ماذا لو كنت متخذ القرار الأول ؟ (ملف السلطة المحلية)
المقال الجديد في مجلة الرابطة الاقتصادية ، سلسلة ماذا لو كنت متخذ القرار الأول؟ تجدونه في صفحة 47- العدد 57 سبتمبر 2026

ماذا لو كنت متخذ القرار الاول ؟
السلطة المحلية
مرحبتين،
خلال سنوات من العمل والنقاش مع قيادات في السلطات المحلية، ووكلاء محافظات، ومسؤولين حكوميين، وخاصة في ورش العمل التي تناولت تنمية موارد السلطات المحلية وتمكين المديريات، ظل سؤال يلاحقني:
لماذا تظل المحافظة عاجزة عن معالجة كثير من مشكلات الناس، بينما المشكلة والموارد والأجهزة التنفيذية والمواطن موجودون جميعاً داخلها؟
وقد بني مشروع سابق (بقيادة المهندس بدر باسلمة) لتأهيل كوادر السلطة المحلية على تمكين المديريات من تنمية مواردها، والتخطيط للمشروعات وتنفيذها ومراقبتها، وربط ذلك بالمشاركة المجتمعية والشفافية.
ثم عدت إلى هذه القضية من زاوية اقتصادية، في ورقة سابقة نشرتها في العدد 47 من مجلة الرابطة الاقتصادية تحت عنوان “من مركزية الموارد إلى الحكم الذاتي للمحافظات اقتصادياً” حاولت الاقتراب من جانب من الإجابة، وطرحت توسيع مساحة القرار الاقتصادي للمحافظات في إدارة مواردها وأولوياتها وشراكاتها الاستثمارية، مع بقاء السيادة وملكية الموارد السيادية في إطار الدولة الواحدة.
لكن السؤال الذي أطرحه في هذه السلسلة أكثر مباشرة:
ماذا لو كنت متخذ القرار الأول في ملف السلطة المحلية؟
ليس محافظاً لمحافظة بعينها، وإنما متخذ القرار الذي يستطيع إعادة هندسة العلاقة بين الحكومة والمحافظات والمديريات.
ماذا سأفعل الآن، وفي ظل دولة منقسمة وحرب ممتدة، ومجالس محلية لم تتجدد منذ سنوات، وقوانين يصعب تعديلها سريعاً؟
(1) المشكلة ليست نقص الصلاحيات فقط
المشكلة ليست في غياب اللامركزية على الورق، فعندما نعود إلى قانون السلطة المحلية قانون رقم (4) لسنة 2000 وتعديلاته ، نجد مفارقة تستحق التوقف: لدينا إطار قانوني يمنحنا لامركزية أكثر بكثير من الممارسة التي نشأت تحته.
فالمجلس المحلي للمحافظة ليس هيئة استشارية، القانون يمنحه إقرار الخطط والموازنة والحساب الختامي، والرقابة على الأجهزة التنفيذية، ومساءلة رؤسائها، ومتابعة الموارد وتنميتها.
وعلى مستوى المديرية، يجعل القانون مدير عام المديرية رئيس المجلس المحلي والمسؤول التنفيذي الأول فيها، ويمنحه مسؤولية إدارة شؤون المديرية وتوجيه أجهزتها وتنمية مواردها، بينما يتولى المكتب التنفيذي للمديرية إعداد خطة التنمية والموازنة وتنسيق نشاط الأجهزة التنفيذية ومتابعة أدائها.
إذن جزء كبير من المشكلة ليس: كيف ننشئ سلطة محلية؟
بل: لماذا لم تعمل السلطة المحلية الموجودة أصلاً باعتبارها مستوى فعلي للحكم والإدارة؟
هناك مشكلة أخرى ظهرت مع الوقت، فكلما ضعفت قدرة المركز، تضخم ديوان المحافظة.
محافظ، وعدد من الوكلاء، ومستشارون ووحدات ولجان وفرق، وكل منها يبدأ في ممارسة أعمال تنفيذية كان يفترض أن تؤديها المديريات أو المكاتب التنفيذية، وبذلك قد نخرج من مركزية الوزارة في عدن، لننشئ مركزية جديدة في عاصمة المحافظة، وهذا ما لا ينبغي أن يكون ، فلا أريد أن أنقل طابور المعاملة من الوزارة إلى مكتب المحافظ ثم أطلق على ذلك اسم اللامركزية.
