ماذا لو كنت في موقع متخذ القرار؟

ملف الكهرباء

انقاذ الكهرباء 2 - ماذا لو كنت في موقع متخذ القرار؟ 1

ماذا لو كنت في موقع متخذ القرار؟

ملف الكهرباء

مرحباً بالجميع،

وضعت استفساراً في تغريدة سريعة على صفحتي في الفيس،

ذلك السؤال، وضعته للتفكير الجمعي، وفتح الباب للنقاش ،

ماذا لو… ؟

وهنا فكرت بالسؤال الآتي،

و بدلاً عن الاستمرار في توجيه السهام ونقد الواقع المرير،

ماذا لو كنتَ أنت أو أنا في موقع القرار الأول؟ كرئيس للوزراء أو وزير للكهرباء،

تعيش وتدرك حجم المعاناة اليومية وتتحمل أمانة هذا الملف الثقيل، فماذا كنت ستفعل؟

بناءً على هذا السؤال،

وضعتُ نفسي في هذا الموضع، وفكرت في خطواتي الأولى خلال أول 100 يوم.

بالتأكيد سيكون عدد منكم فكر، ان الخطوة التقليدية تتمثل في عقد اجتماع عاجل مع قيادات الوزارة والمؤسسة العامة للكهرباء وفروعها لفهم التفاصيل،

ولكن

 ولنكن صريحين:

المشكلة لم تعد غامضة، الوضع معروف، ومُشخص، ومعاد تشخيصه مرات كثيرة، لم نعد بحاجة إلى لجنة جديدة تكتشف أن الليل مظلم والنهار حار.

لذلك،

لن أضيع الوقت في اللجان الاستكشافية، بل بخريطة عمل مباشرة من مسارين متوازيين:

  1. مسار عاجل وفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتشغيل ما يمكن تشغيله.
  2. مسار استراتيجي مرحلي يعالج أصل المشكلة خلال سنة إلى خمس سنوات.

وسأختار للعمل معي فريقاً صغيراً ومؤهلاً، أسميه هنا:

فريق إنقاذ الكهرباء.

هذه الخريطة هي الرؤية التي سأتقدم بها إلى الأشقاء في المملكة العربية السعودية، بوصفهم الشريك الاستراتيجي في التنمية والإعمار،

وفي الوقت نفسه، لن أنتظر انتهاء التفاوض على الدعم الاستراتيجي،

بل سأبدأ مع فريق إنقاذ الكهرباء التنفيذ الفوري على الأرض، وفق المحاور التالية:

أولاً: المسار العاجل والفوري (أول 100 يوم – المعالجة الفورية وإنقاذ الصيف)

