وهم “الترهيب الغذائي”

وهم “الترهيب الغذائي”
مرحبا،
أنا من محبي البيض والجبن الشيدر خاصة “الحيواني” منه، والفاصوليا البيضاء.
في المقابل، لست من عشاق الدجاج أو الفواكه كثيراً، لكني لا أمتنع عن تناولهما.
لا أحب السكر ولا الملح، وأتجنبهما بشكل كبير، وليس لهذا التجنب علاقة بنظام صحي معين أو هوس بحمية ما، بل ينطلق من نظريتي الأساسية في الحياة:
“ما زاد عن حده انقلب إلى ضده”.
باختصار،
لا يوجد طعام طبيعي كامل (مما خلقه الله) يعتبر “سماً” بحد ذاته، كما لا يوجد طعام يعتبر “ترياقاً شافياً” لكل شيء.
الخطر يكمن دائماً في الكمية، وطريقة التحضير، والسياق العام لنمط الحياة.
أما ما حرمه الله، حرمه الله (كلحم الخنزير مثلاً) فقد انتهى النقاش فيه بالنسبة لي إيماناً وتسليماً، دون حاجة للبحث في مبررات دلالية أو طبية ( ماتعنينا!)
طيب، وبناءً على هذا المنطق،
كيف ننظر إلى ما “هبات” اليوم حول “نظام الطيبات” أو نظام الدكتور باسم يوسف (النظام النباتي الصارم)، ولنبدأ من الأخير،
اطلعت مؤخراً على فيديو قصير للدكتور باسم يحذر فيه من البيض، ويقدم صورة مرعبة عن مخاطره، (طبعا مش حابب أقول #هبل_تايم لكنه فعلاً كذلك) ،
لماذا؟
لأن ما نراه حالياً على منصات التواصل الاجتماعي هو جزء من ظاهرة “صناعة الجدل” أو “الترهيب الغذائي” عبر عناوين رنانة من قبيل:
القاتل الصامت، استعد للموت السريع!.
حيث تميل بعض البرامج والشخصيات الإعلامية إلى تضخيم جزئية علمية معينة أو تبني نظام إقصائي متطرف لتبدو وكأنها الحل السحري لكل الأمراض، بهدف جذب الانتباه وحصد المشاهدات، وقد يكون من يتبناها صادقاً جداً في توجهه ومنطلقاً من تجربة شخصية، وهذا أمر طبيعي ومفهوم. (تماماً مثلنا نحن “بو حضرم”، نحب “اللخم” وندافع عنه حتى لو حدثنا من حدثنا عن مخاطره! نقوله طيب ونستمر في استهلاكه، لانه بالنسبة لنا وجبة صحية مزدوجة!).
دعونا ننظر إلى ما يدار حول البيض والدجاج بعيداً عن صخب “الريلز والتيك توك”:
لفترة طويلة (منذ الثمانينيات وحتى نهاية تسعينيات القرن الماضي)، كان هناك اعتقاد طبي بأن البيض يرفع الكوليسترول الضار.
هذا الاعتقاد استمر لسنوات، حتى أن صديقاً لي (وهو طبيب باطني) نصحني في مطلع عام 2004 بتجنب البيض والجبن الشيدر بناءً على تلك الفرضية القديمة، وأخذت بنصيحته لفترة (انهيتها في اقل من سنة حيث لم اجد شيئاً تغير!).
لكن الأبحاث الحديثة والمستمرة حتى عام 2026 حسمت هذا الأمر ، ومن ذلك تقارير جامعة هارفارد للصحة العامة (Harvard T.H. Chan) في ملفها المرجعي (Eggs – The Nutrition Source)، وتقارير الجمعية الأمريكية لأمراض القلب (AHA)، والتجارب السريرية للكلية الأمريكية لأمراض القلب (ACC).
يمكن الاطلاع ادناه:
وتتلخص خلاصة هذه الأبحاث في النقاط التالية:
- الكوليسترول الموجود في صفار البيض ليس له تأثير مباشر يذكر على رفع كوليسترول الدم لدى أغلب البشر (حوالي 70% من الناس لا يتأثرون به مطلقاً، والـ 30% الآخرين يتأثرون بنسبة طفيفة جداً لا تشكل خطراً).
