ليس على المسلم حرج


ليس على المسلم حرج

أرسل إلينا سيادة الأستاذ ضياء الجبالي رسالة يذهب فيها إلى التالي:

1.    أن مناقشة الفقه الإسلامي القديم تستوجب توفر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقوا في البناء, و

2.    أن وقوع العلماء في هفوة؛ أو زلة؛ أو سقطة؛ لا يضر ولا يؤثر على ماقدمه العلماء من إيجابيات وإنجازات, و

3.    أننا لم نترك بشرورنا لا القرآن, ولا السنة, ولا جميع كتب الإسلام,  وبحقد, وعداء, وتربص, وشتائم, وتشكيك, وبهجوم وتهجم لم يسبقنا إليه أعدى أعداء الدين الإسلامي الحنيف, و

4.    أن هدم جميع ما سبق من بناء بزعم إعادة البناء هو الجنون بعينه.

خالص الشكر والتقدير لسيادة الأستاذ ضياء الجبالي على كريم رسالته, ولي تعليق,

1.    تمامًا مثلما لا يهتم عالم من علماء الكيمياء بتوفر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقوه في البناء عند مناقشة نظرياتهم, فإن لا أحد هنا يهتم, على الإطلاق, بموضوع توفر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقونا في البناء عند مناقشة أعمالهم.  فكرة الأدب والتأدب عند نقاش الإنتاج العلمي لعالم من العلماء فكرة لا مكان لها في “العلم” تمامًا مثلما لا يوجد مكان في “العلم” لإساءة الأدب.  المسألة ليست شخصية.  في العلم لا أحد يهتم بـ”شخص” عالم وإنما الكل يهتم بـ”إنتاج” هذا العالم.  الإشارة إلى الطبري على أنه “أحمق” لا تتعلق بالطبري “شخصيًا” وإنما تتعلق بإنتاج الطبري.  لا أحد هنا رأى أو سمع الطبري, وإنما الكل رأى ما أنتجه الطبري.  وما أنتجه الطبري هو فهم “بدائي” لكتاب الله.  

2.    المسألة لا تتعلق بهفوة هنا أو زلة هناك لا تؤثر على ما قدمه الطبري أو غيره من قدماء المفسرين, وإنما تتعلق بـ”نوع التفكير” الذي يستخدمه الطبري – وغيره من قدماء المفسرين – في فهم كتاب الله.  يستخدم الطبري – وغيره من قدماء المفسرين – نظام إدراك بدائي لا يختلف قليلاً أو كثيرًا عن نوع نظام الإدراك المستخدم لدى الإطفال الأوروبيين أقل من ست سنوات.

3.    الهجوم على الإنتاج الفكري لقدماء المفكرين الإسلاميين, من كتاب سيرة, ومحدثين, ومفسرين, ليس هجومًا على كتاب الله.  والقول بأن الهجوم على كتاب البخاري هو هجوم على كتاب الله هو قول لا يقول به مسلم.  

4.    هناك “فرق” بين كتاب الله, وبين كتاب البخاري, أو كتاب الطبري, أو كتاب ابن هشام.  كتاب الله كتاب جاءنا من عند الله.  كتاب البخاري جاءنا من عند البخاري وليس من عند الله.  صدرت كتب البخاري, والطبري, وابن هشام, وغيرهم بدءًا من القرن الثالث الميلادي.   تمثل هذه الكتب محاولة أبناء القرن الثالث الهجري – والرابع والخامس – فهم كتاب الله.   القول بأن هذه المحاولة هي المحاولة الوحيدة الصحيحة هو قول لا يرضاه الله.  لم يرسل الله كتاب الله من أجل أن يفهمه أبناء القرن الثالث الهجري وحسب.  القول بأن فهم أبناء القرن الثالث الهجري هو الفهم الصحيح الوحيد وغيره فاسد إنما يعني أن فهم القرن الثالث الهجري هو فهم مقدس.  في الإسلام, يوجد كتاب مقدس ولا يوجد فهم مقدس.  القول بأن فهم كتاب الله بدون هذه الكتب غير ممكن معناه أن أبناء القرن الأول الهجري لم يكونوا يفهمون كتاب الله حيث إن هذه الكتب لم تكن قد كتبت بعد.  والقول بأن هذه الكتب إنما “تسجل” فهم أبناء القرن الآول الهجري إنما هو ادعاء لا دليل عليه.  من أين لأي منا أن يقدم لنا الدليل على أن هذه الكتب قد حفظت لنا فهم أبناء القرن الأول الهجري؟  ثم حتى لو قام الدليل على أن هذه الكتب تمثل فهم أبناء القرن الآول الهجري – وهو ما لم ولن يحدث – فمن قال لنا بأن فهم أبناء القرن الأول الهجري هو الفهم الصحيح الوحيد وغيره فاسد؟  نحن قوم لا يوجد بين أيدينا “كتاب فهم الله” ولا “كتاب فهم رسول الله”.   نحن قوم لا يوجد في أيدينا سوى كتاب الله.   ولسوف تمر السنين.  عشرات, أو مئين, أو ملايين.  بل قد يقدر الله علينا الانتقال من هذه الكرة التي نعيش فوقها إلى كرات أخرى في مجرات أخرى.  فهل كتب الله علينا أن “نتبع” الطبري ملايين ملايين السنين, بل إلى أبد الآبدين؟   هل يمكن لمن آمن بالله, وبأن محمدًا رسول الله, وبأن القرآن كلام الله, أن يخبرنا بأن هذا هو ما قال الله؟  ولم يكتب الله على عباده اتباع الطبري وإنما أمرنا باتباع محمّد بن عبد الله.

وإن الحمد لله, والشكر لله, على ما آتانا وما لم يؤتنا, وما أعطانا وما لم يعطنا.  ولقد أعطانا فأفاض العطاء.

يقول سيادة الأستاذ ضياء الجبالي:

“من ظواهر وأدلة تخلفكم العقلي الواضح والمؤكد أنكم تطلقون الألقاب والمناصب والدرجات على حسب أمزجتكم الشخصية وأي متحدث يراسلكم تسمونه فضيلة الشيخ وكأن لقب فضيلة الشيخ هذا منحة تمنحونها لمن يرد عليكم.  من قال لكم إنني شيخ؟  أنا لست شيخاً ولا كل من تنادونهم بأصحاب الفضيلة من أصحابكم يمتون أصلاً للفضيلة بأية صلة ولقب شيخ أو صاحب الفضيلة ليس منحة, ولا هبة, ولا عزومة, ولا مجاملة.  تمامًا مثل منحكم ألقاب أصحاب الفضيلة لجميع أصحابكم الذين يشاركونكم في موالد الزار التي تقيمونها في مركزكم, “مركز تدمير (لا تطوير) الفقه الإسلامي.

بالطبع لكل عالم هفوة؛ أو زلة؛ أو سقطة؛ ولكن هذا لا يضر ولا يؤثر على ماقدمه العلماء من إيجابيات وإنجازات.  ومناقشة الفقه الإسلامي القديم تستوجب, بداية, وجوب توافر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقوا في البناء.  أنتم لم تتركوا بشروركم لا القرآن, ولا السنة, ولا جميع كتب الإسلام.  وبحقد, وعداء, وتربص, وشتائم, وتشكيك, وبهجوم وتهجم لم يسبقكم إليه أعدى أعداء الدين الإسلامي الحنيف.  أما تسفيه جميع الاجتهادات والجهود السابقة بتصيد الأخطاء فهو من السفاهة, وأما هدم جميع ما سبق من بناء بزعم إعادة البناء فهذا هو الجنون بعينه.

ضياء الجبالي

23 مارس 2017   

مرة أخرى, خالص الشكر لسيادة الأستاذ ضياء الجبالي على كريم رسالته.   أدعو الله أن أكون قد أوضحت أن كتب أهل العلم والنظر من أهل السنة والجماعة ليست جزءًا من دين الله.  وليس على المسلم حرج في أن يضعها في مكانها الذي تستحقه في متاحف التاريخ الثقافي للشعوب البدائية.   

كمال شاهين 

#تطوير_الفقه_الاسلامي

23 مارس  2017

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

Advertisements

يسرني في هذا الصدد أن أخبرك بألا تسأل عمن قال وإنما عما قيل


يسرني في هذا الصدد أن أخبرك بألا تسأل عمن قال وإنما عما قيل

تعليقًا على رسالة “ليس على المسلم حرج”, أرسل إلينا سيادة الأستاذ ضياء الجبالي رسالة تناول فيها عددًا من النقاط:

·       يتساءل سيادته عما إذا كنا  مسلمون حقا, و  

·       يخبرنا أننا نخوض بغباء أو بمكر في موضوعات أقرب ما تكون إلى الكفر الصريح البين, و

·       أننا نزعم وندعي في نفس الوقت أننا مسلمون, و 

·       يتساءل عن هذه الازدواجية وهذا الفصام الذي ننشره, و 

·       كيف يتباهى حمقنا مثلاً في أن نقول “ليس على المسلم حرج” والآية تقول *لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ* وصدق العزيز الحكيم, و

·       أن قولنا هذا يعني أننا نصف المسلم بأنه أعمى, أو أعرج, أو مريض, و 

·       أن الأولى طبعًا أن نتحدث عن أنفسنا فقط وأن نصف أنفسنا بأنه ليس علينا حرج, و 

·       يتساءل عمن أفتى لنا بأن كتب شرح القرآن أو شرح الدين هي منزلة من عند الله, و 

·       أننا نكذب الكذبة, ثم نناقشها, ثم نفرح أننا انتصرنا بخيالنا المريض على الهبل الذي نناقشه تمامًا كمن يحارب طواحين الهواء ثم يدعي الحكمة وأنه انتصر على الرياح, و

·       أننا جميعًا ندعي الحكمة, والفلسفة, والعلم رغم جنوننا, وحمقنا, وجهلنا, وهبلنا المدقع المؤكد, و

·       أن كل منا يقارن نفسه بأئمة كتب الأحاديث والتفسير ويزعم بجنون العظمة ونزعات الترللّي أنه أفضل من جميع من سبقوه من العلماء, و 

·       أننا لم نقنع أي أحد ولا حتى أنفسنا بفكرنا الأجوف وديننا الجديد اللهم إلا من وافق هواهم, وشطحاتهم, وفكرهم, فكرنا المريض, و

·       يسر سيادته في هذا الصدد أن يؤكد لعنايتنا أننا لسنا أكثر من مرضى بجنون العظمة, وفساد الفكر, والعقيدة, والمنهج.

خالص الشكر والتقدير لسيادة الأستاذ ضياء الجبالي على كريم رسالته.  ولي تعليق.

أمل أن تساعد القائمة أعلاه سيادته على إدراك أن النقاط التي عرض لها في رسالته الكريمة تتعلق جميعها – باستثناء نقطة “ليس على المسلم حرج” – بـ”شخصية” من يكتبون في هذا المركز وليس بما يكتبونه.  كما سبق أن بينا, لا يهتم أحد هنا بشخصية أي أحد هنا.  عندما نكتب إلى الأستاذ ضياء الجبالي عن موضوع ما فإن كل ما نكتب عنه لا يخرج عن موضوع ما نكتب عنه.  كذلك نتوقع ممن يكتب إلينا أن يحدثنا فقط عما نكتب عنه وليس عن شخصياتنا.  كلنا هنا مقتنعون تمامًا بأن ما نكتب عنه أهم ملايين المرات من شخصياتنا.   حقيقة الأمر, الحديث عن الشخصيات تضييع وقت.  ولا تسأل عمن قال وإنما عما قيل.

أدعو الله أن يستمر سيادة الأستاذ ضياء الجبالي في الكتابة إلينا.  نقدر تمام التقدير اهتمام سيادته بما نكتبه, إلا أننا نرجو ألا يكتب سيادته عنا وإنما عما نكتبه.  أن يوضح لنا أين أصبنا – لا بد أن نكون قد أصبنا في نقطة هنا أو نقطة هناك.  لا يمكن أن نكون قد أخطأنا في كل كلمة كتبناها – وأين أخطأنا.   أؤكد لسيادته أن الحق حصحاص وأن الناس ليسوا أغبياء.  أي أنهم يستطيعون تمييز الصواب من الخطأ حتى لو أخذ ذلك بعض الوقت.  وكما يقول المثل “يمكنك أن تخدع كل الناس بعض الوقت, كما يمكنك أن تخدع بعض الناس كل الوقت, إلا أنك لا يمكنك أن تخدع كل الناس كل الوقت”.  

استطاع الفقه السني القديم أن يخدع كل المسلمين من ساعة أن ظهر إلى يوم الله هذا – ما زال الأزهر الشريف يدرّس البخاريّ, والطبريّ, والواحديّ, والطحاويّ, ومئات غيرهم من أهل العلم والنظر من أهل السنة والجماعة, رضي الله جل ثناؤه عنهم وأرضاهم أجمعين – إلا أنه لن يخدع كل المسلمين كل ساعة إلى ساعة أن تقوم الساعة.  ولسوف يأتي اليوم الذي يدرك فيه المسلمون أن الفقه الاسلامي القديم ما هو إلا منتج ثقافي تم إنتاجه بواسطة نظام إدراك بدائي أنتجته ثقافة بدائية على خلفية أوضاع اجتماعية شديدة التردي والانحطاط.  ولسوف يأتي اليوم الذي يزيل فيه الفقه الإسلامي الجديد الصدأ والتراب الذي أهاله الفقه السني القديم على كتاب الله.  عندها, بإذن الله, سوف تظهر الألماسة التي أرسلها الله إلى محمّد بن عبد الله لتضيء الكون كله.

