القرود الحكيمة … 3 أم 4


 

كلنا نكرر عبارة لا تكن مثل القرود الثلاثة (لا اسمع ، لا ارى ، لا اتكلم ) ، وجهة نظر سلبية ،

MONKY.jpg

الا ان اصل القصة محتلف وهي القردة الحكيمة 三猿  三匹の猿 من الفلسفة اليابانية ، الغاية الاساسية لهذه القرود هي إشارة للفضيلة من رجاحة العقل وحسن الكلام والانصراف عن النميمة والابتعاد عن ارتكاب الرذيلة ، بينما تُستخدم هذه الصورة  في العالم الغربي بل حتى في عالمنا العربي وبعد إسقاط القرد الرابع للإشارة إلى من يبحث عن طُرق للمخالفة ثم يرفض الاعتراف بها ويدعي الجهل . 

 

اذن المعنى الفلسفي للقصة اليابانية ، يجعل من هذه القردة قصة ايجابية   ، وكما ترون القرد الرابع يخفي اعضاءه التناسلية بيديه استكمالاً للفلسفة اليابانية الطاوية ، ودلالات القرود الأربعة كالتالي :

 ١- القرد مزارو .. يغطي عينيه بيديه ، ويرمز الى أحترام خصوصية الآخر وعدم رؤية ما لا ينبغي مشاهدته من الرذائل !

٢- القرد ككزارو .. يغطي أذنيه بيديه حتى لا يسمع النميمة والكذب والإفتراء !

٣- القرد لوزارو … يغطي فمه بيديه ، ويرمز لعدم التلفظ بالقبيح من القول أو الزور أو الكذب !

٤- القرد شيزارو .. والذي يظهر مغطياً بطنه أو أعضاءه التناسلية أو ضاماً ذراعيه والذي يُمثل مبدأ “لا تفعل شرًا” !

 

#اعادة_نظر

 

Advertisements

من قفشات الرفاق في عدن #علي_البيتي


1500.jpg

كتب #علي_البيتي – عضو المنتدى الاقتصادي والسياسي –

من ضمن عجائب  التاريخ في زمن اليمن الديمقراطي  سوف اشارك باربع قفشات من صمن عدة ففشات عايشتها. ايام الرفاق في عدن..

القفشة الاولى:

 عندما كنت مديرا عن المشتريات الخارجية لشركة اليمدا  وفي زحمة قرار من الرفاق بشان تاميم محلات الخضار تفاجات ان طلبت مني ادارتي بسرعة التوجه  الى بيروت لشراء ميازين لاسواق الخضار دون اعطائي المواصفات او حتى العدد رغم ان ذلك ليس من اختصاصي اذ كنت مسؤؤلا عن شراء قطع غيار ومكائن الطائرات والمشاركة في قرار شراء الطائرات ولكن قالوا لي اسرع دون نقاش واعطيت لي شنطة مليئة بالدولارات من البنك المركزي ابام المرحوم ايوب  – محافظ البنك المركزي  … وكنت متعود على حمل مثل تلك الحقائب المالية عند القيام بصيانة واعادة هيكلة الطائرات التي نقوم بها في اديس ابابا مع شركة TWA الامريكية والخطوط الاثيوبية، وعند وصولي بيروت وجدت ان هناك ميازين رقمية غير الارطال التي تعودنا علبها، ولم يكن لدي الوقت لاضاعته حسب التوجيهات فاشتريت ابو الارطال العادي وعدد 25 ميزان .. وعدت عائدا ومسرعا الى عدن قبل اعلان القرار، ليتم التوزيع على بعض محلات الخضار، وتم تخصيص كيلو من كل نوع من الخضار في اليوم للفرد، وتم مكافأتي باعطائي كل يوم 2 كيلو شريطة وقوفي بالطابور اليومي في الخامسة صباحا…واعتبر ذلك في نظر الرفاق انجازا ثوريا يتماشى مع النهج الثوري رغم اني لم اكن ثوريا ولا انتسب لاي حزب…

القغشة الثانية:

في ظل الزخم الثوري تفاجات بقرار عدم شراء قطع غيار الطائرات والمكائن وغيرها من اجهزة الخدمات الارضية في اامطارات من امريكا لكونها الامبريالية العالمية، وعندما قلت ان الطائرات الحالية المدنية هي امريكية الصنع، فقالوا قولا واحدا يجب التوقف فورا التعامل مع الشركات الامريكية، وعندما ابلغتهم بان ذلك سوف يكون مكلفا لو لجأنا الى وسبط خارج امريكا لانه سوف يستورد لنا القطع من نفس المصدر في امربكا ويعيد بيعها لنا باضعاف الثمن، فقيل لي ان التعامل مع الامبريالية لا يخدم النهج اليساري الذي تتبناه الدولة، وفعلا هذا الذي صار واستمرينا نستورد القطع ومكائن الطائرات عن طريق الدنمارك وباسعار مرتفعة حتى عام مغادرتي عدن

.

القفشة الثالثة:

في عام 1972م واثناء اجتماعي مع المدير المالي في مبنى اليمدا الكائن بحي المدينة البيضاء (السعادة) في خورمكسر تفاجانا في وقت الظهيرة باقتحام اشخاص لمكتبنا من ابناء ابين مدججين بالسلاح طالبين منا الانتقال مع كافة الموظفين الى سيارات الجيش التي اتوا بها من وزارة الزراعة في خورمكسر للمشاركة في المظاهرة وان نهتف بتخفيض الرواتب ، وعندما سالت المدير المالي عن ذلك (وهو عايش الى اليوم اطال الله في عمره) اجابني انه لا يعلم بذلك ولبس لدينا الخيار الا بركوب الشاحنات…وهذا ما صار …ونحن في غاية العجب…

القفشة الرابعة:

ان الرفاق في لجنة الحي فاجاؤوني بقرار تعييني رئيسا للجنة الاجتماعية لشؤون الاحوال الشخصية (الاسرة) وعند ما ابلغتهم اني لست برجل قانون ولا توجد لدي خبرة شرعية في فض الخلافات الزوجية، قالوا فقط علبك ان تعلم ان المراة على حق وعلى الرجل الامتال للامر او الخروج من البيت …والله يغفر لي فكل ما كان علي قوله للمتخاصمين علبهم ان يحلوا مشاكلهم بالحسنى، والا فان الشارع مصير الرجل …والحمدلله لم اتسبب في تشريد احد …لان الجميع امتثلوا لهذا الاجراء الثوري العجيب..

و لعل للحديث بقية….من فغشات وغرائب الرفاق…

شيء من الذاكرة في جنوب اليمن مع السفير #محمد_السندي


 SOME OF MEMORY.jpg

 السفير محمد عبده عبد الله السندي:

‘ شيء نت الذاكرة ‘ 1

سأحاول ان أستفيد مما ينشره الاستاذ خالد عبدالواحد نعمان لأنبش ما في ذاكرتي واكتب قليلا في الاقتصاد وربما في السياسة وما مرت وعانت بها بلادي وشعبي .. يكتب الاخ خالد عن قانون التاميم ومنها عرج سريعا على الأيام السبع وتخفيض الراتب واجب وهي مربط الفرس فالمشكلة ليس في قانون التأميم ولكن ايضا في التطبيق فلقدعشنا مع الأسف  في فترة خطوة التصحيح ليس الحكم الشمولي فقط ولكن حكم القرد الواحد فعلى الرغم من شعبية الريس سالمين وارتباطه القري بالقوى المعدمة الا ان اوامره وقراراته كانت هي النهائية ومن يعترضه الى المصير المجهول ولعل في ذلك أمثلة كثيرة اتذكر منها ما لحق ب محمد علي هيثم وعادل محفوظ خليفة وكثيرون … لم أكن موجودا خلال انتفاضات الأيام السبع .. كنت في وفد مكوكي مكون من ٩ أشخاص برئاسة الامين العام للتنظيم الساسي عبدالفتاح اسماعيل وكان يضم مطيع وعبدالعزيز عبدالولي والمستشار العسكري احمد حاجب والمستشار الاقتصادي عبدالله حسن العالم وحياة محسن والصحفي علي فارغ سالم وسفير نا في البلد المعني كان اصغر وفد لاعلى شخصية سياسية في دولة الجنوب وكان التنقل لكل منً كوبا وروسيا والصين وكوريا وفيتنام ومنقوليل وألمانيا وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا برحلات طيران تجارية فتخيلوا حللناها ومراراتها ولكن ما كان يشفع لنا حلاوة الصحبة والنكتة وتواضع رءيس وفدنا ..

