يوسف أيها الصديق ح 21 – القضاء والقدر


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 21 – القضاء والقدر

ولكن أكثر الناس لا يعلمون:

كلمة  (الناس) تشمل عامة الناس وخاصتهم. فالناس لا تعني العامة بدون الخاصة ولذلك فكلمة الناس تشمل كل المجموعات البشرية بعلمائها وعمالها وتجارها وكذلك ملوكها ورعاياها أو ناشطيها وكسالاها أو نسائها ورجالها أو كبارها وصغارها . 25

وبعد أن أدى يوسف رسالته وأكمل دعوته إلى النجاة من الضلال كأخ لهما عزيز عليه ما يراه فيهما من ضلال واضح وابتعاد عما وراء الطبيعة جل جلاله وجهل بحقيقة الربوبية و الألوهية بدأ بالكشف عما يراه مناسبا من تفسيره الصحيح للمنامين. قال يوسف:

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿41﴾.

قال في بيان تأويله لما رآه الأول منهما بأنه يسقي ربه خمرا. لكنه خاطبهما معا بقوله أما أحدكما ليخفف على الثاني الخبر المفجع عن موته صلبا احتمالا.

إنه أيضا اعتبر المنامين مكملين لبعضهما ولكنه كان أكثر دقة من صاحبيه بالضرورة.

من الواضح أن الأول كان يظن في حلمه تفسيرا أكثر إيرادا له و إذا به سيعود احتمالا إلى نفس عمله الأول. لا يمكن أن يسقي الملك وهو الرجل الأول في أعظم دولة في الارض، الخمرَ إن لم يكن ذو خبرة بالسقاية.

لعله استاء كثيرا حينما خيب السجين الذي يتجلى منه العلم والإيمان ظنه في تفسير حلمه فاضطرب أمله في المستقبل احتمالا. إنه لا يعرف بعد ما سيحل بصديقه صاحب الرؤيا الثانية.

وبعد ذلك وضح يوسف رأيه في الرؤيا الثانية مخاطبا إياهما بلفظ الغائب أيضا. قال لهما بأن الآخر دون أن ينظر إليه احتمالا، فيُصلب فتأكل الطير من رأسه.

كان كلا مناميهما لا يحملان نتيجة إيجابية لهما. فالأول يسقي غيره الخمر لا نفسه والثاني لا يقوم بأي عمل بل يرى طيورا تأكل من الخبز الذي يحمله فوق رأسه. فليس هناك في المنام أي إشارة إلى أن أيا منهما يكسب شيئا، والثاني يتناقص ما يحمله على رأسه.

ولا يمكن للطير أن تأكل من رأس الإنسان إلا إذا كان ميتا لأنه يخاف الاقتراب من البشر.

هذان هما المنامان وقد فسرهما يوسف تفسيرا غير الذي ظناه برأيي والعلم عند الله تعالى.

وأما الأمر الذي فيه يستفتيان وهو اتفاق رؤية شخصين لمنامين أحدهما شراب والآخر طعام، فإن يوسف يضمر شيئا آخر لا يريد أن يوضحه لهما وهو توافق دخوله هو السجن معهما ورؤيتهما لمنامين يوحيان إليه بما يخصه هو دونهما.

رأى يوسف بأن الواقعة ليست صدفة بل مقصودة يريد ربه أن يبعث له برسالة مؤداها أن خلاصه من السجن سيكون على يد هذا السجين بعد أن يستعيد شيئا من حريته.

إنهما فتيان وهذا يعني بأنهما عبدان ولكن العبودية ليست سجنا يمنع عنهما التحرك إلا أن منزلهما الجديد مسور بجدران لا يمكنهما اختراقها.

كان هذا المنام كافيا ليشعر يوسف بأنه ليس بتلك العظمة التي يشعر بها. إن حفيد إبراهيم وإسحاق وابن يعقوب أرسله بنو أبيه إلى غيابت الجب واستغلته السيارة بضاعة وباعوه فعلا، ثم أصبح عبدا لدى سيدة قصر العزيز ثم أدخل السجن وهو يشعر الآن بأن نجاته ستكون على يد عبد ضعيف! إن صانع بني إسرائيل يعاني من نقاط ضعف نفسية ولا يمكنه أن يستلم النبوة قبل أن يمر بعلاج قاس ليشفى من مرض الخيلاء الذي أصيب به. أين ذلك العلم الكبير الذي ينطوي عليه ليمنع عنه الكبرياء ويعيد إليه رشده؟

هذه هي طبيعة بني إسرائيل فهم دائما يسمون أنفسهم بني إسرائيل ولا يقولون بأننا أهل الأوطان التي ينتسب إليها غيرهم من القرون والأمم البشرية. لقد مات إسرائيل قبل أربعة آلاف سنة ولا زالوا يفتخرون بأنهم أبناؤه.

ولو تسأل من تعلّم منهم، عن الإيمان والصدق فسيقول لك بأنهما وحدهما من معايير الفوز أمام الله تعالى ولكنه لا يمكن أن يتصور بأنه هو أيضا مطالب بهما للفوز أمام الله .إنه يتخيل بأنه مميز عن غيره لأنه من بني إسرائيل الذي أصبح في ذمة الله منذ قرون وينسى بأنه عبد لله الحي القيوم وحري به أن يفتخر بربه لا بجده الأعلى الذي لا حراك فيه ولا صوت له.

لننظر إلى يوسف كيف ينطق بما هو صحيح ويمارس ما هو غلط. إنه يعلم بأن الصدفة ليست صدفة إلا من خلال كوننا لا نعرف أسباب توافق الأسباب فنظن بأنها وقعت صدفة. فلو لم يكن يوسف يتذكر منامه ويوفق بينه وبين منامي صاحبيه في السجن لقال في وصف الأمر الذي فيه يستفتيان بأنه من قضاء الله تعالى. وتعني هذه الجملة بأن ما حصل لهما أكثر من القدر.

نحن نسمي تصادم سيارتين صدفة لأنها يمكن أن تكون كذلك باعتبار أن السيارات التي تسير في الشوارع تتجاوز الملايين فيمكن أن تصطدم اثنتان بالصدفة. لكننا لا يمكن أن نتحدث بهذه الطريقة عن الرؤى التي هي قليلة.

في السجن ثلاثة أشخاص وقد رأى اثنان منهما منامين في وقت واحد وهما فعلا يكملان بعضهما البعض فالأمر أكثر من صدفة حتى في المنطق غير العلمي البعيد عن معرفة إدارة الخالق العزيز لكل حركات الكون ومَن فيه.

نحن اليوم بعدهم بآلاف السنيين لا نرى قصة شبيهة برؤيا هذين السجينين فكيف ننسب أمرهما إلى الصدفة.

ولذلك قال يوسف بكل ثقة أن أمرهما تابع لقضاء الله تعالى بمعنى أنه تجاوز التقدير فأصبحت النتيجة التي ينتظرها يوسف من هذا التوافق محتوما وهو نجاته على يد ذلك الفتى السجين.

لكن قول يوسف ذلك لا يعني بأن كلا المنامين سيتحققان. إنه نظر إلى القضية من زاويته هو وليس من زاويتهما حينما قال قضي الأمر فاحتمالات المفسرين ليست في محلها لنقع في مأزق علم يوسف للغيب الذي لا يتفق مع العقل إذ أن الغيب خاص بالله تعالى . 26

( هامش 25 :   بالطبع أن هناك بعض الناس يعلمون ولكن أكثرهم لا يعلمون فكيف نعرف أفراد هذين القسمين من حيث العلم والجهل؟ ولنعلم أن حكاية الآية الكريمة لا تمثل الأصول والكليات العلمية الكبرى التي تحيط بكل الحقائق بل حكايتُها حكاية المفاهيم العامة الأساسية التي يمكن لكل إنسان أن يعلمها ولكنه لا يعلمها.

فلو كان المقصود هو الحقائق العلمية لكان ممكنا أن يقطع أي جدل بأن يقول: ولكن أكثر العلماء لا يعلمون. ذلك لوجود بعض المجموعات البشرية التي لا تخضع لغير الله تعالى وهي تضم العلماء والحكماء والعمال والتجار والمهنيين والعسكر والضعفاء والشباب والشيوخ جميعا وكل أصناف البشر تقريبا كما كان عليه صحابة موسى وعيسى ومحمد. فبين الصحابة أناس عاديون من حيث العلم والشهرة والذكاء ولكنهم لم يكونوا ليعبدوا غير الله تعالى في حضور الرسول إلا أن ينكشف أمرهم.

فالذين يقعون ضمن أكثر الناس وهم الذين لا يعلمون، فإن كل مجموعة منهم تمثل شريحة كاملة من الأمة. هذه الشريحة تمثل العلماء والموجهين والملوك وكبار المدراء والعسكريين وأصحاب المصانع والمتاجر والقوى العاملة وكذلك الرياضيين والحرفيين والمذيعين والطباخين وغيرهم من مكملات الأمة بدون الرسول. نقول ذلك لأن الأمة في القرآن تعني هذه المجموعة المتكاملة مع الرسول وإلا فهي قرن وليست أمة.

فالتعبير القرآني هذا في مثل هذه الآية لا يمكن أن يُطلق على الجاهلين من مجموعة متكاملة بل على كل المجموعة.

إن الحديث يدور مدار التصرفات العادية كالصلاة والصيام الصحيحة أو غير الصحيحة فلم يقل الله تعالى ولكن أكثر الناس لا يتعلمون ولم يقل لا يفهمون بل قال لا يعلمون. وحديث يوسف مع اثنين من خدم القصور وهم عامة الناس العاديين. فالعلم المناسب لهم هو مجرد فهم ألا يخضع لغير الله تعالى ويعبد الله وحده. هذا علم سهل المنال ولكن الذين نراهم لا يعلمون هذا العلم فهم لا يريدون أن يعلموا بل يريدون أن لا يخرجوا من مستنقع التراث النتن الذي أصبح ماؤه غورا ولم تظهر إلا شوائبه العفنة.   نهاية الهامش 25.)

( هامش 26: ليس في الآية أية إشارة إلى أن الله تعالى أوحى إلى يوسف وليس مسألة إعدام الشخص الثاني ذي أهمية بالنسبة ليوسف ليؤكد لهما بأنه سيُعدم. الدليل الوحيد لنا بالنسبة لموت الثاني هو قوله تعالى عن السجين الأول بأنه الذي نجا منهما فعلا فهو يعني بأن الثاني لم ينج. وحتى نعرف معنى القضاء وكيفيته لا بد أن  نقوم ببحث بسيط فيما يلي:

قضاء الله تعالى:

نستشهد بآيتين من سورة البقرة بداية لفتح باب موضوع القضاء. قال تعالى في سورة البقرة:

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (117).

وقال تعالى في سورة المائدة:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64).

الآية الأولى توضح إرادة رب العالمين القوية القاهرة التي غيرت المسيرة النظامية لخلق الإنسان إلى مسيرة غير عادية لخلق المسيح بإرادة جازمة مقضية سوف تحصل وقد حصلت فعلا وجاء المسيح.

وأما الثانية فهي للرد على ما قاله اليهود بأن الله تعالى يعمل ضمن نظام شمولي لا يمكن إيقافه فكيف يتأتى له سبحانه أن يغير نمطا طبيعيا بمعنى العادة لا بمعنى قوانين الطبيعة.

هناك قوانين إلهية سار عليها اليهود فكسبوا ما كسبوا حتى وقع جل المال اليوم بأيديهم فكيف لله تعالى أن يوقف المسيرة العادية فيمنح أشخاصا آخرين خلافا لإرادة أصحاب المال إن كان حديثهم عن المال؟ فيرد عليهم سبحانه بأن يداه مبسوطتان.

هذا يعني بأن القوانين التي نسير عليها والتي أقرها الله تعالى نفسه لا يمكن أن تحول دون أن يقدر الله تعالى أمرا آخر لتحقيق نتائج معاكسة للعادة التي يسير عليها البشر. وكيف يكون ذلك؟ فنحتاج إلى بحث آخر هو البحث عن القدر لنتعرف على مجالات قضاء الله تعالى. وسوف نسعى لاختصار بحث القدر جهد الإمكان فيما يلي.

القدر:

لننظر إلى تدبيرات الإنسان نفسه وإلى كيفية تعامله مع الإمكانات المتاحة، فسنرى البشر بعكس الحيوانات يسعون لكسب الثروة والغنى ولجمع الأموال وما أمكن من الثمرات وكذلك المواد المختلفة للبناء والصناعة والكساء والخدمات العامة.