يقول الأستاذ ضياء الجبالي:

“سؤال بسيط ؟ هل أنتم  مسلمون حقاً ؟؟

أراكم تخوضون بغباء أو بمكر ؟ في موضوعات هي أقرب ما تكون إلى الكفر الصريح البين ؟

ثم أراكم وفي نفس الوقت تدعون وتزعمون أنكم مسلمون ؟؟ فما هذه الإزدواجية ؟ وما هذا الفصام ؟ الذي تنشرونه ؟؟

كيف يتباهى حمقكم مثلاً في أن تقولوا : ليس على المسلم حرج ؟؟

والآية تقول : لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ؛؛ وصدق العزيز الحكيم ؛؛

قولكم هذا يعني انكم تصفون المسلم بأنه : أعمى أو أعرج أو مريض ؟؟

الأولى طبعاً والأجدر أن تتحدذوا عن أنفسكم فقط ؛ تصفوا أنفسكم فقط بأنه ليس عليكم حرجاً ؟؟

ثم من الذي أفتى لكم بأن كتب شرح القرآن أو شرح الدين هي منزلة من عند الله ؟

أنتم تكذبون الكذبة ؟ ثم تناقشونها ؟ ثم تفرحون أنكم انتصرتم بخيالكم المريض على الهبل الذي تناقشونه !؟

تماماً كمن يحارب طواحين الهواء ؟ ثم يدعي الحكمة وأنه انتصر على الرياح ؟؟

والمضحك أنكم جميعاً تدعون الحكمة والفلسفة والعلم !؟ رغم جنونكم وحمقكم وجهلكم وهبلكم المدقع المؤكد !؟

وكل منكم يقارن نفسه بأئمة كتب الأحاديث والتفسير ؟ ليس هذا فقط بل كل منكم يزعم بجنون العظمة ؟ ونزعات الترللي ؟ أنه أفضل من جميع من سبقوه من العلماء ؟ رغم أنكم لم تقنعوا أي أحد ٍ؟ ولا حتى أنفسكم !؟ بفكركم الأجوف ؟ وبدينكم الجديد ؟ اللهم إلا من وافق هواهم وشطحاتهم وفكرهم ؛ فكركم المريض ؟؟


ويسرني في هذا الصدد أن أؤكد لعنايتكم ؛ أنكم لستم أكثر من مرضى بجنون العظمة وبفساد الفكر والعقيدة والمنهج 

ولذلك فبالفعل وكما قلتم : فليس عليكم حرج”   انتهى 

وإن الحمد لله, والشكر لله, على ما آتانا وما لم يؤتِنا, وما أعطانا وما لم يعطِنا.  ولقد أعطانا فأفاض العطاء.

كمال شاهين

25 مارس 2017

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

أحاديث الحاج محمّد إسماعيل لا تلزم مسلمًا,ولا يصح لمسلم أن يقول إنها تلزم مسلما


أحاديث الحاج محمّد إسماعيل لا تلزم مسلمًا,

ولا يصح لمسلم أن يقول إنها تلزم مسلما   

تعليقًا على رسالة “عندما يصبح أصح كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب الله” أرسل إلينا فضيلة الشيخ الطحاينة هذه الرسالة.  يقول فضيلته:

“الأستاذ الفاضل,

سواءً رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول سورة النور المباركة أو رجم بعدها فالنتيجة  واحدة وهي: أنه رجم أي أنه رجم بمعنى أنه رجم.  أي أنك لا تستطيع أن تنكر أنه رجم الزاني.   والحديث ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الرجم مطلقاً ولا ينفعك أن تذكر موضوع عاشوراء لأن الناس لا يزالون يصومون عاشوراء حتى اليوم.  وادعاؤك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قلد أهل الكتاب ثم لم يرجم بعد فهذا ادعاء لا بد عليه من دليل, ولن تأتي بالدليل حتى يلج الجمل في سم الخياط لأن التواتر العملي عند المسلمين والإسلاميين من أولهم إلى آخرهم يؤكد وجود الرجم ولا يستطيع عاقل إنكاره إلا من يحب إنكار البدهيات ككتاب مجموعتك.  ومن الغريب أنكم تقرون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتبع أهل الكتاب فيما لم يؤمر به ثم لا ترونه صلى الله عليه وسلم أهلاً لأن تأخذوا الشرائع عنه, فمن هو الأولى بالتقليد والاتباع؟   ثم إن ادعاءك بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اتباعاً لأهل الكتاب هو ادعاء خطير مخيف.  أنت تدعي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل بغير إذن من الله تعالى.   الخلاصة مرة أخرى أن حكم الرجم ثابت يقيناً كما الشمس في رائعة النهار ولا ينكره عاقل.   وأخيراً فإن حكم الرجم لا يناقض القرآن العظيم فالسنة لا تناقض القرآن العظيم مطلقاً.  أي لا يمكن أن يقول القرآن العظيم بالجلد ثم تقول السنة لا يجوز الجلد.   كل ما في الأمر أن الحكم الشريف بالرجم جاء زائداً على حكم الجد الذي نزل في سورة النور المباركة.  تماماً كما أن الله تعالى أمر بالصلاة عند دلوك الشمس إلى غسق الليل وذكر صلاتين في القرآن العظيم وجاءت السنة المشرفة بذكر خمس صلوات وبينت هيآتها.  أرجو أن يكون كلامي واضحاً.”    انتهى كلام فضيلته

خالص الشكر لفضيلة الشيخ الطحاينة على كريم رسالته.  ولي تعليق.

المسألة ببساطة, بمنتهى البساطة, أن الله أخبر البشرية بأن عقوبة الزنا في العلن هي الجلد على حين يخبرنا رجل طيب اسمه الحاج محمد اسماعيل بأن الله أخبر البشرية كلها بأن عقوبة الزنا في العلن هي القتل.  جاء كلام الله في كتاب الله.  جاء كلام الحاج محمد اسماعيل في كتاب صحيح البخاري.  أيهما يصدق المسلم؟  يذهب مركز تطوير الفقه الاسلامي – بكامل أعضائه – إلى أن المسلمين يؤمنون بما جاء في كتاب الله.    هل يذهب فضيلة الشيخ الطحاينة إلى أن المسلمين يؤمنون  بما جاء في صحيح البخاري؟    المسألة بسيطة جدًا.  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المسألة ببساطة, بمنتهى البساطة كذلك, أن دليلي على صحة ما أقوله هو أن هذا هو ما يقوله كتاب الله, ودليل شيخنا الفاضل على صحة ما يقوله هو أن هذا هو ما يقوله كتاب الحاج محمد اسماعيل.  كتاب الحاج محمد اسماعيل مليء بأحاديث يطمئن لها قلبي, وأرتاح لها, أما حديث قتل الزانية هذا فهو حديث لا يطمئن له قلبي ولا أرتاح إليه, وعلى هذا فلا آخذ به.  أما كتاب الله فهو مليء بآيات يطمئن لها جميعا قلبي وقلب فضيلة الشيخ الطحاينة, ويرتاح لها جميعا قلبي وقلب الشيخ الطحاينة.  فضيلة الشيخ, دعنا من هذا الحديث, فهو حديث لا يطمئن له قلبي.   دعنا نأخذ بما يطمئن له قلبك وقلبي.  دعنا نأخذ بكتاب الله.  فضيلة الشيخ الطحاينة, دليلك لا يلزمني ودليلي يلزمك ويلزمني.  أحاديث الحاج محمد اسماعيل لا تلزم مسلمًا, ولا يصح لمسلم أن يقول إنها تلزم مسلما.    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كمال شاهين 

#تطوير_الفقه_الاسلامي

ادعموا صفحتكم بالنشر و المشاركة https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

4 فبراير 2013

عندما يكون العقل شرطًا لدخول دين الله على الرغم من أن دين الله لا يؤخذ بالعقل


عندما يكون العقل شرطًا لدخول دين الله على الرغم من أن دين الله لا يؤخذ بالعقل

تخيل أنك تتحدث مع إنسان يخبرك بأن العقل شرط من شروط دخول دين الله ثم يخبرك بأن الدين لا يؤخذ بالعقل وأنه لو كان الدين يؤخذ بالعقل لكان المسح على باطن الخف أولى.  تخيل أن العقل شرط لدخول دين  الله على الرغم من أن دين الله لا يؤخذ بالعقل!  أين العقل في دين لا يؤخذ إلا بالعقل على الرغم من أنه لا يؤخذ بالعقل؟  أين العقل في هذا القول؟  لو كان الدين لا يؤخذ بالعقل حيث إن الخف لا يمسح على البطن, فلما اشتراط العقل للدخول في دين الله؟  إما أنه يؤخذ بالعقل أو أنه لا يؤخذ بالعقل.

كمال شاهين 

21. 12. 2012

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

ادعموا صفحتكم بالنشر و المشاركة https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

الشكوى ليست من القرآن, الشكوى من المسلمين


الشكوى ليست من القرآن, الشكوى من المسلمين

أرسل إلينا سيادة الأستاذ الدكتور أحمد عمر سعد رسالة تحتوي مقالاً للكاتب الفلسطيني أحمد أبو رتيمة.  جاءت المقالة بعنوان “مذبحة باكستان وعودة إلى آيات القتال”.  يقول الدكتور أحمد:

“الإخوة المحترمون,

في رايي المتواضع المقال التالي المنشور اليوم لمناقشة الداعشية هو التدليس بعينه. 

ملخص المقال

1.     المشكلة في عالمنا العربي الإسلامي ليست مشكلة دينية بل مشكلة سياسية, و  

2.     الجهاد هو تزكية الذات عبر الانتصار للحق وخوض معارك أخلاقية ضد الظلم, والطغيان, والإفساد, و 

3.     القتال [القرآني] شرع لتنظيم أوضاع كانت سابقةً لنزوله ولم يكن تشريعًا تأسيسيًا موجدًا لحالة جديدة،

         مع أطيب تحياتي.”  انتهى كلام سيادته

خالص الشكر لسيادة الأستاذ الدكتور أحمد عمرسعد على كريم مقالته.  ولي تعليق.

قرأت مقال الأستاذ أحمد أبو رتيمة ووجدت فيه فهما سليما قريبًا – إلى حد كبير – من فهمي لآيات الله كما جاءت في كتاب الله.  يظهر ذلك في قول سيادته إن :

“القتال عملية أخلاقية وليس عمليةً فنيةً تتعلق بإفناء العدو، فلا يحقق مقصد القتال أن تستأجر شركةً أمنيةً على غرار بلاك ووتر لتحقيق أهدافك باحترافية، إنما يتعلق المقصد الأساسي من القتال بدافعية المقاتل أن يكون متجرداً من أهواء الدنيا مقاتلاً في سبيل الله، وسبيل الله هو كل قضية حق, وعدل, وحرية, وسلام, في هذه الحياة”.

كما يظهر في قول سيادته إن الآية الكريمة 

*وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً*   

“تبرز الهدف الخارجي للقتال، وهو هدف إنساني يتجاوز التعصبات القومية والأهداف الدينية الخاصة، فليس هدف القتال إجبار الناس على الإيمان إذ “لا إكراه في الدين”، إنما الهدف الواضح هو الانتصار للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فالقتال هو جبهة أخلاقية عالمية لمواجهة كل قوى الظلم, والاستبداد, والاستكبار, التي تستقوي على المستضعفين”.

المقصد الأساسي من القتال, إذن, هو القتال في سبيل الله أي في سبيل كل قضية حق, وعدل, وحرية, وسلام في هذه الحياة.  والقتال, إذن, هو جبهة أخلاقية عالمية لمواجهة كل قوى الظلم, والاستبداد, والاستكبار, التي تستقوي على المستضعفين.   يمكن القول, بهذا الشكل, إن الفهم الذي يقدمه الأستاذ أحمد رتيمة فهم قد يختلف قليلاً عن فهم أي واحد منا في مركز تطوير الفقه السني إلا أنه لن يختلف كثيرًا.  المشكلة, وهي طبعًا مشكلة, أن الأستاذ أحمد “يتخيل” أنه ببيانه الواضح هذا قد كشف لنا أن القرآن لا يبيح عمليات القتل الدائرة التي يقوم فيها المسلمون بحصد أرواح البشر كما لو كانوا يحصدون عيدان قمح وأن المشكلة, بالتالي, ليست دينية.  والأستاذ أحمد, طبعًا, مخطيء.  والدليل على ذلك موجود على الإنترنت, وما على الأستاذ أحمد إلا أن يراجع “باب الجهاد” ليرى إجماع أئمتنا العظام على قتل كل من لا يؤمن بالله.  

تبين جميع الكتب المعتمدة في الفقه السني القديم, والتي يقوم الأزهر الشريف بتدريسها إلى يوم الله هذا أن على حاكم الدولة المسلمة أن يقوم مرة كل عام على الأقل بدعوة أي “جماعة بشرية” قريبة منه إلى دخول الإسلام, فإذا دخلوا كان بها أما إذا لم يدخلوا فإن عليه أن يطلب منهم مبلغا بسيطا من المال مقابل السماح لهم بأن يبقوا على كفرهم, فإذا دفعوا كان بها أما إذا لم يدفعوا قتلهم, وسبى نساءهم, واستعبد أطفالهم, واستولى على أموالهم.  يحدث هذا في حالة اليهود والنصارى فقط, أما في حالة الوثنيين فيعرض عليهم الدخول في دين الله, فإذا دخلوا كان بها أم إذا لم يدخلوا قتلهم.  غير مسموح في الدولة الإسلامية بإبقاء الوثننيين على قيد الحياة. 

المشكلة, بهذا الشكل, أن الأستاذ أحمد “يتخيل” أن غير المسلمين “يتخيلون” أن القرآن الكريم هو المشكلة.  والآن, وبما أن سيادته قد أثبت براءة القرآن مما يذهبون إليه فعليه تكون المشكلة غير دينية.  والمشكلة دينية, وسوف تستمر إلى أن تتوقف معاهد التعليم الدينية عن تدريس ما يذهب إليه الفقه السني القديم من وجوب قتل اليهود والنصارى إلا إذا دفعوا مبلغًا بسيطا من المال ووجوب قتل الوثنيين وعدم جواز بقائهم على قيد الحياة إلا إذا آمنوا بالله. 

تلزم الإشارة هنا إلى أن موقف الأستاذ أحمد في هذا التفصيل لا يختلف قيد شعرة عمن يبين لمن جاء يشكو من صنوف العذاب التي أذاقتها له شرطة هاييتي أن “ميثاق الشرف لشرطة هاييتي” ينص على أن يبذل رجل الشرطة في هاييتي حياته دفاعًا عن كرامة المواطن الهاييتي.   يا أستاذ أحمد: لا أحد يشكو من “ميثاق الشرف لشرطة هاييتي” وإنما الكل يشكو مما يفعله رجال الشرطة في هاييتي.  لا أحد يشكو من القرآن وإنما الشكوى من المسلمين.  رجاء الاعتراف بأن لدينا مشكلة.  رجاء الانضمام إلى مركز تطوير الفقه السني في الدعوة إلى تغيير مناهج الأزهر ووضع مناهج جديدة تتبنى نوع الفكر الذي يقدمه لنا الأستاذ أحمد أبو رتيمة.  إلى أن يغير الأزهر مناهجه سيستمر القتل على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة, ومذهب الإمام الأعظم مالك, ومذهب الإمام الأعظم الشافعي, ومذهب الإمام الأعظم ابن حنبل, رضي الله جل ثناؤه عنهم وأرضاهم جميعا.  

