة عقولهن وتعليمهن- كنّ أساتذة في التربية, والتنشئة السليمة, والمتابعة, التي خلقت أجيالاً من المواطنين الصالحين فكمّ من العظماء قامت علي تربيتهم أمّهات لا يعرفن حتى القراءة والكتابة.  

 

نعاني في زماننا هذا من خلَل رهيب في التربية، جعلني أقول إن الأهل هم أنفسهم بحاجة لإعادة تربيتهم أولاً.  فهل تخلّت, أو أوشكت الأمهات على التخلّي, عن تلك المهمة المقدسة ؟  وما البديل ؟  وأقول : لا بديل عن الأمّ, ولا تربية الأم, ولا متابعتها, ولا اهتمامها, ولا حضنها.  رأيت نساءً ذوات مناصب وحيثية اجتماعية يرتكب أبناءهن وبناتهن من التصرفات ما يندى له الجبين ولا يحرّك فيهن ذلك ساكنًا.  وهي معضلة غريبة تحتاج لباحثي علم النفس والاجتماع لفكّ طلاسمها: التناسب العكسي بين مستوي الأمهات التعليمي والقدرة علي تربية الأبناء.

 

يوصي الدكتور كمال بالقاعدة الذهبية للتربية :

“أن تبيِّن لهم أن كل قواعد التعامل تتلخص في قاعدة واحدة هي مراعاة مصالح الناس, موضحًا أن في ذلك مصلحتهم, ومصلحتك, ومصلحتي, ومصلحتنا جميعًا, حيث إن من لا يراعي مصالح الناس لا يراعي الناس مصلحته”.  انتهي

 

قلب أهل زماننا القاعدة رأسًا علي عقب، فأصبحت :

لا تراعي سوى مصالحك الخاصة، وخذ بكل الأسباب التي تجعلك تفرض – بالقوة – على الآخرين مراعاة مصالحك، ولو عصلج أحد فافرمه. 

 

أعتذر عن الاستطراد، ولكن موضوع “التنشئة” أثار شجوني وأحزاني على شباب وفتيات أرى منهم ومنهن سلوكيات لم أكن أتوقع رؤيتها ولا في أسوأ أحلامي .  أما شرح وتفسير الأستاذ المياحي، التلميذ النابغة لشيخنا الجليل المهري لآيات “الإلهام الربّاني” فيستحق مقالاً منفصلاً لروعته وأهميته”.    انتهى كلام فضيلتها

 

خالص الشكر لفقيهتنا الفاضلة سيادة الأستاذة هالة كمال على كريم رسالتها.  ولي تعليق.

تحدثنا فقيهتنا الفاضلة عن “سلوك” خلق الله في مصر كما كان عليه من خمسين عامًا وكما هو عليه اليوم.  وشتان بين ما هو عليه الآن وما كان عليه من خمسين عاما.   وفي هذا فلن يختلف أحد مع ما تذهب إليه فضيلتها.  وعلى من يشك في ذلك أن يمارس القيادة في شوارع القاهرة لمدة ساعتين يوميًا لمدة ستة أشهر ولسوف يقر بعدها بإذن الله بما تقوله الأستاذة هالة.  إلا أن السؤال التالي هو السؤال الحقيقي.  أليست “القاعدة الذهبية” في تنشئة الأطفال هي عين العمل الصالح الذي يخبرنا الله سبحانه وتعالى بأنه هو والإيمان هما الطريق إلى الجنة ؟  أليس هذا هو ديننا ؟  وإذا كان هذا هو ديننا فأين نحن من ديننا ؟  في أي كتاب من كتب الفقه السني القديم جاء أن الإيمان والعمل الصالح هما الطريق إلى الجنة ؟  لا أرى سوى “إعلان الإيمان على رؤوس الإشهاد”, والصلاة, والصيام, والحج والعمرة.   وكأن “إعلان الإيمان” بالله شرط من شروط الإيمان بالله.  وكأننا نحن الموكلون من الله بـ”أخذ أسماء” من يؤمنون بالله.  وكأن من لا يحمل بطاقة عضوية الاتحاد الاشتراكي فهو ليس باشتراكي.  وكأن الإيمان بالله يتوقف على “إخطارنا” بالإيمان بالله.  وكأن الأمر له أدنى علاقة بنا.  وكأن الصلاة, والصيام, والحج من صالح الأعمال.  إذا كان العمل الصالح هو كل عمل يراعي فيه القائم به مصالح الناس, فكيف “تراعي” الصلاة, والصيام, والحج مصالح الناس ؟  

 

وكأن ما تحاول هذه الأسئلة لفت النظر إليه هو خطأ ما ذهب إليه الفقه السني القديم من أن “الصلاة” هي الفارق بين الكفر والإيمان.  أي أن من ترك الصيام, والزكاة, والحج فليس بكافر أما من ترك الصلاة فقد كفر.   انشغل الفقه السني القديم بـ”شعائر الإسلام” وترك “جوهرتي الإسلام”.  وجواهر الإسلام ليست هي “إعلان الإيمان على رؤوس الإشهاد” والصلاة, والصيام, والحج, والزكاة, وإنما هي “الإيمان والعمل الصالح”.  

“يعلم كل واحد منا أن هناك ركنان اثنان فقط للإسلام: واحد لا يعرفه إلا الله, وليس لأحد أن يعرفه إلا الله, والثاني يعرفه المؤمن والكافر.  الأول هو الإيمان, والثاني هو العمل الصالح.  يستحيل على مؤمن أو كافر التعرف على إيمان مؤمن أو كفر كافر.  يستحيل على مؤمن أو كافر ألا يتعرفا على  صلاح عمل مؤمن أو كافر”.

