ماذا لو كنت متخذ القرار الاول ؟ خطتي لإنقاذ قطاع الاتصالات انطلاقاً من عدن والى اليمن

ماذا لو كنت متخذ القرار الاول ؟
خطتي لإنقاذ قطاع الاتصالات انطلاقاً من عدن والى اليمن
مرحبتين،
وضعتُ سؤالاً قبل عدة أيام لتحريك التفكير الجمعي:
“ماذا لو كنت متخذ القرار الأول؟ كيف تتصرف في (ملف الاتصالات والإنترنت).. عدن نموذجاً؟”
وقد أسعدني كثيراً تفاعل الزملاء والأصدقاء وأفكارهم التي تشخص الوجع بدقة، منهم:
- العزيزان علي العطاس وعلي شيخ: قدما صلب الحل التقني والفني العاجل (تفعيل البوابات الدولية، السيادة الرقمية، تفعيل الكابلات البحرية، إلزام الشركات بالطاقة الشمسية وتحديث شبكات الـ 4G/5G).
- العزيزة أمل العنتري والعزيز عبد الله فرحان: ركزا على الجانب الهيكلي الجوهري (الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كسر الاحتكار، وتوسيع الشبكات الأرضية).
- العزيز باسل موسى: وضع يده على الجرح الإداري والسياسي العميق، فبدون “إرادة سياسية حقيقية وصلاحيات كاملة للمسؤول النظيف والكفؤ” لمواجهة شبكات المصالح ومراكز القوى التي ترى في الاتصالات مجرد “جبايات وريع” وليس خدمة تنموية سيادية، فلن يتحرك هذا الملف قيد أنملة.
وعموماً،
وقبل أن أضع خطتي العاجلة للمئة يوم الأولى والخطوات الاستراتيجية اللاحقة،
اطلعتُ على التقرير الدولي الشامل الصادر عن مركز النمو الدولي (IGC) ومبادرة هشاشة الدول (SFI)، ورغم أهمية التوصيات الهيكلية والسياسية التي شملها التقرير ، إلا أنها تعاملت مع الواقع بـ “مثالية ” وكأن التسوية السياسية الشاملة قد تمت فعلاً، وهو ما لم يحدث بعد (ولا نعلم متى؟!)،
ولأن الأزمات الخدمية الحادة لا تنتظر الطاولات السياسية، وبحكم طريقتي وعقليتي التنفيذية الإيجابية، فقد قررت الانتقال من المربع البيروقراطي (الذي يربط الإصلاح بالحلول السياسية الشاملة) إلى “عقلية الصدمة التنفيذية الإيجابية”، هذا في ظني هو الخيار الوحيد لإحداث تغيير ملموس وسريع يشعر به المواطن في عدن والمحافظات المحررة خلال أيام معدودة، مستنداً في ذلك إلى الدعم التنموي القوي من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، والزخم السياسي الموجه لصالح الحكومة الجديدة.
و كخطوة تمهيدية فورية، سأصدر قراراً بتشكيل فريق فني تنفيذي مصغر (غرفة طوارئ رقمية) يضم صفوة المختصين والخبراء من الوزارة ومؤسسة الاتصالات ، يُمنح تفويضاً كاملاً وصلاحيات استثنائية لمتابعة تنفيذ الخطة العاجلة وتحقيق الأهداف التالية:
أولاً: خطة الـ 100 يوم العاجلة (برنامج “إنقاذ الاتصالات الرقمية”)
- بما أن الإدارة العامة للمؤسسة العامة للاتصالات متواجدة في العاصمة المؤقتة عدن ، سأصدر توجيهاً سيادياً ملزماً بالإطلاق الفوري والواسع النطاق لخدمة “يمن فورجي” Yemen 4G في عدن وبقية المحافظات المحررة دون أي تأخير، مع الإزالة الفورية لكافة العوائق الإدارية، أو المالية، أو الجمركية التي تؤخر تدفق أجهزة المودم والشرائح ، وضمان توزيعها وبيعها للمواطنين والمؤسسات بالسعر الرسمي العادل لقطع دابر السوق السوداء.
- خدمات الجيل الرابع لشركة YOU جاهزة فنياً للعمل في عدن ، وبناء عليه سأصدر قراراً برفع التعليق فوراً والسماح بالتشغيل التجاري لبناء الثقة في الشارع ، بالتوازي مع تجميد النزاع القانوني والضريبي الحالي وإحالته للفريق الفني لوضع تسوية مالية ملزمة ومجدولة خلال مدة (60-90 يوماً)، وتشرط هذه التسوية إلزام الشركة بافتتاح فرعها الإقليمي في عدن خلال أسبوع واحد يمتلك تفويضاً تشغيلياً ومالياً كاملاً للمناطق المحررة ، يليه مكتب آخر في المكلا، لضمان السيادة وتدفق الإيرادات الضريبية مباشرة إلى البنك المركزي في عدن.
