بحث قرآني حول النبي إبراهيم عليه السلام


بحث قرآني حول النبي إبراهيم عليه السلام

فيما يلي رسائل متبادلة بين الأحباب في مركز تطوير الفقه السني الذي تغير اسمه فيما بعد إلى مركز تطوير الفقه الإسلامي. أعيد نشرها اليوم لعلها تفيد المؤمنين الذين يحبون القرآن الكريم. ولا ننس بأن نتذكر أخانا الكبير المرحوم كمال شاهين الذي أسهم كثيرا في بيان المناقشات والتعليق عليها. رحم الله الأستاذ الدكتور كمال شاهين وجزاه خير جزاء المحسنين الذي أسس وأدار المركز بإخلاص وإتقان.

أحمد المُهري

16/12/2019

حدود الممكن – مقال فضيلة الشيخ الطحاينة

أرسل إلينا المفكر الإسلامي عبد السلام المياحي رسالة تحوي مقالة كتبها المفكر الإسلامي قصي الموسوي. تقدم مقالة الأستاذ قصي الموسوي “فهمًا” جديدا غير مسبوق لسورة الصافات. كتب إلينا فضيلة الشيخ الطحاينة رسالة يدين فيها ما كتبه الأستاذ قصي الموسوي. كتب إلينا كذلك رسالة يبين فيها فضيلة الشيخ أحمد المهري اختلافه مع ما يذهب إليه الأستاذ قصي.

لا تحتاج مقالة الأستاذ قصي الموسوي إلى أكثر من التهنئة على أنه فتح الباب لرؤية جديدة لسورة الصافات. لا يهم هنا على الإطلاق ما إذا كان قد أصاب أم أخطأ. المهم أنه حاول ونجح في تقديم فهم جديد يتفق مع الحس الخلقي الجديد لدى المسلمين ويختلف عن الفهم البدائي لقدامى المفسرين الذين عبروا خير تعبير عن الحس الخلقي المتدني لمجتمعات “النخاسة” التي عاشوا فيها.

لا يحتاج مقال فضيلة الشيخ أحمد المُهري إلى أكثر من أن نهنيء أنفسنا على وجوده بيننا وإعطائنا نموذجا رائعا للأستاذية. مقال رائع في “أدب الاختلاف”. حيا الله شيخنا الفاضل, وأسبغ عليه موفور الصحة والعافية, وأطال في عمره, وأفادنا وأفاد المسلمين من علمه. رائع.

إذا كان مقال المفكر الإسلامي الكبير سيادة الأستاذ قصي الموسوي لا يحتاج إلى أكثر من التهنئة, وإذا كان مقال فضيلة الشيخ أحمد المُهري لا يحتاج كذلك إلى أكثر من الاعتراف بالفضل, فإن مقال فضيلة الشيخ الطحاينة يحتاج إلى كثير من الاهتمام. يعود ذلك إلى أن رسالة فضيلته تعبر عن فهم لدنيا الله ودين الله يقوم, أساسًا, على فكرة معادية لدين الله. إذ يؤمن فضيلته بأن الله قد خلق عالما فوضى لا يحكمه قانون كما خلق أيضا آخرة فوضى لا يحكمها قانون هي الأخرى, وعليه فكل شيء ممكن.

المشكلة الأساسية في رسالة فضيلة الشيخ الطحاينة, بهذا الشكل, هي أنه “يتخيل” أننا نعيش في عالم كل شيء فيه ممكن. عالم لا تحكمه أية قوانين, ولا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحدث فيه, ولا توجد به أية قواعد من أي نوع, لا فيزيائية, ولا كيميائية, ولا أخلاقية, ولا اجتماعية, وبالتالي لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحدث فيه إطلاقًا, وعلى الإطلاق المطلق. وهذا موقف خاطيء من أساسه, والدليل على ذلك هو قدرة خليفة الله في أرض الله على التحكم فيما خلق الله على أرض الله. أي قدرة الكائن البشري على التحكم في الطبيعة نيتجة قدرته على الكشف عن القوانين التي تحكم الظواهر الطبيعي, وهو أمر لم يكن ليحدث لو لم يكن الله قد خلق عالما “منتظمًا” يمكن التنبؤ بما يحدث فيه, وأعطى الإنسان عقلاً قادرًا على فهم هذا العالم والكشف عن القوانين التي تحكمه ومن ثم “التحكُّم” فيه. لم يكن “خليفة الله” ليستطيع الحياة في “دنيا الله” لو كانت “الدنيا فوضى”. لم يكن خليفة الله كذلك ليستطيع أن يحيا في دنيا الله لو كانت دنيا الله نظامية تحكمها سنن إلهية وكان هو فاقد العقل. باختصار, لا يستطيع خليفة الله أن يحيا في دنيا الله إلا إذا كانت دنيا الله “نظامية” وكان خليفة الله قادرًا على كشف النظام.

المسألة, إذن, ليست فوضى, وفكرة أن كل شيء ممكن هي فكرة خاطئة على جميع المستويات. من الخطأ, مثلا, أن “يتخيل” فضيلة الشيخ الطحاينة أن “من الممكن” أن يجد المسلمون أنفسهم في “مصيبة” يوم القيامة حين يكتشفون أن لا حساب هناك, ولا عقاب, ولا ثواب, بل ولا يحزنون, وإنما كان الأمر مجرد “مقلب” كبير تم إعداده بهدف “التسلية”.

سوف أكون شاكرًا غاية الشكر لو بين لي فضيلة الشيخ خطئي فيما أذهب إليه من أن “الدنيا ليست فوضى” كما أن “الآخرة ليست فوضى”. أرجو من الله أن أكون قد أوضحت أن القول بأن الدنيا فوضى أو أن الآخرة فوضى هو قول “ينسف” دين الله من أساسه. أي دين في “كون” لا يحكمه قانون؟ أي دين عندما يكون “من الممكن” ألا يكون هناك حساب, ولا عقاب, ولا ثواب, ولا جنة, ولا نار, وإنما مجرد صفيحة زبالة لإلقاء خلفاء الله فيها. القول بأن كل شيء ممكن قول آثم.

لا أستطيع أن أنهي هذا التعليق قبل الإشارة إلى أن فكرة أن “كل شيء ممكن” هي فكرة أساسية من أفكار المرحلة الثانية من مراحل نمو الإدراك كما بينها بياجيه. أوضح بياجيه أن التعرف على “حدود الممكن” يبدأ في المرحلة الثالثة ولا يكتمل إلا باكتمال المرحلة الرابعة. أي أن الطفل البشري في المرحلة الثانية يتخيل أن كل شيء ممكن ولا يبدأ في التعرف على أنه هناك أشياء غير ممكنه إلا مع بلوغه الخامسة أو السادسة من العمر. من الضروري الإشارة هنا كذلك إلى أن الثقافة العربية, مثلها في ذلك مثل كل الثقافات البدائية الأخرى, ليست بدعًا بين الثقافات إذ تتخيل كل الثقافات البدائية أن كل شيء ممكن. يعود ذلك, في التحليل النهائي, إلى ضعف معرفة هذه الثقافات بالطريقة التي يعمل بها العالم. بصورة أوضح بكثير, ما الفرق بين ما كانت تعرفة القبائل العربية في القرن الأول الهجري عن الطريقة التي يعمل بها العالم وبين ما كان يعرفة الهنود الحمر؟

يقول فضيلة الشيخ الطحاينة:

“القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين ولا يفهم إلا باللسان العربي الشريف. ومن أشد الناس حمقاً من يظن أنه يفهم العربية أكثر من العرب أنفسهم. ومن أشد الناس حمقاً من يخترع للكلام العربي معنى لم يسبقه إليه عربي. لقد أجمع الأولون والآخرون على أن المقصود بالآيات الكريمة الذبح الحقيقي الذي هو (قطع الرأس) حسب تعبير هذا العلماني حاليًا الرافض سابقًا. ولم يقل أحد قط بأن المقصود شيء آخر مطلقًا. ولو علم هذا العلماني أنه (لا إله إلا الله) وفهم هذه القاعدة العلمية الحقة المطلقة لما استشكل الآيات الكريمة مطلقًا.

