يوسف أيها الصديق ح 42 – قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 42 – قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

فكان يعقوب يفكر في يوسف، أين هو من مصر إن كان تفرسه صحيحا، وفي أي حال هو وكيف وصل إلى هناك؟ متى تنتهي المأساة مع أولاده الذين يصرون على ضلالهم ولا يتركون غيهم وتآمرهم عليه وعلى يوسف؟

هذا التشتت الفكري يُعبَّر عنه بالبث والعلم عند الله تعالى.

وأما الحزن فهو واضح للجميع بأنه حزين على فراق يوسف لأنه كان يعتقد بأنه حي يُرزق.

وأما قوله لهم بأنه يعلم من الله ما لا يعلمون فهو لا زال غير واضح المقصود لمن كان يسمع منه تلك الجملة.

إنه لا يسمح لنفسه أن يفصح عما يعرفه عن رسالة يوسف التي استيقن بها حينما ذكر يوسف قصة المنام له. ومن الطبيعي أن يشعر أولاده هذه المرة بأن الأب ليس فقط مصرا على أن يوسف حي بل يصر على أن يوسف وأخوه موجودان في مصر 68.

لقد فجر يعقوب موضوعا خطيرا وجديدا أمام أبنائه هذه المرة فلم يكتف بالقول أنه يعلم من الله ما لا يعلمون دون الإفصاح الكامل بل أضاف إليه هذه المرة ما يلي:

يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴿87﴾

ازدادت حيرة الإخوة حينما طلب منهم أبوهم أن يعودوا إلى مصر هذه المرة ولكن ليس بقصد جلب المتاع والطعام بل بقصد البحث عن يوسف وأخيه. وتعبيره: تحسسوا، يعني أن يستفيدوا من حواسهم للبحث عن يوسف.

وكلمة التحسس في عمق معناها تختلف عن التجسس المرادفة لها نسبيا لأن التجسس قد يكون لغرض كشف آراء الناس وأفكارهم وهو محرم شرعا بصورة عامة في القرآن الكريم وهو كتاب التسليم إلى الله تعالى والتسليم هو دين من سبق من الأنبياء وليس خاصا بالمسلمين.

لكن التحسس مقصود للبحث عن مفقود فهو ممدوح. والعرب يستعملون مثلا تعبير جس النبض للكشف عما في الخواطر ولا يقولون حس النبض كما أنهم لا يستعملون جذر التجسس إن كان المقصود هو العثور على مفقود دون السعي للكشف عن الملابسات والأسباب.

هذا النوع من القول زرع الثقة في قلوب الإخوان بأن الأب يريد ابنيه فقط ولا يرغب باكتشاف الأسباب حتى تنجلي مؤامرتهم التي سعوا ولا زالوا يجدون في إخفائها.

لكنهم غير آمنين من يوسف نفسه الذي سوف يكشف كل شيء لأبويه. بالطبع أنهم لم يشعروا أبدا بأن يوسف في مصر ولم يفكروا إطلاقا في أن الذي أخذ أخاهم منهم هو يوسف.

لم يكتف الأب بأن يأمرهم بالعودة لغرض البحث عن الأخوين ولكنه أضاف حقيقة في نظام الألوهية ألا ييأس المرء من روح الله تعالى 69.

ومعنى الرَّوح بالفتح هو الراحة كما قاله أرباب اللغة فعلا والمقصود من الرحمة أيضا هو تحصيل الراحة النفسية لمن يلتمس رحمة الله تعالى من ذوي الإدراك.

لقد انتهت فرصة أبناء يعقوب وستتم الفضيحة قريبا.

شد الإخوة الآبقون رحالهم باتجاه مصر ليس للبحث عن أخويهم بل لجلب الحبوب وإن شئنا قلنا لجلب العار والفضيحة. وقبل أن نسافر معهم إلى مهجر بني إسرائيل علينا الانتباه إلى الحقيقة التالية:

من الطبيعي أن نفكر بأن يوسف قد أخبر الملك بأنه في صدد نقل أسرته إلى مصر وأخذ منه الموافقة على ذلك. إنه مقدم على دعوة أسرة فقيرة معدومة لا تملك الأكل إلى بلد غني يمد المنطقة بحاجاتها حتى المأكل.

من أين يأتي بالمال ليُسكنهم أرض الخيرات المصرية؟

ومن الطبيعي أن نفكر بأن يوسف قد حضي بثقة الملك وحاشيته حينما رأوا وشاهدوا قدرته على المواجهة العاقلة مع المجاعة التي كانت بانتظارهم. رأوه كيف غطى المنطقة كلها بالطعام حينما شحت السماء عليهم من فوقهم وجف النيل من تحتهم.