مقال الأستاذ أحمد أبو رتيمة

“من جديد يقف العالم مصدوماً أمام مشهد دموي مروع يكاد يتحول من كثرة تكراره إلى مشهد اعتيادي، وأمام الصدمة الإنسانية التي يخلفها قتل الأطفال والأبرياء يتساءل من تبقى في قلبه شيء من معنى الرحمة والسلام أي عقيدة تصنع هؤلاء القتلة الذين لا يتورعون عن إزهاق نفوس البشر وسفك الدماء بأي حجة واهية ثم يضيفون إلى جريمتهم جريمةً أبشع حين يكذبون على الله فيزعمون أن الله أمرهم بهذا!  

لا بد من التقرير بدايةً أن حقيقة المشكلة في عالمنا العربي والإسلامي ليست دينيةً بل هي مشكلة سياسية اجتماعية تتمثل في مخزون الاستبداد والظلم وردة الفعل الهوجاء الخاطئة عليه، وما استحضار النصوص سوى تسويغ لواقع اجتماعي سياسي تماماً مثل الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش التي مورست بمباركة الرب إله المحبة! فالثقافة تمارس وعياً انتقائياً تجاه النصوص فتعزز كل نص تشتبه تأييده لمواقفها وتسقط النصوص التي تتناقض مع اتجاهاتها، ولو كانت الأجواء السياسية في بلادنا مشجعةً على السلام والمحبة لراجت النصوص التي تبشر بالسلام والمحبة والتي هي أكثر حضوراً من الآيات التي تتحدث عن القتال، إذاً فالحكم الغالب هو للثقافة وللاعتبارات الاجتماعية والسياسية وليس للنصوص النظرية.

إن القتل الذي تمارسه القاعدة ينطلق من نفس القاعدة النفسية التي يقتل بها الأسد و القذافي و السيسي، وإذا كانت القاعدة تبرر جرائمها بمبررات دينية فإن علمانية القتلة الآخرين يعني أن ثمة سبباً آخر لا علاقة له بتدين أو بعلمانية وهو التربة الخبيثة التي لا يخرج نباتها إلا نكداً.. 

لكن كون المشكلة سياسيةً لا دينيةً لا يعفينا من مواجهة صريحة مع القواعد التأصيلية التي يستند إليها التيار المتطرف فإن كنا عاجزين في هذه المرحلة عن وقف جنون القتل فليس أقل من أن نحرم القتلة من الشرعية التي يسعون لاكتسابها بتبرير جرائمهم بنصوص دينية، وهنا يبرز أمامنا مفهومان قرآنيان حدث حولهما تدليس خطير ومثلت إساءة فهمهما نقطة انطلاق لأشد الأفكار تطرفاً والتي وصلت في نسختها القصوى إلى الدعوة إلى حرب شاملة ضد كل مختلف سياسياً وفكرياً مع معتنقي هذه الأفكار، هذان المفهومان هما: الجهاد والقتال.. 

أما الجهاد فإذا رجعنا إلى أصله اللغوي فهو يعني بذل أقصى الجهد، أي أن معركته الأساسية هي داخل النفس قبل أن تكون خارجها، فكل عمل يقتضي مغالبةً لهوى النفس وانتصاراً عليها جهاد، وبذلك عدَّ القرآن المحاججة الفكرية جهاداً كبيراً لما تتطلبه من صبر وطول نفس على التكذيب والسخرية والإيذاء: “وجاهدهم به جهاداً كبيراً” أي جاهدهم بالقرآن.

فإذا انتقل الجهاد من ميدانه الأول وهو داخل النفس إلى الميدان الخارجي فإنه لا يفقد بوصلته بأن هدفه النهائي يتعلق بتزكية الذات عبر الانتصار للحق وخوض معارك أخلاقية ضد الظلم والطغيان والإفساد، فالجهاد في الإسلام لا يمكن أن يتحول يوماً إلى ترف أو قتل عشوائي، بل هو صيغة عملية للانتقال من الدور التاريخي الذي أدته المسيحية عبر دعوتها للروحانية والرهبانية إلى المبادرة والفعل الخارجي الذي يتطلب تدافعاً بين الأمم والشعوب وواقعيةً لا تتسع لها الرهبانية المجردة.

أما مفهوم القتال فهو أكثر التباساً لأن دلالته اللغوية فيها ارتباط مباشر بالميدان الحربي، لكن هذا الالتباس سرعان ما يزول إذا تأملنا السياق الذي جاءت فيه آيات القتال، فأول آية نزلت في القتال هي: “أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير” وهي آية يتضح فيها أن القتال شرع لتنظيم أوضاع كانت سابقةً لنزوله ولم يكن تشريعاً تأسيسياً موجداً لحالة جديدة، والحديث عن الإذن للمظلومين بالدفاع عن أنفسهم يدل أن السلوك الأمثل الذي كان مطلوباً منهم هو الصبر على الأذى: “ولنصبرن على ما آذيتمونا” لكن رسالة الانطلاق وتأسيس دستور حياة مدنية متكاملة التي جاء الإسلام بالدعوة إليها يتطلب مغادرة مواقع الصبر السلبي والاشتباك مع القوى الظالمة المتنفذة.

هذه أول آية نزولاً في قضية القتال، أما أول آية ترتيباً في سورة البقرة فهي: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين* واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين* فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم”، وقد تعمدت إيراد هذه الآيات المتتاليات لأن هناك من يستدل بآية “واقتلوهم حيث ثقفتموهم” منتزعةً من سياقها ولو كلف نفسه بقراءة الآية التي تسبقها لعلم أنها آية مقيدة وليست مطلقةً فهي تتحدث عن ظروف قتال كان الفريق الآخر هو البادئ به وهناك محدد أخلاقي واضح بعدم الاعتداء لأن الله لا يحب المعتدين.

هذه الآية “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم” ليست مقيدةً للآية التي تليها مباشرةً وحسب بل هي مقيدة لكل آيات القتال في القرآن، والقرآن فيه العام والخاص والمطلق والمقيد، ولا يتصور عاقل ذو فطرة سليمة أن الله يقرر في آية حكماً أخلاقياً ثم ينقض هذا الحكم في آية أخرى إنما يقيد العام بالخاص.     

هناك قاعدة بدهية جداً يسهل ملاحظتها في القرآن الكريم، ورغم بساطتها إلا أنها تنسف كل مزاعم مدرسة العنف والقتل، هذه الملاحظة تتمثل في أننا لو تأملنا كل آيات القتال في القرآن لوجدنا أن القتال يأتي دائماً عكس القعود والجبن وليس عكس السلام، أي أن علة فرض القتال هي دعوة الناس إلى التحرر من الجبن والخوف من الموت على الصعيد النفسي، ودعوتهم إلى كسر إرادة العدو على الصعيد الخارجي، فلو تحقق هذان الهدفان المتمثلان في تحرر المرء من الجبن وهزيمة القوى التي تمارس الظلم والاستضعاف بأي وسيلة أخلاقية فقد تحقق هدف القتال حتى وإن تم ذلك بوسائل سلمية خالصة، والبشر قد تعارفوا على الاستعمال المجازي لكلمة “القتال” فكثيراً ما نسمع عن الذين يقاتلون في سبيل الكرامة والحرية والسلام مثل غاندي ومانديلا دون أن تنصرف أذهاننا إلى أنهم يمسكون أسلحةً ويقتلون أعداءهم إنما يتبادر إلى مخيلاتنا أنهم يصرون على مبادئهم ويتحملون الأذى والسخرية والاضطهاد ويكتسبون كل يوم أنصاراً جدداً بقوتهم الأخلاقية.

للمثال وليس للحصر تأملوا هذه الآيات:

*”كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم”.. هل يتصور عاقل أن الإنسان يكره القتال لأنه سيخلصه من عدوه أم إنه يكرهه لما يمثله له من مفارقة للقعود والسلامة! إذاً هي دعوة للناس لمغادرة ألحفتهم الدافئة والاشتباك في ميدان الحياة والانتصار على أنفسهم التي تدعوهم لإيثار راحة الأجساد على مطالب المعالي. 

بالعكس فإن هذه الآية تمثل شهادةً ضمنيةً لجيل المؤمنين الذين تنزلت عليهم، فهي تنبئ في ثناياها عن ميولهم السلامية التي كرهتهم في القتال رغم كل الثناء الذي أعطته الثقافة القبلية العربية لقيم القتال والسيف والثأر، فأن يخرج جيل من تلك الجزيرة الملتهبة بأشعار الحماسة والبطولة يكره القتال فهذا مؤشر سلام داخلي وهو موقف متقدم بمعايير ذلك الزمان.. 

*”ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون* وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم”.. يتضح من هاتين الآيتين أن الجبن عن المواجهة لن يطيل عمر الإنسان وأن الشجاعة والإقدام لن تقصر الأجل فهي دعوة إلى الشجاعة لا إلى سفك الدماء.

*”وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين”..من جديد تتأكد فكرة أن القتال في القرآن هو عكس الوهن والضعف والاستكانة وأنه شرع ليحرر الإنسان منها..

*”فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً”.. هذه الآية مثل سابقاتها تبين أن القتال عملية أخلاقية وليس عمليةً فنيةً تتعلق بإفناء العدو، فلا يحقق مقصد القتال أن تستأجر شركةً أمنيةً على غرار بلاك ووتر لتحقيق أهدافك باحترافية، إنما يتعلق المقصد الأساسي من القتال بدافعية المقاتل أن يكون متجرداً من أهواء الدنيا مقاتلاً في سبيل الله، وسبيل الله هو كل قضية حق وعدل وحرية وسلام في هذه الحياة. ومن الملاحظ في هذه الآية تقديمه للشهادة على الانتصار، وهذا لا يستقيم إلا في المقياس الأخلاقي الذي يجعل خسارة الحياة في سبيل المبدأ مقدماً على الانتصار على العدو.    

*”وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً”.. هذه الآية تبرز الهدف الخارجي للقتال، وهو هدف إنساني يتجاوز التعصبات القومية والأهداف الدينية الخاصة، فليس هدف القتال إجبار الناس على الإيمان إذ “لا إكراه في الدين”، إنما الهدف الواضح هو الانتصار للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فالقتال هو جبهة أخلاقية عالمية لمواجهة كل قوى الظلم والاستبداد والاستكبار التي تستقوي على المستضعفين.

إن فهم السياق الذي جاءت فيه عموم آيات القتال في القرآن وفهم المعاكس الذي جاءت هذه الآيات لتنقضه ضروري للتفريق بين الروح والشكل، بين الثابت والمتغير، فالثابت في كل هذه الآيات هو أن تصنع إنساناً متحرراً من الوهن والضعف والاستكانة يدافع العدو حتى يثخن في الأرض وتكون كلمة الله هي العليا، أما الشكل فهو متغير ما دامت العلة متحققةً، فإن اختلفت الظروف التاريخية ولم يعد القتال بمعناه الحرفي المباشر حاضراً بنفس المركزية التي كان حاضراً بها زمن تنزل القرآن سواءً في المعارك الداخلية بين المستبد وشعبه أو في المعارك الخارجية بين الدول بحثنا عن وسائل تناسب هذه التغيرات وتحقق فاعليةً أكبر بتكلفة أقل متمثلةً في وسائل سلمية واقتصادية وثقافية وإعلامية حسب طبيعة المعركة التي يفرضها الزمان والمكان.

ما دام هدف القتال حسب التصور القرآني متعلقاً بتحرير نفوس المؤمنين من الوهن والضعف والاستكانة، وتحقيق الانتصار الخارجي عبر كسر شوكة العدو الذي يمارس الظلم والاستضعاف فإن القرآن يكسر مركزية المواجهة العسكرية كونها ليست هدفاً في ذاتها، وهذا ما يتضح في آية الفتح: “وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً”.. في هذه الآية يمتن الله تعالى على المؤمنين ليس فقط في أنه منع عدوهم من إيذائهم بل أيضاً بأنه كف أيديهم عن أعدائهم بعد أن أظفرهم عليهم، والنفس المشبعة بحب القتال لا تفهم أين المنة في أن تتمكن من عدوك ثم لا تشبع رغبتك بقتله وسفك دمه، لكن الروح السلامية السائدة في القرآن جعلت المنة ليست في انتصار فريق وهزيمة فريق آخر، بل في إلغاء المواجهة العسكرية نفسها..

إن كليات القرآن ومبادئه العامة تعطي مركزيةً لعمارة الأرض وإقامة العدل فيها وتجرم الإفساد فيها وسفك الدماء: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”، “ادفع بالتي هي أحسن”، وقد كان تخوف الملائكة الأول من استخلاف الإنسان: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء”، والقرآن يقول مراراً: “ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها”، ويتحدث عن فريق يفسد في الأرض وهو يظن نفسه مصلحاً ليعلي فينا مشعر الحساسية: “وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون* ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون”، بل إن القرآن يعطي المؤمنين درساً تربوياً مكثفاً في السلام عبر التصالح مع كل المخلوقات بتحريم الصيد أثناء الإحرام وفرض كفارة على من يخالف هذا التعليم، والقرآن يغرس فينا حب الطبيعة فيخبرنا أن الجبال والأشجار والطير يسبحن بحمد الله مما يعني أن الإنسان مطالب بصداقة هذا الكون لا بمعاداته، فمن أين يفهم عاقل تشبع بروح العدل والإحسان والإصلاح والسلام التي تبثها مئات الآيات أن يخوض معركةً عبثيةً دون ضوابط من أخلاق تؤدي بالضرورة إلى الإفساد في الأرض والتناقض مع أبسط بدهيات الدين! إن من يفعل ذلك هو بالضرورة إنسان قد انتكست فطرته وتشوه سلامه الداخلي فهو يريد أن يصدر ناره المشتعلة في صدره ليحرق بها الأنام ثم يكذب على الله تعالى الذي يأمر بالعدل والإحسان فيزعم أنه أمره بهذا ليضفي شرعيةً على باطله وإفساده.

