رسائل في الانتقام 1- المشكلة


اتركوهم لله، جئت لأغير وما جئت لأنتقم.

Leave them for god,
I am coming to change only,
I am not coming to revenge.
#مهاتما_غاندي

رسائل في الانتقام

1.     المشكلة

المشكلة التي نعاني منها جميعا بأننا وبصورة طبيعية نحب الانتقام وأنا لست شاذا عنكم فأنا أيضا أحب الانتقام. ولعلمكم فقد مسني الظلم كثيرا وكنت أزداد نقمة على الظالمين وهي حالة طبيعية ولا أظنكم تتعجبون منها. لكنني حينما درست أحوال الأنبياء وأردت التعرف على السر في تعيينهم سماويا رسلا من الله تعالى خالق الكون المهيب إلى المدركين من عبيده في أرضنا فإنني شاهدت الفرق بيني بل بيننا وبينهم. إنهم يكرهون الانتقام ويحبون نشر الهدى بين الناس ويحبون الناس حبا غير عادي. أظن بأن رسول الله كان يحب الذين حضروا زمانه ومكانه أكثر من حب الآباء لأبنائهم. قال تعالى في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6). والآية تبين للقارئ تأثر رسولنا نفسيا لصالح المسيحيين. واللغويون متفقون تقريبا على معنى بخع وأكتفي بالراغب في المفردات:

البخع: قتل النفس غما، قال تعالى: {فلعلك باخع نفسك}[الكهف/6] حث على ترك التأسف، نحو: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}[فاطر/8].  انتهى النقل.

فالرسول الأمين يتألم من رفض قومه لدعوته لأنه يعلم نتائج رفضهم ولكن الله تعالى لا يهتم بما يهتم به رسله. إنهم بشر متواضعون ويحبون بني جنسهم ولا يهتمون بكسب الملك والسلطة. ولنعلم  الفرق بين اهتمامات ربنا وبين مشاعر رسله نقرأ بداية الكهف ونقارن بينها وبين الآية السادسة أعلاه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا ِلآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا (5).

وحتى نعرف المزيد من السورة اسمحوا لي أن أستعرض باختصار موقعها في القرآن الكريم. هي ضمن مجموعة سور بدأت بالإسراء التي تتحدث عن بني إسرائيل ثم الكهف التي تتحدث عن المسيحيين ثم مريم التي توضح لنا حقيقة رسول الله عيسى إلى بني إسرائيل الذين آمنوا به وسميناهم في ما بعد بالمسيحيين وتنتهي المجموعة بسورة طه التي تتحدث عن رسول الله موسى إلى بني إسرائيل الذين عرفوا باليهود. وبعد هذه السلسلة الطيبة من السور فإنه تعالى يوضح لنا معنى النبوة عن طريق بيان أمثلة من الأنبياء في سورة الأنبياء. فالسور الخمسة جميعها مرتبطة بالأنبياء وبأتباع الأنبياء.

الأنبياء صفوة طيبة خيرة تحب الإنسان وتحب معه كل خلق الله. إنهم جميعا مظاهر رحمة الله تعالى ولكن الله الرحيم لا يمكن أن يعمم الرحمة دائما على كل العصاة فهو سبحانه مهتم بالعدالة قبل كل شيء. ولذلك تعجبت من قول أخي الكريم الطبيب سلامه بأن الله تعالى أمرنا بإنزال العقوبة والانتقام وأنا ما رأيت شيئا من ذلك النوع من الأوامر في الكتاب الكريم. لقد عهد الله تعالى على نفسه أن ينتقم من الظالمين واكتفى الرسل بذلك ولم يأمر الله تعالى رسله بالانتقام حسب ظني. قال تعالى في سورة إبراهيم: فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47). لكنه تعالى اكتفى بالإذن بالعقاب.

وكل ما ذكره ربنا من عذاب دنيوي ضد بعض أقوام الرسل فهو منه سبحانه وليس من الرسل عليهم السلام. وإذا قرأنا عن نوح بأنه اشتكى من قومه وطلب إزالتهم فإنه صبر عليهم 950 سنة وهو صبر بشري غير معهود لدى غير نوح كما أظن. ثم إنه عليه السلام خاف على المؤمنين فخاطب ربه كما في سورة نوح: وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فَاجِرًا كَفَّارًا (27).

ويمكن لنا ملاحظة أن ما فعله الله تعالى بقوم نبينا كان منه سبحانه وليس بطلب من رسوله عليه السلام؛ نراه جليا في ما يلي من سورة التوبة: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15). فالذي يريد إنزال العذاب هو الله تعالى ولكنه يريد ذلك على يد عبيده المؤمنين. ويمكن لنا فهم السبب لو أمعنا في التالي:

1. الذين يحضرون الرسالات فإنهم يرون الحق مشفوعا بالمظاهر الإعجازية التي تؤكد لهم حقيقة الدعوة وبأنها من الله تعالى. فالذين كذبوا منهم فهم كافرون بالحقيقة وليسوا جاهلين لأنهم يرون ما لا يراه غيرهم من آيات الله تعالى. فحكمهم واضح وهم أصحاب النار ولا معنى لتركهم بسلام بل يقدر الله تعالى إزالتهم عادة. هذا ما فعله مع أقوام الرسل الذين أكملوا دعواتهم وكفر بهم من كفر من قومهم.

2. لم يعذب الله قوم إبراهيم لأن الدعوة لم تتكامل لديهم ولم يظهر حقيقة كفرهم فتركهم ربهم ليختبرهم ربهم بصورة عادية في غياب رسولهم إبراهيم عليه السلام.

3. لم ينزل الله العذاب على فرعون موسى وقومه لأنهم كانوا مختلطين مع عامة الناس. لكنه تعالى قدر لموسى عليه السلام أن يهرب فتبعهم فرعون و جنوده دون عامة الشعب ولذلك أغرقهم الله تعالى بأنهم لم يكونوا مختلطين مع الناس العاديين. وبقي منهم عالم البلاط الفرعوني قارون فلم يتركه ربه حيا بل أنزل عليه عقوبة الهلاك خسفا كزملائه من قوم فرعون. ولا ننس بأن قارون كان من بني إسرائيل.

4. كان مشركو مكة مختلطين مع مسلمي مكة ولذلك قدر الله تعالى للكافرين أن يُعذَّبوا كأفراد على يد المؤمنين وقدر للمؤمنين أن يروا من كل فرد منهم ما يؤكد لهم مشاركته في التآمر ضد الذين آمنوا بالله ورسوله. وهكذا أنزل الله تعالى عذاب الدنيا على كل الذين كفروا برسله.

لكن الرسل غير نوح الذي خاف على المؤمنين من قومه، فهم لم يطلبوا العذاب. وحينما قدر سبحانه أن يعذب قوم لوط وهم الفينيقيون كما أحتمل، تألم إبراهيم فحكى الله تعالى القصة في سورة هود: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَىيُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76). لكن علينا أن نعرف بأن عذاب الله في الدنيا خاص بأصحاب الرسل ولا يحق لأحد غير الله تعالى أن يأمر بها.

وأما دعاء لوط فهو عليه السلام دعا بأن ينصره الله على قومه فقط ولم يدع بهلاكهم ولنستمع إلى الحكاية مرة أخرى من سورة العنكبوت: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33). ولعلنا نعلم بأن الله تعالى كان يمهد كما أظن لنزول التوراة على بني إسرائيل فكان من الضروري أن يزيل خطر اندثار العوائل بسبب انتشار ارتباط الرجال بالرجال والنساء بالنساء وتوقف الإنجاب. كما أنه تعالى ذكر في نفس سورة العنكبوت قصة قوم شعيب لأن انتشار تنقيص المكيال والميزان كان يشكل خطرا كبيرا على بني إسرائيل أيضا. يريد الله تعالى كما أظن أن يختبر البشرية بالعائلة كما فعله مع أبناء إسحق وأن يختبرها بالقوانين كما فعلها مع أبناء إسماعيل. ولذلك أزال مخاطر اندثار العوائل كما أزال مخاطر انتشار الظلم التجاري في عائلة اهتمت بالمال وبالتجارة. والعلم عند المولى عز وجل.

والآن نأتي إلى التشريع فلا يُعقل ألا يسمح الله تعالى بالعقاب ولكنه يحب لعبيده الصبر والدعاء إلى ربهم ليكفيهم شر أعدائهم. بالطبع أن من حق الناس أن يستفيدوا من تشريعات السماء وينزلوا العقاب على من ظلمهم ردعا و درءً للتكرار. وأنا أظن بأن السبب هو أن من خير البشر ألا يتعلموا على القسوة فتنتشر بينهم الرحمة والحب والحنان ليعيشوا بسلام وأمان. والله تعالى يمن على أهل مكة بأنه خلصهم من حب الانتقام بقوله الكريم في سورة آل عمران:وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104).

نلاحظ من الآيتين الكريمتين بأن الله ورسوله بفضل عدم التسريع في الانتقام حول أمة يحارب بعضها البعض إلى أمة يحب بعضها البعض.

لقد ربى رسولنا المؤمنين من صحابته على حب البشر حتى أضحوا يحبون أعداءهم وقد شهد لهم ربهم بذلك في سورة آل عمران: هَا أَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119). ولنا فيما فعله رسولنا بمن ظلموه يوم فتح مكة بأنه عفا عنهم وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. كما أنه عليه السلام أعطى الأمان فور الدخول لمن دخل بيته أو دخل دار أبي سفيان أو دخل المسجد. ثم إنه عليه السلام طلب مفاتيح الكعبة وبعد أن نظفها من الأصنام أعادها إلى نفس الشخص المشرك واعتبره من ذلك اليوم وكيلا عن الحكومة الجديدة لحراسة الكعبة وحفظ المسجد. هذا ما بعض نقله المؤرخون من معاملة رسولنا بعد الفتح.

فالرسل لا ينتقمون أبدا. ولكن المسلمين الذين انتقموا بل ظلموا الذين لم يظلموهم واعتدوا على من لم يعتد عليهم باسم الفتوحات الإسلامية فهم لم يسيروا على منهج الرسل. وليت شعري أرى بعض غير المسلمين يتبعون الرسل. بل أرى بعض غير المؤمنين بالرسل وهم يتبعون الرسل أكثر من الذين يدعون بأنهم أتباع رسل الله. هذا غاندي الهندوسي الذي انتصر على الحكام المرتزقة الذين حكموا الهند بتخويل من الحكومة البريطانية فإنه لم ينتقم منهم بعد الانتصار. وسمعت بأنهم استفسروا عن حكمه في رجال الأمن الذين قاموا بتعذيب أتباعه فقال لهم: اتركوهم لله، جئت لأغير وما جئت لأنتقم. Leave them for god, I am coming to change only, I am not coming to revenge.

وحينما انتصرنا على الشاه الفارسي وكنت مع الثوار فإنني أحببت أن نترك الظالمين لله وهذا ما قاله الخميني في البداية. لم يأذن بإعدام أحد بداية ولكن بعض المتشددين من الثوار أقنعوه بعد عدة محاولات ليسمح بالإعدام. كان ذلك خطأ كبيرا ارتكبه الخميني واضطروا فيما بعد أن ينشروا الرعب بين الناس لأن الكثيرين أرادوا أن يعيدوا الكرة عليهم فينتقموا منهم، وهكذا خسرت الثورة الكثير من رجالها وخسر الشعب الكثير من أفرادها.

وكنت أتمنى أن ينتبه الإخوان المسلمون بعد أن سيطروا على الحكم في مصر عن طريق الديمقراطية والانتخابات وليس عن طريق الخلافة المشؤومة التي دعا إليها المرحوم حسن البنا. لكنهم استسلموا لضغوط بعض المجرمين من السلفيين الداعين إلى الكراهية والانتقام فخسروا السلطة. وها أنتم في مصر تعانون من ردات الفعل ولا أحد غير الله تعالى يعلم نهاية المواجهات الدموية.

ومما لا ريب فيه هو أن الله تعالى لا يحب لنا الانتقام بل يحب لنا الصبر وأن نترك الانتقام لله تعالى وحده. لكنه تعالى لا يمكن أن يمنع من القصاص لمن يريد أن يقتص ممن ظلمه. فلننظر إلى الذين آمنوا برسوله وكان من بينهم من هو مطلوب للدم. قال تعالى في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179). نعرف من الآية الأولى بأن المقصود هم الذين قتلوا قبل الإسلام وذلك لقوله الكريم في نهاية الآية: ذلك تخفيف من ربكم؛ وقوله تعالى بعدها: فمن اعتدى بعد ذلك. فالله تعالى كتب القصاص على القاتلين ولكنه قال: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف. بمعنى أن يكتفوا بالدية ويتركوا القصاص لله تعالى مع أن في القصاص حياة لهم. لا يمكن أن يتخلى الله تعالى عن العدالة ولكنه يفضل أن نترك تحقيق العدالة لربنا ولا نستعجل بالعقاب في الدنيا. كل ذلك لأن الانتقام من شأن العزيز الذي لا يُغلب عز اسمه، وليس من شأن البشر الذي قد يُغلب.

ولقد راجعت كل موارد القصاص الدنيوي تقريبا فما رأيت بأن هناك تشجيعا للاقتصاص بل هناك الكثير من العوائق التي تحول دون الوصول إلى الحقيقة فيضطر القاضي لأن يتخلى عن العقاب إذ تُدرء الحدود بالشبهات. وقريبا سمعنا بأن أمريكيا سُجن عقودا ليقضي عقوبة المؤبد بتهمة القتل العمد ولكنه في النهاية كسب القضية وخرج من السجن. كان الرجل إنسانا طيبا حيث أن القاضية سألته عن التعويض الذي يطالب به نتيجة خطأ المحكمة فقال: لا أريد شيئا إلا أن يعيدوا النظر في القانون الذي يسجن الأبرياء. اهتزت أمريكا لتلك الكلمة فكان ردة فعل القاضية أن نزلت من المنصة وذهبت إليه وعانقته معتذرا ومكبرا نفسيته الطيبة. كما أن الرئيس أوباما زاره ليتعشى معه وقامت زوجة الرئيس بإعداد الطعام في البيت الأبيض فذهبت الأسرة الحاكمة إلى بيت ذلك المتهم البريئ مع قدر الأكل.

هذه هي واقع التحقيقات البشرية ولذلك فمن الأفضل عقليا أن نترك الأمر لله تعالى ونصبر. لكنني لا أدعو أبدا إلى ترك الإرهابيين يفعلون ما يشاؤون. هناك آيات كثيرة تدعو إلى قتلهم ولكن حينما يراهم الناس مستعدين للجريمة. أما الجرائم الأخرى مثل الزنا وبقية أنواع الفاحشة فلا يمكن أن ننفذ حكم الله تعالى إلا إذا قام اثنان بممارسة الفاحشة في الشارع العام وهو شبه محال. وأما ما ذكره السلف وأفتى به الخلف من عقاب وحدود ضد الذين يتركون الصلاة أو يفطرون جهارا في رمضان أو يُظهرون الشرك في العقيدة وما شابه ذلك فهم غير صادقين. إنهم يتدخلون في شؤون الربوبية وأظن بأنهم سوف يلقون من ربهم ما لم يكونوا يحتسبون.

أنا لا ألعب بالألفاظ ولا أجيز المساس باللغة العربية ولكن لا أرى إمكانية تحقيق العدالة السماوية كما نعرفها من القرآن، فيما عدا إعدام القتلة والإرهابيين. فمثلا جزاء السارق فهو فعلا بتر اليدين ولكن كيف نقطع اليدين ونساعد السارق أن يعيش إذ لا يجوز لنا إعدامه؟ فلو قطعنا يدي السارق فإن على الجهة التي تقضي وتنفذ الحكم أن يستأجر شخصين يتناوبان على مساعدة السارق المقطوع يداه والعاجز عن الحياة الطبيعية ليعيش بصورة طبيعية! إن تكاليف ذلك على المجتمع أكثر بكثير من أن نخفف العقاب على السارق ولا نقطع يديه ونتحمل تبعات قيامه مرة أخرى بالسرقة.

فالانتقام ليس مطلوبا والعقاب لمن يمس الأبدان أو يمس الحياة الاقتصادية موضح في القرآن وتنفيذ غالبية أنواع العقاب غير متاح إلا قليلا وبعضها تستتبع الكثير من المصروفات غير الضرورية للمجتمع. هذا ما أراه بعد قيامي بالتحقيقات وليس لدي أي مانع من أن أغير رأيي بمجرد أن يطلعني أحد على أحكام قرآنية تؤكد خطإي.

أشكر سيادة الأخ الطبيب محمد سلامه على سعيه لنشر الفضيلة ولنشر أحكام الله تعالى وأشكر كل من يستمع إلي والشكر المضاعف لمن يهديني ويحولي جهلي إلى علم.

أحمد المُهري

27/3/2017 

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

Advertisements

اشكالات القبنجي 12-استحالة النظر إلى الظروف المعاصرة للتنزيل:


اشكالات القبنجي 12-استحالة النظر إلى الظروف المعاصرة للتنزيل:

ومهما يكن من أمر فإن النظر إلى الظروف المكانية والزمانية لنزول القرآن غير ممكنة عمليا. ذلك لعدم وجود أية مدونة عربية أو غير عربية كتبت أيام الرسالة المجيدة. يبدو بأن القرآن الكريم هو المدونة الوحيدة التي وصلتنا في عصرنا هذا. ولو أردنا أن ننظر إلى القرآن في زمانه ومكانه فلا نملك كتابا مصانا يهدينا إليه فكيف نقوم بهذا النظر؟

لقد تمكن القرآن المشهور وهو ما عرف فيما بعد بقراءة حفص عن عاصم أن يبقى طيلة القرون الخمسة عشر دون تغيير. يطبع المسلمون سنويا عشرات الملايين بل مئات الملايين من هذه النسخة المباركة ولكننا لم نر أي كتاب يدعي بأنه كان معاصرا للقرآن فكيف ننظر إلى القرآن في ظروفه الزمكانية؟ لقد بدأ المسلمون عمليا كتابة التاريخ بعد أكثر من قرن من وفاة الرسول الأمين فما جدوى تلك الادعاءات باسم التاريخ الإسلامي؟ لو ينظر العاقل الحصيف إلى اهتمام المسلمين اليوم بالأحاديث والسيرة والتاريخ الذي كان مفقودا تماما لأكثر من قرن بعد الرسالة المحمدية ثم بدأ المسلمون في الكتابة، فسوف يرفض كل مدوناتنا عدا القرآن.