 

حان وقت أن يسأل الواحد منا نفسه عما إذا كان “الأساس الصلب” الذي يقوم عليه الإسلام هو “إعلان الإيمان بالله والقيام بالصلاة” أم “الإيمان بالله والقيام بالعمل الصالح”.  ما يريده الله منا ليس هو إعلان الإيمان بالله والقيام بالصلاة وإنما الإيمان بالله والقيام بالعمل الصالح.  لا يوجد لدي أدنى شك في أنه في اللحظة التي يدرك فيها الواحد منا أن هذا هو ما يريده الله منا في أننا سنستجيب لدعوة الله لنا لمراعاة مصالح الناس في كل أعمالنا.   عندما نظر الأئمة العظام في جوهر الإسلام, لم يروْا, رضي الله جل ثناؤه عنهم جميعًا وأرضاهم, سوى شعائره ولم يرَ أحد منهم أبدًا جواهره.   ولن ينصلح حال أمة الإسلام إلا عندما ندرك أن جوهر الإسلام هو الإيمان بالله والقيام بالعمل الصالح وليس إعلان الإيمان بالله والقيام بالصلاة.   الإيمان بالله والقيام بالعمل الصالح هما الطريق إلى جنة الله في دنياه كما في آخرته.   وتخيل ما سيكون عليه حال المسلمين عندما “يؤمنون” بأن الإيمان بالله وإقامة العمل الصالح هو الطريق إلى الجنة وليس “إعلان الإيمان بالله وإقامة الصلاة”.

 

وإن الحمد لله على ما آتانا وما لم يؤتنا, وما أعطانا وما لم يعطِنا.  وضع “إعلان الإيمان بالله وإقامة الصلاة” في كفة, وضع في الكفة الأخرى “الإيمان بالله والقيام بالعمل الصالح”.  وانظر واعتبر.

16 ديسمبر 2014

الحكم الاخلاقي لدى الطفل 24


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

SOCIAL CHILD6.jpg

الحكم الأخلاقي لدى الطفل   – 47

الفصل الرابع

أخلاق الطفل وأنواع العلاقات الاجتماعية

 

سواء أردنا أم لم نرد فإن الموضوعات التى كان علينا أن ندرسها من حيث صلتها بأخلاق الطفل قد تطرقت بنا إلى قلب المشكلات التي درسها المعاصرون من علماء الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. فالمجتمع – في نظر أتباع دوركايم – هو المصدر الوحيد للأخلاق.   فإذا كان الأمر كذلك فليس هناك نظام أحسن من علم نفس الأطفال يمكن أن نشاهده فيه.   ومن يقرأ كتاب “التربية الأخلاقية” لدوركايم لا بد أن يلاحظ أن كل نظام اجتماعي لا بد أن يؤدي حتمًا إلى نظام تربوي.   لعل هذا هو السبب الذي دعانا إلى دراسة بعض النظريات المهمة المعاصرة في علم الاجتماع وعلم النفس الأخلاقي ومقارنتها بالنتائج التي وصلنا إليها رغم الصعوبات التي تواجه أي محاولة من هذا النوع.  وسوف نبتعد عن أي مناقشة ذات صفة عامة, ونقصر بحثنا على الميادين التي تتناول فيها نظريات علم النفس الاجتماعي الطفل تناولاً مباشرا.  على أساس هذه النظرية يبدو لنا أن الموضوعات الآتية تستحق منا الدراسة, وهي آراء دوركايم وفوسونيه   Fauconnet عن المسؤولية التي أدت إلى ظهور كتابات دوركايم عن العقوبة فى المدرسة, وكذلـك نظرية دوركايم عن السلطة كمصدر للحياة الأخلاقية للطفل, ونظريات بولدوين Baldwin وفوق هذا كله نظريات بوفيه عن أصل الأحكام الأخلاقية.  وأخيرًا, نتعرض لبعض الآراء التربوية الخاصة بذاتية الضمير عند الأطفال.  ولكي نتجنب أي سوء فهم قد يتعرض له هذا البحث, فإنه يجب أن نشير ابتداء إلى أننا سنتناول هذه الموضوعات التربوية الخاصة من الناحية النفسية لا التربوية.

 

الواقع أن أغلبية الحقائق التربوية هي حقائق من علم النفس الاجتماعي, لذلك فإنا – رغم عدم رغبتنا في أن نضع نظامًا للتربية على أساس بحثنا هذا – نتساءل عما إذا كان نظام يقوم على السلطة كالذي يؤيده دوركايم هو فعلاً ضروري في دستور الحياة الأخلاقية.   وهذا سؤال في علم النفس النظري وعلم النفس التطبيقي.   فإذا كان البحث فيما إذا كان دواء أوصى به بعض الأطباء سوف يقتل المريض أو يشفيه مما يعنى به السيكولوجي كما يعنى به الطبيب, فإنا كذلك سوف نتناول موضوع التربية من الناحية التجريبية لا من الناحية العملية.

 

نظريات دوركايم وفوسونيه (1)

وضع بول فوسونيه في كتابه “المسؤولية” آراء دوركايم عن العدل الجزائي (العقاب), والقانون, والقانون الجزائي (قانون العقوبات) في قالب جذاب ومبتكر, وختم بحثه بأن بيَّن أن المسئولية في آخر أشكالها, أو في أنقاها كما يرى هو، ليست سوى المسؤولية المادية التي وجدنا لها أمثلة كثيرة عند الأطفال.  لهذا فليس هناك بحث أوفى من هذا البحث يمكن العثور عليه ليعاوننا في دراسة ما قد تشتمل عليه روح التربية عند دوركايم، ونقصد بذلك فكرة أن الجماعة واحدة، وأن صفة الدوام فيها هي من نوع يضمن قيام واستقرار القيم الأخلاقية.   فالمسؤولية عند فوسونيه هي “الصفة التي يتصف بها أولئك الذين يجب أن يعتبروا، على أساس قاعدة ما، أشخاصًا سلبيين بالنسبة للعقوبة” (ص11). ومعنى أنك مسؤول أنك تستحق “العقاب عدلاً” (ص7).