إن من يصنع السلام بين الأنام لا بد أن يحقق سلامه الداخلي أولاً فيفيض على الناس من الحب الذي يملؤ قلبه، أما من امتلأ قلبه بالكراهية والانتقام فهو مريض يستحق الشفقة ولن تكفي كل نصوص الكتب وأقوال الحكماء في إقناعه بالسلام لأنه لم يذقه في حياته، ومن لم يذق لا يعرف.”  انتهى كلام سيادته

خالص الشكر لسيادة الأستاذ الدكتور أحمد عمر سعد على كريم رسالته.

كمال شاهين 

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

18 ديسمبر 2014

القصة الحقيقة للثورة المصرية الحلقة الاخيرة – فتح باب التحقيق


القصة الحقيقة للثورة المصرية الحلقة الاخيرة – فتح باب التحقيق

( مدخل : سيادة وكيل النيابة حلمي بك شاهين هو الذي قام أيضًا من تلقاء نفسه بإغلاق باب التحقيق.  وأغلق باب التحقيق.)

مثله مثل أي يوم آخر, كان اليوم مزدحما بالعمل.  أوراق لم يقرأها بعد وتحتاج إلى أن يقرأها, وأوراق قرأها وتحتاج إلى أن ينتهي منها, ومراجعون ينتظرون دورهم في الدخول عليه, وآخرون فضلوا الانتظار أمام باب مكتبه مباشرة, وتليفون لا ينقطع رنينه بشكل متواصل, إلا أن حلمي بك كان مصمما على فتح باب التحقيق فيما رواه الحاج محمود والوصول إلى الدافع الحقيقي الذي دفعه إلى اختراع هذه القصص الوهمية عن الخلفية الحقيقية للثورة المصرية.  طلب حلمي بك من عم سيد أن لا يسمح بدخول أحد إلى المكتب لمدة نصف ساعة كما طلب منه ألا يترك مكانه أمام باب المكتب.  خرج عم سيد وأغلق الباب خلفه وجلس على مقعده بجوار الباب.

أخرج حلمي بك هاتفه المحمول واتصل بنبيل بك رسلان وكيل نيابة شرق القاهرة.  بعد التحية والسؤال عن الصحة سأل حلمي بك نبيل بك عما إذا كان من الممكن أن يطلب منه المساعدة “بصفة غير رسمية” في إحدى القضايا التي ينظر فيها, أو بالأحرى في جانب منها.  أكد حلمي بك, مرة أخرى, أنه يطلب هذا الطلب “بصفة غير رسمية” وسوف يكون متفهما تمام التفهم إذا اعتذر نبيل بك عن التجاوب مع ما يطلبه نظرًا لحساسية الموضوع.  قال نبيل بك إنه لن يتردد في المساعدة إذا كان ذلك ممكنا, كما أنه لن يتردد في الاعتذار إذا كانت المساعدة غير ممكنة.    يعتمد الموضوع, بهذا الشكل, على ما إذا كانت المساعدة ممكنة أم غير ممكنة.

قال حلمي بك إن الموضوع يتعلق بملف اسمه “مدينة إنتاج المعلومات”.  أوضح حلمي بك أنه هو نفسه لم يرَ هذا الملف, وأن الموضوع يتميز بالسرية الشديدة لدرجة أنه لا توجد ورقة واحدة لدى مكتب النائب العام بهذا الخصوص.  بين حلمي بك أن السبب في ذلك يعود إلى أن الأمر يتعلق بما إذا كان جهاز أمن الدولة السابق قد قام بإنشاء جهاز جمع معلومات لا توجد لدى أي جهة في الدولة معلومات تتعلق به.  أي أنه جهاز يقع خارج سلطة الدولة.  ذكر حلمي بك أن مقر هذا الجهاز كان يقع خلف مبنى “الجماعة” مباشرة أسفل مستشفى اسمها “الشفاء والأمل” قبل أن يتعرض لهجوم الثوار في الأيام الأولى من الثورة حين قام الثوار بالهجوم على مقرات جهاز أمن الدولة السابق.   قال نبيل بك إنه لم يسبق له أن سمع عن هذا الموضوع إلا أن السؤال عنه ليس من الصعب.  كرر حلمي بك رجاءه بعدم الإشارة إلى اسمه في هذا الموضوع.  

أنهى حلمي بك المكالمة واتصل باسماعيل بك سالم وكيل نيابة جنوب القليوبية.   ومرة أخرى, بعد التحية والسؤال عن الصحة سأله عما إذا كانت لديه أي معلومات عن هجوم تعرضت له محطة مترو شبرا الخيمة في الأيام الأولى من الثورة.  قال حلمي بك إنه ينظر الآن في قضية ورد فيها أن مجموعة من البلطجية قاموا بالاستيلاء على محطة شبرا الخيمة بهدف شحن قطارات المترو بمتفجرات وقيادة هذه القطارات إلى ميدان التحرير ونسف الميدان بمن فيه.  ذكر حلمي بك أن قوة من ضباط كلية الشرطة تصحبهم كلاب الشرطة قد شاركت في إلقاء القبض على هؤلاء البلطجية وتسليمهم إلى قوات الجيش.  استمع اسماعيل بك إلى حديث حلمي بك وأجاب بأنه لم يسمع عن هذا الموضوع من قبل إلا أن السؤال عنه لن يأخذ أكثر من دقائق إذ لا يمكن أن يمر حدث بمثل هذه الأهمية بدون تسجيل في ملفات النيابة.   شكر حلمي بك اسماعيل بك وأقفل الخط, ودق الجرس ليدخل عم سيد.  طلب حلمي بك من عم سيد أن يحضر فنجانا من القهوة.  لم تأخذ المكالمات أكثر من ربع ساعة.   شرب حلمي بك قهوته وضغط على الجرس مرة أخرى ليدخل عم سيد.  طلب حلمي بك من عم سيد أن يبدأ في إدخال المراجعين واعتدل في مقعده استعدادًا لبدء العمل, وبدا المراجعون في الدخول, والهاتف في الرنين, وبدأت الملفات في الدخول والخروج. 

في حوالي الساعة الرابعة تقريبا رن المحمول.  كان المتحدث هو اسماعيل بك سالم.  قال اسماعيل بك إنه لا يوجد أي ذكر في سجلات نيابة جنوب القليوبية لموضوع الهجوم على محطة مترو شبرا الخيمة.  بين اسماعيل بك أنه تم الاتصال بناظر محطة شبرا الخيمة للتأكد  إلا أن الرجل قال إنه لم يسمع عن هذا الموضوع إطلاقًا وأنه لو كان قد حدث لكان سمع عنه.  شكر حلمي بك إسماعيل بك على اهتمامه وأقفل الخط.

ما كاد حلمي بك يضع الهاتف في جيبه حتى بدأ في الرنين.  كان المتحدث هذه المرة هو نبيل بك رسلان.   قال نبيل بك إنه قام بالسؤال عن الموضوع الذي تحدث عنه حلمي بك وأن لا أحد يعرف شيئًا عن هذا الموضوع.  بين نبيل بك أن هناك احتمال أن السرية المضروبة حول الموضوع قد تكون هي السبب في ذلك.  المؤكد, على أية حال, هو أن هذه العملية لم تتم في المقطم.  ذكر سيادته أنه لا يوجد في المقطم مستشفى باسم “الشفاء والأمل”.  حقيقة الأمر, لا يوجد في المنطقة كلها مستشفى واحد.  كل ما هنالك هو مستوصف في الدور فوق الأرضي في عمارة قريبة من شارع تسعة.   شكر حلمي بك نبيل بك على اهتمامه وأغلق الخط. 

سرح حلمي بخياله بعض الشيء.  المسألة كانت أسوأ مما يتصور.  كان حلمي يتوقع وجود واقعة صغيرة أو حتى تافهة.  خناقة, مثلاً, قام عمه محمود بتضخيمها وتحويلها إلى معركة بين الخير والشر تدخلت فيها قوات الجيش, والشرطة, والثوار, ولا مانع من مشاركة الكلاب والغربان, والسحالي, لإعطائها مسحة “كونية”, إلا أنه لم يكن يتوقع على الإطلاق أن تكون المسألة خيالية من أولها إلى آخرها.  المسألة أسوأ مما كان يتصور.

أنهى حلمي عمله وركب سيارته واتجه إلى منزله.  فتح باب الثلاجة وأخرج بعض الطعام الذي أرسلته معه والدته وقام بتسخينه ثم قام بتشغيل التلفزيون وجلس لتناول الطعام.  كان التلفزيون, كالعادة, يذيع مباشرة من محطة التحرير.  ضحك عندما تذكر أنه لم يُنسف.  الحمد لله على نجاح عملية الليلة الكبيرة.  ما الذي يمكن أن يدفع عمه إلى اختلاق هذه القصة الخيالية؟  ثم ما الذي يمكن أن يدفع ناحية شاهين كلها إلى مجاراته في هذا الموضوع؟   تعلم ناحية شاهين أن لا أحد في البلد سوف يصدق القصص التي يحكيها الحاج محمود.  ثم, مرة أخرى, ما الفائدة؟  ما الهدف من وراء هذه القصص؟   دق جرس الباب وقام حلمي ليفتحه ودخل عبد الفتاح بك وأحمد بك زملاؤه في النيابة.  قال عبد الفتاح بك إنهم حضروا لدعوته إلى العشاء في نادي القضاة بالجيزة.  حمل حلمي أطباق الطعام الذي فرغ من تناوله إلى المطبخ, وخرج لتناول العشاء مرة أخرى.  أي شيء يبعده عن التفكير في قصص الحاج محمود.

في اليوم التالي استأذن حلمي من الشغل وترك العمل بعد صلاة الظهر مباشرة واتجه إلى المقطم.  كان يريد أن يرى المكان بعينيه حتى لا تكون المسألة مجرد “نقل كلام”.  كان الطريق إلى القاهرة, كالعادة, مزدحما وكأن أهل البدرشين قد قرروا الهجرة الجماعية من البدرشين. تطلب المشوار أكثر من ساعة.  لم تخف الحركة إلا بعد أن أخذ الطريق الصاعد إلى المقطم حيث بدأ في السؤال عن الطريق إلى مقر “الجماعة”.    لم يأخذ البحث وقتا طويلا حتى وصل إلى المقر.

كان المقر يقع في منطقة شبه مهجورة تتناثر فيها بعض البنايات.  حقًا, كان المقر يقع بين بنايتين كبيرتين إلا أنه لم يكن يوجد خلفه أي بناية وإنما قطعة أرض فضاء. دار حلمي حول المبنى ولمح سوبر ماركت الراية, وصيدلية, ومحل فول وطعمية, وهذا كل ما في الأمر.  فكر حلمي بك أن المكان مكشوف تماما بحيث إنه لو حدث أن قامت السحالي المصرية بثورتها هنا لرآها كل من يسكنون هذه المنطقة.  لا مكان هنا يمكن أن “تختبيء” السحالي المصرية فيه إلى لحظة الهجوم على مدينة إنتاج المعلومات.  أدار حلمي بك السيارة واستدار عائدًا إلى البدرشين.  لا مجال هنا للسؤال عن “مدينة إنتاج المعلومات”.   السؤال هنا عن مدينة إنتاج المعلومات لن يختلف كثيرًا ولا قليلا عن السؤال عن مصنع فوانيس الذئب السحلاوي.  

في الطريق إلى البدرشين غير حلمي اتجاه السيارة وتوجه إلى محطة مترو شبرا الخيمة.  كان الهدف, مرة أخرى, أن يرى بعينيه.   دخل حلمي بك إلى غرفة ناظر المحطة, وحياه باحترام, وتساءل عما إذا كان لديه من الوقت ما يسمح له بالحديث معه لمدة خمس دقائق فقط.  نظر ناظر المحطة إلى الشاب الواقف أمامه وأدرك أن المسألة لا تتعلق بشكوى من أحد الركاب وإنما بأمر “رسمي”.  قال حلمي بك إنه يسأل عما إذا كانت المحطة قد تعرضت لهجوم من البلطجية في الأيام الأولى من الثورة.  لمعت عينا ناظر المحطة وأجاب باهتمام وحماس ولكن بصوت منخفض أنه سئل نفس السؤال بالأمس من قبل نيابة القليوبية وأجابهم على الفور بالنفي.  قال الناظر إنه على الرغم من أنه نفى الموضوع على الفور فإنه قام منذ الأمس بسؤال “الناس كلها” عن هذا الموضوع إلا أن أحدًا لم يسمع عنه على الإطلاق.  حقيقة الأمر, قال الناظر, إنه أتيحت له الفرصة منذ الأمس للحديث مع نظار المحطات الأخرى وأن لا أحد منهم سمع عن أي هجوم للبلطجية على محطات المترو من شبرا الخيمة إلى التحرير.  شكر حلمي بك ناظر المحطة وخرج إلى الميدان حيث ترك سيارته.

كان الميدان كبيرًا يمتليء بالمحلات, من محلات عصير قصب إلى سندوتشات فول وطعمية, إلى تصوير أوراق, إلى أكشاك سجائر وصحف, إلا أنه لم تكن توجد به مقاهٍ تتسع لجلوس مئات من الثوار انتظارًا لهجوم البلطجية.  ضحك حلمي بك وهو يتذكر حكاية الليلة الكبيرة التي حكاها عمه محمود.  من أين أتى الحاج محمود بكل هذا الخيال؟  أحس حلمي بالحزن حين ارتسم أجمل وجه في الدنيا أمام عينيه, وجه سلمى ابنة عم محمود.  من أين أتى أبو سلمى بكل هذا الخيال؟  لم يكن هناك سوى مقهى متهالك لا يتسع لأكثر من خمسين شخص ارتفعت فوقه يافطة حديثة للغاية باسم “مقهى 25 يناير السياحي”.  ابتسم حلمي عند قراءة الاسم.  قطعًا تيمنًا.  إذا كانت موقعة “الليلة الكبيرة” قد تمت هنا فعلاً فلا بد أن الثوار كانوا جالسين على الرصيف.  ركب حلمي بك سيارته واتجه إلى منزله مباشرة.  كانت الساعة قد تعدت الخامسة ولم يعد هناك مجال للعودة إلى المحكمة. 

لم يكن حلمي يشعر بالجوع عندما وصل إلى الشقة إلا أنه قام بالاتصال بمطعم المنوفي وطلب ساندويتشين شاورمة.  كان حلمي واحدًا من أولئك الناس الذين يأكلون حسب الساعة وليس حسب الجوع.  يتناول الناس طعام العشاء الساعة السابعة, مثلا, عليه يتناول حلمي طعام العشاء الساعة السابعة, أو السابعة والنصف, مثلاً أيضا, بغض النظر عما إذا كان جائعًا أو غير جائع.  ما هي إلا دقائق ووصل عصام, وناوله الساندويتشات, وأخذ الحساب وهو يقول “خليها علينا”, ووضع الإكرامية في جيبه وهو يرفض أخذها, ولم ينسَ أن يحمد الله على سلامة وصول الباشا. 