ورأينا بأن مصر تتمتع بنظام صارم لا يسمح حتى للوزراء أن يتجاوزوا قوانين الدولة ولذلك لم يتمكن يوسف من أخذ أخيه بدون المكر الذي علمه الله تعالى.

فمما لا شك فيه بأن الملك كان على علم بالقصة يوم عاد الإخوة إليه للمرة الثالثة.

أما بعد هذا لنعد إلى بني إسرائيل المصرّين على الكذب والمؤامرة وهم يعودون إلى مصر ويأخذون أخاهم الأكبر معهم مرة أخرى للاسترحام من العزيز.

إنهم كانوا أكثر اختيالا حينما دخلوا للمرة الأولى على العزيز و طالبوه بمنحهم سهم الأخ الذي لم يحضر معهم. وكانوا أكثر اختيالا أيضا حينما قالوا بأنهم ليسوا سارقين ولكن الذي سرق هو بسبب ما ورثه من أمه بدليل أن أخاه قد سرق أيضا.

هذه الأسرة المختالة التي لم تسمع نصيحة الذي يفتخرون بانتسابهم له وهو إسرائيل عليه السلام، دخلت على العزيز متلبسة جلباب الخنوع والذل إلى آخر الحدود.

فعلوا كل ذلك لأجل المال ولم يعلموا ما ينتظرهم من انكشاف أمرهم وما سيفرض عليهم لأن يعودوا إلى أبيهم وأسرتهم ويعترفوا بكل ذل بأنهم كانوا كذابين متآمرين طيلة العقود التي مضت.

جزا الله تعالى يوسف خيرا ان مرّغ أنوفهم بالتراب قبل فترة لعلهم يتورعون، وجزاه خيرا حينما فرض عليهم أن يعودوا بأنفسهم إلى أبيهم ويعترفوا بالفضيحة أمام أمه وأبيه وبقية أفراد الأسرة المثالية الكريمة. ولنقرأ قصة الفضيحة التي اختصرها الله تعالى في عدة آيات من الكتاب الكريم.

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴿88﴾

يعرف يوسف أباه يعقوب ويعلم بأنه لا يمكن أن يرسلهم هذه المرة لجلب الحبوب. يعرف يوسف بأن أباه شريك معه في الرسالة وبأن عليهما أن يصلحا أصول هذه الأمة العظيمة التي ستنمو في أعظم بلد في الأرض ليتمكنوا من حمل أول كتاب سماوي للإنس والجن.

لم يقم إخوة يوسف بتحسس يوسف وأخيه بل ذهبوا رأسا إلى يوسف لشراء الحبوب بما لديهم من بضاعة.

ومن الواضح أنهم غير قادرين على البحث عنهما بعد أن يحملوا الحبوب معهم على رحالهم. ولا أدري ما هي الفرية التي فكروا فيها ليواجهوا بها أباهم الذي ينتظر منهم العودة بأخبار أخويهم؟ لعلهم فكروا بأن يعقوب سوف يسكت عنهم حينما يراهم محملين بما يشبع بطونهم!

إنهم ماديون لا يهتمون بغير المال مع الأسف ويظنون بأن الادخار والجمع هو أصل الحياة. دخلوا على يوسف ويوسف ينتظر منهم رسالة من أبيه أو سؤالا عن مكان يوسف و أخيه. لكنهم واجهوه بكل ذل طالبين منه أن يقبل بضاعتهم غير المتكافئة التي أتوا بها ثمناً لما ينتظرونه من كيل كامل للمونة.

لم يقل لهم أبوهم بأن يذكروا فقرهم المدقع للعزيز ولكنهم قالوا ذلك وهم لا يعلمون أن أخاهم الأبي الشهم واقف أمامهم وسوف يزعجه كثيرا أن يراهم في تلك الحالة البائسة. إنهم طلبوا مقابلة العزيز ليسترحموه.

مسنا الضر: تعني بأن الفقر داهمنا فأزال منا كل نعمة. فالمس تعني وصول الضر إلى أبدانهم بحيث يشعرونه تماما.

والضر تعني كلما يضر المرء والمقصود هنا هو الفقر.

وأما البضاعة المزجاة: فتعني القليلة التي لا تناسب ثمن ما ينتظرونه من متاع ليحاربوا به الجوع.

فالمزجاة من زجا يزجو أي ساق الشيء بسهولة لقلة وزنه أو رخص ثمنه.

وأوف لنا الكيل: تعني أعطنا كيل بعير كامل لكل فرد منا لمسيس حاجتنا. وطلبوا الصدقة باعتبار أن العزيز منحهم مكاييل كاملة في المرة الأولى معيدا إليهم الثمن الذي قدموه مقابل المتاع فعرفوه إنسانا كثير الإحسان.

