المرحلة الانتقالية في اليمن: من وقف الحرب إلى تشغيل الدولة
الورقة الشهرية الجديدة وضمن خارطة طريق الدولة التنموية البراغماتية، وهذه الورقة قد تكون الاطول ، وفيها عدة نقلات لذا سأوفر ملف ملخص لها ،
العدد 54 في صفحة 36 يمكن تنزيله من هنا:

المدخل: الى نظام تشغيل مؤقت للدولة:
مرحباً،
في الأوراق السابقة من هذا المسار، حاولت الاقتراب من سؤال كبير ومُلح:
- ما النموذج الممكن لدولة تتآكل مؤسساتها، وتتبعثر مواردها، وتختلط فيها السيادة بأدوات الجباية، ويعيش اقتصادها بين هشاشة السوق وضعف الدولة؟
بدأت رحلة البحث عن النموذج الاقتصادي للدولة، ثم انتقلت إلى تفكيك عقدة المركز والأطراف عبر طرح فكرة الحكم الذاتي الاقتصادي للمحافظات.
وحاولت بعد ذلك الاقتراب من هندسة الكيانات الاقتصادية للانتقال من “اقتصاد الدكاكين” إلى “اقتصاد المؤسسات”، وصولاً إلى الإنسان نفسه من خلال تفكيك معضلة سوق العمل، متسائلاً: كيف نبني ثقة مؤسسية تسمح للشاب والعامل وصاحب المهارة بالدخول إلى سوق العمل بكرامة وعدالة وكفاءة؟
لكن كل هذه الحلقات المتصلة، على أهميتها البالغة، تبقى معلقة في الفراغ ما لم نتوقف أمام سؤال أعمق وأكثر جذرية: - كيف يمكن بناء دولة تنموية، أو حتى تأسيس اقتصاد قابل للحياة، إذا كانت الدولة نفسها لا تعرف كيف تدير مرحلتها الانتقالية؟
في اليمن، لا تكمن المعضلة فقط في استمرار الحرب، ولا في الضعف المزمن للحكومة، ولا في التدهور المستمر للعملة الوطنية، ولا حتى في الانهيار الشامل للخدمات الأساسية. رغم أن كل ذلك حقيقي ومؤلم ويمس حياة الناس يومياً، إلا أن المعضلة الأعمق والأخطر تكمن في أن كل تحول سياسي في اليمن يكاد يبدأ وكأنه يلغي ما قبله.
كل سلطة جديدة تأتي لتبدأ من الصفر، وكل انتقال سياسي يتحول إلى فرصة جديدة لهدم ما تراكم، بدلاً من أن يكون مناسبة لترشيده والبناء عليه.
وهنا تظهر الفجوة الكبرى بين “الحكومة” و”الدولة”.
فالحكومة كيان متغير، قد تصيب وقد تخطئ، وقد تكون حكومة حرب أو حكومة تسوية سياسية أو حكومة انتقالية.
أما الدولة فهي كيان أعمق وأبقى، هي
القانون المستقر،
والسجلات المحفوظة،
والقضاء المستقل،
والجيش المنضبط،
والأمن الحامي،
والخدمة المدنية الفاعلة،
والذاكرة المؤسسية التي لا تمحى.
الدولة هي القدرة اليومية على ضمان حصول المواطن على الكهرباء والماء وطريق آمن وخدمة عامة دون أن يتعرض للإذلال.
المشكلة الجوهرية في اليمن هي أن الحكومة، حين تضعف أو تتغير أو تنقسم، تسحب معها الدولة بأكملها إلى مستنقع الضعف والانقسام.
هذا هو الخطر الحقيقي، فالدول لا تنهار فقط عندما تسقط الحكومات، بل تنهار بشكل مدمر عندما تفقد مؤسساتها ذاكرتها، وتصبح القاعدة الوحيدة الحاكمة هي: “من يسيطر اليوم يكتب النظام من جديد”.
ومن هنا، فإن الحديث عن المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن يبقى حديثاً سياسياً ضيقاً ومحصوراً في تقاسم السلطة، أو توزيع الحقائب الوزارية، أو إرضاء الأطراف المتصارعة، أو إنتاج صيغة محاصصة جديدة تحمل اسماً أكثر أناقة.
المرحلة الانتقالية في بلد معقد مثل اليمن يجب أن تُصمم وتُدار بوصفها “نظام تشغيل مؤقت للدولة”، نظاماً يمنع الهدم، ويثبت الحد الأدنى من مقومات الحياة، ويحول طاقة الفوضى العارمة إلى مسارات منظمة ومنتجة.
ليست المرحلة الانتقالية مطالبة بأن تحسم كل قضايا اليمن دفعة واحدة، فهي لا تمتلك القدرة على حسم شكل الدولة النهائي، ولا تستطيع معالجة كل الآثار العميقة للحرب، ولا بناء اقتصاد حديث ومتكامل خلال أشهر معدودة.
لكن يقع على عاتقها التزام أسبق وأهم: - أن تمنع كل الممارسات التي تعيد إنتاج الحرب.
يجب أن تمنع تحويل المدن إلى ثكنات عسكرية، وأن تمنع تحول الطرقات إلى نقاط جباية وإذلال.
عليها أن تمنع المجندين الشباب من التحول إلى كتلة بطالة مسلحة تهدد الاستقرار، وأن تحمي الوظيفة العامة من البقاء كمخزن للشيخوخة الإدارية والعجز المالي.
والأهم من ذلك كله، يجب أن تمنع السلطة الانتقالية نفسها من التصرف كما لو أنها سلطة دائمة ومطلقة.
إن المرحلة الانتقالية الناجحة ليست تلك التي ترفع شعارات كبرى وفضفاضة عن بناء الدولة، بل تلك التي تصمم نظاماً فاعلاً لتشغيل الدولة في حدها الأدنى:
أمن يحمي ولا يبتلع المدينة، جيش منضبط لا يتحول إلى بطالة مسلحة، خدمة مدنية قابلة للتجديد، ونظام تقاعد لا يدفع الموظف للتشبث بموقعه خوفاً من الفقر.
إنها تتطلب محافظات قادرة على إدارة مواردها بفاعلية ضمن سقف الدولة الواحدة، ومعالجة سريعة للملفات الخدمية العاجلة التي تعيد للمواطن شعوره بأن هناك دولة ترعاه، لا مجرد سلطة تبحث عن الموارد.
من هذا المنطلق، لا أتعامل مع المرحلة الانتقالية كجسر سياسي للعبور فقط، بل كمعمل حقيقي لإعادة بناء “الدولة التنموية البراغماتية”.
والبراغماتية هنا لا تعني التنازل عن المبادئ أو التخلي عن الثوابت الوطنية، بل تعني البدء من الممكن، وترتيب الأولويات بواقعية، وتجنب الأوهام الكبرى التي تعد بكل شيء ولا تنجز شيئاً على الأرض.
اليمن لا يحتاج في هذه اللحظة الحرجة إلى استنساخ تجارب خارجية جاهزة، سواء قيل لنا رواندا أو غيرها، فلكل تجربة سياقها وشروطها التاريخية والاجتمعية.
تجربة رواندا، على سبيل المثال، قامت على مركزية صارمة وسلطة شديدة الانضباط، وهو ما قد ينتج مؤشرات اقتصادية لافتة، لكنه لا يصلح كوصفة سحرية لبلد مثل اليمن، المتعدد في جغرافيته ومجتمعه ومصالحه ومراكز قواه.
واليمن، في الوقت ذاته، لا يمكن أن يُدار بعقلية الدولة المركزية الصلبة وحدها، ولا بعقلية التفكك الكامل، بل يحتاج إلى صيغة ثالثة ومبتكرة: - دولة واحدة بسقف سيادي واضح، تديرها مؤسسات تنظم ولا تخنق، وتعتمد على محافظات فاعلة اقتصادياً، وشراكات تخلق القيمة الحقيقية ولا تكتفي بجمع الجباية.
لذلك، فإن السؤال المركزي لهذه الورقة هو: - كيف تُدار المرحلة الانتقالية بحيث لا تتحول إلى مقدمة لحرب جديدة، ولا إلى مجرد “استراحة محارب”، ولا إلى موسم جديد من المحاصصة السياسية، بل لتكون بداية عملية وملموسة لتشغيل الدولة وإعادة بناء الثقة المفقودة؟
(2) أزمة المنظومة وقيادة الفرد:
من أكثر الأخطاء المنهجية انتشاراً في قراءة الحالة اليمنية هو الخلط المستمر بين “الحكومة” و”الدولة”، فحين تتغير الحكومة، يظن البعض أن الدولة بأكملها قد تغيرت، وحين تضعف الحكومة، يُسارع إلى القول إن الدولة قد انتهت.
وحين يصل شخص جديد إلى موقع المسؤولية، يبدأ العمل من نقطة الصفر، وكأن التاريخ المؤسسي بأكمله كان مجرد مسودة قابلة للمحو والحذف.
هذا الخلط العميق يمثل أحد الجذور الرئيسية للأزمة اليمنية المستعصية.
الحكومة، في معناها العملي والوظيفي، هي الجهاز التنفيذي الذي يدير السياسات العامة في مرحلة زمنية معينة، وفق برنامج محدد وأولويات واضحة وصلاحيات مقننة.
أما الدولة، فهي كيان أوسع وأعمق بكثير من الحكومة. الدولة هي المنظومة الشاملة التي تحفظ القانون، وتدير السجلات الوطنية، وتضمن استمرار القضاء، وتنظم الخدمة المدنية، وتحمي المال العام، وتدير الأمن الداخلي، وتحفظ الذاكرة المؤسسية من التلف، وتمنع تحول كل تغيير سياسي إلى عملية هدم جديدة.
ولهذا، فإن الدولة الحقيقية لا تُقاس فقط باسم رئيس الحكومة، ولا بعدد الوزراء في التشكيل الحكومي، ولا بالبيانات الصادرة عن الاجتماعات الرسمية.
بل تُقاس بقدرة مؤسساتها على الاستمرار في العمل وتقديم الخدمات حتى عندما يتبدل الأشخاص وتتغير الوجوه.
هنا تكمن الفكرة الجوهرية:
عندما تُبنى منظومة قوية بقواعد وآليات مؤسسية واضحة، فإنها تمتلك القدرة على تقويم الأداء وتصحيح المسار حتى لو وصل إلى موقع القرار، في ظرف ما، شخص غير مناسب، فالمنظومة القوية لا تمنع الخطأ تماماً، إذ لا توجد منظومة معصومة، لكنها تقلل من أثره، وتكشفه مبكراً، وتصححه بآلياتها الذاتية، وتمنع تحول الضعف الفردي إلى انهيار مؤسسي عام.
