عندما تفضح الكوميديا عقم التعليم الورقي (فيلم برشامة)

Gemini Generated Image 5zul05zul05zul05 - عندما تفضح الكوميديا عقم التعليم الورقي (فيلم برشامة) 1

عندما تفضح الكوميديا عقم التعليم الورقي

(فيلم برشامة)

استمتعت مؤخراً بمشاهدة فيلم “برشامة”، وقد أثارني العمل فكرياً من زاوية استراتيجية سآتي إلى تفصيلها في هذه المقالة، وتحديداً مع اقتراب بداية امتحانات الثانوية العامة الأسبوع القادم إن شاء الله.

لقد استغربت كثيراً من موجة الاعتراضات العنيفة التي طالت الفيلم، والتي يبدو أنها ناتجة عن تعدد الزوايا الضيقة التي نظر من خلالها النقاد للعمل.

لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة، هو توجيه اتهام للفيلم بأنه “يهاجم ثوابت دينية”، وهو الجدل الذي وصل صخبه إلى أروقة البرلمان المصري عبر مطالبات بوقف عرضه، الأمر الذي أعتبره من مستويات تطور ” #هبل_تايم ” وضيق الأفق في واقعنا الذي نعيشه.

دعونا من هذا الصخب ، وننزع عن الفيلم قشرة الكوميديا الساخرة لننظر إليه بعين “موضوعية” مجردة، سنجد أن هذا الفيلم يقدم في جوهره أصدق صورة وأعمق نقد للنموذج التعليمي التقليدي المأزوم الذي نعيشه اليوم.

تدور أحداث الفيلم داخل لجنة امتحان ثانوية عامة (نظام المنازل)، ليضعنا أمام مفارقة مجتمعية مثيرة للاهتمام: أشخاص في أعمار متقدمة، يمتلكون خبرات متراكمة في الحياة والمهنة، يُجبرون على حشر أنفسهم في قالب جامد اسمه “إلزامية الشهادة الثانوية” التقليدية، كشرط وحيد وأوحد لأي انتماء تعليمي لاحق في الجامعات والمعاهد، أو كبوابة إجبارية للحصول على ترقية وظيفية، نرى في الفيلم سيدة في الستين من عمرها، وراقصة، وشخصاً خرج للتو من السجن، يتصادمون جميعاً في فوضى عارمة ومحاولات غش عبثية، تنطلق شرارتها فور ظنهم بوفاة مراقب اللجنة (الأمر الذي لم يحدث فعلياً).

هذا المشهد الكوميدي “الحزين والسوداوي” يفضح بوضوح ما أسميته في رؤيتي (منظومة التعلم الشاملة) “أعراض الأزمة الحالية: من التعلم إلى التحصيل الورقي”. لقد اختزلت الأنظمة التعليمية التقليدية التعلم في “ورقة” (شهادة)، والنتيجة الحتمية إنتاج هشاشة مجتمعية وتعميق لمنطق الشهادة بوصفه غاية، بدلاً من فهم التعليم كـ “منظومة متكاملة” تصنع مستقبلاً وتستثمر بحق في الكفاءة البشرية.

وهنا يأتي التساؤل الذي يجب أن يطرحه صناع القرار بدلاً من مهاجمة العمل الفني: لماذا نقيس قدرات وخبرات الكبار المتراكمة بنفس مسطرة طفل المدرسة؟

في “منظومة التعلم الشاملة” وهي الرؤية التي وضعتها وأتبناها لإصلاح نظام التعلم، يتضح أن القفز المبكر إلى التجريد، أو حصر الناس في مسار تعليمي نمطي واحد لا يحترم الفروق الفردية ولا السن البيولوجي أو المهني، هو عقاب جماعي للمجتمع وتدمير منظم لقدراته، فالعقل البشري الذي يخوض معترك الحياة والمهنة يمر بسلم جدارة وإدراك متطور، لا يمكن بأي حال من الأحوال قياسه بورقة اختبار مصممة للحفظ والتلقين المؤقت.

واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح الحفظ ، رغم أهميته التأسيسية في مستويات وأهداف محددة ولمحطات مبكرة، عملة منتهية الصلاحية كمعيار وحيد لتقييم الكبار، فقد جعلت الآلة الوصول للمعلومة سهلاً جداً، ورفعت من قيمة ما هو أصعب:

الفهم، والتفكير النقدي، والابتكار.