وقد عرف العزيز نفسه عليهم بأنه من المحسنين. ثم إنهم أحسوا بأن العزيز يؤمن ويثق بالله تعالى فجاءوه من حيث يحب. لقد تعلموا أسلوب التعامل مع الأفراد بعد أن قال لهم أبوهم لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة.

إنهم في مسيرهم يوازون مسيرة يوسف وأبيهم ولا يلتقون أبدا. فهما يريدان إصلاحهم وهم يريدون جمع المال. انهما يعتمدان على الله تعالى ويتحليان بالصدق ، وهم يعتمدون على المال و يتشبثون بالكذب.

أظن بأن يوسف صدم حينما رآهم يطلبون المتاع بكل خنوع ولا ينفذون أمر أبيهم. إنه يعرف بأن مأموريتهم هي البحث عنه وعن أخيه وليس طلب الطعام. فأبدى عدم الاهتمام الكامل بطلبهم و..

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴿89﴾

نزل ردّ يوسف عليهم نزول الصخرة المتحدرة من شاهق. انتهى موعد المؤامرة وبدأت ساعة الاعتراف.

هذا يوسف في زي وزارة فرعون مصر العظيم. إنه فعلا يوسف الذي يستجوبنا بهذا اللحن القاسي ونحن إخوانه الذين نكبره سنا! لقد صغرنا في عينيه وتضاءلت قيمتنا الإنسانية والعائلية.

لم يكن ليخطر ببالهم أن يعرِّف يوسف نفسه لهم وهم يشحذون منه الصدقة. لقد تحقق ليوسف وحي ربه حينما أدخلوه الجب:

فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (15).

هذه نتيجة صدق الصادقين وتلك عاقبة الكذابين المفترين. يا للعار ولكن ليس لديهم حيلة أو مكر الآن. القوة السياسية والإدارية والمال والملك كلها بيد يوسف اليوم. أرادوا أن يخل لهم وجه أبيهم بطرد يوسف، وها هم وأبوهم وكل الأسرة يحتاجون إلى يوسف.

لقد فعلوا ما فعلوا بحق يوسف وأخطأوا ما أخطأوا بحق أخيه ثم إنهم كذبوا على أبيهم وأصروا وأسروا عقودا دون أن يتقبل الأب ادعاءهم.

وآخر الأنباء أنهم خرجوا من عند أبيهم للتحسس عن يوسف وأخيه ولكنهم جاؤوا يتشحذون.

مصير أسود حالك ولكنهم في النهاية بنو إسرائيل.

إن الذين يستمرون في الكذب والمراوغة فإنهم ينتظرون مثل هذه الساعة العصيبة. ها هي الحقيقة فرضت نفسها عليهم فسقطت عنهم كل الأغطية. جمعوا كل شجاعتهم وواجهوا مصيرهم متقبلين كل العواقب. ردوا على أخيهم مستفسرين عنه و..

قَالُواْ أَ إِنَّكَ َلأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿90﴾

لا زال يوسف متهكما. يريد وبكل خلوص أن يصنع بني إسرائيل صناعة حسنة قوية ولكن بني إسرائيل قد لا يبلغون طموحه.

سؤالهم “أ إنك” لا يعني الجهل بل يدل على المفاجأة غير المنتظرة. لم يتوقعوا أن يكون أباهم مصيبا في أن يوسف حي في مصر ولم يخطر ببالهم أن يبلغ يوسف وزارة أعظم إمبراطورية في الكرة الأرضية آنذاك. إسرائيلي فقير يتبوأ من مصر حيث يشاء ويصدر الأوامر لمختلف الأطياف الوظيفية في مستقر الأهرام العظيمة.

فالتأكيد في المقطع الأول بإنك لبيان الهول الواقع عليهم ثم أبدوا بعض الارتياح بإكمال السؤال ولكن بلغة التأكيد مرة أخرى “لأنت يوسف”.

يعنون: قبلنا بكل ذهول أنك حقا يوسف. لكن يوسف متهكم ومتألم منهم ومن سخافة عقولهم وسوء تدبيرهم وهم إخوانه الذين يفترض أنهم يرثون من صفات إبراهيم وإسحاق ليبنوا أكبر أسرة محافظة بين الشعوب المؤمنة بالله تعالى.

هي اختبار سماوي مواز لاختبار أولاد إسماعيل ومن تبعهم من العرب بدون النظر إلى تماسكهم الأسري.

سوف تتبارى الأسرتان معا مستقبلا ليرى الله تعالى ويرينا الفرق بين الاهتمام بالأسرة والاهتمام بالقانون إلى يوم القيامة، والعلم عند الله تعالى.

أجابهم أخوهم: أنا يوسف وأضاف: و هذا أخي. أراد أن يكسر خياشيمهم مرة أخرى بعد أن وصفوهما بالسرقة لينفوا عن أنفسهم انتسابهما الكامل إليهم لأنهم أكبر من أن يسرقوا! أراد أن يقول لهم: نحن لم نسرق حقاً، ولكنكم أنتم أبديتم الذل والصغار أمام مسؤول مصري ووصمتم جبين إسرائيل بالعار.