وبمجرد ما أن يفتح العاقل الحصيف عينيه على الحياة سيشعر بأنه يحتاج إلى أن يسعى لكسب المزيد من المقومات وإلى تخزينها بصورة صحيحة ليستفيد منها عند الحاجة. ذلك لأنه كبشر مدرك يشعر بأن الحياة لا تسير وفق نمط واحد فهناك الفقر والمرض والمزيد من الأولاد والأعداء والشهوات وبقية الضروريات والمرافق العامة والخاصة، وهذه الامور كلها سوف تضغط عليه بشكل أو بآخر فيجب أن يكون مستعدا للمواجهة بأعلى درجات الاستعداد وبأقل قدر من التعب والخسارة.

من هذا المنطلق أوجد الإنسان لنفسه قوانين علمية انتهت إلى التنبؤ بالحاجات المستقبلية وإلى وضع الأهداف لكل مرفق من مرافق الحياة ووضع المناهج المختلفة للوصول إلى تلك الأهداف بأقل التكاليف والخسائر.

وبما أن الطبيعة وحركاتها ليست بيد الإنسان فإنه من واقع خبراته وخبرات كل الذين مضوا والذين يعيشون في مختلف أماكن الأرض، يتوسع في الاستعداد للمواجهة مع الضغوط الطبيعية التي تفوق قدرته. وقد وضع البشر لتلك المواجهة المزيد من الإعدادات الضرورية أو الاحتمالية ولو كان الاحتمال ضئيلا، ومع ذلك فإنه يسعى لكسب المزيد من الأمان مستفيدا مما أوتي من قوة وإمكانات.

ولننتقل الآن بأفكارنا وعقولنا إلى خالق الكون وإلى قرار رب لعالمين بأن يبدأ بالخلق. يكفينا ما ذكره لنا في القرآن الكريم من تدبيرات مهد لها العزيز الحكيم قبل أن يبدأ بالخلق. أراد سبحانه أن يخلق كائنات مدركة تستفيد من نعمه المادية فيكرمها باستحقاق تمشيا مع قانون العدالة الذي يهتم سبحانه به.

هؤلاء يمكنهم أن يتعرفوا كثيرا على الله تعالى الذي كان موجودا دون أن يكون هناك من يعرفه. والذين فكروا في أنه تعالى لا يمكن أن نتصوره بدون تصور الخلق لأن الخالقية من معاني الذات القدسية فيكون الخالق ناقصا بلا خلق، ولذلك فالخلق مساوق للخالق وقديم مثله ولكنه في رتبة تالية باعتبار الإمكان، فهم مخطئون. لعل الفلاسفة المشائين وعلى رأسهم المعلم أرسطو في مقدمة هؤلاء العلماء والمفكرين.

لكنهم أخطأوا لأننا بكل بساطة نرى بأن الله تعالى كان قادرا على أن يوجدنا قبل آلاف السنين ولكنه تأخر في تحقيق فعلية قدرته تلك. ذلك يعني بأنه سبحانه لا يقوم بتفعيل كل قدراته بصورة دائمة ويكتفي بأن يكون خالقا لهذه الجزئيات بالقوة. إنه خلاق بالقوة ولكنه يخلق بالفعل ضمن نظام زمني مبرمج. وقد أقر سبحانه ذلك في سورة الرحمن:

 يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29).

فتغيير شأنه سبحانه بأن يُفعِّل بعض ما هو قادر عليه متى ما شاء أو أراد. ذلك يعني أن شأن خلقه يتغير في الواقع وليس شأنه سبحانه الذي لا يطرأ عليه أي تغيير. ولكن تغيير شأن الخلق منوط بتغيير إرادة الله تعالى بالنسبة لخلقه وليس ذلك مؤثرا في الذات القدسية إطلاقا.

مدبر عظيم بقدرات تفوق الخيال لا يمكن أن يخلق شيئا دون أن يدبر كل ما يمكن أن يطرأ عليه من تبديلات باعتبار إمكانية كل الخلق طبعا. ولو أراد الجبار العظيم أن يمنح بعض خلقه الإرادة فإنه يفسح لنفسه المجال للمواجهة مع ما يقوم به ذلك المختار غير الحكيم والفقير المحتاج إلى المزيد من المقومات فيما إذا سمحت له نفسه بالظلم الفاحش المؤثر في نظام ربه.

كما أنه سبحانه يقدر له ولغيره كل ما يحتاجون إليه للاستمرار في الحياة والعيش. لنضرب مثلا للأمر الثاني قبل الأول. قال تعالى في سورة المؤمنون:

 وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18).

أنظر إلى الآية الكريمة التي توضح تدبير ربك قبل أن يخلقك. لقد وضع مجموعة كبيرة من طرق التفاعلات الكونية لخلق السماوات والأرض ليتيح لربها اختيار ما يريده لتفعيل كل نوع من أنواع خلقه.

ثم إنه سبحانه لم يكن غافلا عن البشر الضعيف والحيوانات التي سيحتاج الإنسان إليها وكذلك النباتات وبقية حوائج هذا الخلق المستهدف فقدر لها مقدارا معقولا من المياه لتتحرك مع الغازات التي انفصلت عن الشمس حين خلق الأرض. فصنع الله تعالى الأرض من الغازات المختلفة مع المياه المقدرة لحياة الخلق النباتي ثم الحيواني.

لم يكن المدبر العظيم غافلا عن الخلق من قبل خلق الأرض. بالطبع أن هناك تدبيرات سابقة حين خلق الشمس لا نحتاج لذكرها هنا ولكنها مذكورة في الكتاب السماوي العظيم.

والآن لنمعن أكثر في تدبير الحي القيوم المذكور أعلاه. لقد ترك سبحانه المجال مفتوحا لنفسه لمنع الماء عن خلقه إن شاء. فقال عز من قائل في نهاية الآية:

 وإنا على ذهاب به لقادرون.

إنه لتدبير مهيب وفي منتهى الدقة جل جلاله.

لنفكر كيف يواجه رب العالمين عبيده الذين ينشطون بفعالية ضد نظامه والذين يمكن أن يؤثروا في برنامجه لمستقبل الإنسان. لنعد إلى الوراء، إلى ما قبل أربعة آلاف سنة.

هناك توسعت الملاحة البحرية فتعرفت طبقة من كبار تجار البحار -ولعلهم الفينيقيون- على طريقة خطيرة من التمتع الجنسي الذي يقطع السبيل على تكاثر البشر. ذلك هو إتيان المثيل، وقبل أن يتمكن البشر من السيطرة على كل مشاكله.

كان يجب فعل شيء من قبل القدوس ويقطع دابر هذه الفئة الخطيرة التي يتنقل أفرادها عن طريق البحر إلى كل مكان فينتشر هذا الانحراف النفسي في كل المعمورة.

لننظر إلى النظام الألوهي كيف يتعامل مع كل القضايا وكيف يُعدُّ الكثير من الإمكانات للمواجهة مع مختلف الاحتمالات منذ خلق الأرض.

يريد الله تعالى أن يقضي على هذه الفئة الخطيرة التي أسرفت في اتباع الشياطين حتى تركت الارتباط مع الجنس الآخر بالكامل.

لقد تعرفت أيضا نساؤهم على نسائهم فأصبح الرجال في واد والنساء في واد آخر. أرسل إليهم لوط ليتزوج من بينهم فيصير عضوا في ذلك المجتمع الفاسد. بدأ لوط مباشرة بعد استلام النبوة بمزاولة مهام الرسالة. لعلنا نفكر في أنه استلم الرسالة مباشرة بعد التعرف على العلم النبوي للضرورة الوقتية. بقي سنوات بل عقود ينصحهم حتى كبرت بناته ووصلن سن الزواج.

لا نريد أن نتوسع في قصة لوط وقومه ولا نريد أن نتعدى المزيد. وصلت النصائح أو موعد الوعظ إلى نهايته وبدأ موعد العقاب بالاقتراب. العقاب يجب أن يكون شاملا بحيث يقضي على كل الفئة الخطيرة ليُزالوا عن بكرة أبيهم فلا تنتشر عاداتهم بين الباقين ويصيروا عبرة لغيرهم.

جاءت الملائكة بهيئات بشرية تتراءى لقوم لوط بصورة شبان. هرع أقارب زوجة لوط احتمالا إلى منزل لوط طلبا للشبان القادمين وهم لا يعلمون ما ينتظرهم. أخذتهم الملائكة بالجرم المشهود وأخبروا لوط وأولاده برسالة ربهم وأمروهم بالخروج في منتصف الليل دون أن يهتموا بغيرهم فهم المؤمنون وحدهم في ذلك البلد.

كانت الأعاصير الشديدة بانتظارهم في السماء. لقد قدر الله تعالى أن تكون العواصف مصحوبة بالصيحات الشديدة وحملت العواصف بحجارة صغيرة حادة مقدرة من الله تعالى في مكان ما من الأرض. هذا ما تنبؤنا به الآيات التالية: قال تعالى في سورة الذاريات:

 لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34).

وقال سبحانه في سورة هود:

فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83).

المسومة يعني المعدة سابقا والمُعْلَمة لغرض خاص. لننظر إلى ما حصل.

لقد كان هناك بالقرب من قرية قوم لوط حجارة مناسبة لتدميرهم معروفة لدى رب العالمين. إنه سبحانه حين خلق الأرض دبر في كل مكان منها إمكانات لكل ما يريده في المستقبل سواء للمكافأة أو للعقاب. لقد قدر منذ البداية الكثير من هذه الإمكانات في الكرة الأرضية بحيث يستفيد مما يريد متى ما يريد.

لكنه سبحانه قضى على قوم لوط بتلك الحجارة المقدرة سابقا لمثل هذه الامور. لقد قدر سبحانه أماكن كثيرة داخل المحيطات للتسونامي ولكننا كبشر انتبهنا بعد فوات الأوان بأن البشرية نسيت أن تركب أجهزة إنذار مبكر في المحيط الهندي.

وليس بالإمكان فعلا أن نوقف كل ما يضرنا فالكرة مليئة بما لا نعرفه مما هي مسومة عند ربنا للمسرفين. كل هذه الاستعدادات مقدرة ولا يحتاج الله تعالى أن يقدر كل حركات الناس منذ بداية الخلق كما يتراءى للبعض. 

إنه سبحانه يريد أن يمنح الاختيار الحقيقي لكل البشر فلا يمكن أن يقدر كل حركاتنا منذ بداية الخلق ولا منذ بداية خلقنا. لو فعل سبحانه ذلك ارتبك أو بطل الاختيار وتعذر اختبارنا وهو تعالى لا يريد ذلك.      نهاية الهامش 26.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

Advertisements

يوسف أيها الصديق ح 20 – الدين القيم والصراط المستقيم


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 20 – الدين القيم والصراط المستقيم

وحتى يعطي يوسف لصاحبيه المعنى الدقيق لأسباب الخضوع الاختياري فإنه أردف قائلا:

ذلك الدين القيم.

وحتى نعرف المعنى الدقيق للدين القيم فإننا سنحاول معرفة صفة القيم بداية فنمر على كل الآيات التي ذكر الله تعالى فيها تلك الصفة وهي ثمان آيات مع هذه الآية. هي الأنعام 161 والتوبة 36 والكهف 2 والروم 30، 43 والبينة 3 و5.وسنجد ان ملخص المعنى الذي تدور حوله عبارة “الدين القيم” هو الدين التوحيدي الخالص من الشرك .24 

إذن يمكننا أن نوضح معنى كلام يوسف بأن عدم الشرك بأي شكل هو الدين القيم الموصل إلى الله تعالى والذي ينهج من يسير فيه طريقا مستقيما لا عوج فيه. ولنحلل كلام يوسف على ضوء ما عرفنا من معنى تقريبي للدين القيم. تقول الآية من سورة يوسف:

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40).

عدم الخضوع لغير الله تعالى هو الدين القيم ولازمه الخضوع لله تعالى. فلا نكتفي بعدم عبادة الغير بل نعبده لأنه سبحانه جدير بأن يُعبد وعبادته دليل على سلامة نفوسنا وبيان لانصياعنا النفسي للحقيقة المطلقة.

فالدين هنا هو الأصل الأساسي الذي يجب أن نراعيه في كل مناهجنا وهو عدم الشرك بالله تعالى والخضوع له. فكل مناهجنا توضع على أساس اتباع قوانين الألوهية التي لا مناص منها حقيقة ومن يخالفها يخسر الدنيا كما يخسر الآخرة.

( هامش 24:   عند تحليل هذه القضية نجد التالي:

آيتا سورة الروم وردتا بعد ذكر دقة الله تعالى في صناعة مخلوقاته فأمر نبيه باعتباره أسوة حسنة لصحابته أن يوجه وجهه طرف نظام الكون الدقيق والخالي من العيوب ساعيا لاستعمال قوة الإرادة عنده في مسايرة كل النظام الشمولي الدقيق فلا يخالف نظام الألوهية وينجو من المساءلة يوم الحساب.

ذلك ليعلمنا بأن الإسلام هو دين الطبيعة المرشد لنا نحو كيفية السير مع بقية الكائنات التي هي خاضعة بطبيعتها لربها لنخضع بإرادتنا للذات القدسية فنكسب رضاه سبحانه. وهما:

 فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43).