إن معنى (لا إله إلا الله) أي لا شيء مطلقاً لغير الله تعالى مطلقاً. كل شيء لله تعالى مطلقًا, مطلقًا, مطلقا. ومن ثم فكل شيء يخضع لله تعالى لا سواه. علم أبونا إبراهيم هذه القاعدة علماً حقاً متيقناً فعلم مما علم ان ابنه إسماعيل ليس له وعلم علماً متيقناً أنه لله تعالى. أي أن لله تعالى أن يميت إسماعيل بالطريقة التي يشاء كما أنه خلقه كيف يشاء وركبه بالصورة التي يشاء…الخ. فإبراهيم كان يعلم أن لله تعالى أن يميت إسماعيل بسكتة قلبية, أو بأن توقصه دابة, أو بأن تلدغه عقرب أو حية, أو بأن يقتله شخص ما خطأ أو عمداً, أو أن يسلط أباه عليه ليقتله بالطريقة التي يشاء الله تعالى ومن ذلك الذبح. أي أن إبراهيم يعلم أن لله تعالى أن يأمره بذبح إسماعيل أو قتله بأية طريقة لأن إسماعيل لله تعالى وليس لإبراهيم فهو وأمره يخضع لله تعالى وليس لإبراهيم. عندما علم إبراهيم ذلك كله اقدم على ذبح ابنه دون تردد لعلمه أنه ليس له من الأمر شيء وأن الأمر كله لله تعالى وبما أن صاحب الأمر أمره بأن يذبح خلقاً من خلقه الذي هو ملك خالص له سبحانه فإنه ليس له إلا التسليم, وقد صدق بذلك قوله (أَسْلَمْتُ لَرَبِّ العَالَمِينَ). هذا هو ما يفعله من يشهد أنه (لا إله إلا الله) فهو يسلم لله تعالى في حقه في كل شيء, وفي أمر كل شيء, وفي كل أمر, وينفذ ما امره الله تعالى به, وينتهي عما نهاه الله تعالى عنه, ويقبل ما قضى الله تعالى به. أما المنافقون (وهم في عصرنا هذا العلمانيون, والباطنيون, والرافضة) فإنهم كما كانوا في أيام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى اليوم مرضى القلوب, مرجفين, لا يقبلون شيئاً من أمر الله فقد كرهوا ما أنزل الله (قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ). فأنصح هذا العلماني أن يتقي الله تعالى ويتذكر أنه سيقف فردًا أمام الله تعالى (أرجو أن لا يكون لديه تحريف باطني, رافضي, علماني, آخر حول يوم القيامة ينفي فيه حقيقة وقوع هذا اليوم). انتهى كلام فضيلته

يقول فضيلة الشيخ أحمد المُهري:

“سمعت مرارا عن كلمة أخي المكرم قصي الموسوي حول قصة إبراهيم وسعيه المشكور لإزالة الشكوك من القلوب وهو سعي جميل ليس لنا إلا أن نشكره وندعو له بالتوفيق، لكني لم أعرف تفاصيل خطابه الكريم ولم أتوفق للاستماع إلى الشريط. وأظن بأن الأخ عبد السلام يختصر ما قاله الأخ قصي أعلاه. وكان بعض الإخوة والأخوات في بيتي الليلة الماضية واثنان منهم يتحدثان عن نفس الموضوع. قال أحدهما بأن الأخ قصي قال بأن إبراهيم رفع مبنى الكعبة بمستوى جبينه فهو يعني بأن الغرفة كانت ناقصة متعذرة الدخول لأن الغرفة عادة ما تُرفع مقدارا فوق القامة فأظن بأنه لم يكن موفقا في هذه الجزئية. كنت ساكتا لأنني ما قرأت شيئا عن الموضوع حتى هذه الساعة.

بالطبع أنني ما قرأت كلما كتبه الأخ الفاضل عبد السلام ولكني قرأت شرح الآيات من الصافات فقط ومررت مرورا على المقدمات. فأرجو منه أو من الأخ قصي أن يوضحا ويرفعا الإشكالات التالية للمزيد من الفائدة.

1. قوله التالي: ولكن دون أنْ يكون إسماعيل قد قرر ذلك من تلقاء نفسه فهو لم يُستَشَرْ إطلاقا. طاقته تستنفد في عمل لا يدري ما أصله, ولا ما هي نتيجته؛ يتعارض مع ما في سورة البقرة: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128). فالعملية التي اشترك اسماعيل فيها مع أبيه هو تطهير البيت وهو إما مكة وإما بناء الكعبة ولكن العهد كان من الله تعالى لهما مشتركين فكيف ينسب إبراهيم فرض الجهد على إسماعيل إلى نفسه؟ ثم إن إسماعيل كان على كامل العلم وكان مشتركا مع أبيه في الدعاء إلى الله تعالى ليوفقهما ووو.

أنا أظن بأن بناء الكعبة غير تطهير البيت وأظن بأن البيت هو مكة كلها وعملية التطهير باعتبار أن مكة كانت بكة قبل أن يطهرها إبراهيم وإسماعيل بصريح القرآن ثم صارت مكة بعد تطهيرها. وعملية تطهير مكة أكبر وأكثر تعبا ومشقة من بناء الكعبة الرمزية. لا أظن بأن تطهير مكة تكون أقل من ألف مرة من بناء الكعبة. لاحظوا الحرم المكي الكبير وصعوبة تطهيرها من الصخور الطبيعية إثر اندكاك الدرع العربي المنشطر من الدرع النوبي بالدرع الموجود هناك.

وأما لو كان المقصود بناء الكعبة وهو عمل بسيط جدا وليس عملا مضنيا ولكنه عمل جميل وبديع وممتع ويمكنكم أن تسألوا البنائين الذين يقومون بمثل هذه الأعمال. هناك في البصرة تقوم بعض النساء مع أبنائهن ببناء غرفة أكثر ارتفاعا من القامة. وعلى كل حال فإن الآيتين 127 و128 أعلاه تشيران بوضوح إلى اتفاق بين إبراهيم وإسماعيل للقيام بالعمل وإلى أنهما دعوا الله تعالى حينما قاما بوضع القواعد فما معنى القول بأن إسماعيل لم يكن على علم وبأن إبراهيم فرض عليه العمل البسيط دون مسوغ؟

2. قولكم الكريم بأن فلانا ذبح ابنه في العمل هو قول صحيح في المنطق الفعلي. فنحن نستعمل الأفعال المجردة في مثل هذه المعاني فعلا فنقول ذبح أو قتل ونقصد بها الإتعاب أو الإرهاق، ولكن هل لديكم دليل بأن عرب الحجاز يوم نزول القرآن كانوا يستعملون نفس الصيغ لمثل هذه المعاني؟ تحتاجون إلى شواهد من الشعر أو النثر العربي القديم أو من القرآن نفسه. كلما نعرفه من القواعد العلمية بأن العربي كان ينقل الفعل من صيغة الثلاثي المجرد إلى صيغة التفعيل ليعطي المعنى الذي قصدتموه. فيقولون ذبّح وقتّل وقطّع ويقصدون غير الذبح والقتل والقطع المعروفة لدى العرب. هكذا يقصدون استمرار التعب بحيث يكاد يتعرض الشخص للموت ذبحا أو قتلا.

كما استعملوا التقطيع لبيان انهيار القوة. مثال ذلك قوله تعالى في سورة محمد: وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ، فهو يدل على أن الماء الحار أتعبهم وأزعج أمعاءهم ولا يدل على أن الماء الحميم قطع أمعائهم إلى قطع. ولكنه سبحانه لو قال: فقطع أمعاءهم لكن المعنى بأن أمعاءهم سوف تقطع فعلا وتنفصل عن بقية الأجهزة أو تنفصل وصلات. فأظن بأن ما تفضلتم به يحتاج إلى بعض الشواهد الواضحة من كلام القدماء لا من تعابيرنا الحديثة.