- إلزام إدارة شركة “يمن موبايل” (باعتبارها شركة مختلطة تمتلك مؤسسة الاتصالات الحصة السوقية الأكبر) بفتح فرع متكامل ومستقل في العاصمة عدن يمتلك كامل الصلاحيات الإقليمية لإدارة الشبكات والعمليات في المناطق المحررة ، والبدء الفوري في إطلاق خدمات الـ 4G المتقدمة وتقنية VoLTE بشكل سلس، مما يحمي الشبكة الوطنية من التجزئة الكاملة ويضمن حقوق المشتركين.
- من الخطأ التجاري الفادح والمقيد للسوق أن تتحول الوزارة أو مؤسسة الاتصالات إلى “موزع تجزئة” أو وكيل حصري لخدمة Starlink، و بناءً عليه، يتم الانسحاب فوراً من العملية البيعية المرهقة والتحول كاملاً إلى الدور السيادي الحقيقي: (منح التراخيص، وإدارة الترددات، والرقابة لحماية الأمن القومي)، في المقابل، يُفتح الباب على مصراعيه للموردين والوكلاء من القطاع الخاص لاستيراد الأجهزة وتوزيعها تنافسياً ، مما يخفض الكلفة على المشترك ويقضي على التهريب تماماً عبر المنافذ الرسمية.
ثانياً: التوجه الاستراتيجي (الهيكلة والحوكمة: 1 – 3 سنوات)
- تفكيك وإعادة هيكلة المؤسسة العامة للاتصالات الى شركة الاتصالات اليمنية و هيئة تنظيم الاتصالات اليمنية وهذا عبر:
- سحب كامل الصلاحيات التنظيمية والرقابية من مؤسسة الاتصالات والوزارة، لتكون الهيئة الجديدة حكماً مستقلاً يضمن تكافؤ الفرص، ويمنع الاحتكار، ويدير الطيف الترددي بعادلة بين جميع الشركات (يمن موبايل، يو، سبأفون، والمشغل الحكومي وغيرهم ).
- تحويل وهيكلة القطاع التشغيلي للمؤسسة العامة للاتصالات إلى شركة تجارية بحتة تعمل بعقلية القطاع الخاص وبمرونة تنافسية تضمن طرح وترقية خدماتها لكافة المواطنين بكفاءة عالية.
- تعاني “عدن نت” حالياً من غياب الإطار القانوني واللوائح ومجلس الإدارة، ولذا فالخيار الاستراتيجي الأفضل هو دمجها بالكامل كقطاع النطاق العريض اللاسلكي الواعد داخل “شركة الاتصالات اليمنية Yemen Telecom ” الجديدة ، لإنهاء تداخل الصلاحيات الحالي وتوحيد الجهود مع شركة تيليمن عدن.
- خلال 2 إلى 3 سنوات، يتم تهيئة “شركة الاتصالات اليمنية” الكبرى (بعد دمج المؤسسة وعدن نت وتيليمن) لطرح جزء من أسهمها للاكتتاب العام للمواطنين والمستثمرين، تحتفظ الوزارة بالحصة الحاكمة والسيادية، لكن الإدارة تخضع بالكامل لقواعد حوكمة القطاع الخاص الصارمة لضمان الشفافية وجلب رؤوس أموال ضخمة لتحديث الشبكات والألياف الضوئية.
- اعتماد نظام “مبيعات الجملة” والشبكات الافتراضية (MVNO)، حيث تقوم الشركة الوطنية Yemen Telecom وبقية شركات الاتصالات الكبرى ببيع سعات الإنترنت والبيانات الضخمة بالجملة من المصدر لشركات محليّة صغيرة أو شبكات مجتمعية ريفية، هذه الشركات الناشئة تتولى كلفة فتح الفروع، والتركيب، وتتبع السداد، مما يرفع العبء التشغيلي والبيروقراطي عن كاهل الدولة والشركات الكبيرة وينشر التغطية بسرعة فائقة في الأطراف والمناطق النائية، هذا المسار سيفتح الباب لنمو قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة كشركات اتصالات افتراضية واعدة تعمل بنموذج (B2B).
- فتح مسار تفاوضي استراتيجي لإدخال كبار المشغلين في المنطقة (مثل STC أو Zain) كشريك استراتيجي في الشركة الوطنية الجديدة Yemen Telecom أو عبر رخصة مشغل محمول خامس بتقنية الجيل الخامس (5G)، هذا الوجود الإقليمي سيجلب تمويلاً استثمارياً ضخماً، ويضمن نقل تكنولوجيا متطورة، ويشكل ضمانة أمنية وسيادية للبنية التحتية الرقمية في عدن واليمن عموماً.