وقد منعنا الله تعالى في الآيات الوسطى أن نكون من أتباع المذاهب الدينية واعتبر من ابتدعوها مشركين لأنهم فرقوا دين الله تعالى وهو واحد لا يمكن تفريقه لأنه منبثق من الواحد الذي خلق الكون المهيب ليستمر في الحياة والبقاء والعطاء طيلة بلايين السنين دون أن ينهار  إلا ضمن شروط نظامه وقوانينه الطبيعية.

وأمره في كلتا الآيتين للنبي باعتباره أقدر من غيره على أن يكون أسوة حسنة لصحابته والآيات الاستدلالية موجهة لجميع الناس. وقد ضرب الله تعالى بالربا مثلا ليذكرنا بأننا لا نملك ما بأيدينا، فعلينا أن نطيع ربنا المالك إن أردنا كسب رضوانه. وإلا فنحن الخاسرون.

وفي كل الآيات يمنع من إشراك أي مخلوق في الخضوع له باعتبار أن الخلق عاجز وجاهل بحقائق الأشياء كائنا من كانوا. فلا يستحق أحد أن يُخضَع له حبا وشكرا وطاعة غير القدوس وحده. وطاعة رسوله عبادة له في الواقع باعتبار أن الرسول ساعي بريد لا يملك شيئا ولا يدعو لنفسه أبدا بل هو قانت لربه. عليه وعلى جميع رسل ربنا الصلاة والسلام.

وعلى أساس ما تقدم فان الله تعالى لا يفوض من صلاحياته شيئا إلى بعض عباده إطلاقا إذ لا ولاية تكوينية لأحد في هذا الكون إلا لله وحده.

وهناك آيتان تتحدثان عن القرآن الكريم وأنه هو أو سوره كتب قيمة. الأولى ما افتتح به سورة الكهف:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2).

 فـ (القيم) هناك وصف للقرآن باعتباره نذيراً ومن شأن النذير أن يكون دقيقا وواضحا حتى يتمكن المنذَرون من اتباعه لينجوا من تبعات الإنذار من ربهم. إذ أن (القيم) في مستهل الآية الثانية يعني المستقيم الخالي من أي اعوجاج. والثانية في سورة البينة هكذا:

 لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4).

فالبينة في الآيات الأربعة تدل على كتب السماء وتفرق أهل الكتاب ليس نتيجة لنزول البينة ولكن الله تعالى بصدد بيان المسؤولية التي تكون بعد استلام الإنذار، لا سيما الإنذار الكتابي.

وإن تفرقهم بعد نزول الكتب إثم واضح سيُسألون عنه. فالله تعالى يريد أن يبلغنا بأن كتبه واضحة تدعو إلى صراط مستقيم غير ذي عوج لتكون حجة علينا يوم الحساب العظيم أمام وجهه الكريم. والقرآن هو رسالة من الله تعالى.

ثم نفكر في آية سورة التوبة:

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36).

إنها تعتبر نظام الأشهر الاثني عشر لتكميل السنة أو تقسيمها مسألة طبيعية تتناسب مع خلق السماوات والأرض. إن الله تعالى وضع هذه الحقيقة في برنامج الخلق يوم بدأ التكوين الأساسي لخلق الكرات الغازية المهيمنة والممتدة وخلق الكرات الصلبة المعدة لاستضافة خلقه.

كما أنه اعتبر في نظامه حاجة كل إنسان إلى أربعة أشهر من الراحة عن كل حرب وخصام حتى لا يفقد توازنه بين النفس والجسم. وأوصى الصحابة ألا يبدأوا بقتال المشركين ويميزوا بينهم فيقاتلوا الذين يقاتلونهم دون غيرهم. ذلك طلبا للمزيد من السلام وابتعادا عن الحروب جهد الإمكان.

هكذا يستقيم دينهم ويتخلص من تدخل الأهواء والرغبات الشخصية والانتقامية ليكون كل شيء خالصا لوجه الله تعالى. بقيت آيتان هما آية الأنعام:

قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165) 

وهي أول آية في القرآن انطوت على مفهوم الدين القيم مشروحا بكل وضوح، والآية تعقب الأمثال الطيبة لتلك الحقيقة القرآنية. والآية التالية وهي في سورة البينة وهي تمثل آخر آية تتحدث عن الدين القيم:

وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5).

ونلاحظ أن الحديث تكميل لما سبق ونقلناه وقرأناه معا عن أهل الكتاب فهم أُمروا بالعبادة المخلصة لله تعالى. أمروا بأن يخلصوا دينهم لله وحده ولا يلتفتوا إلى الناس أبدا وهو معنى الحنيف الذي يميل عن الناس. فكل إنسان يجب أن يشق طريقه بنفسه إلى الله تعالى بما يتناسب مع إمكاناته ومعلوماته تاركا أمته وتراثه والخلق أجمعين وراء ظهره.

لقد أرسل الله تعالى كتبا إلى الناس لئلا يكون لهم حجة بعد أن جاءتهم رسلهم بكتبهم من ربهم. وأما إضافة الدين إلى (القيمة) فهي تحتاج فعلا إلى موضوع لتكون وصفا له. فلا يمكن أن تكون (القيمة) وصفا للدين لأن الصفة من التوابع ولم تتكامل شروط التبعية في الجملة. وقد ظن البعض أن الحديث في الآيات عن الأمة الإسلامية فهي المقصودة ويصير المعنى كما قالوا: دين الأمة القيمة.

ولا أدري كيف تكون الأمة قيمة على دينها؟. وفي نظري أن (القيمة) هنا تعود إلى الكتب المذكورة في الآية الثالثة وهي كتب القرآن. فالقرآن يمثل مجموعة من الكتب التي تدل كل منها على الاستقامة وعدم الاعوجاج في كتاب السماء. فهي تعني دين الكتب القيمة. فكل الكتب القديمة والحديثة تأمر الناس بأن يتركوا الشرك ويعودوا إلى ربهم ويخلصوا عملهم له ولا يشركوا بربهم أحدا من خلقه سواء كانوا رسلا وأنبياء أو ملائكة أو غيرهم.

وملة إبراهيم هي الملة التي يعود إليها كل من جاء بعده من الأنبياء والناس لأنه ضرب أعلى مثل للاستعداد للتضحية في سبيل ربه فترك كل شيء لأجل الله تعالى. ولذلك فهو متبوع كل الأنبياء وكلهم بمن فيهم نبينا يفتخرون بأنهم أتباع إبراهيم.

من هذا البحث المختصر يمكننا معرفة الدين القيم بأنه هو عين الصراط المستقيم من حيث المصداق وانهما يختلفان من حيث المفهوم فقط. فالصراط المستقيم التشريعي للخلق يشير إلى السبيل الموصل حقيقة إلى الله تعالى ليقع المؤمن ضمن الحركة العامة الجبرية للممكنات ولكن باختياره ليكسب الجزاء ويستحق الرضوان. ولكن المفهوم مختلف، حيث أن الدين هو القانون الثابت الذي لا يتغير، والطريق أو الصراط هو المنهج وهو ثابت لا تتغير أصوله باعتبار استقامته أيضا. فالمنهج أو الطريق الصحيح يجب أن يكون موصلا للهدف الذي ينشده الدين أو الدستور الأساسي. فدين المؤمنين هو ألا يشركوا في أهدافهم إضافة إلى تطلعاتهم، وطريقُهم هو العبادة المخلصة لربهم وعدم الشرك به في كل أفعالهم وأفكارهم.

إن ملة إبراهيم هو التفسير الفعلي لمنهج العبادة التي توصلنا إلى الرضوان. فالكون يسير ضمن نظام قيم لا خلل فيه ولا عوج والكتب السماوية أنزلها ربها متناسبة ومتناسقة مع كل الكون ليساعدنا على اتباع قوانينه الطبيعية في الطبيعة، والدين القيم هو التشريع الذي يوصل متبعيه حتما إلى مسايرة كل النظام الكوني الذي نسميه نظام الألوهية الشامل حتى لا يخسروا ولا يضيعوا ولا يدخلوا النار.     نهاية الهامش 24.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 19 – العبادة الحق ، والتطور


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 19 –  العبادة الحق ، والتطور

يضيف يوسف:

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿40﴾.

يريد يوسف أن يحل مشكلة التوارث التي خدع الشيطان بها عباد الله تعالى. فكل المتدينين وغير المتدينين من الذين يؤمنون بالله تعالى يهتمون بالتراث الذي وصلهم من آبائهم.

هكذا ينتفي دور العقل بين أهل الديانات ويصبحون فريسة للطامعين من المخادعين والضالين المضلين . 21

لقد شرح  يوسف لصاحبيه كثيرا من المعاني المتعلقة بالعبادة، ولكن الله تعالى يختصر الموضوع بقوله:

إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم.

ومعنى ذلك أن السير التطوري الطبيعي و الحقيقي من الحاضر إلى المستقبل قد انقلب في أذهانهم وأصبح من الحاضر إلى الماضي.

كان عليهم أن يفكروا في مقولات الآباء ولا يتعاملون معها على انها حقائق ثابتة. آباؤنا ونحن وليس نحن وآباؤنا. فلو انتقلت المعلومة من أبي إلي وفكرت فيها لأستبين حقيقتها فإني سأجد الكثير من السلبيات فيها، باعتبار التطور الطبيعي لمن يلحق على من مضى.

هكذا ينتفي التقديس ونضع كل شيء في اختيار العقل والفكر متحررين من كل قيد من الماضي.

والغريب أن الناس يرون التطور العلمي الطبيعي ويستعملون النعم الجديدة التي أباحها الله تعالى لهم بعد أولئك الأنبياء الذين ماتوا ولكنهم يقولون بأن الذين مضوا أكثر منا علما!

لو قلت لمسلم معاصر بأنه قد يكون أعلم من أحد الانبياء في حقل معين من حقول العلم مثلا لرأيته يرتعش خوفا وذعرا من أنه سمح لك بالتفوه بمثل هذا الكلام.

إن الناس ينسون بأن الله تعالى الحي القيوم يطور الناس فلو كان انبياء الله تعالى الماضين أعلم منا فهذا يعني بأن الله تعالى لم يطورنا.

إنهم ينسبون الفشل إلى الله تعالى لتقديس نبيهم. ذلك لأنهم يظنون بأن آباءهم أكثر منهم علما وفضلا. ولذلك أعقب يوسف:

ما أنزل22  الله بها من سلطان.

ويعني ليس لأولئك أية سيطرة عليكم وليس لهم أي سلطان من الله تعالى بل إنكم أنتم الذين تفرضون لهم سلطانا وقوة.

هذه حقيقة قَلَّ من يفكر فيها مع الأسف على أن من السهل فهمها.

لو ننظر إلى مراكب الأقدمين في البر والبحر ونقارن بينها وبين مراكبنا التي تسبح اليوم في  الأجواء بل وحتى في الفضاء الخارجي سنرى بكل بساطة أن نظام الألوهية لم يضع للقِدم سلطانا بل سلط الجديد على القديم.

وحقيقة الأمر أن البشر لا يملكون شيئا بل إنهم مملوكون بأنفسهم لله تعالى فكيف ننصاع لحكم البشر وخاصة الذين ماتوا منهم؟.

ثم يوضح ذلك بأن نظام الألوهية هو الذي يسيِّر الأمور وليس هناك أمر بيد البشر فيقول:

إن الحكم إلا لله.

والحكم معناه الخطاب الفاصل الذي يميز الذي يجب أن يكون من الذي هو كائن فعلا. فالكائن فعلا قد ينطوي على ظلم وإجحاف نحتاج معه إلى معرفة الحقيقة والذي يعرف الحقيقة هو الله تعالى وحده وليس غيره.

ذلك لأن معرفة الذي يجب أن يكون تحتاج إلى معرفة الكائنات وإمكاناتها ومعرفة المتغيرات ومداها وكلها واضحة لله تعالى لأنه هو وحده الذي يقدر كلَ شيء ويقضي بما يشاء أو بما يريد.

والمحتاج بطبيعته يخضع للمنعم ويلوذ به عند الشدائد. ومن رحمة الله تعالى أن يهدي المختارين من عبيده ليلتمسوا الحق من مصدره ولذلك قال يوسف متابعا:

أمر ألا تعبدوا إلا إياه.

هذا الأمر بالنسبة لنا نحن البشر أمر تشريعي ليعلمنا الطريق الصحيح لمعرفة الحقيقة ولكسب الهدى ثم لنجني ما هو مقدر لنا من نعم الله تعالى . 23

(هامش 21: ولنبدأ ببيان مختصر لمفهوم العبادة فإن إبليس اللعين الرجيم قد غيَّر مفهوم العبادة في أذهان المؤمنين حتى ظن الأكثرية بأن العبادة تعني الصلاة أو ما شابهها من الممارسات العبادية المعروفة.