3. لو كان إبراهيم يشعر بأنه يُتعب إسماعيل دون مبرر أخلاقي وكان معنى الذبح كما تفضلتم به لقال له: إني أرى أني أذبحك فما رأيك. إنه يراه مذبوحا حسب تعبيركم فما هو دور المنام هنا؟ ولو فرضنا بأن إبراهيم لم يكن يدري فعلا بأن ابنه إسماعيل الذي اشترك معه في تطهير مكة من الصخور وإعدادها للسائحين قد تعب من بناء غرفة صغيرة قبل أن تصل إلى السقف فأراد أن يستعلم عن رأي ابنه في ما يُتعبه فلماذا قال لأبيه: يا أبت افعل ما تؤمر؟ قلتم بأن إبراهيم قد فرض البناء على ابنه دون مبرر فلو كان هناك أمر إلهي لبناء البيت فليس هناك أي قصور من إبراهيم؟ معنى جواب إسماعيل مع قبول تفسيركم الجميل هو أن الله تعالى قد أمر إبراهيم بأن يُتعب إسماعيل في بناء البيت حسب تعبيركم فلماذا قلتم بأن إبراهيم شعر بإرهاق ابنه دون مسوغ أخلاقي و شرعي. هل هناك أخلاق وشرع أهم من أمر الله تعالى؟

3. أليس استشارة إبراهيم لإسماعيل تدل على أن إسماعيل لم يكن طفلا كما أوهمتم بل كان شابا كبيرا في مقتبل العمر وقادرا على اتخاذ القرار حيث لا يجوز للعاقل أن يستند على قرارات غير البالغين؟ ولكن إبراهيم كان رجلا كبير السن بنص القرآن. قال تعالى في سورة إبراهيم: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء (39). فأظن بأن مسألة تعب إسماعيل غير وارد إطلاقا وهو ظن بعيد عن الحقيقة أو أنني أنا مخطئ فأكون شاكرا لتصحيح أخطائي.

4. أظن بأنكم تحتاجون إلى دليل قرآني بأن إبراهيم بنى الكعبة. إن أشعار العرب تدل على أن جرهم وقريش هم الذين بنوا الكعبة وليس إبراهيم. قال الشاعر المؤمن المرحوم زهير بن أبي سلمى في معلقته المعروفة:

فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم

فكل حديثكم التالي عن مبنى غير موضح بأن إبراهيم أقامه ويحتاج إلى بحث استدلالي قرآني أو بحث تاريخي أو بحث في الآثار وما شابه ذلك. إنني متعطش جدا لمعرفة أن إبراهيم بنى الكعبة أم غيره وأتمنى لو تسعفوني بدلائلكم التي سوف تلقى مني كل ترحيب.

5. قلتم بأن معنى قول إسماعيل: يا أبت افعل ما تؤمر، هو : فقد أعلن إسماعيل عن موافقته على العمل طواعية مع أبيه. كان إبراهيم كما تفضلتم في البداية مستخدما ابنه كمساعد له فكان على إسماعيل أن يقول له: يا أبت استمر في إرهاقي. وأما قوله: يا أبت افعل ما تؤمر، يعني بأن هناك أمرا صريحا من الله تعالى و يريد إبراهيم تنفيذه وليس الموضوع حول استمرار العمل في بناء تلك الغرفة الصغيرة.

6. بيانكم حول الفرق بين ستجدني صابرا وستجدني إن شاء الله من الصابرين جميل وأشكركم عليه. لكن مبالغتكم في بناء الغرفة الصغيرة ليست في مكانها. فمكة كانت مليئة بالصخور ولا يحتاج أحد للبحث عن الصخور. ثم إن الطين إما أنه كان على سطح الأرض أو أنهم بحثوا عنه في تلك البقعة التي لم تكن كبيرة كما تفضلتم. إنها واد محاط بالجبال والبحث عنه في مكان خارج عن نطاق الوادي يحتاج إلى دليل. لقد تم إضافة الكثير من الاحتمالات غير الدقيقة برأيي. العمل كان في منتهى البساطة ولم يكن هناك أية مشقة على اسماعيل الشاب أبدا ولم يقل الله تعالى ولم يشر إلى مثل هذه التخيلات التي تفضلتم بها.

7. قلتم بأن ضمير الهاء في و تله للجبين يعود إلى البيت. قرأت السورة من بدايتها فلم أجد فيها أي ذكر للبيت فكيف أعدتم الضمير إلى البيت؟ قد يكون إرجاع الضمير لشيء لم يُذكر مسألة تعسفية فأرجو الاهتمام بهذا الإشكال وإرشادي إلى الطريقة التي توصلتم بها إلى البيت. لقد قبلتم مثل غيركم بأن الضمائر تعود إلى أسماء ظاهرة عادة ولو أعدناها إلى اسم باطني فلا يكفينا الخيال بل نحتاج إلى دليل مانع جامع.

8. تفضلتم بالتالي حين تفسيركم لجملة وتله للجبين من الآية الكريمة: فالأمر المتلول إلى الجبين هو البيت وليس إسماعيل. يبدو بأنكم فسرتم فعل تلَّ بالبناء أو بما يدل على رفع حيطان الغرفة الصغيرة وغير المرتفعة حسب ظنكم. كيف توصلتم إلى هذا المعنى من واقع المنهج اللفظي الترتيلي والذي يبدو من اسمه بأنكم تهتمون بوضع الكلمات المشابهة بجوار بعضها البعض لفهم معنى لها أو وضع الجمل المشابهة مرتلة؟ ولكن جذر تلل مذكور مرة واحدة في القرآن وهو هنا فقط. ولم أجد لغويا من علماء اللغة القدامى يقول ذلك. أعني من أين أتيتم بهذا المعنى؟

9. قرأت البحث الجميل حول الواو على رأس آية: وناديناه وتعلمون بأن رأيي مشابه لرأيكم وهو أن كل الحروف القرآنية مقصودة ولا يحتوي القرآن على زيادات. كما أقبل بأن هناك ترابطا منطقيا بين الجملة التي تبدأ بالواو وما قبلها وأنا أقول دائما بأن هناك ترابطا حتى بين السورة وما قبلها فليس لي إشكال أساسي على هذا الموضوع. لكن سؤالي هو أن الغرفة لا تنتهي بانتهاء الحيطان والسقف في مكان وصفتموه بالصحراوي الذي لا ينطوي على النخيل أو ما تشابهها من أشجار تفيد للسقف. وقد أشار إليه إبراهيم نفسه: بواد غير ذي زرع. ولعلمكم فإن صحراء مكة ليست هي الكعبة وما حولها. والسقف في الواقع أهم بكثير من بناء الحيطان. واسمحوا لي أن أسأل سؤالا آخر قد يكون موضوعه مكررا وهو:

10. حينما نقرأ آيات البقرة التي ذكرتها في بداية تساؤلاتي أعلاه ننتبه بأن إبراهيم وإسماعيل كانا مشتركين في استلام أمر الله تعالى ببناء مكة وليس ببناء الكعبة. أستميحكم عذرا لأنقل الآيات مرة أخرى لنقرأها معا قراءة أكثر إمعانا:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128).

جعل الله البيت مثابة للناس وأمنا ولم يخص الكعبة بذلك بل الكعبة جزء من البيت. هناك بيت يسكنه إبراهيم وقد فصل الله تعالى بينه وبين البيت الكبير بكلمة مقام ومعناه البيت الذي يقيم فيه الشخص وقد وضح سبحانه المقيم بأنه إبراهيم. فبيت إبراهيم قد يكون المسجد الحرام أو أصغر من المسجد وليس هو الكعبة ولا البيت هو الكعبة. ويشير إبراهيم إلى ذلك البيت بقوله: رب اجعل هذا بلدا آمنا. وكل المسلمين يعتبرون مكة بلدا آمنا وليس فقط الكعبة ولا المسجد الحرام. وهذا يعود إلى مكة لبيانه: بلدا بعده.