لم يكتف بذلك بل أضاف بعد قوله: هذا أخي؛ قد من الله علينا. أراد أن يقول لهم بأنهما موضع ثقة الله تعالى ورحمته والله يعز عباده المخلصين ويرفع شأنهم ويذل المسيئين ويحطم كيانهم.

كلهم أولاد النبيين و يعرفون بأن منن الله تعالى على الإنسان تدل على غاية الشرف والعز وتنبئ عن اهتمام الجبار العظيم بعبده المخلص له وحده.

وأردف يوسف مبينا حقيقة علمية: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. قال لهم ذلك ليخبرهم بأن العزة كلها عند الله تعالى الذي لا ينظر إلى شرف العائلة ولا يهتم بكرامة الأسرة ولا مجدَ عنده لغير التقوى والصبر.

التقوى من الذي يستحق أن يُتقى والصبر على كل مصيبة في سبيل إرضاء السيد المتعال. الإنسان الذي يترفع عن الرضوخ للمصيبة ولا يبدي الاهتمام الكبير بالملمات لهو المحسن الذي يتقبله الله تعالى.

ذلك حق فسيد الكائنات يختار من بين عبيده من لا ينسى بأنه عبد للجبار العظيم فتهون عليه كل صعوبة لأنه في النهاية محسوب على العلي العظيم جل جلاله وليس من فئة الأذلاء الذين يضطربون عند كل مصيبةٍ يختبرهم بها ربهم.

إنه محسن في فعاله وعبد خاضع لرب واحد أحد قوي لا يمكن أن ينسى الذين لا يلوذون بغيره ولا يدينون إلا له سبحانه وتعالى.

انهار إخوة يوسف أمام المنطق القوي وشعروا بالصَّغار بعد أن أراهم أخوهم بأن ربه أحسن إليه  ومنحه القوة السياسية والعزة والعلم والإرادة القوية.

أقفلت أمامهم كل أبواب المكر والفرار فأجمعوا كل قواهم وعزموا على الاعتراف بالحقيقة مهما كانت صعبة ومرة.

ها هو يوسف يفوقهم فعلا وهو لم يكسب ما كسب عن طريق المكر والظلم بل لجأ إلى ربه في كل مواقفه فكسب الخير من سيد الكائنات جل جلاله ولذلك وبدون أي تكتم أو تحايل وبدون أي اعتزاز بأمهم أو بأبيهم:

قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴿91﴾

لقد صدقه إخوانه وليس لهم يد عليه ولا بد لهم إلا أن يصدقوه. منطقٌ قوي ومتمسَّك قهار ومُلك ظاهري دنيوي بارز! لم تفارقهم الحيرة ولم يتركهم الهلع فأقسموا متعجبين بتاء القسم بالله العظيم.

أرادوا الاعتراف بالخطأ إذ لا مجال للمراوغة ولكنهم فضلوا أن يعترفوا بعدالة السماء قبل الاعتراف بالذنب، فقالو: لقد آثرك الله علينا.

يعنون بجملتهم أنك فعلا تستحق أن تسمو علينا فآثرك الله تعالى الذي لا يفعل إلا الصحيح ولا يريد إلا العدل والحق. أتوا باسم الله تعالى إلها ولم يأتوا باسمه ربا ليعترفوا له بأنه يستحق باعتبار أن نظام الألوهية يهتم بالقانون العام الذي يساير العدالة المطلقة والذي به يدير الله تعالى مختلف الكائنات ويخضعها جميعا لإرادته الجازمة القوية التي تأخذ طريق التنفيذ في كل جوانب الكون بسهولة ويسر.

لكن منطلق الربوبية يختلف فهو ينظر إلى حاجة الموجود أكثر من اهتمامه بالنظام العام المسيطر على كل الكائنات، والعلم عند العليم الحكيم.

والأثر برأيي بناء على ما فهمتُه من أرباب اللغة العربية، هو لاحقٌ يُرى يدل على سابقٍ كان، أو فَعَلَ أمرا في ظرف.

وآثر من الإيثار وهو إفعال أصله الإئثار وقد بدلوا الهمزة الثانية ياءا للتسهيل. و يحتاج في تحققه إلى فاعل ومفعول هو صاحب الأثرة ومفعول ثان هو الذي وقع فيه أو عليه الأثر. 

فتارة يقوم الشخص بتفضيل شخص آخر على نفسه فهو يؤثره على نفسه ليفضله أو يقوم شخص ثالث بذلك التفضيل.