جلس حلمي أمام التلفزيون ووضع الساندويتشات أمامه وبدأ في تناول طعامه ومشاهدة أخبار ميدان التحرير.  دار في فكره شريط الأحداث التي أخبرهم بها عم محمود.  حمام المنوفيه, والشايقي والجعلي, والسحلية وزة ودفن مدينة إنتاج المعلومات, والغراب النوحي, والكلب هول, وضباط كلية الشرطة, وبلطجية السيدة, إبراهيم الأسود, وإبراهيم الشركسي, وإبراهيم الصعيدي, والمهندس خيري عبد الرحمن.  وهنا اجتاحت جسم حلمي بك قشعريرة.  المهندس خيري عبد الرحمن. 

فجأة سطعت في ذهن حلمي بك فكرة أن المستفيد الوحيد من كامل هذه القصة هو المهندس خيري عبد الرحمن.  لا أحد غيره يتوفر لديه دافع لخلق هذه القصص, ولا أحد غيره تتوفر لديه المقدرة المادية على تمويل هذا المشروع – الرحلات المتواصلة من كفر نفرة إلى القاهرة, ومن القاهرة إلى الإسكندرية, ومن الإسكندرية إلى كفر نفرة – ولا أحد غيره يستطيع تأليف هذه القصص الخيالية.   الجماعة يتوفر لديها المستشارون, والمؤلفون, والمخرجون, وخبراء الإعلام, والدعاية, وعلم النفس, وكل ما يلزم للعب في عقل الشعوب.  الدافع هو نشر فكرة أن رجال الجماعة هم الذين خططوا لهذه الثورة منذ كانوا أطفالا في كفر نفرة, وأن هذه الثورة ثورة مباركة تمت برعاية الله سبحانه وتعالى.  لا أحد في مصر كلها, بل في العالم كله, يستطيع ادعاء ملكية الثورة خلاف “الجماعة”.  المهندس خيري عبد الرحمن هو الوحيد الذي يمتلك المال الكافي لشراء الحاج محمود وشراء تعاونه على نشر هذه القصص بين أهل كفر نفرة, ومن بعدها كفر هلال, ثم كفر عليم ثم المنوفية كلها ومن بعد ذلك مصر. 

أدار حلمي شريط الأحداث والأسماء في ذهنه مرة أخرى.  واحدًا واحدًا هذه المرة:  حمام المنوفية.  الشايقي والجعلي.  السحلية وزة وزوجها وجدي ودفن مدينة إنتاج المعلومات بمساعدة المهندس خيري عبد الرحمن.  الغراب النوحي, والكلب هول, وإسفين, وضباط كلية الشرطة, وعتريس, وأبو سريع, وإبراهيم الأسود, وإبراهيم الشركسي, وإبراهيم الصعيدي, والمهندس خيري عبد الرحمن.   الاسم الوحيد المستفيد, مرة أخرى, هو سيادة المهندس خيري عبد الرحمن.    الأسماء “البشرية” الوحيدة التي وردت في هذه القصص هي أسماء بلطجية السيدة, والمهندس خيري عبد الرحمن.  باقي الأسماء هي أسماء حيوانات خيالية لا وجود لها.  حتى ضباط الشرطة لم ترد أسماؤهم ولا أحد يعرف اسم واحد منهم.  حتى الدكتور محمد في مقر الجماعة لم يرد اسمه في أي قصة من هذه القصص ولم يتدخل أي تدخل في واحدة منها.  الموضوع كله في يد المهندس خيري عبد الرحمن.  أما بالنسبة لأهالي كفر نفرة فلم يرِد سوى اسم الشيخ حسن, وزينب, والحاجة كريمة.  ورد اسم زينب عند حديث الشيخ حسن مع أمه عن الضيف في غرفة السطوح, وهو حديث يمكن أن تكون زينب قد انتبهت إليه, أو لم تنتبه إليه.  وحتى إذا كانت قد انتبهت إليه فقد تكون فهمته كما قد تكون لم تفهمه.  من يستطيع أن “يفهم” عند الحديث عن الضيوف أن الضيف هنا هو “الغراب النوحي”؟   أما في حالة الحاجة كريمة فقد وردت إشارة واضحة تبين أنها على علم بموضوع الغراب النوحي.  كان حلمي بك على ثقة من أن الحاجة كريمة إذا سئلت ستقوم “بتكذيب” كل كلمة تتعلق بهذا الموضوع.  كان حلمي بك على ثقة كذلك من أن لا أحد في كفر نفرة يجرؤ على سؤال الحاجة كريمة عما إذا كانت قد استضافت “الغراب النوحي” في منزلها.  السؤال عبيط والحاجة كريمة ليست معتوهة حتى تستضيف غربانًا في بيتها.  وأخيرًا, يتبقى أن لا زينب, ولا الحاجة كريمة, ولا الشيخ حسن نطقوا بكلمة في هذا الموضوع.  حقيقة الأمر, يؤكد الحاج محمود باستمرار أن الشيخ حسن سيستاء كثيرًا إذا علم بما يخبرهم به الحاج محمود.  الشيخ حسن لا علم له بقصص الحاج محمود.

لم يكن حلمي بك شاهين, وكيل نيابة البدرشين, ليغفل أن خيط الأحداث بهذا الشكل الذي يدور في ذهنه إنما يشير “وبوضوح” إلى أن سيادة المهندس خيري عبد الرحمن قد قام “بشراء” الحاج محمود لنشر هذه القصص الوهمية.  لم يكن سيادته ليغفل كذلك عن أنه لو عرف مخلوق واحد بما يفكر فيه لخرجت سلمى من حياته إلى الأبد.    شعر حلمي بالدوخة والحاجة إلى التقيؤ.    ملعون أبو الغراب النوحي, على أبو حمام المنوفية, على أبو الكلب هول, على أبوهم كلهم إذا كان الثمن هو سلمى. 

أدار حلمي شريط الأحداث والأسماء في ذهنه للمرة الثالثة.  وللمرة الثالثة لم يجد سوى اسم المهندس خيري عبد الرحمن, وأسماء بلطجية السيدة وإشارة عامة إلى ضباط كلية الشرطة بدون ذكر أسماء.   لا يوجد أي مصلحة لبلطجية السيدة في نشر قصص الحاج محمود الخيالية.  حقيقة الأمر, لا يوجد أي شك في أنه ليس من مصلحة بلطجية السيدة على الإطلاق انتشار هذه القصص عنهم إذ أنها ستلفت الأنظار إليهم وإلى ما قاموا به, أو لم يقوموا به, في شبرا الخيمة.  أضف إلى ذلك أن إبراهيم الشركسي لن يكون سعيدًا بمعرفة أهالي السيدة بأن الغراب النوحي قد خدعه وأفسد عليه خطة نسف ميدان التحرير.  ليس مما يشرف أي بلطجي على الإطلاق أن يعرف الناس عنه أن الغربان يمكنها أن تغرر به.  لا يتبقى, بهذا الشكل, سوى ضباط الشرطة, وهنا لا بد من الاعتراف بأن لهم مصلحة في انتشار القصة الرائعة لتدخل الكلب هول وتدخلهم هم شخصيا لإفساد محاولة نسف ميدان التحرير إذ أن ذلك سيبين وطنيتهم واستعدادهم للتضحية بحياتهم من أجل مصلحة البلد.   النقطة أن لا أحد منهم نطق بكلمة.  القصة كلها جاءت على لسان الحاج محمود, وضباط الشرطة لا يوجد لديهم مليم زائد في مرتباتهم لإعطائه للحاج محمود لنشر هذه القصص الجميلة عنهم وعن وطنيتهم.  الوحيد الذي يستطيع شراء الحاج محمود هو المهندس خيري.    شعر حلمي, مرة أخرى, بالغثيان.  شعر حلمي كذلك أنه لو استمر في الجلوس في الشقة يجتر أفكاره هكذا لانفجرت رأسه.  أخرج حلمي هاتفه المحمول من جيبه واتصل بالدكتور محمد النادي وأخبره أن لديه ما يحتاج إلى الحديث عنه وأنه سيكون شاكرًا لو استطاع رؤيته الليلة بعد العيادة – إذا لم يكن مرتبطًا بميعاد.  ضحك الدكتور محمد ضحكته المعتادة المجلجلة وقال “الله يسمع منك.  ربنا يوعدنا بميعاد.  ما على الله ببعيد.”  واستمر في الضحك.  أغلق حلمي الهاتف واتصل بإبراهيم بك النجار – أحد زملائه في المحكمة – وعرض عليه أن يصحبه في نزهة بين الحقول من الآن إلى الثامنة أو الثامنة والنصف.  كان حلمي يعلم أن إبراهيم بك يهوى التمشية بين الحقول من البدرشين إلى الحوامدية.  طبعًا, مسألة المشي إلى الحوامدية مستبعدة تماما في حالة حلمي إلا أنه مستعد للمشي إلى جهنم طالما أبعده ذلك المشي عن التفكير في موضوع الحاج محمود.  يمكن, طبعًا, في حالة العودة من الحوامدية – ذلك إذا وصلوا إليها فعلا – أن يعودوا في أي مايكروباس.    وهو ما حدث فعلا.

في الثامنة والنصف كان حلمي واقفًا أمام باب العيادة.  كانت العيادة, كالعادة, مفتوحة.  دخل حلمي ونظر حوله.  لم يكن هناك سوى اثنين من المرضى إضافة إلى الحاجة سعاد “المسؤولة” عن العيادة بشكل عام.  حيا حلمي الحاجة سعاد بهزة من رأسه وحيته هي بابتسامة واسعة ودعته إلى الجلوس “في أي مكان تحبه” وقالت إن الدكتور سيراه بعد الأستاذ والأستاذ.  قالتها بطريقة المقصود بها طمأنة “الأستاذ والأستاذ” على أن دورهم محفوظ وليس طمأنته هو على أن الأمر لن يطول.  شكرها حلمي على ذوقها وأخذ مقعدًا بعيدًا عن الباب, والنافذة, وتيارات الهواء.  كان الجو باردًا إلى حد ما.   لم يأخذ الانتظار طويل وقت, وسرعان ما انصرف المرضى والحاجة سعاد التي كانت قد انتهت لتوها من صنع فنجانين من الشاي, ودخل حلمي مكتب الدكتور محمد.

كان الدكتور محمد, كعادته, نشطًا كما كان, كعادته كذلك, ضحوكا, واستقبل حلمي بك بكل ترحاب تصحب كل كلمة يقولها ضحكة مجلجلة.  كان الأمر يبدو كما لو كنت تتحدث مع رجل يضحك يتخلل ضحكاته كلام أكثر مما لو كنت تتحدث مع رجل يتكلم تتخلل كلماته ضحكات.  ضحك حلمي بك وجلس على الكرسي المواجه للدكتور حلمي.  لم يُضِع الدكتور محمد وقتًا ونظر إلى حلمي بك قائلاً له “هات ما عندك”.   تحدث حلمي عما قام به في اليومين الماضيين وكيف توصل إلى أن القصة وهمية من أولها إلى آخرها, وأن لا مدينة إنتاج معلومات هناك ولا يحزنون, ولا ليلة كبيرة هناك ولا يحزنون.  تحدث عن ذهابه إلى المقطم لرؤية الموقع بنفسه ثم ذهابه إلى محطة مترو شبرا الخيمة.  بيَّن أنه لم يتبق له سوى الذهاب إلى السيدة زينب  والبحث عن إبراهيم الأسود, وإبراهيم الصعيدي, وإبراهيم الشركسي, ثم التوجه إلى كلية الشرطة في التجمع الخامس.  قال إنه فكر في ذلك في حقيقة الأمر إلا أنه أدرك أنه حتى لو صرحوا بأنهم قاموا فعلاً بما قاله الحاج محمود فإن ذلك لن يفسر “السبب” الذي دفع الحاج محمود إلى أن يحكي القصص التي حكاها.  وأخيرًا, تحدث عما توصل إليه من أن المستفيد الوحيد من هذه القصص هو “الجماعة”.  تحدث حلمي بك “بالتفصيل” عن كيف توصل إلى أن “الجماعة” هي التي تقف وراء القصص الوهمية التي ينشرها عمه الحاج محمود شاهين. 