  • الهدف هنا ليس وعد الناس بمعجزة توليد شاملة، هذا كلام جميل على الورق، لكنه لا يضيء بيتاً، الهدف الواقعي يتمثل في إدارة القدرة المتاحة بذكاء وعدالة، وإيقاف الهدر المالي والفني، وتقليل الفوضى التي تلتهم ما تبقى من الخدمة عن طريق:
  • إصدار قرار فوري بتشكيل مجلس تنظيم أنشطة الكهرباء وتعيين أعضائه الأربعة المتفرغين استناداً للمادة 7 من قانون الكهرباء رقم 1 لسنة 2009، هذا المجلس سيكون المرجعية لتنظيم السوق وإصدار لوائح التشغيل للقطاع الخاص.
  • الجلوس فوراً مع ملاك الفنادق الكبرى، المولات، والمستشفيات الخاصة، وإبلاغهم بقرار فصلهم عن الشبكة العامة (لفترة سنة او سنتين)
  • و خلال ساعات الذروة في الصيف الملتهب، وإلزامهم بالاعتماد الكلي على مولداتهم الخاصة،
  • في المقابل، نبرم معهم عقود “إزاحة أحمال” تمنحهم تسهيلات جمركية وضريبية مؤقتة على وقود ومعدات توليدهم ” بالاتفاق مع الجهات المعنية للتنفيذ”،
  • هذه الخطوة ستوفر طاقة حيوية لتوجيهها مباشرة للأسر.
  • هذه المنشآت غالباً تملك مولدات أو تستطيع توفير بدائل تشغيلية أفضل من الأسرة الفقيرة التي لا تملك إلا لمبة ومروحة، لذلك، فإن تحويل جزء من القدرة المتاحة إلى المنازل خلال الصيف ليس فقط إجراء فنياً، بل إجراء عادل اجتماعياً.
  • إطلاق حملة أمنية وفنية واسعة لربط العدادات الرسمية، وقطع الربط العشوائي الذي تسبب فيه التوسع العمراني غير المنظم،
  • أي عقار يستهلك الكهرباء بلا عداد، أو يرفض تصحيح وضعه، يجب أن يفصل وفق القانون. لا توجد دولة في العالم تستطيع تشغيل كهرباء مجانية وعشوائية ثم نتوقع خدمة مستقرة، هذه ليست كهرباء، هذه حفلة مفتوحة على حساب المواطن الملتزم.
  • وأيضاً ، سأدفع باتجاه إدارة التوزيع والتحصيل في بعض الأحياء عبر امتيازات محلية لشركات صغيرة مؤهلة من القطاع الخاص، تحت رقابة مجلس تنظيم الكهرباء، تبيع الدولة الطاقة بالجملة لهم، وتتولى هذه الشركات التحصيل والرقابة وخدمة المشتركين وفق عقود واضحة ومؤشرات أداء محددة.
  • هذا النموذج يمكن أن يقلل الفاقد، ويحسن التحصيل، ويعيد الانضباط التدريجي إلى الشبكة.
  • سأوجه فوراً بدراسة وتنفيذ ربط محطات التوليد المركزية، مثل محطة الرئيس في عدن، بأنابيب ضخ مباشرة من الميناء حيثما كان ذلك ممكناً فنياً وأمنياً،
  • هذا الإجراء سيقلل كلفة النقل البري، ويحد من فرص التسرب والتهريب والعمولات غير المشروعة، ويغلق باباً كبيراً من أبواب الهدر.
  • وسيرافق ذلك تركيب عدادات تدفق رقمية على نقاط التحميل والتفريغ، بحيث نعرف بدقة: كم خرج من الميناء؟ وكم وصل إلى المحطة؟ وأين اختفى الفرق إن وجد؟
  • سأستمر في الاستفادة من منحة المشتقات النفطية السعودية، لكنني لن أتعامل معها كحل دائم.
  • هذه المنحة يجب أن تكون جسر عبور مؤقتاً لاستقرار التشغيل خلال أشهر حرجة، لا بديلاً عن إصلاح المنظومة.
  • الدعم الذي يذهب كل شهر إلى الوقود دون إصلاح جذري يشبه من يصب الماء في قربة مثقوبة، ثم يندهش لماذا لا تمتلئ.

ثانياً: المسار الاستراتيجي المرحلي (من 1 إلى 5 سنوات – المعالجة الجذرية والاستدامة)