وإبراهيم يرفع القواعد من مكة وهي البيت وهي البلد الذي دعا إبراهيم ليكون بلدا آمنا وكل الضمائر تعود إليه. لم يقل ربنا في أي مكان من القرآن بأن إبراهيم رفع القواعد من الكعبة كما لم يقل العرب السابقون ذلك أيضا والمفسرون لم يأتوا بدليل على ادعائهم وأنتم كذلك. عليكم أن تثبتوا هذه المسألة الأساسية قبل أن تسترسلوا في الحديث عن أمر أصله غير ثابت.

ثم إن رفع القواعد من البيت وقد فسرته أنا سابقا كالمفسرين وأظن بأنني أخطأت مثلهم، فهو يعني أمرا آخر. إنه تفسير لتطهير مكة من الصخور وقد وضحت الأمر مرارا وهو الأمر الشاق والصعب وليس بناء حيطان غرفة صغيرة. لو كان المقصود من القواعد هو أسس الحيطان لقال سبحانه وإذ يضع إبراهيم القواعد. إن الأسس تبدأ من أسفل الأرض وتنتهي إلى السطح ثم يبدأ البناء ببناء الحيطان التي تكون أقل عرضا من الأسس. لكننا لو قلنا بأن رفع القواعد يعني رفع الحجارة المدكوكة بفعل الطبيعة في أرض مكة (بكة قبل التطهير) فهي صحيحة. إن تلك الحجارة كانت قاعدة على أرض مكة فعلا فكانت أكثر من مرمية باعتبار أن زمن البك أو الدك كان بعيدا فكانت الحجارة ملتصقة بالأرض. بالطبع أن معرفة استعمال العرب السابقين لكلمة الأساس كما نستعمله نحن اليوم لأسس الحيطان قد تساعدنا على التأكد من أن المقصود من القواعد ليس الأسس. نحن اليوم لا نسمي الأساس إلا أساسا ولا نشير إليها بالقاعدة.

11. تفضلتم بأن المقصود من الرؤيا في الجملة الكريمة “قد صدّقت الرؤيا” هو التصورات أو الأفكار الذهنية لإبراهيم ببناء البيت. وأشرتم إلى ذلك في البداية بأن إبراهيم كان يفكر في بناء بيت لله لمكافحة الأصنام. سؤالي هو كيف فسرتم الرؤيا المعروفة في اللغة العربية وفي القرآن بأنها تعني ما يراه النائم في نومه بالرأي أو الفكرة؟ تحتاجون إلى دليل في غاية الصعوبة لأنها تخالف المفهوم القرآني. بالطبع لو تمكنتم من تفسير الرؤيا في القرآن كله بذلك فلا تحتاجون حينئذ إلى دليل آخر. ولم تذكروا لنا دليلا من كتاب الله تعالى بأن إبراهيم كان يفكر في بناء الكعبة أو المسجد الحرام أو مكة وهي المقصودة من البيت في الواقع. لأختصر لكم السؤال الكبير. دليل على أن إبراهيم بنى الكعبة، وأن إبراهيم هو مهندس الكعبة لو كانت الكعبة الصغيرة بحاجة إلى مهندس، وأن إبراهيم هو الذي فكر ببناء الكعبة، وأن البيت هو الكعبة وليس مكة، وأن الله تعالى أمره ببناء ما يجول بخاطره وهو بناء الكعبة، وأن إبراهيم كان يفكر في بناء بيت ضد الأصنام، وأن بناء البيت مضاد للأصنام. ولا تنسوا بأن المشركين اتخذوا الكعبة مكانا لأصنامهم فلم تكن الكعبة مضادة للأصنام بل كانت مقاما لها عمليا.

12. اسمحوا لي أن أتلو عليكم الآية التالية من سورة المائدة حتى لا تتعبوا في الاستناد إليها: جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97). الكعبة هنا هي رمز للبيت الحرام وجزء منه وليست هي البيت الحرام كله. لو كانت هي البيت الحرام لكانت متناقضة مع الآيتين 125 و126 من سورة البقرة والمذكورتين أعلاه.

13. حاولت أن أجد في القرآن المطبوع والموجود في بيوتنا جميعا أن أجد فرقا بين كتابة اسم النبي العظيم إبراهيم فيكون بعضها إبراهم، فلم أجد. لذلك فأنا مضطر أن أستنجد بكم لتوضحوا لي مقصودكم من القول التالي: بينما تمّ تجريد المجموعة الأخرى من الياء وتمت كتابته هكذا ”ابراهم“ ويبدو – والله العالم – بأنَّ هذه هي النقطة التي تمَّ فيها نقل إبراهيم من المرحلة النفسية الاولى ”إبراهم“ إلى المرحلة النفسية الثانية ”إبراهيم“ التي يبدو أنَّها تمثل إبراهيم في ما بعد تشييد البيت الحرام.

14. لقد بالغتم أخي قصي لو كان نقل الأخ عبد السلام صحيحا في تعب مضن لبناء غرفة بحيطان وبدون سقف مهم حتى الجبين فقط. لذلك أدعوكم أنا العجوز وأنت الأقل مني عجزا لنبني معا غرفة حتى الجبين في صيف مكة لترى بأم عينك أنه ليس عملا مضنيا. وليس هو بلاء مبينا ولا يستحق أن يفديه الله بذبح عظيم وهو ما تفضلتم بأنه تعب الحجيج للقدوم إلى مكة وليس ذبح الأنعام. أظن بأنكم أصبحتم في تلك اللحظات مثل إخواننا المقرئين على المنابر الذين يكبرون عمل الإمام الحسين عليه السلام وكأنه الشهيد الوحيد في الكون. بل تجاوزتم لأن الحسين بن علي قد قُتل فعلا ولكن إبراهيم بنى أربعة جدران قصيرة لا تعب فيها. وتعلمون بأن الله تعالى لا يبالغ أبدا ولا يمكن أن يبالغ. وبناء سفينة نوح أهم بكثير من بناء غرفة صغيرة لا تحتاج إلى تصميم ولا إلى هندسة ولا هم يحزنون.

أعتذر من الإطالة وأرجو لكم دوام التوفيق في خدمة دين الله تعالى. كما أشكركم كثيرا على اهتمامكم بإبراهيم وبأنه لم يكن ليفكر في قتل ابنه إسماعيل. بالطبع أنكم قلتم ذلك بحسن نية بغية الدفاع عن إبراهيم. وأعد بأنني سوف أتجاوز المعتاد وأشرح تلك الآيات من سورة الصافات في الأيام القليلة القادمة حتى لا يظن أحد بأنني متفق مع المفسرين الكرام في بيان قصة إسرائيلية بطريقة إسرائيلية أيضا. لكن بناء غرفة صغيرة حتى الجبين لا يستحق فعلا هذا الإكرام العظيم من سيد الكائنات جل جلاله.

وأعدكم أخيرا أخي قصي بأن أتنازل عن رأيي بأن المقصود من الذبح العظيم هو ما يذبحه الحجيج من الأنعام في مكة كل عام. كما أنني لا أطالبكم بالتنازل عن رأيكم وهو محترم عندي وعند كل زملائكم في جلسات التفسير.” انتهى كلام فضيلته

خالص الشكر لفضيلة الشيخ الطحاينة وفضيلة الشيخ المُهري على كريم رسائلهما.

كمال شاهين 

20 ديسمير 2013

استفسار المياحي :

أخي وأستاذي  احمد المهري أمده الله بموفر الصحة والعافية 

السلام عليكم 

انك وفي اكثر من مناسبة تخالف معاجم اللغة وتستنتج معنى جديد لم يأت به احد سبقك من أهل اللغة. وهذه حجة عليك وليس لك. إذن فمن حق اي إنسان ان يفكر بالطريقة نفسها.