وما نسمعه من المؤرخين هو ما نقلوه من الأخبار من كتاب كتبه شخص باسم محمد بن إسحاق وهو الذي جمع الأحاديث وكتب السيرة والتاريخ. ويُقال بأنه بدأ بالكتابة بعد أكثر من قرن من وفاة الرسول وقد ضاع كتابه ولكن المؤرخين الذين جاءوا بعده ينقلون عنه!

كان الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ينفق عليه فلا يمكن الاستناد لا إلى شخصه ولا إلى ما نقله ولا إلى ما نقل عنه. وفي النهاية نرى كل المراجع التاريخية تعود إليه فهل يمكن تسمية هذا مرجعا تاريخيا صحيحا؟!

وأما كتب الحديث المشهورة عند السنة فيعود تاريخ كتاب المسند للإمام أحمد بن حنبل الى القرن الثاني الهجري وعاصره الإمام مالك في الموطأ. وقد ارتبط كلاهما بأبي جعفر المنصور وأما الإمام مالك فقد أكمل كتابه أيام هارون الرشيد وأشهره وأمر بالعمل به الرشيد نفسه. وأما الشيعة فقد أراحوا أنفسهم واعتبروا كل ما نسب إلى الأئمة صحيحا لا إشكال فيه. لكن ليس بين يدينا كتاب شيعي من تأليفات عصر الإمامين الباقر والصادق بل كتبت فيما بعد. ولعل كل كتب الحديث المشهورة دونت في القرون الثالث والرابع والخامس الهجري حينما ظهرت السنة والشيعة كمذهبين مختلفين.

فهل من العقل والحكمة أن نحكم على كتاب عظيم مثل القرآن بكتب مختلفة دونت بعد نزوله بأكثر من قرن؟

ما نقوله عن تلك الأيام الخوالي لا يتعدى الظنون والتخرصات التي لا يمكن الاستناد إليها. الطريق الوحيدة التي يمكن أن نصل بها إلى عصر الرسالة المجيدة هو ما ذكره القرآن نفسه من حوادث تاريخية لا غير. وتبدو عملية التوفيق بين قصة قرآنية واحدة مع ما هو مدون في كتب التفسير والحديث والتاريخ والسيرة مستحيلا. فكيف يمكننا الاعتماد على هذه الكتب لفهم القرآن في ظروفه المكانية والزمانية؟ إنه ادعاء لا يمكن تحقيقه وهدف يستحيل بلوغه مع الأسف.

ويقول صديقنا المحب للدكتور سروش أو الموالي له بأنه ينظر إلى كتب التاريخ المختلفة من مختلف القوميات ليقف على حقيقة ما حصل. ثم يستشهد بقصص كتبها غربي حول تاريخ احتلال الإسكندر المقدوني لإيران. لكنه لم يأت ولن يتمكن من الإتيان بتاريخ مخالف لأيام الرسول كما لا يمكن أن يأت بتاريخ موافق دونت أيامه. كل الغربيين يتحدثون عن الرسول من واقع تاريخ الطبري وأمثاله وليس من منطلق تواريخ كتبوها هم بأنفسهم. فلو كان استدلاله صحيحا فإنه لا ينطبق عمليا على العصر الرسالي لحبيبنا المصطفى عليه السلام. بالطبع أنني أرفض نظريته أيضا ولكن لا داعي لمناقشتها مع غياب المصداق.

يتبع ….

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ليس على المسلم حرج


ليس على المسلم حرج

أرسل إلينا سيادة الأستاذ ضياء الجبالي رسالة يذهب فيها إلى التالي:

1.    أن مناقشة الفقه الإسلامي القديم تستوجب توفر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقوا في البناء, و

2.    أن وقوع العلماء في هفوة؛ أو زلة؛ أو سقطة؛ لا يضر ولا يؤثر على ماقدمه العلماء من إيجابيات وإنجازات, و

3.    أننا لم نترك بشرورنا لا القرآن, ولا السنة, ولا جميع كتب الإسلام,  وبحقد, وعداء, وتربص, وشتائم, وتشكيك, وبهجوم وتهجم لم يسبقنا إليه أعدى أعداء الدين الإسلامي الحنيف, و

4.    أن هدم جميع ما سبق من بناء بزعم إعادة البناء هو الجنون بعينه.

خالص الشكر والتقدير لسيادة الأستاذ ضياء الجبالي على كريم رسالته, ولي تعليق,

1.    تمامًا مثلما لا يهتم عالم من علماء الكيمياء بتوفر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقوه في البناء عند مناقشة نظرياتهم, فإن لا أحد هنا يهتم, على الإطلاق, بموضوع توفر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقونا في البناء عند مناقشة أعمالهم.  فكرة الأدب والتأدب عند نقاش الإنتاج العلمي لعالم من العلماء فكرة لا مكان لها في “العلم” تمامًا مثلما لا يوجد مكان في “العلم” لإساءة الأدب.  المسألة ليست شخصية.  في العلم لا أحد يهتم بـ”شخص” عالم وإنما الكل يهتم بـ”إنتاج” هذا العالم.  الإشارة إلى الطبري على أنه “أحمق” لا تتعلق بالطبري “شخصيًا” وإنما تتعلق بإنتاج الطبري.  لا أحد هنا رأى أو سمع الطبري, وإنما الكل رأى ما أنتجه الطبري.  وما أنتجه الطبري هو فهم “بدائي” لكتاب الله.  

2.    المسألة لا تتعلق بهفوة هنا أو زلة هناك لا تؤثر على ما قدمه الطبري أو غيره من قدماء المفسرين, وإنما تتعلق بـ”نوع التفكير” الذي يستخدمه الطبري – وغيره من قدماء المفسرين – في فهم كتاب الله.  يستخدم الطبري – وغيره من قدماء المفسرين – نظام إدراك بدائي لا يختلف قليلاً أو كثيرًا عن نوع نظام الإدراك المستخدم لدى الإطفال الأوروبيين أقل من ست سنوات.

3.    الهجوم على الإنتاج الفكري لقدماء المفكرين الإسلاميين, من كتاب سيرة, ومحدثين, ومفسرين, ليس هجومًا على كتاب الله.  والقول بأن الهجوم على كتاب البخاري هو هجوم على كتاب الله هو قول لا يقول به مسلم.  

4.    هناك “فرق” بين كتاب الله, وبين كتاب البخاري, أو كتاب الطبري, أو كتاب ابن هشام.  كتاب الله كتاب جاءنا من عند الله.  كتاب البخاري جاءنا من عند البخاري وليس من عند الله.  صدرت كتب البخاري, والطبري, وابن هشام, وغيرهم بدءًا من القرن الثالث الميلادي.   تمثل هذه الكتب محاولة أبناء القرن الثالث الهجري – والرابع والخامس – فهم كتاب الله.   القول بأن هذه المحاولة هي المحاولة الوحيدة الصحيحة هو قول لا يرضاه الله.  لم يرسل الله كتاب الله من أجل أن يفهمه أبناء القرن الثالث الهجري وحسب.  القول بأن فهم أبناء القرن الثالث الهجري هو الفهم الصحيح الوحيد وغيره فاسد إنما يعني أن فهم القرن الثالث الهجري هو فهم مقدس.  في الإسلام, يوجد كتاب مقدس ولا يوجد فهم مقدس.  القول بأن فهم كتاب الله بدون هذه الكتب غير ممكن معناه أن أبناء القرن الأول الهجري لم يكونوا يفهمون كتاب الله حيث إن هذه الكتب لم تكن قد كتبت بعد.  والقول بأن هذه الكتب إنما “تسجل” فهم أبناء القرن الآول الهجري إنما هو ادعاء لا دليل عليه.  من أين لأي منا أن يقدم لنا الدليل على أن هذه الكتب قد حفظت لنا فهم أبناء القرن الأول الهجري؟  ثم حتى لو قام الدليل على أن هذه الكتب تمثل فهم أبناء القرن الآول الهجري – وهو ما لم ولن يحدث – فمن قال لنا بأن فهم أبناء القرن الأول الهجري هو الفهم الصحيح الوحيد وغيره فاسد؟  نحن قوم لا يوجد بين أيدينا “كتاب فهم الله” ولا “كتاب فهم رسول الله”.   نحن قوم لا يوجد في أيدينا سوى كتاب الله.   ولسوف تمر السنين.  عشرات, أو مئين, أو ملايين.  بل قد يقدر الله علينا الانتقال من هذه الكرة التي نعيش فوقها إلى كرات أخرى في مجرات أخرى.  فهل كتب الله علينا أن “نتبع” الطبري ملايين ملايين السنين, بل إلى أبد الآبدين؟   هل يمكن لمن آمن بالله, وبأن محمدًا رسول الله, وبأن القرآن كلام الله, أن يخبرنا بأن هذا هو ما قال الله؟  ولم يكتب الله على عباده اتباع الطبري وإنما أمرنا باتباع محمّد بن عبد الله.

وإن الحمد لله, والشكر لله, على ما آتانا وما لم يؤتنا, وما أعطانا وما لم يعطنا.  ولقد أعطانا فأفاض العطاء.

يقول سيادة الأستاذ ضياء الجبالي:

“من ظواهر وأدلة تخلفكم العقلي الواضح والمؤكد أنكم تطلقون الألقاب والمناصب والدرجات على حسب أمزجتكم الشخصية وأي متحدث يراسلكم تسمونه فضيلة الشيخ وكأن لقب فضيلة الشيخ هذا منحة تمنحونها لمن يرد عليكم.  من قال لكم إنني شيخ؟  أنا لست شيخاً ولا كل من تنادونهم بأصحاب الفضيلة من أصحابكم يمتون أصلاً للفضيلة بأية صلة ولقب شيخ أو صاحب الفضيلة ليس منحة, ولا هبة, ولا عزومة, ولا مجاملة.  تمامًا مثل منحكم ألقاب أصحاب الفضيلة لجميع أصحابكم الذين يشاركونكم في موالد الزار التي تقيمونها في مركزكم, “مركز تدمير (لا تطوير) الفقه الإسلامي.

بالطبع لكل عالم هفوة؛ أو زلة؛ أو سقطة؛ ولكن هذا لا يضر ولا يؤثر على ماقدمه العلماء من إيجابيات وإنجازات.  ومناقشة الفقه الإسلامي القديم تستوجب, بداية, وجوب توافر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقوا في البناء.  أنتم لم تتركوا بشروركم لا القرآن, ولا السنة, ولا جميع كتب الإسلام.  وبحقد, وعداء, وتربص, وشتائم, وتشكيك, وبهجوم وتهجم لم يسبقكم إليه أعدى أعداء الدين الإسلامي الحنيف.  أما تسفيه جميع الاجتهادات والجهود السابقة بتصيد الأخطاء فهو من السفاهة, وأما هدم جميع ما سبق من بناء بزعم إعادة البناء فهذا هو الجنون بعينه.

ضياء الجبالي

23 مارس 2017   

مرة أخرى, خالص الشكر لسيادة الأستاذ ضياء الجبالي على كريم رسالته.   أدعو الله أن أكون قد أوضحت أن كتب أهل العلم والنظر من أهل السنة والجماعة ليست جزءًا من دين الله.  وليس على المسلم حرج في أن يضعها في مكانها الذي تستحقه في متاحف التاريخ الثقافي للشعوب البدائية.   