نظر الدكتور محمد إلى حلمي ونظرة دهشة حقيقية واستغراب حقيقي تقفز من عينيه وسأله بهدوء “وما علاقة حلمي بك بهذا الموضوع من أوله إلى آخره؟”   جاء وقع السؤال على حلمي كمن أصيب بلدغة.  لم يخطر هذا السؤال ببال حلمي أبدًا.  ما معنى أن يسأله شخص عن علاقته بهذا الموضوع؟  هذا موضوع سمعه بأذنه من عمه في مندرتهم في كفر نفرة وهو موضوع يمسه كما يمس عائلة شاهين كلها.  لم ينتظر الدكتور محمد إجابة حلمي على سؤاله واستمر في الحديث.  أنت تتحدث عن موضوع يستحيل القطع فيه برأي في الوقت الحاضر وربما أبدا.  أنت تتحدث عن جهاز أمن دولة أقام تنظيما لجمع المعلومات خارج إطار الدولة.  هل تستطيع إثبات ذلك؟  أنت تتحدث عن جماعة قامت باستخدام العنف لدفن هذا الجهاز.  هل تستطيع إثبات ذلك؟  هل ستساعدك هذه “الجماعة” على إثبات ذلك وبالتالي تورطها في أعمال عنف غير قانونية؟  أنت تتحدث عن أشياء يصعب للغاية التعامل معها في أفضل الأوقات فما بالك في أوقات انهيار الداخلية, والانفلات الأمني الذي نعاني كلنا منه؟  أين هي الجهة المسؤولة في مصر التي يمكنها أن تتعامل مع هذا الموضوع؟  أنت أيضًا تتعامل مع قصة لا يمكن أن تقبل أي جهة في مصر التعامل معها.  أين هي تلك الجهة التي ستقبل سماع قصة تقوم السحلية وزة فيها بدور البطولة بالاشتراك مع حمام المنوفية, والغراب النوحي, والكلب هول, وإسفين, والشايقي, والجعلي, وعتريس, وأبو سريع, وكلاب الشوارع, وغربان كفر نفرة؟  من الذي سيستمع إلى هذه القصص يا حلمي بك؟  الله يخليك, من هذا المعتوه الذي سيستمع إلى هذا الخبل؟ 

ثم دعنا من هذا كله.  دعنا نفترض أن الدولة اهتمت بما تقوله سيادتكم وبدأ تحقيق على أعلى مستوى تفرغت له لجنة قضائية عليا للنظر في قصص الحاج محمود الوهمية وأثبت التحقيق تواطؤ الجماعة مع الحاج محمود في نشر قصص وهمية.  ما هي العقوبة التي ستحكم  بها المحكمة على نشر قصص وهمية؟  لا شيء.  أنا لست رجل قانون مثل سيادتك ولكن أؤكد لك رغم جهلي التام بالقانون في هذه الناحية أن المحكمة لن تنظر في القضية أصلاً.  أي قضية؟  لو كانت هناك عقوبة على نشر القصص الوهمية لدخل كل الأدباء عبر العالم كله في المعتقلات.  كل الذي سيحدث هو أن سيادتك ستدمر حياتك وحياة من تحبهم.  انسَ موضوع سلمى.  هل تتخيل أن الحاج محمود سيقبل أن يزوجك من ابنته بعد الفضيحة التي تسببت سيادتك فيها؟  هل تتخيل أن شخصًا واحدًا في عائلة شاهين سيقبل بمكافأتك على العار الذي ألحقته بهم؟    ثم هل تتخيل أن المشكلة هي مشكلة الحاج محمود وحسب؟ إذا كان كلامك صحيحًا وثبت تواطؤ الجماعة مع الحاج محمود وأن الجماعة قد اشترته ألا يعني ذلك أن الجماعة قد اشترت والدك أيضًا, وكل أعمامك, وكل عائلة شاهين, وإلا لما كانت هناك كل هذه المساندة لقصص الحاج محمود الوهمية؟   ألا يعني ذلك نهاية العلاقة بين سيادتك وبين كامل عائلة شاهين؟  ولماذا؟  ما الذي استفدته أنت؟  وإذا كنا نتحدث وطنية, ما الذي استفادته مصر؟  وإذا كان في هذا فائدة للبلد, فهل أنت على استعداد لدفع الثمن؟  تذكر هنا أن المسألة لن تتوقف عند حد عائلتك.  تذكر أنك إذا كنت على حق فعلاً في أن “الجماعة” متورطة فإن “الجماعة” و”أنصار الجماعة” لن يتركوك.  إذا كانت السحلية وزة, والغراب النوحي, والكلب هول, والشايقي وغيرها من الحيوانات الناطقة هي التي لفتت نظرك إلى ما يحكيه الحاج محمود وإذا كنت تنكر قدرة الحيوانات على الحديث مع البشر فإن ذلك يعني أنك تنكر حديث البقرة الفصيحة والذئب الفصيح.  تذكر أن البقرة الفصيحة لم تكن تتحدث مع رسل ولا أنبياء وإنما مع فلاح لا يعرف له أحد اسمًا.  ينطبق ذلك, كذلك, على الذئب الفصيح.  تذكر أن إنكارك لمشاركة السحلية وزة في المشاكل المتعلقة بجهاز أمن الدولة يعني إنكارك لما قام به أسلافها في تأجيج النيران لحرق سيدنا إبراهيم.  وأخيرًا, تذكر أن العقوبة المقررة لمن أنكر أحاديث البخاري ومسلم هي القتل.  لا أقول هنا إن “الجماعة” سترسل إليك من يقص رقبتك عقابا لك على إنكارك ما هو معروف من الدين بالضرورة, وإنما أقول إنه سيكون معروفا للكافة – بما في ذلك المخابيل – أنك منكر للسنة وأنه لو قص أي أهبل رقبتك لأخذ ثوابا ودخل الجنة.  وأخيرًا, تذكر أنك لو خسرت القضية واتضح أن لا تواطؤ هناك ولا يحزنون وأن المسألة لا تعدو أكثر من تسلية أطفال عائلة شاهين, فإنك سوف تخسر سلمى, وأباك, وأمك, وكامل عائلتك, وربما أيضًا وظيفتك.  باختصار, يا حلمي بك, يمين خسرانة, شمال خسرانة.    هذا موضوع الكلام فيه خسارة.  

لم يكن حلمي بك عبد العاطي شاهين, وكيل نيابة البدرشين, يوما غبيًا ولا بطيء الفهم.  لم يكن مستعدًا – ولن يكون يومًا مستعدًا – للتضحية لا بسلمى, ولا بعائلته, ولا بوظيفته, وطبعًا ولا بحياته, من أجل أي شيء.  إذا كان سيادة وكيل النيابة حلمي بك شاهين هو الذي قام من تلقاء نفسه بفتح باب التحقيق, فإن سيادة وكيل النيابة حلمي بك شاهين هو الذي قام أيضًا من تلقاء نفسه بإغلاق باب التحقيق.  وأغلق باب التحقيق.

كمال شاهين 

11 يناير 2014

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

يمكن تنزيل الكتاب الالكتروني لرواية الشيخ العكابري – القصة الحقيقة للثورة المصرية من هنا : 

https://ambmacpc.com/2017/11/17/%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%83%D8%A7%D8%A8%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82/

القصة الحقيقة للثورة المصرية 13-عندما تتكلم الحيوانات


القصة الحقيقية للثورة المصرية 13

عندما تتكلم الحيوانات

مدخل : ( موضوع أن تتحدث نعجة, أو معزة, لا يعرف الإنسان وجهها من قفاها باللغة العربية الفصحى موضوع عادي للغاية لا يختلف كثيرًا عن شرب البيبسي بدل الكوكا كولا.  أين المعجزة في شرب البيبسي؟  أو حتى الكوكا كولا؟) 

صباح اليوم التالي أدار حلمي سيارته واتجه إلى البدرشين.   كانت الحركة على الطرق خفيفة كما هي الحال منذ انطلاق ثورة الخامس والعشرين من يناير وانسابت السيارة بهدوء إلى أن توقف أمام مبنى المحكمة.  دخل حلمي بك – هكذا يناديه الجميع في جميع ما يتصل بعمله, بل وبغير عمله – إلى مكتبه ودخل عم فتحي بالشاي, وبدأ الهاتف الأرضي بالرنين, كما بدأ الطرق على باب المكتب, واتصل مكتب النائب العام للاستفسار عما تم التوصل إليه في حادث إشعال النار في مركز شرطة البدرشين, كما بدأت الأصوات تتصاعد من المواطنين الذين تجمعوا أمام المكتب.  لم يتوقف حلمي بك عن العمل إلا عندما دارت رأسه من الإرهاق فأخرج هاتفه المحمول ليرى الوقت.   كانت الساعة تقترب من السادسة مساءً.  قرر حلمي بك الذهاب إلى المنزل.  رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه.

كانت الشقة باردة, معتمة, مهجورة.  أحس حلمي بغصة في حلقه وتذكر المقعد في الدار في كفر نفرة الذي لا يخلو من الضيوف أبدا, والمندرة, وأمه, والوالد, وعم محمود, وسلمى ابنة عم محمود, وأحس بالسعادة.  مجرد “فكرة” سلمى كانت كافية ليشعر بالسعادة, ودعك من “صورة” سلمى.  ودعك كذلك من الشعور بأن سلمى تسكن على بعد أمتار في الدار المجاورة.  الحياة في كفر نفرة شيء آخر. 

أضاء حلمي أنوار الشقة, وأشعل الدفاية, وشغَّل التليفزيون, وذهب إلى المطبخ لإعداد كوب من الشاي.  كان المطبخ شديد البرودة إلا أنه قاوم حتى الانتهاء من صنع الشاي وعاد إلى مقعده في الصالة لمشاهدة التليفزيون.  كالعادة, كانت كل المحطات تذيع من ميدان التحرير وكالعادة كذلك توقف هو على محطة الجزيرة.  كان البرنامج يتعلق بجثث الثوار التي ما زالت ترقد في الثلاجات في مشرحة زينهم والمأساة التي تمر بها أمهات الشهداء اللاتي يحاولن التعرف على جثث أبنائهن وسط المئات من القتلى.  كان السؤال الذي يدور في ذهن سيادة الأستاذ حلمي بك عبد العاطي شاهين, وكيل نيابة البدرشين, هو التالي: ماذا سيكون شعور أمهات شهداء الثورة إذا علمن بالقصص التي يحكيها أبوك الحاج محمود عن “وزة”, و”وجدي”, و”الشايقي” و”الجعلي”, و”الغراب النوحي” و”الكلب هول”, وباقي القائمة الطويلة من الحيوانات الثورية التي ساندت ثورة الخامس والعشرين من يناير, وحاربت دفاعًا عنها, وضحت بأرواحها من أجلها, مثلها في ذلك مثل ثوار التحرير تماما؟     ماذا سيكون شعور الأمهات؟ 

كان الشعور بالجوع, والإرهاق, والرغبة في النوم قد بدأ يستولي على حلمي إلا أنه لم يكن من النوع الذي يمكنه أن ينام وهو جائع.  وعليه, أمسك بهاتفه المحمول واتصل بمطعم “المنوفي” وطلب طبقًا من البامية وطبقًا من الأرز إضافة إلى السلطات بالطبع, وجلس في انتظار الطلب.  عاد حلمي إلى مشاهدة البرنامج الكئيب إلا أنه لم يستطع أن يركز على مشاهدته.  كان باله مشغولا بمحاولة الإجابة على السؤال الذي طرحه على نفسه: ماذا سيكون شعور هؤلاء الأمهات إذا علمن بالقصص الخرافية التي يتداولها الناس في ناحية شاهين؟  لم يكن عند سيادة وكيل النيابة سوى إجابة واحدة: هذه قصص تسيء إلى ثورة الخامس والعشرين من يناير.  هذه ليست معجزات.  هذه إهانات.  كيف لا يرى الناس في ناحية شاهين أن هذه القصص هي إهانة لمئات الشباب الذين ماتوا من أجل ثورة الخامس والعشرين من يناير؟  من أين أتت فكرة أن هذه المعجزات هي دليل على رعاية الله لثورة الخامس والعشرين من يناير؟  ما معنى أن “يتفاهم” الشيخ حسن مع السحلية “وزة” وينسق معها ومع “وجدي” خطة الهجوم على “مدينة إنتاج المعلومات”؟  ثم ما معنى أن “يتفاهم” مع “الغراب النوحي” على القيام بـ”عملية الليلة الكبيرة” التي اشترك في إعدادها وإخراجها “الكلب هول”, و”الغراب النوحي”, و”إسفين”, و”عتريس” و”أبو سريع”؟  أقسم بدين الله لو قال هذا الكلام أي بني آدم غير الحاج محمود لشنقه الناس في ميدان التحرير عقابًا له على هذه المسخرة. 

ضحك حلمي بحزن وهو يتذكر “الائتلافات الثورية” التي قام “الشايقي” بتشكيلها لنشر الوعي الثوري بين الجمال, وكيف رفضت “وزة” الحياة أمام كاميرات أمن الدولة وفضلت الموت على أن تعيش حياتها “على المكشوف”, وكيف قامت السحالي المصرية بالثورة دفاعًا عن حقها في العيش بحرية, وعدالة اجتماعية, وكرامة حيوانية.  ضحك حلمي وهو يقول لنفسه إن  المسألة هنا تصلح تماما لأن تكون برنامجًا – أو عدة برامج – من برنامج باسم يوسف الرائع الذي يتهكم فيه على خلق الله – كل خلق الله – بسخرية لا مثيل لها.  المشكلة, أن باسم يوسف لا يجرؤ على تقديم برنامج يسخر فيه هذه السخرية من ثورة 25 يناير.  ولا حتى باسم يوسف.  هذا ليس تهكما, وهذه ليست سخرية.   هذه مسخرة. 

كان هناك سؤال آخر يدور في ذهن حلمي عندما سمع صوت دق على الباب.  كان السؤال يتعلق بموقف الشيخ حسن عندما يصل إلى علمه هذا الكم المهول من الخرافات التي ينسبها الحاج محمود إليه.  نهض حلمي من مقعده وفتح الباب.   تناول حلمي الطعام من عصام الذي هنأه بحرارة على سلامة العودة من البلد “ألف حمد الله على السلامة, يا باشا” كعادته كل مرة حتى لو كان عائدًا من عند البقال تحت العمارة.  قال عصام وهو يضع الإكرامية في جيبه: “خليها علينا, يا باشا”.  بحكم العادة أيضا.   

عاد حلمي إلى مقعده ووضع الطعام أمامه على مائدة صغيرة وبدأ في الأكل ومشاهدة التلفزيون.   إلا أن السؤال كان لا يزال يطرح نفسه.  كيف يمكن أن “ينسب” الحاج حلمي كل هذه الخرافات إلى الشيخ حسن؟   ماذا سيكون شعور الشيخ حسن عندما يعلم أن الحاج محمود قد أخبر الناس أن الشيخ حسن يتحدث مع الجمال, والغربان, والسحالي, ويضع الخطط للدفاع عن الثورة المصرية؟  ما الذي يمكن أن يشعر به أي رجل في مصر لو وصله الخبر أن الناس تقول عنه إنه يتحدث مع سحلية شابة اسمها “وزة” وغراب عجوز اسمه “الغراب النوحي”؟    يستحيل أن يقبل الشيخ حسن مثل هذا الكلام على نفسه.   إلا في حالة واحدة: إذا كان مصابًا باضطراب عقلي حاد.   يعلم أهل كفر نفرة كلهم, صغارهم قبل كبارهم, أن ليس هناك من هو أعقل, ولا أفضل, ولا أرزن من الشيخ حسن.  لا في كفر نفرة, ولا في المنوفية كلها, بل ولا حتى في مصر كلها.    تناول حلمي طعامه, وغير ملابسه, ودخل سريره, وهو يشعر بصداع شديد في رأسه واضطراب أشد في  دقات قلبه. 