والواقع أن العبادة تعني الخضوع وتتمثل غالبا في الحب المفرط والطاعة العمياء والشكر الجزيل.

فكل عمل من الأعمال الثلاثة يصل حد الخضوع فهو عبادة باعتبار أن العابد يشعر بفقدان الإرادة أمام المعبود وبأن عليه أن يخضع مطيعا شاكرا محبا.

ولذلك يصفون احيانا العشق المفرط بين المغرمين من النساء والرجال بأنه حب عبادة.

والعبرة فيه أن المحب يطيع المحبوب دون تردد ولا تفكير أو اهتمام بالعواقب.

والعبادات التي نراها في معابد الذين يتخذون الأصنام وسيلة للارتباط بالله تعالى هي عين العبادات التي نراها في المزارات المعروفة وحتى الكثير من الزيارات التي يقوم بها المسلمون أمام قبر رسول الله عليه السلام معتبرينه حيا يسمعهم ويرد عليهم ولكنهم هم الذين لا يسمعونه، كلها أمور ينطبق عليها مفهوم العبادة دون أدنى شك.

وعبارة “من دون الله” تعني عادة، غير الله تعالى أو تعني ضد الله تعالى كما قال سبحانه في سورة البقرة:

 مِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167).

ولكن العبارة في آية سورة يوسف تعني غيره سبحانه. فعُبّاد الأصنام يعبدون الله تعالى أحيانا ولكنهم يحبون ويفضلون الخضوع للأصنام. والأصنام مثل القبور، تشير إلى ذوات مقصودة وتكون الذوات عادة من الملائكة.

وأما عجل السامري فكان يشير ويرمز إلى موسى الرسول وقد اتخذوه معبودا حتى يرجع إليهم موسى. والعبادة المشتركة بأي شكل هي في حقيقتها عبادة المشركين.

إن كل من يعبد غير الله تعالى يظن بأن للمعبود المخضوع له يدا في التصرف بالمتغيرات، وهو خطأ.

إن المتغيرات جميعها بيد الله تعالى حتى التي نراها بيد البشر. لو ننظر في أعماق الحركات الكبرى والاحداث التي تقع في الأرض كالحروب والفتوحات والصناعات الكبرى والمتاجر والمباني الفاخرة والأنظمة والتشريعات المتطورة فإنها جميعا تسير وفق نظام تطوري واحد ولو أن هناك أشخاصا من البشر يديرون هذه الحركات الكبيرة.

فنرى هناك رقعة جغرافية محدودة وقعت تحت سيطرة المسيحيين ومثلها تحت قيادة المسلمين ومثلها تحت النفوذ البوذي على الرغم من أن جميع أصحاب الديانات الكبرى سعوا حين قدرتهم على تحويل كل الأرض إلى عقيدتهم ليسودوا فلم يفلحوا.

نرى بأن هناك مجموعات قوية من الدول المتحدة معا، ولكن ليس لأية مجموعة أن تحكم الأرض منفردة، بل إنها محتاجة لبعضها البعض، كما نرى في المقابل أن أية مجموعة تتعدى حدا من القدرة والقوة والتسلط فإنها تسقط كما سقطت الحكومات الأموية والعباسية والعثمانية وكما سقط الفرس والروم والمغول وغيرهم.

أن خيرات الأرض موزعة توزيعا دقيقا فكل أمة في الواقع قادرة على أن تتحكم في دخلها على أساس الثروات الطبيعية الممنوحة لهم من قبل قوة غيبية ولكن الشعوب تتكاسل أحيانا فيعمها الفقر أو تتصارع فيما بينها فتخسر وتفشل.

ونرى بأن القوى الكبرى مع علمها وإمكاناتها التقنية، تخطئ كثيرا وتخسر كثيرا مما يدل على أن المدير العام جل جلاله لا يريد لها السيطرة الكاملة.

نرى بأن هناك الكثير من الأمراض والعاهات الكبرى تظهر على وجه الأرض فتخلق الذعر بين البشر ثم تزول دون أن نعرف في الواقع كيف أتت وكيف انتشرت ثم كيف زالت أو خفت خطورتها. فهل يمكن أن نتصور بأن هذه المتغيرات بيد غير الله تعالى المحيط المهيمن؟.

إن البعض يعتبر الأولياء أقوياء ووسائط للرحمن وسادة وملوكا ويخضع حتى لرفات عظامهم وقبورهم، ويظن بأن لهم خطرا كبيرا، والواقع أنهم ضعفاء لا حيلة لهم. قال تعالى في سورة يونس:

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36).

إن القدماء غلوا في بعض الأشخاص فانتقل الغلو بمساعدة الشياطين إلى أبنائهم وبقي ينحدر بينهم من جيل الى جيل، وكلما ابتعدوا عن حقيقة الأشخاص وهم في غمرة الغلو فإن السلبيات الطبيعية زالت من صور تلك المسميات ولكن الإيجابيات الوهمية بقيت وتلألأت وتطورت شيئا فشيئا في عالم الظن والخيال.

ثم تحولت المسميات إلى مقدسات لا يسع المرء أن يفكر مجرد تفكير في إمكانية الشك في قدسيتها، بل عليه أن يتقبلها فهي رموز الأمة وعناوين الملة وبغيرها يموت الناس وينقطع ارتباطهم مع ربهم!. والحقيقة أن كل الأشخاص من البشر، مهما كانوا متسامين ومترقين في درجات العبودية و الخلوص فهم كانوا يأكلون الطعام ويشربون وينامون ويُحدثون فيغسلون ويجنبون ويغتسلون.

إنهم جميعا ضعفاء أمام القدرات الطبيعية وأمام الأمراض بنص القرآن. إنهم جميعا ماتوا ولم يتمكنوا من دفع الموت عن أنفسهم. كل مظاهر الضعف هذه زالت من الأذهان وحلت محلها العظمة والقدرة والتفوق والسمو.

إن الموتى جميعا أحياء عند ربهم وليسوا أحياء عندنا وهم لو كانوا مؤمنين فهم يُرزقون الأمان من الخوف ولو كانوا كافرين فاسقين فسوف يُصيبهم الخوف والذعر من مستقبل الحساب أمام ربهم لا غير.

ليس للموتى أن يعرفوا عنا شيئا كما ليس لنا أن نعرف عنهم شيئا وهذا معنى البرزخ الفاصل بين الحياتين الدنيوية والأخروية. وكل هذه المفاهيم موضحة في كتاب الله تعالى. نهاية الهامش21)

(هامش 22:   الإنزال في لغة القرآن يعني التدرج التطوري من حيز القوة والامكان إلى حيز الفعلية. قال تعالى في سورة الزمر:

خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6).

فالله تعالى طور الأنعام من حالة إلى حالة ولم ينزلها من علو إلى أسفل كما أنه سبحانه ينزل الغيث بمعنى أن المطر يتحول من حالة الجمود إلى حالة السيولة بعمليات طاقوية تتم داخل الغيوم حتى تجذبه الأرض وليس هناك بحر من المياه في السماء فينهمر منها حينما يفتح الله تعالى صمامات البحار السماوية مثلا. فحينما يستعمل الإنزال فهو يتضمن معنى التطور بصورة طبيعية.                   نهاية الهامش 22)

(هامش 23:   لمزيد من التوضيح: فإن الكائنات برمتها خاضعة لوجه القدوس جل جلاله ونحن نحتاج كثيرا إلى هذه الكائنات فلو أننا خضعنا بإرادتنا لمن تخضع له الكائنات جميعها فإننا نقع في الطريق الواضح الموصل إلى الهدف الذي نتوخاه. ولكننا لو سعينا لنفس الهدف من طريق أخرى فقد نضل وقد لا نصل أو تطول بنا الطريق.

أما قولنا بأنه أمر تشريعي فباعتبار العبادة التي تمثل الخضوع الاختياري ولذلك أمرنا أن نأتي بها بمحض إرادتنا. أما الكائنات غير المدركة أو المدركة غير المختارة فهي جميعها خاضعة لوجهه سبحانه جبرا وفاقدة للإرادة أمام حكم الجبار العظيم جل جلاله.

وليكن واضحا أيضا أن الملائكة المكرمين لا يعبدون الله تعالى بل يسجدون له؛ وأما قوله تعالى بأنهم:

 لا يستكبرون عن عبادته

فهو ليس باعتبار الفعلية بل باعتبار القوة. ذلك لأن الله تعالى قادر على أن يعطيهم الخيار إن شاء فيصيرون ملائكة يمشون على الأرض مثلا. والآية واضحة في حصر العبادة والخضوع بالذات الإلهية. ذلك لأن الخضوع لا يجوز لمن هو مثلك.

وكل الكائنات المخلوقة ممكنة في ذواتها وفي أعمالها إلا الله تعالى الواجب في ذاته والذي لا يمكن لشيء أن يتخطى أمره سبحانه وتعالى. والكائنات برمتها مدينة له بأنه خلقها ويمدها بمقومات الوجود والحياة إن كانت من ذوات الحياة بشقيها الطاقوي والنباتي.    نهاية الهامش 23.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 18 – أرباب من دون الله


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 18 – أرباب من دون الله

استكمل يوسف حديثه :

وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)

 نرى يوسف كيف استمر في الإنصات إلى الشيطان. حين أكمل:

ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء.

وهو يعني بأن الشرك عمل غير جميل لهم ولا يتناسب مع شأنهم. ألم نر الله تعالى يقول في سورة مريم على لسان المسيح:

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35)؟

وهو يعني بأن اتخاذ الولد ليس مناسبا لشأن إله العالمين جل جلاله ولا جميلا له.

لا يعني قول يوسف بأنهم عاجزون عن أن يُشركوا بالله تعالى كما تراءى للبعض فظنوا بأن الأنبياء معصومون عن الخطإ، بل يعني أن الشرك ليس جميلا لهم.

والمشكلة الكبرى أن يوسف قال ذلك باعتبار السلالة وليس باعتبار النبوة وليس في كلامه مع صاحبيه في السجن أية إشارة إلى النبوة وليس لدينا أي دليل على أنه كان نبيا في ذلك اليوم. والأحرى بنا أن نقول بأنه فعل ما فعل قبل أن يتشرف بالنبوة.

من الخير لنا أن نرى أنبياء الله تعالى بعيدين عن دنس المعاصي والآثام. إنهم قدوة لنا فليفعلوا ما يفعلوا قبل أن يصيروا قدوة للأنام. فيوسف قال ذلك باعتباره من بني إبراهيم وليس باعتبار آخر وكان حديثه عن آبائه بغض النظر عن نبوتهم. والدليل على غروره وكبريائه أنه أكمل قوله ذلك بقوله التالي:

ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

يعني يوسف فيما يعنيه للسامعين وأنا أقول ما أقول كسامع وأضع نفسي مكان صاحبيه في السجن فأنصت معهما إلى يوسف الذي أبدى علما وقدرة على بيان حقائق الأحاديث حتى في المنام وبأن الله تعالى علمه هو دون عامة خلقه. لو كنت معهم لقلت: هذا الرجل أفضل مني وقد منحني الله تعالى مكرمة كبيرة أن حضرت في مجلسه فأشكر الله تعالى على أن حشرني صحابيا ليوسف.

ولكن هل ليوسف أن يقول ذلك عني أم عليه أن يتواضع أمامي ويقول لي: إن أنا إلا بشر مثلكم؟!

لقد أقر يوسف بداية بأنه كسب ما كسب من علم لأنه ترك عبادة غير الله تعالى لغير الله تعالى وهو كلام جميل وصحيح. لكنه أردف بأنه اتبع ملة آبائه، وبأن أباءه غير بقية الناس وبأن الله تعالى فضلهم على غيرهم وعلى الغير أن يشكروا ربهم بوجود أهل بيت النبي إبراهيم بينهم.

هذا هو الكبرياء الذي ظهر على لسان يوسف وهو دليل واضح بأن يوسف ما كان بعد مستوليا على كبرياء نفسه فما كان قادرا على أن يكون نبيا لأهل مصر الذين هم ليسوا من بني إسرائيل ولا يوجد إسرائيلي غيره هناك آنذاك.

نحن نشكر الله تعالى بأنه لم يُقدِّر لأخينا الطيب يوسف أن ينجو من السجن ولم يقدر له ما قدر له من السلطة إلا بعد عدة سنوات. كان الكبرياء سيأخذ من يوسف مأخذا لا يعلم أحد غير الله تعالى ما كان سيفعله في وزارته وقوته تحت تأثير ذلك الكبرياء . 19

انتهى يوسف خاطئا من تمجيد نفسه وأسرته وعاد بعد ذلك لينصح صاحبيه في السجن بما يمكن لأي مؤمن عالم بحقائق الدين أن ينصح به غيره. لم ينس يوسف الله تعالى في كل كلامه مع صاحبي السجن وبما أنه لم ينس الله تعالى فإن الله لا يمكن أن ينساه أيضا ولكنه مع الأسف فقد بعضا من خاصيته حينما كان مخلَصا فلم يمنع الله تعالى الشيطان من الاستمرار في إغوائه فحصل ما حصل بعد هذه الجلسة بالطبع.