 واتذكر خلال زيارتنا ثلاثة مواقف الاول خلال لقاء الرفيق كيم ايل سونج زعيم كوريا بالرفيق عبدالفتاح اسماعيل فاجأنا بالقول انه لا ينصح ان ناخد من( الصناعات الكورية وخصوصا الحراثات الزراعية ) لانها لا تناسب الا بلاده ونصح ان نشتريها من بريطانيا التي تعرف ظروف بلادنا وان كوريا على استعداد لدفع قيمتها بالدولار وعلى الرغم من استحسان اعضاء الوفد للمقترح الا ان أالمفاجاة الأكبر كانت ان الرفيق عبدالفتاح اصر الا ان ناخد الكورية وما ان وصلت الى عدن حتى توقفت عن العمل وبقيت في حوش موسسة الخضار والفواكةٌ ويقال ان كوريا طلبت اعادة شحنها الى كوريا والله اعلم .

والحالة الثانية كانت نصيحة الريس الكوبي كاسترو بضرورة الاستفادة من الكوادر القديمة وعدم الاستغناء عنهم واعادة ذوي الخبرات من الذي ام تسريحهم لانهم لايقدروا باي ثمن وأخيرا وفِي نهاية رحلاتنا فكنا في بلغاريا وقبل سفرنا الى عدن جاءنا السفير علي ياذيب ببرقية تفيد بان البلاد تشهد انتفاظات شعبية ونطالبات بتخفيض الرواتب و خلالها طبعا كلنا سمعنا عن اعتقال كل الكوادر في المال والاقتصاد الخ وحجزهم في المعلا في بنجلة الشيطان واخرون تم إختفاهم. واختطافهم وغيابهم حتى اليوم ومنهم زوج ابنة عمتي مصطفى عربلي ..يومها كلنا توجهنا نستفسر من زيي وفدنا الذي في البداية ابدى من دهشته و بعد ان فاجاه الاستاذ عبدالله العالم بالقول ان كنت لا تعرف وانت الأمين العام فتلك مصيبة عندها قال نعم لقد ناقشنا هذا الموضوع لكننا لم نصل في المكتب السياسي الى اتفاق على التنفيذ .. عندها اتصل غبدالعزيز يستفسر عن الوضع وعندما علم بالفوضى الجارية وبعد ان منا في ضيافة أكثر من دولة قال وبطزيقته الفكاهية المعتادة اذا احجزوا لنا في دار الضيافة حتى نستوعب ما يجري …

وزير الدفاع ووزير الخارجية هو ايضا الأمين العام للحزب ونائب الريس علي سالم البيض ربنا يعطيه الصحة ويطول الله بعمره لكن كان هو سبب كل مصابنا فاول قرار إتخده عندما كان في الدفاع ودون علم الريس قحطان هو طرد الخبراء البريطانيون من الجيش وعندما تولى الخارجية, ذهب الى ليبيا ليحذر القدافي من مصر والريس عبدالناصز والحكومة المصرية وفِي اثناء عودته التقاه الريس عبدالناصر بحضور السفير محمد هادي عوض وكان القدافي قد ابلغ عبدالناصر فما كان من عبدالناصر الا سلخه وللاسف لم يخرج من الخارجية الا بعد ان قام بنقل السفير محمد هادي لكن الريس سالمين عينه نائبا للبيض فما كان من اللص الا ان يبحث عن اي عيبا وتوريطه بالسرقة وطلب مني ومن خلال السفير محمد عبدالقادر بالفقية عندما كنت في القاهرة مسئولا ماليا ان ادينه ولكنني رفضت ذلك لانني واثق من برأته فما كان منه الا ان يعمل على نقلي رطردي من الخارجية حيث فام ريس الوزراء محمد علي هيثم بانتدابي لديه ومن خلال توصية وزير الدفاع حينها الريس علي ناصر محمد الذي لي معه مثير من المواقف والحكايات وبقية اخبار الريس البيض وما لحق بالبلاد والعباد كلنا يعرفها .. تحياتي

 

الدماغ الانثوي


دماغنا ودماغهن …. متساويان ولكن مختلفان!

FAMALE BRAIN.jpg

مقال  منقول من صفحة الكاتب #حسين_الوادعي :

……………..
الجدل حول الفروق بين الرجل والمرأة لا ينتهي. فهل يستطيع العلم تقديم أجوبة مقنعة؟
لنتذكر الحقائق البسيطة التالية:

– أكثر من 99% من جينات الرجل والمرأة متشابهة، وأقل من 1% مختلف. وهذه النسبة الضئيلة هي المسؤولة عن الفروق الذهنية والسلوكية والعاطفية بين الجنسين.
– رغم ان دماغ الرجل أكبر من دماغ المرأة بنسبة 99%، إلا أن دماغ المرأة يحتوي على نفس عدد الخلايا، والفرق بينهما كالفرق بين سيارتين إحداهما أصغر من الأخرى قليلا لكنهما يحملان نفس المواصفات والقدرات.
– للمرأة والرجل نفس متوسط الذكاء. ولم يثبت أبدا وجود أي فروق ملحوظة في معدل الذكاء حسب الجنس.
لكن الدراسات الحديثة حملت مفاجئات قد تثير حفيظة المحافظين والليبراليين النسويين معا.

وساعتمد هنا على كتاب “Female Brain” لمؤلفته ” Louann Brizndine”

https://www.amazon.com/Female-Brain-Louann-Brizendine/dp/0767920104

FAMALE2.jpg

وهو كتاب أثار معارك ونقاشات لم تنته بعد، وقدم عرضا مثيرا لآخر نتائج ابحاث الدماغ والجهاز العصبي حول الرجل والمرأة. وهو مزود بقائمة مراجع مفصلة لتأكيد مصداقية ما سأطرحه.
النتيجة العامة أن الإختلاف بين الرجل والمرأة ليس في مستوى الذكاء أو القدرات العقلية العامة، ولكنه اختلاف في “الطريقة”. بعبارة أخرى يستطيع عقلا الرجل والمرأة أداء نفس المهام ولكن بطرق وأساليب مختلفة وبسرعات مختلفة أحيانا.
تقول البحوث أن المرأة أكثر قدرة على تذكر الأحداث والتفاصيل الصغيرة، بينما ينسى الرجال أحداثا قريبة ومهمة. وهذا يجعل “شهادتها” أكثر دقة وإحكاما من شهادة الرجل. هذه القدرة تمكنها من التفوق في الوظائف التي تقتضي تركيزا واستيعابا للتفاصيل الدقيقة. وهذا يشمل علوما مثل الفلك والفيزياء وليس فقط مجالات الأزياء والديكور والتربية.
هناك وظائف دماغية أقوى عند المرأة، ووظائف دماغية أقوى عند الرجل.

فالمرأة لديها خلايا عصبية للاستماع أكثر بنسبة 11% من الرجل. بينما عند الرجل خلايا أكثر لمعالجة المشاعر الغريزية مثل الخوف والدفاع عن النفس ورد الفعل السريع.
إذا فكرنا في الوظائف الدبلوماسية فإن المرأة لديها قدرة أكبر على احتواء الصراعات وتخفيفها والاحتفاظ بقدر الإمكان بعلاقات جيدة مع الآخرين (بعبارة أخرى دماغ المرأة دبلوماسي أكثر). بينما للرجل قدرات أكبر على وضع الحلول واستكشاف البدائل للمشاكل المطروحة ( دماغ الرجل براغماتي سياسي اكثر).
وعندما نقول ان قدرات المرأة الدبلوماسية “أفضل” من الرجل فهذا لا يعني أن الرجل لا يملك قدرات دبلوماسية، فهو يملكها لكنه يمارسها بطريقة مختلفة وسرعة مختلفة.
وعندما نقول أن الرجل أكثر قدرة على طرح الحلول فهذا لا يعني أن المرأة لا تملك هذه القدرة، ولكنه يعني أنها تمارسها بطريقة مختلفة وسرعة مختلفة.