ان التراث اللغوي لم يحفظه الله لنا وعليه فمن الممكن ان نتوفق لفهم  لفظ ما بطريقة افضل ممن سبقنا وباستخدام طرق بحثية جديدة سريعة وفعالة .من يقول ان التراث حفظ لنا كل شيء؟   فالزيادة كالنقصان في هذه الحيثية وكلاهما محتمل فيما يتعلق بالمورث اللغوي الذي بين أيدينا.

 ان صاحب العلم اللغوي والمهتم بفهم القران،  الذي يضع كتاب الله فوق موروث  اللغة الواسع والمتناقض والناقص احيان،  يتوفق لا محالة الى فهم لغوي مرجعي  افضل عند محاولته لفهم النص القراني. القران فوق موروث اللغة وقواعدها ولا أظن انك تختلف معي.  

الاستدلال بكتب التراث اللغوي لوحدها ليس بدليل قاطع على صحة الاستنتاج  وفيه إشكال وهذا ما ذهبت اليه في طريقتك هذه المرة الى حد ما.

على سبيل المثال انت أخذت ما يناسبك من فهم لمعنى كلمة “تل” باعتبار تصبب العرق وتركت المعاني الاخرى التي وردت. 

مثلا انا افهم كلمة التل بمعنى التل من الارض المتعارف عليه او تل الشيء اي جره باليد للأعلى وهو البناء او التل بمعنى وضع الحجر واحدة تلو الاخرى  وبالرغم انا لست مفسر ولا من  علماء اللغة وأرجح ما ذهب اليه الزميل قصي. فهل في هذا إشكال علي ؟بالتأكيد كلا وهذا هو معنى التدبر القراني الذي نمارسه  باعتقادي. 

وحتى المنام ليس بالضرورة الرؤيا بمعنى الحلم  انا افهمه على انه موضع النوم مكاناً وزمانا بالاعتماد على مراجع اللغة أيضاً  حيث يراجع الانسان نفسه وهو يروم الخلود الى راحة بدنه وهو  أيضاً يتفق مع طرح الأخ قصي. 

 المقصود ان الموضوع  البحثي فيه متسع وحرية للتفكر ولا يجب الاحتكار. ارجو ان لا نقدم أفكارا حاسمة ونغلق الباب في وجه من يريد التدبر او على الأقل هكذا يفهم من طريقتك في الكتابة.  

هناك إشكال في طريقة  سعيك لتفسير كتاب الله وهي ” هل أوجب الله علينا ضرورة تفسير كتاب الله كله من الألف الى الياء؟”.  أرجو التوضيح ان أمكن ذلك.

 في رأيي،  هذا مستحيل ومن يسعى الى هكذا عمل سيجد نفسه لا ينتهي أبدا لان الفهم يتغيير اثناء عملية التفسير وهذه معجزة بحد ذاتها.ان البحث عن المستحيل يجلب العناء كما نعرف .

 ارجو ان تكون اكثر  واقعية لأنك لست مفسرا تقليدا انت مبدع ومتطور وهذا ما عرفناه منك طيلة هذه السنوات .  ان سعيك لان تقدم تفسيرا كاملا من عداد المستحيلات ويخالف سنة التطور في عصر تزداد فيه سرعة التطور.

وفي الختام نشكر ربنا الذي  أمدنا بصحبة أهل القران . وشكرا الله لك سعيك .

اخوك 

عبدالسلام المياحي 

أخي الفاضل المهندس عبد السلام المياحي رعاه الله تعالى 

جواب المهري : أما بعد السلام

فإني أظن بأنك لم تقرأ بدقة ما قدمته لكم بكل خضوع. إنني في نفس تلك الكراسة أنتقد علماء اللغة ولكن هل لنا أن نستغني عنهم في كل شيء؟

قلت ولا زلت أقول بأن كتب اللغة وأي كتاب علمي عربي آخر مثل كتب النحو والبلاغة وحتى الصرف ليست كتبا مقدسة ويمكننا انتقادها. لكنني أنتقدها انتقادا علميا دقيقا وأرد على ما أرد من مقولاتهم بالقرآن أو بأشعار الأقدمين أو أجد تناقضا لدى نفس المؤلف إما في نفس الكتاب أو في كتاب آخر.

ما أفعله ليس خاصا بي فهناك الكثير من المحققين يردون المسلمات اللغوية أو النحوية بأسلوب علمي مقبول. لكنك تفضلت وأشرت إلى أن هناك من يتوفق في فهم لغة ما بطريقة أفضل مما مضى وباستخدام طرق بحثية جديدة وفعالة. 

كلامك أعلاه جميل ومقبول عندي من حيث المبدأ ولكن أرني هذه الطرق البحثية الجديدة والفعالة لفهم اللغة حتى أشكرك عليها. وإن كنت تقصد أخينا قصي الموسوي فهو ادعى ادعاءات ولم يأت بطرق بحثية جديدة وفعالة. هل تتوقع مني أن أتقبل الادعاء لأنها صدرت من زميل عزيز على كلينا؟ هل لو فعلت ذلك فسأنجو من النار؟ نحن نتحدث عن أعظم كتاب على وجه الأرض على الإطلاق حسب عقيدتنا ولم نتحدث عن كتاب كليلة ودمنة أو علاء الدين والفانوس السحري.

ينطوي القرآن على أحكام وتشريعات يُدخلنا الجنة أو النار وليس لنا أن نغير شيئا منا. إنه ينطوي على قصص تمس صفوة خلق الله تعالى في الأرض فهل يجوز لنا أن نتخيل وندعي ما يروق لنا في بيان قصصهم؟

هل أنت وجدانا تقبل بأن الله تعالى أمر الناس بالحج إكراما لبناء غرفة من أربعة جدران؟ ما قيمة تلك العملية؟ لماذا لم يأمرنا أن نبني السفن أو أي عمل آخر اقتداء بالرسول العظيم نوح أو إكراما له مع العلم بأن إبراهيم من شيعة نوح؟

هل لاحظت تلك العملية الكبيرة التي استغرقت ما لا يقل عن عشر سنوات من العمل الجاد وهو عليه السلام يُلام ويُعاب من قومه لمدة طويلة؟ إنه بنى بالوسائل البسيطة سفينة عظيمة وكبيرة فأين إكرام الله تعالى له إن كان سبحانه يُكرم بناء الغرف والسفن؟

إن كنت في شك من تقديري لبناء السفن فاذهب إلى الخليج وخاصة الكويت واسأل الذين يعملون في أحواض السفن الشراعية هناك لتعرف صعوبة العملية والمدة الطويلة التي تحتاج إليها سفينة بحجم سفينة نوح التي حملت كل أسرته التي تكونت خلال ألف سنة مع أسر المؤمنين ومع مجموعة من الأنعام والدواجن والخيل والحمير والبغال التي يحتاجونها لركوبهم بعد عودتهم إلى اليابسة.  إنهم حملوا كمية كبيرة من الأكل والعلف والحبوب التي تكفيهم لمدة سنة على الأقل حتى يزرعوا وتُنتج أنعامهم وطيورهم ومراكبهم.

وحتى تعرف المدة التي قضوها على البحر فإني أدعوك إلى ملاحظة أن الله تعالى أمره أن يدخل السفينة بمجرد أن يرى فوران التنور في الجو. التنور الذي يتشكل عادة في الجو كمقدمة للأعاصير وكان ذلك التنور أعظم من الذي نسمع عنه في أيامنا هذا والذي نراه عادة بالوسائل العصرية لأنه في أعالي الجو. إن المدة من فوران تنور الأعاصير حتى وصول الحواصب إلى الأرض وتحريك مياه البحار لتحقيق الغرق الكامل لمنطقة كبيرة من الأرض بحيث لا ينجو أحد ثم انتهاء الإعصار يحتاج إلى حوالي أسبوعين على الأقل. لاحظ مقدار نزول درجة الحرارة في غياب الشمس مدة أسبوعين والملابس والملاحف التي احتاجوا إليها وهكذا الأواني التي يحتاجونها للحياة لمدة نصف شهر مع الأخشاب الضرورية للوقود وما يحتاجون إليه بعد العودة التي لم يروا فيها شيئا باقيا على حاله. هكذا يمكنك تصور حجم السفينة العظيمة التي تُبنى لأول مرة في الأرض.