كمال شاهين 

#تطوير_الفقه_الاسلامي

23 مارس  2017

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

مناقشات حول الشورى والإمامة ‏ واخرى


مناقشات حول الشورى والإمامة ‏
دارت بيني وبين بعض الإخوة الكرام في الشهر الماضي مناقشات لا بأس بها حول الشورى ‏والإمامة ومسائل أخرى جانبية. تركت الاستمرار وقته لأنني كنت مشغولا جدا وعاجزا عن أن ‏أقرأ بعض الردود المطولة ولا سيما ما بعثه أخي أحمد الكاتب حفظه الله تعالى. ‏
يبدو بأن هناك كمٌّ كبير من المسائل ونحتاج إلى أن نناقشها جميعا. لكن أوقاتكم الشريفة ‏ووقتي القليل لا تسمح بمناقشة كل صغيرة وكبيرة. ولذلك فسوف أختار واعذروني في اختياري. ‏وسوف أرقم المواضيع. واسمحوا لي بأن أقول بصورة عامة بأننا نريد مناقشة المسائل حسب فهمنا ‏ولا يهمنا فهم سلفنا. فلا عبرة عندي وعند كل محقق فيما قاله فلان وفلان مهما كبروا في قلوبنا. ‏
‏1. ‏
موضوع رأيي في كنتم خير أمة أخرجت للناس. قال تعالى في سورة الجاثية: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي ‏إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16). بنو إسرائيل من ‏بداية تواجدهم كانوا مجموعة مؤمنة وفاسقة مع بعض وقد لاحظنا بأن عشرة من أولاد يعقوب ‏الثلاثة عشر الذكور أرادوا أن يقتلوا أخاهم يوسف. وهكذا بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى وبعد ‏أن أنجاهم الله تعالى من ظلم فرعون أرادوا أن يعبدوا غير الله ثم عبدوا العجل. فكيف فضلهم الله ‏على العالمين؟ وفضلهم في أي أمر؟ والتفضيل كان قبل أن تأتيهم التوراة. قال تعالى في سورة ‏الأعراف: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ‏الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137) وَجَاوَزْنَا ‏بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ ‏إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ ‏إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140). فضلهم على العالمين وهم يطلبون إلها غير الله ولم تنزل التوراة ‏بعد؟ ‏
هناك صفة طيبة لديهم وهو الصبر وعلى أساسه ميزهم الله تعالى على قوم فرعون ونقلهم ‏إلى أماكن أخرى هي قراهم القديمة احتمالا وأنزل عليهم التوراة. فهم مختارون لاستلام التوراة ولهم ‏مزايا. وحين تشريف موسى باستلام التوراة كاملة من ربنا العظيم أخبره ربه بأن قومه عبدوا ‏العجل. لاحظوا بأن سبحانه اختار قوما لينزل عليهم التوراة وهم يعبدون العجل! قال تعالى في ‏سورة الدخان: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ‏‏(31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32). ‏
والآن نأتي لنعرف السبب في اختيار ربنا أهل مكة لينزل عليهم القرآن. هناك فضيلة لديهم ‏خاصة بهم مشابه لفضيلة بني إسرائيل. ليس بنو إسرائيل أفضل من في الأرض فلو كان كذلك فهو ‏يعني بأن المجرم نتنياهو أفضل من خاتم النبيين لأن الأول من بني إسرائيل والثاني ليس منهم. هذا ما ‏تقوله الآية الكريمة من سورة آل عمران بالنسبة لأهل مكة الخير: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ ‏بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ‏الْفَاسِقُونَ (110). كنتم تعني كنتم فيما مضى واستدلالاتكم بأن كان لا تعني ذلك مردودة ولو ‏تريدوني أن أرد عليها واحدة واحدة فأنا قادر على ذلك والحمد لله ولكننا نريد الاختصار لنصل ‏إلى نتيجة. ‏
دعنا نفكر في كيفية اختيار ربنا لأهل مكة لينزل عليهم القرآن من واقع الآية الكريمة: ‏
ألف: ‏
كان أهل مكة يتعاملون مع الناس جميعا بغض النظر عن دينهم بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن ‏المنكر. كان مكة مزارا عاما للناس وكان أهل مكة يستقبلون الناس جميعا ويسقونهم ويعمرون ‏المسجد الحرام ويساعدون الزائرين. كانوا يقرون الضيوف ويحترمون الحقوق وكان يزعجهم أن يروا ‏أحدا منهم يظلم شخصا ولو كان غريبا. ولكم في حلف الفضول خير شاهد على ذلك. فهم ‏يتعاملون مع الناس بما هو معروف بينهم بالحسنى ويمنعون أهلهم عما يُكره الناس وهو المنكر. ‏
ب: ‏
كانوا يؤمنون بالله وهو الشرط الأول في الواقع لبعث الرسل. والله تعالى لم يرسل رسلا إلى ‏الفرس لأن إيمانهم بالله بعيد عن الحقيقة ولا إلى الصينيين لأنهم أبعد من الفرس ولا إلى الهند لأنهم ‏جميعا فاقدون للشرط الأساسي. ‏
فاختار سبحانه أهل مكة من بين كل البشر وهم “الناس في خير أمة أخرجت للناس” ‏لاستلام القرآن الكريم. واسمحوا لي لأضيف إلى ذلك ما كان معروفا آنذاك ولذلك لم يذكره القرآن. ‏إنه اهتمام أهل مكة باللغة العربية وإقامتهم لأسواق الشعر على أن أصل الشعراء من اليمن لكن أهل ‏مكة يضيِّفون الجميع ويقيمون لهم أسواقهم حرصا منهم على توحيد لغة التفاهم بين الناس. وهو مهم ‏أيضا لنشر القرآن الكريم. هناك صفات أخرى لدى أهل مكة تميزهم على غيرهم من البشر بغض ‏النظر عن دينهم وشركهم في العبادة وغيرها من صفاتهم السيئة التي جاء الرسول ليصلحها وقد وفقه ‏الله تعالى أكثر من بقية الرسل برأيي كما قرأتم عن أصحاب بقية الرسل. قارنوهم بأصحاب رسولنا ‏لتجدوا بأن رسولنا كان أقل الرسل تعبا وإيذاء من أصحابه وأكثرهم حظا في تجميع المؤمنين ‏برسالته. وما سمعناه من سلفنا بأنه عليه السلام قال ما أوذي نبي مثل ما أوذيت محض الكذب. ‏ليس من حقه أن يقول ذلك فهو لا يعلم ما حل بالرسل بل هو من حق الله تعالى؛ وهو عليه السلام لم ‏يقل ذلك قطعا ويقينا. وهذا مثل قولنا الأحمق بأنه سيد الرسل أو بأنه خير خلق الله. معاذ الله من ‏الكذب ومن التحدث باسم الله تعالى. كلها من حقوق الله سبحانه ونحن نفتري على الله الكذب في ‏ذلك. ‏
‏2. ‏
السابقون الأولون. استند الأخ ماجد المولى على الآية التالية من سورة التوبة لإثبات وجوب ‏اتباع السابقين الأولين: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ ‏عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100). هذه ‏الآية معطوفة على سابقتها وهي: وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ‏اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (99). لا يوجد أي أمر ‏باتباعهم أنفسهم في الآيتين. إنهما تتحدثان عن أنهم من المشمولين برحمة الله تعالى فقط ولا يذكر ‏ربنا بأنهم من أهل الجنة لأن ذلك سابق لأوانه وحكم يحكم به الله تعالى يوم القيامة فلا يوجد مبشر ‏بالجنة من الأحياء حين نزول القرآن وما يقولونه كذب أيضا مع الأسف. ‏
الذين اتبعوهم بإحسان وليس بصورة عامة تتحدث عن أمر حصل وليس عن أمر يحصل. ‏إذا تريدون إنكار المفاهيم النحوية فأظن بأنكم تحتاجون إلى أن تكتبوا نحوا جديدا لنطبقه على ‏تفسير جديد للقرآن. فافعلوا ذلك ثم ناقشوا غيركم. الجملة خبرية وليست أمرية إخواني الكرماء ‏حفظكم الله تعالى. ‏
هناك حديث غير صحيح آخر معروف بيننا بأن الرسول عليه السلام قال: أصحابي ‏كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. وهناك حديث الثقلين عند الشيعة بأن الرسول ترك الثقلين كتاب الله ‏وعترته. أقوله لهم جميعا: هاتوا آية قرآنية تجيز للرسول أن يعين لنا مراجع بشريين ثم اكذبوا بعده ‏وعينوا من تشاؤون مراجع لنا. ‏
إنه من السخافة الواضحة أن يأمرنا رسول الله بأن نتبع بشرا ونكون من الفائزين بثواب الله ‏تعالى. وهل الله لا يعلم كيف يعلمنا حتى يعين لنا العترةُ أو الصحابة أو السابقون ما يرونه صحيحا ‏والله يكافؤنا الجنة؟ فكأنه سبحانه ينفذ ما يريده البشر!!‏
القرآن وحده وليس غيره هو أمر الله وهو الذي يدخلنا الجنة أو النار. قال تعالى في سورة ‏الزخرف: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ ‏تُسْأَلُونَ (44). ليس بيد الرسول أي أمر وأي حق عدا القرآن. هناك آيتان في سورة النساء تمنعه ‏من حق الفتوى الملزمة أيضا فإذا استفتاه قومه فإنه ينتظر فتوى ربه. ثم يوضح الله تعالى له بأن هذا ‏هو نظامه مع الذين سبق أن يتبعوا آيات ربهم فقط فيكمل تعالى الموضوع: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ‏مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي ‏رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ (47). ويذكر ربنا السبب في ذلك ‏وهو أن الذي تتبعونه وتطيعونه فأنتم تعبدونه لأن الطاعة من مظاهر العبادة. إنه سبحانه الرحمن ولا ‏رحمة تضاهي رحمته ولا هدى مثل هداه. ‏
‏3. ‏
موضوع ما صح من أحاديث النبي. نحن نتبع القرآن الكريم باعتبار إيماننا بأنه كتاب الله تعالى ‏ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فهل لأحد أن يصحح القرآن؟ لو مس أحد القرآن ‏فسيدخل النار طبعا. والذين أرادوا اللعب بالقرآن اخترعوا لأنفسهم استحداثات مثل التفريق بين ‏المكي والمدني في الحكم ومثل الناسخ والمنسوخ. بالطبع أنهم كذبوا دون ريب وارتكبوا أعظم إثم في ‏كتاب الله تعالى. أين قال ربنا بأن هناك آيات قرآنية منسوخة. لو كان القرآن عاجزا عن أن يتماسك ‏‏23 سنة واحتاج إلى تبديل ونسخ فأنى لنا بعد 15 قرنا أن نتبعه؟ يستندون إلى الآية التالية من ‏سورة البقرة للاستدلال على لعبهم: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ ‏عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106). وقد وضح ربنا قبلها بأنه في صدد الرد على أهل الكتاب وليس في ‏صدد تصحيح القرآن حيث قال عز من قائل: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن ‏يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105). وحينما ‏نبحث في القرآن لنجد الآية المنسوخة من التوراة لا نجد إلا حكما توراتيا واحدا وهو حكم تحريم ‏شحوم الأنعام. وقد وضح سبحانه لنا بأن ذلك لم يكن تشريعا بل كان حكما عقابيا مؤقتا ضد بني ‏إسرائيل ثم أمر سبحانه المسيح بأن يحلل ذلك. ‏
قال تعالى في سورة الأنعام: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ‏شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ ‏‏(146). فالله تعالى أبقى تحريم ذوي الأظفار ووضح بأن تحريم الشحوم كانت جزاء بغيهم ولم يكن ‏حكما تشريعيا. وقال سبحانه في سورة آل عمران على لسان المسيح عليه السلام: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ ‏يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50). ‏وكما يبدو بأن اليهود لم يتقبلوا ذلك بل اعترضوا على لحم الجمل الذي أحله الله تعالى تصريحا في ‏القرآن. فرد عليهم ربنا في سورة آل عمران: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى ‏نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93). ما يعني بأن يعقوب كان ‏يكره الجمل فحرمه على نفسه واتبعه أبناؤه. ونحن نعرف بأن بني إسرائيل كانوا مهتمين جدا بأبيهم ‏يعقوب ولذلك اهتموا بأسرتهم وكونوا أسرة بني إسرائيل. ‏
ثم حرم بعد ذلك أي اعتراض على القرآن كما أظن بقوله الكريم بعدها: فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ ‏الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94). يعني بذلك أنهم كان من حقهم أن يستفسروا عن ‏تلك المسائل التي كانت غامضة عليهم ولا توجد مسألة غامضة أخرى والعلم عند المولى عز اسمه. ‏
إن سلفنا مع الأسف تشبثوا بما استحدثوه من قوانين إجرامية ليلعبوا في القرآن الكريم إرضاء ‏لحكامهم المجرمين من بني أمية فما بعد مثل الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني وأسباب النزول. أنا ‏أظن بأن أكثر اللعب وقع أيام بني العباس الفاسقين الذين أرادوا تثبيت سلطانهم بأنهم يتبعون أوامر ‏الرسول التي وضعوها بأنفسهم ونسبوها إلى الرسول. إنهم هم الذين أوجدوا مدرسة الحديث ‏الفاسدة التي انتهت إلى بعض الشباب الفرس في نيسابور ليكتبوا لنا الصحاح. ‏
حينما يقولون الصحاح يعني بأننا نتبعهم ولا نتبع الرسول. لا يجوز لأحد أن يصحح كلام ‏الرسول وليس لأحد أن يمس الوحي لأن الرسول لا يتحدث من تلقاء نفسه بل ينقل رسالة ربه فقط ‏وهذا معنى الرسول. نحن لا نعرف محمد بن إسماعيل ولا نعرف مسلم بن الحجاج ولا الكليني ولا ‏الطوسي ولم نرهم ولم نر غيرهم. لكننا نعرف رسول الله عليه السلام باعتبار إيماننا بالقرآن الذي ‏صرح باسمه ومكانه كما نعرف بأن السابقين الأولين من المهاجرين بلا استثناء أناس محترمون نحبهم ‏لأن الله تعالى مدحهم ولم يستثن أحدا منهم. أمر الله تعالى المهاجرين والأنصار وإيانا بأن نتبع رسول ‏الله ولم يأمرنا بأن نتبع السابقين. رسول الله يتحدث عن الله تعالى ولذلك يجب طاعته وليس ‏للسابقين ولا للخلفاء الراشدين منهم ولا للأئمة الإثني عشر أي ارتباط بوحي السماء. نحن أكثر علما ‏وأكثر تطورا منهم فكيف نطيعهم؟ بل نطيع عقولنا بعد أن نطيع القرآن الكريم وكفى. ‏
‏4. ‏
موضوع اللغة العربية. لا شك فيه بأن القرآن نزل بلغة عربية واضحة لا يحتاج الذين حضروا ‏تنزيله إلى أية قواعد وأصول بلاغية لفهم القرآن. لكن الذي حصل بأنهم يوم نزول القرآن كانوا يمثلون ‏أساس العربية وكان كل من يزور بلادهم يسعى ليتحدث مثلهم. لكنهم أيام الفتوحات اختلطوا ‏بالقوميات الأخرى التي كانت أكثر منهم حضارة وأكبر عددا فتأثروا بلغاتهم ولهجاتهم فتغيرت ‏المفاهيم اللغوية لديهم. كما أنهم تركوا بعض الكلمات وأدخلوا كلمات جديدة على لغتهم الأم. هناك ‏كلمات قليلة طبعا ما وجدت لها مثيلا في ما ورثناه من لغة العرب ولاحظت بأن بعض المفسرين ‏انتبهوا أيضا وقد فسرتها يومها على السياق فقط. ‏
وهناك قصة أو قصص كتبوها حول بداية صناعة النحو. وأبرزها أن مجموعة من المؤمنين ‏أيام الخليفة علي بن أبي طالب كانوا يشيعون جنازة ميت وهناك مر بهم شخص فسأل أبا الأسود ‏الدؤلي: من المتوفِّي؟ فقال أبو الأسود: الله جل جلاله. ذهل السائل ثم بينوا له بأن سؤاله كان عن ‏فاعل الوفاة والميت مفعول الوفاة. كان عليه بأن يقول: من المتوفَّى؟ ‏
نقلوا الحكاية للإمام فخاف عليه السلام على فهم المسلمين للقرآن مستقبلا بعد اختلاطهم بغير ‏العرب وأمر أبا الأسود بأن يكتب أصول النحو. ويقال بأنه قال لأبي الأسود: كل فاعل مرفوع، كل ‏مفعول منصوب ووو. ثم قال له أنح هذا النحو. وضع هذا العلم المهم لنا نحن المختلطون بالأعاجم. ‏وجاء بعد أبي الأسود علماء كبار مؤمنون نحتمل فيهم الصلاح والاهتمام بكتاب ربنا الذي هو ‏أساس كل مفاهيمنا؛ فطوروا هذا العلم وأضافوا إليه الصرف والمعاني والبيان والبديع وعلم اللغة ‏وغيرها ليساعدونا على فهم القرآن. ‏
وبالطبع لو رأينا جملة سماوية تخالف النحو فنحن نخطئ النحو. لكنني لعلمكم ما رأيت حتى ‏يومنا هذا مع اهتمامي الكبير بالقرآن أية جملة تخالف القواعد التي وضعها سلفنا العالم بالعربية. لكن ‏علينا بأن نعرف المعاني قبل أن ننتقد القرآن أو نرفض النحو. قولوا لي أي اختلاف فلعلي أفيدكم أو ‏تفيدونني ولا تتحدثوا بصورة عامة في موضوع أساسي للمفسرين. فقول أخي الكريم بأن العرب ‏عرفوا القرآن بدون قواعد النحو صحيح ولكن أين تفسير أولئك العرب؟ إنهم لم يخلفوا كتبا لنتعرف ‏على فهمهم. لقد وضعوا علم النحو قبل أن يبدأوا بالتدوين فبدأ الكُتاب يكتبون وأمامهم النحو علما ‏موجودا في صدورهم. فهل لي أو للأخ حمادة اليوم أن نخطئ النحو؟ أظن بأن ذلك غير منصف. ‏ولعلم الأخ حمادة فإن كبار أئمة النحو هم من السنة وهناك القليل ممن نحتمل بأنهم كانوا شيعة من ‏بينهم. أولئك فعلا علماء أخي العزيز فكيف ترفض سعي عشرات الأئمة وتتقبل فهم أخينا ‏الفارسي محمد بن إسماعيل الذي لم يكن نحويا ولا إمام لغة ولا هم يحزنون. ونحن نشك بأن صحيح ‏البخاري الذي بين يدينا هو نفس الكتاب الذي كتبه البخاري أو كتبوه باسم البخاري. يكفينا أن ‏نعرف بأن المغول دخلوا بغداد وأحرقوا المكتبات بما فيها مكتبة دار الحكمة التي احتوت على أربعة ‏ملايين كتاب مخطوط! أغلب الظن بأن المسلمين أعادوا كتابة بعض الكتب من الذاكرة. ‏
فما بين يدينا نقل من الصدور عن كاتب نقل من الصدور عن الصدور عن الصدور!! ‏مصيبة يا إخواني. ‏
‏5. ‏
الفعل كان: كان في العربية فعل لازم لا يحتاج إلى التعدية في أساسه. كان يعني تكون من ‏الكينونة وهي تعني الوجود أو الصيرورة كقول الشاعر: ‏
إذا كانَ الشِّتاءُ فأَدْفئُوني فإنَّ الشَّيْخَ يُهْرِمُه الشِّتاءُ
فلا نجد في قوله خبرا بل الشتاء فاعلُ كان الكامل اللازم. وكقولنا: كان الله تعالى ولم يكن ‏شيء معه. فكان الله جملة كاملة بفعل وفاعل لأن الفعل كامل وليس ناقصا فلا يحتاج إلى خبر ولا ‏نحتاج إلى تقدير خبر كما فعل البعض. وأما كان المعروفة بالناقصة وهي الأشهر طبعا فهي لا تعني ‏الكينونة بل تعني الإخبار بحال خاص مذكور في خبر كان فتقول كان زيد متكئا على سرير. هذا ‏إخبار وليس إنشاء. ‏
وأما الفعل الماضي فهو في واقعه ليس بمعنى الأمر الذي مضى كما هو شائع بل بمعنى الأمر ‏المحتوم ومنه جاءت كلمة الإمضاء بمعنى التأكيد والحتمية فهو يمضي يعني يؤكد حصول أمر أو حصول ‏تعهد أو عقد. وهكذا نرى بأن كتاب العدل لا يرضون بأن يستعملوا غير الماضي للعقود لتثبيت ‏الإبرام وهكذا التعهدات فالفعل حينذاك إنشائي وليس إخباريا. وهو كذلك في اللغات الأخرى ولعل ‏في جميع اللغات. وإن من حق الله تعالى وحده أن يستعمل هذا الفعل للزمن الماضي أو المستقبل كما ‏يشاء لأن ما يخبر به الله تعالى سواء في أمر مضى أو أمر سيقع فهو محتوم لأن المتغيرات كلها بيده ‏سبحانه. فقوله مثلا في سورة الأنبياء: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ ‏نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104). فهو سبحانه بدأ بالفعل المضارع بداية حتى لا يضيع المستمع ‏ثم أكد بأنه كان فاعلا بنفس المعنى ولكن مع قيد التثبيت والتأكيد في الحصول مستقبلا. لكننا نحن ‏البشر لا يجوز لنا ذلك لأننا لا نملك المتغيرات. ولذلك لا نستعمل الفعل الماضي إلا للأمر الذي وقع ‏كشهادة منا على ذلك. ولا ننس بأن المضارع تعني المشابه للاسم. فأصل كنا فاعلين هو كنا نفعل ‏ولكنه تعالى أتى بالاسم وهو أصل المضارع للمزيد من التأكيد لأن الاسم أكثر حتمية من الفعل. ‏
وهو سبحانه عادة ما يستعمل الماضي بمعناه الأصلي مع سبق فعل المضارع حتى لا نضيع. ‏فقوله تعالى حكاية عن فرعون يوم القيامة كما في سورة هود: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا ‏أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)؛ فهو لا يعني بأن ‏فرعونا قد قام بعمله فعلا فالقيامة لم تقم بعد. ولكنه سبحانه للتأكيد على وقوعه استعمل الفعل ‏الماضي مع تقديم المضارع: يقدم قومه؛ حتى لا نضيع. والعلم عند مولانا عز وجل. ‏