…………………………….
هل المرأة عاطفية والرجل عقلاني؟
المرأة أكثر اهتماما بالعواطف بالتأكيد، لكنها ليست عاطفية (بمعنى ضعف قدراتها على الموازنة العقلية بين الخيارات). صحح أن لدماغ المرأة خلايا اكثر للعواطف والمشاعر، لكن المفاجأة هنا أن الجزء الموجود في الدماغ والمسؤول عن الموازنة بين الخيارات واختيار البديل الأفضل (أو الأقل كلفة) هو أكبر عند المرأة!

وهذا يعني أن المرأة أقل تهورا وأكثر حكمة من الرجل. وعندما استخدم عبارات “أقل” و”اكثر” استخدمها بمعناها النسبي. فالرجل أيضا لديه خلايا فعالة للموازنة بين الخيارات لكنها أصغر من الموجودة عند المرأة. (في قرار الطلاق مثلا ستجد المرأة صعوبة أيضا في اتخاذه لو كان القرار بيدها، وهذا يتنافى مع الحكمة الموروثة من المحافظين التي تضع حق الطلاق في يد الرجل فقط بحجة لا عقلانية المرأة).

وإذا أعدنا النظر في كيفية اتخاذ الجنسين لقرارات الزواج والطلاق مثلا سنتفاجأ أن قرارات المرأة تعتمد على التفكير “العقلاني”، بينما قرارات الرجل تعتمد على خليط من التفكير العقلاني والغريزي. وهذا ما سأشرحه لاحقا نهاية هذا المقال.

شيء آخر يهدد صورة “العقلانية” المثالية التي نعطيها للرجل على حساب المرأة. فالخلايا المسؤولة عن الجنس والعدوان أكبر بمرتين ونصف عند الرجل. وهذا يجعل الرجل أقل قدرة على التحكم في سلوكه عند النزاع والجنس.

هذه النتيجة العلمية تجعلنا نعيد التفكير في جدوى تحجيب المرأة وعزلها وتغطيتها يحجة عدم “استفزاز” السلوك الجنسي عند الرجل. فالذي يستفز الرجل جنسيا عندما يرى المرأة ليس لبسها أو سلوكها ولكنه خلايا دماغه المتضخمة المسؤولة عن التفكير والسلوك الجنسي.
و”الإغراء والفتنة” موجودتان في دماغ الرجل وليس في سلوك المرأة وزينتها. ومهما غطت المرأة نفسها وخفضت صوتها وحجمت سلوكها فإن خلايا الجنس والرغبة في دماغ الرجل تظل متحفزة. أتضح مثلا أن الرجل يفكر في الجنس 3-4 مرات في اليوم على الأقل، مقابل مرة واحجة للمرأة. كما أنه حتى في الحوارات المهنية العادية تكون خلايا الجنس متحفزة عند الرجل،بينما يتعامل دماغ المرأة مع الحوار بشكل طبيعي.
فالرجل هو الأضعف فيما يتعلق بالإغراء وليس المرأة كما يردد المحافظون، والمرأة دائما اكثر قدرة على الحفاظ على نفسها والتحكم في خيالاتها وسلوكياتها الجنسية مهما كانت الظروف.
وقد حلت المجتمعات المتحضرة مشكلة التحفز الجنسي الدائم عند الرجل بالقانون عبر سن قوانين صارمة ضد التحرش وإساءة السلطة والتعدي على المرأة، وكلها كانت كفيلة بكبح جماح الهيجان الذكوري إلى حد كبير. بينما لجأت المجتمعات المحافظة الى حلول مخالفة للعلم وطبيعة دماغ الرجل والمرأة رامية العبء كله على كاهل المرأة دون نتيجة تذكر(في قضايا التحرش الجنسي كانت الضحايا محجبات ومنقبات وكبيرات في السن ومحتشمات، مثلما كان هناك ضحايا جميلات وانيقات و”مغريات”).

…………………………..

يقول العلم أيضا أن النساء أفضل في الإتصال والتعاطف (يرتبط هذا بالوظائف المتعلقة بالتواصل مع الناس من الحكومة الى التربية والسياحة والخدمات). وتفضل النساء الأعمال التي تعتمد على التواصل مع الناس وتكره الاعمال التي تقتضي العزلة والبعد عن الناس. (وهذا سبب عدم نبوغ نساء كثيرات في الرياضيات وهو عائد لعامل عاطفي وليس لعامل ضعف القدرات الحسابية عند المرأة)
هذا الميل النسائي للإختلاط بالآخرين يسلط ضوءا مهمها على خطيئة مجتمعات فصل الرجل عن المرأة ومنع الاختلاط كإجراء مخالف لـ”فطرة” المرأة مهما برروه زورا باسم “الفطرة السليمة”.

…………………………..

ماذا عن أدوار “النوع الإجتماعي” أو “الجندر”.

ربما يغضب النسويون لو عرفوا أن بعض أدوار النوع الاجتماعي “غريزية” وليست مكتسبة عبر التنشئة الاجتماعية. والمثل الأبرز لذلك ميل البنات للعب بالدمى والعرائس، وميل الأولاد للعب بالسيارات والمسدسات. كانت الدراسات النسوية تقول ان هذا ناتج عن التربية والعادة، لكن الدراسات التي اجريت على الإنسان والحيوان وجدت أن ذلك سلوك “شبه غريزي”. (حتى عدما أعطيت الالعاب لمجموعة من القرود اختارت اناث القرود اللعب بالدمى والعرائس، واختار ذكور القرود اللعب بالسيارات).

………………………….

سأختم مقالي هذا بحقيقة جوهرية في البيولوجيا والأحياء بشكل عام هي التطور.
فعقلنا الذي نملكه اليوم والذي حللته الدراسات العلمية هو نتاج مئات الآلاف من السنين من التطور، وسيظل يتطور وتختلف وظائفة ما دام هناك تحديات تدفع الانسان لتعديل قدراته القديمة او اكتساب قدرات جديدة.
فنزعة الرجل للحلول السريعة والعدوان هي نتاج مئات الاف السنين من دوره كصياد وحام للنساء والأطفال يجب ان يتخذ قراره بسرعة ويدافع عن اطفاله واناثه بشراسة. ونزعة المرأة نحو التعقل وموازنة الخيارات هو نتاج مئات الآلاف من السنين من دورها كأم مهمومة بحماية اطفالها من هجمات الذكور والحيوانات المفترسة.
وإذا تغيرت الظروف المحيطة فإن هذه الوظائف تتغير لكن تغيرها بطيء يستغرق مئات وآلاف السنين. ولأن الرجل والمرأة اليوم يعيشان في ظروف متشابهة ويقومان بوظائف متشابهة فإن الفروق تتقلص تدريجيا.
……………………….
لكن هناك حقيقة أخرى مفاجئة لنا (مثل أغلب نتائج العلم) وهي أن دماغنا نحن سكان القرن الحادي والعشرين هو دماغ “بدائي” في الكثير من مهامه. إنه الى حد مؤثر نفس دماغ الرجل الصياد ساكن الكهوف والمرأة البدائية التي تلقتط الثمار وتحمي الأطفال.
هذه الحقيقة تتضح من معالجاتنا الدماغية “البدائية” لقضايا الحب والزواج مثلا. فقد وجد الباحثون أن المرأة عندما تختار شريك الحياة لا تفكر بقلبها وانما بمصلحتها. ومهما حطمت هذه الحقيقة الصورة الرومانسية للمرأة فإن المرأة تختار الرجل القوي، صاحب الدخل الجيد، والمنزل، والمستوى الاجتماعي الأعلى.
هذا الاختيار استمرار للعقل الأنثوي البدائي الذي كان يبحث عن الرجل الأقوي (ليحميها من المنافسين) وصاحب الجينات الأقوى لتنجب اطفالا أقويا قادرين على الحياة. (تهتم المرأة برائحة الرجل ولديها حاسة شم أقوى. والرائحة وسيلة فعالة لقياس مدى صحة الرجل وقوة جيناته).
أما الرجل فيختار شريكة حياته بدماغه البدائي أيضا. فالخصر النحيل والنهد المدور والقامة الطويلة والحوض الواسع ليست مواصفات جمالية فقط، بل هي مواصفات المرأة الأقدرعلى الحمل وانجاب أطفال أكثر وبصحة أفضل.
………………………..
نقطة أخيرة تذكرني بعبارة نوال السعداوي “الأنثى هي الأصل”. فعندما يولد الطفل سواء كان ذكرا أو انثى فانهما يولدان بدماغ أنثى، وبعد الأشهر الثمانية الاولى تبدأ الفروق بين دماغ الولد والبنت نتيجة لتدفق الهرمونات. فدماغ الأنثى هو الـ”default” أو ضبط المصنع الأصلي!
هذا هو دماغنا المعقد والمثير.
وهذه قصة بعض الفروق بين الرجل والمرأة كما يقدمها العلم الحديث. قصة جنسين مختلفين ومتساويين أيضا!