 

ولننتقل إلى الدراسة المقارنة للجماعات المختلفة التي لدينا عنها معلومات كافية تسمح لنا بأن نقيِّم نوعاً القانون التطوري الذي يسود على تاريخ المسؤولية كله، فنرى أنا إذا قارنا بين المسؤولية عندنا وبين أكثر أشكالها غنى وفهمًا لوجدنا أنها تقلصت بالتدريج حتى وصلت إلى شكلها الحاضر .

 

تنحصر المسؤولية في الجماعات المتحضرة المعاصرة في الراشدين, الأحياء, العقلاء. أما في  المجتمعات القديمة أو غير المتحضرة – كما كان الحال في العصور الوسطي, بل وأحيانًا في العصور الحديثة – فإنا نجد أن المسؤولية أيضًا تنصب على الأطفال, والمجانين (حتى ولو عرف عنهم ذلك), وكذلـك الأموات, والحيوانات, والجماعات, على السواء.  ويمكننا أن نصل إلى النتيجة نفسها لو أنا درسنا مواقف المسؤولية دراسة تطورية.  أما في مجتمعاتنا فنجد أن القصد (أو بعض الظواهر النفسية الأخرى, مثل الإهمال, والنسيان, إلى آخره) ضروري في حالة المسؤولية.  أي أن “القصد”, من الناحية الأخلاقية, هو كل شيء.  وفى نظر القانون لا بد من وقوع مخالفة ولكن ليس هناك ذنب بلا قصد، أو قلة تبصر، أو إهمال.  وفي أثناء دراستنا لتاريخ القانون الجزائي وصلنا إلى المسؤولية الجماعية الخالصة (ص105) .  بمعنى آخر, تقيم الأخلاق البدائية, والقانون القديم, المسؤولية حتى في الأعمال القسرية, والحوادث, والتصرفات التي ارتكبت بلا إهمال أو قلة تبصر.  باختصار, المسئولية البدائية هي أولاً وقبل كل شيء “مادية” وانتقالية, أما المسؤولية عندنا فشخصية, وفردية.  أي تقتصر على الفرد.   فما هي المسؤولية, إذن؟

 

لحل هذه المشكلة, نجد أن فوسونيه يتفق مع روح دوركايم في شرح هذه الظاهرة لا عن طريق وضع القوانين التي تتحكم في تكوينها أو نموها بل عن طريق تأكيد العناصر الثابتة والمشتركة في كل المرحلة.  ينبغي هنا أن نلاحظ هذه النقطة الأساسية.  وعلى هذا يجب أن توضع التفسيرات الفلسفية المسؤولية لأنها تهمل الحالات الأولية للظاهرة التي ندرسها.   هذا ونجد في النظريات التطورية من مثل نظريات وسترمارك Westrmark وغيره هذا العيب.  إذ هي تهمل الحالات الأولى للانحرافات الاخلاقية والعقلية كما لو كانت آراؤنا الحديثة التي تتضمن أرقي القواعد والنتائج الضرورية لكل ما تقدمها.   أما إذا نسبنا نفس القيمة إلى كل الحالات التي توصلنا إليها الطريقة المقارنة فإنا سوف نرى أنه حتى إذا كانت العقوبة لا تؤيد وجود علاقة صريحة ومحدودة بالضحية فإنها دائمًا محدودة العلاقة بالجريمة.  بمعنى آخر, فإن الجريمة تستحق العقاب في كل عصر ومكان وإذا كانت العقوبة لا تقع على رأس المذنب مباشرة فإنها تقع على شخص ما.  أي أننا إذا نظرنا إلى الجريمة على أنها عمل مادي مستقل بمعزل عن الدوافع التي أدت إليها فإنها تصبح مركزًا لمرض معدٍ يجب القضاء عليه وعلى ما حوله قريبًا كان أم بعيدا.   وإذا كان الجزاء/العقاب موجهًا إلى الجريمة فما ذلك إلا لأنه لا يستطيع الوصول إلى الجريمة فينحرف نحو النائب عنها (ص234).

 

وهنا تتداخل نظرية دوركايم عن الجريمة، فكل مجتمع يتكون أساسًا من مجموعة من العقائد والوجدانيات مكونة “كلاً” يجب الدفاع عنه.  ونواة هذه العقائد هي مشاعر التقديس, وهى مصدر كل أخلاق ودين.  وكل ما يسيء إلى المشاعر القوية والمحدودة لهذه العاطفة الجماعية فهو جريمة, وكل جريمة فيها انتهاك لحرمة.   والجريمة التي تتعدى على الروابط الاجتماعية تعتبر لمجرد أنها أدت إلى ذلـك ذات معنىً صوفي، فهي مصدر الفساد والتدنيس, وما قد ينعكس منهما مرئيًا أو غير مرئي لا حصر له، ولذلـك يجب أن يكبت, وكذلك يجب أن تكبت نتائجها القاتلة, ويجب أن توضع الأشياء وضعها الصحيح.  والعقوبة هي العملية الصوفية ذات التأثير في إعادة الشئ إلى أصله.  ولهذا فليس يهم كثيرًا على من تقع العقوبة.  المهم أنه لا بد من وقوع عقوبة, كما لا بد أن تكون العقوبة مناسبة للجريمة,  فهذا دستور المسؤولية.  أكثر من ذلك, فإنه يسهل أن نعرف كيف ظهرت طريقة اختيار الشخص المسؤول فالعملية قد قامت بفضل النظام الآلي للانتقال الذى يخضع لقوانين الانتقال السيكولوجي :

أولاً, هناك انتقال عاطفي.  فالعواطف التي تثيرها الجريمة تنتقل إلى كل شيء يتصل بها من قريب أو بعيد.