وما تشبث به المفسرون الكرام لتغيير معنى كنتم خير أمة إلى الفعلية فكل سعيهم مرفوض ‏برأيي المتواضع. ولقد حذا أرباب اللغة حذوهم لأن هناك نوعا من الجزمية بأن العرب وكذلك ‏صحابة خاتم النبيين هم خير الناس وهو خطأ جسيم. لا توجد في القرآن قومية خير من بقية ‏القوميات ولا توجد فضيلة مطلقة للصحابة. قال تعالى في سورة النحل: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا ‏مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ ‏لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي ‏مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93). الأيمان هو العهود والمواثيق الموجودة بين الأمم والدخل ‏تعني الفساد والدعوة بالنَّسب. هناك الكثير من اللوم وبعض اللعن لبعض الصحابة. كل المنافقين كانوا ‏من صحابته عليه السلام وكلهم ملعونون. والشهادة بأي نوع من الإحسان لا يمكن أن تكون شهادة ‏مستقبلية لأن الناس مختارون في الدنيا فكم من مؤمن ترك إيمانه وكفر وكم من كافر جعل الكفر وراء ‏ظهره واستقبل الإيمان خير استقبال. ‏
‏6. ‏
والعترة كلمة تشمل كل الأولاد والأحفاد على الأقل. وكم من العترة النبوية فاسقون وكم منهم ‏فجار وكم منهم كفروا وكم منهم ظلموا وقتلوا فصاروا من أصحاب النار؟ وأما السنة التي أوجبوها ‏على لسان الرسول زورا فكان لزاما أن نرى الله تعالى يصون تلك السنة الواجبة والله لم يفعل مع أنه ‏قادر على ذلك. فلماذا لم يفعل ربنا ليخرجنا من التيه فلا نحتاج إلى إخواننا شباب نيسابور بالنسبة ‏للسنة وغيرهم من أبناء فارس مثل الكليني والطوسي وابن بابويه القمي بالنسبة للشيعة؟ هل نحن ‏فاسقون حتى يتركنا ربنا في التيه أم نحن مؤمنون متمسكون باتباع الله تعالى ورسوله الأمين؟ وكيف ‏عاش سلفنا قبل أن يظهر شيوخ نيسابور أو شيوخ قم وطوس والري؟ ‏
‏7. ‏
والواقع أن ليس للرسول سنة قولية إطلاقا وله سنة عملية صانها الله تعالى. إنها في واقعها ‏سنن أبينا إبراهيم إلا أن رسولنا أضاف آيات وسور القرآن الكريم بدل الأذكار الإبراهيمية القديمة ‏باعتبار ظهور الوحي القرآني العظيم على يده الشريفة سلام الله عليه وعلى أبيه إبراهيم وعلى رسلنا ‏الكرام جميعا فنحن نؤمن بهم ولا نفرق بين أحد من رسل ربنا المتعالي. ‏
قال تعالى في سورة الحاقة: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40). وهذا هو رسولنا البشري وليس الروح ‏القدس لأنه هو الذي اتهمه المشركون بالشاعر والتعلم من الكهنة لقوله تعالى بعدها: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ ‏شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43). فهذا ‏القرآن هو قوله الذي أنزله عليه ربه ولا شيء غيره. وقال سبحانه في سورة الأعراف: كِتَابٌ أُنزِلَ ‏إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ‏مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3). فالقرآن هو قول الرسول وحرام علينا اتباع غير القرآن لأنه ‏سبحانه منع من ذلك. هكذا نكون مسلمين وبغير هذا نكون سنة وشيعة بمعنى أننا نكون مسلمين ‏بالاسم فقط ولسنا مسلمين في الحقيقة. ‏
‏8. ‏
المذهبية: لقد حرم الله تعالى علينا التمذهب في سورة الروم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ ‏اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ ‏إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا ‏لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32). وواقع هذه الأحزاب أنها مفرقة بين المسلمين إلا إذا اعتبرناها أحزابا اجتماعية ‏بعيدة عن الدين فأنت سني باعتبار أسرتك وأنا شيعي باعتبار أسرتي ولكنني أنا وأنت ندين ‏بالإسلام دين محمد والمؤمنين من صحابته الكرام. الإسلام هو دين الله تعالى وهو الدين الذين أمر ‏بالعدل والإحسان. لاحظوا بأن القرآن الكريم يخلو من أي أمر بالقتل إلا قتل القاتل بناء على طلب ‏ولي المقتول فقط. كل أوامر القتال وكذلك القتل وقتية للرسول لأنه تعالى لم يسمح للرسول أبدا بأن ‏يعلن أي حرب بدون إذنه. اقرأوا القرآن واحكموا بأنفسكم. ولذلك فكل الغزوات المنسوبة إلى ‏الرسول مفتريات وأكاذيب. لم يغز الرسول أحدا بل حارب حروبا دفاعية بأمر من الله في القرآن ولم ‏يجهز جيشا لفتح الروم حسب ادعاء السنة والشيعة. ‏
قال تعالى في سورة محمد: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ ‏فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20). ‏فالقتال وقتي ينزل في سور وليس في آيات مثل سورة التوبة وسورة الأنفال وغيرهما. ‏
كما أن كل أنواع الارتباط الجنسي محرم عدا الزواج وهو حكم كامل في القرآن ويتبعه الألفة ‏والمحبة والميراث. وبقية أحكام الزواج التي يذكرها فقهاء الشيعة والسنة هي كلها زنا ومحرمة. يخلو ‏القرآن من المتعة ومن زواج المسيار وبقية المحرمات لكن الفقهاء هم وعاظ السلاطين والأثرياء مع ‏الأسف وأكثرهم أتباع الشهوات. قال تعالى في سورة المؤمنون: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاّ ‏عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7). ‏وقال مثلها في سورة المعارج. ‏
أتحدى أي ملحد أو غير ملحد أن يأتيني بآية قرآنية مخالفة للعقل والمنطق. لكن البخاري ‏يتحدث عن زنا القردة ورجمهم ويتحدث عن الرجم وهو حكم يهودي إجرامي لا أثر له في القرآن ‏وهكذا كتب الشيعة. يتحدثون عن التفخيذ مع الطفلة وعن مضاجعة الوداع وعن أن المرأة المريضة ‏لا تستحق العلاج على حساب زوجها وغيرها من أحكام غير إنسانية وأحكام إباحية وأحكام ‏فاسدة. هكذا يصححون أقوالا كاذبة نسبها الوضاعون لرسولنا الصادق الأمين عليه السلام. ‏البخاري بنفسه يقول بأن أكثر من 98% من الأحاديث التي حفظها كاذبة وأقل من 2% منها ‏صادقة. فنحن نتبع البخاري إذن ولا نتبع رسول الله كما ندعي! ‏
أرسلوا إلي أي إشكال على القرآن وسوف أوضح لكم بإذن الله تعالى. وأنا أرسل لكم طيه ‏‏20 إشكالا على القرآن حاولوا أن تجدوا حلا لها من كتب الحديث السنية والشيعية ومن كتب ‏التفسير السنية والشيعية. ذلك لتعلموا بأن هذه الكتب لا علاقة لها بالقرآن وبالنتيجة لا علاقة لها ‏بدين محمد والسابقين وبقية مؤمني الصحابة والتابعين. إنهم يدعون إلى دين جديد دنيوي لم ينزل الله ‏تعالى به من سلطان. ولو تسألوا كل زملائي في جلساتنا التفسيرية فسيردون على الإشكالات ‏العشرين بإذن الله تعالى. ‏
‏9. ‏
ديننا دين المحبة والصدق والمنطق وليس دين السيف. السيف دين المجرمين والعتاة وكل من ‏شهر السيف على الناس فهو مجرم وهو من أهل النار وكل الفتوحات بربرية غير إسلامية. ذلك دين ‏المجرمين من بني أمية وبني العباس والفاطميين ودين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وبقية السفاكين ‏ودين الأحزاب التي صنعتها إسرائيل وأمريكا في أيامنا هذا ليشوهوا سمعة الإسلام ويقنعوا الطيبين من ‏البشر بأن الإسلام دين السيف والقتل. فمحمدنا يا إخوان غير محمدهم وكتابنا السماوي غير كتابهم ‏وإسلامنا غير إسلامهم. ‏
لو كان الله تعالى يريد لنا أن نتبع الأحاديث لأمر رسولنا بأن يشجع قومه لتدوين أحاديثه. ‏والحال أن المؤرخين يقولون بأنه عليه السلام منع من كتابة أحاديثه. وقرأت في أحد الكتب حكاية ‏الخليفة أبي بكر رضي الله عنه حينما حضرته الوفاة وكان قد احتفظ ب 500 حديث لنفسه. ‏يُقال بأنه استشار بعض الصحابة واستشار ابنته السيدة عائشة رضي الله عنهم جميعا فأشاروا ‏عليه بأن يحفظها لمن بعده. لكنه قال بأنه استخار الله تعالى فتراءى له بأن يحرقها حتى لا تزاحم ‏القرآن. فأحرقها ولم يبق لنا نموذجا حيا نثق به من كلمات حبيبنا وحبيبهم محمد عليه السلام. ‏
كان رسولنا يحب المشركين والمسيحيين واليهود ويتألم لهم ويسعى من كل قلبه أن يهديهم حتى ‏يتوقوا عذاب جهنم. قال تعالى في سورة القصص: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ‏وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56). أليس هم المشركون؟ وقال تعالى في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ‏عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6). أليس هم النصارى الذين قالوا اتخذ الله ولدا ‏ورسولنا يؤذي نفسه أسفا عليهم؟ وهكذا كان المؤمنون من الصحابة. قال تعالى في سورة آل ‏عمران: هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ ‏عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119). وقال تعالى في الآية 31 ‏من سورة الرعد: …أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا… مما تدل على أن ‏المؤمنين كانوا مهتمين بأن ينجوا المشركين من تبعات الشرك. هذا هو الإسلام وأولئك هم المسلمون ‏حقا، رضي الله عنهم ورضوا عنه. ‏
‏10. ‏
الآية التي يستشهد بها بعض الإخوة لتثبيت الأحاديث وهي في سورة الحشر: وَمَا آتَاكُمُ ‏الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا. هي مقطع من آية وهي ليست للأحاديث بل هي لتوزيع المال. ‏هاكم الجملة الكريمة كاملة ضمن آيتها مع آيات قبلها وبعدها. وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ ‏عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَّا أَفَاء اللَّهُ ‏عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً ‏بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) ‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8). لو نقطع الآيات تقطيعا فسنكسب الإثم أولا ثم نخسر المعنى دون ريب. ‏اقرأوا الآيات وفكروا منصفين فهل هي للأحاديث أم لغنيمة خاصة من الغنائم؟ ‏
لن تجدوا في القرآن الكريم آية واحدة تدعونا لاتباع غير القرآن بل لن تجدوا في القرآن آية ‏واحدة تتحدث عن إنسان يؤتي العلم إيتاء. نحن البشر يمكننا أن نؤتي المال والحب وما على غرار ‏ذلك لكن إيتاء العلم خاص بالله تعالى. ذلك لأن إيتاء العلم يعني طبع المعلومة العلمية في الصدر ‏النفسي لتبقى مع الإنسان ولا سلطة لأحد بمن فيهم الشخص نفسه على ما في الصدور بل على كافة ‏مكونات النفس من قلب وفؤاد وصدر. كل العلم في القرآن منسوب إلى الله تعالى بما فيها بعض ‏المعلومات البسيطة. فمثلا تعليم كلاب الصيد وهو مسألة جد بسيطة ولكن الله تعالى ينسبها إلى ‏نفسه. قال تعالى في سورة المائدة: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ ‏مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ ‏الْحِسَابِ (4). كلما يفعله المعلمون أنبياء وغير أنبياء هو أنهم ينقلون معلوماتهم إلى من يستمع إليهم ‏والذي يقوم بالإيتاء ويعني إيصال العلم إلى النفس هو الله تعالى وليس الرسول. والآية تتحدث عن ‏الإيتاء والأحاديث مسائل علمية فأنى للرسول أن يؤتيها أحدا؟ ‏
‏11. ‏
غلبت الروم. قال تعالى في سورة الروم: الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ ‏غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ ‏مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6). تلك هي ‏الحكاية المختلف عليها من القرآن الكريم. يقول المفسرون بأن المسلمين تألموا من انتصار الفرس ‏المشركين على الروم المؤمنين بالمسيحية. بالطبع أن الروم كانوا مجرمين عتاة دخلوا نينوى ليستولوا على ‏بلاد الفرس. بالنسبة للمسلمين فإن كلتا الدولتين ظالمتان مجرمتان ولا علاقة لأي منهما بتعليمات ‏السماء. ويقولون بأن الله تعالى وعدهم بأن الروم المسيحيين سيغلبون الفرس في بضع سنين ويومئذ ‏يفرح المؤمنون بنصر الله. فهل يفرح المؤمنون بأن ينتصر الروم الغزاة على الفرس؟ وهل هناك وعد من ‏الله تعالى لينصر غزاة الروم؟ إنهم غزاة ولو انتصروا فسوف يغزون العرب أيضا. إنهم فاسقون لا ‏يمكن أن ينصرهم الله تعالى. على المسلمين أن يفرحوا بأن الفرس طردوا الرومان من نينوى ليتخلصوا ‏من شر عتاة غربيين لن يرحموا أحدا لو دخلوا المنطقة. لو دخل الروم بلاد فارس واحتلوها ‏لأصبحت فارس أقوى بكثير من يوم دخلها المسلمون وأصبحت عصية على جيش خالد. ‏
وأما التاريخ فيقول التاريخ الفارسي وكذلك التاريخ غير الإسلامي احتمالا بأن الروم هجموا ‏على الفرس عام 622 ميلادية أي قبل وفاة الرسول عليه السلام بعشر سنوات ثم هُزموا على يد ‏الفرس وفروا. ثم أعادوا الكرة بعد أن توفى قائد جيش الفرس عام 627 ميلادية وتغلبوا على ‏الفرس. وفي عام 628 أدركت الحكومتان الرومية والفارسية بأنهما منهكتان وتقبل الفرس شروط ‏الصلح مع الروم وانتهت حروب الروم مع الفرس. ولو نريد تطبيق التفسير المعروف على القصة ‏الحقيقية فإنه بصورة كلية تنطبق فعلا ولكن الآيات تقول شيئا آخر. ‏
برأيي أنهم لم يعرفوا ما يقوله القرآن فتشبثوا بأقاويل غير صحيحة ليقولوا فسرنا الآيات. ‏فلننظر إلى الآيات الكريمة ولكن بعد أن نقرأ نهاية السورة السابقة العنكبوت: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ‏آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ ‏كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ‏وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69). الآية 67 تتحدث عن حرب الروم مع الفرس عام 622 ومكان ‏الحرب كان في مصر وتركيا كما يبدو. في تلك الحرب هُزمت الروم على يد الفرس. ‏
وفي سورة الروم أشار سبحانه إلى نفس الحرب كما يبدو وبأن الروم قد غُلبت. ثم أعاد ‏الروميون الكرة على الفرس عام 627 وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بالفرس في حرب نينوى. لعل الآيات ‏الكريمة في السورتين تشير إلى هزيمة الروم عام 622 ثم هزيمة الفرس عام 627. ‏
ولعل من يسأل عن السبب في أنه سبحانه فصل بين المسألتين في سورتين متتاليتين. ليعلم بأن ‏كل سورة قرآنية تتحدث عن موضوع خاص وهناك سور متتالية تتحدث عن موضوع واحد بحالات ‏مختلفة. السور التي تبدأ بـ ألم فهي تتحدث عن فوائد التمسك بالله وباللقاء معه سبحانه. السورتان ‏الأوليان تتحدثان بصورة عامة عن تزكية النفس لغرض كسب الرضوان والجنان في الآخرة والفرق بين ‏البقرة وآل عمران هو أن الأولى تتناول المسائل والتشريعات والثانية تعطينا النماذج من أنبياء السلف ‏ومن الصحابة الذين ساعدوا في إقامة الكيان الإسلامي بمكة لتكون مدينة خاصة بالدعوة إلى ‏الإسلام. وأما السور المتوسطة التي تبدأ بنفس الفواتح فهي تتناول الفوائد الدنيوية أكثر من الفوائد ‏الأخروية للتمسك بالله تعالى وباللقاء معه. والفرق بين سورتي العنكبوت والروم هو أن الأولى جاءت لبيان ‏المكاسب الدنيوية السريعة مع بيان مقتضب للمكاسب الأخروية ولكن الروم تتحدث عن المكاسب الدنيوية ‏المستقبلية. نعرف ذلك بملاحظة الآية الثالثة والآية الرابعة والسابعة و39 و47 والآية الأخيرة من سورة الروم ‏الكريمة. ‏
لكن مقولة المفسرين بأن الله تعالى نصر الروم على الفرس لا تنسجم مع واقع القرآن الكريم ‏الذي يدعو إلى الإسلام ويرفض المجوسية والمسيحية معا. لا يمكن أن ينصر الله تعالى المسيحيين ‏الغزاة على الفرس الغزاة. يفرح المؤمنون بنصر أنفسهم ولن يفرحوا بنصر أي من الفرس والروم على ‏بعضهم البعض ولا سيما أن هزيمة الروم كانت مفيدة لهم وهزيمة الفرس كانت ضارة لهم. لكن ‏الضعف الذي انتاب الدولتين كان مفيدا للمسلمين فيما بعد طبعا. ‏
فالجملة الكريمة “وهم من بعد غلبهم سيغلبون” لا يمكن أن تشير إلى الروم بل تشير إلى ‏المسلمين الذين كانوا ضعفاء في بداية الهجرة إلى المدينة المنورة وقبل أن يأذن الله تعالى لهم بالدفاع ‏المسلح. قال تعالى في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) ‏الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ ‏صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) ‏الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ‏‏(41). الانتصار في آيات الحج هو نفس الانتصار في آيات الروم كما يبدو لي. هناك كان الانتصار ‏وعدا وهنا اقترب الوعد الحق ليصير الانتصار حقيقة. ‏
يريد الله تعالى بنصره للمؤمنين أن يُبقي كل أماكن العبادة قائمة لكل من يريد أن يعبد الخالق ‏الرؤوف بطريقته دون أن يمسها أحد بسوء. هكذا أراد ربنا تشريعا وبمساعدات أولية أن يؤكد ‏عدم الإكراه في الدين. كما أن المتتبع يمكنه أن يلاحظ بأنه سبحانه في بداية سورة الحج يتحدث عن ‏أن الذي يمكنه أن يفصل بين مختلف أتباع الديانات هو الله تعالى وحده وليس غيره. كان رسولنا ‏عليه السلام يستقبل أتباع كل الديانات السماوية وغير السماوية في المسجد الحرام وفي مسجده ‏بالمدينة ويدعوهم إلى تصحيح عقائدهم بربهم ساعيا إلى إقناعهم بصحة سماوية الدين الجديد. لولا ‏ذلك لما تمكن من أن ينقل معلوماته السماوية إلى مختلف متبعي الأديان والعقائد السماوية وغيرها ‏ليجعلهم يفكروا ويختاروا الدين الذي يرونه صحيحا من تلقاء أنفسهم مستهدفا الرضوان والجنان له ‏ولهم عليه السلام. ‏
أما ما نراه اليوم من منع غير المسلمين من الدخول في مكة فهو عمل غير صحيح وغير ‏مشروع لأن أفضل مكان لنا لجذب غير المسلمين هو مكة المكرمة. أصحاب القرار في الحكومات ‏وبهذا العمل غير الصحيح يقفون أمام انتشار الإسلام كما يريده الله تعالى وعليهم بأن يتركوا هذه ‏السياسة المتوارثة من الظالمين. كم هو جميل بأن يعيش الكل آمنين في بلد الأمان مكة ونرى في كل ‏عام أفرادا منحرفين دينيا وهم بأنفسهم يشعرون بتفوق ديننا على عقائدهم فيدخلون دين الله ‏أفواجا. إلى الله المشتكى. ‏
والخلاصة بأن الذين وعد الله تعالى بأن ينصرهم بقوة ليسوا هم الغزاة الروم بل هم المسلمون. ‏لاحظوا الفرق بين الموضوعين: غلبت الروم؛ وهم من بعد غلبهم سيغلبون. الروم مع قوتهم ‏وإمكاناتهم أصابهم الفشل والمسلمون مع ضعفهم سوف ينصرهم الله تعالى على أعدائهم في بضع ‏سنين. وقد نصر الله تعالى المسلمين وفتحوا مكة كما وعدهم ربهم. وليبس صحيحا أن نهتم بما ‏توصل إليه سلفنا الذين نرى الكثير من الأخطاء لديهم بل الصحيح أن نفكر ونستمد العون من الله ‏تعالى لنأتي ببيان أصح من فهم السلف. ‏
‏12. ‏
تفسير الأخ الكريم ماجد المولى للجملة الكريمة “وأمرهم شورى بينهم” ليس باطلا برأيي ‏وليس مخالفا كثيرا مع رأيي المتواضع. إنه حمل الآية ما لم تحمله ولكنه أتى بنتيجة طيبة في نهايتها ولا ‏أحب أن أدخل في سجال علمي معه في هذا الموضوع الذي أقبل نتيجته. لكنني وحتى لا أكون ‏مجحفا بحق الجملة السماوية الكريمة من آية من سورة الشورى، أكتفي بأن أنقل الآيات ليقرأها من يريد ‏بإمعان ويتعرف على المعنى الحقيقي للجملة الكريمة. سأضع خطا تحت الجملة الكريمة وبعض ما ‏قبلها وبعض ما بعدها وأذكر القارئ الكريم بأن يفكر في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة التي تكثر الإشارة ‏إليها في القرآن الكريم ثم يتعرف على معنى “وأمرهم شورى بينهم” المتوسطة بين الصلاة والإنفاق. ‏قال تعالى في سورة الشورى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) ‏وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ‏الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ‏‏(40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ‏وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ‏‏(43). ‏