………………………
• حصلت على الكتاب هدية من الصديقة الرائعة ندوى الدوسري فلها جزيل الشكر على هذه المفاجئة العلمية والعقلية القيمة. وهذا المقال “المتحيز” لا يغني عن قراءة الكتاب.

نظرية صاحب السرداب


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

CRYPT.jpg

ما هو الفرق بين هاتين الفرضيتين الوهميتين؟ لماذا نرفض واحدة ونقبل الأخرى؟

هناك فرضيتان خياليتان في التراث الشيعي، لا ادري لماذا يرفض البعض الفرضية الأولى ويقبل الفرضية الثانية؟
الفرضية الأولى الخيالية هي وجود ولد للامام عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق، الذي أصبح اماما بعد ابيه وعاش بعده لفترة قصيرة ثم توفي ولم يكن له عقب، فاختلف شيعته الى ثلاث فرق فرقة منهم ذهبت الى اخيه موسى بن جعفر، وهم الفطحية، وفرقة شطبت على اسمه وقالت انه كان عقيما والامام لا يمكن أن يكون عقيما لعدم امكانية استمرار الامامة في ذريته بصورة عمودية، وانتقلوا من الصادق الى الكاظم بصورة مباشرة، وهم الموسوية، وفرقة ثالثة قالت قولا افتراضيا وهميا خياليا باطنيا، أي وجود ولد لعبد الله الافطح ولد في السر خوفا من المنصور، واسمه محمد بن عبد الله، وهو المهدي المنتظر، وقد غاب في اليمن وسوف يخرج ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملأت ظلما وجورا، وادعى بعض اصحاب الأفطح النيابة الخاصة عن هذا “المهدي” المفترض وأخذوا يجمعون المال من الشيعة لإيصالها اليه بزعمهم.. وقد استمرت هذه الفرقة عقودا من الزمن كما يقول النوبختي في كتابه (فرق الشيعة). وقد رفض الشيعة هذه الفرضية لأنها خيالية ومخالفة لقوانين الشريعة التي تحتم اثبات الولد باعتراف ابيه او ظهوره، وعدم جواز الادعاء بوجود ولد لانسان بعد وفاته دون أي دليل وانما على أساس بعض الاشاعات الواهية والاحاديث المختلقة والادعاءات الكاذبة، وكان أهم دليل مضاد رافض لهذه الفرضية هو عدم ظهور ذلك الولد المختفي (المهدي المنتظر) المزعوم بعد مرور أكثر من مائة عام على ولادته السرية المزعومة.
وأما الفرضية الثانية فهي التي دارت حول وجود ولد للامام العسكري، ولد في السر، وانه الامام بعد ابيه وانه المهدي المنتظر الذي سيظهر في المستقبل، بالرغم من عدم ادعاء العسكري لوجود ولد له، وعدم معرفة اهل البيت به، وعدم رؤية الشيعة وعامة المسلمين له في حياة ابيه، وبعد ذلك الى اليوم، وعدم وجود اي مشر على ححياة او وجود ذلك الانسان المفترض الموهوم، وانما فقط بناء على دعوى بعض المنتفعين والتجار من ادعاء النيابة الخاصة عنه واخذ الأموال من الشيعة لإيصالها اليه بزعمهم.
وفي الحقيقة لا يوجد أي فرق بين النظريتين الوهميتين الخياليتين المنافيتين للشريعة الاسلامية والعقل والقانون والواقع، سوى ان هذا الافتراض يشبه بئر نفطية تضخ المال لجيوب المنتفعين أدعياء النيابة الخاصة والعامة المستمرين حتى اليوم. أليس كذلك؟

احمد الكاتب

#تطويرالفقهالاسلامي

 

الحكم الاخلاقي لدى الطفل 26 ونظرية دور كايم


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

Authority9.jpg

 

.الحكم الأخلاقي لدى الطفل   – 49

 

2- نظرية دوركايم عن السلطة الأخلاقية

مقدمة

التربية الأخلاقية عند دوركايم التي لفتت إليها الأنظار التي تصطبغ بصبغة علمية.  هذه التربية تثير يقينا أصعب مسألة علينا أن نواجهها فى تفسير حقائق علم نفس الأطفال.  يرى دوركايم أنه كلما وجدنا نزاعًا بين نوعين من العلاقات الاجتماعية فإنه يجب أن نؤكد وحدة هذه الحقائق الأخلاقية والاجتماعية.  حقيقة أن أحدًا لم يلم بالأسس الاجتماعية العميقة للنزاع بين الأخلاق المستقلة والسامية كما ألم هو بها.   ولكن بينما نعتقد نحن أن الأولى قد تكونت نتيجة الاتحاد بين الأطفال أنفسهم والثانية قد تقدمت من قسر الراشد للطفل، نجد أن دوركايم يعتبر الأخلاق كلها مفروضة على الفرد من الجماعة ومن الراشد على الطفل.  نتيجة لذلك, من الناحية التربوية, أنه بينما نميل نحن نحو مدرسة “النشاط” و”الحكومة الذاتية” ونرى في ذاتية الطفل الوسيلة التربوية الوحيدة التي يتوقع أن تنتج أخلاقا معقولة نجد أن دوركايم يدافع عن نظام هو في الواقع النظام التربوي التقليدي ويعتمد على طرق تقوم في أساسها على السلطة رغم الظواهر المخففة التى أدخلها فى هذا النظام لكي تسمح بحرية داخلية للضمير.

 

وقبل دراسة التربية الأخلاقية فلنبحث قليلاً في علم الاجتماع الأخلاقي إجمالاً كما يراه دوركايم ذلك أن آراء دوركايم عن الطفل لا يمكن فهمها عن غير طريق علم الاجتماع العام عنده . ولما كانت آراؤه عن الطفل تشبه تمامًا الآراء والتربية السائدة فإن علينا أن ندرس هذه الآراء بدقة إن أردنا دعم نظرياتنا فى هذا الموضوع.

 

كتاب “تقسيم العمل الاجتماعي” لدوركايم، وهو بلا شك أقل كتبه من الناحية المنطقية وأغناها من ناحية الاحتمالات النظرية.  وفي هذا الكتاب كان حذرًا أكثر مما كان عليه في كتبه التالية فيما يتعلق باتحاد الحقائق الاجتماعية وبالتالي اتحاد الحقائق الأخلاقية بعضها مع بعض.  فهناك نوعان من المجتمعات: فمن جهة نجد المجتمعات المنقادة واتحادها متقطع أو آلي، ومن جهة أخرى هناك مجتمعات تختلف من الداخل بواسطة تقسيم العمل وقيام اتحاد عضوي.  الأولى خالية من الحرية الشخصية، والثانية تميز نمو كرامة الفرد واتساعها.  التباين الاجتماعي, إذن, هو ظاهرة حديثة ولذلك يصعب تعريفه.  وهو عرضة لهدم عاداتنا وقواعدنا الأخلاقية.  وعن طريق إحداث كسر في الامتثال التقليدي فإن التباين يؤثر في الإيمان الديني المرتبط بالامتثال.  ولما كانت الأخلاق في مجتمعات النوع الأول تعتمد على الدين والظواهر الخارجية للدين فإن واجبنا أن نعمل على خلق نوع جديد من الأخلاق لأنفسنا وبذلك نفقد توازننا فنحتاج إلى ما يقابل الاتحاد الخارجي الذي ينتمي إلى الامتثال.  ذلك أن ما نفقده فى القسر المادي للنظم التقليدية يجب أن نحصل عليه عن طريق الأخلاق الداخلية عن طريق الاهتمام الشخصي بالاتحاد.