أخي عبد السلام

إنني أقدر أفكاركم وتخيلاتكم وأحترمها ولكن اسمحوا لي أن أبدي رأيي أيضا فلعله يفيدكم.

وأما قولك بأنني أخذت معنى التل وتركت المعاني الأخرى، فاسمح لي أن أسألك سؤالا بسيطا: هل ذهبت إلى كتب اللغة وراجعتها قبل أن تكتب لي أم كتبت ما يجول بخاطرك بدون تحقيق؟ اذهب وراجعها لترى بأن معنى تلل هو عين معنى بلل ولترى بأنهم  لم يذكروا لغويا معنى آخر لتعبير “تل الجبين” الذي استعمله الله تعالى كتعبير عربي كامل. ثم حاسب نفسك قليلا قبل أن ترد على أخيك الصغير أحمد.

وأما فهمك الشخصي من كلمة التل الذي يخالف فهمي أنا وكلانا نخالف فهم زيد وعمر وبكر وخالد وخويلد في السودان وموريتانيا ومكة وصعيد مصر وجبال اليمن؛ فهي كلها مرفوضة دون أدنى شك. القرآن كما صرح منزله العظيم يتكلم بلسان عرب مكة ويثرب حيث مسكن الرسول ومهجره قبل خمسة عشر قرنا ويتحدث عن قصة لا يمكن تغييرها بتغيير الآراء. إن فهم معاني اللغات القرآنية غير مرتبط بالتطور أخي العزيز. فلا يفرض كل منا فهمه الشخصي للغة العرب على أعظم الكتب المهيمن على كل صحف السماء في كوكبنا.

وهكذا فهمك للرؤيا المكررة سبع مرات في القرآن فهو غير مجد لتفسير كتاب الله تعالى. إنه ليس كتابك بل هو كتاب مولانا الذي أنزله بلسان معين وليس كما نريد. لا يمكنك أن تفرض أي قانون على لغة القرآن إلا بدليل من القرآن نفسه كما لا يجوز لنا أبدا أن نستعين بلغة البصرة وبغداد اليوم لتفسير كلمات وتعابير معروفة لدى أهل الحجاز يوم نزول القرآن. يمكننا بعد أن حققنا في لغة الكتاب القويم على أسس منطقية أن نستشهد باستعمالاتنا الفعلية لتأييد تفسيرنا ولكن لا يمكن اعتبار ما نفهمه معنى لكلمة قديمة.

اسمح لي أخي العزيز وأنت تعلم مدى معزتك عندي فأنت من أقدم زملائي في التفسير بأن أقول لك بأنك تحتاج إلى أن تجد جوابا لمسائلة الله تعالى يوم الحساب حينما تتحدث عن كتاب الله تعالى. فلو ترى بأنك قادر على الإجابة هناك فبها ونعمت وإلا فمن الأفضل أن تغير أسلوبك تجاه كتاب الله تعالى. إن بعض ما تتفضل به وما يتفضل به أخي قصي برأيي يُعتبر تحريفا واضحا لكلام الله تعالى وأنا أُشهد الله على نفسي بأنني أنقل لكم ما أراه لا ما أهواه. أتمنى أن أكون أنا المخطئ وأن تكونوا أنتم على حق لأنكم في النهاية خلاصة إخواني.

إنني ما قفلت الباب على أحد وما احتكرت التفسير لنفسي ولكنني أتقبل نصيحتك الأخوية وأسعى لإصلاح نفسي لو كان بها خلل من النوع الذي تفضلتم به.

وأما استفسارك التالي:

هناك إشكال في طريقة  سعيك لتفسير كتاب الله وهي ” هل أوجب الله علينا ضرورة تفسير كتاب الله كله من الألف الى الياء؟”.  أرجو التوضيح ان أمكن ذلك.

أظن بأنني قد وضحت الموضوع خلال الجلسات ولكنني أشكرك على الاستفسار وأختصره هنا لعله يفيد الجميع.

تعلمون بأن الله تعالى قبل التطور العقلي العام كان يختار من البشر أفرادا ليمنحهم العلم بمساعدة الوحي. وترون النموذج البارز للنبوة الخالصة في مريم التي كانت نبية ولم تتشرف بالرسالة. الأنبياء جميعا معدّون للرسالة حينما يقتضي الأمر إرسال رسول ضمن شروط ومواصفات مذكورة في القرآن الكريم. هناك يتوسع الوحي ليعم العلم ومنهج التبليغ أو نشر العلم الواجب نشره. وتعلمون بأن هناك مسائل أخرى مهمة تتحقق خلال أداء الرسالة وأهمها برأيي هو مسألة الشهادة التي تفيد الحساب يوم القيامة. فحينما يكون الرسول بين الناس فإن الوحي يساعده على عدم الخطأ في تبليغ رسالة السماء حتى لو لم يسعفه ربه بالصحف السماوية. ولذلك نرى أنبياء السلف جميعا كانوا يبلغون الرسالات بدون صحف ولعل السر في إرسال صحيفة مع إبراهيم عليه السلام هو أنه كان مأمورا بمسائل خارجة عن نطاق التبليغ وخاصة بعد ما فقد رسالته لقومه واستبقى النبوة. شأنه شأن ابنه داوود الذي كان مسؤولا عن مسائل خارجة عن نطاق التوراة.

وأما التوراة التي أنزلت مع موسى عليه السلام لكل أهل الأرض إنسا وجنا فقد أنزلت بعد أن أكمل موسى رسالته إلى أهل مصر وانتقل بجوار الأرض المقدسة ولعلها كانت في نهايات رسالة موسى. ذلك لأن موسى كان رسولا مسلحا بالوحي فلم يكن بحاجة ماسة إلى كتاب حتى نهايات رسالته ثم أنزل الله تعالى التوراة لتكون كتاب عمل لما بعد وفاة موسى.

ولكن القرآن الكريم كان يمثل رسالة محمد عليه السلام من البداية فلم نسمع لرسولنا دعوة قبل نزول القرآن. ذلك لأنه بنفسه كان في بداية التطور الكامل للإنسان القادر على إدراك المسائل الغيبية بدون الحاجة إلى رسول بشري. كان ضروريا أن يكون الرسول الخاتم بعيدا عن العلوم البشرية ليستوعب أعظم كتاب يريد الله تعالى له (لذلك الكتاب) أن يبقى رسولا حيا حتى نهاية الحياة في كوكبنا. فكان من الضروري أن يكون الموحى إليه البشري من الأميين وهو استلم القرآن تباعا حتى يتثبت فؤاده شيئا فشيئا وكان الوحي معه يعلمه علم النبوة كما يعطيه منهج التبليغ والعمل الكامل طيلة حياته. قال تعالى في سورة الفرقان: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (32). أرجو ملاحظة الخطاب الفردي للرسول نفسه. إذن كان الخطأ قليلا في إدارة الرسول لشؤون أمته باعتبار إسعافه المستمر بوحي القرآن بما يتناسب مع بعض الشؤون الهامة للمسلمين الأوائل في عصر الرسول.

لكن الأمر يختلف في غياب الرسول حيث لا وحي ولا نعرف متى نستفيد من الآية أو الحكم المناسب ولذلك سوف يتغير الأمر في غياب الوحي فقال سبحانه لرسولنا في سورة القيامة: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19).

بداية ليس لنا إلا أن نعيد الضمائر إلى القرآن الذي لم يُذكر في نفس السورة بل ذكر في نهاية سورة المدثر السابقة لها. والسبب في ذلك أن القرآن هو بلاغ الله تعالى لأهل الأرض على يد رسولنا وليس أمرا آخر ولكن الرسول الذي لم يسعفه ربه بالمعاجز فإنه كان ينتظر القرآن المجموع بفارغ الصبر ولم يوح إليه إلا آيات أو سور منه فقط قبل تلك السورة. سورة المدثر نزلت ليأمره بالتبليغ ولكن القيامة نزلت ليعطيه الدليل على إمكانية القيامة.