‏13. ‏
قول أخي ماجد المولى التالي: ‏
والله بعلمه الأزلي يعلم بما سيختاره العباد بحرية إرادتهم الممنوحة لهم.. ويعلم مصيرهم ‏الذي سيؤولون إليه نتيجة اختيارهم هذه. فهل لديكم شك في علم الله هذا؟!!! انتهى النقل. ‏
ليس لدي شك بل أنا على يقين من خطأ ما تفضلتم به. هناك بحث ونقاش طويل لعل أخي ‏الأستاذ الدكتور أحمد مبارك بشير ينشره مستقبلا. لكنني باختصار أطلب من سيادته ألاّ ينسب ‏شيئا لم يقل به الله تعالى إليه سبحانه. هات آية قرآنية يقول الله تعالى ذلك وسوف أقوم بتخطئة ‏نفسي. وللعلم فهناك آية قرآنية في سورة الحديد لنقرأها معا: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي ‏أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22). هل تاريخ الإذن في الآية الكريمة ‏يعود إلى العلم الأزلي أم إلى لحظات قبل أن يبرأها الله تعالى. لو علم الله تعالى أمرا بعلمه الأزلي فإن ‏العبد ليس حرا ولا معنى للاختيار ولا معنى للحياة الدنيا برمتها أخي الكريم. هذا من أخطاء ‏السلف سنة وشيعة مع الأسف. سلفنا قالوا بأن التناقض مستحيل ولكنهم أتوا بالمتناقضات دون ‏أن يشعروا. ‏
قالوا بأن علم الله تعالى عين ذاته فإذا علم أمرا لا يمكن تصور عدم حصوله وأنا العبد مختار ‏بأن أعمل أو لا أعمل. أليست الجملتان متناقضتين أخي العزيز؟ هل قال الله تعالى بأنه كان يعلم ما ‏سنأتي به أم قال ليعلم؟ وكمثال ننظر إلى سورة سبإ: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلاّ فَرِيقًا ‏مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إلاّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ ‏عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21). أنا كأخ صغير لكم فخور بكم إخواني أنكم تحبون الله تعالى وتكرهون ‏أن تنسبوا إليه الجهل. لكن الله تعالى لم يقل بأن العلم بما سيفعله المختارون هو علم في حقيقته بل هو ‏محال إخواني. الله تعالى يعلم الممكن وقادر على أن يعمل الممكن لكن المستحيل فهو بحد ذاته ‏مستحيل ولا علاقة له بالقدرة والضعف ولا بالعلم والجهل. مثاله مثال الخالق الثاني فهو في حد ذاته ‏مستحيل ولا نقول بأن الله تعالى غير قادر على أن يخلق خالقا آخر؛ بل نقول بأن خلق خالق آخر ‏مستحيل لأنه حينذاك يكون مخلوقا لا خالقا. ‏
ومن الطريف أن أخي الكريم ماجد المولى ذكر آية من سورة النجم كشاهد على علم الله ‏تعالى المسبق بأفعال العباد وهي: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ‏هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ‏‏(32). أين قال الله تعالى في الآية بأنه كان يعلم بنا من الأزل؟ هو يعلم حقيقتنا حينما نكون أجنة في ‏بطون أمهاتنا. وهو أعلم بنا حينما أنشأنا من الأرض. متى أنشأني من الأرض؟ أنشأني حين ارتباط ‏الحيوان المنوي لوالدي مع البويضة في رحم أمي والحيمن والبويضة هما من الأرض. حقيقتنا التكوينية ‏إخواني مغاير لأعمالنا التي نقوم بها فيما بعد باختيارنا. حقيقتنا التكوينية تشير إلى قدراتنا الخَلقية. ‏هذا العلم ضروري للخالق. إنه به يقدر التقسيم الجغرافي لعبيده في الأرض. على أساس هذا العلم ‏يقدر للناس أن ينتقلوا من بلد إلى بلد ليوزع الأطباء والمهندسين وبقية العلماء والعمال وهكذا الذكور ‏والإناث في الأرض لتوزيع المهن والإمكانات في كل أرجاء المعمورة. ‏
ويترك باقي الأمر للأنظمة البشرية. فمثلا إذا رأى ربنا بأن القادرين على دراسة الطب ‏تكاثروا في بلد وتناقصوا في بلد آخر فهو سبحانه يقدر لبعضهم أن ينتقل إلى البلد الآخر حتى لا ‏يُحرم البلد الثاني من الأطباء ثم يترك توزيع المهن العلمية للأنظمة. وهو سبحانه لو لم يفعل ذلك فلعلنا ‏نرى بلدا كبيرا لا ينطوي على من يمكن أن يصير طبيا وعلماء الطب من ضرورات المجتمعات ‏الكبيرة. ‏
وهذا هو معنى قوله تعالى في سورة الرعد: اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا ‏تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9). لم يقل سبحان ما ستحمل ‏كل أنثى بل ما تحمل فعلا. وقال سبحانه في سورة الذاريات: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا (2) ‏فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4). الذاريات كما أظن تشير إلى ما يعرف بالسدم وعلى إثرها ‏تُصنع المجرات وهي الحاملات وقرا. ومن بعدها تُخلق النجوم أو الشموس والشمس هي الجارية ‏حتى في اللغة. ومنها تُخلق الكواكب الصلبة وهي الأراضي. وقد سماها سبحانه بالمقسمات بأمره ‏سبحانه. هذه ضرورة صناعة الكواكب الأرضية المسكونة في مختلف أرجاء الكون. وهو سبحانه ‏الذي يعلم كل ما يمكن علمه ليقوم بالتوزيع الدقيق للإمكانات الطبيعية والبشرية في كواكبه البليونية. ‏
وهناك مناقشات طويلة في مركز تطوير الفقه الإسلامي وفي تجمع المودة وفي جلساتنا القرآنية ‏حول علم الله المسبق بأفعال العباد. لقد اختصرتها في مقال نشر في المركز وسوف أرفقه بهذه ‏الرقيمة المتواضعة لعله يفيدكم. ‏
‏14. ‏
مسألة التاريخ. ليس لدينا أي تاريخ مدون من أيام الرسول ولا أيام الخلفاء الراشدين. ‏أعطوني عنوان ذلك الكتاب فلعلي أرى شيئا كان خافيا علي. التاريخ الذي كتبه الطبري وابن ‏خلكان والمسعودي وابن الأثير وغيرهم وأهمها في الواقع هو تاريخ الطبري. الطبري يبدأ تاريخه من ‏خلق آدم ويتحدث عن قصص آدم وأولاده وقصص الملوك ومن كان في عهدهم. من أين أتى الطبري ‏بتاريخ آدم؟ هل كان هناك مؤرخون آنذاك أم أنه مع احترامي له ينقل لنا مفتريات اليهود. فهل يمكن ‏أن نثق بشخص يتحدث عما لا يد له فيه؟ يقول البعض بأن رسولنا نقل قصص أنبياء السلف. ‏هاتوا آية واحدة تقول بأن هناك وحيا خاصا له عليه السلام ينبؤه عن أخبار إخوانه الأنبياء. ‏
قال تعالى في سورة يوسف: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن ‏كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3). وقال سبحانه في سورة هود: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ ‏عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا ‏إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49). وقصة نوح عليه ‏السلام موجودة في التوراة ولكن الله تعالى يؤكد عدم علم الرسول وعلم قومه ومنهم اليهود بقصة نوح. ‏ذلك لأن التفاصيل المذكورة في سورة هود زائدة على التفاصيل الموجودة في التوراة الأصلية كما يبدو ‏والله يفند كلها. وقال تعالى في سورة آل عمران: ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ ‏يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44). حكاية مريم ليست قديمة جدا بل ‏حدثت قبل ستة قرون فقط والرسول لا يعلمها لأنه لم يكن موجودا. فمن أين أتى الرسول عليه ‏السلام بحكايات السابقين أم أن مؤرخينا نقلوا لنا المفتريات فقط. ‏
وأما حكاية التاريخ الإسلامي. فلدينا مرجع واحد فقط وهو غير موجود بين أيدينا. يدعي ‏مؤرخونا ومنهم الطبري بأنهم اطلعوا على ذلك المرجع المفقود من المكتبة العربية. كاتب ذلك المرجع ‏هو محمد بن إسحاق. ومن هو محمد بن إسحاق؟ إسحاق أبوه من سبي العراق ويحتملون بأنه كان ‏من اليهود الذين أسلموا أيام الخليفة عمر رضي الله عنه. خلف إسحاق ولدا معروفا بالذكاء واسمه ‏محمد. يقول بن إسحاق بأنه أدرك نهايات حكم الإمام علي عليه السلام لكنه كان صغيرا. هذا ‏الشخص كان معروفا بين الناس أيام الخليفة المجرم أبي جعفر المنصور وكان له مجالس يحضره الناس ‏ليقص عليهم قصص الماضين بمن فيها حكايات نبينا. علم به المنصور وطلب منه أن يكتب تاريخ ‏الرسول وسيرته لتثبيت ما سمعه في مكتبة بني العباس وتعهد بأن يعطيه كل مصاريفه. فهو موظف ‏السلطة العباسية المأمور بكتابة التاريخ. سوف يكتب تاريخا يفيد بني العباس طبعا كما سيكتب ‏سيرة تفيدهم ولذلك أنفقوا عليه. مات ابن إسحاق ومات المنصور ومن بعدهم وفُقد تاريخ ابن ‏إسحاق وسيرته النبوية. ‏
في القرن الرابع الهجري ادعى شخص لا أذكر اسمه وهو من نجد بأنه عثر على السيرة النبوية ‏لابن إسحاق ويمكن أن تكون السيرة التي تطبع في زماننا هي نفس السيرة التي ادعاها ذلك النجدي. ‏أما التاريخ فهو مفقود تماما. الطبري مؤرخ تاريخ آدم يدعي بأنه ينقل من ابن إسحاق. وهكذا بقية ‏المؤرخين. ومن هو ابن إسحاق هذا؟ هل يمكن الاعتماد على تاريخ كتبه شخص بعيد عن ‏الصحابة وليس من أهلهم ولا من أهل التابعين وكتابه مفقود والذي أنفق عليه المنصور الدوانيقي؟ ‏هذا هو تاريخنا وهذه هي سيرتنا المكتوبة ناهيك عن بقية الأحاديث المعنعنة. عن أي تاريخ ‏تتحدثون؟ افتحوا عيونكم واتركوا هذه الكتب المضللة وعودوا إلى كتاب ربكم. ‏
‏15. ‏
موضوع المسكين واليتيم والأسير في سورة الإنسان الذي وضحته كشاهد. تشبث الأخ ‏ماجد المولى بتفسير السلف وبأنه المعقول. قلت حينما استشهدت بالآية بأنهم نقلوا حكاية خاصة ‏تعرفونها وفي النهاية وضعوا الإمام عليا وفضة الخادمة في مقام واحد عند ربهم وهذا لا يمكن أن ‏يكون صحيحا. لكن هذا الإشكال كما يبدو لم يقنع الأخ المولى بخطإ سلفنا. فإليكم إشكالات ‏أخرى على تفسيرهم: ‏
ألف: ‏
من الواضح بأن الآيات تتحدث بصورة عامة ولا تحكي قصة خاصة لنا. هل أتى على ‏الإنسان؛ إنا خلقنا الإنسان؛ إنا هديناه السبيل؛ إنا أعتدنا للكافرين؛ إن الأبرار. فالحديث عن ‏الإنسان وبأنه بعد أن يهديه ربه إلى طريقين يختار إحداهما وليس عن أشخاص معينين. ‏
ب: ‏
لكن الذي حصل هو أن المفسرين لم يتمكنوا من تعميم آية: ويطعمون الطعام على حبه ‏مسكينا ويتيما وأسيرا. لو كانت آية عامة فعليه حسب قواعدهم النحوية أن يقول سبحانه: ‏ويطعمون الطعام على حبه المساكين والأيتام والأسرى؛ أو يقول: المسكين واليتيم والأسير. لكنه ‏سبحانه قال يطعمون مسكينا. هذا يعني بأن الحكاية ليست عامة بل هو حكاية أشخاص قاموا ‏بعمل محبوب عند الله تعالى فأنزل بشأنهم آيات أو سورة ليصيروا مثلا لغيرهم. ‏
ج: ‏
وعلى الفرض الذي افترضوه فإن عليا وفاطمة والحسنان وفضة الخادمة في درجة واحدة في ‏الجنة وهي ليست من الدرجات العليا. فهناك الذهب مقدم على الفضة والذهب غير مذكور في ‏الآيات الكريمة. ‏
د: ‏
لم يعد الله تعالى أحدا بعينه بالجنة قبل موته. ذلك يعني بأن هذا الشخص انتهى اختباره ‏وصار بقاؤه في الدنيا بغير سبب عقلاني. إن الدنيا دار مصائب فلا يناسب الرحمن أن يصيب أهل ‏الجنة في الدنيا لكنه سبحانه يقوم بالابتلاء ليمحص القلوب وليميز المحسن من المسيء وليتعين درجات ‏المتقين وكذلك درجات الفاسقين. ولقد سمعنا الكثير عن المصائب التي أصابت سبطي الرسول ‏عليهم السلام بعد وفاة جدهم. ‏
هاء: ‏
الأسير يعني المسجون في سجون الدولة باعتباره أسير حرب فكيف جاز للدولة التي يرأسها ‏رسول الله عليه السلام أن يترك الأسرى يشحذون في الشوارع طالبين الطعام من أهل الخير؟ لو كانت ‏الدولة عاجزة عن إطعام الأسرى فعليه أن تطلق سراحهم فورا. على أن سير أسير الحرب في ‏الشوارع يخرجه أصولا من الأسر. ‏
و: ‏
كيف سمح الإمام علي عليه السلام لنفسه بأن يعطي طعام طفلين صغيرين صائمين للمسكين ‏واليتيم والأسير؟ هذا عمل محرم قطعيا. كان بإمكانه أن يعطي رغيفا للمسكين مثلا ويوزع الأرغفة ‏الأربعة بينه وبين فاطمة والحسنين وفضة رضي الله عنهم جميعا. ‏
ز: ‏
تزوج الإمام علي عليه السلام في المدينة حينما كان المسلمون في حالة جيدة والحكاية التي ‏اختلقوها يجب أن نفترض حصولها في نهايات حياة الرسول حيث كانوا في حالة مالية جيدة بعد أن ‏استرجعوا أموالهم من المكيين وبعد أن كسبوا أموالا كثيرة في حروبهم الدفاعية ضد أعدائهم. ‏فكيف نتصور صهر الرسول الأمين وبعد أن أنعم الله على المسلمين بالمغانم الكثيرة وهو يحتاج إلى أن ‏يقترض من شمعون اليهودي ما يشبعه وأهله ثلاث إفطارات دون سحور؟ ‏
ح: ‏
كان عمر الحسين عليه السلام حين وفاة جده الرسول عليه السلام أربع سنوات فلو فرضنا ‏بأن الحكاية وقعت في آخر حياة الرسول فكيف جاز لأبيه أن يسمح لابنه الطفل بالصيام أصلا وبلا ‏سحور؟ ‏
ط: ‏
هل يعرف الطفل الصغير أن يقوم بنذر الصوم وهل يجوز له الصيام وهل يجوز لأبويه أن ينذرا ‏الصوم للأطفال. ‏
والخلاصة أن الحكاية التي نقلوها لا يمكن أن ننسبها إلا إلى المفتريات ونرمي بها بعيدا عن ‏تاريخ رسولنا الأمين وأهل بيته عليهم السلام. وأما ما قلته في تفسير الآية فهي السبيل الوحيد ‏للخروج من مأزق الحكاية غير الصحيحة. فكرت كثيرا في الموضوع وحاولت بأن أستعمل النصب ‏بنزع الخافض فلم أجد حلا. ليس لي إلا القول بأن المسكين واليتيم والأسير حال للمتبرع بالطعام ولو ‏خالفت بعض قواعد النحويين. أكون شاكرا لمن يحل لي المشكلة ويهديني إلى تفسير أصح مما ظننته؛ ‏إلا أن تفسير المفسرين خطأ دون ريب. بالطبع أنني اختصرت الموضوع الذي أخذ مني قسما كبيراً ‏من محاضرة علمية غير قصيرة. وأما ظنون أخي المولى حفظه الله تعالى وإيانا فهي غير دقيقة مع ‏الأسف. ‏
‏17. ‏
وأما ما كتبه أخونا محسن الفهد فهو كلام صحيح وإشكاله في محله. أنا لا أؤمن إطلاقا بأن ‏الله تعالى عين لنا 12 إماما. وأعتبر حديث الثقلين إخبارا بالغيب لو فسرناه بالأئمة؛ والرسولُ عليه ‏السلام لا يعلم الغيب. ولو اعتبرنا الثقلين هما الكتاب والسنة فهو ضلال أيضا كما انتبه الأخ الكريم. ‏ذلك لأن كتاب الله تعالى موجود ومصان ولكن أين السنة المكتوبة فهي مثل العترة المزعومة؟ ‏مشكلتنا أخي الكريم بأننا لا نجد أي مؤرخ أو محدث يدعي بأن هناك كتابا خلفه الرسول عليه ‏السلام أو الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم. حتى النسل الأول من التابعين من بعد الصحابة ‏لم يخلفوا كتبا. ‏
أنا أعتبر الشيعة والسنة حزبين اجتماعيين لا بأس بهما لو أبعدناهما عن شريعة الرحمن عز ‏اسمه. على الشيعة والسنة أن يتركوا كل كتبهم التي كتبها سلفهم ويعودوا جميعا إلى كتاب الله تعالى ‏الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لعلهم يفوزوا برضوان ربهم. لقد حرم الله ‏تعالى علينا التحزب في الدين في سورة الروم: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ ‏أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ ‏لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا ‏تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32). ‏
فأنا شيعي جغرافي ولست شيعيا مؤمنا بالإمامة الإلهية التي ما أنزل الله بها من سلطان. ‏الأئمة الأحد عشر أناس عاديون عاشوا حياة لا بأس بها وليس لهم أي دور في تثقيفي عدا قليلا مما ‏ورثناه من بعضهم من حكم طيبة. أما الإمام الثاني عشر فهو مجرد وهم لا وجود له وقد تفرغ أخي ‏الكريم الشيخ أحمد الكاتب حفظه الله تعالى بدراسة الموضوع تاريخيا وهو مستعد ليرد على كل من ‏يستشكل عليه. والقرآن الكريم لم يذكر أي شيء عن الأئمة أو عن الإمام المهدي أو عن أن الله تعالى ‏يسبق يوم القيامة في الدنيا بأن يفرض الهدى على الناس عن طريق المهدي. ‏
قال تعالى في سورة الأنبياء: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ ‏مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47). وجدير بأن نقرأ مجموعة الآيات كاملة لنعلم ‏منها مسائل أخرى وهي: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ (45) وَلَئِن ‏مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا ‏تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ ‏الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ ‏مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (50). نعلم منها بأن وحي السماء لنا هو هذا القرآن وهو ذكر ‏مبارك، وبأن رسولنا أنذر قومه بهذا القرآن فلا نشعر بفقدان الرسول إلا عاطفيا. الرسول بقوله ‏موجود بيننا وهو الكتاب الذي أنذر به عليه السلام. ولعل سر البركة أو الزيادة هو ما نراه في القرآن ‏من دلائل واضحة على تشريعاته وهي التي قلما نجد مثلها في التوراة التي بين يدينا بغض النظر عن أن ‏اليهود ولعل بعض النصارى حرفوا الكلم عن مواضعه. وأظن بأن القرآن هو الرسول الحي الموجود ‏بيننا باعتبار الدلائل الموجودة بين صفحاته لأننا أكثر تطورا من سلفنا الذين سبقوا رسولنا البشري، ‏وكذلك الذين عاشوا في زمن الرسالة المجيدة. ‏
‏18. ‏
علم النحو العربي: ولا تنسوا إخواني بأن النحو منسوب في أساسه إلى الإمام علي بن أبي ‏طالب عليه السلام الذي قال كما نقلوا لنا والعهدة عليهم: الكلام كله ثلاثة أشياء اسم وفعل ‏وحرف؛ كل فاعل وما شابهه مرفوع وكل مفعول وما شابهه منصوب وما دونهما مجرور. ويقول ‏البعض بأنه عليه السلام تحدث عن المعرفة والنكرة وعن وجوه الإعراب بأنها الرفع والنصب والجر ‏والجزم. وكما يقولون بأنه قالها لأبي الأسود وأمره بأن يضع قواعد النحو حماية للغة القرآن من ‏الضياع. وتلاهما مجموعة كبيرة من كبار علماء المسلمين الذين أكملوا النحو في مدرسة البصرة ‏الكبرى وقسما منها في الكوفة. ويقول البعض بأن علم النحو بدأ من عهد الخليفة الراشد عمر ‏رضي الله عنه وهو الذي أوصى أبا الأسود ولكن عليا عليه السلام ساعده بوضع الأسس. وغير ‏ذلك من الأخبار التي تدل على أن النحو هو أول علم عربي في مدارس المسلمين. فليس من السهل ‏تجاهل النحو لمن يريد أن يعرف القرآن الكريم. ‏
‏19. ‏
وأخيرا نأتي إلى ما كتبه أخي الفاضل أحمد الكاتب. وبغض النظر عن أنني أعتبره من ‏أصدق إخواني فإني بدون ملاحظة الصداقة والصدق استمتعت بما كتبه فضيلته. لعل لدي ‏ملاحظات بسيطة أكره أن أذكرها هنا. لقد كتب الموضوع بدقة فاحصة فله الشكر على ما كتب. ‏
وجدير بالذكر أنني لا أعرف شخصيات الذين شاركوني في الكتابة عدا الشيخ الكاتب فأنا ‏أعتذر من كل من ظن بأنني ما اتفقت معه. أنا لا أتحدث عن الأشخاص فكلهم محترمون عندي ‏ولكنني أناقش المواضيع فقط. ‏
وهكذا نأتي إلى ختام هذه الرسالة الطويلة. ولا أدري كيف نجمعها في كتيب بسيط ‏وننشرها لتفيد الباحثين. والمجال طبعا مفتوح للإخوة المشاركين الذين ذكرتهم بالاسم أو نسيت أن ‏أذكرهم ليستمروا في المناقشة ولا سيما الرد علي كما يشاؤون لعلنا نصل في النهاية إلى بعض ‏التوافق. لكنني أوصي الإخوة بألا يكرروا ما قالوه لو كنت قد علقت عليها بالرد؛ إلا إن كان لديهم ‏دليل واضح على خطأي حتى لا يذهب وقتنا سدى. ‏
هدانا الله جميعا إلى طريق الصواب ورحم الله تعالى سلفنا وغفر لهم ولنا. رمضان كريم ‏وكل عام وأنتم بخير. ‏
أحمد المُهري ‏
‏12/5/2019 ‏