 

وعلى أساس هذا العرض للموضوع يبدو أن الضغط الاجتماعي يظهر فى حالتين مختلفتين هما : القسر الخالص كما يسمي في المجتمعات الممتثلة، والواجب الداخلي في التعاون.  وعلى أية حال يظهر في أشكال غالبًا مضادة تبعًا لانتمائها إلى الغيرية الموجودة في الامتثال الإجباري، أو إلى الذاتية التي تنتمي إلى الشخصية الموجودة في المجتمعات العضوية المتباينة.  ويميل دوركايم في كتبه الأخيرة إلى أن يرجع أهمية القسر والتعاون إلى الاتحاد، وفوق ذلك كله إلى أن يصوغ شرحًا موحدًا لتحليلاته للنواحي المختلفة للأخلاق.

 

وفي حالة القسر نجد دوركايم قد وسع تعريفه لهذا اللفظ حتى شمل كل ظاهرة اجتماعية أيًا كانت.  فسواء كان يتحدث عن الجاذبية الداخلية التي يحس بها الفرد تجاه المثل الإنسانية العامة أو كان موضوع حديثه هو القسر الذي يقوم به الرأي العام أو الشرطة، فذلك كله لديه قسر.  و”خارجية” الظاهرة الاجتماعية تعطي مجالاً لمثل التعميمات، فالقواعد المنطقية والأخلاقية هي قواعد خارجية عن الفرد، بمعنى أن عقل الفرد لا يستطيع أن يعزلها دون معاونة.  وهكذا هي الدلالات اللفظية, أو الرموز الصوفية, أو القيم الاقتصادية, بمعنى أن ليس في قدرة الفرد أن يغيرها وفق إرادته.  وباختصار فإن المجتمع هو دائمًا والفروق بين التعاون والامتثال الإجباري هي في الدرجة أكثر منها في النوع.

 

والأخلاق تدرس بنفس الطريقة، فالأخلاق قد تولدت من الدين، فالأعمال الإجبارية كانت أول الأمر مقدسة لأنها جاءت عن فكرة التقديس.  وكما أن الأشياء المقدسة هي تلك التي توحي بكل من الخوف القائم على الاحترام والوجدان الخاص بالاستمالة، فكذلك الآراء الأخلاقية تمثل ناحيتين لا يقبلان الجبر والانقسام، هما : الالتزام والواجب من جهة، والإحساس بالخير أو بمثل أعلى مرغوب فيه من جهة ثانية.  ثم إنه كما أن التقديس يؤدي إلى وجود محرمات دينية وأوامر إيجابية فكذلك الأخلاق تحرم وتجبر دون إبداء الأسباب، فالأوامر الحتمية, إذن, هي نتيجة مباشرة للقسر الاجتماعي، أما موضوع الأخلاق ومنبع الاحترام فلا يكون إلا في المجمتع نفسه بعيدًا عن الأفراد ولكنه أسمى منهم.

 

وعلى أساس نظرية دوركايم – أي شرح الأخلاق عن طريق الحياة الاجتماعية وتفسير تغيراتها على أساس التغيير الذي ينتاب تركيبة المجتمع – فإن من الطبيعي أن نتفق مع المدرسة الاجتماعية وذلك لاتفاقها مع نتائج بحثنا، فقد وجدنا أن العناصر الفردية الخالصة للأخلاق يمكن أن نتبع آثارها حتى نصل إما إلى وجدان الاحترام الذي يحسه الصغار بالنسبة للكبار، وهذا ما يشرح لنا طبيعة الضمير والواجب.  أو الإحساس بالمشاركة الوجدانية الذي يحس به الطفل تجاه من يحيطون به؛ وهو الذي يجعل التعاون ممكناً.  فالميول الفردية وغيرها مما يرتبط بها من قريب أو من بعيد هي لذلك حالة ضرورية ولكنها ليست حالة كافية لتكوين الأخلاق, فالأخلاق تستلزم قيام قواعد تنمو على الفرد، وهذه القواعد لا تنمو إلا عن طريق الاتصال بالناس الآخرين، ولهذا فإن الآراء الأساسية لأخلاق الطفل تتألف من تلك التي فرضها الراشد وتلك التى تنتج من الزمالة بين الأطفال أنفسهم.  ففي الحالتين – أي سواء أكانت مقبولة تحت ضغط أم بمحض الحرية – فإن هذه الأخلاق اجتماعية وفي هذه النقطة نجد أن دوركايم كان مصيبًا من غير شك .

 

ولكن المسألة لا تنتهى هنا، فقد بقي أن نبحث ما إذا كانت وحدة الحقائق الاجتماعية التي فرضها دوركايم ليست بحيث تسلب من الأخلاق أهم مميزاتها الأساسية والنوعية وهي الذاتية السامية فالخطر في الشرح الاجتماعي الذى كان دوركايم أول من لاحظه هو أنه قد يعرض الأخلاق لخطر الاتحاد مع علل الدولة ومع الآراء الشائعة أو الآراء المحافظة الجماعية, باختصار, مع كل شيء هاجمه عظماء المصلحين باسم الضمير ولا نظن أن الحل الذي وضعه دوركايم لهذه المشكلة العويصة مما يقضي على شكوكنا؛ لذا نستميح القارئ عذرًا إذا أطلنا بحث هذه المشكلة التي طال بحثها، فهي مشكلة رغم ما يبدو فيها من تناقض ولكنها في غاية الأهمية في علم نفس الأطفال وقد برهن دوركايم على أهميتها ولذلك يجب ألا نخشى ذكر حقائق أولية في محاولتنا القضاء على كل سوء فهم يُحتمل حدوثه.

 

ويبدو أن دوركايم لم يقرر شيئا نهائيًا في هذه النقطة؛ ففي بعض فقراته كان يفرد القيمة الأخلاقية للفكرة السائدة لمجرد أنها فكرة سائدة : ” العلاقة بين العادة والعمل الأخلاقي هي بحيث يمكن أن نقول إن كل عادة جماعية تتضمن نوعًا من الصفة الأخلاقية, فبمجرد أن يصبح نوعًا من السلوك عاديًا في جماعة فأي ابتعاد عنه يؤدي إلى إثارة دافع بعدم الموافقة، وهذا الدافع مماثل تمامًا لذلك الذي يبدو مصاحبًا للأخطاء الأخلاقية الخالصة، فمثل هذه العادات تتطلب احترامًا نوعيًا من النوع الذي يوجه نحو الأعمال الأخلاقية.  ولكن بينما نجد أن ليست كل العادات الجماعية أخلاقية فإن كل الأعمال الأخلاقية هي بلا شك عادات.  لذلك فإن كل تأثير على العادة يستطيع أن يكون كذلك بالنسبة للأخلاق”. (ص 31) (Education Morale).  ولكنه في مواضع أخرى وفي فقرات سنقتبسها الآن لأن تشرح المثل الأعلى عند دوركايم شرحًا أحسن من تلك التى يدافع فيها عن “العادة الجماعية”.  في هذه نجد أن دوركايم يقول عكس ذلك تمامًا : “يبدو أنه على أساس هذه النظرية قد يخضع العقل للفكرة الأخلاقية السائدة، إلا أن الأمر ليس كذلك لأن المجتمع الذي تدعونا الأخلاق إلى الرغبة فيه ليس هو المجتمع كما يبدو لنفسه ولكنه المجتمع كما هو فعلاً أو كما يميل لأن يكون.  وقد يحدث أن شعور المجتمع بنفسه المتضمن في الفكرة أو خلالها قد يكون تفكيرًا غير تام للحقيقة من ورائه.  والرأي العام قد يكون فوضويًا مما يجعله متخلفا عن الحالة الفعلية للمجتمع” (ص 51) Sociologie de Phlosophie.  وأكثر من هذا كله أهمية, أن دوركايم في رده على نقد M.parodiبارودى لم يتمهل فيوضح مثل     “المجتمع الفرنسي للفلاسفة” Société francaise de Pbilosophie  أنه على أساس هذا النظام الأخلاقي فإن ضمائر الأفراد العظام كانت على صواب حين دخلت في صراع مع الرأي العام, وقد يقال مثلاً إن الرأي العام في أثينا قد حكم على سقراط بالإعدام مع أنه كان على صواب ولم يكن الأثينيون كذلـك الآن “سقراط تحدث في أمانة فاقت أمانة القضاة عن الأخلاق التى تناسب المجتمع فى عصره”. (الكتاب السابق ص 93)

 

ومن الواضح أنه يجب أن نختار بين هذين الحلين، ولكن هذا ما لا يسمح به دوركايم لأن الاختيار سيبت في الوقت نفسه في مشكلة القسر والتعاون، ذلك أنه إما أن المجتمع واحد وأن كل العمليات الاجتماعية بما فيها التعاون يجب أن يستوعبها القسر الخالص وحده، وإما أنه يجب التمييز بين المجتمع الفعلي والمجتمع المثالي, أى بين “الفكرة” والمجتمع كما هو “فعلاً يميل إلى أن يكون”.  وعلى أية حال فإن الإنسان يميل إلى التمييز بين القسر والتعاون بشكل أساسي أكثر مما رغب دوركايم أن يقوم به وذلك لكي يضع القيم الأخلاقية فوق ظروف الحالة.