وكما تعلمون بأن مسألة معرفة الله تعالى بكنهه مستحيلة ولكن قبول وجود الله تعالى بسيطة وسهلة وأما القيامة فهي بعكس ذلك فمعرفتها سهلة وقبولها صعب. ولذلك أفرد الله تعالى للقيامة سورة كاملة ليقول لرسوله بأن جمع القرآن يجب أن يكون بمعرفة الله تعالى نفسه الذي يعلم كيف يرتب المسائل بما يتناسب مع تدرج الفهم لدى البشر ولا سيما في غياب الوحي.

نحن اليوم نتمتع بكل القرآن وليس لنا إلا أن نعرف القرآن كله حتى نعرف كيف نتفاعل معه لغياب الوحي. والسر في استعجال الرسول لاستلام القرآن كله هو كما أحتمل أن يُري قومه معجزة كبيرة هي القرآن ولكنه هو لم يكن مستعدا نفسيا ولا أمته ولا السير التطوري للإدراك العام للبشر. فكانت معجزته أنه يمدهم في كل مناسبة بما يتناسب من القرآن بإسناد سماوي وهو مفقود اليوم. ولذلك أمره ربه بأن يتبع كل القرآن بعد أن يتكامل القرآن وهذا هو الأمر الذي يجب علينا اتباعه. واسمح لي أن أوضح باختصار معنى الآيات الكريمة:

لا تحرك به لسانك:

يعني بالذكر الذي ذكره في نهاية سورة المدثر وهو: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً (52) كَلاّ بَل لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ (53) كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (55). ولذلك ذكر القيامة باعتبار أنهم كانوا لا يخافون الآخرة. والتذكرة هي القرآن.

لتعجل به:

أي أن الاستعجال الذي تظنه مفيدا فهو يضرك ولا يفيدك.

إن علينا جمعه وقرآنه:

القرآن يعني التجميع المفيد ولذلك نستعمل جذر قرأ لبيان الحروف المجتمعة بشكل مفيد يعطي المعنى ولكن التجميع من جذر جمع قد يكون مفيدا وقد يكون غير مفيد كأن نضع مجموعة من الأشياء بجوار بعضها دون نظم ودون هدف. والسر في أن الله تعالى التزم بنفسه هو أن البشر لا يمكنه تأليف القرآن أبدا. فكل ما نقرأه في تاريخنا الكاذب لا تمثل إلا مفتريات مضللة من وحي الشياطين. القرآن الذي بين يدينا هو نفس القرآن الذي رآه رسولنا بنقطه وحركاته وكلماته وجمله جميعا. ليس الإمام علي ولا الخليفة عثمان ولا الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، جامعين للقرآن بل الله جمعه جل جلاله. إن كل كتاب يؤلفه شخص لو بعثرنا جمله أو مقاطعه فهو يفقد قيمته فكيف بنا ونحن نظن بأن غير الله تعالى جمع كتاب الله تعالى؟! كل من يقول بأن بشرا تدخل في تجميع القرآن فهو جاهل أو كذاب دون أدنى شك.

فإذا قرآناه فاتبع قرآنه:

واضح بأن التجميع المفيد المسمى قرآنا لم يكن حاصلا في بداية الدعوة وسوف يحصل فيما بعد. ولكن حينما يقرأه الله تعالى أي يجمعه بالشكل الذي نراه فيجب اتباع المجموعة القرآنية وليس اتباع الآيات والمواضيع على حدة. فاتبع قرآنه أي المجموعة المفيدة التي نراها بين يدينا.

واسمحوا لي أن أزيدكم ما أظنه علما. لنقرأ الآيتين التاليتين من سورة هود: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (14). نلاحظ بأن سورة هود هي السورة رقم 11 حسب ترتيب السور وقد تكامل تجميع عشر سور قبله وهو ما يشير إليه ربنا. فتجميع عشر سور خارج عن قدرة البشر وهو أمر آخر مغاير لإنزال كل سورة أو كل آية. ونحن في جلسات المودة نفسر القرآن على أساس تتابع المعلومات ونتحدث عن ارتباط كل سورة بما قبلها ومشعرة بما بعدها. هذا هو القرآن وليست الآيات والسور على حدة قرآنا بل هي آيات فقط ولا يجوز العمل بها منفردة.

ولكن السر في اهتمام أهل العلم بالمواضيع القرآنية فأنا أعتذر من بيان ذلك الآن بتفصيل لأن أمتنا غير مستعدة للدخول في أعماق المسائل الخطيرة برأيي. ولكني مضطر أن أوضح لكم بعض الشيء خوفا من عقاب الله تعالى.

لو تنظرون إلى كل المذاهب الإسلامية وكل فروعها تجدون بأنهم جميعا بلا استثناء غير ملتزمين بالابتعاد عن المتناقضات. بمعنى أنهم لو التزموا باتباع القرآن بالكامل فإن عليهم أن يتركوا المذاهب التي يستندون إليها جميعا لأنها جميعا مرفوضة بآحادها وبوحدات كل واحدة منها قرآنيا. إن السنة والشيعة جميعا يناقضون معتقداتهم ولا يبالون لأنهم عاجزون عن توفيق معتقداتهم مع كتاب الله تعالى.

وأما الإخوة الذين يذكرون لنا مواضيع قرآنية خارج نطاق المذاهب التي بناها مجموعات كبيرة من علماء المسلمين واليهود والمسيحيين فإنهم بعيدون بعد المشرقين عن فهم القرآن مع الأسف. أعتذر من أخي عبد السلام بأن هذه الجملة قد تزعجه ولكني لو لم أقله بعد أن طلب مني فليس لي أن أنتظر المغفرة من ربي.

وأخيرا أستغفر الله تعالى لي ولعبد السلام ولكل أعضاء المودة ومركز تطوير الفقه السني وكل المسلمين وكل المؤمنين بالكتب السماوية وكل المؤمنين بالله تعالى راجيا منه وحده أن يلهمنا جميعا الصواب.

أحمد المُهري

30/12/2013

بسم الله الرحمن الرحيم

إبراهيم مستغن عن دفاعنا

كنت ولا زلت على خوف من أن أفسر آيات في وسط القرآن أو ضمن سورة قبل أن أصل إلى السورة على مر مسيرة التفسير. لكنني الآن أشعر بضرورة القيام بتفسير احتمالي قد لا يكون صحيحا وقد يتغير رأيي بالكامل حينما نصل إلى السورة مستقبلا بإذن الله تعالى. ولذلك أرجو من الزملاء الكرام ألا يعتمدوا التالي كتفسير دقيق للآيات الكريمة. هي مجرد احتمالات أتمنى أن تكون قليلة الأخطاء. والذي أكد علي الكتابة هو إصرار بعض الإخوة المعترضين على اكتفائي بتوجيه بعض الأسئلة إلى الزميل الفاضل قصي الموسوي على الرغم من أني وعدت بكتابة التفسير. وقد أخذت في بيان الآيات الكريمة تفسير الزميل الفاضل قصي الموسوي وكذلك رد الشيخ الفاضل خالد الطحاينة عليه في الحسبان.

بالطبع أنهما كليهما أرادا الدفاع عن نبينا إبراهيم الذي يحبه كل معتنقي الديانات السماوية ولكني أحببت أن أقول لهما و لبقية الإخوة والأخوات بأن إبراهيم لا يحتاج إلى دفاعنا نحن البشر فإن ربه قد دافع عنه بكل دقة ولكن المشكلة فينا نحن الذين سرنا وراء تفسيرات غير دقيقة وغير عربية لكلام عربي واضح فظننا بأن إبراهيم ألقى ابنه إسماعيل على الأرض ليذبحه. إنه غير صحيح ولم يقل القرآن ذلك وسوف نرى بإذن الله تعالى المعنى القريب من الواقع كما أرجوه.