 #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

أحاديث الحاج محمّد إسماعيل لا تلزم مسلمًا,ولا يصح لمسلم أن يقول إنها تلزم مسلما


أحاديث الحاج محمّد إسماعيل لا تلزم مسلمًا,

ولا يصح لمسلم أن يقول إنها تلزم مسلما   

تعليقًا على رسالة “عندما يصبح أصح كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب الله” أرسل إلينا فضيلة الشيخ الطحاينة هذه الرسالة.  يقول فضيلته:

“الأستاذ الفاضل,

سواءً رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول سورة النور المباركة أو رجم بعدها فالنتيجة  واحدة وهي: أنه رجم أي أنه رجم بمعنى أنه رجم.  أي أنك لا تستطيع أن تنكر أنه رجم الزاني.   والحديث ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الرجم مطلقاً ولا ينفعك أن تذكر موضوع عاشوراء لأن الناس لا يزالون يصومون عاشوراء حتى اليوم.  وادعاؤك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قلد أهل الكتاب ثم لم يرجم بعد فهذا ادعاء لا بد عليه من دليل, ولن تأتي بالدليل حتى يلج الجمل في سم الخياط لأن التواتر العملي عند المسلمين والإسلاميين من أولهم إلى آخرهم يؤكد وجود الرجم ولا يستطيع عاقل إنكاره إلا من يحب إنكار البدهيات ككتاب مجموعتك.  ومن الغريب أنكم تقرون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتبع أهل الكتاب فيما لم يؤمر به ثم لا ترونه صلى الله عليه وسلم أهلاً لأن تأخذوا الشرائع عنه, فمن هو الأولى بالتقليد والاتباع؟   ثم إن ادعاءك بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اتباعاً لأهل الكتاب هو ادعاء خطير مخيف.  أنت تدعي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل بغير إذن من الله تعالى.   الخلاصة مرة أخرى أن حكم الرجم ثابت يقيناً كما الشمس في رائعة النهار ولا ينكره عاقل.   وأخيراً فإن حكم الرجم لا يناقض القرآن العظيم فالسنة لا تناقض القرآن العظيم مطلقاً.  أي لا يمكن أن يقول القرآن العظيم بالجلد ثم تقول السنة لا يجوز الجلد.   كل ما في الأمر أن الحكم الشريف بالرجم جاء زائداً على حكم الجد الذي نزل في سورة النور المباركة.  تماماً كما أن الله تعالى أمر بالصلاة عند دلوك الشمس إلى غسق الليل وذكر صلاتين في القرآن العظيم وجاءت السنة المشرفة بذكر خمس صلوات وبينت هيآتها.  أرجو أن يكون كلامي واضحاً.”    انتهى كلام فضيلته

خالص الشكر لفضيلة الشيخ الطحاينة على كريم رسالته.  ولي تعليق.

المسألة ببساطة, بمنتهى البساطة, أن الله أخبر البشرية بأن عقوبة الزنا في العلن هي الجلد على حين يخبرنا رجل طيب اسمه الحاج محمد اسماعيل بأن الله أخبر البشرية كلها بأن عقوبة الزنا في العلن هي القتل.  جاء كلام الله في كتاب الله.  جاء كلام الحاج محمد اسماعيل في كتاب صحيح البخاري.  أيهما يصدق المسلم؟  يذهب مركز تطوير الفقه الاسلامي – بكامل أعضائه – إلى أن المسلمين يؤمنون بما جاء في كتاب الله.    هل يذهب فضيلة الشيخ الطحاينة إلى أن المسلمين يؤمنون  بما جاء في صحيح البخاري؟    المسألة بسيطة جدًا.  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المسألة ببساطة, بمنتهى البساطة كذلك, أن دليلي على صحة ما أقوله هو أن هذا هو ما يقوله كتاب الله, ودليل شيخنا الفاضل على صحة ما يقوله هو أن هذا هو ما يقوله كتاب الحاج محمد اسماعيل.  كتاب الحاج محمد اسماعيل مليء بأحاديث يطمئن لها قلبي, وأرتاح لها, أما حديث قتل الزانية هذا فهو حديث لا يطمئن له قلبي ولا أرتاح إليه, وعلى هذا فلا آخذ به.  أما كتاب الله فهو مليء بآيات يطمئن لها جميعا قلبي وقلب فضيلة الشيخ الطحاينة, ويرتاح لها جميعا قلبي وقلب الشيخ الطحاينة.  فضيلة الشيخ, دعنا من هذا الحديث, فهو حديث لا يطمئن له قلبي.   دعنا نأخذ بما يطمئن له قلبك وقلبي.  دعنا نأخذ بكتاب الله.  فضيلة الشيخ الطحاينة, دليلك لا يلزمني ودليلي يلزمك ويلزمني.  أحاديث الحاج محمد اسماعيل لا تلزم مسلمًا, ولا يصح لمسلم أن يقول إنها تلزم مسلما.    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كمال شاهين 

#تطوير_الفقه_الاسلامي

ادعموا صفحتكم بالنشر و المشاركة https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

4 فبراير 2013

الشكوى ليست من القرآن, الشكوى من المسلمين


الشكوى ليست من القرآن, الشكوى من المسلمين

أرسل إلينا سيادة الأستاذ الدكتور أحمد عمر سعد رسالة تحتوي مقالاً للكاتب الفلسطيني أحمد أبو رتيمة.  جاءت المقالة بعنوان “مذبحة باكستان وعودة إلى آيات القتال”.  يقول الدكتور أحمد:

“الإخوة المحترمون,

في رايي المتواضع المقال التالي المنشور اليوم لمناقشة الداعشية هو التدليس بعينه. 

ملخص المقال

1.     المشكلة في عالمنا العربي الإسلامي ليست مشكلة دينية بل مشكلة سياسية, و  

2.     الجهاد هو تزكية الذات عبر الانتصار للحق وخوض معارك أخلاقية ضد الظلم, والطغيان, والإفساد, و 

3.     القتال [القرآني] شرع لتنظيم أوضاع كانت سابقةً لنزوله ولم يكن تشريعًا تأسيسيًا موجدًا لحالة جديدة،

         مع أطيب تحياتي.”  انتهى كلام سيادته

خالص الشكر لسيادة الأستاذ الدكتور أحمد عمرسعد على كريم مقالته.  ولي تعليق.

قرأت مقال الأستاذ أحمد أبو رتيمة ووجدت فيه فهما سليما قريبًا – إلى حد كبير – من فهمي لآيات الله كما جاءت في كتاب الله.  يظهر ذلك في قول سيادته إن :

“القتال عملية أخلاقية وليس عمليةً فنيةً تتعلق بإفناء العدو، فلا يحقق مقصد القتال أن تستأجر شركةً أمنيةً على غرار بلاك ووتر لتحقيق أهدافك باحترافية، إنما يتعلق المقصد الأساسي من القتال بدافعية المقاتل أن يكون متجرداً من أهواء الدنيا مقاتلاً في سبيل الله، وسبيل الله هو كل قضية حق, وعدل, وحرية, وسلام, في هذه الحياة”.

كما يظهر في قول سيادته إن الآية الكريمة 

*وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً*   

“تبرز الهدف الخارجي للقتال، وهو هدف إنساني يتجاوز التعصبات القومية والأهداف الدينية الخاصة، فليس هدف القتال إجبار الناس على الإيمان إذ “لا إكراه في الدين”، إنما الهدف الواضح هو الانتصار للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فالقتال هو جبهة أخلاقية عالمية لمواجهة كل قوى الظلم, والاستبداد, والاستكبار, التي تستقوي على المستضعفين”.

المقصد الأساسي من القتال, إذن, هو القتال في سبيل الله أي في سبيل كل قضية حق, وعدل, وحرية, وسلام في هذه الحياة.  والقتال, إذن, هو جبهة أخلاقية عالمية لمواجهة كل قوى الظلم, والاستبداد, والاستكبار, التي تستقوي على المستضعفين.   يمكن القول, بهذا الشكل, إن الفهم الذي يقدمه الأستاذ أحمد رتيمة فهم قد يختلف قليلاً عن فهم أي واحد منا في مركز تطوير الفقه السني إلا أنه لن يختلف كثيرًا.  المشكلة, وهي طبعًا مشكلة, أن الأستاذ أحمد “يتخيل” أنه ببيانه الواضح هذا قد كشف لنا أن القرآن لا يبيح عمليات القتل الدائرة التي يقوم فيها المسلمون بحصد أرواح البشر كما لو كانوا يحصدون عيدان قمح وأن المشكلة, بالتالي, ليست دينية.  والأستاذ أحمد, طبعًا, مخطيء.  والدليل على ذلك موجود على الإنترنت, وما على الأستاذ أحمد إلا أن يراجع “باب الجهاد” ليرى إجماع أئمتنا العظام على قتل كل من لا يؤمن بالله.  