ثانيًا, هناك حكم.   فالمجتمع يقرر أن شخصًا معينًا هو المسؤول, وهذا الحكم يصبح سائدًا عن طريق علاقات الاتصال أو التشابه.   يترتب على هذا, طبعًا, أن المذنب نفسه – إن أمكن الوصول إليه – يعتبر ممثلاً للنهاية العظمى للعلاقات مع الجريمة.  أما في حالة عدم إمكان الوصول إليه, فإن أي شيء يرتبط بالجريمة يجب عقابه.  وعلى هذا فإن المسؤولية تنصب من الخارج على رأس المذنب أو من يحل محله وتحولهم إلى أشخاص يحملون غيرهم.  أي إلى آلات للتطهير الجماعي.  لهذا كان للمسئولية  وظيفة محدودة, هي إمكان تحقيق الجزاء/العقاب عن طريق السماح له بأن يقوم بدوره النافع (ص297).   وهذا الدور أخلاقي من أساسه, إذ أنه في الحالة التي توجد فيها عقوبات يمكن التأكد من وجود أخلاق.    فالعقوبة – وبالتالي المسؤولية – لهما إذن نصيب في القيم الأخلاقية (ص300).

 

وتبقى هناك مشكلة.  هذه المشكلة هي أنه إذا كانت هذه هي روح المسؤولية فكيف يتأتى إذن أن هذا الدستور قد تطور حتى وصل إلى درجة أننا لم نعد نستطيع لأول وهلة أن نصل إلى حالته البدائية؟  كيف تقطعت المسؤولية بهذه الطريقة حتى في الراشد العادي الذي قام بعمله عن قصد؟  ولماذا أصبحت المسئولية فردية وروحية بهذه الطريقة؟

 

الواقع أن حالة المسؤولية الحاضرة – نظرًا لأنها أبعد ما تكون عن أن تصل إلى نقطة الاتصال الضرورية لإحداث تغيير داخلي فى المسؤولية – نجدها على العكس من ذلك تنتج من الضعف التدريجي للقيم البدائية الذى يعود إلى فعل العوامل المضادة.   لذلك, فإن السبب العام لهذه العملية التطورية يبدو أنه خارجي بالنسبة إلى المسؤولية ذاتها, فهو الحنو والنزعة الإنسانية.   ذلك أنه ولو أن المجتمع قد تثير الجريمة غضبه فإن المشاعر المضادة قد تظهر وقت العقوبة.   وكما قال إيرينج Ihring فإن قصة القصاص هي قصة الإبادة المستمرة.   هذا هو السبب في أن المسؤولية تميل إلى التقلص باستمرار.  

 

في البداية نجد أن المجتمع يعاقب كل إنسان.   فالفرد ليس أكثر من وسيلة لغاية.   أما الآن فإننا نعاقب في الغالب مرغمين, ويعطى المذنب كل فرصة للدفاع عن نفسه, والتخلص من العقوبة.  وهذا يؤدي إلى نتيجيتين أساسيتين : الأولى “يمكن أن نقول إن المسؤولية أصبحت فردية خلال تطورها, فبينما نجد المسؤولية جماعية وانتقالية عند المجتمعات البدائية فإننا نجدها في المجتمعات الراقية شخصية تمامًا”.  (ص330).   والنظم الدينية وحدها – ونقصد بذلك أكثر نظمنا محافظة – هي التي ما زالت فكرة الخطيئة الأصلية فيها تحيي فكرة المسؤولية الجماعية.  دنست خطيئة آدم الإنسانية كلها بخطيئة تدعو إلى التكفير.  أما في القانون وفي الأخلاق فإن هذه الأمور تثور علينا.   غير أن مسؤوليتنا الفردية الخالصة ليست سوى حالة غش للمسؤولية الحقيقية.   وقد تعلمنا بصفة عامة أن المسؤولية فردية في طبيعتها انتقالية بالصدفة.   وقد يفسر تاريخ المسؤولية على أساس تقدمي؛ فالمسؤولية الحقيقية ذات الصفة الشخصية يقال إنها تمت فى خلال عملية التطور.  مع ذلك, ولأننا نميل إلى عرض الحقائق على ضوء مختلف تمامًا, فصفة الاتساع والقابلية للانتقال التي تتصف بها المسؤولية قد تبدو لنا صبغتها الأساسية.   على العكس من ذلك, فإن فردية المسؤولية هي نتيجة لعملية محدودة وضعيفة.  أما القوى التي تجعل المسؤولية فردية فهي أبعد ما تكون عن أن تنقيها أو تكملها إذ أنها مضادة لطبيعتها؛ فالمسؤولية الرقيقة تشبه القيمة الإيجابية الدنيا للمسؤولية, فهي تميل نحو نقطة الصفر.  على أساس وجهة النظر هذه, فإن تطور المسؤولية يبدو أنه تراجعى؛ فالمسؤولية التامة هي المسئولية في أضعف حالاتها حين تقترب من النقطة التي لا تظهر فيها.” (ص343-4).

 

أما الناحية الثانية من نواحي تطور المسؤولية فهي الناحية الروحية.  فالمسئولية  البدائية هي مسؤولية مادية, والجريمة هي أولاً وقبل كل شيء حادثة مادية, والرابطة التي تربط الجريمة بالمسؤول عنها هي دائماً رابطة مادية (ص345). على العكس من ذلك, فإن المسؤولية في نظر العلماء المعاصرين تنشأ في ضمير الشخص المسؤول بسبب العلاقة النفسية بين هذا الضمير وبين الحادث نفسه, وهذه الصفات تتعارض تمام المعارضة مع الموضوعية التي وصفناها. (ص345/6). ويرجع سبب ظاهرة الروحية هذه إلى أن المجتمع – وهو الذي يبدأ خارجيًا بالنسبة لعقل الإنسان –    “يصبح حلوليًا أكثر وأكثر من الفرد، ثم يصبح عنده اجتماعيًا أكثر فاكثر بمرور الزمن, ثم يضاف إلى ما هو عضوي ونفسي الأصل ويهذب عن طريق الاشتراك في الحياة الاجتماعية.   وروحية الاخلاق, أو الآراء الدينية, توضح التداخل الحقيقي للنواحي الاجتماعية في الفرد (ص367).   باختصار, لو أن المسئولية عنيت بالدافع وحده فهي تفعل ذلك بفضل العملية نفسها التي جعلتها فردية “فكلما أصبحت الحياة الاجتماعية فردية كلما كانت أكثر تعمقًا في داخل الفرد” (ص351).  على ذلك, فإن شعورنا الأخلاقي ليس أكثر من البقايا الداخلية للشعور الجماعي, وهذا ليس كسبًا فالروحية في المسؤولية تشبه الفردية, وهي تظهر خلال التاريخ على شكل جذب عظيم وإبادة مستديمة.  أما المسؤولية الشخصية فهي بعيدة عن أن تكون مقبرة عند الجميع على أنها مسؤولية في أرقى مستوى كما قد يظن ولكنها في الواقع ليست إلا شكلاً ضامرًا من أشكال المسؤولية” (ص350).