استمر يوسف في كلامه قائلا:

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿39﴾.

لم يترك يوسف الكبرياء وهو يخاطب صاحبيه في السجن أن يقول لهم كلاما أجمل من ذلك. لننظر إلى إخوانه الأنبياء قليلا: قال هود لقومه كما في سورة الأعراف:

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69).

اعتبره الله تعالى أخا لهم فقد خاطبهم بكل تواضع بأنه ليس به سفاهة وبأنه رجل منهم وقد جاءه الذكر من ربهم عليه باعتباره واحدا منهم لينذرهم.  لم يمدح هود نفسه بل مدحهم هم بأنهم خلفاء من بعد نوح وبأنهم أقوياء منعمون من الله تعالى.

لكن يوسف لم يقبل بأنهما أخواه ولا صاحباه بل صاحباه في السجن. فلم يقل لهما يوسف بأنه واحد مثلهما ليصغيا إليه ويثقا بإخلاصه لهما.

وقال سبحانه مخاطبا نبينا في سورة الكهف:

 فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6).

بخع كما يقول أرباب اللغة تعني قتل نفسه غما. وقد استشهد الراغب لنفس المعنى بالآية التالية من سورة فاطر:

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8).

 قارن بين الخلوص الواضح والتواضع الممزوج بالحب في خطاب نبينا مع قومه؛ وبين خطاب أخينا يوسف لصاحبيه في السجن وهو يتحدث عن نفسه وأسرته وبأن الله تعالى قد منَّ على الناس بهم وبأنهما صاحباه في السجن فقط… ألا ترى الكبرياء متجليا في خطابه والترفعَ واضحا في نصيحته لهما؟ هذه هي المشكلة النفسية ليوسف ولكل بني إسرائيل تقريبا مع الأسف.

وأما فحوى خطابه العلمي البليغ فهو بأن الربوبية التي تعني العناية المحيطة بالكائنات لينعموا بالحياة وبالهدى تحت رحمته لا يمكن أن تأتي من أكثر من مصدر واحد .20

( هامش 19 :   قرب من الله تعالى أم تقرّب إليه: هذه مسألة أود أن أوضحها باختصار هنا للمناسبة.

نحن نسمع كثيرا عن الذين يسمون أنفسهم عرفاء ونسمع كثيرا عن مكاشفاتهم وعن تحدثهم بالغيبيات وقيامهم بما يعجز عنه بقية الناس.

بالطبع يمكنني القول بضرس قاطع بأن كل ذلك محض وهم ولا يوجد لأحد مكاشفات مع الله تعالى ولا يعلم أحد شيئا من الغيب إلا ما أباحه الله تعالى لجميع خلقه من العلم الغيبي وهو اليوم محصور في القرآن الكريم.

لفهم ما اقول علينا ان نفكر قليلا في قوله تعالى عن الملائكة بأنهم مقربون وتسميته بعض عباده من البشر بالمقربين وهو سبحانه لم يعبر عن أي مخلوق بالقريب. حتى الأرواح القدسية ومنهم جبريل فهو ليس بالقريب من الله تعالى بل هو أيضا مقرَّب فقط.

والمقرَّب إلى الله تعالى لا يعني بأن الله تعالى قد قرَّبه إلى ذاته أو أناله بعض صفاته أو فوض إليه بعض أعماله. إن كل خصائص الربوبية خاصة بالقدوس وغير قابلة للانتقال إلى المخلوق وإلا كان المخلوق شريكا فعليا لله تعالى ، معاذ الله.

كل التقريب لا يتجاوز المعرفة بالقدوس فلو نمعن بأن الشخص الذي يعرف عن الله تعالى شيئا قليلا، فإنه لو بقي متقربا إلى الله تعالى فهو يعني بأنه كان محتاجا إلى المزيد حينما استحق صفة التقرب. و حينما يستمر في التقرب فهو يعني بأنه لن يبلغ حد الكمال أبدا ليكسب شرف القرب مثلا وإلا وصفه الله تعالى بالقريب لا بالمقرب.

هذا يعني بأن التقريب لا يعني التقريب الفيزيائي أو المعنوي إلى القدوس بل يعني تقريبه إلى معرفة القدوس. ذلك لأن الحقيقة هي أن التعرف على الهوة الساحقة بيننا وبين خالق السماوات والأرض ليس بالأمر الهين. فنحن كلما نزداد تقربا أي طلبا للمعرفة فإننا نزداد معرفة بالبعد الشاسع بيننا وبين الله تعالى.

ولذلك فحق انتسابنا إلى بعض لا يمكن أن يتجاوز الأخوة التي تناسب كياناتنا. علينا أن نبتعد عن أي تسمية تدل على أي أمر فوق بشري لأي بشر وهذا هو السر في إصرار القرآن الكريم على أن الأنبياء ليسوا إلا بشرا. قال تعالى في سورة إبراهيم:

 قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11).

فالذي يُقرَّب، يُقَرَّب إلى المزيد من العلم بالهوة بين الخلق والخالق وليس بالقرب، إذ لا قرب فعلا. ولذلك فأي شعور بالفوقية على أي مخلوق هو ظلم حقيقي للنفس.

والشيطان يعرف بعض الشيء عن هذا البعد الحقيقي فيسعى لإقناع الناس بأن النسب والتعرض لفضل الله تعالى يقربان البشر من الله تعالى كمقدمة لإقناعهم بوجود أشخاص قريبين من القدوس بحيث يمكنهم أن يصيروا وسائط بين الخالق وخلقه.     نهاية الهامش 19.)

(هامش 20:   إن الكائنات برمتها مرتبطة ببعضها البعض ومحتاجة فقيرة لمن يسندها وينظم علاقاتها وارتباطاتها.

يجب أن يكون الرب مخضوعا له ومقبولا لدى الجميع ويجب أن يكون واحدا حتى يربط الجميع برباط الألفة والمحبة وينظم علاقات الكائنات المتباينة وحتى لا يختلط الهدى على الكائنات.

يجب أن يكون الرب قهارا فلا يتمكن أحد من عدم الانصياع لأوامره فيعم السلام ويتثبت التوافق والوئام بين خلقه. لو كان الرب غير الله تعالى الخالق العظيم فإن تباين المصالح سوف يخلط الأمر ويرفع الانسجام بين الكائنات. والواقع أننا نرى الكائنات اليوم ومنذ بلايين السنين تسير وفق نظام مفروض عليها فمدير ذلك النظام وحده قادر على أن يهدينا للسير بسلام مع بقية الكائنات. ولذلك قال يوسف عليه السلام بكل ثقة ودراية:

 أ أرباب متفرقون خير، أم الله الواحد القهار؟

فبمجرد ما تتعدد الأرباب فهم يتفرقون لأن كل واحد منهم يسعى لجذب الكائنات لنفسه وليس أحد أجدر من الخالق نفسه أن يصون خلقه تحت رعايته. وبما أن الله تعالى يرتبط مع خلقه بالنور أو الطاقة فإن كل إله افتراضي يجب أن يكون كذلك.

إن علماء الفيزياء يعلمون  بأن الطاقة كما تنفذ من جهة الى جهة فهي تجذب أيضا. ثم إنها تتحرك باتجاه ما يتناسب معها لتزيده نورا. فلنتصور تعدد مصادر الطاقة والمصيبة التي ستحصل لنا ولبقية الكائنات لو وجدت.

وقد وجه يوسف خطابه بلحن السؤال ليدعوهما إلى التفكر وإلى بذل الجهد للمعرفة الشخصية دون التقليد للغير. معرفة الله تعالى والإيمان بربوبيته وبأنه مستحق فعلا لأن يُعبد هو أصل يجب على كل شخص أن يطمئن إلى صحته فلا يمكن أن نطيع فيه الغير. وتكمن في الآية الكريمة عدة مسائل يجدر بنا معرفتها:

1.      أن الله تعالى هو خالق الكائنات وهو يدير ما خلقه بصورة تلقائية تثبيتا لملكه، وأن الأرباب الآخرين لا يمكن أن يسعوا لمساعدة أمثالهم إلا لمصلحة لهم فيها. ولذلك فعلى الذي يشعر بالحاجة لهم أن يؤمِّن لهم مصالحهم ولكن ليس عليه أن يؤمن مصالح الله تعالى.

أضف إلى ذلك أن ليس لله مصلحة شخصية ولا حاجة إلى أحد. ونرى في الواقع أن الذين يتشبثون بغير الله تعالى كالموتى في القبور أو الذين يتشبثون بالملائكة بأن يصنعوا لهم أصناما فكلهم يسعى لإحاطة إلهه الذي عينه لنفسه بالمزيد من المال الذي يصرفه على ضريحه أو على مكان صنمه.

نصرف مال الله تعالى معترفين بأنه مال الله على ما خلقناه بأيدينا لنطلب منه المساعدة. والله تعالى يقول في سورة الإسراء:

قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57).

ويعني بكل بساطة أن الذين تدعونهم غير الله تعالى فهم بأنفسهم يدعون الله فأيهم أقرب إليكم، هل الله -الذي أقرب إليكم من حبل الوريد- أم الذي يبحث عن وسيلة يتقرب بها إلى الله تعالى مثلكم؟ ثم إنهم مثلكم يخافون الله تعالى ويرجون رحمته ويخافون عذابه.

2.      إن الذين تطلبون منهم العون مهما كانوا أقوياء فإنهم غير مهيمنين على الكائنات ولا مناص لهم من أن يراعوا قوانين الربوبية الصادرة من الله تعالى بينما الله تعالى غير واقع تحت هيمنة أحد وهو القهار الذي يقهر كل شيء ليثبت أمره فالعقل يحكم بأن نطلب حوائجنا منه سبحانه لا من غيره، ولا سيما أنه سبحانه دعا عبيده ليدعوه ويطلبوا منه لطفا وكرما وليمنحهم المزيد من الهدى فلا يبحثوا عن من يساعدهم من خلقه. والمقصود من الدعاء هو تغيير مسار النظام الصاعد بلا توقف لنتجنب وقعه علينا، أو نطلب المزيد من الخير منه. نطلب تغيير المسار العادي للنعمة أو للغضب ولكن لا يمكن لغير القهار أن يقوم بذلك التغيير.

3.      إنكم تخضعون للبعض لحاجة لكم تريدون أن تقضوها على أيديهم وهم لا يملكون شيئا. إنهم ليسوا أربابا حقيقيين وهم متفرقون بمعنى أن هناك الكثيرين يحملون نفس الصفات ونفس القدرات التي تتراءى لكم، ولكن ليس كمثل الله شيء، وهو واحد لا شريك له فالعقل يحكم بأن نستظل بظلاله وهو القهار القوي القادر ولا نتفرق تحت رحمة الذين نظن بأنهم يملكون شيئا.

أنظر إلى قوم نوح الأقدمين فقد اعترفوا بأن لهم مجموعة من الأصنام وهكذا الذين أتوا من بعدهم.

المسيحيون ينظرون إلى المسيح والروح القدس على أنهما وسيلتان إلى الله تعالى والنصارى منهم يضيفون إليهما مريم العذراء.

اليهود يتشبثون بموسى وهارون وعزير وبقية أنبيائهم ويهتمون بداود وسليمان وبقية الأقوياء منهم وهم جميعا متفرقون ضعفاء أمام الله تعالى.

المسلمون يطلبون من النبي وصحابته أو أهل بيته.

وبتحليل بسيط نشعر بأن كل هؤلاء يحسون بأن موسى والمسيح ومحمد ليسوا منفردين وليسوا بكامل القوة ولذلك يتشبثون بمن دونهم فلعلهم يكونوا أكثر فائدة لهم من كبارهم. لكن الذين يكتفون بالله تعالى فهو حسبهم ويشعرون معه وحده بالطمأنينة الكاملة وبأنهم قد تمسكوا بحبل لا ريب في قوته ومكنته.

4.      إن صاحبي بوسف قد أُدخلا السجن على يد الذين يسمونهم أربابا لأن مصالح الأرباب اقتضت سجنهم ولكن الله تعالى حليم يصبر على عبيده لعلهم يرجعوا إليه فيثيبهم بالحسنى. كان اهتمامهما واضحا في أن يُرضيا الملك الذي يعتبرانه ربهما وقد فسرا مناميهما بما يتناسب مع رضا الملك وهما غافلان عن الله الواحد القهار الذي هو ربهما فعلا.

هذه الغفلة مشهودة لدى بني إسرائيل اليوم ولدى أتباع المسيح كما هي لدى المسلمين. ولنعم ما قال سبحانه في سورة الزمر:

وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (48) فَإِذَا مَسَّ الآنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59).