أما عندما تكون الدولة قائمة بالكامل على الفرد وحده، فإنها قد تبدو قوية ومتماسكة ما دام هذا الفرد حاضراً، لكنها تنكشف وتنهار فور غيابه، قد يكون الشخص مناسباً في مكان مناسب، وفي وقت مناسب، ومع أدوات مناسبة، فيحقق أثراً جيداً ومهماً في قطاعه، لكن الاعتماد الكلي على الفرد وحده يجعل النظام بأكمله معلقاً بوجوده، فإذا غاب، أو تغير، أو ضعف، أو أُقصي، غاب معه النظام بأكمله.
الفرق شاسع وجوهري بين “فرد يقود منظومة” و”فرد يحل محل المنظومة”.
في الحالة الأولى، يبقى النظام متماسكاً بعد ذهاب الشخص، وتستمر المؤسسة في أداء دورها.
أما في الحالة الثانية، فينتهي النظام بانتهاء الشخص، وتعود المؤسسة إلى نقطة الصفر.
وهذا تحديداً ما عانى منه اليمن طويلاً وبتكلفة باهظة، فقد ارتبطت كثير من المؤسسات بالأشخاص لا بالقواعد، وبالمراكز لا بالأنظمة، وبالولاءات لا بالإجراءات، وبالنفوذ لا بالسجلات.
لذلك، كلما تبدل مركز قوة، اهتزت المؤسسة التابعة له، وكلما تغيرت السلطة، عادت الدولة إلى نقطة البداية، أو إلى حالة تشبهها.
النتيجة الكارثية لم تكن فقط فقدان الاستقرار السياسي، بل الأخطر من ذلك فقدان “التراكم المؤسسي”.
وهذا الفقدان أخطر بكثير من مجرد تغيير الحكومات، فالحكومات تتغير في كل دول العالم، قد تأتي حكومة أفضل أو أسوأ، أقدر أو أضعف.
لكن الدول المستقرة لا تبدأ من الصفر مع كل حكومة جديدة، هناك قوانين قائمة، وسجلات محفوظة، وذاكرة إدارية، وخدمة مدنية، وقضاء مستقل، ومؤسسات رقابية، وأنظمة مالية، وتقاليد عمل راسخة، وهناك، الأهم من ذلك، حدود واضحة بين ما يجوز تغييره سياسياً وما لا يجوز العبث به مؤسسياً.
أما في اليمن، فقد أصبح كل انتقال سياسي تقريباً مناسبة لإعادة تعريف الدولة من جديد،
ليس تطويراً لما سبق، بل إلغاء كامل له.
ليس إصلاحاً للمؤسسات، بل استبدالاً لشبكات المصالح والعلاقات.
ليس تحديثاً للقواعد، بل تصفيراً متعمداً للخبرة.
ولهذا، لا يكفي في المرحلة الانتقالية أن نطرح الأسئلة السطحية المعتادة:
من هو رئيس الحكومة؟ ومن هم الوزراء؟ ومن يمثل هذا الطرف أو ذاك؟
بل يجب أن نطرح الأسئلة الأعمق والأكثر استدامة:
ما هي القواعد التي ستمنع أي حكومة انتقالية من هدم ما تبقى من الدولة؟
وما هي المؤسسات التي يجب تحصينها لضمان استمراريتها حتى عندما يتغير الأشخاص؟
وما هي الملفات السيادية والخدمية التي لا يجوز أن تبقى رهينة للمزاج السياسي المتقلب؟
وما هي الحدود التي يجب أن تقيد السلطة الانتقالية نفسها، حتى لا تتصرف وكأنها سلطة دائمة ومطلقة؟
هذه الأسئلة هي جوهر وعمق المرحلة الانتقالية، فإذا لم تُضبط المرحلة الانتقالية بمنظومة قواعد صارمة وواضحة، فإنها ستتحول حتماً إلى موسم جديد لتوزيع النفوذ، وإعادة ترتيب المصالح، وفتح أبواب التعيينات العشوائية، وتصفية الحسابات السياسية، وإعادة تشكيل المؤسسات على مقاس اللحظة الراهنة، وعندها، لن تكون انتقالاً نحو الدولة، بل انتقالاً جديداً داخل دوامة الفوضى.
(3) لماذا لا تتراكم المؤسسات في اليمن؟
لفهم تعقيدات المرحلة الانتقالية في اليمن، لا يكفي أن نُسلط الضوء على لحظة الحرب الحالية وحدها، فالحرب، رغم قسوتها وتداعياتها المدمرة، كشفت الأزمة ووسعتها، لكنها لم تصنعها من العدم، المشكلة أعمق وأقدم من ذلك بكثير.
خلال ما يقارب قرناً من التحولات السياسية والانقلابات والصراعات المتعاقبة، اعتاد اليمن أن يدخل كل مرحلة جديدة وكأنها بداية جديدة ومطلقة.
سلطة تذهب، فتذهب معها قواعدها وسجلاتها،
وسلطة تأتي، فتبدأ بتصفير ما قبلها.
يُصدر قانون فلا تكتمل مؤسساته التنفيذية،
وتُشكل مؤسسة ثم يُعاد تفكيكها أو اختراقها أو تحويلها إلى أداة ولاء سياسي.
وهكذا، بدلاً من أن تتراكم مؤسسات الدولة وتتطور، لا تتراكم في اليمن سوى الإخفاقات.
وهنا ينبغي التوقف عند هذه النقطة الجوهرية:
ليست كل الثورات أو الانقلابات أو التحولات السياسية تؤدي بالضرورة الحتمية إلى تدمير الدولة، كثير من الدول في العالم شهدت انقلابات عسكرية وثورات شعبية وحروباً أهلية، لكنها نجحت في الإبقاء على حد أدنى من الذاكرة المؤسسية.
قد يتغير النظام السياسي الحاكم، وقد يعدل الدستور أو يُلغى، وقد تتبدل الحكومات، لكن تظل السجلات الوطنية، والمحاكم، والإدارة المحلية، والأجهزة الفنية، والقوانين المنظمة للحياة العامة تعمل وتتطور بدرجات متفاوتة.
في اليمن، حدث العكس تماماً في محطات تاريخية كثيرة، فكل طرف سياسي أو عسكري وصل إلى السلطة كان يميل إلى التعامل مع الدولة بوصفها “مساحة سيطرة ونفوذ جديدة”، لا كمنظومة وطنية يجب الحفاظ عليها وتطويرها، هذا النهج جعل الدولة اليمنية، بدلاً من أن تنمو وتترسخ طبقة فوق طبقة، تتعرض في كل مرحلة لعملية “كشط مؤسسي” قاسية. وكأن كل جيل سياسي يسعى جاهداً لإزالة آثار الجيل السابق بدلاً من فحصها وتصحيحها والبناء عليها.
ولهذا، تبدو المقارنات مع بعض الدول العربية شديدة التضليل في أغلب الأحيان.
فمصر، على سبيل المثال، شهدت تحولات سياسية كبرى، وانقلابات، وتغييرات جذرية في شكل الحكم، لكنها حافظت إلى حد كبير على استمرارية الجهاز الإداري والقانوني، قد نختلف حول كفاءة هذا الجهاز أو مدى عدالته أو مرونته، لكن هناك “دولة عميقة” بالمعنى الإداري والمؤسسي، سجلات، وقضاء، وبيروقراطية، وقوانين، وجيش، وجهاز خدمة مدنية، ومؤسسات قادرة على الاستمرار حتى عندما تتغير الحكومات أو يسقط رأس النظام.
أما العراق، فيقدم مثالاً آخر أكثر قرباً من الوضع اليمني، فبعد الغزو الأمريكي عام 2003، لم تكن المشكلة الأساسية في تغيير النظام السياسي فحسب، بل في التفكيك الممنهج لأجزاء رئيسية من الدولة، خاصة المؤسسة العسكرية والإدارية، هذا التفكيك فتح فراغاً واسعاً دخلت منه الميليشيات المسلحة، والهويات الفرعية، واقتصاد الحرب، والمحاصصة الطائفية، والفساد المؤسسي، وبقدر ما كان العراق دولة ذات موارد مالية ونفطية ضخمة، إلا أن كسر “التراكم المؤسسي” جعله يدفع، وما زال يدفع، ثمناً باهظاً.
اليمن، للأسف الشديد، يقترب من هذا الخطر العراقي، وربما يتجاوزه في أغلب الجوانب، فاليمن لا يملك مركزاً إدارياً صلباً وتاريخياً كالعراق، ولا يمتلك مورداً نفطياً ضخماً قادراً على شراء الوقت أو تغطية تكاليف الفشل الإداري، ولا جهاز دولة مستقر يستطيع امتصاص الصدمات المتتالية.
اليمن، بواقعه الحالي، أكثر هشاشة، وأكثر تعدداً في مراكز القوة والنفوذ، وأكثر قابلية لتحول الانقسام السياسي العابر إلى انقسام إداري ومالي وأمني واجتماعي دائم.
بالتالي، فإن المرحلة الانتقالية في اليمن لا يمكن، ولا ينبغي، أن تُدار بمنطق: - نغير الوجوه أولاً، ثم نفكر لاحقاً في الدولة.
هذا المنطق ليس فقط معكوساً، بل هو منطق تدميري، الصحيح والبراغماتي أن نسأل أولاً:
ما الذي يجب ألا يُهدم؟
ما الذي يجب أن يستمر في العمل مهما تغيرت الحكومة؟
ما هي الملفات الحساسة التي تحتاج إلى إدارة انتقالية خاصة ومستقلة؟
وما هي المؤسسات التي يجب عزلها تماماً عن المحاصصة والتجاذب السياسي؟
لأن الانتقال السياسي الذي لا يضع حدوداً واضحة للهدم، سيتحول بالضرورة إلى هدم جديد باسم الانتقال، وهذا تحديداً ما حدث مراراً وتكراراً في تاريخ اليمن الحديث، في كل مرة يُقال لنا إننا نقف أمام مرحلة جديدة وتاريخية، ثم نكتشف لاحقاً أن “الجديد” هو مجرد توزيع مختلف للنفوذ، لا نظام مختلف وفعال لإدارة الدولة. تتغير الشعارات المرفوعة، لكن تظل الأدوات القديمة كما هي:
تعيينات مبنية على الولاء لا الكفاءة،
موارد تُدار بلا شفافية،
نقاط جباية تنتشر كالفطر،
سلاح منفلت خارج إطار النظام،
خدمات منهارة تزيد من معاناة المواطن،
وموظف عام ضائع لا يعرف هل يخدم نصوص القانون أم يخدم المسؤول الذي عينه.
هذه ليست مرحلة انتقالية، هذا تدوير مستمر للفوضى.