  • بعد إجراءات الإنقاذ الأولى، يجب أن ننتقل من عقلية إطفاء الحرائق إلى عقلية المستثمر والمطور المؤسسي، فأزمة الكهرباء في اليمن ليست فقط أزمة وقود، بل أزمة نموذج كامل: توليد، ونقل، وتوزيع، وتحصيل، وحوكمة، وتعرفة، وفساد، وضعف ثقة:
  • المنطق الذي سأتحدث به مع الأشقاء في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن سيكون واضحاً:
  • بدلاً من استمرار إنفاق عشرات الملايين من الدولارات على وقود يستهلك شهرياً ثم نعود إلى نقطة الصفر،
  • فلنحوّل جزءاً كبيراً من هذا الدعم، على مدى عامين أو ثلاثة مثلاً، إلى برنامج استثماري واسع لبناء محطات غازية استراتيجية، وتأهيل شبكة النقل، وتحديث منظومة التوزيع والتحصيل.
  • ويمكن تصميم هذا البرنامج بحيث تسترد الاستثمارات تدريجياً من عوائد النظام نفسه بعد تحسن التحصيل، وخفض الفاقد، واستقرار الخدمة.  
  • سأبدأ فوراً في إعادة هيكلة المؤسسة العامة للكهرباء، بالشراكة الفنية مع الجانب السعودي بالتعاون مع بيوت خبرة متخصصة، لتحويلها تدريجياً إلى شركة حكومية تجارية قوية، تعمل بعقلية مؤسسية لا بعقلية مرفق منهك.
  • المطلوب هنا إعادة بناء نموذج العمل الإداري والمالي، بما يشمل الحوكمة، ونظم المشتريات، وإدارة المخاطر، والتحصيل، وخدمة المشتركين، والرقابة الداخلية، والتقارير التشغيلية.
  • عندها فقط يمكن لشركة الكهرباء الحكومية أن تكون (نداً) و شريكاً حقيقياً في مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص PPP، لا طرفاً ضعيفاً يوقع عقوداً لا يستطيع إدارتها.
  • بالتعاون مع هيئة الاستثمار، سأفتح الباب أمام الشركات الخاصة للاستثمار في التوليد والتوزيع، ضمن قواعد واضحة،
  • في المرحلة الأولى، يمكن أن تلعب شركة الكهرباء الحكومية دور “المشتري الوحيد”، فتشتري الطاقة من المستثمرين بعقود عادلة وشفافة، ثم توزعها عبر الشبكة أو عبر امتيازات توزيع منظمة.
  • هذا النموذج يساعد على جذب الاستثمار، وحماية الشبكة، ومنع الاحتكار، وخلق منافسة تدريجية تخفض التكلفة وتحسن الخدمة.
  • سأعيد إطلاق مشروع خطوط النقل والربط الوطني الذي تعطل منذ سنوات تحديداً من 2011، لأن التوليد بلا نقل فعال يعني أن الطاقة قد توجد في مكان، بينما الظلام يبقى في مكان آخر.
  • شبكة النقل هي العمود الفقري لأي منظومة كهرباء محترمة، من دونها سنظل نعيش في جزر كهربائية متفرقة، كل محافظة تبحث عن حلها الخاص، وكل محطة تعمل وكأنها دولة مستقلة.
  • الربط الوطني سيتيح تبادل الطاقة بين المحافظات، ويقلل الفاقد الفني، ويحسن كفاءة التشغيل، ويفتح الباب أمام مشاريع توليد أكبر وأكثر جدوى.
  • سأوجه جزءاً من البرنامج الاستثماري لإصلاح قدرات مصافي عدن وصافر وما يرتبط بهما من بنية تشغيلية، بحيث نستفيد من الغاز المحلي والوقود المكرر وطنياً قدر الإمكان.
  • لا معنى أن نستورد الوقود بتكلفة مرتفعة بينما لدينا فرص محلية يمكن أن تخفف الفاتورة إذا أُديرت بكفاءة وشفافية.
  • الاعتماد التدريجي على الغاز المحلي والوقود المنتج أو المكرر محلياً يمكن أن يكون أحد أهم مفاتيح خفض كلفة التشغيل.
  • سأشترط في المحطات الغازية الجديدة، وأدفع لتطوير القائم منها حيثما أمكن، اعتماد نظام الدورة المركبة، و الفكرة ببساطة:
  • نستغل حرارة العوادم لإنتاج طاقة إضافية دون حرق وقود جديد، وهذا منطق اقتصادي. إذا كنت تدفع ثمن الوقود بالدولار، فمن غير المعقول أن تترك جزءاً كبيراً من طاقته يخرج مع العادم ثم نشكو من العجز.
  • لضمان حقوق المستثمرين والداعمين ومنهم الأشقاء في المملكة ، سأدفع باتجاه إنشاء حسابات ضمان مستقلة ومحمية، تصب فيها إيرادات العدادات الذكية ومسبقة الدفع مباشرة.
  • هذه الحسابات يجب أن تكون مخصصة لسداد التزامات الطاقة، وتمويل الصيانة، والتوسع، وخدمة الدين أو عوائد الاستثمار، بعيداً عن البيروقراطية والتدخلات والفساد.
  • لا يمكن أن نطلب من المستثمر أن يضع أمواله في قطاع منهك، ثم نقول له: انتظر حتى تنتهي الدورة الورقية المعتادة. المستثمر لا يعمل بالدعاء، بل بالضمانات.

وفي الختام اعزائي،

إذا امتلكت القيادة السياسية الإرادة الفعلية، فإن إطلاق هذه التجربة من العاصمة المؤقتة عدن، ثم تعميمها تدريجياً، يمكن أن يكون أحد أكثر المسارات واقعية للخروج من الأزمة. (وهنا أقول احد المسارات، ولا اعلم ان كان لدى القيادة والحكومة مسار أكثر نضجاً، وبدأ العمل عليه).

فالقوانين موجودة ويمكن تفعيلها.

والشركاء يمكن أن يدعموا إذا وجدوا خطة حوكمة حقيقية.

والقطاع الخاص يمكن أن يدخل إذا وجدت قواعد عادلة وواضحة.

أزمة الكهرباء لم تكن يوماً في انعدام الحلول فقط،

بل في غياب الجرأة على اتخاذ القرار، وفي ترك شبكات المصالح الضيقة تلتهم الدولة من الداخل.

هذا ما كنت سأفعله لو كنت في موقع متخذ القرار الأول في ملف الكهرباء.

فماذا كنت ستفعل أنت؟

ودعونا نفكر لاحقاً في سؤال آخر:

ماذا لو كنت في موقع القرار لمعالجة ملف الاتصالات أو المرور أو الغلاء والحد من البطالة؟

أصلح الله بالكم.

وللحديث بقية إن شاء الله.

مودتي،

احمد مبارك بشير

‏11‏/06‏/2026

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.