ما أريده نموذجاً مختلفاً:
محافظة خفيفة وقوية استراتيجياً، ومديريات قوية تنفيذياً.
المحافظة تقود وتنسق وتوازن،
والمديرية تنفذ وتقدم الخدمة،
والحكومة المركزية تضع السياسة والمعيار وتحمي وحدة الدولة والعدالة بين المحافظات.
المحافظ ليس بحاجة إلى أن يتحول إلى رئيس حكومة صغيرة، ولا إلى أن يكون تحت يده جهاز موازٍ للأجهزة التنفيذية، ما يحتاجه فعلياً فريق قيادي استراتيجي صغير وقوي، فريق يستطيع أن يضع أمامه:
- الصورة الاقتصادية للمحافظة،
- ومؤشرات الخدمات،
- والأصول،
- والمشروعات،
- والمخاطر،
- والاستثمارات،
- ومشكلات المديريات،
- والقرارات التي تحتاج إلى الحكومة.
وظيفة هذا الفريق أن يصنع القرار للمحافظ، لا أن يحل محل الأجهزة في تنفيذه، وهنا يظهر الفرق بين المحافظ الذي يقضي يومه في توقيع المعاملات، والمحافظ الذي يقود تحول محافظة.
في هذا المقال أنا لا اجيب عن سؤال: ماذا أفعل لو كنت محافظاً؟ فهذا يستحق مقالاً آخر، وربما تكون عدن أفضل نموذج تطبيقي له، لأنها تجمع تحديات الإدارة والخدمات والميناء والمطار والأراضي والاستثمار والمديريات والأصول السيادية في مساحة واحدة.
وفي هذا المقال، اسعى أن اقدم النموذج او النظام الذي ينبغي أن يعمل من خلاله المحافظ.
(2) المسار العاجل: ماذا سأفعل خلال أول 100 يوم؟
لن أبدأ بمشروع تعديل شامل لقانون السلطة المحلية، فالوقت السياسي والتشريعي الحالي لا يحتمل أن نجعل الإصلاح كله رهينة قانون جديد، سأبدأ بسؤال أكثر براغماتية:
ما الذي يسمح به القانون الحالي ولا نفعله؟
ثم أتحرك من خلال القانون النافذ، رقم 4 لسنة 2000 والمرونة لاتخاذ التدابير الإدارية العاجلة لإصلاح أجهزة الدولة وتحسين الخدمات.
- سأشكل خلال الأيام الأولى فريقاً استراتيجياً لإعادة هندسة الحكم المحلي يتبع القيادة التنفيذية ويضم خبرات في القانون والمالية العامة والإدارة المحلية والاستثمار والحوكمة والتخطيط، ستكون مهمة الفريق خلال المئة يوم هي إعداد نظام تشغيل انتقالي للحكم المحلي يحدد بصورة واضحة:
- ما الذي يبقى في المركز؟
- وما الذي يدار في المحافظة؟
- وما الذي يجب أن ينزل إلى المديرية؟
- وأين توجد صلاحيات قانونية معطلة؟
- وأين يحتاج الأمر فقط إلى قرار حكومي؟
- وأين توجد فجوة لا يمكن تجاوزها دون تعديل قانون لاحق؟
- سأعتمد لكل محافظة عقد أداء انتقالياً لمدة عام، يحدد للمحافظ نتائج واضحة في: الخدمات، والموارد، والاستثمار، وتنشيط المديريات، وتنظيم الإدارة، والشفافية، ومعالجة الاختناقات الكبرى، ويصبح المحافظ مسؤولاً أمام الدولة ومجلسه المحلي عن تحقيق هذه النتائج، كما يلتزم خلال الأشهر الأولى بإعادة هيكلة مكتبه بحيث يتحول من جهاز تنفيذ يومي إلى مكتب قيادة واستراتيجية ومتابعة أداء، ولن يكون عقد الأداء مجرد أداة تقييم، بل سأربطه بنظام حوافز تنموية ، فالمحافظة أو المديرية التي تحقق نسباً أعلى في الشفافية، والتحصيل الإلكتروني، وحل مشكلات المواطنين، تُمنح أولوية في الموارد المشتركة، وتمويلاً إضافياً لتمويل مبادراتها المجتمعية المشتركة.