المرحلة الانتقالية الحقيقية والناجحة يجب أن تبدأ من الاعتراف الصريح بأن الدولة اليمنية لم تعد قادرة على تحمل دورة هدم جديدة، فما تبقى من مؤسسات وهياكل لا يحتاج إلى اقتلاع شامل من الجذور، بل يحتاج إلى عملية فرز دقيق وعقلاني:
ما الذي يجب إصلاحه وتطويره؟
ما الذي يجب دمجه لتقليل الهدر؟
ما الذي يجب تفكيكه لأنه أصبح خطراً يهدد الاستقرار؟
ما الذي يجب تحييده تماماً عن السياسة؟
وما الذي يجب تحويله من عبء ثقيل إلى رافعة تنموية حقيقية؟
وهنا تبرز الأهمية القصوى لمفهوم “الدولة التنموية البراغماتية”، فهذه الدولة لا تبدأ من الأحلام الكبرى والطوباوية، ولا من الشعارات السياسية المكتملة، ولا من انتظار التسوية النهائية الشاملة التي قد تطول، بل تبدأ من الممكن والضروري: - تثبيت الحد الأدنى من الدولة، وتحويل الملفات المتفجرة والمعقدة إلى مسارات عمل قابلة للإدارة والحل.
الدولة التنموية البراغماتية في المرحلة الانتقالية:
لا تكتفي بسؤال: كيف نعيد بناء الدولة؟ بل تسأل قبل ذلك وبإلحاح: كيف نمنع ما تبقى من الدولة من الانهيار الكامل؟
ولا تسأل فقط: كيف نوحد السلاح تحت مظلة واحدة؟ بل تسأل: كيف نمنع الشباب المسلح من التحول إلى قنبلة بطالة مسلحة موقوتة؟
ولا تسأل فقط: كيف نزيد الإيرادات العامة؟ بل تسأل: كيف نمنع الجباية العشوائية من قتل الاقتصاد وإهدار كرامة المواطن معاً؟
ولا تسأل فقط: كيف نصلح جهاز الخدمة المدنية المترهل؟ بل تسأل: كيف نفتح الجهاز الإداري لدماء شابة وجديدة دون أن نلقي بالموظفين القدامى إلى غياهب الفقر؟
ولا تسأل فقط: كيف نوفر الكهرباء والمياه؟ بل تسأل: كيف نجعل تقديم الخدمات الأساسية مدخلاً حقيقياً لاستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والدولة؟
هذا هو الفارق الجوهري بين “الانتقال السياسي” و”الانتقال المؤسسي”.
الانتقال السياسي يكتفي بتوزيع المواقع وتقاسم الكعكة.
أما الانتقال المؤسسي، فيعيد تعريف القواعد ويرسخها.
الأول قد يوقف إطلاق النار والحرب مؤقتاً،
لكنه لا يمنع عودتها عند أول خلاف.
أما الثاني، فهو الذي يخلق فرصة حقيقية ومستدامة لبناء سلام قابل للحياة.
ولهذا، لا ينبغي لليمنيين أن ينخدعوا بفكرة أن تشكيل حكومة جديدة، أو توقيع اتفاق سياسي برعاية دولية، أو تغيير أسماء بعض المسؤولين، يكفي للقول إننا دخلنا مرحلة انتقالية حقيقية.
المرحلة الانتقالية لا تُقاس ببيان سياسي منمق، بل بسلوك السلطة الفعلي تجاه مؤسسات الدولة.
فإذا جاءت السلطة الجديدة لتستبدل شبكات الولاء القديمة بشبكات ولاء أخرى تابعة لها، فهي ليست سلطة انتقالية.
وإذا تعاملت مع الموارد الوطنية كغنيمة حرب يجب تقاسمها، فهي ليست انتقالية.
وإذا أبقت السلاح خارج إطار النظام والقانون، فهي ليست انتقالية.
وإذا تركت الطرقات والمنافذ لنقاط التفتيش والجبايات غير القانونية، فهي ليست انتقالية.
وإذا واصلت إدارة الخدمات الأساسية بذات منطق الترقيع والمسكنات، فهي ليست انتقالية.
وإذا تجاهلت قضايا العدالة وجبر الضرر، فهي مجرد سلطة تؤجل الحرب ولا تعالج أسبابها العميقة.
المرحلة الانتقالية ليست مجرد اسم أو صفة تُضاف إلى الحكومة.
هي طريقة مختلفة تماماً وجذرياً في إدارة السلطة.
وحتى تكون كذلك بالفعل، يجب أن تقوم على مبدأ صارم وواضح: - لا أحد يملك الدولة في المرحلة الانتقالية. لا الحكومة، ولا الأحزاب السياسية، ولا الجماعات المسلحة، ولا المحافظون، ولا مراكز النفوذ القبلية أو المالية، ولا حتى الأطراف الخارجية.
الدولة في المرحلة الانتقالية هي “أمانة مؤقتة”، ووظيفتها الأساسية والأسمى أن تصل بالبلد إلى وضع أفضل وأكثر استقراراً مما استلمته، لا أن تعيد تشكيله وتفصيله على مقاس القوة الغالبة في لحظة تاريخية عابرة.
ومن هنا، يصبح السؤال التالي والأهم: - إذا كانت المرحلة الانتقالية ليست موسماً للمحاصصة، وليست سلطة دائمة، وليست هدماً جديداً باسم الإصلاح، فما هي وظيفتها العملية في اليمن؟ وكيف يمكن تحويل هذه المبادئ إلى آليات عمل تحمي الدولة وتؤسس لنموذج تنموي مستدام؟
(4) وظيفة المرحلة الانتقالية:
في رأيي، الوظيفة الأولى للمرحلة الانتقالية ليست أن تحل كل قضايا اليمن، فهذا وهم كبير،
اليمن لا يعاني من مشكلة واحدة حتى تعالجها حكومة واحدة، ولا من ملف واحد حتى يحله اتفاق سياسي واحد.
نحن أمام حرب ممتدة، وانقسام مؤسسي، وتفتت مالي، وسلاح منتشر، وخدمات منهارة، وثقة مكسورة، وموارد مبعثرة، وقطاع عام مترهل، ومجتمع أنهكته سنوات طويلة من الخوف والفقر والانتظار.
لذلك ، المرحلة الانتقالية الواقعية والذكية لا يمكنها تسويق وعود وردية بإنهاء إرث الحرب الشاملة وتصفير الأزمات بضربة حظ، بل إن وظيفتها الحصرية والملزمة تتلخص في صياغة “نظام تشغيل مؤقت للدولة” ، يوقف النزيف، ويحمي الحاضر من الانهيار الكامل ، عبر سياق تنفيذي محكم يتحرك من خلال خمس مهام أساسية ومترابطة:
- تثبيت الحد الأدنى من الدولة وحماية قنوات السيادة:
- لا يمكن إطلاق أي عملية تعافٍ اقتصادي أو مؤسسي دون تأمين حد أدنى صلب تلتف حوله مؤسسات البلاد.
- والحد الأدنى هنا لا يعني جهازاً بيروقراطياً مثالياً أو دولة قوية مكتملة الأركان، بل يعني صيانة القواعد الأساسية والأصول السيادية التي تمنع السقوط الكامل للبلد في منطق “الكانتونات” والمليشيات.
- يتجسد هذا الحد الأدنى في:
قضاء مستقل وناشط في فروع المحافظات،
سجلات وطنية ومدنية وعقارية محصنة من التزوير،
بنك مركزي يمارس وظيفته السيادية وحوكمة النقد كـ “حَكَم لا لاعب” بعيداً عن التجاذب السياسي،
خدمة مدنية قابلة للإصلاح،
قنوات مالية نظامية وموثوقة تدخلها الموارد العامة،
ومحافظات تدير شؤونها الحيوية ضمن إطار وطني تشريعي موحد. - وبدون هذه القاعدة، يفقد المواطن البوصلة، ولا يعود يعرف إلى أي قانون يحتكم، ولا أين يدفع الرسوم، وتفقد الدولة معناها العملي وإن بقي اسمها بروتوكولياً في البيانات الرسمية.
- منع الهدم المؤسسي وكبح “عقلية التصفير”:
- كل تحول سياسي طارئ يجب أن يبدأ بسؤال وقائي: “ما الذي يجب منعه فوراً لحماية المؤسسة؟”.
- الأولوية البراغماتية تلزم السلطة الانتقالية بوضع كوابح صارمة تمنع التعيينات العشوائية القائمة على المحاصصة والمقايضة السياسية التي تستبدل شبكة ولاء بشبكة ولاء أخرى ، ومنع العبث بالسجلات والأصول العامة، ومنع تحويل الموارد السيادية إلى قنوات مالية موازية.
- كما يجب حظر استخدام مرافق الدولة ومناصبها كجوائز ترضية سياسية، أو إنشاء كيانات موازية هلامية فوق كيانات قديمة دون معالجة الأصل.
- فليس كل تغيير إداري هو بالضرورة إصلاح، وأحياناً يكون الإبقاء المؤقت على مؤسسة قائمة مع ضبطها ومراقبتها بعقود الأداء، أفضل بكثير من نسفها وبناء بديل أضعف وأكثر فساداً.
- المرحلة الانتقالية الذكية لا تتعامل مع الدولة كأرض بيضاء، بل كبيت قديم متعب، فيه جدران متشققة وأسلاك مكشوفة، لكنه لا يزال يؤوي الناس، والحكمة تقتضي تدعيمه وترميمه لا هدمه فوق رؤوس ساكنيه.
- تشغيل الخدمات الأساسية وصناعة “حزمة ثقة المواطن”:
- إن المواطن اليمني البسيط لا يقيس نجاح الانتقال بما يكتب في الوثائق السياسية أو أناقة الخطط الحكومية، بل يقيسها بأسئلة يومية قاسية تلامس معيشته وكرامته: هل جاءت الكهرباء؟ هل وصلت المياه؟ هل خفت نقاط التفتيش؟ وهل صارت الأسعار أرحم؟.
- هذه الأسئلة هي الاختبار الحقيقي للشرعية ، فالخدمات في اليمن ليست ملفات بلدية جافة، بل هي ملفات سياسية بامتياز تحدد علاقة الإنسان بالدولة.
- الدولة التي لا تقدم خدمة، لا تمتلك الحق الأخلاقي في طلب الثقة أو تحصيل الرسوم والولاء.