5.      أضف إلى المسألة الرابعة أعلاه أن الله باعتبار قدرته وقهره فهو لا يحتاج إلى أن يستعجل بالعذاب بل يصبر ويعطي الفرصة مرات ومرات ولكن الملوك الدنيويين يستعجلون بالعذاب لأنهم ضعفاء يخافون من أن يفقدوا السيطرة على مخالفيهم. لنتذكر المثل الشعبي المعروف الذي يمثل حالة ملوك الأرض: تغدى به قبل أن يتعشى بك.

6.      لسان حال يوسف يقول: إن الذين كبروا في عيونكم هم صنائعكم فأنتم الذين قويتموهم ليتحكموا فيكم وإلا فهم ضعفاء مثلكم ليسوا منفردين في السلطة والقدرة وليسوا قاهرين لأحد لأنهم أمثالكم، بشرٌ يملكون نفس قدراتكم وتملكون نفس قدراتهم ولكن الله تعالى قاهر للكل دون الحاجة إلى أن يستعين بكم أو بأحد عليكم.

7.      وأخيرا فإن القوي بطبيعته صاحب النظام الألوهي الذي يتحكم في كل الوجود، خير للضعفاء من الذين يستمدون منه القوة بأنه وحده الله تعالى، وبالرغم من اعتراف الشعب المصري بالله تعالى، فإنه كان يعبد غيره، كما يعترف المسيحيون واليهود والمسلمون اليوم بأن الله تعالى هو الخالق الواحد ولكنهم يستعينون بالأنبياء والأولياء و الصالحين.     نهاية الهامش 20.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 17 – ملة إبراهيم وخطأ يوسف


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 17 – ملة إبراهيم وخطأ يوسف

نستكمل مع الآية:

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

المقطع :

إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون

عرفنا معنى المقطع الكريم وعرفنا بأن الواو قبل “هم” الأولى هي للحال ويعني حال كونهم كافرين بالآخرة. وتكرار “هم” ضروري حتى لا يلتبس على القارئ موضوع عطف “هم” الأولى على عدم إيمانهم الصادق بالله تعالى.

حينذاك سوف يكون المعنى بأنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله كما يكفرون بالآخرة ولكن مقصود الآية أن تقول بأن عدم الإيمان بالآخرة نتيجة حتمية لعدم الإيمان الحقيقي والصحيح بالله تعالى.

وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴿38﴾

هنا يكمن الخطأ الأكبر ليوسف برأيي. ذلك الخطأ الذي سلبه تلك العناية الخاصة التي ملأت حياته روعة وعلما وقرارات حاسمة ورائدة، وكان أجلاها في ذلك التقدير الدقيق لوصول العزيز في اللحظة الحاسمة قبل أن يقع يوسف فريسة سهلة في أحضان المرأة الماجنة.

(وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه، هو برهان الربوبية وليس برهان الألوهية). هنا وفي هذه اللحظة خسر يوسف شيئا كبيرا فلم يعد من عباده المخلَصين (بفتح اللام).

هنا وفي هذه اللحظة فُتح الباب على مصراعيه للشيطان ليضاعف الغرور الذي تمثل به أخونا الكبير يوسف بن يعقوب حفيد إسحاق وحفيد إبراهيم. إنها مشكلة كل أو غالبية بني إسرائيل. وسنرى في آخر المطاف وبتحليل بسيط أن إسماعيل الذي أبعده ربه عن التحفظات العائلية المورثة للكبرياء قد فاز على يعقوب الذي بنى أسرة عريقة كبيرة متمثلة في أولاده وأحفاده. حرية إسماعيل تغلبت على محافظة إسحاق.

ولعل أول من اهتم بالتحفظ العائلي هو ابنه يعقوب المعروف بإسرائيل. ولا يفوتنا هنا أن نلفت إلى أهمية الالتفات إلى ما يحكم علاقات اتباع الأديان الثلاثة من كراهية وشحناء فيما بينهم ونسعى جميعا الى إصلاحه ومحاولة القبول بالعيش المشترك في هذه الحياة الدنيا سيما وأننا نعود في الأصل الى جذور واحدة ونكون معا هذه العائلة البشرية الكبيرة. 

أضاف يوسف بأنه اتبع ملة آبائه وذكرهم بالاسم و هم إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وكما عرفنا فإن اتباع الملة لا تعني أن يقلد أحدا بل يسير على الخط العام لهم.

إنهم مشوا على درب التوحيد خاضعين لله ناسين غير الله تعالى ولكن سار كل واحد منهم بطريقته والتزم بمناسكه الخاصة. إن كل إنسان يعيش في محيط خاص به ومع أسرة ترتبط بكيانه الشخصي وكل مجموعة من الأسر يعيشون في وطن يخصهم ويحتضنهم ويساعدهم ليهنئوا ويؤدوا واجباتهم بسلام. وإن كل مجموعة من الأوطان تدين بدين وتؤدي واجباتها تجاه ربها ضمن إطار خاص بتلك المجموعة.

 فليس من الضروري أن يلبسوا جميعا مثل بعض أو يأكلوا ما يأكله الأكثرية أو يركبوا نفس المراكب أو يبنوا بيوتا على طرز واحد . 18

إن يوسف رجل مؤمن طيب القلب وفي غاية الخضوع والخشوع لله ولكنه مبتلى بما ابتلي به بنو إسرائيل من كبرياء. إنه بحاجة إلى أن يبقى فترة في السجن ليتطهر نفسيا ويشعر بالتواضع مع بني البشر فيترك كبرياء بني إسرائيل ثم يتأهل للنبوة.

أظن بأنه لهذا السبب بقي بأمر ربه وبتقديره الكريم سبحانه بضع سنين في السجن. لكن هناك نظاما ألوهيا يجب مراعاته لتبرير بقائه الفعلي في السجن. هذه العنجهية محفورة في قلوب بني إسرائيل قاطبة فهل يقدر الله تعالى لهم جميعا السجن؟

وحتى لا نظلم يوسف فإن موسى عاش فقيرا يخدم الغير عدة سنوات حتى جاء على قدر فمن صالح يوسف أن يعيش فترة في السجن ليأتي على قدر.

(هامش 18:  وهكذا ليس معنى هذا التشابه في الملة أن يطلقوا جميعهم اللحى مثلا كما يظن بعض المؤمنين. لو كان كذلك فإن النساء سيكن عاجزات عن اتباع ملة إبراهيم! وقد أمر الله تعالى المسلمين كما أمر أهل الكتابين السماويين من قبلهم أن يتبعوا ملة إبراهيم.

ملة إبراهيم تتميز بتوحيد الألوهية والخلوص لله وحده وليس شيئا آخر وهو المطلوب. فإبراهيم كان موحدا وهو في قصور العراق كما كان موحدا وهو مطرود إلى المجهول كما كان موحدا في الأرض المقدسة وموحدا أيضا في المدينة المحرمة. كذلك كان إسحاق وكذلك كان يعقوب وهما لا يعيشان حياة مشابهة لحياة إبراهيم.

وها هو يوسف يتبع ملة إبراهيم تحت عناية أبويه، يتبعه في الجب المظلم ويتبعه مسروقا بين يدي تجار مصر ويتبعه عبدا في قصر العزيز.

إنها ملة إبراهيم التي جعلته يطيع سيدة القصر في كل شيء مشروع ولكنه وقف أمامها ممتنعا عن الاستجابة حينما طلبت منه الفاحشة. قال تعالى في سورة البقرة:

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131).

فاتباع ملة إبراهيم يعني أن يسلم لرب العالمين كما أسلم إبراهيم وجهه له سبحانه وتعالى وليس أمرا آخر.

اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو يلبس ملابس الكنعانيين البسيطة كما اتبعه وهو يلبس ديباج القصور المصرية الفاخرة. اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو يعيش في أسرة النبوة كما اتبعه وهو عضو في أسرة مشركة. اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو حر طليق كما اتبعه وهو في ظلمات الجب أو في سجن مصر. قال تعالى في نفس سورة البقرة:

وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135).

 فإبراهيم أسلم إيجابيا لربه ومال عن قومه وترك شرك المشركين.

أظن بأن ربنا الرحيم قد وضح الملة الإبراهيمية بكل دقة وأزال كل غموض عن كيفية اتباع ملة إبراهيم. والمطلوب لكل من أتى بعد إبراهيم أن يتبع ملة إبراهيم لا غيره. وبعد حوالي 3000 سنة من يوسف عاد القرآن ليأمر محمدا بأن يتبع ملة إبراهيم أيضا.

لكن يوسف أضاف إسحاق ويعقوب على إبراهيم ليكبر أسرته. لسان حال يوسف بأن بني إسرائيل هم الصفوة الخيرة المتفوقة على بقية الناس فعلى الناس أن يحذو حذوهم. بل لسان حاله أن بني إسرائيل وحدهم يسودون الناس فعلى الناس أن يأتمروا بأمرهم.

إن وجود أمة مؤمنة مثل بني إسرائيل هو فضل من الله تعالى على بني إسرائيل وعلى الناس جميعا! نسي يوسف بأنه هناك في السجن لأن أولاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب من غير أمه قد أرادوا لأخيهم الموت فكيف يتعاملون مع بقية الناس؟! هل ذلك من فضل الله على بني إسرائيل وعلى الناس يا أخانا يوسف؟!.

 لقد ذكر لنا القرآن بأن يوسف فضل نفسه وأسرته على الناس ولم يقل بأن أولاد إسماعيل بمن فيهم نبينا محمدا قد فضلوا أنفسهم على الناس.

الحقيقة أن كل المسلمين يشعرون بأن محمدا هو صاحبهم وأخوهم الكبير ولكن لا زال اليهود بعد انبعاث نبي عظيم غير إسرائيلي وبقوة كبيرة، لا زالوا يعيشون الخيال والظن الإسرائيلي الجاهل الذي ورثوه من بني يعقوب.

والله تعالى لم يرفع أمة على أمة ولا إنسانا على إنسان بالوراثة. قال تعالى في سورة النحل:

 وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93).

وقال سبحانه في سورة الحجرات:

 يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13).

وقال تعالى في سورة الكهف مخاطبا خاتم النبيين:

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110).

لا يمكن توقع أن يفضل الله تعالى أحدا على أحد وإنما تقتضي ضرورات الابتلاء الإلهي أن يكون هناك تشابك غريب في أوضاع الناس لا تتجلى فيه حقائقهم وحقيقة فضل بعضهم على بعض. فالله تعالى أتاح لأبي سفيان أن يكون حاكما ويكون محمد تحت حكمه ردحا من الزمن كما جعل موسى يعيش عقودا تحت حكم الاقباط وهكذا.

وحينما أراد الله تعالى إرسال موسى إلى المصريين فإنه سبحانه قدر له أن يعيش حياتين إسرائيلية وقبطية ثم قدر له أن يعيش عقدا من الزمان بعيدا عن بني إسرائيل وبعيدا عن فرعون مصر الكبير.

هكذا جاء موسى على قدر بعد ما فقد هويته الإسرائيلية المحضة وأصبح قادرا على استيعاب الغير. إنه أُمر أن يبلغ فرعون والأقباط قبل بني إسرائيل ليعلم ويستيقن بأن الله تعالى الذي أرسله هو رب العالمين وليس رب بني إسرائيل فحسب.

لكن أباه يوسف الذي عاش الظلم الذي أورده عليه أبناء إسرائيل المباشرون في غيابت الجب والذي عاش الرق ولم يزل عبدا وهو في السجن فإن العنجهية الإسرائيلية لم تفارقه.          نهاية الهامش 18. )

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 16 – النبوة والكتاب


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 16 – النبوة والكتاب

والآن دعونا نفكر في المقطع الأخير من الآية:

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

المقطع :

ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون.

 أصل الملة من أملل يُملل كما يقول اللغويون من أمللت الكتاب. فكأنها كلمة تُطلق على ما تمليه الأمة أو الشخص القوي الذي يكون أمة بنفسه، على الأفراد من طقوس والتزامات نفسية يدينون بها ويخضعون لتبعاتها ومظاهرها.

وليس ضروريا أن يكون الإملال بالقوة الجبرية بل المهم قناعة الناس واستعدادهم لاتباع الملة والدفاع عنها فهي حينذاك ملتُهم وشريعتهم الشخصية. وأما الدين فهو ما يجب أن يكون عليه الناس بالنسبة لربهم باعتباره الدائن الحقيقي الذي يجب أن يُظهر الناس عبوديتهم له ويعترفون بالمديونية لكبريائه ولنعمه . 16

والإيمان لا يعني الاعتقاد فحسب بل يعني سيطرة الاعتقاد على النفس بحيث يوجه صاحبه لاتباع مقولة العقيدة. فالمؤمن بالله تعالى هو الذي يترك نفسه وأهواءه طلبا لمرضاة ربه وليس المؤمن من شهد الشهادتين حسب تعبيرنا أو الذي انحدر من أسرة تؤمن بالله تعالى.