ونسبة التفضيل إلى الله تعالى في هذه الآية لبيان عجز المفضَّل بنفسه عن التأثير بدون إرادة القهار عز اسمه. أرادوا إثبات أهمية المراحل التي تم بها ذلك الظهور المتجلي ليوسف وهو فعلا خارج عن قدرة البشر كما عرفنا وكما بينه لنا الفرقان العظيم في مختلف مراحل التحولات المقصودة بتيسير منه تعالى وحده.

كلام إخوة يوسف في غاية الدقة والإمعان ولا غرو فهم أبناء إسرائيل العبقري الكبير.

وأما قولهم: وإن كنا لخاطئين، فهو كلام بليغ ومتين أيضا.

أرادوا أن يقولوا ليوسف بأنهم معترفون بالذنب ولذلك أضافوا لام التأكيد على توصيفهم أنفسهم بالخاطئين ولكنهم أرادوا أن يجزموا له بأن السبب في تفضيل السماء إياه عليهم ليس هو بسبب خطئهم بل يوسف يستحق ما حباه الله تعالى به بنفسه.

ولذلك أضافوا إن كنا، على اعترافهم بالخطأ. فمعنى الآية والعلم عند ربنا: نؤكد اعترافنا بخطئنا ولعل لخطأِنا سبب فرعي لتفضيلك، ولكنك أنت بما رأيناه منك أكثر منا علما وفضلا وإيمانا، فتستحق هذا التفضيل بغض النظر عن تعرضك لظلمنا وما أخطأناه في حقك.

و نقرأ في أغوار اعترافهم بأنهم يقرون ليوسف استحقاقه لما وصل إليه من مظاهر النعمة الإلهية حتى لو لم يكن متعرضا لما أصابه من قسوةٍ من أقرب الناس إليه أو من غيرهم. ولولا هذا القصد لاكتفوا بقول: ونحن خاطئون.

أدرك يوسف عمق الندم الذي تمثل به إخوانه فتغيرت لهجته وعاملهم معاملة الأخ لأخيه تاركا كل ما أصابه وأخاه من ظلمهم وراء ظهره مكتفيا بما أولاه الله تعالى ربه من فضل واضح عليهم جميعا. ولعل الذي تفوه بتلك الجمل البليغة نيابة عنهم جميعا هو أخوهم الأكبر.

ثم إن يوسف شعر بأن الظلم الذي أصاب أخاه الأصغر كان أقل منه بكثير فسمح لنفسه أن يغفر لهم ما قسوا به على أخيه الصغير أيضا ولذلك،

قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿92﴾

أغلب الظن هو أن يوسف أراد بقوله لا تثريب معنى لا تقريع أو لا لوم عليهم آنذاك. فيكون معنى كلامه الموجه لنفسه وأخيه الصغير أن يستنكفا عن تذكير ما فعله إخوانهما ضدهما في حضورهم بعد ذلك اليوم.

وكلمة تثريب عربية استعملها العرب قبل القرآن بدليل يثرب ولكني لا أعرف كيف توصل علماء اللغة إلى معنى التقريع من كلمة كانت تدل على الشحمة الرقيقة كما يقولون.

لكننا نقرأ رسالة الآية من لحن يوسف حيث من الواضح أنه أراد إدخال الطمأنينة في قلب إخوانه بأنهم في سلام منه.

وأما إضافته “اليوم” فمقصوده الحياة الدنيا برأيي، بمعنى أنهم في أمان من أي قرع دنيوي من ذوي الشأن باعتبار أن المتضرر الحقيقي من بين المخاطبين هناك هو نفسه والمتضرر الأقل تأثرا أخوه الصغير الذي يتبعه ولا يخالف أمره كما يبدو 70.

ولنواصل سيرنا مع ما حصل للإخوة في حضرة أخيهم، وماذا حدث بعد تلك المفاجأة الصاعقة؟ وما هو حال يعقوب في تلك الأثناء؟ فيعقوب لا ينتظر أخبار يوسف وأخيه وهو يعلم من الله تعالى بأنهما بخير، بقدر ما ينتظر انتهاء اختبار أبنائه الذين عصوا واتبعوا سبيل المفسدين 71.

يبتع …..

(هامش 68: هناك إشكال علمي على يعقوب بأنه لو كان صادقا في قوله بأنه يشكو بثه وحزنه إلى الله لا إلى غيره فلماذا يتفوه به أمام أولاده؟

إنه نبي يعلم بأن الله تعالى يسمع أصوات القلوب وليس من الأدب أن يتجاهر بالشكوى أمامه بل كمال الأدب أن يسر مع ربه في قلبه دون الجهر من القول.

والواقع أنه يقوم بعملين منويين في آن واحد. إنه يريد أن يهدي أبناءه ليقولوا له الحقيقة فيرتاحوا غدا من مساءلة رب العالمين أمام المحكمة الكبرى كما أنه يريد أن يشكو بثه وحزنه إلى ربه.