ثالثاً: الهندسة التشريعية والتنظيمية (العبور الآمن)
- لأن النفوذ والمصالح الحالية قد يربكان خطتي بالكامل، سأعتمد “هندسة تشريعية ذكية” لتحويل أصحاب النفوذ والمستثمرين من مربع عرقلة الإصلاحات إلى مربع الشراكة التجارية والاستثمار المفيد.
- إصدار لائحة مستعجلة تؤسس لـ “الشركات المالية غير البنكية” المتخصصة في التكنولوجيا المالية (FinTech) والنقد الرقمي (كما نجحت سلطات صنعاء في فرضه واقعاً كاستجابة مرنة للأزمة وهذه المرونة ليست ابتكار وانما المعمول به اقليمياً وعالمياً).
- إصدار لائحة لتنظيم المشغل الافتراضي والشبكات المجتمعية فوراً، و لن نبدأ من الصفر، بل سنستفيد من نموذج التي تم تطويرها في صنعاء (ولم يتم تفعيلها بعد) وهنا سنعمل على تطويرها بما يتوافق مع السيادة الرقمية للحكومة الشرعية، وبما يضمن معايير فنية موحدة تسهل منح رخص التوزيع الفرعية للشركات الصغيرة، ويضع ضوابط عادلة لأسعار الجملة والتجزئة لحماية المستهلك، وهذا الإجراء يسمح بانشاء مئات الشركات الصغيرة التي ستوصل الخدمة لآخر قرية في اليمن ، مما يدمج قوى النفوذ والمستثمرين المحليين في استثمار اتصالات حقيقي بنظام الجيل الجديد، وليس مجرد وكلاء لبيع الشرائح، مع إعفاء الوزارة من الأعباء اللوجستية التي تؤخر الشمول الرقمي.
- بما أن قانون الاتصالات رقم 38 لسنة 1991 (المعدل عام 1996) قديم جداً ولا يواكب العصر الرقمي ، لكنه يمنح وزارة الاتصالات صلاحيات واسعة لإدارة وتفويض المؤسسة، فلن انتظر البرلمان المتعطل، بل سيتم العمل وفقاً للقانون والتفويض لإصدار “لوائح جديدة وتعديل الهيكلة التنظيمية للمؤسسة”، هذا المسار سيتيح قانوناً سحب قطاع التشغيل التجاري (يمن فورجي، عدن نت، والاتصال الأرضي) ودمجهما في الكيان التجاري المستقل “شركة الاتصالات اليمنية”، وتجريد المؤسسة العامة من دورها غير الصحي كـ “منظم ومنافس” في آن واحد.
- تفعيل هيئة تنظيم الاتصالات (النموذج المصري ): استصدار قرار عاجل من رئيس مجلس القيادة الرئاسي (المستند لشرعية المبادرة الخليجية واتفاق الرياض) لإنشاء “هيئة تنظيم الاتصالات اليمنية” وتحديد نظامها الأساسي فوراً كحل انتقالي. سأعتمد هنا على “الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر” كبنية مرجعية؛ حيث ستتولى الهيئة إدارة الطيف الترددي، وتسوية النزاعات المالية والضريبية بين الشركات، ومنع الاحتكار أو التسعير الافتراسي ، لتعود الوزارة لدورها السيادي المشرّع فقط. وكإجراء احتياطي لضمان النزاهة المطلقة وبناء الثقة في الـ 100 يوم الأولى، سيتم إشراك الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والبنك المركزي بعدن كعناصر رقابية ومالية مؤقتة داخل الهيئة لتعزيز ثقة المستثمرين والممول الإقليمي.
- لائحة السلامة الرقمية ومكافحة الجرائم الإلكترونية: الفراغ التنظيمي الحالي يترك البيانات القومية وبيانات المستهلكين مكشوفة ومعرضة للاختراقات والتجسس. سأصدر لائحة عاجلة ومؤقتة للأمن السيبراني، تفرض معايير أمنية صارمة على الشركات في حفظ وتشفير سجلات المشتركين ، مما يمنح الشركات والشركاء الإقليميين والدوليين (مثل STC أو الموردين لستارلينك) “الطمأنينة القانونية والأمنية والاستثمارية” اللازمة لضخ استثماراتهم الرأسمالية الضخمة إلى عدن واليمن وبناء بنية تحتية رقمية تليق بالمستقبل.
هذه خارطة طريقي.. لاصلاح قطاع الاتصالات انطلاقاً من عدن والى اليمن،
رؤية تنفيدية، اعتقد أنها واقعية، وقابلة للتنفيذ بدعم مجلس القيادة والحكومة والحليف الاستراتيجية (السعودية) حيث تجمع بين التقنية السريعة والحسم القانوني والاحتواء المناسب،
ولأن عدن وكل اليمن يستحقان واقعاً رقمياً أفضل، اليوم قبل الغد!
فما رأيكم؟
وماذا يمكن ان كنت في هذا الموقع متخذ القرار الأول في قطاع الاتصالات؟
اصلح الله بالكم ،
احمد مبارك بشير
18/06/2026