- ولذلك، يجب حوكمة وهندسة هذه الخدمات عبر مسارين متلازمين:
مسار إنقاذ فوري عاجل (من 1 إلى 12 شهراً)،
ومسار تحول استراتيجي ومستدام (من 1 إلى 5 سنوات) ، - وفق المصفوفة التنفيذية التالية:
| الكهرباء | الكهرباء في اليمن ليست ملفاً فنياً مجرداً، بل هي ملف سياسي واجتماعي واقتصادي ونفسي بامتياز. فحين تنقطع الكهرباء في مدينة حارة، لا يتوقف التيار الكهربائي فقط، بل تتوقف شروط الحياة الأساسية، تتعطل المستشفيات، وتتلف الأدوية، وتتراجع إنتاجية المحلات والورش، وتزداد معاناة الأسر، ويتحول البيت إلى مساحة ضغط نفسي يومي. وكل ساعة انقطاع جديدة هي رسالة سلبية تقول للمواطن إن الدولة عاجزة عن أبسط واجباتها، ولهذا يجب أن تتبوأ الكهرباء صدارة برنامج الثقة الانتقالية. | |
| المياه (الأمن الصامت) | قد تبدو المياه أقل صخباً من الكهرباء في النقاشات السياسية السطحية، لكنها في الواقع أخطر منها في كثير من المناطق. فالمياه ترتبط بالصحة العامة، والزراعة، والاستقرار السكاني، والنزوح، والصراعات المحلية. وفي بلد يتداخل فيه شُح الموارد المائية مع ضعف الإدارة وتهالك الشبكات والحفر العشوائي، يصبح هذا الملف جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني لا مجرد خدمة بلدية عابرة. وفي المرحلة الانتقالية، يجب أن تبدأ معالجة المياه من قاعدة بسيطة: لا يجوز أن تُدار المياه بمنطق رد الفعل اللحظي، فهي لا تمنح الدولة صورة جيدة فحسب، بل تمنع الانفجار الاجتماعي الصامت. | |
| النزوح | النزوح في اليمن ليس ملفاً إنسانياً معزولاً، بل هو المحصلة الصادقة للحرب، والفقر، وانهيار الخدمات، وتفكك أسواق العمل، وغياب سياسات الإسكان وضعف الإدارة المحلية. الخطر الأكبر هنا هو أن يظل النازحون في نظر الدولة مجرد أرقام صماء في كشوفات المنظمات الدولية. النازح إنسان فقد مسكنه، ومصدر دخله، وأمانه، وشبكته الاجتماعية، وإذا بقي لسنوات خارج أي مسار دمج حقيقي، ستتولد حوله مشكلات بنيوية خطيرة: تعليم ضائع، عمالة أطفال، زواج مبكر، وتوترات مع المجتمعات المضيفة، لينشأ جيل كامل في الهامش. يجب الانتقال من فلسفة الإغاثة المؤقتة إلى منطق الدمج، الحماية، والعودة الآمنة؛ فالنازح الذي يجد عملاً ومدرسة يصبح لبنة في التعافي، بينما تركه مهملاً لسنوات هو صناعة لعنوان جديد من الفشل. | |
| الغلاء (حين تصبح الأسعار سياسة يومية) | الغلاء ليس مجرد نتيجة حتمية لتدهور سعر الصرف والعملة الوطنية فحسب، بل هو أيضاً الابن الشرعي للجبايات العشوائية، وتكاليف النقل الجنونية، وتعدد الرسوم، وضعف الرقابة، واحتكار السلع، وانقطاع الطرق وتضخم كلفة الطاقة. معالجة الغلاء لا تكون بالشعارات أو بتهديد التجار في وسائل الإعلام، فهذه مسرحية قديمة حفظ الجمهور نصها بالكامل. إذا كانت الدولة تفرض رسوماً متعددة وتترك نقاطاً غير قانونية تبتز الشاحنات على الطرق، ثم تطلب من التاجر خفض السعر، فهي تشارك في صناعة الغلاء ثم تلقي باللوم على السوق. الغذاء استقرار سياسي، وعندما يشعر المواطن أن أسعار الخبز والزيت والدواء تتحرك بلا سقف أو تفسير منطقي، فإنه لا يرى في الدولة إلا عجزاً أو تواطؤاً، وكلاهما خطر مدمر. | |
| الاتصالات والإنترنت | في الحقب الماضية، كانت الدولة تعلن عن حضورها عبر العَلم، والجيش، والجواز، والطابع، والمبنى الحكومي، أما اليوم، فإن الدولة تظهر وتتجسد عبر “الشبكة”. الاتصالات هي التعليم، والصحة، والتجارة، والتحويلات المالية، والعمل عن بعد، والإعلام، والأمن، والهوية الرقمية والخدمات الحكومية. ومن يسيطر على الاتصالات يمتلك حيزاً حساساً من السيادة الحديثة. وفي السياق اليمني المنقسم، يكتسب هذا الملف حساسية قصوى، فلا يمكن أن تظل الدولة عاجزة عن بناء سيادتها الرقمية في مناطق إدارتها، وتترك المواطن رهينة للاحتكار وضغف الخدمة والانقطاع الدائم. الاتصالات أداة لربط الدولة بالمواطن وتسهيل حياته وتقليص الاحتكاك البشري الذي يفتح أبواب الفساد، مع الانتباه الحذر إلى أن الرقمنة دون حوكمة قد تصنع فساداً أسرع نمواً. | |
| الطرق | الطريق البري هو الاختبار الميداني الحقيقي للسيادة. إذا كان الطريق آمناً ومنضبطاً، انخفضت كلفة النقل، ووصلت البضائع بسلاسة، وتحرك الناس، وتنفّس الاقتصاد الرئوي. أما إذا تحول الطريق إلى مصيدة لنقاط التفتيش، والجبايات، والمخاطر، ارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وتقطعت الأسواق وتعمق الانقسام الجغرافي والمجتمعي بين المحافظات. فتح الطرق وتأمينها يقع في صلب الأولويات، فكل ساعة تأخير ومبلغ غير قانوني يُدفع في الطريق يظهر فوراً في فاتورة غذاء ودواء المواطن، الذي بات يدفع ثمن الفوضى مرتين: مرة في كرامته وعبر الإهانة، ومرة من قوته وفي فاتورة أسعاره. |
الخطأ المتكرر والكارثي للحكومات اليمنية المتعاقبة تعاملها مع كافة الملفات على أنها متساوية الأثر، أو اندفاعها لفتح جميع الجبهات والمشاريع دفعة واحدة، لتكون النتيجة الحتمية هي العجز التام وعدم إنجاز أي شيء.
تقتضي الحكمة البراغماتية وضع ترتيب صارم وقاطع للأولويات على النحو التالي:
1) ملفات الإنقاذ الفوري (أولوية عاجلة): وتستهدف التدخلات الإسعافية المباشرة لحفظ الرمق وتأمين العيش:
كهرباء للمرافق الحيوية، مياه وصحة أولية في المدن ومخيمات النزوح،
طرق آمنة ومفتوحة لتدفق الغذاء والدواء،
كبح وضبط الجبايات غير القانونية،
تقديم الدعم النقدي المباشر للفئات الأشد هشاشة، وتأمين اتصال مستقر للتعليم والصحة والإدارة العامة.
2) ملفات التشغيل والانتظام (أولوية مؤسسية مرافقة): وتستهدف مأسسة العمل وضمان ديمومته:
التحصيل الإلكتروني للكهرباء والمياه لمنع الهدر،
بناء شرطة طرق محترفة،
توحيد السجلات الوطنية للنازحين والموظفين والمجندين،
تفعيل بوابات الدفع،
رقمنة الأوعية الإيرادية الأساسية،
وصياغة عقود أداء صارمة للمرافق الخدمية.
3) ملفات التحول الاستراتيجي (أولوية ممتدة): وتستهدف المستقبل وبناء الجسور نحو التنمية المستدامة:
الاستثمار في الطاقة المتجددة والغاز،
تأسيس شركات خدمات محلية،
مشروعات تحلية المياه الاستراتيجية،
تفعيل منظومة الاقتصادات المحلية للمحافظات،
فرض السيادة الرقمية الكاملة،
وإنشاء صناديق الضمان والتمويل الإنتاجي مع ربط المساعدات الدولية بالعمل والإنتاج الحقيقي.
- تحويل مصادر الخطر إلى مصادر إنتاج وتعافٍ:
- تلك هي الفلسفة الجوهرية للدولة التنموية البراغماتية، فهي لا تنظر إلى الملفات الحرجة المتفجرة بوصفها أزمات أمنية معزولة، بل تسأل: “كيف أحول هذه الأزمة إلى مسار عمل طاقة منتجة؟”.
- الكثير من مصادر التهديد الحالية قابلة للتحول إلى روافع بناء إذا أديرت بعقل مؤسسي واقتصادي سليم:
1) المجندون الشباب: بدلاً من تركهم في الشارع كقنبلة بطالة مسلحة، أو استيعابهم العشوائي والمفرط في سلك الجيش لإنتاج “دولة رواتب مسلحة” تخنق المالية العامة، يتم حصرهم وتأهيلهم ليكونوا طاقة بشرية دافعة لمشاريع إعادة الإعمار والتنمية المحلية.
2) المعسكرات داخل المدن: بدلاً من بقائها ككتل عسكرية مغلقة تبتلع الأراضي العامة وتخنق العمران، تُنقل إلى أطراف المدن وتُعاد هندستها كـ “منصات خدمات ومراكز أمن طرق وإسعاف” تخدم حياة الاستثمار والتنمية المدنية.
3) نقاط التفتيش: بدلاً من كونها بؤراً للجباية العشوائية وإعاقة حركة التجارة والعمالة، تُدمج وتتحول إلى “منظومة شرطة طرق محترفة” ومراقبة تقنياً لحماية الشرايين الاقتصادية.
4) الموظفون البالغون سن التقاعد أو المقاربون: بدلاً من بقائهم في مواقعهم بداعي الخوف من الفقر مما يسبب انسداداً إدارياً، تُعاد مأسسة التقاعد ليكون خروجهم الكريِم والمنظم فرصة تاريخية لضخ دماء كفوءة جديدة وجديدة في عروق المؤسسات.
5) المساعدات الخارجية: بدلاً من بقائها كمنح متناثرة ومستهلكة في النفقات الجارية، تُحول إلى “محافظ وصناديق ضمان وتمويل إنتاجي” ترتبط بإعادة الإعمار وخلق الوظائف المستدامة.
- تأجيل الملفات السياسية الكبرى دون إنكارها:
- إن محاولة حسم الخلافات التأسيسية الكبرى (كالشكل الدستوري النهائي للدولة، المصالحة والعدالة الانتقالية الشاملة بمفهومها الجنائي، والتوزيع النهائي للموارد السيادية) في بيئة منقسمة ومثقلة بالسلاح، هي وصفة مجربة لتفجير الصراع وإعادة إنتاج الحرب.