- سأطلب من كل محافظة خلال ستين يوماً تحديد جميع الإجراءات والخدمات التي تصعد اليوم إلى مركز المحافظة ويمكن قانونياً وفنياً تنفيذها داخل المديرية، بناء على مبدأ : ما تستطيع المديرية أن تفعله بكفاءة لا يصعد إلى المحافظة،
- فالمديرية لديها مجلس محلي، ومدير عام هو المسؤول التنفيذي الأول، ومكتب تنفيذي يضم الأجهزة الحكومية العاملة فيها، وسأعطي كل مديرية خطة وموازنة ومؤشرات أداء وخريطة موارد ومشروعات، أما المحافظة فتتولى: المشروعات العابرة للمديريات، والتوازن بينها، والاستراتيجية الاقتصادية، والاستثمار، والبنية التحتية الكبرى، والتنسيق مع الحكومة، ولأن قدرات المديريات ليست على مستوى واحد، سأعتمد مبدأ “التمكين التدريجي المربوط بالجاهزية” ، بحيث تقدم الأجهزة التنفيذية في المحافظة الدعم الفني والفرق المنتدبة للمديريات الأقل قدرة، حتى تكتمل بنيتها الإدارية، دون أن يظل هذا العجز الذريعة لتجميد صلاحيات كافة المديريات.
- لدينا مجالس محلية قائمة، وإن كانت شرعيتها التمثيلية قد تقادمت نتيجة طول الفترة الاستثنائية، ورغم ذلك سأبدأ بحصر أوضاعها، وتفعيل اجتماعاتها ولجانها، وإعادة وظائفها الأساسية في التخطيط والمالية والخدمات والرقابة.
- في ورقة “المرحلة الانتقالية في اليمن: من وقف الحرب إلى تشغيل الدولة” والتي نُشرت في العدد 54 من مجلة الرابطة الاقتصادية، طرحت أن المرحلة الانتقالية ليست حكومة مؤقتة تنتظر التسوية النهائية، بل نظام تشغيل مؤقت للدولة يحافظ على المؤسسات ويمنع الهدم المتكرر ويحرك الخدمات والاقتصاد، ولا يمكن تشغيل دولة معطلة من العاصمة وحدها، والمركز يجب أن يضع القواعد والسياسات السيادية ويحمي العدالة بين المحافظات، بينما يجب أن تمتلك المحافظات قدرة حقيقية على التخطيط والتنفيذ والتعاقد وإدارة الخدمات،
- لذلك سأجعل المحافظين جزءاً من منظومة إدارة المرحلة الانتقالية، ليسوا منافسين للحكومة، ولا أعباء إضافية عليها، بل شركاء في تشغيل الدولة داخل نطاقاتهم، وسأنشئ لهذا الغرض مجلساً تنسيقياً دورياً للمحافظين مع قيادة الحكومة لمناقشة الملفات التي لا يستطيع وزير أو محافظ حلها منفرداً.
- وفي حال نشوء أي تنازع في الاختصاص بين وزارة ومحافظة خلال هذه الفترة، تحسم القضية خلال مدة لا تتجاوز 10 أيام عمل عبر الفريق الاستراتيجي لإعادة هندسة الحكم المحلي المرفوع لرئيس الحكومة، لمنع تعطيل المصالح في أدراج البيروقراطية
- الميناء والمطار والمنفذ والأرض الاستراتيجية قد تكون أصولاً سيادية للدولة، ولكن ملكية الدولة لا تعني أن الأصل يجب أن يبقى مجمداً لأن قرار الاستثمار فيه محتجز في المركز، سأبدأ بإعداد سجل للأصول الاستراتيجية داخل كل محافظة، ثم أفصل بين أربعة أمور طالما خلطنا بينها: ملكية الأصل، وتنظيمه، وإدارته، واستثماره،
- فليس من الضروري أن تكون الجهة التي تملك الأصل هي نفسها التي تدير كل نشاط اقتصادي داخله، يمكن، مثلاً، أن يبقى المطار ملكاً للدولة، وتبقى سلامة وتنظيم الطيران اختصاصاً وطنياً، بينما تقود المحافظة بالتنسيق مع الجهة المختصة مشروع تطوير مباني المطار أو الخدمات التجارية أو المنطقة الاقتصادية المحيطة به من خلال شراكة مع القطاع الخاص، والأمر نفسه يمكن أن ينطبق، بحسب طبيعة الأصل والقانون المنظم له، على الموانئ والمناطق اللوجستية وبعض الأصول العقارية ومرافق البنية التحتية، وسأرفع إلى القيادة السياسية إطاراً موحداً يسمح للمحافظات المؤهلة بالدخول في الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وعقود الامتياز، وعقود التطوير والتشغيل، والشركات ذات الغرض الخاص، وفق منافسة وشفافية وتقييم مالي وقانوني مستقل. وقد طرحت ورقة الحكم الذاتي الاقتصادي بالفعل الاستفادة من سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص ووحدة الشراكة المركزية، مع مشاركة السلطة المحلية في تحديد الأولويات وضمان حصة عادلة للمحافظة من العوائد التنموية.