تبين جميع الكتب المعتمدة في الفقه السني القديم, والتي يقوم الأزهر الشريف بتدريسها إلى يوم الله هذا أن على حاكم الدولة المسلمة أن يقوم مرة كل عام على الأقل بدعوة أي “جماعة بشرية” قريبة منه إلى دخول الإسلام, فإذا دخلوا كان بها أما إذا لم يدخلوا فإن عليه أن يطلب منهم مبلغا بسيطا من المال مقابل السماح لهم بأن يبقوا على كفرهم, فإذا دفعوا كان بها أما إذا لم يدفعوا قتلهم, وسبى نساءهم, واستعبد أطفالهم, واستولى على أموالهم.  يحدث هذا في حالة اليهود والنصارى فقط, أما في حالة الوثنيين فيعرض عليهم الدخول في دين الله, فإذا دخلوا كان بها أم إذا لم يدخلوا قتلهم.  غير مسموح في الدولة الإسلامية بإبقاء الوثننيين على قيد الحياة. 

المشكلة, بهذا الشكل, أن الأستاذ أحمد “يتخيل” أن غير المسلمين “يتخيلون” أن القرآن الكريم هو المشكلة.  والآن, وبما أن سيادته قد أثبت براءة القرآن مما يذهبون إليه فعليه تكون المشكلة غير دينية.  والمشكلة دينية, وسوف تستمر إلى أن تتوقف معاهد التعليم الدينية عن تدريس ما يذهب إليه الفقه السني القديم من وجوب قتل اليهود والنصارى إلا إذا دفعوا مبلغًا بسيطا من المال ووجوب قتل الوثنيين وعدم جواز بقائهم على قيد الحياة إلا إذا آمنوا بالله. 

تلزم الإشارة هنا إلى أن موقف الأستاذ أحمد في هذا التفصيل لا يختلف قيد شعرة عمن يبين لمن جاء يشكو من صنوف العذاب التي أذاقتها له شرطة هاييتي أن “ميثاق الشرف لشرطة هاييتي” ينص على أن يبذل رجل الشرطة في هاييتي حياته دفاعًا عن كرامة المواطن الهاييتي.   يا أستاذ أحمد: لا أحد يشكو من “ميثاق الشرف لشرطة هاييتي” وإنما الكل يشكو مما يفعله رجال الشرطة في هاييتي.  لا أحد يشكو من القرآن وإنما الشكوى من المسلمين.  رجاء الاعتراف بأن لدينا مشكلة.  رجاء الانضمام إلى مركز تطوير الفقه السني في الدعوة إلى تغيير مناهج الأزهر ووضع مناهج جديدة تتبنى نوع الفكر الذي يقدمه لنا الأستاذ أحمد أبو رتيمة.  إلى أن يغير الأزهر مناهجه سيستمر القتل على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة, ومذهب الإمام الأعظم مالك, ومذهب الإمام الأعظم الشافعي, ومذهب الإمام الأعظم ابن حنبل, رضي الله جل ثناؤه عنهم وأرضاهم جميعا.  

مقال الأستاذ أحمد أبو رتيمة

“من جديد يقف العالم مصدوماً أمام مشهد دموي مروع يكاد يتحول من كثرة تكراره إلى مشهد اعتيادي، وأمام الصدمة الإنسانية التي يخلفها قتل الأطفال والأبرياء يتساءل من تبقى في قلبه شيء من معنى الرحمة والسلام أي عقيدة تصنع هؤلاء القتلة الذين لا يتورعون عن إزهاق نفوس البشر وسفك الدماء بأي حجة واهية ثم يضيفون إلى جريمتهم جريمةً أبشع حين يكذبون على الله فيزعمون أن الله أمرهم بهذا!  

لا بد من التقرير بدايةً أن حقيقة المشكلة في عالمنا العربي والإسلامي ليست دينيةً بل هي مشكلة سياسية اجتماعية تتمثل في مخزون الاستبداد والظلم وردة الفعل الهوجاء الخاطئة عليه، وما استحضار النصوص سوى تسويغ لواقع اجتماعي سياسي تماماً مثل الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش التي مورست بمباركة الرب إله المحبة! فالثقافة تمارس وعياً انتقائياً تجاه النصوص فتعزز كل نص تشتبه تأييده لمواقفها وتسقط النصوص التي تتناقض مع اتجاهاتها، ولو كانت الأجواء السياسية في بلادنا مشجعةً على السلام والمحبة لراجت النصوص التي تبشر بالسلام والمحبة والتي هي أكثر حضوراً من الآيات التي تتحدث عن القتال، إذاً فالحكم الغالب هو للثقافة وللاعتبارات الاجتماعية والسياسية وليس للنصوص النظرية.

إن القتل الذي تمارسه القاعدة ينطلق من نفس القاعدة النفسية التي يقتل بها الأسد و القذافي و السيسي، وإذا كانت القاعدة تبرر جرائمها بمبررات دينية فإن علمانية القتلة الآخرين يعني أن ثمة سبباً آخر لا علاقة له بتدين أو بعلمانية وهو التربة الخبيثة التي لا يخرج نباتها إلا نكداً.. 

لكن كون المشكلة سياسيةً لا دينيةً لا يعفينا من مواجهة صريحة مع القواعد التأصيلية التي يستند إليها التيار المتطرف فإن كنا عاجزين في هذه المرحلة عن وقف جنون القتل فليس أقل من أن نحرم القتلة من الشرعية التي يسعون لاكتسابها بتبرير جرائمهم بنصوص دينية، وهنا يبرز أمامنا مفهومان قرآنيان حدث حولهما تدليس خطير ومثلت إساءة فهمهما نقطة انطلاق لأشد الأفكار تطرفاً والتي وصلت في نسختها القصوى إلى الدعوة إلى حرب شاملة ضد كل مختلف سياسياً وفكرياً مع معتنقي هذه الأفكار، هذان المفهومان هما: الجهاد والقتال.. 

أما الجهاد فإذا رجعنا إلى أصله اللغوي فهو يعني بذل أقصى الجهد، أي أن معركته الأساسية هي داخل النفس قبل أن تكون خارجها، فكل عمل يقتضي مغالبةً لهوى النفس وانتصاراً عليها جهاد، وبذلك عدَّ القرآن المحاججة الفكرية جهاداً كبيراً لما تتطلبه من صبر وطول نفس على التكذيب والسخرية والإيذاء: “وجاهدهم به جهاداً كبيراً” أي جاهدهم بالقرآن.

فإذا انتقل الجهاد من ميدانه الأول وهو داخل النفس إلى الميدان الخارجي فإنه لا يفقد بوصلته بأن هدفه النهائي يتعلق بتزكية الذات عبر الانتصار للحق وخوض معارك أخلاقية ضد الظلم والطغيان والإفساد، فالجهاد في الإسلام لا يمكن أن يتحول يوماً إلى ترف أو قتل عشوائي، بل هو صيغة عملية للانتقال من الدور التاريخي الذي أدته المسيحية عبر دعوتها للروحانية والرهبانية إلى المبادرة والفعل الخارجي الذي يتطلب تدافعاً بين الأمم والشعوب وواقعيةً لا تتسع لها الرهبانية المجردة.

أما مفهوم القتال فهو أكثر التباساً لأن دلالته اللغوية فيها ارتباط مباشر بالميدان الحربي، لكن هذا الالتباس سرعان ما يزول إذا تأملنا السياق الذي جاءت فيه آيات القتال، فأول آية نزلت في القتال هي: “أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير” وهي آية يتضح فيها أن القتال شرع لتنظيم أوضاع كانت سابقةً لنزوله ولم يكن تشريعاً تأسيسياً موجداً لحالة جديدة، والحديث عن الإذن للمظلومين بالدفاع عن أنفسهم يدل أن السلوك الأمثل الذي كان مطلوباً منهم هو الصبر على الأذى: “ولنصبرن على ما آذيتمونا” لكن رسالة الانطلاق وتأسيس دستور حياة مدنية متكاملة التي جاء الإسلام بالدعوة إليها يتطلب مغادرة مواقع الصبر السلبي والاشتباك مع القوى الظالمة المتنفذة.

هذه أول آية نزولاً في قضية القتال، أما أول آية ترتيباً في سورة البقرة فهي: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين* واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين* فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم”، وقد تعمدت إيراد هذه الآيات المتتاليات لأن هناك من يستدل بآية “واقتلوهم حيث ثقفتموهم” منتزعةً من سياقها ولو كلف نفسه بقراءة الآية التي تسبقها لعلم أنها آية مقيدة وليست مطلقةً فهي تتحدث عن ظروف قتال كان الفريق الآخر هو البادئ به وهناك محدد أخلاقي واضح بعدم الاعتداء لأن الله لا يحب المعتدين.

هذه الآية “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم” ليست مقيدةً للآية التي تليها مباشرةً وحسب بل هي مقيدة لكل آيات القتال في القرآن، والقرآن فيه العام والخاص والمطلق والمقيد، ولا يتصور عاقل ذو فطرة سليمة أن الله يقرر في آية حكماً أخلاقياً ثم ينقض هذا الحكم في آية أخرى إنما يقيد العام بالخاص.     

هناك قاعدة بدهية جداً يسهل ملاحظتها في القرآن الكريم، ورغم بساطتها إلا أنها تنسف كل مزاعم مدرسة العنف والقتل، هذه الملاحظة تتمثل في أننا لو تأملنا كل آيات القتال في القرآن لوجدنا أن القتال يأتي دائماً عكس القعود والجبن وليس عكس السلام، أي أن علة فرض القتال هي دعوة الناس إلى التحرر من الجبن والخوف من الموت على الصعيد النفسي، ودعوتهم إلى كسر إرادة العدو على الصعيد الخارجي، فلو تحقق هذان الهدفان المتمثلان في تحرر المرء من الجبن وهزيمة القوى التي تمارس الظلم والاستضعاف بأي وسيلة أخلاقية فقد تحقق هدف القتال حتى وإن تم ذلك بوسائل سلمية خالصة، والبشر قد تعارفوا على الاستعمال المجازي لكلمة “القتال” فكثيراً ما نسمع عن الذين يقاتلون في سبيل الكرامة والحرية والسلام مثل غاندي ومانديلا دون أن تنصرف أذهاننا إلى أنهم يمسكون أسلحةً ويقتلون أعداءهم إنما يتبادر إلى مخيلاتنا أنهم يصرون على مبادئهم ويتحملون الأذى والسخرية والاضطهاد ويكتسبون كل يوم أنصاراً جدداً بقوتهم الأخلاقية.

للمثال وليس للحصر تأملوا هذه الآيات:

*”كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم”.. هل يتصور عاقل أن الإنسان يكره القتال لأنه سيخلصه من عدوه أم إنه يكرهه لما يمثله له من مفارقة للقعود والسلامة! إذاً هي دعوة للناس لمغادرة ألحفتهم الدافئة والاشتباك في ميدان الحياة والانتصار على أنفسهم التي تدعوهم لإيثار راحة الأجساد على مطالب المعالي. 

بالعكس فإن هذه الآية تمثل شهادةً ضمنيةً لجيل المؤمنين الذين تنزلت عليهم، فهي تنبئ في ثناياها عن ميولهم السلامية التي كرهتهم في القتال رغم كل الثناء الذي أعطته الثقافة القبلية العربية لقيم القتال والسيف والثأر، فأن يخرج جيل من تلك الجزيرة الملتهبة بأشعار الحماسة والبطولة يكره القتال فهذا مؤشر سلام داخلي وهو موقف متقدم بمعايير ذلك الزمان.. 

*”ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون* وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم”.. يتضح من هاتين الآيتين أن الجبن عن المواجهة لن يطيل عمر الإنسان وأن الشجاعة والإقدام لن تقصر الأجل فهي دعوة إلى الشجاعة لا إلى سفك الدماء.

*”وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين”..من جديد تتأكد فكرة أن القتال في القرآن هو عكس الوهن والضعف والاستكانة وأنه شرع ليحرر الإنسان منها..

*”فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً”.. هذه الآية مثل سابقاتها تبين أن القتال عملية أخلاقية وليس عمليةً فنيةً تتعلق بإفناء العدو، فلا يحقق مقصد القتال أن تستأجر شركةً أمنيةً على غرار بلاك ووتر لتحقيق أهدافك باحترافية، إنما يتعلق المقصد الأساسي من القتال بدافعية المقاتل أن يكون متجرداً من أهواء الدنيا مقاتلاً في سبيل الله، وسبيل الله هو كل قضية حق وعدل وحرية وسلام في هذه الحياة. ومن الملاحظ في هذه الآية تقديمه للشهادة على الانتصار، وهذا لا يستقيم إلا في المقياس الأخلاقي الذي يجعل خسارة الحياة في سبيل المبدأ مقدماً على الانتصار على العدو.    

*”وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً”.. هذه الآية تبرز الهدف الخارجي للقتال، وهو هدف إنساني يتجاوز التعصبات القومية والأهداف الدينية الخاصة، فليس هدف القتال إجبار الناس على الإيمان إذ “لا إكراه في الدين”، إنما الهدف الواضح هو الانتصار للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فالقتال هو جبهة أخلاقية عالمية لمواجهة كل قوى الظلم والاستبداد والاستكبار التي تستقوي على المستضعفين.

إن فهم السياق الذي جاءت فيه عموم آيات القتال في القرآن وفهم المعاكس الذي جاءت هذه الآيات لتنقضه ضروري للتفريق بين الروح والشكل، بين الثابت والمتغير، فالثابت في كل هذه الآيات هو أن تصنع إنساناً متحرراً من الوهن والضعف والاستكانة يدافع العدو حتى يثخن في الأرض وتكون كلمة الله هي العليا، أما الشكل فهو متغير ما دامت العلة متحققةً، فإن اختلفت الظروف التاريخية ولم يعد القتال بمعناه الحرفي المباشر حاضراً بنفس المركزية التي كان حاضراً بها زمن تنزل القرآن سواءً في المعارك الداخلية بين المستبد وشعبه أو في المعارك الخارجية بين الدول بحثنا عن وسائل تناسب هذه التغيرات وتحقق فاعليةً أكبر بتكلفة أقل متمثلةً في وسائل سلمية واقتصادية وثقافية وإعلامية حسب طبيعة المعركة التي يفرضها الزمان والمكان.

ما دام هدف القتال حسب التصور القرآني متعلقاً بتحرير نفوس المؤمنين من الوهن والضعف والاستكانة، وتحقيق الانتصار الخارجي عبر كسر شوكة العدو الذي يمارس الظلم والاستضعاف فإن القرآن يكسر مركزية المواجهة العسكرية كونها ليست هدفاً في ذاتها، وهذا ما يتضح في آية الفتح: “وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً”.. في هذه الآية يمتن الله تعالى على المؤمنين ليس فقط في أنه منع عدوهم من إيذائهم بل أيضاً بأنه كف أيديهم عن أعدائهم بعد أن أظفرهم عليهم، والنفس المشبعة بحب القتال لا تفهم أين المنة في أن تتمكن من عدوك ثم لا تشبع رغبتك بقتله وسفك دمه، لكن الروح السلامية السائدة في القرآن جعلت المنة ليست في انتصار فريق وهزيمة فريق آخر، بل في إلغاء المواجهة العسكرية نفسها..

إن كليات القرآن ومبادئه العامة تعطي مركزيةً لعمارة الأرض وإقامة العدل فيها وتجرم الإفساد فيها وسفك الدماء: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”، “ادفع بالتي هي أحسن”، وقد كان تخوف الملائكة الأول من استخلاف الإنسان: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء”، والقرآن يقول مراراً: “ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها”، ويتحدث عن فريق يفسد في الأرض وهو يظن نفسه مصلحاً ليعلي فينا مشعر الحساسية: “وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون* ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون”، بل إن القرآن يعطي المؤمنين درساً تربوياً مكثفاً في السلام عبر التصالح مع كل المخلوقات بتحريم الصيد أثناء الإحرام وفرض كفارة على من يخالف هذا التعليم، والقرآن يغرس فينا حب الطبيعة فيخبرنا أن الجبال والأشجار والطير يسبحن بحمد الله مما يعني أن الإنسان مطالب بصداقة هذا الكون لا بمعاداته، فمن أين يفهم عاقل تشبع بروح العدل والإحسان والإصلاح والسلام التي تبثها مئات الآيات أن يخوض معركةً عبثيةً دون ضوابط من أخلاق تؤدي بالضرورة إلى الإفساد في الأرض والتناقض مع أبسط بدهيات الدين! إن من يفعل ذلك هو بالضرورة إنسان قد انتكست فطرته وتشوه سلامه الداخلي فهو يريد أن يصدر ناره المشتعلة في صدره ليحرق بها الأنام ثم يكذب على الله تعالى الذي يأمر بالعدل والإحسان فيزعم أنه أمره بهذا ليضفي شرعيةً على باطله وإفساده.

إن من يصنع السلام بين الأنام لا بد أن يحقق سلامه الداخلي أولاً فيفيض على الناس من الحب الذي يملؤ قلبه، أما من امتلأ قلبه بالكراهية والانتقام فهو مريض يستحق الشفقة ولن تكفي كل نصوص الكتب وأقوال الحكماء في إقناعه بالسلام لأنه لم يذقه في حياته، ومن لم يذق لا يعرف.”  انتهى كلام سيادته

خالص الشكر لسيادة الأستاذ الدكتور أحمد عمر سعد على كريم رسالته.

كمال شاهين 

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

18 ديسمبر 2014

يوسف أيها الصديق ح 18 – أرباب من دون الله


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 18 – أرباب من دون الله

استكمل يوسف حديثه :

وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)

 نرى يوسف كيف استمر في الإنصات إلى الشيطان. حين أكمل:

ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء.

وهو يعني بأن الشرك عمل غير جميل لهم ولا يتناسب مع شأنهم. ألم نر الله تعالى يقول في سورة مريم على لسان المسيح:

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35)؟

وهو يعني بأن اتخاذ الولد ليس مناسبا لشأن إله العالمين جل جلاله ولا جميلا له.