 

والآن نتساءل : كيف يكون من الممكن التمييز بين المجتمع كما هو وبين المجتمع كما يميل لأن يكون فى نظم الامتثال الإجباري.  أي حيث يسود القسر الاجتماعي غير الراشد نجد أن مثل هذا التمييز لا يمكن التفكير فيه ، فهناك مجموعة من العقائد والأعمال يتسلمها الفرد والأخلاق تدعو إلى الاحتفاظ بها كما هي. وقد ينال الطرق المستعملة بعض التغيير الإجباري وبذلك يقدر الاعتداء الذي قد يحدث بين الطرق الجديدة والتقليدية ويكون المثل الأعلى في هذه الحالة قد  طرحه الإنسان وراء ظهره ولم يعد يضعه نصب عينيه؛ ذلك أن ما فرضه القسر هو نظام من القواعد والآراء قد نظم فعلاً فعليك أن تأخذ به أو تتركه، أما أي شكل من أشكال الجدال أو التفسير الشخصي فهو معارض لفكرة الامتثال لهذه القواعد.  أما المجتمعات المتغيرة كمجتمعاتنا فإنها على العكس من ذلك نلاحظ فيها قيام علاقات جديدة بين الأفراد, وبذور هذه العلاقات كانت تقوم عند الجماعات البدائية وبخاصة فى المسائل المتعلقة بالعمل الفني وفي خلال تكوين الجماعات منها مجتمعنا الحاضر اتفقوا لا على الاحتفاظ بطقوس وعقائد بقدر ما اتفقوا على تطبيق “طريقة” أو مجموعة طرق, فكل ما يؤكده الإنسان يحققه الآخرون، وكل ما يعمله الإنسان يدرسه الآخرون ويختبرونه، فروح السلوك التجريبي سواء أكان عمليًا أم فنيًا أم أخلاقيًا يتألف من العقائد الشائعة، بل من القواعد ذات الضبط المتبادل، فكل إنسان حر في إدخال مستحدثات على شرط أن ينجح فى أن يجعل نفسه مفهومًا عند الآخرين وأن يفهمهم.  وهذا التعاون الذي لابد أن يسمح به مازال في كثير من الجهات أبعد ما يكون عن السيادة على القسر الاجتماعي مع أنه يتضمن المثل الأعلى للجماعات الديموقراطية.  وهذا التعاون هو الشيء الوحيد الذي يسمح بالتمييز بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ذلك أن لفظ “طريقة” يتضمن وضع عدد من الحقائق الوقتية كما يتضمن أن هناك عددًا أكبر لم يكتشف بعد، وأن التقدم يعتمد على الإذعان لمعايير معينة.  وبهذه الطريقة تصان مميزات المثل، وعلى العكس من ذلك فإن روح القسر الاجتماعي والسلطة الخارجية هي توحيد ما هو كائن وما ينبغي أن يكون وهكذا نستطيع أن نرى الحالة المثالية للأشياء كما حققناها فعلا.

 

أمًا رفض دوركايم لقبول وجود أي فرق بين القسر والتعاون خلاف الفرق في الدرجة فذلك يجب أن يعزى إلى أن العمليتين مرتبطتان بسلسلة لا تنتهى من الصلات المتوسطة.  وقد بيّن في كتابة الأول أن نمو المجتمع حجمًا وكثافة قد أدى إلى تقسيم العمل كما أدى إلى أن الفردية والتعاونية قد سادتا على الامتثال الإجباري.  ويمكن أن نتوسع في هذه النظرية فنقول إنه في كل المجتمعات نجد أن الكلية الاجتماعية تقوم بالقسر على الأفراد وأن هذا القسر يأخذ شكل الاتحاد التعاوني في مدنيتنا على حين نجده يبقي محصورًا في دائرة الانتقال الإجباري في المجتمعات البدائية.  غير أن هذه الحقيقة المستمرة التى لا نريد أن ندحضها لا تتخلص من التناقض النوعي فى النتائج .  ويستطيع الإنسان أن يعتبر التعاون هو الحالة المثالية للتوازن التي يتجه نحوها المجتمع حين يبدأ الامتثال الإجباري أن ينكسر، وكلما قتربنا من هذا المثل الأعلى فإن صفة الحياة الاجتماعية تأخذ في الاختلاط في النوع عن الحالة البدائية ولو أن الحركة القائمة بين الحالتين ما زالت مستمرة.

 #كمال_شاهين

 

الحكم الاخلاقي لدى الطفل 25


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

 

Authority.jpg

الحكم الأخلاقي لدى الطفل   – 48

الواقع أنه ما من شك في أنه لا غنى عن معرفة الحالات البدائية للحقائق التي يرغب الإنسان في تحليلها ولكن تطورها التالي يمدنا ببيانات ليست أقل منها أهمية في تكوينها.   بعبارة أوضح, يجب أن نبحث من جميع النواحي في تحديد اتجاه المراحل وفي استخلاص العناصر الثابتة المشتركة بين كل المراحل. ولكن ما هو ثابت ليس هـو الصفة المميزة للتركيب (وإلا فإن الحالة البدائية يمكن أن نبني على أساسها حالة حقيقية) بل هو الوظيفية فقط.   أما عن التركيب فإنه يتغير تغيرًا لا نهائيًا ما دامت أنواعه تخضع لوظيفته وما دامت قوانين التطور التي تتحكم في مثل هذه الأنواع أقوى من الناحية التعليمية من الظاهرات الخاصة بأي مرحلة معينة.  وهذه لا ترتبط بقوانين تطور المسؤولية, ولا بالوظيفة المشتركة في المراحل المختلفة التي قال بها فوسونيه, إذ لا صلة لها بقوانين التطور.  وقد شرح لنا سبب ذلك بكل وضوح.   وليست هى أيضًا الوظيفة المشتركة المستخلصة من تركيب الظاهرة، ذلك لأن المسؤولية عندنا الآن ليست انتقالية ولا مادية, وما دام فوسونيه يعتبر هاتين الظاهرتين داخليتين فى تركيب المسؤولية الحقيقية.