- سأطلب من كل محافظة خلال المئة يوم إعداد محفظة اقتصادية واستثمارية تحدد:
- ما أصولها؟
- ما قطاعاتها ذات الميزة النسبية؟
- ما المشروعات الكبرى القابلة للاستثمار؟
- ما الذي يمكن أن تنفذه بالقطاع الخاص؟
- وما العائق المركزي الذي يمنع المشروع؟
- وسأقيس المحافظ على: القيمة التي أضافها إلى اقتصاد محافظته، لا المبلغ الذي أخذه من الاقتصاد الموجود أصلاً، وهذا امتداد لفكرة الحكم الذاتي الاقتصادي التي اقترحته لتوسيع قرار المحافظة في إدارة مواردها وأولوياتها وشراكاتها، دون إنشاء كيان سياسي موازٍ للدولة.
- سأراجع خلال المئة يوم آلاف العلاقات التي تجعل الوزارة تحتفظ بالموافقة على تفاصيل تشغيلية محلية، وأقسمها إلى:
- ما يجب أن يبقى مركزياً لأنه سيادي أو معياري،
- وما يحتاج عدم اعتراض خلال مدة محددة،
- وما يمكن تفويضه بالكامل للمحافظة،
- فلن تكون قوة الوزير في عدد الملفات التي تنتظر توقيعه، بل في قدرته على: وضع سياسة وطنية جيدة، ومعيار واضح، ونظام رقابة فعال، ودعم المحافظة عندما تحتاج إلى خبرة لا تملكها، وهكذا لا تتحول الحكومة المركزية إلى إدارة تشغيل عملاقة للمحافظات.
- لن أعطي المحافظة صلاحيات مالية واستثمارية أكبر دون مقابل، كلما زادت الصلاحية، يجب أن تزيد الشفافية، سأربط التوسع في الاستقلال التنفيذي والمالي بنشر الموازنة والحساب الختامي، والتحصيل الإلكتروني، وإعلان رسوم الخدمات، ونشر العقود الكبرى، والإفصاح عن المشروعات الاستثمارية، ومؤشرات أداء المديريات، والقاعدة ستكون: صلاحيات أكثر مقابل مساءلة أكثر، فاللامركزية التي لا يصاحبها تدقيق قد تنقل الفساد من العاصمة إلى عاصمة المحافظة، ثم من عاصمة المحافظة إلى المديرية.
(3) المسار الاستراتيجي: من سلطة محلية إلى نظام حكم محلي:
بعد تشغيل القانون الحالي واكتشاف نقاط القوة والاختناق الحقيقية، ننتقل إلى المرحلة الأهم، وهنا لن يكون هدفي “تعديل قانون السلطة المحلية، فقط، بل سأعيد بناء نظام العلاقة بين مستويات الدولة، وفق التالي:
- سأجعل فلسفة النظام بسيطة: لا يمارس المستوى الأعلى وظيفة يستطيع المستوى الأدنى أداءها بكفاءة.
- المديرية هي المستوى الطبيعي للخدمة المحلية.
- المحافظة مسؤولة عما يتجاوز قدرة مديرية واحدة وعن الاستراتيجية والتوازن والتنمية الاقتصادية.
- أما الدولة المركزية فتحتفظ بالسيادة والسياسات الوطنية والعدالة بين المحافظات والمعايير والمصالح التي تتجاوز حدود المحافظة.