لا يعني قول يوسف بأنهم عاجزون عن أن يُشركوا بالله تعالى كما تراءى للبعض فظنوا بأن الأنبياء معصومون عن الخطإ، بل يعني أن الشرك ليس جميلا لهم.

والمشكلة الكبرى أن يوسف قال ذلك باعتبار السلالة وليس باعتبار النبوة وليس في كلامه مع صاحبيه في السجن أية إشارة إلى النبوة وليس لدينا أي دليل على أنه كان نبيا في ذلك اليوم. والأحرى بنا أن نقول بأنه فعل ما فعل قبل أن يتشرف بالنبوة.

من الخير لنا أن نرى أنبياء الله تعالى بعيدين عن دنس المعاصي والآثام. إنهم قدوة لنا فليفعلوا ما يفعلوا قبل أن يصيروا قدوة للأنام. فيوسف قال ذلك باعتباره من بني إبراهيم وليس باعتبار آخر وكان حديثه عن آبائه بغض النظر عن نبوتهم. والدليل على غروره وكبريائه أنه أكمل قوله ذلك بقوله التالي:

ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

يعني يوسف فيما يعنيه للسامعين وأنا أقول ما أقول كسامع وأضع نفسي مكان صاحبيه في السجن فأنصت معهما إلى يوسف الذي أبدى علما وقدرة على بيان حقائق الأحاديث حتى في المنام وبأن الله تعالى علمه هو دون عامة خلقه. لو كنت معهم لقلت: هذا الرجل أفضل مني وقد منحني الله تعالى مكرمة كبيرة أن حضرت في مجلسه فأشكر الله تعالى على أن حشرني صحابيا ليوسف.

ولكن هل ليوسف أن يقول ذلك عني أم عليه أن يتواضع أمامي ويقول لي: إن أنا إلا بشر مثلكم؟!

لقد أقر يوسف بداية بأنه كسب ما كسب من علم لأنه ترك عبادة غير الله تعالى لغير الله تعالى وهو كلام جميل وصحيح. لكنه أردف بأنه اتبع ملة آبائه، وبأن أباءه غير بقية الناس وبأن الله تعالى فضلهم على غيرهم وعلى الغير أن يشكروا ربهم بوجود أهل بيت النبي إبراهيم بينهم.

هذا هو الكبرياء الذي ظهر على لسان يوسف وهو دليل واضح بأن يوسف ما كان بعد مستوليا على كبرياء نفسه فما كان قادرا على أن يكون نبيا لأهل مصر الذين هم ليسوا من بني إسرائيل ولا يوجد إسرائيلي غيره هناك آنذاك.

نحن نشكر الله تعالى بأنه لم يُقدِّر لأخينا الطيب يوسف أن ينجو من السجن ولم يقدر له ما قدر له من السلطة إلا بعد عدة سنوات. كان الكبرياء سيأخذ من يوسف مأخذا لا يعلم أحد غير الله تعالى ما كان سيفعله في وزارته وقوته تحت تأثير ذلك الكبرياء . 19

انتهى يوسف خاطئا من تمجيد نفسه وأسرته وعاد بعد ذلك لينصح صاحبيه في السجن بما يمكن لأي مؤمن عالم بحقائق الدين أن ينصح به غيره. لم ينس يوسف الله تعالى في كل كلامه مع صاحبي السجن وبما أنه لم ينس الله تعالى فإن الله لا يمكن أن ينساه أيضا ولكنه مع الأسف فقد بعضا من خاصيته حينما كان مخلَصا فلم يمنع الله تعالى الشيطان من الاستمرار في إغوائه فحصل ما حصل بعد هذه الجلسة بالطبع.

استمر يوسف في كلامه قائلا:

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿39﴾.

لم يترك يوسف الكبرياء وهو يخاطب صاحبيه في السجن أن يقول لهم كلاما أجمل من ذلك. لننظر إلى إخوانه الأنبياء قليلا: قال هود لقومه كما في سورة الأعراف:

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69).

اعتبره الله تعالى أخا لهم فقد خاطبهم بكل تواضع بأنه ليس به سفاهة وبأنه رجل منهم وقد جاءه الذكر من ربهم عليه باعتباره واحدا منهم لينذرهم.  لم يمدح هود نفسه بل مدحهم هم بأنهم خلفاء من بعد نوح وبأنهم أقوياء منعمون من الله تعالى.

لكن يوسف لم يقبل بأنهما أخواه ولا صاحباه بل صاحباه في السجن. فلم يقل لهما يوسف بأنه واحد مثلهما ليصغيا إليه ويثقا بإخلاصه لهما.

وقال سبحانه مخاطبا نبينا في سورة الكهف:

 فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6).

بخع كما يقول أرباب اللغة تعني قتل نفسه غما. وقد استشهد الراغب لنفس المعنى بالآية التالية من سورة فاطر:

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8).

 قارن بين الخلوص الواضح والتواضع الممزوج بالحب في خطاب نبينا مع قومه؛ وبين خطاب أخينا يوسف لصاحبيه في السجن وهو يتحدث عن نفسه وأسرته وبأن الله تعالى قد منَّ على الناس بهم وبأنهما صاحباه في السجن فقط… ألا ترى الكبرياء متجليا في خطابه والترفعَ واضحا في نصيحته لهما؟ هذه هي المشكلة النفسية ليوسف ولكل بني إسرائيل تقريبا مع الأسف.

وأما فحوى خطابه العلمي البليغ فهو بأن الربوبية التي تعني العناية المحيطة بالكائنات لينعموا بالحياة وبالهدى تحت رحمته لا يمكن أن تأتي من أكثر من مصدر واحد .20

( هامش 19 :   قرب من الله تعالى أم تقرّب إليه: هذه مسألة أود أن أوضحها باختصار هنا للمناسبة.

نحن نسمع كثيرا عن الذين يسمون أنفسهم عرفاء ونسمع كثيرا عن مكاشفاتهم وعن تحدثهم بالغيبيات وقيامهم بما يعجز عنه بقية الناس.

بالطبع يمكنني القول بضرس قاطع بأن كل ذلك محض وهم ولا يوجد لأحد مكاشفات مع الله تعالى ولا يعلم أحد شيئا من الغيب إلا ما أباحه الله تعالى لجميع خلقه من العلم الغيبي وهو اليوم محصور في القرآن الكريم.

لفهم ما اقول علينا ان نفكر قليلا في قوله تعالى عن الملائكة بأنهم مقربون وتسميته بعض عباده من البشر بالمقربين وهو سبحانه لم يعبر عن أي مخلوق بالقريب. حتى الأرواح القدسية ومنهم جبريل فهو ليس بالقريب من الله تعالى بل هو أيضا مقرَّب فقط.

والمقرَّب إلى الله تعالى لا يعني بأن الله تعالى قد قرَّبه إلى ذاته أو أناله بعض صفاته أو فوض إليه بعض أعماله. إن كل خصائص الربوبية خاصة بالقدوس وغير قابلة للانتقال إلى المخلوق وإلا كان المخلوق شريكا فعليا لله تعالى ، معاذ الله.

كل التقريب لا يتجاوز المعرفة بالقدوس فلو نمعن بأن الشخص الذي يعرف عن الله تعالى شيئا قليلا، فإنه لو بقي متقربا إلى الله تعالى فهو يعني بأنه كان محتاجا إلى المزيد حينما استحق صفة التقرب. و حينما يستمر في التقرب فهو يعني بأنه لن يبلغ حد الكمال أبدا ليكسب شرف القرب مثلا وإلا وصفه الله تعالى بالقريب لا بالمقرب.

هذا يعني بأن التقريب لا يعني التقريب الفيزيائي أو المعنوي إلى القدوس بل يعني تقريبه إلى معرفة القدوس. ذلك لأن الحقيقة هي أن التعرف على الهوة الساحقة بيننا وبين خالق السماوات والأرض ليس بالأمر الهين. فنحن كلما نزداد تقربا أي طلبا للمعرفة فإننا نزداد معرفة بالبعد الشاسع بيننا وبين الله تعالى.

ولذلك فحق انتسابنا إلى بعض لا يمكن أن يتجاوز الأخوة التي تناسب كياناتنا. علينا أن نبتعد عن أي تسمية تدل على أي أمر فوق بشري لأي بشر وهذا هو السر في إصرار القرآن الكريم على أن الأنبياء ليسوا إلا بشرا. قال تعالى في سورة إبراهيم:

 قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11).

فالذي يُقرَّب، يُقَرَّب إلى المزيد من العلم بالهوة بين الخلق والخالق وليس بالقرب، إذ لا قرب فعلا. ولذلك فأي شعور بالفوقية على أي مخلوق هو ظلم حقيقي للنفس.

والشيطان يعرف بعض الشيء عن هذا البعد الحقيقي فيسعى لإقناع الناس بأن النسب والتعرض لفضل الله تعالى يقربان البشر من الله تعالى كمقدمة لإقناعهم بوجود أشخاص قريبين من القدوس بحيث يمكنهم أن يصيروا وسائط بين الخالق وخلقه.     نهاية الهامش 19.)

(هامش 20:   إن الكائنات برمتها مرتبطة ببعضها البعض ومحتاجة فقيرة لمن يسندها وينظم علاقاتها وارتباطاتها.

يجب أن يكون الرب مخضوعا له ومقبولا لدى الجميع ويجب أن يكون واحدا حتى يربط الجميع برباط الألفة والمحبة وينظم علاقات الكائنات المتباينة وحتى لا يختلط الهدى على الكائنات.

يجب أن يكون الرب قهارا فلا يتمكن أحد من عدم الانصياع لأوامره فيعم السلام ويتثبت التوافق والوئام بين خلقه. لو كان الرب غير الله تعالى الخالق العظيم فإن تباين المصالح سوف يخلط الأمر ويرفع الانسجام بين الكائنات. والواقع أننا نرى الكائنات اليوم ومنذ بلايين السنين تسير وفق نظام مفروض عليها فمدير ذلك النظام وحده قادر على أن يهدينا للسير بسلام مع بقية الكائنات. ولذلك قال يوسف عليه السلام بكل ثقة ودراية:

 أ أرباب متفرقون خير، أم الله الواحد القهار؟

فبمجرد ما تتعدد الأرباب فهم يتفرقون لأن كل واحد منهم يسعى لجذب الكائنات لنفسه وليس أحد أجدر من الخالق نفسه أن يصون خلقه تحت رعايته. وبما أن الله تعالى يرتبط مع خلقه بالنور أو الطاقة فإن كل إله افتراضي يجب أن يكون كذلك.

إن علماء الفيزياء يعلمون  بأن الطاقة كما تنفذ من جهة الى جهة فهي تجذب أيضا. ثم إنها تتحرك باتجاه ما يتناسب معها لتزيده نورا. فلنتصور تعدد مصادر الطاقة والمصيبة التي ستحصل لنا ولبقية الكائنات لو وجدت.

وقد وجه يوسف خطابه بلحن السؤال ليدعوهما إلى التفكر وإلى بذل الجهد للمعرفة الشخصية دون التقليد للغير. معرفة الله تعالى والإيمان بربوبيته وبأنه مستحق فعلا لأن يُعبد هو أصل يجب على كل شخص أن يطمئن إلى صحته فلا يمكن أن نطيع فيه الغير. وتكمن في الآية الكريمة عدة مسائل يجدر بنا معرفتها:

1.      أن الله تعالى هو خالق الكائنات وهو يدير ما خلقه بصورة تلقائية تثبيتا لملكه، وأن الأرباب الآخرين لا يمكن أن يسعوا لمساعدة أمثالهم إلا لمصلحة لهم فيها. ولذلك فعلى الذي يشعر بالحاجة لهم أن يؤمِّن لهم مصالحهم ولكن ليس عليه أن يؤمن مصالح الله تعالى.

أضف إلى ذلك أن ليس لله مصلحة شخصية ولا حاجة إلى أحد. ونرى في الواقع أن الذين يتشبثون بغير الله تعالى كالموتى في القبور أو الذين يتشبثون بالملائكة بأن يصنعوا لهم أصناما فكلهم يسعى لإحاطة إلهه الذي عينه لنفسه بالمزيد من المال الذي يصرفه على ضريحه أو على مكان صنمه.

نصرف مال الله تعالى معترفين بأنه مال الله على ما خلقناه بأيدينا لنطلب منه المساعدة. والله تعالى يقول في سورة الإسراء:

قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57).

ويعني بكل بساطة أن الذين تدعونهم غير الله تعالى فهم بأنفسهم يدعون الله فأيهم أقرب إليكم، هل الله -الذي أقرب إليكم من حبل الوريد- أم الذي يبحث عن وسيلة يتقرب بها إلى الله تعالى مثلكم؟ ثم إنهم مثلكم يخافون الله تعالى ويرجون رحمته ويخافون عذابه.

2.      إن الذين تطلبون منهم العون مهما كانوا أقوياء فإنهم غير مهيمنين على الكائنات ولا مناص لهم من أن يراعوا قوانين الربوبية الصادرة من الله تعالى بينما الله تعالى غير واقع تحت هيمنة أحد وهو القهار الذي يقهر كل شيء ليثبت أمره فالعقل يحكم بأن نطلب حوائجنا منه سبحانه لا من غيره، ولا سيما أنه سبحانه دعا عبيده ليدعوه ويطلبوا منه لطفا وكرما وليمنحهم المزيد من الهدى فلا يبحثوا عن من يساعدهم من خلقه. والمقصود من الدعاء هو تغيير مسار النظام الصاعد بلا توقف لنتجنب وقعه علينا، أو نطلب المزيد من الخير منه. نطلب تغيير المسار العادي للنعمة أو للغضب ولكن لا يمكن لغير القهار أن يقوم بذلك التغيير.

3.      إنكم تخضعون للبعض لحاجة لكم تريدون أن تقضوها على أيديهم وهم لا يملكون شيئا. إنهم ليسوا أربابا حقيقيين وهم متفرقون بمعنى أن هناك الكثيرين يحملون نفس الصفات ونفس القدرات التي تتراءى لكم، ولكن ليس كمثل الله شيء، وهو واحد لا شريك له فالعقل يحكم بأن نستظل بظلاله وهو القهار القوي القادر ولا نتفرق تحت رحمة الذين نظن بأنهم يملكون شيئا.

أنظر إلى قوم نوح الأقدمين فقد اعترفوا بأن لهم مجموعة من الأصنام وهكذا الذين أتوا من بعدهم.

المسيحيون ينظرون إلى المسيح والروح القدس على أنهما وسيلتان إلى الله تعالى والنصارى منهم يضيفون إليهما مريم العذراء.

اليهود يتشبثون بموسى وهارون وعزير وبقية أنبيائهم ويهتمون بداود وسليمان وبقية الأقوياء منهم وهم جميعا متفرقون ضعفاء أمام الله تعالى.

المسلمون يطلبون من النبي وصحابته أو أهل بيته.

وبتحليل بسيط نشعر بأن كل هؤلاء يحسون بأن موسى والمسيح ومحمد ليسوا منفردين وليسوا بكامل القوة ولذلك يتشبثون بمن دونهم فلعلهم يكونوا أكثر فائدة لهم من كبارهم. لكن الذين يكتفون بالله تعالى فهو حسبهم ويشعرون معه وحده بالطمأنينة الكاملة وبأنهم قد تمسكوا بحبل لا ريب في قوته ومكنته.

4.      إن صاحبي بوسف قد أُدخلا السجن على يد الذين يسمونهم أربابا لأن مصالح الأرباب اقتضت سجنهم ولكن الله تعالى حليم يصبر على عبيده لعلهم يرجعوا إليه فيثيبهم بالحسنى. كان اهتمامهما واضحا في أن يُرضيا الملك الذي يعتبرانه ربهما وقد فسرا مناميهما بما يتناسب مع رضا الملك وهما غافلان عن الله الواحد القهار الذي هو ربهما فعلا.

هذه الغفلة مشهودة لدى بني إسرائيل اليوم ولدى أتباع المسيح كما هي لدى المسلمين. ولنعم ما قال سبحانه في سورة الزمر:

وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (48) فَإِذَا مَسَّ الآنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59).

5.      أضف إلى المسألة الرابعة أعلاه أن الله باعتبار قدرته وقهره فهو لا يحتاج إلى أن يستعجل بالعذاب بل يصبر ويعطي الفرصة مرات ومرات ولكن الملوك الدنيويين يستعجلون بالعذاب لأنهم ضعفاء يخافون من أن يفقدوا السيطرة على مخالفيهم. لنتذكر المثل الشعبي المعروف الذي يمثل حالة ملوك الأرض: تغدى به قبل أن يتعشى بك.

6.      لسان حال يوسف يقول: إن الذين كبروا في عيونكم هم صنائعكم فأنتم الذين قويتموهم ليتحكموا فيكم وإلا فهم ضعفاء مثلكم ليسوا منفردين في السلطة والقدرة وليسوا قاهرين لأحد لأنهم أمثالكم، بشرٌ يملكون نفس قدراتكم وتملكون نفس قدراتهم ولكن الله تعالى قاهر للكل دون الحاجة إلى أن يستعين بكم أو بأحد عليكم.

7.      وأخيرا فإن القوي بطبيعته صاحب النظام الألوهي الذي يتحكم في كل الوجود، خير للضعفاء من الذين يستمدون منه القوة بأنه وحده الله تعالى، وبالرغم من اعتراف الشعب المصري بالله تعالى، فإنه كان يعبد غيره، كما يعترف المسيحيون واليهود والمسلمون اليوم بأن الله تعالى هو الخالق الواحد ولكنهم يستعينون بالأنبياء والأولياء و الصالحين.     نهاية الهامش 20.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com