لم يكن الوعي بخطورة ما يفكر فيه حلمي ليغيب عن سيادة الأستاذ حلمي بك شاهين وكيل نيابة البدرشين.   الذي يقوله الأستاذ حلمي, باختصار, هو أن هذه الأحداث التي يرويها الحاج محمود هي أحداث خيالية من تأليف وإخراج عمه الحاج محمود شاهين.  أي أن الحاج محمود كذاب, أو نصاب, أو مضطرب عقليا.  فكرة اتهام الحاج محمود بأنه رجل كذاب, أو نصاب, أو مضطرب عقليًا هي في حد ذاتها فكرة خيالية.  لا يجرؤ حلمي شاهين ابن الحاج عبد العاطي شاهين على اتهام عمه الحاج محمود شاهين بأنه كذاب, أو نصاب, أو مضطرب عقليًا إلا إذا كان حلمي شخصيًا قد أصيب باضطراب عقلي حاد.  

لم يكن ليغيب عن وعي الأستاذ حلمي كذلك أن الأمر لن يقتصر على الحاج محمود وحسب وإنما سيشمل باقي  أفراد عائلة شاهين بما في ذلك والده, ووالدته, وأخته, وهو نفسه, الذين سيظهرون إما بمنظر السذج الذين يصدقون قصصا خيالية, أو النصابين الذين يخططون للنصب على خلق الله.  لا يحتاج أحد إلى أن يكون عبقريا لكي يدرك أن الحاج محمود لم يخترع هذه القصص من أجل تسلية أطفال كفر نفرة.  لا يمكن أن تتواطأ عائلة شاهين معه في هذا الأمر إلا إذا كانوا ينوون أمرا.  يعني مثل هذا الموقف من أهل كفر نفرة القضاء النهائي على مركز عائلة شاهين في البلد بحيث يصبحون مسخرة يلعب بها أهل كفر نفرة.   شعر حلمي بغصة في حلقه وبضيق تنفس فنهض من سريره ليفتح النافذة.  كان الهواء باردًا إلا أنه كان بحاجة إلى هواء لكي يتنفس.

نهض حلمي من فراشه في اليوم التالي وهو يشعر بالحاجة إلى النوم كما لو كان لم ينم ليلة الأمس.  حقيقة الأمر أنه لم ينم ليلة الأمس, إلا أنه كان هناك عمل لا بد أن يؤديه, وقضايا لا بد أن ينظر فيها.   وعليه تناول إفطاره, وارتدى ملابسه, وقاد سيارته إلى محكمة البدرشين.   لم يكن هذا اليوم التالي مختلفا عن اليوم الذي سبقه.  حقيقة الأمر, لا يختلف أي يوم في محكمة البدرشين عن اليوم الذي سبقه.  نفس الضغط, نفس الإلحاح, ونفس الزحام بحيث ما أن تأتي الساعة الخامسة حتى يكون الإنسان قد استهلك تماما.  وهو ما حدث.

توجه حلمي إلى المنزل وتناول طعامه وتمدد على سريره وراح في النوم.  كان اليوم مرهقا إضافة إلى أنه لم ينم كفايته ليلة أمس.  ما هي إلا ساعتين, على أية حال, حتى استيقظ من نومه, وشغل التلفزيون, وأعد لنفسه كوبا من الشاي, واستقر في كرسيه لمتابعة أحداث اليوم.  كان الإرسال, كالعادة, من ميدان التحرير.  سأل حلمي نفسه عن موقف ثوار التحرير إذا سمعوا عن هذه القصص التي يحكيها عمه محمود.  مسخرة, طبعًا.  لا يوجد أي شك في أنهم سيأخذون هذه القصص على أنها تسخر من الثورة المصرية, ومن الذين قاموا بالثورة المصرية. 

هز حلمي رأسه وهو يتساءل عن السبب الذي يمكنه أن يدفع عمه الحاج محمود إلى اختراع هذه القصص.  ما الفائدة التي يمكن أن تعود على الحاج محمود من وراء السحلية وزة والغراب النوحي؟  ما الذي يمكنه أن يدفع رجلاً متعلمًا – الحاج محمود من خريجي المعهد الأزهري في طنطا – متزنا, عاقلًا, رشيدا لا يعرف الناس عنه إلا كل خير إلى المغامرة بكل تاريخه والتحدث حديث أطفال؟   تعلم كل عائلة شاهين, إن لم يكن أهل كفر نفرة كلهم, أن لا أمل لأي مخلوق في جلسة بها الحاج محمود أن ينطق بكلمة واحدة.  لا يسمح الحاج محمود “تقريبًا” لأي أحد غيره أن يقول كلمة واحدة في أي موضوع طالما كان هو حاضرًا في الجلسة.  حقيقة الأمر, يعمل الحاج محمود على تلافي التوقف لثانية واحدة حتى لا يعطي أحدًا الفرصة “لانتهاز الفرصة” والكلام أثناء توقف الحاج محمود عن الكلام.  الرجل لا يتوقف.   بمعنى أنه إذا كان الأمر أمر “احتكار الأضواء” فالرجل يحتكر الأضواء بالفعل, وقد تعود أهل ناحية شاهين على هذا الأمر, ورتبوا أنفسهم عليه, بحيث إذا كان لدى واحد منهم ما يحتاج “فعلاً” إلى قوله فإنه يحرص على قوله قبل حضور أبوك الحاج محمود شاهين.   كان لدى الأستاذ حلمي “شعور” بأن “وراء الأكمة ما وراءها”, وأن عمه الحاج محمود لم يفعل ما فعل إلا لأسباب وجيهة للغاية لا يريد الكشف عنها في الوقت الحاضر.  لمعت في ذهن حلمي فكرة أن خير من يتحدث معه في هذا الموضوع هو الدكتور محمد النادي.

أخرج حلمي هاتفه المحمول واتصل بالدكتور محمد وتساءل عما إذا كان من الممكن أن يراه بعد انتهاء العمل في العيادة.  رحب الدكتور محمد بهذا العرض وطلب من حلمي بك –  مرة أخرى “حلمي بك” حتى خارج ساعات العمل الرسمية –  ألا يحضر معه أي شيء وسوف يتولى هو عملية إحضار الساندويتشات بالكامل.  ذهب حلمي إلى العيادة حوالي الثامنة والنصف على الرغم من أنه يعلم أن العيادة تنتهي في التاسعة.   كان هناك احتمال أن ينتهي الدكتور محمد من عمله قبل التاسعة وهو ما يحدث أحيانا.  أضف إلى ذلك أنه كان يخشى لو بقي جالسًا أمام التلفزيون في المنزل أن يغلبه النوم. 

 تعود علاقة حلمي بالدكتور محمد إلى الأيام الأوالي من استقراره في البدرشين حين أصيب بالتهاب جلدي في أصابع قدمه لم يستجب لأي علاج من الصيدلية واضطر إلى السؤال عما إذا كان هناك في البدرشين طبيب أمراض جلدية “شاطر” يمكنه أن يتوجه إليه.   أشارت أصابع الجميع إلى الدكتور محمد النادي.  كانت هذه بداية العلاقة. 

أبدى الدكتور محمد اهتماما كبيرًا بحلمي بك عندما علم أنه وكيل نيابة البدرشين, وأخبره أنه كان يتمنى لو كانت الفرصة قد أتيحت له للعمل بهذا الخط حيث إنه مهتم للغاية بمراقبة النفس البشرية.  أخرج الدكتور محمد كتابا له حول النفس البشرية, والسلوك البشري, والقيم الأخلاقية, وكيف يمكن للمجتمع المصري أن يتقدم.  كان واضحًا تماما للأستاذ حلمي أنه يتعامل مع طبيب, مفكر, فنان, وطيب.  الطيبة كانت واضحة. 

توثقت عرى الصداقة بين الطبيب المفكر وبين وكيل النيابة الشاب على الرغم من فارق السن الكبير بينهما.  لم يكن عمر حلمي بك يتعدى الثامنة والعشرين على حين كان عمر الدكتور محمد يقترب من الثامنة والخمسين.  كان الذي يقرب المسافة بينهما هو نضج وكيل النيابة والروح الشابة للدكتور محمد.  مع الوقت اكتشف حلمي خاصية أخرى عجيبة في الطبيب المفكر.  غرام بالتفكير المنطقي وصراحة مطلقة قد تصل به إلى درجة الخروج للبحث عن كلب أعور فقط من أجل أن يقول له إنه أعور “في عينه”.   أضف إلى ذلك احترام مطلق للخصوصية, بمعنى أنه يستحيل أن يكشف الدكتور محمد عن شيء يعلمه عن الأستاذ حلمي لأي مخلوق على ظهر البسيطة غير الأستاذ حلمي.  كثيرًا ما فكر حلمي أن ذلك يعود إلى مهنته كطبيب والتي تقدس سرية العلاقة بين المريض والطبيب, تماما مثلما هو الحال فيما يتعلق به هو شخصيا.  يستحيل على وكيل نيابة أن يكشف عن أي معلومات تتعلق بعمله.  كان الدكتور محمد, بهذا الشكل, هو خير من يستطيع حلمي أن يستشيره في أمر ما حدث في كفر نفرة.  الرجل مفكر له كتب منشورة في علم النفس, كما أنه طبيب, أي أن السر في بئر.  يستطيع حلمي أن يخبر الدكتور محمد بكل ما يدور في خاطره وهو مطمئن تماما إلى أن لا أحد غيرهما سيعلم ما قاله حلمي.

قال حلمي وهو يقضم ساندويتش الشاورمة الساخن إن ما يشغل باله هو موضوع سمعه يوم الجمعة الماضي في البلد.  كان الدكتور محمد يعلم أن مصطلح “البلد” هذا عند حلمي بك يعني بلدًا واحدة فقط هي كفر نفرة.  حكى حلمي القصة بالكامل وكيف قامت “وزة” بإشعال شرارة انطلاق ثورة السحالي المصرية وكيف ساندها “وجدي” في عملها هذا, والدور البطولي الذي قام به “الغراب النوحي” الذي ضحى بحياته دفاعًا عن الثورة المصرية, وكيف سانده “الكلب هول”, والكلب “عتريس”, والكلب “أبو سريع”, إضافة إلى كلاب كفر نفرة التي أصرت على قيادة الهجوم على بلطجية السيدة.

 انتهى حلمي من حكاية الخلفية التاريخية للثورة المصرية كما قدمها الحاج محمود شاهين, وانفجر الدكتور محمد في ضحكة مجلجلة هزت العيادة.  كان واضحًا تمام الوضوح أنه استمتع تمام الاستماع بهذا السرد الرائع للقصة الحقيقية للثورة المصرية كما صورها أبوك الحاج محمود شاهين.   “والله قصص جميلة.  في منتهى الجمال.  وما الذي يشغل بالك في هذه القصص؟”, قال الدكتور محمد.   نظر حلمي إلى الدكتور محمد باستغراب قائلاً “ما الذي يشغل بالي؟  الذي يشغل بالي أن هذه قصص لم تحدث.  هذه قصص أطفال يستمع إليها رجال كبار. عندما يستمع الأطفال إلى قصص الشاطر حسن, وأمنا الغولة, وسندباد فهذا أمر عادي, أما أن يستمع إليها الكبار فهذا أمر غير عادي.”    جلجلت ضحكة الدكتور محمد مرة أخرى, وجلس على كرسي مكتبه بعد أن كان واقفًا خوفا من أن يسقط من الضحك.  قال الدكتور محمد وهو يغالب الضحك, أو بين الضحكة والأخرى: “رحماك, رحماك, يا سيادة وكيل النيابة.  ومن قال إن قصص الشاطر حسن, وأمنا الغولة, والسندباد هي قصص أطفال؟  هل تتخيل سيادتك أن مؤلف هذه القصص عندما ألفها كان يؤلف قصصًا للأطفال؟”  وانفجر الدكتور محمد مرة أخرى في الضحك.  “قصص أطفال؟  هذه قصص كبار, كتبها الكبار ليقرأها الكبار.  هل تتصور سيادتك أنه كانت هناك قصص للأطفال وقصص أخرى للكبار في القرن الرابع الهجري؟”    ومرة أخرى, انفجر ضاحكا.

أخذ الأمر بعض الوقت لكي “يهدأ” الدكتور محمد قليلاً.    قال الدكتور محمد إن ما نظن الآن أنه “قصص أطفال” إنما بدأ حياته على أنه “قصص كبار”.  كل ما حدث هو أنه مع تقدم المعرفة البشرية بدأ البشر في إدراك أن هذه القصص تقدم تصورًا عن الواقع لا علاقة له بالواقع الذي نعيشه.   هنا توقف “الكبار” عن قراءة هذه القصص وتركوها “للأطفال”.  لم يحدث هذا في جميع المجتمعات البشرية, طبعًا, وإنما في عدد قليل للغاية لا يزيد عن عشرة في المائة من سكان المعمورة.  حلوة “المعمورة” هذه؟  حدث هذا في أوروبا حيث استطاع الأوربيون عن طريق سلسلة من الاكتشافات الكشف عن الطريقة التي يعمل بها العالم “بالفعل” لا كما كنا “نتخيل”.   مثال على ذلك, أن الأمطار تسقط عندما تصطدم كتلة من بخار الماء بكتلة هوائية باردة فيتحول بخار الماء إلى سائل ومن ثم يسقط.  هكذا سقطت الفكرة القديمة التي كانت تنظر إلى سقوط المطر على أنه عمل يقوم به رجل عملاق يمسك بخرطوم ضخم يرُش به الأرض, أو على أنه عمل قامت به سحابة “طيبة” أرادت أن تطفيء ظمأ النباتات “العطشانة”.  اكتشف الأوربيون كذلك أن الأنهار قد ظهرت نتيجة “نحر” مياه الأمطار لمجرى هذه الأنهار.  هكذا سقطت الفكرة القديمة التي كانت تنظر إلى الأنهار على أنها ظهرت نتيجة قيام رجال عمالقة في سحيق الزمان بحفرها.    اكتشف الأوربيون كذلك أن كسوف الشمس يحدث عندما يقع مدار القمر في نفس خط مدار الشمس فيحجب رؤيتها في وقت بعينه, في مكان بعينه على سطح الأرض.  هكذا أيضًا سقطت الفكرة القديمة أن السبب في كسوف الشمس يعود إلى أنها قررت حرمان البشر من ضوئها عقابا لهم على إهمالهم لها, وعدم اهتمامهم بها, أو لأن هناك عملاق مجنون يحاول خنقها, أو أنها تعاني من أزمة قلبية.    استطاع الأوربيون, بهذا الشكل, أن يكتشفوا أن الجسور لا تسقط عند مرور أطفال أشقياء فوقها, وإنما لخلل في طريقة صنعها, وأن الزلازل لا تحدث عقابًا للناس على سوء سلوكها, وإنما نتيجة حركة الألواح الأرضية التي تقوم عليها القشرة القارية.  اكتشف الأوربيون, بهذا الشكل, أن العالم الذي نعيش فيه لا توجد فيه مخلوقات سوانا تشعر مثلما نشعر, وتفكر مثلما نفكر, ترى ما نراه, تسعد لما نسعد له, وتتألم لما نتألم له.   تمامًا مثلما يحدث عندما يصطدم طفل في الثالثة أو الرابعة من العمر بحائط في منزله أثناء جريه في هذا المنزل.   يقوم الطفل بالتوجه إلى الأم للشكوى من هذا الحائط “الوحِش” الذي اصطدم به عن عمد, طالبا منها أن تضربه عقابا له على سوء سلوكه.  وهو ما تفعله الأم عادة.  مع تقدمه في السن, على أية حال, يبدأ الطفل في إدراك أنه لا توجد حيطان “طيبة” وحيطان “شريرة”, وأن الحيطان لا تقصد أن تؤذي الأطفال, كما أنها لا تقصد أن تسعد الاطفال.  الحيطان حيطان.  تماما مثلما يكف الأطفال عن النظر إلى الحيطان على أنها تشعر مثلما يشعرون, وتقصد مثلما يقصدون, وتفكر مثلما يفكرون, كف الأوربيون عن النظر إلى الأشياء التي تملأ العالم الذي نعيش فيه على أنها “حية” مثلنا, تشعر مثلما نشعر, وتقصد مثلما نقصد, وتفكر مثلما نفكر.  حدث هذا في أوربا فقط, ولم يحدث في مكان آخر. 