 

وعلى أساس المعلومات النفسية عن أخلاق الطفل يمكن ان نبحث عن تفسير للمسؤولية، فمع احترامنا للنتائج القيمة التى وصل إليها فوسونيه فإننا مقتنعون بالضرورة المزدوجة للثبات أو الاستمرار الوظيفي وتوجيه التطور في التركيب.   وقد سبق لنا الإلمام بقيام نوعين من الأخلاق عند الطفل هما القسر والتعاون.   فأخلاق القسر هي تلك الخاصة بالواجب الخالص والبسيط بالغيرية.   فالطفل يقبل من الراشد عددًا معينًا من الأوامر التي يجب أن يخضع لها مهما كانت الظروف.   فالصواب هو ما يطابق هذه الأوامر والخطأ هو الذي يجانبها, أما الدافع فيلعب دورًا صغيرًا في هذه النظرية.   أما المسؤولية فهي مادية تمامًا إلا أن أخلاق التعاون تنمو بالتدريج موازية لهذه الأخلاق أول الأمر ثم مضادة لها. والقاعدة المرشدة في أخلاق التعاون هي “الاتحاد” فهي التي تعنى أولاً وقبل كل شئ بذاتية الضمير ومن ثم بالمسؤولية الشخصية تبعًا لذلك.  والآن ينبغي أن نلاحظ أنه بينما تعارض أخلاق الاحترام المتبادل – من ناحية القيم – أخلاق الاحترام من جانب واحد فإن الأولى – برغم ذلك – هي نتيجة طبيعية للأخيرة وذلك من وجهة نظر أسباب هذا التطور.   فكلما ابتعد الطفل من مرحلة الطفولة كلما اتجهت علاقاته بالراشد نحو المساواة.   فالاحترام من جانب واحد المتصل بالقسر ليس نظامًا ثابتًا، والتوازن الذي يتجه نحوه ليس سوى الاحترام المتبادل.  ولهذا لا يمكن أن ندعي بالنسبة للطفل أن السيادة النهائية للمسؤولية الشخصية على المسئولية المادية هي نتيجة لقوى متعارضة في علاقاتها بالمسؤولية عمومًا بل, على العكس من ذلك, فبفضل قيام نوع من المنطق الداخلي نجد أن الحالات المتقدمة تتطور من الحالات البدائية – ولو أنه من ناحية التركيب نجد أن الأولى تختلف كمًّا عن الأخيرة.

 

لماذا, إذن, لا يحدث هذا فيما يتعلق بالمجتمع بطريقة منظمة؟  نستطيع – بلا استعارة – أن نقول إن العلاقة يمكن أن تقوم بين طاعة الفرد للأوامر الجماعية وبين طاعة الطفل للكبار على وجه العموم.   في كلتا الحالتين نجد أن الإنسان يخضع لأوامر معينة لأنه يحترم كبار السن.  فالمجتمع ليس سوى سلسلة (أو كثير من السلاسل المتقاطعة) من الأجيال, كل منها يضغط على ما يليه.   كان أوجست كونت Auguste Comte على حق في اعتبار هذه العملية التي يقوم بها كل جيل على الآخر أهم ظاهرة في علم الاجتماع.   والآن فإنا حين نفكر في نظم الحكم في الجماعات البدائية، وحين نفكر في سلطان الأسرة الآخذ في التقلص نتيجة التطور الاجتماعي، وفي كل الظاهرات الاجتماعية التي تميز المجتمعات الحديثة، فإنا لا نستطيع إلا أن نري في تاريخ الجماعات نوعًا من التحرر التدريجي للأفراد.  بمعنى آخر, رفع الأجيال المختلفة في علاقتها ببعضها البعض, أو كما قال دوركايم, إن الإنسان لا يستطيع أن يوضح الطريق الذي مرت به الجماعات من التطابق القائم على القوة في الجماعة المنقسمة إلى الاتحاد العضوي للجماعات المختلفة دون استحضار الإشراف المتضائل للجماعة على الفرد باعتباره العامل السيكولوجي الأساسي، وكلما زادت كثافة المجتمع كلما سهل على المراهق أن يتهرب بسرعة من القسر المباشر في علاقاته, ودخل في عدد من المؤثرات الجديدة, وتمكن من أن يستقل روحيًا عن طريق مقارنة العلاقات بعضها ببعض.

 

وكلما تعقد المجتمع وأًصبحت المسؤولية ذاتية ازدادت أهمية علاقات التعاون بين الأفراد الأنداد.  والآن, إذا كان التعاون يتلو القسر بالشكل الطبيعي الذي وصفناه، وبالتالي تتفوق أخلاق الاحترام المتبادل على أخلاق السلطة, فإنه يبدو لأول وهلة أن ليس هناك من سبب يدعونا إلى اعتبار المسؤولية الشخصية حالة “كاذبة” من حالات المسئولية “البدائية”.   وكل ما يمكن أن يقال هو أن العقلية المعقولة كانت شكلاً “كاذبًا” من العقلية السابقة للعملية “السابقة للمنطقية” وأن الأخلاق المستقلة كانت حالة مخففة من حالات الديانات البدائية.   نحن نرى, على العكس من ذلك, أنه لو أن ظاهرة التربية أمكن اعتبارها فعلاً تقوم بغرس جرثومة أصول الظاهرة الاجتماعية فإن المسؤولية الشخصية هي النتيجة الطبيعية للمسؤولية المادية, بنفس الطريقة التي يفسح بها قسر التطابق مكانًا للتعاون يقوم على التباين الاجتماعي والفردية.   على ذلك, فإن ضعف المسؤولية المادية والانتقالية لا يرجع سببه فقط إلى أن الرحمة والإنسانية بقومان بضبط العقوبات, وإنما إلى أن الآراء الخاصة بالجريمة الإرادية بل وإلى أن العقوبة التكفيرية تفقد كل معنى لها في دائرة الأخلاق الذاتية.   أما الأفكار الخاصة بالذنب والعقوبة فتنتج في الوقت نفسه من تلك الخاصة بالواجب والعدل, والصواب والخطأ.

 

ولذلـك يميل لأن تربط الأخلاق كما ميزهما فوسونيه باتجاهين عقليين عامين وبنوعين من الأخلاق اعتدنا عليهما.   أما الانتقال من أحدهما إلى الآخر فلم يحدث صدفة بل إن التطور الذي تم بينهما كان متحدًا مع مجموعة التغيرات النفسية والاجتماعية التي تميز مرحلة الانتقال من التطابق الديني للمجتمعات “البدائية” حتى الاتحاد القائم على المساواة في الوقت الحاضر.   فالغيرية التي تسير جنبًا إلى جنب مع القسر تنتج المسؤولية المادية كما أن الذاتية التي تسير مع الاحترام المتبادل مع التعاون تنتج المسؤولية الشخصية.   أما عن أخلاق التعاون فإن جراثيمها تقوم في كل مجتمع ولكنها مكبوتة بسبب القسر السائد في المجتمعات التي تخضع لقهر السلطة.   في حالة المجتمعات الحديثة, يسمح “تنوع” الأعمال التي يقوم بها الأفراد و”الوحدة العضوية” لكل أفراد المجتمع أن تنتشر بذور التعاون، وهكذا تتحول المسؤولية.

 

والآن ننتقل إلى مناقشة فوسونيه بشكل أدق حتى نختار بين نوعي التفسير.   وإذا كان فوسونيه قد كشف لنا عن الفرق بين آرائنا وبين الآراء التي كانت سائدة في الأزمنة البدائية فإنه حاول أن يخفف من هذا الفرق بأن بحث عن أدلة للمسؤولية المادية, وعن بقايا الآراء القديمة في عصرنا الحاضر.  لذلك نجد فوسونيه في حديثه عن المدرسة الإيطالية فى التشريع، التي تعد المجرم فاسدًا أصلاً والمجتمع غير مسئول عن حالته, يقول : “إن المسؤولية لا يمكن أن تتجدد أو تدعم عن طريق غير طريق الرجوع إلى مصدرها هي نفسها” (ص344).   على هذا, فإن مسؤولية المجتمع في حالة السكير المجرم يمكن مقارنتها بمسؤولية الأسرة في حالة ارتكاب الفرد للمحرمات.   إلا أننا نخشى في هذه النقطة من وجود بعض اللبس, فإذا كانت المجتمعات البدائية تعتبر المسؤولية جماعية, فهي تفعل ذلك لكي توسع الدائرة التي تطبق فيها الجزاء.   يؤدي هذا إلى تحسين القصاص, ويزيد من النفوذ الغامض للتكفير.  ولكن الرأى الحديث القائل, على العكس من ذلك, بمسؤولية المجتمع عن جريمة ارتكبها أحد أفراده يبين السبب في مسؤولية الأخير, ويضعف من عقابه.   ففي اعتبار السكير ضحية فوضى المجتمع نحاول أن نرفع عنه كل قصد، وعلى وجه التدقيق أن نخلص عمله السيء من كل عنصر من عناصر الجريمة, ومن الطبيعي أن نجد آثار المسؤولية بيننا الآن.   ففي حالة الحرب, مثلاُ, تعتبر الأمة كلها مسؤولة عن أخطاء حكامها, أو في الدين حين تعتبر الإنسانية كلها تستحق الدمار من أجل خطايا أجدادها الأول, فهذه من غير شك حالات للمسؤولية الجماعية ولكن هذه الأحكام لا تصدر عادة عن شعور جماعي بل ينبغي اعتبارها بقايا أو حالات نكوص أكثر منها “حالات تجديد للمسؤولية”.