- الحكمة البراغماتية تقتضي وضع مسارات وجداول زمنية ضامنة ومستقلة لهذه الملفات السياسية الكبرى، وعزلها كلياً وفصلها عن الملفات الخدمية والتشغيلية العاجلة التي لا تحتمل الانتظار.
- فالمواطن لا يستطيع انتظار حسم شكل الدولة النهائي لكي يمر من طريق آمن، أو يحصل على تيار كهربائي، أو يجد دواءً وراتباً وعملاً.
- لذلك يقسم التدرج الحازم للمرحلة الانتقالية الملفات إلى ثلاثة مستويات حاسمة:
1) ملفات إنقاذ فوري عاجل: تبدأ فوراً لحفظ حياة الناس (كهرباء، مياه، رواتب، طرق، وغلاء).
2) ملفات تأسيسية ممتدة: يبدأ التأسيس لقواعدها الآن وتستمر لسنوات (الخدمة المدنية، التقاعد، دمج المجندين، وإعادة هندسة المؤسسات).
3) ملفات سياسية كبرى: تحتاج إلى مسار حوار وطني ضامن وواسع، يوضع له هيكل إعداد رصين ولا يترك للفراغ العشوائي لتفادي الانفجار.
(5) إعادة تعريف الأمن: من استعراض السلاح إلى خدمة وحماية الاقتصاد:
من أكثر الأخطاء التي رافقت بناء الدولة في اليمن أن الأمن جرى فهمه بوصفه حضوراً عسكرياً كثيفاً داخل حياة الناس، لا بوصفه خدمة عامة منظمة تحمي الحياة المدنية وتدعم الاقتصاد.
ولهذا امتلأت المدن بمعسكرات ضخمة تحتل مساحات واسعة من قلب العمران، وتغلق أجزاء مهمة من الأرض، وتمنع توسع المدن بصورة طبيعية، تحت ذريعة “مقتضيات الأمن”.
لكن المعسكر داخل المدينة لا يحميها دائماً، بل في الأغلب يحولها إلى رهينة، ونقطة التفتيش العشوائية لا تصنع هيبة الدولة، بل تصنع خوف المواطن منها، والجندي الذي يقف في الطريق بلا تدريب كافٍ، وبراتب لا يكفيه، قد يتحول بفعل الفقر وضعف الرقابة إلى نقطة جباية متنقلة.
المشكلة ليست في الجندي الذي يصبح ضحية نظامه، بل في نظام أمني لا يميز بين الجيش والشرطة، ولا بين الحرب والخدمة، ولا بين حماية الطريق واستغلال الطريق.
ولهذا، فإن إصلاح الأمن في المرحلة الانتقالية لا يبدأ فقط من شعار “توحيد القوات”، بل من إعادة تعريف وظيفة الأمن ذاتها.
الأمن في الدولة التنموية ليس استعراضاً للسلاح، الأمن هو أن يستطيع المواطن الانتقال من مدينة إلى أخرى دون إهانة، وأن تتحرك البضائع دون جبايات غير قانونية ترفع الأسعار، وأن تكون المدينة مساحة مدنية لا ثكنة مفتوحة.
في المرحلة الانتقالية ، يجب التعامل مع الملف الأمني عبر مسارين متلازمين:
| تحرير المدن والطرق (من الجباية إلى الخدمة) | ||
| برنامج إخلاء المدن وإعادة تصميم المعسكرات | تقضي الرؤية البراغماتية بإخراج المعسكرات الثقيلة تدريجياً وتحويلها إلى أحزمة أمنية على أطراف المحافظات ، مع إعادة هندسة وتصميم “المعسكر الجديد” ذاته، ليتوقف عن كونه كتلة مغلقة، ويتحول إلى “منصة خدمة عامة مشتركة وطرفية”. يضم المعسكر: وحدة شرطة سير وبحث جنائي، وحدة إسعاف وطوارئ وخدمة طرق، مستوصفاً طبياً أولياً يخدم القرى المجاورة وعابري السبيل، ومدرسة تدريب نظامي وحراسة مدنية. هكذا يتحول الأمن من استهلاك للمدينة إلى حماية لبيئة الاستثمار والتنمية. | |
| شرطة الطرق كبديل لنقاط الجباية | نقاط التفتيش العشوائية القائمة على الأمزجة الشخصية والسلاح المنفلت ليست أداة أمنية، بل ثقوب سوداء تفرض ضرائب غير قانونية تعيق حركية سوق العمل، وترفع كلفة السلع على المواطن، وتدمر شرعية الدولة. الإصلاح البراغماتي يلزم بالإلغاء الكامل لهذه النقاط، والاستعاضة عنها بجهاز تكنوقراطي هو “شرطة الطرق المحترفة”، المحكومة بزي رسمي موحد، وغرف عمليات مشتركة، وكاميرات مراقبة رقمية، وسجل مخالفات وبلاغات يخضع للمساءلة القانونية الصارمة. الأمن الذكي يعرف متى وكيف يفتش، ويحمي الشرايين الاقتصادية بدلاً من ابتزازها. | |
| تفكيك القنبلة الموقوتة (من بطالة مسلحة إلى قوة إعادة إعمار) | ||
| إن عشرات الآلاف من الشباب الذين حملوا السلاح خلال سنوات الحرب بدوافع فقرية أو غياب لخيارات الدخل، هم أفراد حقيقيون وليسوا مجرد أرقام في كشوفات الرواتب. محاولة استيعابهم العشوائي والمكتمل في سلك الجيش يصنع “دولة رواتب مسلحة” تفجر المالية العامة ، وفي المقابل، فإن تسريحهم دون بدائل يخلق كتلة غاضبة من “البطالة المسلحة” الجاهزة لإعادة إنتاج العنف. المخرج العاقل يكمن في تطبيق معادلة واضحة: “نزع السلاح من اليد، و وضع مهنة موثقة في اليد الأخرى”. ولتحقيق ذلك، يجب الانتقال بملف المجندين من مظلة وزارتي الدفاع والداخلية التقليدية، وإدارته عبر “اللجنة الانتقالية للأمن والدمج التنموي” وفق أربع خطوات إجرائية:بناء قاعدة بيانات وطنية موحدة للمجندين مرتبطة بالهوية المدنية، وتفحص مستويات التعليم، واللياقة، والانضباط، والمهارات الفعلية. تقسيم الكتلة البشرية بحسب الحاجة الفعلية والمعايير المهنية إلى مسارات (الجيش النظامي، الأمن العام والدفاع المدني، شركات الأمن والحراسة المدنية المنظمة بقانون صارم، والمسار التنموي الإنتاجي). ربط التدريب الفني السريع بـ “المنظومة المتنوعة للاقتصادات المحلية للمحافظات” التي تم تأصيلها في الأوراق السابقة ، بحيث يوجه المجندون في المحافظات الساحلية (كحضرموت والمهرة) نحو مهارات الاقتصاد الأزرق: الصيد، صيانة السفن، والتبريد اللوجستي ، بينما يوجه مجندو المحافظات الداخلية نحو سلاسل القيمة الزراعية، صيانة منظومات الطاقة البديلة، وأعمال الدفاع المدني. تحويل جزء معتبر من الموارد العامة ومساعدات المانحين المخصصة لشراء الهدوء العسكري المؤقت، وتوجيهها كأجور إنتاجية مباشرة للشباب مقابل مساهمتهم الفعلية في مشاريع إعادة الإعمار كثيفة العمالة: رصف الطرق الريفية، وصيانة شبكات مياه الشرب، وبناء المرافق التعليمية.إن الشاب الخارج من أتون الحرب يحتاج إلى ما هو أعمق من المعالجة المالية الفورية، إنه بحاجة إلى “هوية مهنية جديدة” تعيد تعريف وجوده أمام مجتمعه ونفسه: من مقاتل سابق في جبهة أو نقطة تفتيش، إلى فني كهرباء، عامل بناء، أو صاحب مشروع تعاوني منتج. هذا التحول النفسي والمهني المصاحب للحماية الاجتماعية هو الضمانة الحقيقية للانتقال من دولة تدير الاختناقات الأمنية، إلى دولة تنموية تصنع الإمكانات والكرامة الإنسانية. | ||
(6) الوظيفة العامة: من الملاذ الاجتماعي إلى المسار المهني:
كما لا يمكن بناء أمن مستقر بجيش متضخم وشباب مسلح بلا مستقبل، لا يمكن بناء دولة انتقالية بجهاز إداري مغلق، ومتعب، وعاجز عن تجديد نفسه.
المرحلة الانتقالية لا تحتاج إلى حكومة جديدة فقط، بل إلى إدارة عامة قادرة على تنفيذ قراراتها.
قد تأتي حكومة بكفاءات ممتازة، لكنها ستصطدم بجهاز إداري مترهل، وموظفين بلغوا سن التقاعد ولا يستطيعون المغادرة لأن “التقاعد يعني الفقر”.
لا يجوز التعامل مع الموظف القديم كعدو للتغيير، فكثير منهم يحمل ذاكرة مؤسسية ثمينة وصمد في ظروف قاسية.
المشكلة تكمن في أن الدولة لم تصمم مساراً كريماً للخروج، ولم تصمم مساراً عادلاً للدخول، النتيجة أن الجهاز الإداري أصبح كغرفة مزدحمة لا يدخلها الهواء:
لا القديم قادر على الخروج بكرامة، ولا الجديد قادر على الدخول بعدالة.
إصلاح الخدمة المدنية لا يبدأ بشعار “إحلال الشباب” ، بل بمعادلة ناضجة:
- إخراج كريم لمن أدى دوره، ودخول منظم لمن يمتلك الكفاءة، ونقل معرفة بين الجيلين.
من الخطأ اختزال أزمة الوظيفة العامة في الموظف نفسه، فالنظام الذي يفتقر لتقييم الأداء، والتدريب المستمر، والحوافز العادلة، والتقاعد الكريم، هو الذي يجعل الموظف عبئاً.
في اليمن، تحول التقاعد إلى تهديد، مما يدفع الموظف للتمسك بكرسيه، فتتحول الوظيفة إلى ملاذ اجتماعي بدلاً من أداة أداء.
لذلك، يجب أن تتبنى المرحلة الانتقالية برنامجاً من خمس خطوات عملية:
1- الحصر والتنظيف: إعداد قاعدة بيانات موحدة للموظفين (العمر، المؤهل، الراتب، الازدواج الوظيفي). لا إصلاح دون معرفة حقيقية بالكوادر.
2- برنامج التقاعد والمعاش المبكر: مراجعة معاشات المتقاعدين وربطها بالحد الأدنى للمعيشة، وإطلاق برنامج تقاعد مرحلي محفز، وإنشاء صندوق استثماري للتقاعد يدار بشفافية، مع حماية خبرات بعض الموظفين كمدربين لفترة انتقالية.