لاحظ يا حلمي بك أننا في حالتنا نحن هنا في مصر لم نشارك على الإطلاق في عملية الاكتشاف هذه.  حقيقة الأمر لم يصدر في مصر من يوم أن خلق الله الأرض ومن عليها إلى يوم الله هذا كتاب واحد في “العلم” كتبه رجل ولد على أرض مصر, بأي لغة من اللغات التي يتكلمها الناس في مصر, قام بني آدم في أي مكان من الكرة الأرضية بترجمته إلى لغة قومه حيث رأى فيه شيئًا يفيدهم.  ولا كتاب.  ولا حتى في الطبيخ, أو الكانفاه, أو قواعد لعب الكرة الشراب.  لا شيء.  لا شيء على الإطلاق.  كل ما تمت ترجمته هو قصص, وروايات, وشعر, ومواويل.  أي خيال في خيال.  ولا كتاب واحد في “العلم”. 

كان ما حدث في مصر, بهذا الشكل, هو أننا “سمعنا” عن هذه الأشياء التي اكتشفها هؤلاء الناس فقمنا بترجمتها إلى لغتنا وحفظها “جنبًا إلى جنب” مع منتجاتنا الثقافية “الأصلية”.  لم تحل هذه المنتجات الجديدة “محل” منتجاتنا العلمية “القديمة” – وهو ما حدث في أوربا – وإنما رقدت بجوارها.  هكذا أصبح لدينا تفسيرين لأي ظاهرة, تفسير حديث نتعلمه في المدرسة ونكتبه في امتحاناتها, وتفسير قديم نتعلمه في البيت والشارع ونستخدمه في حياتنا اليومية.  تحدث الزلازل نتيجة حركة الألواح القارية – هذا ما نكتبه في امتحانات المدرسة.  تحدث الزلازل نتيجة غضب الله على القوم الفاجرين – هذا ما نقوله عند حدوث الزلازل.  مرة أخرى, يرقد التفسير الجديد جنبا إلى جنب بجوار التفسير القديم, ولكل مجاله الذي يستخدم فيه.

تتحدث سيادتك عن حديث الشيخ حسن مع السحلية وزة كما لو كان حديثًا لا يصدر إلا عن إنسان مضطرب عقليًا.  ما رأيك إذن في حديث البقرة الفصيحة التي تتحدث باللغة العربية الفصحى وتشكو لصاحبها سوء معاملته لها؟  ورد هذا الحديث في البخاري.  ما رأيك في حديث الذئب مع الراعي والذي يحتج فيه الذئب على منع الراعي له من أكل الغنم.  مرة أخرى, ورد الحديث في البخاري.  لم تكن البقرة تتحدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مع سيدنا موسى, ولا مع سيدنا عيسى, ولا مع غيرهما من الرسل الكرام.  لو حدث ذلك لنظرنا إلى ما حدث على أنه معجزة اختص الله سبحانه وتعالى رسله الكرام بها.    كانت البقرة تتحدث مع فلاح من فلاحي المدينة لم يهتم أحد بأن يسأل حتى عن اسمه.   ينطبق نفس الشيء على حديث الذئب مع الراعي.  مجرد راعي غنم لم يهتم أحد بمعرفة اسمه هو الآخر.  لم ينظر أحد إلى الحديث الأول – ولا الثاني – على أنه معجزة.  نظر الجميع إلى الحديث الأول – والثاني مثله – على أنه أمر عاديّ كما لو قلت أنت إنك تفضل شرب القهوة على شرب الشاي أو شرب الكوكا كولا على البيبسي.  المسألة عادية جدًا.   ثم ما رأي سيادتك في حديث الجساسة؟   جاء الحديث في مسلم, وهو حديث يتعلق بمجموعة من التجار رست بهم سفينتهم على جزيرة لم يكونوا يقصدونها فجاءتهم “دويبة” أي دابة صغيرة – نعجة مثلاً أو معزة – وجهها مثل قفاها إذ يغطيها الشعر بالكامل بحيث لا تعرف لها وجها من قفا.  حيت الجساسة ضيوف الجزيرة الكرام, ورحبت بهم خير ترحيب, وسألت عن أحوالهم, ثم دعتهم إلى رؤية المسيخ الدجال الذي كان في انتظارهم.  لم يرَ أحد أي غرابة في أن تتحدث النعجة, أو المعزة, أو أيا ما كانت, مع التجار وتتفاهم معهم وتحسن استقبالهم.  وما زال الحديث يعيش بكل خير في صحيح مسلم.  ثم أخيرًا, وآسف لأني أطلت بعض الشيء.  ضحك الدكتور محمد عند ذكر عبارة “بعض الشيء” هذه.  لم يطل الدكتور محمد “بعض الشيء” وإنما أطال كثيرا.  ما رأيك في حديث السحلية؟  تخبرنا سيادتك عن تعجبك من قيام السحلية “وزة” بتنظيم “ثورة السحالي المصرية” كما حدثكم أبوك الحاج محمود, فما رأيك فيما حدثنا به البخاري عن مشاركة السحالي في عملية حرق سيدنا إبراهيم؟  هل يعلم حلمي بك أن السحالي مازالت تدفع ثمن هذه الجريمة حتى الآن إذ أن المسلمين مطالبون بقتل أي سحلية يرونها عقابا لها على قيام سلفها غير الصالح بهذه الجريمة النكراء؟ مازالت السحالي عبر العالم تدفع ثمن العمل الإجرامي الذي قامت به سحلية أو سحليتان من سحالي الشرق الأوسط منذ أربعة آلاف أو خمسة آلاف عام.    لم يشفع لها في ذلك مرور آلاف السنين على هذا العمل, كما لم يشفع لها أن سحالي أوستراليا وأمريكا كانت مقطوعة الصلة تماما بسحالي الشرق الأوسط ولم يستشرها أحد إطلاقا في هذا الموضوع.  أضف إلى ذلك, كما يعلم كل من يعلم شيئا عن سحالي أمريكا الجنوبية أن سحالي الإجوانا التي تعيش في جزيرة لوس جالاباجوس هي سحالٍ ودوعة تتوسم خيرًا في كل الحيوانات إلى درجة أنها لا تعرف كيف تدافع عن نفسها.  يستحيل أن توافق مثل هذه السحالي على المشاركة في عملية حرق أي شيء, فما بالك بعملية حرق سيدنا إبراهيم رضي الله عنه.  وما زال الحديث يعيش بخير في صحيح البخاري.

المسألة, بهذا الشكل, استمر الدكتور محمد في الحديث رغم وعده بعدم الإطالة, هي أننا لدينا فكرتين عن الطريقة التي يعمل بها العالم لكل منها مجالها الخاص بها.  فكرة علمية, وفكرة عملية.  يعلم كل شباب ناحية شاهين من الناحية “العلمية” البحتة أن السحالي, والغربان, والكلاب, والجمال, لا تتكلم.  حقيقة الأمر, يعلم كل شباب ناحية شاهين أن الحيوانات لا تتكلم.  شباب ناحية شاهين منهم طلبة في كلية العلوم, وكلية الطب, وكلية الزراعة, وقطعًا كلية الطب البيطري.  يعلم كل هؤلاء علم اليقين أن الحيوانات لا تتكلم.  يعلم كل شباب ناحية شاهين, من ناحية أخرى – الناحية “العملية” – أن الحيوانات “يمكنها” أن تتكلم.  هذا ما فعلته “البقرة الفصيحة”, و”الذئب الفصيح”, و”الجساسة الفصيحة”.  ولا يحتاج الأمر إلى “معجزة” أصلا.  تحدثت البقرة الفصيحة مع فلاح من فلاحي المدينة المنورة لا يعلم أحد عنه شيئا ولم يهتم أحد أصلا بأن يعرف اسمه.  مجرد واحد فلاح.  كما تحدث الذئب الفصيح مع راعي غنم مجهول الهوية هو الآخر, وقد يكون طفلاً في الرابعة عشرة من العمر أو الخامسة عشر.  أي مجرد طفل عديم الأهمية.  ولا معجزة هناك ولا يحزنون.  في حالة حرق سيدنا إبراهيم هناك معجزة بلا شك, وهي خروج السحالي عن سلوكها المألوف من عدم التدخل في الخلافات التي تنشأ بين البشر وقيامها بحرق نبي من أنبياء الله.  لا بد من الاعتراف بغرابة هذا السلوك.  أما في حالة الجساسة فمرة أخرى نحن أمام عمل عادي للغاية.  قامت معزة, أو نعجة, يغطي شعرها كل جزء منها بحيث لا يعرف الإنسان وجهها من قفاها بالحديث مع مجموعة من التجار العاديين من بينهم واحد مسيحي إن لم يكن اثنين.  بمعنى أن الأمر لم يكن يتعلق بأنبياء أو رسل وإنما بأشخاص عادية إلى أقصى درجة ممكنة.   موضوع أن تتحدث نعجة, أو معزة, لا يعرف الإنسان وجهها من قفاها باللغة العربية الفصحى موضوع عادي للغاية لا يختلف كثيرًا عن شرب البيبسي بدل الكوكا كولا.  أين المعجزة في شرب البيبسي؟  أو حتى الكوكا كولا؟

شباب كفر نفرة, بهذا الشكل, لديه فكرتين عن الطريقة التي يعمل بها العالم.  فكرة علمية, وأخرى عملية.  يستخدم شباب كفر نفرة الفكرة العلمية في حياتهم العلمية, ويستخدمون الفكرة العملية في حياتهم العملية.  من الناحية العلمية, الحيوانات لا تتكلم.  يعلم كل من يعلم شيئا عن الحيوانات أن الحيوانات لا تتكلم.  من الناحية العملية, الحيوانات تتكلم.  يعلم كل من يعلم شيئًا عن الحياة أن الحيوانات تتكلم.  هذا ما فعله سيدي سبع الرجال, وسيدي الخِضر, وسيدي أحمد الرفاعي.  وهذا ما فعله أيضًا الشيخ حسن العكابري.  وليس في الأمر معجزة.  حقيقة الأمر, ليس في الأمر أي معجزة على الإطلاق.  المسألة عادية.

نظر حلمي إلى وجه الدكتور محمد في محاولة ليعرف ما المقصود بما يتحدث عنه.  هل يقصد الدكتور محمد, مثلاً, أن من الطبيعي للغاية أن يجلس الحاج محمود شاهين ليحدث كامل عائلة شاهين عن سحلية اسمها وزة, وكلب اسمه عتريس, وغراب اسمه إسفين؟  هل هذا طبيعي؟  هل يعقل أن يجتمع أكابر عائلة شاهين, وشباب عائلة شاهين, وأطباء عائلة شاهين, ومهندسي عائلة شاهين, للاستماع إلى قصص أطفال؟   ما علاقة صحيح البخاري بالسحلية وزة؟  وما علاقة صحيح مسلم بالغراب النوحي؟  أين قال البخاري إن الجمال تصاب بالاكتئاب وتندم على ما قامت به في موقعة الجمل؟  ما علاقة هذه المحاضرة الطويلة العريضة التي ألقاها الدكتور محمد بما نحن في شأنه؟  ما علاقة سحالي لوس جالابا جوس بالسحلية وزة؟ 

أمسك حلمي برأسه وبدأ في الضحك.  لم يكن يدري ما إذا كان يضحك من عجزه عن فهم ما يقصده الدكتور محمد, أم يضحك من اللفة الطويلة التي أخذها الدكتور محمد – والتي لم يفهم منها شيئا – من أجل أن يخبره أن الأمر عادي.  قطعًا, الأمر غير عادي وهناك أسباب قوية للغاية دفعت الحاج محمود لتأليف هذه القصص ودفعت عائلة شاهين إلى السير وراءه فيما يذهب إليه.    حقًا, لا يعرف حلمي “في الوقت الحاضر”, هذه الأسباب إلا أنه سيعرفها في الغد.   هذه, في نهاية الأمر, هي شغلته وهذا هو عمله, ومن غد سيتم فتح باب التحقيق, وإن غدًا لناظره قريب.

كانت الساعة قد اقتربت من الحادية عشرة, وحان ميعاد الرحيل.  شكر حلمي الدكتور محمد على حسن ضيافته وبالذات ساندويتشات الشاورمة, كما شكره وهو يغالب الضحك على حديثه المستفيض ومحاولته إقناعه بأن الأمر عادي للغاية.  قال له وهو يبتسم: “المسألة ليست كما تصورها يا دكتور.  الأمر غير عادي.  وسوف أثبتها لك”.   ضحك الدكتور محمد ضحكته المجلجلة وقام وأطفأ أنوار العيادة, وفتح باب العيادة.   خرج حلمي يتبعه الدكتور محمد.  أغلق الدكتور محمد الباب خلفه ونزل الاثنان السلم.

كمال شاهين 

#تطوير_الفقه_الاسلامي