- الكبد هو من يصنع كوليسترول الدم، والمحفز الأساسي لرفع الكوليسترول الضار هي الدهون المتحولة، والزيوت المهدرجة، والسكر الزائد، وليس البيض.
- يُصنف البيض كواحد من أكثر الأغذية كفاءة وقيمة على وجه الأرض، لكونه يحتوي على بروتين عالي الجودة، وفيتامينات ذائبة في الدهون، ومضادات أكسدة قوية للعين (Lutein و Zeaxanthin)، بالإضافة إلى “الكولين” الضروري لصحة الدماغ والكبد.
- تناول بيضة إلى بيضتين يومياً كجزء من نظام غذائي متوازن هو أمر آمن تماماً وصحي لأغلب الناس.
أما المخاطر:
- الخطر يأتي من قَلي البيض بكميات كبيرة من السمن الرديء أو الزيوت المهدرجة، أو تناوله برفقة اللحوم المصنعة.
- هناك فئتان تشير الأبحاث إلى ضرورة توخيهما الحذر (مرضى السكري من النوع الثاني حيث يفضل اكتفاؤهم بـ 3 إلى 4 بيضات أسبوعياً، والذين يعانون من طفرات جينية محددة تجعل أجسامهم تمتص الكوليسترول الغذائي بنسب أعلى، وهم فئة بسيطة من البشر).
بالانتقال إلى ملف الدجاج، تشير تقارير الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية إلى حقائق هامة تفصل بين قيمته الغذائية وطريقة إنتاجه،
والخلاصة:
- المشكلة ليست في لحم الدجاج نفسه، بل في الممارسات التجارية، كإعطاء الدواجن مضادات حيوية بكميات مكثفة لتسريع النمو، مما يؤدي لظهور بكتيريا خارقة مقاومة للمضادات (مثل السالمونيلا)، وإذا لم يُطبخ الدجاج جيداً أو تلوثت أيدي الطاهي، تنتقل هذه العدوى للإنسان.
- ربطت الأبحاث بوضوح بين الاستهلاك المتكرر للدجاج المقلي المقرمش (الوجبات السريعة) وزيادة مخاطر السمنة وأمراض القلب، الخطر هنا لا يأتي من الدجاج، بل من الغلاف المليء بالدقيق الأبيض والصوديوم والزيوت المهدرجة التي يُقلى فيها.
- الممارسة المثلى، في تناول الدجاج تتلخص في ضبط طريقة الطهي والابتعاد عن اللحوم المصنعة (كالناجتس والبرجر المجمد)، واختيار مصادر موثوقة كالدجاج البلدي و الشركات ذات السمعة النظيفة “وهي للأسف اغلى من قدرة الكثير من الناس”.
وعندما يتم تفنيد هذه المعلومات بطريقة موضوعية، يسارع البعض بالرد:
“انظروا إلى أجدادنا كيف كانوا يعيشون بصحة، ويصلون لسن الـ 90 دون أمراض!”.
هذا الرد يمثل “انحياز النجاة”،
فهو يرى القلة القليلة التي نجت وعمّرت، ويتناسى الملايين الذين ماتوا في صمت.
قبل 100 إلى 150 عاماً فقط، كان متوسط العمر المتوقع للناس يتراوح بين 30 إلى 40 عاماً فقط!
اليوم، بفضل الله ثم التطور العلمي، يتجاوز متوسط العمر العالمي 72 عاماً، ويتخطى 85 عاماً في الدول المتقدمة ( اليابان مثالاً من كبرى الدول المستهلكة والمستوردة للدجاج والبيض في العالم).