3- تصنيف الوظائف وإدخال الكفاءات: تصنيف الوظائف بين حرجة، قابلة للتحويل، وزائدة. ثم فتح مسارات تعاقد تنافسية في الملفات الفنية والاقتصادية أمام كفاءات القطاع الخاص، الجامعات، المغتربين، والنساء المؤهلات، وفق عقود ومؤشرات أداء واضحة.
4- بناء سجل مهني وطني: ربط الخدمة المدنية بسوق العمل الوطني، بحيث لا ينقسم الإنسان إلى هويات منفصلة (موظف عام، عامل خاص). السجل المهني الموحد يسمح بالانتقال السلس بين القطاعات دون فقدان الحقوق التأمينية.
5- تبسيط الإجراءات قبل الرقمنة: التحول الرقمي ليس حلاً سحرياً لرقمنة الفوضى، يجب أولاً هندسة الإجراءات (ما الخدمة؟ من يملكها؟ كم تستغرق؟) ثم رقمنة الملفات ذات الأثر المباشر كالرواتب والضرائب والتراخيص.
المواطن يرى الدولة من خلال الموظف.
إذا كان الموظف عاجزاً أو خائفاً، فالدولة كلها تبدو كذلك.
الإحلال المؤسسي المنظم (لا الانتقامي) هو الذي سيضخ دماً جديداً في المؤسسات، ويجعلها قادرة على إدارة مرحلة انتقالية تنقل اليمن من إيقاف الحرب إلى تشغيل الدولة.
(7) الملفات التي تصنع الثقة:
بعد الأمن والوظيفة العامة، نصل إلى الملفات التي سيقيس بها المواطن المرحلة الانتقالية.
المواطن لا يهمه عدد اللجان المشكلة، ولا جمال العبارات في البيانات الحكومية، هو يسأل أسئلة أبسط وأقسى:
هل جاءت الكهرباء؟
هل وصلت المياه؟
هل الطريق آمن؟
هل الأسعار أرحم؟
هل يستطيع النازح أن يعيش بكرامة؟
هذه الأسئلة هي الامتحان الحقيقي.
المرحلة الانتقالية في اليمن لن تكسب الثقة من الخطاب السياسي وحده، بل من قدرتها على تقليل الألم اليومي.
إذا لم يلمس المواطن فرقاً في الخدمات الأساسية، فسيبقى أي حديث عن بناء الدولة مجرد كلام بعيد عن حياته.
لذلك يجب التعامل مع الكهرباء والمياه والنزوح والغلاء والاتصالات والطرق لا كملفات خدمية منفصلة، بل كحزمة ثقة وطنية واحدة.
| الكهرباء: الملف الذي يعرّف الدولة | الكهرباء في اليمن ليست ملفاً فنياً فقط، هي ملف سياسي واجتماعي واقتصادي ونفسي. حين تنقطع الكهرباء في مدينة حارة، لا يتوقف التيار فقط، بل تتوقف الحياة: تتعطل المستشفيات، وتتلف الأدوية، وتتراجع إنتاجية المحلات والورش، وتزداد معاناة الأسر، ويتحول البيت إلى مساحة ضغط يومية. كل ساعة انقطاع جديدة تقول للمواطن إن الدولة عاجزة عن أبسط واجباتها. لهذا يجب أن تكون الكهرباء في صدارة برنامج الثقة الانتقالية. | |
| المياه: الأمن الصامت | المياه أقل صخباً من الكهرباء في النقاش السياسي، لكنها أخطر منها في بعض المناطق، لأنها ترتبط بالصحة والزراعة والاستقرار السكاني والنزوح. في بلد مثل اليمن، حيث تتداخل شحة المياه مع ضعف الإدارة وتهالك الشبكات والحفر العشوائي، يصبح ملف المياه جزءاً من الأمن الوطني. المياه لا تمنح الدولة صورة جيدة فقط، المياه تمنع الانفجار الاجتماعي. | |
| النزوح: من الخيمة إلى الدمج الاقتصادي | النزوح في اليمن ليس ملفاً إنسانياً فقط، هو نتيجة حرب وفقر وانهيار خدمات وتفكك سوق عمل. الخطر أن يبقى النازحون في نظر الدولة مجرد أرقام في كشوفات المنظمات. النازح إنسان فقد منزله أو مصدر دخله أو أمانه. إذا بقي سنوات طويلة خارج أي مسار دمج، ستتكون حول النزوح مشكلات جديدة: تعليم ضائع، عمل هش، عمالة أطفال، زواج مبكر، توتر مع المجتمعات المضيفة، وجيل كامل يكبر في الهامش. المرحلة الانتقالية يجب أن تنتقل من إدارة النزوح بمنطق الإغاثة فقط إلى إدارة النزوح بمنطق الدمج والحماية والعودة الآمنة. النازح الذي يجد عملاً ومدرسة وخدمة يصبح جزءاً من التعافي. | |
| الغلاء: حين تصبح الأسعار سياسة يومية | الغلاء ليس مجرد نتيجة تدهور العملة، بل أيضاً نتيجة الجبايات وتكاليف النقل وتعدد الرسوم وضعف الرقابة وغياب التمويل واحتكار السلع وانقطاع الطرق. معالجة الغلاء لا تكون بالشعارات ولا بتهديد التجار. إذا كانت الدولة تفرض رسوماً متعددة وتترك نقاطاً غير قانونية على الطرق وتسمح بتكاليف نقل جنونية، ثم تطلب من التاجر أن يخفض السعر، فهي لا تعالج الغلاء بل تشارك في صناعته. الغذاء استقرار سياسي، وعندما يشعر المواطن أن سعر الخبز والزيت والدواء يتحرك بلا سقف ولا تفسير، فإنه لا يرى في الدولة إلا عجزاً أو تواطؤاً. | |
| الاتصالات والإنترنت: السيادة الرقمية | في الماضي كانت الدولة تظهر عبر العلم والجيش والجواز. اليوم تظهر عبر الشبكة. الاتصالات هي تعليم وصحة وتجارة وتحويلات مالية وعمل عن بعد وإعلام وأمن وهوية رقمية وخدمات حكومية. من يسيطر على الاتصالات يملك جزءاً حساساً من السيادة الحديثة. في اليمن، حيث الانقسام السياسي والجغرافي، يصبح ملف الاتصالات أكثر حساسية. لا يمكن أن تبقى الدولة عاجزة عن بناء سيادة رقمية في المناطق التي تديرها. الاتصالات في المرحلة الانتقالية ليست مشروعاً تقنياً فقط، هي أداة لربط الدولة بالمواطن، ولتقليل الاحتكاك المباشر الذي يفتح أبواب الفساد. لكن يجب الانتباه أن الرقمنة دون حوكمة قد تصنع فساداً أسرع نمواً. | |
| الطرق: الشريان الذي يكشف الدولة | الطريق هو اختبار السيادة. إذا كان الطريق آمناً، انخفضت كلفة النقل، وصلت البضائع، تحرك الناس، تنفس الاقتصاد. وإذا تحول الطريق إلى نقاط تفتيش وجبايات ومخاطر، ارتفعت الأسعار وتقطعت الأسواق. فتح الطرق وتأمينها يجب أن يكون جزءاً من أولويات المرحلة الانتقالية. كل ساعة تأخير، وكل مبلغ غير قانوني يدفع في الطريق، يظهر في النهاية على سعر الغذاء والدواء والمواد الأساسية. المواطن يدفع ثمن الفوضى مرتين: مرة في الإهانة، ومرة في الفاتورة. |
الخطأ المتكرر في الحكومات اليمنية أنها تتعامل مع كل الملفات كأنها متساوية، أو تفتح كل الجبهات دفعة واحدة، ثم لا تنجز شيئاً.
المرحلة الانتقالية تحتاج إلى ترتيب صارم للأولويات:
- المستوى الأول: ملفات إنقاذ فوري (1-12 شهراً) : وتستهدف التدخلات الإسعافية المباشرة لحفظ الرمق وتأمين العيش:
- كهرباء للمرافق الحيوية، مياه وصحة أولية في المدن ومخيمات النزوح،
- طرق آمنة ومفتوحة لتدفق الغذاء والدواء،
- كبح وضبط الجبايات غير القانونية،
- تقديم الدعم النقدي المباشر للفئات الأشد هشاشة، وتأمين اتصال مستقر للتعليم والصحة والإدارة العامة.
- المستوى الثاني: ملفات تشغيل وانتظام (1-2 سنة): وتستهدف مأسسة العمل وضمان ديمومته:
- التحصيل الإلكتروني للكهرباء والمياه لمنع الهدر،
- بناء شرطة طرق محترفة،
- توحيد السجلات الوطنية للنازحين والموظفين والمجندين،
- تفعيل بوابات الدفع،
- رقمنة الأوعية الإيرادية الأساسية،
- وصياغة عقود أداء صارمة للمرافق الخدمية.
- المستوى الثالث: ملفات تحول استراتيجي (2-5 سنوات): وتستهدف المستقبل وبناء الجسور نحو التنمية المستدامة:
- الاستثمار في الطاقة المتجددة والغاز،
- تأسيس شركات خدمات محلية،
- مشروعات تحلية المياه الاستراتيجية،
- تفعيل منظومة الاقتصادات المحلية للمحافظات،
- فرض السيادة الرقمية الكاملة،
- وإنشاء صناديق الضمان والتمويل الإنتاجي مع ربط المساعدات الدولية بالعمل والإنتاج الحقيقي.
هذا الترتيب يمنع الفوضى:
فلا ننتظر الاستراتيجية حتى نعالج الطوارئ، ولا نبقى في الطوارئ إلى الأبد.
هذه الملفات لا يمكن أن تدار كلها من المركز،
المركز يجب أن يضع القواعد، ويراقب، ويدير السياسات السيادية، ويحمي العدالة بين المحافظات.
أما المحافظات فيجب أن تمتلك قدرة حقيقية على التخطيط والتنفيذ والتعاقد وإدارة الخدمات ضمن معايير وطنية واضحة. لا معنى لأن تجمع الدولة الموارد من محافظة ثم لا تعيد إليها خدمة ملموسة.
المواطن يستطيع أن يميز بين حكومة تعمل بجدية وحكومة تكرر الكلام.
يرى الفرق عندما تختفي نقطة جباية من طريق، وعندما تنتظم الكهرباء في مستشفى، وعندما يجد سعر الرسوم معلنًا لا مزاجياً، وعندما يحصل النازح على رقم وخدمة ومسار، وعندما يتمكن الطالب من الاتصال بالإنترنت، وعندما يصل الماء إلى حي كان منسيًا.
هذه التفاصيل هي ما يصنع الثقة.