فلحن قوله يدل على أنه يقصد أمرا مرتبطا بالأولاد في تجاهره بقوله يا أسفى على يوسف. لكن هذا القصد خيرٌ بنية نشر الهدى بين الأولاد وليس بنية التشفي كما تراءى للأبناء أنفسهم.

فهو حينما قال إنما أشكو، أراد أن يحصر المشتكى إليه في الله تعالى ولم يرد أن يحصر قوله في بيان الشكوى. إنه تفوه بكلام يدعو به أبناءه للانتهاء من كتمان الحقيقة وإغلاق باب الكذب الذي طال أمده.

فالشكوى إلى الله تعالى فعلا ولكن الجهر بها بغرض الدعوة إلى الهدى. مثاله مثال المرأة التي ذهبت إلى رسول الله تشكو زوجها إلى الله تعالى بقلبها ولكنها تجادل رسول الله في نفس القصة.

لعلها كانت تجادل الرسول باعتبار أن زوجها واحد من صحابته وقد ظلمها.

ويعقوب يشكو إلى ربه لينجيه من عذابه ولكنه بنفس الكلام يسعى لأن يهدي أبناءه الذين سببوا له كل هذا البلاء.   نهاية الهامش 68.)

(هامش 69:   قال العلامة الطباطبائي في الميزان: الرَّوح بالفتح فالسكون النفس أو النفس الطيب و يكنى به عن الحالة التي هي ضد التعب و هي الراحة و ذلك أن الشدة التي فيها انقطاع الأسباب و انسداد طرق النجاة تتصور اختناقا و كظما للإنسان و بالمقابلة الخروج إلى فسحة الفرج و الظفر بالعافية تنفسا و روحا لقولهم يفرج الهم و ينفس الكرب فالروح المنسوب إليه تعالى هو الفرج بعد الشدة بإذن الله و مشيته، و على من يؤمن بالله أن يعتقد أن الله يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد لا قاهر لمشيته و لا معقب لحكمه، و ليس له أن ييأس من روح الله و يقنط من رحمته فإنه تحديد لقدرته و في معنى الكفر بإحاطته و سعة رحمته كما قال تعالى حاكيا عن لسان يعقوب (عليه السلام): “أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون” و قال حاكيا عن لسان إبراهيم (عليه السلام): “و من يقنط من رحمة ربه إلا الضالون”: الحجر: 56، و قد عد اليأس من روح الله في الأخبار المأثورة من الكبائر الموبقة.         انتهى.

تحليل العلامة في غاية الجمال ولذلك أبيت إلا أن أنقله بالكامل. ولكن تفسيري للواقع الذي عاشه الإخوة مع أبيهم في تلك اللحظات هو هكذا:

لم يعتن الأب أبدا بإصرار أولاده على موت يوسف وبأنهم لا يرون أي معنى للبحث عن شخص رأوه ميتا. أراد أن يقول لهم بكل جزم كذبتم ولا تسعوا لإخفاء كذبكم. لقد ضيعتم أخويكم لأنكم بعيدون عن رحمة الله تعالى. ألا ترون أنكم اليوم مفتقرون إلى حنطة مصر وقد فقدتم خيرات السماء؟ وأنا أقول لكم عن علم بأن يوسف وأخاه كلاهما في مصر فاذهبوا للتحسس عن أخويكم المفقودين ولا تقصدوا غير الله تعالى ليساعدكم.

إنه عليه السلام منعهم من اليأس من رحمة الله تعالى في الواقع ولكنه بدل مفهوم الرحمة بالرَّوح ليعطيهم معنى أوسع مما في أذهانهم لعلهم ينتبهوا إلى أن ربهم محيط بكل شيء وبأنه تعالى لا يمكن أن يمنحهم الراحة قبل أن يعودوا إليه مذعنين.

كان إخوان يوسف يفكرون في كل شيء إلا الله تعالى فيحيكون المؤامرات وهم يظنون بأن ما يرونه بأعينهم هو النتيجة المرجوة من سعيهم. هذه حقيقة يهودية مؤسفة بأنهم يؤمنون بالله تعالى كثيرا ويتفاخرون على الأمم بأنهم شعب الله المختار ولكنهم لا يثقون بالله العظيم. إنهم يثقون بأموالهم وأولادهم وقدراتهم والأرض التي تؤمن حياتهم أكثر من ثقتهم بالذي بيده ملكوت كل شيء.

أراد يعقوب ويوسف معاً أن يعينوا آباء بني إسرائيل على تجاوز هذه الرذيلة الموبقة ولكنهما كما سنرى قريبا لم يفلحا وبقي بنو إسرائيل على ماديتهم وثقتهم الضعيفة بالله تعالى.