 

من الضروري, على أية حال, ألا يكون الإنسان إطلاقيًا إلى أقصى حد, فما زالت في مجتمعاتنا آثار للمسئولية الجماعية والمادية.  يذكر فوسونيه أنه وجد أمثله لهذا الاتجاه في قانون العقوبات في إيطاليا.  أي أن الشكل الحديث لم يقضِ تمامًا على الشكل البدائي.  “فالحالة الأولى مازالت فرعًا حيًا للشجرة الأصلية التي انفصلت منها الحالة الأخيرة بالتدريج” (ص277).   من الطبيعي, إذن, على أساس وجهة النظر التربوية أن نتفق مع دوركايم على استخلاص ضرورة إقامة نظام للعقوبات المدرسية على اعتبارها الوسيلة الوحيدة لإحياء دائم لكل مسئولية في عقول الناس.

 

ولا نعرف فيما نعرف نظرية أنسب من نظرية دوركايم وفوسونيه تلقي ضوءًا على المشكلات التي أثارتها فكرة تقرير الوحدة الأخلاقية للمجتمع، ففوسونيه قد وضع نطاقا محكمًا حاول فيه أن يشرح ظاهرة نجح أكثر من أى شخص آخر فى تتبع تطورها التاريخي وذلك عن طريق الاستمرار في حالات الإدراك الجماعي. ولا داعي لأن نناقش التحليل الدقيق الذي وضعه فوسونيه ولا التقسيم الصحيح للحقائق التى جمعها، فالعلاقة الوثيقة بين ظاهرة المسؤولية الموضوعية التي يمكن ملاحظتها عند الطفل والظاهرة التي تميز القسر الاجتماعي البدائي تؤيد النظرية القائلة بأن خارجية العلاقات تؤدى إلى قيام نوع من الواقعية الاخلاقية المصاحبة لها والذي يبدو لنا في حاجة إلى تفسير هو التفسير العام الذي وضعه للمسئولية, وللعقاب, وللعلاقات القائمة بين الحقائق الأخلاقية والمجتمع على اعتباره كلا ثابتاً لا يتغير.

 

وخير درس نتلقاه من علم الاجتماع المقارن هو أنه يوجد على الأقل نوعان من المسؤولية : واحدة مادية وانتقالية، والأخرى شخصية وفردية، وأن التطور الاجتماعي قد أدى بالتدريج إلى سيادة النوع الثاني.  فإذا سلمنا بهذا أمكن أن نصل إلى حلين: هما أن نعرف المسؤولية بالاتجاه الذي أخذته في التاريخ – بموجبها – أو أن نعرفها بعناصرها التركيبية الثابتة.  اختار فوسونيه الحل الثاني اعتمادًا على قوة منهج دوركايم المسلم بها, فقد ذكر لنا أن الذي يعنيه في تاريخ المسؤولية ليس هو الأشياء التي تتغير بقدر ما هو الأشياء الثابتة.   والذي أدى به إلى هذا الاختيار هو عمق أساس وحدة الحقائق الاجتماعية.  وأيًا كان الاختلاف في المدنية فهناك شيء اسمه مدنية (ص20).   إلا أننا قد نتساءل : إلى أي حد يمكن اعتبار هذه الطريقة مرضية؟  ماذا نقول عن عالم من علماء النفس الذي يشرح نظرية السلبية والعدد فيضع لنا معادلات في السحر والصوفية في نفس مستوى أينشتين في السلبية، أو نظريته في الأقرام المركبة؟  فأنت إذا بحثت عن العناصر المشتركة في جميع المراحل واستعدت كل الاعتبارات الخاصة بالموجهات أو الاتجاهات فلن تصل إلى شئ سوى بقايا إحصائية عديمة الثبات  (ما هي العناصر المشتركة في كل مراحل السببية؟) وإلا فإنا نعزو كل شيء إلى الحالات البدائية، وهذا ما نخشي أن يكون قد فعله فوسونيه.  

(1)P.Fouconnet, Lu Responsibilié Exude de Sociologie paris alcan 1920

 

#كمال_شاهين

 

 

تعليق على كتاب نظرية ظهور العلم


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

اقرأ الكتاب من هنا :

https://ambmacpc.files.wordpress.com/2016/12/d986d8b7d8b1d98ad8a9-d8b8d987d988d8b1-d8a7d984d8b9d984d985.pdf

 

تعليق على كتاب “ظهور العلم”


الأستاذ الدكتور مدير مركز تطوير الفقه الاسلامي ,

كنت أنوي ألا أمدح سلسلة مقالات “ظهور العلم” ولم تمنحني سيادتك الفرصة لإنفاذ ما انتويته.  لذلك, وبعد قراءة تلك السلسلة الذهبية بحق أَخْلُص للتالي:

أولاً أن حياتي شخصيًا قد تغيّرت -إلى الأفضل- عقب قراءتي بانتظام لكتاباتك في المركز – أنا وأولادي – فهم يتنافسون الآن فيما بينهم نحو الوصول إلى المرحلة الرابعة من المستوى الإدراكي ويقيّمون أداء بعضهم البعض.  وهذه ليست مبالغة.  هذا ما يحدث فعلا. 

ثانيًا, أنني فهمت الآن – كما فهم الآخرون – السر في كثرة ترديد سيادتك لإنجازات المسيو بياچيه وأسسه في علم النفس الإدراكي. 