 

هناك بحث آخر لفوسونيه يري فيه أن القانون الجزائي/قانون العقوبات يحتم وجود جسم للجريمة, ولكن هذا ظرف ذو طبيعة عملية أكثر منه قاعدة مثالية يتمسك بها الشعور الجماعي.   فلو أن القضاة يستطيعون حقاً أن يسبروا غور القلوب بنفس الدقة, أو حتى بشكل أدق مما يستخدمونه الآن فى التدليل على الحالات البسيطة للحقيقة, إنهم إن استطاعوا ذلك دون أن يتعرضوا لأي خطأ فإنهم يستطيعون أن يكشفوا الحجاب عن الدافع القائم وراء العمل.   عندئذ فإن الدافع على الجريمة نفسه هو الذي يستحق العقاب من غير شك.

 

ونظراً لأن العدل يواجه نقصًا يجعله معرضًا للخطأ لذلك يقصر نشاطه على الأعمال المادية، ولا يرجع ذلك إلى أى قاعدة إيجابية من قواعد المسئولية الموضوعية ، ومع ذلك فإنه يواجه صعوبات كافية في هذا الميدان المحصور.  باختصار, فإن المسؤولية الحديثة تميل لأن تكون فردية خالصة وشخصية خالصة، ولكن علينا أن نسير إلى أبعد من ذلك، فهناك اختلاف بين الفكرة البدائية عن المسؤولية وبعض الآراء القائمة فى هذا الموضوع، وهذا الاختلاف ليس في الدرجة فحسب بل وفي النوع؛ ففي الحالة الأولي نجد أن العقوبة هى فكرة أخلاقية بلا نزاع.  ولما كانت الآراء البدائية كلها واقعية فإن العقوبة نظرًا لعجزها عن التمييز بين النفسي منها والطبيعي فإنا نجدها بادئ ذي بدء ذات معنى سحري وصوفي.  والجريمة نظرًا لأنها مركز لفساد طبيعي ونفسي فإن عقوبتها لها مؤثرات مادية وروحية. وقد أصبحت هذه الآراء غريبة تمامًا عن مجرى تفكيرنا فيما عدا الآراء الدينية.  وفي الوقت نفسه فإن الرأى القائل بأن العمل الطيب يستحق المكافأة والسيء يستحق العقاب هو رأي مازال عظيم الانتشار. وهذا الرأي الذي يمتزج بسهولة مع الرأي القائل بالمسؤولية الشخصية؛ فإنا نسمع باعتباره نتيجة للآراء الأولية والموضوعية وشبه المادية عن المسؤولية . لكنا قد نوافق في الوقت نفسه على أن معظم هذه الآراء قد تحرر منها علماؤنا المعاصرون؛ إذ يري الكثيرون أن الخير يجب أن يطلب لذاته، بل إن العقوبة غير أخلاقية أيًا كان نوعها.  فإذا اتفقنا مع فوسونيه على توحيد فكرة المسؤولية مع فكرة العقاب فإننا نتفق مع القلة فقط في الكلام عن “المسئولية المخففة” ولكن هؤلاء يفصلون بين المسؤولية والعقاب، ويرفضون فكرة العقوبة بنفس القوة التي تؤيد بها فكرة المسؤولية.  طبيعي أن يجب أن نميز هنا بين وجهتي النظر الأخلاقية والقانونية؛ فمن الناحية القانونية الخالصة ربما كانت العقوبة ضرورية للدفاع عن المجتمع، ولو أن الكتاب المحدثين ممن تناولوا هذا الموضوع يميلون إلى وضع فكرة إعادة التربية الاجتماعية وإعداة التوافق فوق فكرة العقاب.  أما من الناحية الأخلاقية فإن هناك دائمًا شيئًا مهمًا حول فكرة العقوبة، وأقل ما نقوله عنها أنها تجعل عودة ذاتية الضمير مستحيلة. ويجب أن نذكر هنا دفاع جيو Guyau فهو وإن أعوزه بعض العمق فإن نفس التهمة يصعب أن نلصقها بإحدى الإجابات الضرورية التي وجهت ضد أخلاق كانت.  فهذه ككثير غيرها قد سارت إلى منتصف الكريق المؤدي إلى الذات الحقيقية ونعنى به النظام الأخلاقي عند روه F.Rauh .

 

باختصار, فإن المسؤولية الداخلية تسير جنبًا إلى جنب مع ذاتية الضمير التي تنتج من علاقات التعاون وهي لم تشتق فى بساطة من نوع المسؤولية التي تحددها فكرة العقوبة التكفيرية، وبالتالي من القسر والغيرية، وإنما نشأت من نوع جديد من الاتجاهات العقلية الأخلاقية التي حلت محل الاتجاه العقلي العتيق الذى عدل عنه لضعفه.  وكون الحادثتين متعاصرتين في الزمن يجب ألا يسمح بإخفاء الفرق بين طبيعتيهما.

 

ولنختتم هذا البحث بأن القسر الاجتماعي والتعاون يؤديان إلى نتائج لا وجه للمقارنة بينهما.  وهذه النتيجة عظيمة الفائدة عندنا فيما يلي من موضوعات.  فللقسر الاجتماعي على الفرد نتائج مشابهة لقسر الراشد على عقل الطفل.  ونقصد بالقسر الاجتماعي هنا أي علاقة اجتماعية يدخل فيها عنصر السلطة، وهو لا ينتج من العلاقة المتبادلة بين فردين متساويين مثل علاقة التعاون.  وأكثر من ذلك فإن الظاهرتين ظاهرة واحدة وشيء واحد، والرائد الذي يقع تحت سيادة الاحترام من جانب واحد بالنسبة  “للمسنين” هو بعينه الذي يسلك بالنسبة للتقاليد مسلك الأطفال.   ونستطيع أن نؤكد أن واقعية الآراء البدائية عن الجريمة والعقاب هي في بعض النواحي استجابة طفولية؛ فالعالم الأخلاقي والطبيعي عند الرجل البدائي شئ واحد، والقاعدة هي قانون طبيعي وهي فى الوقت نفسه قاعدة أخلاقية.  ولهذا فإن الجريمة تهدد كيان العالم ويجب بطريقة خفية أن نقوم بعملية تكفير مناسبة تقضي عليها قضاءً تاما. ولكن فكرة أن القانون طبيعي وأخلاقي معا هي فكرة الطفل عن العالم؛ فهو تحت تأثير قسر الرائد لا يستطيع أن يري قوانين الكون الطبيعية إلا في شكل نوع من الطاعة تقوم بها الأشياء بالنسبة للقواعد. أمّا عن الآراء الخاصة بالعقوبة والتكفير فكيف أمكن أن تنتشر هكذا فى مجتمع الراشدين لو أن الناس لم يكونوا أطفالاً باديء الأمر ـ ولو أن الطفل لم يكن فى بداية نموه العقلي يحترم قرارات الراشد بتوبيخه أو عقابه.  على العكس من ذلك, فإن الفرد تحت تأثير التباين الاجتماعي والتعاون قد نقص عنده بالتدريج الخضوع لعبادة الماضى للامتثال قد تركت مكانها للظاهرات التي هي نتيجة التعاون، وهكذا نجد أن ذاتية الضمير قد حلت محل الغيرية، ومن هنا نجد التغيرات التي درسها فوسونيه في ميدان المسؤولية والنقد الذي وجه ضد فكرة العقاب التكفيري نفسها.  وهكذا نجد أن المسؤولية الداخلية الخالصة التي تلوم نفسها لعدم الوصول إلى مثل أعلى معين تلي المسؤولية التي ولدت نتيجة استجابات الجماعة.  حقيقة أن هذه المسؤولية الداخلية تبقي ظاهرة اجتماعية وما لم يتعاون الأفراد فإن الضمير يبقي جاهلاً بفكرة الحق والإحساس بالخطيئة ولكن هذه ظاهرة من مرتبة مختلفة من حقائق القسر وإن كانت داخلية بطريقة ما في حالة التوازن التي يتجه نحوها تاريخ المسؤولية كله.

 

#كمال_شاهين