- الانتخابات المحلية الشاملة قد يصعب الوصول إليها سريعاً، لكن استمرار البنية السياسية المحلية إلى ما لا نهاية دون تجديد ليس حلاً كذلك، وقد طرحتُ في مبادرة وقف الحرب عام 2018 فكرة أن نبدأ بإعادة بناء الشرعية الوطنية من المحافظات، إذ اقترحت أن يمثل كل محافظة أعضاء في مجلس وطني تأسيسي، وأن يتم اختيار المحافظ من داخل التمثيل المحلي، أعيد هنا صياغة الفكرة بما يناسب الواقع، حيث يمكن، ضمن إطار توافقي للمرحلة الانتقالية، إدارة سياق جديد عبر عقد مؤتمر تمثيلي جامع في كل محافظة يضم: المجالس المحلية القائمة، والمديريات، والقوى السياسية والمجتمعية، والقطاع الخاص، والنقابات والاتحادات، والجامعات والمجتمع المدني، وتمثيلاً مناسباً للمرأة والشباب، وينتج عنه مجلس محلي انتقالي مصغر بعدد مناسب، وليكن مثلاً عشرين إلى ثلاثين عضواً حسب حجم المحافظة ، لا ليصبح مجلساً دائماً، وإنما لإعادة قدر من التمثيل السياسي والاجتماعي إلى المحافظة إلى حين الانتخابات، لكن هذه الفكرة تحتاج إلى اتفاق وطني وقاعدة قانونية انتقالية، ولا أضعها ضمن قراراتي دون ذلك.
- لا أريد أن يكون المحافظ مجرد تعيين قادم من العاصمة، ولا أريده كذلك رئيساً مستقلاً عن الدولة، لذا يمكن للمجلس المحلي الانتقالي ترشيح عدد محدود من الشخصيات المؤهلة، ثم تعتمد القيادة السياسية المحافظ وفق الآلية الانتقالية المتفق عليها، أما بعد الاستقرار السياسي، فتحدد الصيغة الدستورية النهائية آلية الاختيار الدائمة.
- لن أترك العلاقة المالية للمساومة بين كل محافظ ووزير المالية، سأضع آلية مالية او قانون يفرق بوضوح بين: الموارد المحلية، والموارد المشتركة، والموارد السيادية، لكن الأهم أنني سأفصل بين ملكية المورد وإدارة جزء من عائده، فالنفط والغاز والموانئ والمنافذ السيادية يمكن أن تبقى مملوكة للدولة، بينما تحصل المحافظة وفق معادلة وطنية معلنة على حصة من عوائدها لتنمية البنية المحلية التي تتحمل أصلاً آثار النشاط الاقتصادي، وهذا هو النموذج الذي طرحته في ورقة الحكم الذاتي الاقتصادي: مركزية ملكية الموارد السيادية مع تشاركية إدارة جزء من العائد، وبقرار رسمي ورقابة وشفافية، كما سأبني نظام تضامن بين المحافظات حتى لا تصبح المحافظة ذات الميناء أو النفط غنية جداً، بينما تصبح المحافظة الأقل موارد عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات.
- المحافظة المستقبلية لن تكون وحدة إدارية فقط، ستصبح منصة اقتصادية وتنموية، لديها استراتيجية اقتصادية، ومحفظة استثمارية، وسجل أصول، وخطة بنية تحتية، وبيانات لسوق العمل والقطاعات الاقتصادية، وبرنامج شراكات، بما يسمح بإنشاء شركات تطوير أو صناديق محلية لمشروعات محددة، بشرط: حوكمة مستقلة، وتدقيق مالي، ومجالس إدارة مهنية، ومنع تحويلها إلى صناديق خاصة بالمحافظ أو النخبة المحلية، فقوة المحافظة اقتصادياً لا تتناقض مع قوة الدولة سيادياً.
- هل نحتاج أصلاً إلى وزارة تدير الحكم المحلي في النظام المستقر؟
- في المرحلة الانتقالية: نعم!، أحتاج جهة مركزية تقود عملية إعادة الهيكلة وتوحد القواعد وتدير العلاقة بين مستويات الدولة، لكنني لن أبقيها إلى الأبد وزارة تقليدية تدير المحافظات، سأعيد تعريفها مؤقتاً لتصبح: وزارة للحكم المحلي والتحول المؤسسي، تتولى خلال المرحلة الانتقالية إعادة توزيع الاختصاصات، وتطوير القانون، وبناء القدرات، ونظم البيانات والأداء، والتنسيق بين الوزارات والمحافظات، وتهيئة الانتخابات المحلية،
- وعندما يستقر النظام، يمكن تحويلها إلى هيئة وطنية صغيرة للحكم المحلي والعلاقات بين مستويات الدولة، وظيفتها وضع معايير النظام، وإدارة قواعد البيانات، وقياس الأداء، وتنظيم التحويلات والتضامن بالتنسيق مع المالية، وحل تنازع الاختصاصات، وبناء القدرات.