ثالثًا, لفت نظري ربط العملية الإدراكية بسائر العمليات البيولوچية للإنسان التي تقوم عليها حياته نفسها أو على الأقل شكل ونوعية هذه الحياة.  فحينما تقول :

“لكي يحقق الإنسان إرادة الله, إذن, عليه أن “يتعلم” كيف يصنع ما يريد.  أي عليه أن يتعلم كيف يسيطر على العالم حوله.  مرة أخرى, تذكر أن الإنسان هو خليفة الله في أرضه.  تبيّن قصة نمو الإدراك قصة كفاح الإنسان في التخلص من المعوقات التي تعيق فهمه لدنيا الله وبالتالي تعيق مسعاه إلى السيطرة على دنيا الله.  باختصار, تبين قصة نمو الإدراك قصة كفاح الإنسان في سبيل تحقيق مراد الله” انتهي

 

لقد ساعدنا المسيو بياچيه على إدراك سر جمال, ومعقولية, وأهمية, وعبقرية العبارة الزيدية الرائعة

“اخرجوا إلى الدين والدنيا فأنتم لستم في دين ولا دنيا”.

 

أحسست بذلك بعد قراءتي لملامح المستوي الثاني للإدراك، والتي تم تلخيصها كما يلي:

  • عدم القدرة علي إدراك التناقض (المصريون رائعون)
  • النظرة الجزئية 
  • الشخصنة والتمحور حول الذات 
  • سيطرة الحسّ
  • العجز عن التصنيف على أساس قاعدة ثابته
  • العجز عن تكوين مفاهيم متجانسة
  • العجز عن القيام بأيّ من العمليات العقليّة العليا (الاستنتاج, أو الاستدلال, أو الاستقراء, أو التعريف, أو الافتراض، ….)
  • العجز عن التحقّق
  • المهم أن يكون الكلام (حلو) 
  • أنا مركز الكون.  أبي أعظم رجل في الكون.  أسرتنا أعظم أسرة في الكون.  قبيلتنا أعظم قبيلة في الكون.
  • الفخر بالذات : نحن الذين دهنا الهواء دوكو.  نحن الذين خرمنا التعريفة.  وطبعًا, نحن الذين بدعنا العلم.

(انتهي)

 

ما فعله الدكتور كمال بسلسلة (ظهور العلم) – في تصوّري – أنه مارَس ولأول مرة في تاريخ الثقافة العربية شيئًا لا نعرفه ولم يسبق لنا أن رأيناه ولذلك فلا قبل لنا بتقبله, ولا هضمه, ولا التعامل معه.  ألا وهو : مواجهة النفس والمصارحة بمنتهي الصدق والأمانة.  وهذا ما لم نعتده, أو نتعوده, أو نتربّي عليه.   درسنا, وتعلمنا, وحفظنا ما تلقّيناه واستلمناه في كتب التاريخ التابعة لمناهج وزارة التربية والتعليم المصرية – وعلى ألسنة مدرّسيها – بأننا أعظم ناس في بلد هي أم الدنيا, صاحبة حضارة تضرب في عمق التاريخ بسبعة آلاف سنة، علماؤنا هم الذين وضعوا أسس العلم في العالم, وأخذوا بيده تاتا تاتا بمنتهي الكرم, والعطف, والحنيّة, إلى أن أكرم الله الدول التي كان أهلها قرود علي الشجر في أوروبا وفتح عليهم فأخذوا الناقة وشرخوا.  طبعًا بفضلنا وبعطائنا الحاتمي الطّائي الغير مسبوق.  كما أننا نتمتع بأكثر أجواء الأرض اعتدالاً وروعة, أضف إلى ذلك أن موقعنا التاريخي في وسط العالم جعلنا مطمع الأمم (قد تكون الأخيرة هي الحقيقة الوحيدة فيما سبق).  ما أعظمها من مناهج مريحة لذيذة.

إلا أننا أيضًا قد عملنا ما يجب علينا عمله وكنا نخرج من الامتحانات ناسين ما كتبناه.  الظاهر أننا كان عندنا بدايات شك أنه قد تكون هناك ثمة خُدعة في الموضوع.  لكنها – أي المناهج –

 

وهكذا قامت المناهج بالواجب وخدّرتنا الخدر اللذيذ, فركنّا عقولنا واكتفينا بهذا القدر من الصعود, والعظمة, والسّبق، لأننا عملنا ما يتوجب علينا عمله وعليهم هم إكمال المشوار.  وجاءنا الشيخ الشعراوي يرحمه الله ليزيد في طمأنينتنا وراحة بالنا – حتي من عذاب الضمير – ليؤكد لنا بمنتهي الثقة أن الله “سخرهم” لنا ليعملوا على خدمتنا ونتفرغ نحن لعبادة الله.  يا قوة الله! 

 

هالة كمال

29 مارس 2013

الحكم الاخلاقي لدى الطفل 23


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

Child thief5.jpg

الحكم الأخلاقي لدى الطفل   – 46

العدل الجزائي

والآن ننتقل إلى العدل الجزائي فنجد أنه على خلاف أسس العدل الموزع يظهر أنه لا يوجد هنا في آراء الجزاء أو العقوبة أي عنصر عقلي خالص أو بديهي.   فبينما تزداد قيمة فكرة المساواة كلما ازداد النمو العقلي فإن فكرة العقوبة تأخذ فى الضعف.   لتوضيح هذا المعنى يجب أن نميز – كما سبق أن فعلنا – نوعين منفصلين من أنواع الجزاء: فهناك من جهة التكفير والثواب التي يظهر أنها تشمل الفكرة النوعية عن العقوبة.  من جهة أخرى فهناك الآراء الخاصة “بوضع الأشياء موضعها الصحيح” أو إصلاحها, كما أن هناك المقاييس التي تتجه نحو تجديد الاتحاد الذي انفصم نتيجة للذنب.   وهذه الأفكار الأخيرة التي جمعناها تحت عنوان “العقوبة التبادلية” يظهر أنها لا تنهض إلا على فكرة المساواة وفكرة التبادل.   والمجموعة الأولى من الآراء هي التي تميل لأن تتناقص حين تعقب الأخلاق الذاتية أخلاق الغيرية والسلطة.   أما المجموعة الثانية فهي أصلب عودًا لأنها تقوم على شيء أكثر من فكرة العقوبة.