المرحلة الانتقالية تحتاج إلى صدق في ترتيب الأولويات، وشجاعة في كسر مصالح الفوضى، وقدرة على تحويل الخدمات من ملفات فساد وترقيع إلى عقود أداء ومؤشرات ومساءلة.
(1) العدالة الانتقالية وجبر الضرر:
لا يمكن لأي مرحلة انتقالية في اليمن أن تنجح إذا تعاملت مع الحرب كأنها انتهت، أو كأن توقيع اتفاق سياسي يكفي لإغلاق الجراح.
الحرب في اليمن لم تنتهِ بعد، لا تزال مناطق واسعة تحت سيطرة أطراف متعددة، ولا تزال القضايا الكبرى مفتوحة: القضية الجنوبية، قضايا المحافظات، المظالم التاريخية، ملفات السلاح والرواتب والنزوح والضحايا.
الحديث عن العدالة الانتقالية لا ينبغي أن ينتظر نهاية الحرب.
العدالة الانتقالية ليست محكمة كبرى تفتح أبوابها بعد توقيع السلام فقط، وليست انتقاماً من طرف، ولا أداة سياسية لخصم، ولا شعاراً حقوقياً يوضع في آخر الوثائق. في الحالة اليمنية، يجب أن تبدأ بوصفها إدارة مبكرة للذاكرة والضرر، حتى قبل اكتمال التسوية النهائية.
نحن لا نقول إن المحاكمات يجب أن تبدأ اليوم، ولا أن كل الملفات يجب أن تُفتح دفعة واحدة في وضع هش.
لكننا نقول إن تأجيل توثيق الضرر بحجة انتظار السلام خطأ جسيم.
الضرر إذا لم يوثق ضاع.
الأدلة إذا لم تحفظ تلفت.
الضحايا إذا لم يجدوا باباً للتسجيل والاعتراف شعروا أن الدولة تطلب منهم الصمت.
المظالم إذا لم تدخل في سجل مؤسسي تحولت إلى ذاكرة غاضبة، قابلة للاستدعاء في أي حرب قادمة.
في اليمن، لا تبدأ الذاكرة المكسورة من حرب 2015 وحدها، هناك ذاكرة مرحلة التأميم في الجنوب، وأحداث يناير 1986، وحرب 1994، وحروب صعدة، وأحداث 2011 وما بعدها، ثم الحرب المفتوحة منذ 2015، وما رافقها من قتل واعتقال وإخفاء ونزوح وتهجير وانقطاع رواتب ونهب ممتلكات وتدمير منازل وتفكيك مجتمعات محلية.
حين نتحدث عن العدالة الانتقالية في اليمن، فنحن لا نتحدث عن ملف واحد، بل عن ذاكرة متراكمة للحروب.
المرحلة الانتقالية التي تتجاهل هذه الذاكرة قد تنجح مؤقتاً في ترتيب السلطة، لكنها ستفشل في بناء السلام.
من أخطاء التجربة اليمنية أن ملف العدالة الانتقالية جرى تسويفه، إما بسبب الخوف من فتح الجراح، أو بسبب عدم فهم طبيعته، أو لأن القوى السياسية لا تريد فتح ملفات قد تطال الجميع.
جرى الحديث كثيراً عن المصالحة، لكن المصالحة بلا ذاكرة مؤسسية تتحول إلى عبارة عامة.
وجرى الحديث عن الحوار، لكن الحوار الذي لا يستند إلى سجل للمظالم يبقى حوار نخبة.
وجرى الحديث عن فتح صفحة جديدة، لكن لا أحد يستطيع فتح صفحة جديدة بينما صفحته القديمة ممزقة ولم يقرأها أحد.
أول خطوة عملية يجب أن تكون إنشاء سجل وطني للضرر والمظالم.
هذا السجل يمثل ذاكرة قانونية ومؤسسية للدولة.
يذهب المواطن إلى مقر محدد في محافظته، ويسجل الضرر الذي تعرض له هو أو أسرته أو ممتلكاته أو وظيفته أو مصدر رزقه، من أي فترة من فترات الصراع، مع ما يملكه من أدلة أو شهود أو وثائق.
يمكن أن يشمل السجل:
- القتل والإصابة والإعاقة،
- الاعتقال والإخفاء القسري،
- النزوح والتهجير،
- تدمير المنازل والمنشآت،
- نهب الأراضي والممتلكات،
- الفصل أو الإقصاء الوظيفي،
- انقطاع الرواتب والمعاشات،
- الأضرار التجارية والمهنية،
- الأضرار الناتجة عن التأميم أو المصادرة أو الحرب،
- الأضرار النفسية والاجتماعية في الحالات الجسيمة،
- انتهاكات الأطفال والنساء والفئات الضعيفة.
هذا السجل لا يعني أن الدولة ستعوض الجميع فوراً، ولا أن كل دعوى صحيحة بمجرد تسجيلها، لكنه يعني أن الدولة بدأت أخيراً في الاعتراف بأن هناك ذاكرة ضرر يجب حفظها، وفرزها، والتحقق منها، ومعالجتها على مراحل.
لإدارة هذا الملف، لا يكفي تشكيل مجلس عام للمصالحة الوطنية لا يمتلك أدوات عمل واضحة، المطلوب بنية مؤسسية ذات صلة بالقضاء، لكنها واعية بحساسية المرحلة:
| مجلس أعلى للعدالة الانتقالية وجبر الضرر | ينشأ بقرار انتقالي من مجلس القيادة، ويضم عدداً محدوداً من القضاة المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، مع خبراء في القانون والإدارة العامة والاقتصاد وحقوق الإنسان والنزاعات المحلية والإحصاء والأرشفة والدعم النفسي والاجتماعي. وظيفة هذا المجلس أن يضع الإطار الوطني لإدارة ملف الضرر والمظالم، ويحدد المعايير، ويشرف على السجل، ويصنف الملفات، ويقترح مسارات المعالجة، ويرفع التوصيات للجهات المختصة. | |
| نيابة أو وحدة خاصة للعدالة الانتقالية والمظالم | ترتبط بالنيابة العامة أو تعمل تحت مظلتها، وتكون مهمتها استقبال الملفات، وضمان سلامة الإجراءات، وحفظ الأدلة، وطلب الاستيضاحات، وإحالة الملفات المكتملة إلى الجهات المختصة وفق نوع الضرر: جنائي، إداري، عقاري، تجاري، وظيفي، أو تعويضي. وجود النيابة مهم، لأنه يمنح الملف صفة قانونية، ويمنع تحوله إلى نشاط سياسي أو إعلامي بلا أثر مؤسسي. | |
| مكاتب في المحافظات | يفتح في كل محافظة مكتب للعدالة الانتقالية وجبر الضرر، داخل مقر قضائي أو نيابي أو مبنى مستقل آمن، ويضم قاضي تحقيق أو عضو نيابة، وفريق استقبال وتوثيق، وخبراء اجتماعيين وقانونيين. وظيفة المكتب: استقبال طلبات تسجيل الضرر، مساعدة المواطنين على تعبئة النماذج، حفظ الوثائق والأدلة، إجراء المعاينات الأولية عند الحاجة، فرز الملفات حسب النوع والأولوية، رفع الملفات للمستوى الأعلى، حماية البيانات الشخصية للضحايا، توفير آلية تظلم لمن ترفض ملفاتهم شكلياً. | |
| سجل إلكتروني وورقي محمي | بسبب حساسية الوضع اليمني وضعف البنية الرقمية، لا يكفي سجل إلكتروني وحده، ولا يكفي سجل ورقي وحده. يجب الجمع بين الاثنين، مع نسخ احتياطية، وبروتوكولات حماية بيانات، ومنع الوصول السياسي أو الأمني غير المصرح به. | |
| مسارات معالجة متعددة | ليست كل المظالم من نوع واحد. هناك ملفات تحتاج إحالة قضائية لاحقة، وملفات تحتاج تعويضاً إدارياً، وملفات تحتاج تسوية ملكية، وملفات تحتاج إعادة موظف أو تصحيح وضع وظيفي، وملفات تحتاج دعماً اجتماعياً أو نفسياً، وملفات تحتاج مصالحة محلية بضمانات قانونية، وملفات تحتاج اعترافًا رسميًا ورد اعتبار. التعامل مع كل هذا بمنطق واحد سيظلم الناس من جديد. |
قد يقول قائل:
هل فتح هذا الملف الآن يعرقل السلام؟
الإجابة: إذا أُدير بغباء، نعم. أما إذا أُدير بعقل، فهو من أهم ما قد يجذب الناس إلى السلام.
السلام الذي لا يطمن الضحايا لا يصمد.
التسوية التي لا تقول للناس إن حقوقهم لن تضيع، لن تكسب ثقتهم.
يجب أن تكون العدالة الانتقالية المبكرة جزءاً من مناخ السلام، لا بديلاً عنه.
هي تقول للناس: لا نطلب منكم أن تنسوا الآن، ولا نعدكم بمحاكمة الجميع غداً، لكننا نفتح باباً رسمياً مؤسسياً لتسجيل الضرر، وحفظ الحق، وبناء ذاكرة وطنية، حتى لا يضيع كل شيء في المساومات السياسية.
يجب أن تحكم هذا الملف مبادئ واضحة:
- كل الضحايا لهم حق التسجيل، بغض النظر عن المنطقة أو الانتماء أو الطرف.
- كل الملفات تخضع للتحقق والفرز.
- لا إعلان اتهامات فردية قبل اكتمال الإجراءات.
- لا محاكمة واسعة قبل توفر الحد الأدنى من الاستقرار القانوني والسياسي.
- لا تعويضات بلا معايير معلنة.
- لا استخدام للبيانات خارج غرض العدالة وجبر الضرر.
- لا إفلات كامل من المسؤولية تحت شعار المصالحة. ولا انتقام تحت شعار العدالة.
في الوضع الحالي، يجب أن يبدأ المسار بالأولويات الأكثر إلحاحاً والأقل تفجيراً:
- تسجيل الضحايا والأضرار،
- ملف المعتقلين والمخفيين والأسرى،
- الجرحى وذوو الإعاقة،
- النازحون ومن دمرت منازلهم،
- الموظفون والرواتب والفصل والإقصاء،
- قضايا الأراضي والممتلكات،
- الأضرار التجارية والمهنية،
- ملفات الانتهاكات الجسيمة التي تحفظ للتحقيق القضائي اللاحق.
هذا الترتيب لا يعني أن بعض الحقوق أهم من غيرها، بل يعني أن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى إدارة الأولويات حتى لا ينفجر الملف كله دفعة واحدة.
جبر الضرر يحتاج تمويلاً، ولا ينبغي أن نخدع الناس بوعود مفتوحة.