فقوله عليه السلام: لا يؤمنون بالله، يعني لا يلتزمون بما يترتب على قبول العاقل المدرك لوجود الله تعالى من تقوى وحذر ومن استبشار بالرضوان وباللقاء المقبول مع إله السماوات عز اسمه. ولذلك لم يعطف جحودهم بالآخرة على عدم إيمانهم بل وضح مقصوده من عدم إيمانهم بأنهم يكفرون بالآخرة. فالواو قبل “هم” الأولى للحال وليست للعطف. فكأنه قال: كيف يؤمن بالله من يعمل عملا يتنافى مع الخوف من اللقاء بربه؟ إنهم كانوا يؤمنون بالآخرة بمعنى الاعتقاد بها ولكنهم لا يستعدون لها كما يجب فكأنهم يعتقدون بها ولكنها لا توجههم ولا تؤثر في الحيلولة دون اتباعهم للشهوات. واستعمل ما فسره القرآن بالكفر بالآخرة بدل عدم الاهتمام ليقول بأن الآخرة لا تحد من ملذاتهم ولا تقف عائقا أمام شهواتهم ومتعهم وتنافسهم وتسابقهم على المعاصي والآثام فكأنهم يجحدون بها.

ونفهم من خطاب يوسف لصاحبيه بأن النبوة ليست منحة بقدر ما هي استحقاق للنبي الإنسان وبأن النبي ليس ضامنا للوحي بل شديد الحذر ألا يخسر ما حباه الله تعالى به فهو يعيش الخوف ويبتعد عن المعصية جهد الإمكان وليس له عصمة بل هو معرض للإثم بصورة كبيرة وموسعة.

إنه هو الذي يؤمن وهو الذي يتجنب المعصية وليس هناك مانع نفسي يقطع عنه سبل العصيان أو يمنع عنه وساوس الشيطان. وسنرى بعد قليل بأن يوسف النبي نفسه قد أتى بذنب يحتاج معه الى الغفران وهو منهمك بالدعوة إلى ربه دون أن يشعر فأخذه الله تعالى بذنبه وعاقبه ولم يهمل عبده فلم يمهله، سبحانه، ثم سبحانه.

إنه سبحانه منزه من أن يقبل الانتساب المشوب إليه ومنزه من أن يساعد أنبياءه أكثر من أن يساعد عبيده المحرومين من نعمة النبوة. إنه ليس مَلِكا من ملوك الأرض الذين يهتمون بأولادهم لا لشيء إلا لأنهم أولادهم، بل هو سبحانه عادل يسعى للقسط ولا يفضل أحدا على أحد دون أن يكون لدى الموهوب نفسه مرجح يفضله على غيره.

ونضيف على فهمنا من خطاب يوسف بأنه لم يكن ليكسب العلم الذي به فند تفسير المنامين بكل قناعة ويقين لو أنه كان من المذنبين، وبأنه سوف يُعدُّ من المذنبين لو أنه لم يمنع نفسه من اتباع الشيطان ولم يجاهد ضد أهوائه وشهواته.

كان على يوسف أن يعتزل القوم الذين لم يؤمنوا بالله وباللقاء بالله ليحظى بالعلم الحقيقي الصحيح الذي يعطيه الأهلية لاستلام الوحي. قال تعالى في سورة مريم متحدثا عن جد يوسف الأعلى إبراهيم:

وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50).

فالاعتزال شرط من شروط استجابة الدعاء. وبعد أن رأى يوسف الرؤيا في صباه تاقت نفسه للنبوة فوضع سياسة حياته المستقبلية على أساس كسب النبوة والعلم الإلهي متبعا ملة سلفه الصالح الطيب.

كان يوسف يعرف بأن النبوة التي أخبره أبوه عنها ليست مضمونة إن لم يهيئ نفسه لاستقبالها. ليس لأحد قرابة مع الله تعالى ولا لأحد دالة على الذات القدسية جل جلاله.

إن الله تعالى هو الذي يهدد باسترجاع النبوة الممنوحة فكيف بالنبوة بالقوة والتي لم تتحقق بعد؟.

وهنا جدير بأن نعرف بأن النبوة التي يتحدث عنها القرآن بالنسبة للبعض قبل أن تظهر نتائج أعمالهم فهي نبوة بالقوة وليست بالفعل كنبوة موسى وعيسى الموعودين بها قبل أن يولدا. ذلك لتسعى والدتاهما في مساعدتهما ليكسبا النبوة احتمالا. فلم يكن عيسى نبيا حقيقيا في المهد بل كان يحمل نفسا مستعدة للنبوة .17

( هامش 16 :   الملة تشابه المذهب تقريبا الذي يظهر ويتولد تحت لواء دين واحد.

ولكل أحد مناسكه التي تُظهر شخصيته كمتدين ملتزم بالدين. فالمنسك لكل شخص والملة للأمة والدين هو ما أقر به الله تعالى لنفسه فرضا تشريعيا على عبيده.

فكان إبراهيم أمة باعتبار أنه ذهب مذهبا رائدا في العبودية والخلوص للذات القدسية وقد أقر الله تعالى له بالصحة، فمن اتبعه في خلوصه فهو سائر على ملته المقبولة عند الله تعالى وكلهم يدينون لرب العالمين ويسعون لإظهار المديونية والعبودية له كما يرتضيه هو سبحانه أو هكذا يجب أن يكونوا.

وملة أهل مصر كبقية الملل التي لا تعيش النبوة أو التي مات أنبياؤها فإنهم يتبعون طقوسا تساعدهم على إقناع أنفسهم بأن دينهم يسمح لهم بأن يشبعوا شهواتهم ويضمن لهم آخرتهم مع ربهم.

هكذا ينسون حقيقة الله تعالى فلا يعطون الأولوية لأي اهتمام توحيدي بل يتحركون باتجاه الشرك شيئا فشيئا. فليس صحيحا قول من يقول بأن فرعون مصر وحاشيته كانوا كافرين بالله، وليس ممكنا أن يرسل الله تعالى نبيا إلى قوم لا يملكون أوليات العقيدة بالذات الربوبية جل وعلا.

كان المصريون معتقدين بالله تعالى ولذلك بنوا الأهرامات لملوكهم استعدادا للملك في الحياة الأخروية، فهم يؤمنون بالمعاد أيضا. قال العزيز ليوسف وامرأته:

 يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29).

فهم يؤمنون بالله ويؤمنون بالمعاد ويهتمون بطلب المغفرة من الرب العظيم سبحانه وتعالى. لكنهم يبررون متعهم وظلمهم بأنها مسموحة لهم أو بأنهم يحبون من يحبه الله تعالى فيخلصهم من خطورة الوقوف أمام رب العالمين.

ولذلك فهم يعترفون بالذنوب ولكنهم يتخلصون من تبعاتها بما يأفكون وينسبونه إلى الله تعالى فلا يرون داعيا لأخذ الحيطة والحذر من عذاب ربهم وسخطه. هذا الالتزام المتعثر يسمى ملة أيضا. فهي تعبير عام ينطبق على الأديان السماوية والأديان أو المذاهب البشرية.

فملة إبراهيم هي التزامه بالتوحيد وبوجوب إرضاء ربه وحده دون أن يخضع لأي ذي شأن آخر وهو الصحيح الحق. وأما ملة حكام مصر فهي التزامهم باتباع ما خلقوه وأوجدوه بأنفسهم من زعامات وطقوس دينية وترك حقيقة الألوهية وعدم الاكتراث بالبحث عنها أو أخذ الحذر من اللقاء مع تلك الحقيقة والاكتفاء بالأوهام والأساطير.     نهاية الهامش 16.)

(هامش 17:   قال تعالى في سورة آل عمران:

 قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ….

فالرسالة تتحقق بعد أن يعلمه الله تعالى الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل.

ولعل قائلا يقول بأن الإنجيل مرسل إلى قومه فكيف يتقدم إرساله على رسالته، فهو رسول حينما استلم الإنجيل. والواقع أن موسى استلم التوراة كاملة قبل أن يرسله ربه إلى بني إسرائيل بالكتاب. إن إرسال التوراة مغاير لإرسال القرآن لأسباب لا مجال لذكرها هنا. وأما الإنجيل فهو احتمالا اتخذ نفس شكل التوراة في الإرسال ولعل رسالة المسيح الأولى بدأت بعد استلامه وتعلمه للتوراة والإنجيل. إنه أُرسل إلى قوم يحملون التوراة فلم يكن ضروريا أن يمهد الله تعالى لكتاب سماوي دون مستوى الكتاب الذي بين أيديهم بغية منحهم بعض التسهيلات وإجراء تجربة جديدة عليهم للحياة مع الكتاب السماوي دون الأنبياء التي بدأت مع وفاة المسيح وانتهت بظهور نبينا.

ولعل من يدعي بأن المسيح تعلَّم كل شيء قبل الولادة كما يقول بعضهم وهو كلام غير مستدل ومخالف لنص قرآني آخر. قال تعالى في سورة النحل:

 وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78).

فوسائل الإدراك الدنيوية المحصورة في أن يتحول السمع الأذني والبصر العيني إلى سمع وبصر مدركين بمساعدة الفؤاد أو بربطهما بالفؤاد وهو حركة فيزيائية تحتاج أن تمر على مراحل التطور ولا يمكن أن تدرك العين قبل الولادة حيث لا مجال هناك لا للرؤية ولا للاستماع فيحتاج العضوان الرئيسيان إلى تطور فيزيائي وإلى تجارب للرؤية والسمع قبل أن يمنحهما الله تعالى الإدراك بربطهما ربطا مباشرا بالفؤاد. والفؤاد هو الرابط الطاقوي بين البدن الفيزيائي والنفس الطاقوية.

مما علمني ربي: تصريح من يوسف بأن ربه قد علمه فعلا وبأنه علمه من منطلق الربوبية وليس من منطلق الألوهية وبأنه سبحانه قد علمه علوما أخرى منها ما استعان به يوسف لفهم خطإ صاحبيه ولمعرفة حقيقة الأمر وبكل دقة.

فمسألة الربوبية هي نظام دقيق يطوِّر به الله تعالى مختلف الكائنات باعتباره رب العالمين. وبما أن الإنسان موجود مختار يتكامل بَدَنيا ضمن نظام الطبيعة كما تتكامل الشمس والنجوم والحيوانات ومختلف الكائنات الأخرى فان تكامله العلمي يتوقف على سعيه هو بنفسه.

وأما الجانب الإلهي فإن الله تعالى ضمن نظامه العام لا يمكن أن يخصص أحدا بالعلم أو يميزه عن بقية الناس وإنما يبعث بالعلم إلى أهل كل كوكب ضمن الزمان والمكان المناسب لينتهل منه من أراد أن ينتهل.

والسبب في أننا لا نرى الأنبياء اليوم ليس عائدا للأنبياء بل هو عائد للنظام الربوبي الذي يعطي كل مكان وزمان حقه من العلم.

وبدون أن نشرح المسألة بتفصيل فإني أطلب من الجميع أن ينظروا إلى التطور العلمي العام لأهل كوكبنا ليروا بأن الناس يتكاثرون وتتكاثر معهم أساليب الزراعة والتسهيلات وتظهر مع تكاثرهم الصناعات.

ثم إنهم يترابطون بعد التكاثر الشديد فتظهر لهم قدرات مختلفة لاكتشاف المزيد من القوى الكامنة في الطبيعيات فيخترعون الحاسوب ويتعرفون على الالكترونات ويكتشفون أنواع الطاقة.

ثم إنهم اكتشفوا الذخائر الأرضية في الوقت المناسب والضروري لهم ولو كان السلف على علم بها لأسرفوا فيها ولم يبق للمتكاثرين شيء اليوم. حتى الإعلام ووسائل النشر تطورت مع تكاثرنا وتطورنا وهذا دليل واضح على وجود قوة خارقة وراء الطبيعة التي نشعر بها وهي التي تنظم الحياة العامة وتقسم الثروة وتعطي العلم والحكمة والإدراك الحضاري بما يتناسب مع شؤون البشر.

وليس هناك علم يصل الإنسان دون أن يسعى كما يدعي الكثيرون. إذ أن لله تعالى يذكر بنفسه حقيقة أخرى في كتابه الكريم تتعارض تماما مع مقولة العلم اللدني أو ما شابه ذلك من تعابير غير دقيقة نسمعها هنا وهناك. ألا وهي ما قاله سبحانه في سورة النجم:

أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَى (39).

والعلم هو إضافة إنسانية تجعل الإنسان أكثر إنسانية فلا يمكن أن يكسبه المرء بدون أن يسعى.

والجانب الربوبي في المسألة هو مساعدة الله تعالى كرب لكل فرد منا أن ينال حظه من العلم بما يتناسب مع كيانه ومسؤولياته وسعيه.