 

ومهما قيل عن هذا التطور في القيم فإنه يمكن أن نذكر هنا – كما ذكرنا فيما يتعلق بالعدل الموزع – ثلاثة مصادر للنواحي الثلاث الهامة للجزاء؛ فقد رأينا قبلاً (الفقرة 1) أن استجابات فردية معينة تشكل ظهور الجزاء وأن قسر الراشد يشرح تكوين فكرة التكفير.  أما التعاون فيقضي على فكرة العقوبة قضاءً نهائيا.  لا يمكن أن ننكر أن فكرة العقوبة لها جذور بيولوجية, فاللكمة تقابلها لكمة, والظرف جزاؤه الظرف.  ردود الأفعال الغريزية للدفاع والمشاركة الوجدانية تؤدي, إذن, إلى قيام نوع من التبادلية الأولية التي هي الأرض التي تنمو عليها فكرة الجزاء ولكن هذه الأرض ليست كافية بنفسها, والعوامل الفردية لا يمكن بنفسها أن تسمو على مستوى الانتقام المقزز إلا إذا كانت خاضعة – على الأقل ضمنيًا – لنظام منظم ومقنن من العقوبات الداخلة في العقاب.

 

فالأشياء تختلف عن طريق تدخل الكبار وسلوك الطفل منذ بداية حياته حتى قبل أن يستطيع الكلام نجده يخضع في ثبات لعملية المنح أو المنع.   فالناس تبعًا للظروف التي تقوم بينهم وبين الطفل علاقة سرور أو استياء وقد يتركونه يبكي.  ونفس التغيرات في أصوات من حوله تكفي لتكوين عقوبة مستمرة.   وفي السنين التالية نجد الطفل موضع ملاحظة مستمرة فيقيد كل ما يعمله أو يقوله، وهذا يؤدي إلى التشجيع أو اللوم.   ولا زالت الأغلبية العظمي من الكبار تعتبر العقوبة – جثمانية أو غيرها – مشروعة تمامًا.  ومن الواضح أن هذه الاستجابات من جانب الكبار ترجع في الغالب إلى تعب أو عدم صبر ولكنه فى الغالب أيضًا يفكر فيها.   مع ذلك, فإنا نكرر أن هذه الاستجابات من جانب الكبار هي نقطة البداية لفكرة العقوبة التكفيرية, فإذا لم يشعر الطفل بشيء سوى الخوف وعدم التصديق كما قد يحدث في الحالات المتطرفة, فإن هذا يؤدي ببساطة إلى حرب علنية.  ولكن, نظرًا لأن الطفل يحب والديه ويحس نحو أعمالهم باحترام، وهو ما استطاع بوفيه أن يحلله، فإن العقوبة تبدو له إجبارية من الناحية الاخلاقية ومرتبطة بالضرورة بالعمل الذى استفز الكبار.  أما العصيان, الذي هو الأساس الذي تقوم عليه كل خطيئة, ففيه خرق للعلاقات العادية بين الأب والطفل, ولذلك فمن الضرورى إصلاحه, ونظرًا لأن الآباء قد أبانوا عن غضبهم العادل, وذلك عن طريق استجاباتهم في شكل عقوبات, فإن قبول هذه العقوبات يتضمن الشكل الطبيعى للإصلاح.  أي أن الألم الذي تؤدي إليه العقوبة يؤدي كذلك إلى إعادة إقامة العلاقات التي اهتزت منذ قليل اهتزازًا مؤقتا.   بهذه الطريقة, فإن فكرة العقوبة تصبح مستمدة من قيم أخلاق السلطة.  لذلك نرى أن هذه الفكرة البدائية والمادية للعقوبة التكفيرية ليست مفروضة بواسطة الكبار على الطفل – وربما لم يحدث أن اخترعها الكبار من الناحية السيكولوجية – وإنما هي نتيجة حتمية للعقوبة التي انحرفت في عقلية الطفل الواقعية الرمزية.  فإذا تبين قيام مثل هذه الوحدة المتينة بين فكرة العقوبة والاحترام الجانبي مضافًا إليها أخلاق السلطة, فإنه يترتب على ذلك أن كل تقدم في التعاون والاحترام المتبادل من شأنه أن يقلل تدريجيًا ارتباط فكرة التكفيرية بفكرة العقوبة، وأن يضعف من الاخيرة بحيث تصبح عملاً إعداديًا بسيطًا أو مجرد مقياس للتبادل.  وهذا ما نعتقد أننا قد لاحظناه فعلاً في الأطفال.  فإنه كلما ضعف احترام الكبار كلما نمت أنواع معينة من الأخلاق التي لا يمكن للمرء إلا أن يضعها تحت عنوان العقاب.  وقد رأينا مثالاً لهذا في الأحكام التي نطق بها الأطفال الذين اختبرناهم في موضوع مقابلة الضرب بالضرب, فإن الطفل يحس أكثر وأكثر أنه من العدل أن يدافع عن نفسه وأن يرد على ما ناله من ضربات.  وهذا “عقاب” من غير شك إلا أن فكرة التكفير لا تقوم بأي دور في هذه الأحكام حيث إن المسألة مسألة تبادل خالص, فهذا شخص أعطي لنفسه الحق في أن يضربني فهو لذلك قد أعطانى الحق في أن أكيل له بنفس المكيال.  وبالمثل فإن من يغش يحصل على امتياز عن طريق الغش ولذلك كان من العدل أن نعيد المساواة وذلك بطرده من اللعب أو باسترجاع الكريات التى قد يكون قد كسبها.