فهو عليه السلام أراد إفهام أولاده بأن الاطمئنان النفسي الذي يبحثون عنه ويبحث عنه كل إنسان لن يتأتى دون عناية السماء. فعلى العاقل المؤمن أن يشعر دائما بأن الله تعالى محيط به وبأنه مالك ومدير لكل الحركات وبأن النتائج والمتغيرات كلها بيده سبحانه دون أن يشك في شيء منها وإلا فهو كافر ببعض ما هو من خصائص الألوهية قبل الربوبية.

وأعني بذلك أن الله تعالى لو لم يكن كذلك فكيف أخضع الكائنات لنفسه جل جلاله قبل أن يربيها ويساعدها للتعايش أو التواجد السلمي مع بعضها البعض؟

أراد يعقوب من أولاده ألا يسافروا إلى مصر هذه المرة بغية جلب الحبوب بل يقصدوا استدرار رحمة ربهم للعثور على أخويهم متنازلين عن كذبتهم التي بنوا عليها كيانهم البائد. عليهم أن يستغفروا ربهم ويعلموا بأنهم لم يتمكنوا من إقناع نبي من أنبياء الله تعالى بقبول الباطل.

لكنهم لم يتورعوا ولم يطيعوا رسول الله تعالى وجمعوا بضاعة ليذهبوا إلى مصر لجلب المزيد من الحبوب.

وحينما نلاحظ الكذابين فنرى بأن الله تعالى يعطيهم فرصة كبيرة لعلهم يعودوا ويعترفوا أمام من كذبوا عليهم حتى يمن عليهم ربهم برحمته ولكنهم قلما يعودوا. هناك يفضحهم الله تعالى ويري الناس حقيقتهم كما نراه ونسمعه من أخبار الملوك وأصحاب المتاجر والكثير من الناس الذين يعيشون على الكذب.       نهاية الهامش 69.)

(هامش 70: يجب أن نعرف بأن الله تعالى يختبر عبيده فيما يصيبهم بها من امتحانات دنيوية ليميز الخبيث من الطيب، فالطرف الأساسي للمطالبة بإنزال العقاب أو تعيين الثواب هو الله تعالى نفسه.

الكثيرون يظنون بأن حقوق الناس لا يمكن تلافيها إلا بإرضائهم وقد نسوا بأن الناس جميعا عبيد لرب العالمين فالواجب في المرتبة الأولى إرضاء رب العالمين وليس إرضاءهم.

ثم إن هدف رب العالمين كشف حقائق الناس فهو قد اكتشف حقائق إخوان يوسف بأن اختبرهم في أقرب الناس إليهم فلم يفوزوا. نعم ليوسف حق دنيوي يمكنه التغاضي عنه أو المطالبة به وهذا لا يؤثر أبدا في آخرة الظالمين.

فيوسف يعفو عن حقه الدنيوي الثابت له، ولكن النتائج الطبيعية للأعمال في الدنيا ويتلوها الجزاء الأوفى في الآخرة هي بيد رب العباد وحده. ولذلك دعا لهم أخوهم مستغفرا ومذكرا نفسه وإياهم بأن ربهم هو أرحم الراحمين.

وجدير بكل إنسان يؤمن بنظام الألوهية الذي يحكم الكائنات ولا يمكن أن يغفل عن مراعاة العدالة أن يفهم بأن الله تعالى الذي يتولى كل الحكم والتقدير لوحده وبدون أي تأثير من أي من الكائنات فهو في نفس الوقت أرحم من أي رحيم.

لو عرفوا ذلك لما ذهبوا للبحث عمن يساعدهم ضد ربهم. لو كان هناك إمكانية للمساعدة فإن الله تعالى هو أولى بأن يساعد عبيده فهو المالك الحقيقي لهم جميعا وهو الذي أوجدهم ورباهم وساعدهم فكيف لا يكون أرحم إليهم من كل رحيم.

أتمنى أن نفكّر جميعا كمؤمنين في حقيقة هذه المسألة التي تفوه بها يوسف أمام إخوانه ليقول لهم بأن ربهم في النهاية أرحم بهم من أخيهم ومن أبيهم كما كان أرحم به منهم ومن أبيهم أيضا.

لو قيل ليعقوب بأن ابنك مرشح لذلك النيل العظيم لو تجشم عناء السقوط في الجب والتغرب عن الوطن من صغر سنه والبيع في سوق النخاسة ثم العذاب النفسي من امرأة العزيز متلوا بالسجن لعدة سنوات، لقال لا أريد له ذلك دون شك.

وأما يوسف نفسه فلم يملك الشجاعة لقبول كل ذلك بداية ولكنه يوم القيامة سيقول يا ليتني منيت أكثر من ذلك فأفوز بالمزيد من السعادة الأبدية.