الذكاء الاصطناعي اليوم ييسر الوصول إلى المعرفة المتراكمة عبر الأجيال والتي لا يمكن لعقل بشري واحد حفظها، مما يفترض أن يسهم في تقليل السدود المانعة أمام الناس للتعلم والإنتاج.

لذا، فإننا أحوج ما نكون اليوم إلى الانتقال من “ثقافة الشهادة” إلى “ثقافة المنهج والأثر”، والحل الجاد لتلك الفئات التي عرضها الفيلم بشكل ساخر يتلخص في ثلاث ركائز استراتيجية واضحة من صلب منظومة التعلم الشاملة:

  1. تفعيل نظام “الاعتراف بالتعلم السابق والخبرة” عبر تقييم خبرات الكبار وثقافتهم المتراكمة في معترك الحياة عبر لجان مستقلة واختبارات كفاءة وأداء واقعية (سلالم تقدير معيارية) لإعفائهم أو قبولهم في مسارات تعليمية متقدمة، دون إجبارهم على نسخ وتكرار “مدرسة الطفل”.
  2. فتح بوابات القبول في التعليم العالي بالاعتماد على الكفايات والقدرة الفعلية، والاعتراف بالتعلم غير النظامي والخبرة المهنية الموثقة كبديل مرن، وليس بالارتكاز على التسلسل الإجباري والجمود التنظيمي للشهادات التقليدية.
  3. صياغة مسار مستقل ومحترم لتعليم الكبار، وهذا المسار يكون تعلماً وظيفياً سريعاً، يركز على الكفايات الرقمية، المدنية، والحياتية المرتبطة باحتياجات المجتمع والنمو المهني، فالراشد يحتاج نتائج سريعة ومرنة تحترم مسؤولياته، ولا تعيده قسراً إلى مقاعد الحفظ والتلقين المدرسية النمطية.

إن رسالة فيلم “برشامة” لطيفة وضاحكة في مظهرها الكوميدي، لكنها شديدة الخطورة والعمق في جوهرها، وهي دعوة صريحة ومباشرة لكل المعنيين برسم السياسات التعليمية لإعادة النظر في القواعد والفرضيات التي تنظم العملية التعليمية في القرن الواحد والعشرين.

إن مستقبل مجتمعاتنا لن يُبنى بـ “ترميم” النظام القديم المتهالك، ولا بمطاردة “الورق” وتكريس البطالة المقنعة والتحصيل الشكلي، بل ببناء منظومة تعلم شاملة، مرنة، ومستدامة، تحترم الإنسان، وتقيس الأثر، وتحول المعرفة إلى كفاءة وإعمار حقيقي للأرض.

وفي الختام، أرفع القبعة تقديراً واحتراماً لفريق عمل فيلم “برشامة”، صناعاً، وكُتاباً، وممثلين،

الذين نجحوا ببراعة في تحريك المياه الراكدة، واستخدام الفن كمرآة صادقة تفضح عيوب الواقع التعليمي وتدفعنا نحو التفكير الجاد في التغيير، شكراً لكم على هذه الرسالة الإنسانية التي تتجاوز حدود الترفيه.

ومع دقات ساعة الامتحانات التي تقترب، أتوجه من كل قلبي بدعوات صادقة ومحبة لأبنائي وبناتي الطلاب والطالبات الذين يخوضون امتحانات الثانوية العامة الأسبوع القادم.

أقول لهم: ثقوا بالله أولاً ثم بقدراتكم، واعلموا أن هذه الاختبارات، رغم أهميتها الحالية في النظام القائم، ليست المقياس النهائي لذكائكم أو لمستقبلكم في عصرٍ بات يفتح ذراعيه للمهارة والكفاءة الحقيقية، تمنياتي لكم جميعاً بالتوفيق والنجاح.

اصلح الله بالكم،

مودتي

أحمد مبارك بشير

‏05‏/06‏/2026

للحصول على منظومة التعلم الشاملة، من الرابط ادناه:

https://ambmacpc.com/wp-content/uploads/2012/05/%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9-2026.pdf
اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.