 

قد يقال إن مثل هذه الأخلاق قد لا توصلنا إلى نتائج بعيدة ما دام ضمير الراشد الخير يطالب بشيء أكثر من تطبيق التبادلية.   فالإحسان والتسامح عن الأضرار التى تبودلت هو في نظر الكثيرين أشياء أعظم بكثير من المساواة الخالصة, ويعنى علماء الاخلاق في هذه الناحية بالنزاع بين العدل والحب ما دام العدل غالبًا ما يدعو إلى ما لا يقره الحب, والعكس بالعكس.   ولكنا نرى أن هذه العناية بالتبادلية هي  بالذات التي تقود الإنسان إلى ما بعد عدل الأطفال قصيري النظر ممن يردون على الضربات التي أصابتهم بضربات مساوية لها من الناحية الحسابية.   فالتبادلية لها وجهان, مثلها في ذلك مثل الحقائق الروحية التي هي نتيجة النمو الذاتي لا القسر الخارجي.  يقصد بذلك التبادلية الحقيقية والتبادلية المثالية ؛ فالطفل يبدأ بمزاولة المثالية نفسها ببساطة.   وهذا ليس شيئًا سهلاً كما قد يظن الكثيرون.  ثم بمجرد أن يعتاد الإنسان على هذا الشكل من التوازن في أعماله, نجد أن سلوكه يتغير من الداخل نتيجة تكوينه يعود فيؤثر كما كان على محتوياته.   فما كان يعتبر عدلاً لم يعد مجرد عمل تبادلي وإنما أصبح سلوكًا يسمح بتبادلية مدعمة غير محدودة.   فيحل المثل القائل “عامل الآخرين بمثلما تحب أن يعاملوك به” محل فكرة المساواة غير الناضجة.  فالطفل يضع العفو فوق الانتقام لا على أنه نتيجة للضعف وإنما لأنه ليس هناك نهاية للانتقام (طفل في العاشرة).   وكما أنه في المنطق نستطيع أن نتبين نوعًا من التفاعل بين شكل القضية ومحتوياتها حين تكون قاعدة التناقض مؤدية إلى تبسيط التعريفات الابتدائية وتقنينها, كذلك الحال في الأخلاق.   إذ تتضمن التبادلية تنقية اتجاه السلوك العميق وترشده إلى فكرة العالمية نفسها, وذلك عن طريق مراحل متدرجة.   دون أن نترك دائرة التبادلية نستطيع أن نقول إن الكرم – وهو الذي يميز المرحلة الثالثة – يتحالف مع العدل الخالص البسيط, ومع أشكال العدل النقية جدًا مثل الإنصاف والحب, فلا يعود هناك أي نزاع حقيقي.

 

ختامًا, يمكن القول إننا وجدنا في ميدان العدل – كما في الميدانين الآخرين اللذين درسناهما – ذلك  النزاع بين نوعي الأخلاق اللذين لفتنا أنظار القراء إليهما كثيرًا.  فأخلاق السلطة, تلك التي تقوم على الواجب والطاعة تؤدي في ميدان العدل إلى الخلط بين ما هو عدل تبعًا للقانون القائم وبين قبول عقوبة التكفير.  أما أخلاق الاحترام المتبادل والتي تقوم على فكرة الخير (كمعارضة للواجب) وفكرة الذاتية,  فإنها تؤدي في ميدان العدل إلى نمو المساواة, وهي الفكرة التي يقوم عليها العدل الموزع والتبادلية. فالاتحاد بين المتساويين يبدو مرة أخرى كمصدر لمجموعة كاملة من الآراء الأخلاقية المكملة والمتطابقة وهي التي تميز التفكير المعقول.   ويمكن أن نتساءل عما إذا كان من المستطاع أن تنمو هذه الحقائق دون مراحل تمهيدية يصاغ فيها ضمير الطفل بواسطة الاحترام الجانبي للكبار.   ونظرًا لأن هذا الموضوع لا يمكن إخضاعه للتجربة, فمن العبث أن نناقشه.  ولكن من المؤكد أن التوازن الأخلاقي الذي نصل إليه بواسطة النظريات التكميلية للواجب الغيري وعن طريق العقوبة الخالصة – كما تسمى – هو توازن غير مستقر نظًرًا لأنه لا يسمح للشخصية بأن تنمو وتتسع إلى أقصى حدودها.   فكلما نما الطفل فإن خضوع ضميره لعقل الكبار يبدأ في نظره أن يكون أقل قانونية.  وفيما عدا حالات النمو الأخلاقي المضبوطة الناتجة إما عن الخضـوع الداخلي المقرر (هؤلاء الكبار الذين يبقون أطفالاً طول حياتهم) أو من الثورة المدعمة, فإن الاحترام من جانب واحد يميل من تلقاء نفسه إلى أن ينمو في اتجاه الاحترام المتبادل وحالة التعاون التي تتضمن التوازن العادي.   من الواضح أنه ما دامت هذه الأخلاق هي من النوع التعاوني فإن أخلاق الطفل تنمو بسرعة متأثرة بالأمثلة المحيطة بها.  والواقع أن احتمال أن تكون هذه ظاهرة ذات اتجاه واحد هو أقرب إلى الصواب من أنها مجرد ضغط اجتماعي, ذلك أنه لو أن الجماعات البشرية تطورت من الغيرية إلى الذاتية, ومن نظم دينية استبدادية إلى نظم ديموقراطية تقوم على المساواة, فإن ظاهرة التكاتف الاجتماعي التي وضعها دوركايم تساعد على تحرير كل جيل من الجيل الذي سبقه وبذلك يصبح النمو الذي وصفناه ممكناً عند الأطفال والمراهقين.

 

وهكذا نكون قد وصلنا إلى حيث تلتقي مشاكل علم الاجتماع مع مشاكل علم النفس وأصبحنا أمام سؤال فى غاية الأهمية فنقتنع بهذه الإشارات.   ولنقارن الآن النتائج التي وصلنا إليها مع الآراء الأساسية في علمي الاجتماع والنفس المتصلة بالطبيعة التجريبية للحياة الأخلاقية.

 

#كمال_شاهين