ونكتفي بهذا القدر من بيان الحقيقية القرآنية دون إثباتها علميا حتى لا نبتعد كثيرا عن قصة يوسف.     نهاية الهامش 17.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 15 – صاحبا السجن 2


Shepherds are looking what has happened in Bethlehem.

تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 15 – صاحبا السجن 2

هناك فتَيان من فِتْية القصور دخلا السجن مع يوسف. رأى أحدهما مناما وهو أنه يعمل كعاصر للخمر في مصنع من المصانع. وعصار الخمور عادة ما يعصر لغيره حتى لو شرب من نتاجه. وأما الآخر فقد رأى نفسه يحمل خبزا فوق رأسه والطيور تنزل على مستقر الخُبيزات وتبدأ بأخذ طعامها من الخبز المحمول.

وبما أنهما رأيا مناميهما معا في وقت واحد أو ليلة واحدة ثم أفصحا عنهما لبعضهما البعض فإنهما ظنا بأن التفسير واحد وهو أنهما سوف يحصلان على مرتبة أو منزلة متكاملة باعتبار أنهما رأيا الأكل والشرب معا وهما يكملان أحدهما الآخر.

لم يشكا في تفسيرهما ولكن تعجبا من حصول ذلك في وقت وزمان واحد وهو الذي أدى إلى احتمالهما بأنهما سوف يشتركان معا في مشروع واحد، أو يحصلان على منحة واحدة. ولعلهما انتبها إلى أن هذين المنامين قد رأياهما في وقت غريب وهو اشتراك فتى مؤمن ومحسن من فتيان القصور معهم في السجن. وهو أمر غريب لعدم اهتمام أصحاب القصور بالمؤمنين أولا ثم إن المؤمنين عادة ما لا يقومون بالمخالفات التي تؤدي إلى السجن. وواضح لهما بأن السجن تأديبي وليس سجنا سياسيا ولا جنائيا.

اتفقا كما يبدو أن يعرضا مناميهما وتفسيرهما على يوسف لعله يتمكن من تأويل هذا التوافق الغريب بين المنامين من شخصين في سجن واحد فيفسر لهما المكسب الذي ينتظرانه حسب تأويلهما البدائي. وكما قلنا فإن يوسف ارتبك لأنه رأى بأنهما مخطئان في تفسير المنامين أولا ثم إنهما قد رأيا رؤيين تفسران ليوسف نفسه اقترابه من تحقق حلمه الذي رآه بين أهله في صباه.

انتبه يوسف بأن الأول رأى أنه يعصر خمرا ولم ير أنه يُعصر له الخمر فهو لا يعني بأنه يملك أو يرتزق شيئا بل يخدم غيره فقط. ثم تفطن بأن الآخر رأى بأن الطير تأكل منه وهو يعني بأنه يخسر ولا يعني بأنه يكسب أيضا. فلقد انتقص منه ولم يزدد عليه شيء.

هكذا استيقن بأنهما مخطئان في استبشارهما بحلميهما. عرف يوسف بأن أحدهما سوف يخسر عمره ولا يكسب شيئا وليس لهما رزق مشترك قطعا. لكنه كيف يوضح لهما ذلك وينقل لهما ما يعرفه من تأويل الحلمين قبل أن يتحدث عن السبب في ذلك التوافق الغريب؟ 

وانتبه يوسف أيضا بأن الله تعالى يعطي الذين يكفرون بالرحمن أحسن المنازل، لو كان ممكنا دنيويا. ذلك لأنهم لا خَلاق لهم في الآخرة. فرأى من واجبه أن يفند لهما تفسيرهما أولا ثم يقدم نصحه لهما باعتباره ناصحا من أهل بيت النبوة الذين يحسن بهم النصح ليساعدهما على التخلص من ضغوط الشهوات والاهتمام بالله تعالى وباللقاء معه مستعينا ومستشهدا بالعلم الذي كسبه من عناية الله تعالى وبفضل إيمانه باللقاء مع ربه.

قرر يوسف أن يبدأ بقطع الأمل لديهما في ما ينتظرانه من خير من وراء مناميهما. لعله أراد بذلك جلب انتباههما إلى أن تفسير المنامين ليس أمرا بسيطا بل يحتاج إلى التدبر لو كان المنام مرتبطا بوحي الحقيقة.

هكذا يفتحان قلبيهما للاستماع إليه وإلى كيفية تفنيده لرأييهما في تأويل المنامين. ثم عليه أن يذكر لهما سرَّ شخصيته العلمية المرتبطة بوحي السماء. هناك يتجلى لهما صدق شعورهما بأنه محسن فعلا.

إن ذلك ضروري لأنهما فسرا رؤييهما كما فسرا شخصية يوسف ولكن يوسف رأى بأنهما أخطآ في الأولى وأصابا في الثانية. ثم أحتمل أنه فكر في كيفية بيان شخصيته لهما فبدأ بتوضيح ارتباطه بربه وبأن علمه ناتج عن استحقاقه العملي في الخضوع الخاشع لرب العالمين وفي الاعتقاد باللقاء مع الله تعالى.

إنه في خضوعه لربه مال وانحرف عن طريق من عاش بينهم من غير المؤمنين ولم يغتر بما في يدهم من مال وجاه وجمال وشباب. ثم فكر بأن يُبدي لهم بأنه من أسرة النبوة وبأنه حينما يعبد الله تعالى وحده فهو إنما يتبع ملة آبائه.

بالطبع أن خطأ يوسف كامن في موقفه ذلك حيث بث حقيقة خاطئة في نفوس المستمعين إليه دون أن يشعر وفقد معه خاصية مميزة من خواص التمسك بالله تعالى وحده ولذلك تمكن منه الشيطان في ما بعد فلم يكن حينذاك مخلَصا كما كان يوم نجاه الله تعالى من الفاحشة المشينة كما سيأتي. والعلم عند الله تعالى.

لعله فكر في أنه لو أبرز قدرته العلمية والعائلية وبأن الأسرة التي ينتمي إليها هي فوق بقية الأسر فسوف يرق له قلبهما فيستعدان للإيمان. وصاحباه في السجن فهما من ضمن تلك البقية طبعا.

لكن يوسف كان مخطئا في محاسباته وسوف نحللها بعد قليل بإذن الله تعالى، حيث أبعدهما عن الإيمان به احتمالا. كان على يوسف أن يفكر قليلا قبل أن يذهب وراء وساوس الشيطان فيتذكر بأن إخوانه الذين أرادوا قتله بدون أي ذنب وهو أصغر إخوانهم تقريبا هم أيضا أولاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب وهم جميعا يعتبرون أنفسهم متبعين لملة آبائهم. إنهم قد أشركوا بالله فعلا حينما استحلوا دم يوسف ثم أشركوا أيضا بعد ترك القتل فأخرجوه من بيته وأبعدوه عن أهله وهو ليس شأنا بشريا وليس مسموحا لأحد أن يطرد أحدا من بيته وبلده. ثم إنهم فرضوا على أخيهم الرق وهو أيضا تدخُّلٌ سافر في شؤون الربوبية وشرك قطعي بالرحمن عز اسمه، على أن كل المعاصي تعتبر شركا إلى حد ما.

ثم انتقل إلى الهدف الرسالي الذي يشعر به يوسف كمرشح للنبوة وهو أن يثبت لهما وهما يؤمنان بالله تعالى بأنهما في ضلال من الخضوع لغير الله تعالى ويعطيهما عليه البرهان. كان ذلك واجبا عليه بعد أن يذكر لهما بأنه من الذين منحهم الله تعالى علما مميزا حتى لا يخضعان له هو قبل كل شيء.

والواقع، أن هذا واجب كل الذين يتحدثون عن رسالات السماء ولو نقلاً أن يبادروا قبل كل شيء بنفي أهليتهما لأن يُقدَّم لهم أيُّ نوع من الخضوع كما سنعرف بعد قليل بإذنه سبحانه. ثم يفسر لهما المنام و يأوله تأويلا صحيحا ويذكر لهما بأن الأمر الذي يستفتيان فيه وهو التوافق الغريب فهو من قضاء الله تعالى وليس مقتصرا على التقدير. والقضاء أمر جازم مؤكد الوقوع.

ولعل من الضروري أن أؤكد للقارئ مرة أخرى بأن القصة روائية في حين أنها حقيقية فالكلمات المستعملة فيها غالبا ما تكون مستعارة لمعاني لا يسعنا فهمها دون أن نتخيل. فالطعام ليس هو الأكل، والرزق ليس هو المال كما نستعمل الكلمتين. وسوف نقوم بشرح كل ذلك بإذن الله تعالى ولنستمع إلى القرآن الكريم وهو يقص علينا كيفية ابتداء يوسف ببيان ما يريد بيانه:

قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿37﴾

المشكلة في هذه الآية هي الاداة (إِلاَّ)والتي تحتاج الى توضيح قبل مواصلة التفسير . 15

انا شخصيا أظن بأن الرسالة القرآنية تهدينا إلى أن نقول بأن يوسف قال لصاحبي سجنه ما اختصره القرآن في الآية وهي احتمالا: ليس هناك بشارة مشتركة تنتظركما في الواقع. لا يأتيكما مكسب يمكن اعتباره رزقا مشتركا ثمينا. لو يهدينا مناماكما إلى ما يقوي إمكاناتكما فأنا جدير بأن أفسر لكما ذلك الرزق المتوقع. جدير بأن أبشركما به قبل أن يصلكما وهو ما تنتظرانه من المنامين لكن تفسيركما خاطئ للأسف.

تابع يوسف القول: وبما أن المنامات الحقيقية متصلة بإرادة الخالق العظيم جل شأنه فإن إدراك عمقها يحتاج إلى إيمان خالص بالله تعالى مصحوبا بقبول اللقاء به حد التضحية في سبيل تلك العقيدة الفذة. وأنا ذلك الشخص.

لعل يوسف كان مبدعا في دعوته لهما بالعودة إلى الله تعالى بأن يبدأ ببيان حاله وما استفاده هو من تضحياته في سبيل إرضاء ربه، أو أنه استفاد من تجارب سلفه. وعلى أي تقدير فإنه كان مصيبا إعلاميا لأنه استغل خطأ المخاطبين مصحوبا بقلقهما ليدعوهما إلى الله تعالى.

وعليه أكمل قوله عن نفسه بأنه وهو في قصر من قصور نبلاء مصر، فهو لم يتأثر بالزخرف والثروة ولم يهتم بالتسهيلات المتاحة له بل بقي يفكر في ملة الموحدين من آبائه وأهله. ولذلك استعمل كلمة: (تركت ملة قوم). والترك يتحقق بسبق التجاوب مع الشيء.

فهو شاب جدير بأن يتمتع بما كان متاحا له في قصر الوزير الفرعوني حد عرض السيدة الأولى نفسها له. ولولا أن يكون هناك مجال للتفاعل فلم يكن للترك أثرا إيجابيا ومنحة ربانية من الذي يعلم خائنة الأعين سبحانه. وهو ما عبر عنه الكتاب الكريم: (فهمَّت به وهمَّ بها). همَّ بها بطبيعته وشبابه وتركها بعد أن استمع إلى نداء عقيدته وإيمانه العميق بربه.

(هامش 15 : ليس هناك لدى النحويين الذين اطلعت على كتبهم وهم من كبار أئمة اللغة والنحو، بيان دقيق للاستثناء ولست إماما في النحو. ولذلك أذكر رسالة الآية الكريمة كما أفهما فهما ظنيا، وأترك التوفيقات النحوية للغير.

إنني من الذين لا يلتزمون كثيرا بالنحو العربي الذي بدئوا تدوينه بعد فترة طويلة من نزول القرآن فلا يمكن أن نلزم القرآن بذلك العلم المتأخر.

لعلنا نكون صادقين لو قلنا بأن أرباب النحو قد انخرطوا في سلك المحدثين والمفسرين ليطبقوا علماً بالغ الأهمية على آراء أولئك النفر من المحدثين والمفسرين الذين وقعوا تحت ضغوط السلطات السياسية من جهة ومن جهة أخرى فهم كانوا محتاجين لمن يساعدهم ماديا ليتصلب عودهم وتترطب محابر أقلامهم وتتكاثر صفحات أوراقهم فيقووا على كتابة علم النحو وبقية العلوم العربية.

والمتبرعون سواء دولا وحكومات أو أثرياء وشعوبا فهم كانوا يفرضون مطالبهم على المحققين من أرباب العلوم حتى لا يخسروا تماسكهم مع عامة شعوبهم التي لن ترضى بالتغيير بل تميل إلى إبقاء الأساطير الموروثة خوفا من التبدد و الابتعاد عن السواد. والسواد هو ما يزينه لهم الشيطان وليس هناك في الوقع سواد يدين بدين أو يتمسك و يوالي عقيدة متكاملة حقا.    نهاية الهامش 15. )

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com