- في المرحلة الانتقالية أحتاج المحافظ إلى جانب وظيفته التنموية أن يؤدي دوراً آخر، وهو أن يحافظ على استمرارية الدولة داخل المحافظة، فالحكومة قد تتغير، والتسوية السياسية قد تتبدل، لكن المؤسسات والسجلات والمستشفيات والمياه والميناء والمدرسة لا ينبغي أن تبدأ من الصفر كل مرة، وقد ناقشت في ورقة المرحلة الانتقالية خطر أن تسحب الحكومة معها الدولة عند كل تغيير، وأن يتحول كل تحول سياسي إلى عملية “تصفير” لما سبقه بدل البناء عليه، لذلك على المحافظ في المرحلة الانتقالية أن يضمن: استمرار المؤسسة، وحماية السجلات والأصول، ومنع التعيينات العبثية، وتثبيت الخدمات، وإنهاء الجبايات غير النظامية، وتهيئة المحافظة للدولة المستقرة القادمة.
(4) كيف سأقيس النجاح؟
ولأن نجاح اللامركزية ليس في أن يصبح المحافظ أكثر قوة،
بل أن تصبح الدولة كلها أكثر قدرة، ولذا سيتم قياس النجاح عبر:
- كم قراراً كان يحتاج إلى العاصمة وأصبح يحسم محلياً؟
- وكم قراراً كان يحتاج مركز المحافظة وأصبح يحسم في المديرية؟
- كم تحسن زمن الخدمة؟
- كم ارتفعت نسبة الاستثمار مقارنة بالنفقات التشغيلية؟
- كم أصلاً معطلاً تحول إلى أصل منتج؟
- كم مشروع شراكة أُنجز دون تحميل الدولة ديناً غير مدروس؟
- كم ارتفعت موارد المحافظة نتيجة نمو الاقتصاد، لا زيادة الرسوم؟
- كم عقداً وموازنة أصبحت متاحة للمواطن؟
- وكم مديرية أصبحت تستطيع حل مشكلتها دون انتظار المحافظ؟
(5) وفي الختام
لو كنت متخذ القرار الأول في ملف السلطة المحلية،
لن أبدأ بشعار “الفيدرالية”،
ولن أبدأ بقانون جديد،
ولن أطلب من المحافظات انتظار التسوية السياسية النهائية،
سأبدأ بإعادة تعريف وظيفة كل مستوى في الدولة.
- سأقول للمركز: ضع السياسة والمعيار، واحمِ السيادة والعدالة بين المحافظات، ولا تدِر كل تفصيل.
- وسأقول للمحافظ: قد المحافظة، ولا تتحول إلى مدير معاملات.
- وسأقول للمديرية: أنت نقطة التنفيذ والخدمة الأقرب إلى المواطن، فتحمل مسؤوليتك.
- وسأقول للمجلس المحلي: أقر، وراقب، واسأل أين ذهب المال وما تحقق به.
- وسأقول للوزارة: لا تقيس أهميتك بعدد الصلاحيات التي احتفظت بها، بل بعدد المحافظات التي أصبحت قادرة على العمل دون أن تنتظرك.
- وسأتعامل مع أصول الدولة بمنطق السيادة لا تعني تجميد الأصل، والاستثمار المحلي لا يعني التنازل عن السيادة.
يمكن للدولة أن تملك الميناء، وأن تنظم نشاطه سيادياً، وفي الوقت نفسه تجعل المحافظة شريكاً في تطويره واستثماره وخلق الاقتصاد حوله، ويمكن للدولة أن تبقى واحدة وقوية، بينما تصبح المحافظات أكثر قدرة على إدارة مواردها وحل مشكلات أهلها.
وهذا هو النموذج الذي أبحث عنه:
لا دولة مركزية تدير المحافظات، ولا محافظات تتصرف كدول، بل دولة واحدة تستطيع أن تعمل من خلال محافظاتها.
ولا أنقل المركزية من العاصمة إلى عواصم المحافظات وأسميها لامركزية، بل أدفع القرار إلى أدنى مستوى قادر على اتخاذه، وأصعد ما يتجاوز قدرته إلى المحافظة، وأترك للمركز ما يحتاج فعلاً إلى دولة.
وعندها تصبح المحافظة: وحدة حكم، ومنصة تنمية، وشريكاً في تشغيل الدولة.
هذا ما كنت سأفعله لو كنت متخذ القرار الأول في ملف السلطة المحلية.
فماذا كنت ستفعل أنت؟
أصلح الله بالكم،
مودتي،
أحمد مبارك بشير
11/08/2026