هكذا يكون الله تعالى بتقديراته أيضا أرحم الراحمين لنا من كل أهلنا ومن أنفسنا أيضا. سبحانه من كريم لا يُضاهى ورحيم لا يُجارى.            نهاية الهامش 70.)

(هامش 71:   قبل أن ننتقل للمقاطع الأخرى من القصة الكبرى فإنني أرى من الضروري أن أتطرق لرأي أخينا  الطباطبائي الذي سعى لفهم هذه الآيات الجميلة ولكشف أغوارها البعيدة وقال كلاما جميلا بحق ولكنه غير مصيب – في رأيي- وقد يسبب بعض الاضطراب لمن يطلع عليه.

قال في الميزان: وإنما قيد نفي التثريب باليوم ليدل على مكانة صفحه و إغماضه عن الانتقام منهم و الظرف هذا الظرف هو عزيز مصر أوتي النبوة و الحكم و علم الأحاديث و معه أخوه و هم أذلاء بين يديه معترفون بالخطيئة. انتهى كلام الطباطبائي.

أظن بأن يوسف أكبر من أن يفكر في أن يمن على إخوانه هكذا. والآية لا تدل على ذلك. وهو عليه السلام لم ينسب أي فضل لنفسه بل لله تعالى وحده فهو الغفار وهو أرحم الراحمين.

إنه برأيي كان متألما من أنهم يشعرون بالذل أمام إنسان قبل أن يعرفوا بأنه أخوهم يوسف. وسعيُ يوسف لكسر أنوفهم لم يكن لإرغامهم على طاعته بل لكسر الكبرياء العائلي في قلوبهم فيعودوا إلى الله تعالى الغني الفياض ويتخلوا عن تولي البشر والتمسك بالتجمعات العرقية البشرية الفقيرة بطبيعتها.

ولو قال يوسف بدلا عن ذلك: اليوم لا تثريب عليكم، لكان لاحتمال العلامة بعض المجال. ذلك باعتبار أن أصحاب الشأن عادة ما يبدؤون بذكر الظرف (اليوم، هنا، الآن) ليلفتوا الأنظار إلى أهمية الظرف الذي يتمتع فيه الخطيب بالقوة والعزيمة.

لكنهم لا يختمون بالظرف القوي إلا إذا أرادوا التكرار. ولا أظن بأن لذلك الترتيب دليل علمي عدا السماع.

فالابتداء بعدم التقريع هو لنفي التقريع ولنفي النية فيه تماما وليس في ذلك أي تذكير أو تنبيه إياهم بالقوى التي يتمتع بها النبي يوسف.

لو نقرأ الآية التالية من نهاية سورة التوبة التي تتحدث عن نبينا وهو نموذج لإخوانه الأنبياء والرسل سنرى كيف يتعامل الرسل مع قومهم بمن فيهم أسرهم:

لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128).

وقال الطباطبائي أيضا في ختام تفسير الآية الكريمة: ثم دعا لهم و استغفر بقوله: “يغفر الله لكم و هو أرحم الراحمين” و هذا دعاء و استغفار منه لإخوته الذين ظلموه جميعا و إن كان الحاضرون عنده اليوم بعضهم لا جميعهم كما يستفاد من قوله تعالى الآتي: “قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم” و سيجيء إن شاء الله تعالى. انتهى كلام الطباطبائي.

وهذا الرأي أيضا غير دقيق بظني. أحتمل بأن الأستاذ الفاضل لم يكن منتبها لحقيقة قيام يوسف بصناعة بني إسرائيل أولا ثم غفل كما أرى بأن من واجب الأنبياء أن يكملوا رسالتهم قبل كل أمر آخر.

كان بإمكان يوسف أن يقول لهم من أول رؤية بأنه أخوهم فيدخل السرور في قلبي أبويه أيضا بأسرع وقت ممكن. كان يمكن له بعد أن فاز بالوزارة في مصر أن يبعث رسلا إلى أهله ويدعوهم أو يخبرهم بمكانه وبأنه نجا من المهالك.

إنه دون شك كان يحمل رسالة السماء لتصحيح مسار آباء بني إسرائيل ولتعديل أفكارهم العنصرية والعرقية الساذجة.

إن كل المجريات التي ذكرها الله تعالى تسير في هذا الاتجاه فلا يجوز له تجاهل بعض إخوانه. إنهم جميعا كانوا حاضرين دون أدنى شك.

هذا ما وعده الله تعالى وهو في مهوى الجب بأنه سينبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون. لم يستثن الله تعالى أحدا منهم. وأما الإشكال الذي يشير إليه في نهاية كلامه وقد وضعت تحته خط فسوف أتحدث عنه حينما نصل للآية الكريمة بإذن الله تعالى.  نهاية الهامش 71.)

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s