يجب أن يقترح المجلس الأعلى للعدالة الانتقالية وجبر الضرر إنشاء صندوق خاص لجبر الضرر، يموّل من:
- مخصصات حكومية محددة،
- دعم الدول الشقيقة والصديقة،
- برامج المانحين المرتبطة بالسلام وإعادة الإعمار،
- الأموال والأصول المستردة إن وجدت،
- مساهمات القطاع الخاص ضمن إطار وطني منظم،
- جزء من برامج إعادة الإعمار والتنمية المحلية.
لكن التعويض المالي ليس المسار الوحيد.
بعض الضرر يعالج برد حق، وبعضه بإعادة وظيفة، وبعضه بإعادة أرض، وبعضه بعلاج، وبعضه بمنحة تعليمية، وبعضه بإسكان، وبعضه باعتراف ورد اعتبار.
جبر الضرر هو استعادة علاقة المواطن بالدولة.
(1) إعادة بناء الحوار الوطني:
واحدة من أهم أدوات جذب السلام هي إعادة بناء منظومة حوار وطني جديدة، لا تكرر أخطاء الصيغ السابقة، ولا تكتفي بتمثيل النخب السياسية.
لكن هذا الحوار يجب أن يستند إلى ثلاثة أعمدة متكاملة:
| مسار سياسي | يناقش شكل الدولة والسلطة والضمانات والعلاقة بين المركز والمحافظات. | |
| مسار اقتصادي وخدمي | يناقش الموارد والإيرادات والخدمات وإعادة الإعمار. | |
| مسار عدالة انتقالية وجبر ضرر | يناقش المظالم والضحايا والحقوق والتعويضات والذاكرة الوطنية. |
بهذا لا يصبح الحوار مجرد منصة للخطابة، بل يصبح آلية لإعادة بناء العقد الوطني.
اليمن لا يحتاج إلى حوار جديد يكرر الكلام القديم، بل إلى حوار يملك ملفات وبيانات وسجلات وأولويات ومخرجات قابلة للتنفيذ.
سجل الضرر الوطني يمكن أن يكون أحد أهم مصادر هذا الحوار، لأنه ينقل النقاش من العموميات إلى الحقائق: من تضرر؟ أين؟ كيف؟ متى؟ وما نوع المعالجة الممكنة؟
كثير من القوى تتحدث باسم القضايا الكبرى:
القضية الجنوبية، قضية صعدة، قضايا المحافظات، قضايا الموظفين، قضايا النازحين، قضايا الأراضي، قضايا المسرحين، قضايا الضحايا.
لكن هذه القضايا إذا لم تترجم إلى ملفات وحقوق ومسارات معالجة، تبقى شعارات قابلة للاستغلال.
لا يكفي أن نقول “حوار جنوبي” دون معالجة فعلية لجذور القضية الجنوبية،
ولا يكفي أن نقول “مصالحة وطنية” دون سجل وطني للمظالم،
ولا يكفي أن نقول “اليمن كله قضايا” ثم لا نبني جهازاً يستقبل هذه القضايا ويفرزها ويحولها إلى سياسات.
هذا هو المسار الذي يحول المرحلة الانتقالية
من مجرد “توقف الحرب” إلى “بناء السلام”،
من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة،
من الخطاب إلى الفعل والملفات والسجلات والحقوق.
(1) الانتقال الذي يُشغل الدولة لا الذي ينتظرها:
في نهاية هذه الورقة، لا أزعم أن ما سبق يقدم حلاً كاملاً لكل أزمات اليمن.
من يقول إنه يملك حلاً كاملاً لليمن غالباً لم يفهم اليمن بعد.
اليمن أعقد من وصفة جاهزة، وأثقل من أن تحمله حكومة واحدة، وأوسع من أن يختصر في طرف سياسي أو منطقة أو حزب أو جماعة أو شعار.
لكن هذا التعقيد لا يبرر العجز، ولا يمنح السلطة الانتقالية حق الانتظار، ولا يعطي القوى السياسية رخصة للاستمرار في إدارة البلد بعقلية المحاصصة والارتجال.
المرحلة الانتقالية ليست استراحة بين حربين.
وليست جسراً ننتظر في نهايته معجزة سياسية.
وليست حكومة مؤقتة تكرر أدوات الحكم الدائم.
وليست موسماً لتوزيع المواقع على أطراف متعبة من الحرب لكنها لم تتعب من السلطة.
المرحلة الانتقالية، كما أحاول أن أراها هنا، هي نظام تشغيل مؤقت للدولة.
نظام يمنع الهدم المتكرر.
يحفظ ما تبقى من المؤسسات.
يعيد تعريف الأمن كخدمة لا كثكنة.
ينقل الشباب من السلاح إلى المهنة.
يفتح الإدارة العامة لدماء جديدة دون ظلم من خدموا الدولة.
يعالج الخدمات الأساسية بوصفها مدخلًا للثقة.
يسجل الضرر قبل أن تضيع الذاكرة. ويحول المحافظات من أطراف تنتظر المركز إلى منصات عمل داخل دولة واحدة.
هذا لا يحتاج إلى انتظار التسوية النهائية لكل شيء، بل على العكس، بعض ما يجب فعله الآن لا يحتمل انتظار التسوية.
لا ينبغي أن ننتظر السلام الكامل حتى نبدأ بتسجيل الضرر.
ولا ننتظر حسم شكل الدولة حتى نزيل نقاط الجباية من الطرق.
ولا ننتظر الاتفاق النهائي مع الحوثي حتى ننظم عدن والمناطق المحررة.
ولا ننتظر إصلاحاً شاملاً للخدمة المدنية حتى نبدأ بسجل موظفين حقيقي.
ولا ننتظر وفرة مالية حتى نوقف الهدر في الكهرباء والوقود والعقود المكلفة.
ولا ننتظر أن يهدأ كل شيء حتى نمنح الشباب مسارًا مهنيًا بدل السلاح.
فالانتقال الحقيقي لا يبدأ حين تصبح الظروف مثالية.
يبدأ حين تعترف السلطة بأن الظروف سيئة، لكنها تملك مسؤولية تنظيم الممكن.
وهنا يكمن الفارق بين الدولة التنموية البراغماتية والدولة الخطابية.
الدولة الخطابية تعد الناس بكل شيء، ثم تغرق في التفاصيل.
أما الدولة التنموية البراغماتية فتبدأ مما يمكن إنجازه، وتقيسه، وتعلنه، وتبني عليه.
لا تقول للناس: سنحل كل مشكلات اليمن دفعة واحدة.
بل تقول لهم:
سنمنع الطريق من أن يكون مصدر إذلال.
سنحمي الكهرباء للمستشفى والمدرسة والمياه.
سنحصر المجندين ونفتح لهم مسارات تدريب وعمل.
سنحفظ سجلات الضرر حتى لا تضيع الحقوق.
سنراجع الوظائف والتقاعد حتى لا تبقى الدولة عالقة بين شيخوخة الإدارة وبطالة الشباب.
سنفتح للمحافظات مساحة اقتصادية مسؤولة تحت سقف الدولة.
وسنقيس ما نفعل، لا نكتفي بما نقول.
هذا هو الفرق بين الانتقال ككلمة والانتقال كنظام.
إن اليمن لا يحتاج في هذه اللحظة إلى سلطة تتصرف كأنها تملك المستقبل وحدها.
يحتاج إلى سلطة تعرف أنها مؤقتة، وأن أهم ما يمكن أن تفعله ليس السيطرة على الدولة، بل تسليمها أكثر قدرة على الحياة مما استلمتها. وهذا يتطلب تواضعاً سياسياً وشجاعة مؤسسية.
تواضعاً يعترف بأن لا طرف يستطيع حكم اليمن وحده.
وشجاعة توقف العبث بالموارد والسلاح والخدمات والوظائف والذاكرة.
تواضعاً يقبل أن المحافظات ليست مجرد فروع إدارية.
وشجاعة تبني قواعد لا تعجب كل مراكز النفوذ.
تواضعاً يقول للناس الحقيقة. وشجاعة تحاسب الأداء بالمؤشرات لا بالولاءات.
قد تبدو هذه الأفكار كبيرة على واقع متعب.
لكن البديل ليس أبسط.
البديل هو أن نستمر في ما نفعله منذ سنوات:
حكومة ضعيفة،
موارد مبعثرة،
خدمات منهارة،
شباب مسلح،
وظيفة عامة مغلقة،
طرق مثقلة بالجبايات،
وذاكرة جراح لا تجد من يسجلها.
وهذا ليس انتقالاً، هذا انتظار لانفجار جديد.
لذلك، فإن سؤال المرحلة الانتقالية في اليمن يجب ألا يبقى: من يحكم؟ السؤال الأهم هو:
- كيف نحكم بطريقة تمنع الحرب من العودة، وتمنع الدولة من الانهيار، وتمنح المواطن سبباً صغيراً لكنه حقيقي ليصدق أن الغد يمكن أن يكون أقل قسوة من اليوم؟
إن الدولة التنموية البراغماتية التي تحدثت عنها في هذه السلسلة لا تولد من الخطابات الكبرى.
تولد من قرارات عملية صغيرة لكنها مترابطة: طريق آمن، كهرباء مستقرة لمرفق حيوي، سجل ضرر، شاب انتقل من نقطة تفتيش إلى عمل، موظف خرج إلى تقاعد كريم، محافظة أدارت مورداً بشفافية، مؤسسة توقفت عن العمل بمنطق الدكان وبدأت تعمل بمنطق النظام.
هذه التفاصيل هي التي تصنع الدولة.
فالدولة ليست فكرة معلقة فوق الناس.
الدولة هي ما يلمسه المواطن حين يتحرك، ويعمل، ويتعلم، ويتعالج، ويتظلم، ويدفع رسومه، ويحصل على حقه، ويشعر أن هناك نظاماً لا يختفي باختفاء الأشخاص.
وهذا هو جوهر المرحلة الانتقالية التي يحتاجها اليمن:
مرحلة لا تدعي أنها النهاية.
لكنها تمنع التدهور، وتشغل الدولة، وتفتح باباً حقيقياً لبداية مختلفة.
فإن لم نستطع الآن بناء الدولة الكاملة، فلنبدأ بما هو أصدق وأصعب:
أن نمنع هدم ما تبقى منها، وأن نعيد تشغيل ما يمكن تشغيله، وأن نؤسس لنظام يبقى بعد الأشخاص.
فالأشخاص يذهبون، مهما كانت أسماؤهم ومواقعهم.
أما الدولة، إن صارت منظومة، فيجب أن تبقى.
أصلح الله بالكم، والى لقاء قريب بإذن الله تعالى،
احمد مبارك بشير
12/06/2026