تضاعف سكان الأرض في المئة سنة الأخيرة من مليارين إلى 8 مليارات نسمة، هذا التضخم السكاني والقفزة النوعية في صحة البشر لم يحدُثا بسبب طبيعة الأكل، بل بسبب متغيرات كبرى صامتة: (شبكات الصرف الصحي والمياه النظيفة ، و الطب الوقائي والمضادات الحيوية) وللتوضيح:
- تاريخياً، كان تلوث المياه واختلاطها بالفضلات هو القاتل الأول للبشرية (الكوليرا، التيفوئيد، الدوسنتاريا).
- توفير مياه شرب معقمة ومكلورة أنقذ من البشر أكثر مما أنقذته جميع الأدوية في التاريخ.
- كان الأجداد يفقدون نصف أطفالهم قبل سن الخامسة بسبب الحصبة، أو السعال الديكي، أو الجدري، اكتشاف البنسلين والمضادات الحيوية هو ما جعل البشر يعيشون لسنوات طويلة تتيح لأجسامهم أصلاً الوصول إلى سن الإصابة بـ “أمراض الشيخوخة”.
وحين يتساءل البعض:
لماذا نرى أمراضاً كالسرطان والزهايمر وأمراض القلب منتشرة الآن أكثر من وقت الأجداد؟
فالإجابة ذات شقين:
- الأول أن الناس أصبحوا يعيشون لفترات أطول تسمح بظهور هذه الأمراض المرتبطة بالسن.
- والثاني هو تطور أدوات التشخيص (الأشعة، التحاليل، المناظير)، في زمن الأجداد، كان الشخص يموت فجأة بجلطة لا يعرفون انها جلطة فيقال “مات فجأة ما حد شعر فيه (شخص طيب)” أو “مرض فمات (مرض الموت) وقد يكون مرض بسيط او عدوى”، دون أن يعلم أحد أنه مات بسبب سرطان أو انسداد في الشرايين.
بالعودة إلى الأنظمة الغذائية، أنا لست ضدها، لكنها ليست سحراً ولا علاجاً هابطاً من السماء، نجاح أنظمة مثل “الطيبات” أو “النباتي الصارم” هو نجاح لحظي ناتج عن فكرة “الإقصاء الفوري”، هذا الإقصاء المفاجئ يسهم تلقائياً في:
- تقليل استهلاك السعرات الحرارية بشكل حاد.
- الابتعاد عن الأكل السريع والمقليات والزيوت التالفة.
- زيادة تناول الخضار والألياف.
هذا التنظيف العام للنظام الغذائي يجعل الشخص يشعر بتحسن في الهضم والنشاط، فيتوهم أن البيض والدجاج واللحوم كانت “شياطين” تخلص منها، بينما الحقيقة أن التحسن جاء من تقليل الأكل المصنع الرديء، وفي المقابل، قد تظهر لدى هؤلاء الأشخاص مشاكل صحية أخرى على المدى الطويل بسبب نقص بعض العناصر الناتجة عن هذا الإقصاء.
الاتزان واكتشاف طبيعة جسمك هو الحل،
“ما زاد عن حده انقلب إلى ضده”.
لا أعني بكلامي هذا فرض نمط معين على أحد، فكل إنسان حر في تنظيم خطته الغذائية، ومصطلح “نظام صحي أو غير صحي” هو عبارة فضفاضة وغير دقيقة،
والصواب هو “النظام المتزن الذي يراعي احتياجات جسمك وفهمك له”،
ويمكن هنا الاستعانة بطبيب تغذية مختص، لكن إياك والاستعانة بالخلاصات السريعة المبنية على تجارب فردية.
هناك أشخاص شرهون جداً للتدخين تجاوزت أعمارهم السبعين، ويدعون بملء فيهم أن غيرهم توفي شاباً ولم يستمتع بـ “سيجارة” في حياته!
هذه جدلية شخصية يعيشها هذا المدخن لأنه نجا حتى الآن ولم يصبه شيء، ولن تتمكن من إقناعه أبداً بأن التدخين مضر..
لكن المفارقة أنه سيقتنع فوراً بما يقوله “نظام الطيبات”، لمجرد أن النظام أخبره بما يحب أن يسمعه:
بأن الدخان ليس مضراً!
اصلح الله بالكم،
مودتي
أحمد مبارك بشير
13/06/2026