والآيات من سورة الصافات وهي:

فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (108).

مختصر عن السورة:

هذه السورة تقع ضمن 21 سورة كريمة يوضح فيها الجبار يوم القيامة حيث اللقاء معه في الآخرة. تلك السور موزعة على ثلاثة مجموعات سباعية ابتداء من سورة الشعراء وانتهاء بسورة الأحقاف وكل مجموعة توضح موضوعا واحدا تؤثر في فهم يوم الحساب والعلم عند منزل القرآن جل جلاله.

سورة الصافات تتحدث عن أن الله تعالى ينجي رسله من الكروب والمهالك كما ينصرهم في دعواتهم ويمنحهم جميعا السلام في الدنيا والآخرة كما يُعلي ذكرهم في الدنيا ليستفيد منه المؤمنون ويذكر قصصهم. السورة تتضمن مجموعة من الحركات الملائكية والجنية في الدنيا وآثار نشاطات الملائكة على الكائنات المدركة والآثار السلبية للشياطين. ولذلك تذكر السورة كيفية ووقت وصول الفرج إلى إبراهيم في اللحظات الأخيرة من الاحتراق وفي اللحظات الأخيرة من اتباعه للمنام. إنه عمل خاطئ ولكن إبراهيم كان مخلَصا وكان يقوم بعمله بكل حب وخضوع وتسليم لأمر الله تعالى كما توصل إليه. فكافأه الله تعالى على إخلاصه العظيم وسعيه لعملٍ لم يتمكن قلبيا من إنهائه كما سيأتي. فالسورة في الواقع تدافع عن المرسلين وعن الأنبياء وتدافع عن إبراهيم.

هناك بشارتان لإبراهيم إحداهما استجابة لدعائه وهو أن بشره الله تعالى بغلام حليم هو إسماعيل. والبشارة الثانية نعرفها من الآية التالية لها حيث يذكر سبحانه بأنه أضاف إلى طلب إبراهيم ولدا آخر من عنده وهو إسحاق دون أن يطلب إبراهيم ودون أن ينتظر بعد أن صار شيخا. وبما أن إسماعيل ولد حينما كان إبراهيم كبيرا والله تعالى يريد إثبات كرامته له فإنه سبحانه لم يُتبع إسحاق إلا بعد أن ضعف إبراهيم وصارت امرأته عجوزا.

ولا يوجد في القرآن أي ذكر لأكثر من امرأة واحدة عاش معها إبراهيم وقصة هاجر وما يتبعها فهي بظني من الإسرائيليات الحاقدة. حديثنا هنا عن قصته مع ابنه الأول إسماعيل الممنوح له استجابة لدعائه حينما ترك بلده. أنا شخصيا أظن بأن إبراهيم كان عراقيا وليس لي دليل على ذلك ولكنه ظن قوي. المهم أنه اعتزل قومه بعد أن رفضوا دعواته المخلصة والاعتزال شرط من شروط الدعاء المستجاب المذكورة في سورة مريم.

قال حين خروجه من مسقط رأسه: إني ذاهب إلى ربي سيهدين. إنه توجُّهٌ صادق صدر من رسول لم يتوفق في رسالته كثيرا بدليل أن الشخص الوحيد الذي آمن به هو لوط. والله تعالى يوضح لنا في سورة الصافات وهي المكان المناسب لهذه المسائل بأن ربه استجاب دعاءه ليحفزنا ويشجعنا على المضي في طريق إبراهيم فندعو ربنا بقلوب صافية خالصة ومطمئنة والله تعالى يتولى تصحيح أخطائنا. نرى بأن إبراهيم قال بكل ثقة بأن ربه سيهديه لأنه ذاهب إليه. لا يمكن أن يخيب الله تعالى أحدا ذهب إليه فعلا ولكن مع بالغ الأسف فإن القليل القليل هم الذين يذهبون إليه وحده سبحانه. فالله تعالى يهتم بالعمل الصادق الصادر من قلب مخلص ولا يهتم بالنتائج. لقد منَّ على إبراهيم أكثر من أي نبي آخر كما يبدو لي مع أن إبراهيم لم ينجح في إقناع قومه. قال سبحانه بأنه بشر إبراهيم باستجابة دعائه وبأنه أضاف بأن الولد الذي طلبه سيكون حليما.

فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101).

جاءت البشارة بلفظ المتكلم مع الغير ليقول سبحانه بأنه هو أعد المقدمات الضرورية لزواج إبراهيم من امرأة تكون نتاج ارتباطهما غلاما حليما. فإسماعيل ليس إلا بشرا جاء عن طريق الطبيعة ولكنه سبحانه يعرف كيف يعد العدة لحصول النتيجة المرجوة كما أظن. ولا نعرف بأن البشارة أتته بوحي أم أن الله تعالى هيأ المقدمات التي تبشر باستجابة الدعاء. ولننظر إلى بيان الحلم في الآية التي تلتها:

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102).

لنبدأ بالجملة الأولى من الآية. أعتذر من أنني أفضل أن أنقل للقارئ ما كتبه المرحوم ابن هشام المصري في إعراب الجملة الأولى من الآية الكريمة في كتابه مغنى اللبيب:

قوله تعالى (فلما بلغ معه السعي) فإن المتبادر تعلق مع ببلغ، قال الزمخشري: أي فلما بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، قال: ولا يتعلق مع ببلغ، لاقتضائه أنهما [ بلغا ] معا حد السعي. و لا بالسعي، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه. و إنما هي متعلقة بمحذوف على أن يكون بيانا، كأنه قيل: فلما بلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي، فقيل: مع من ؟ فقيل: مع أعطف الناس عليه وهو أبوه، أي أنه لم يستحكم قوته بحيث يسعى مع غير مشفق.      انتهى النقل.

أنا شخصيا أخالف المرحوم الزمخشري والمرحوم ابن هشام الذي أيد الزمخشري. لا أدري لماذا ابتعدا عن الموضوع وخالفا عرفهما النحوي. فمع متعلق ببلغ فعلا وهما معا بلغا السعي. ولكن الإشكال في تفسيرهما للسعي. ولعل السر في تفسيرهما هو أنهم كبقية الإخوة الذين مضوا ظانّين بصحة الإسرائيليات التي تقول بأن إبراهيم نقل ابنه إسماعيل مع جارية له اسمها هاجر وهي أم إسماعيل إلى مكة. قالوا أيضا بأن الزوجة الصالحة التي مدحها الله تعالى في القرآن هي التي غارت على هاجر لأنها كانت عاقراً في حين أن هاجر ولدت ولدا لإبراهيم. هذا الكلام في غاية السخافة. لا يذكر القرآن زوجة ثانية أو جارية تزوج بها إبراهيم ولا يذكر بأن امرأة إبراهيم كانت عاقرا ولا يذكر بأن إسماعيل كان طفلا حينما أتى به أبوه إلى مكة ويذكر القرآن بأن إبراهيم دعا ربه ليساعد ذريته في مكة والزوجة أو الجارية ليست من الذرية. قال سبحانه في سورة إبراهيم:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37). ولفظ الجمع لا يدل على وجود أشخاص مع ذريته بل يدل على أن إبراهيم دعا لذريته وهم إسماعيل وما سينجب من أولاد. هاجر هي امرأة خيالية تحدث عنها اليهود ليقولوا بأننا نحن العرب أولاد الإماء وهو عيب عند أصحاب الأديان السماوية والزواج بالإماء مسموح به في القرآن لمن خشي العنت وليس لعامة الناس بالذات. وأما زواج رسولنا بأمة مصرية فهو ليس زواجا بكامل المعنى وسوف أتعرض له مستقبلا بإذن الله تعالى حين تفسيرنا لسورة الأحزاب لو وفقني ربي.

وأما مديح القرآن لزوجة إبراهيم فهي في سورة هود: قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (73). أرجو التعمق في الآية ليعلم من يريد أن يعلم بأن هذا المديح غير موجود في القرآن لأهل بيت غير  أهل بيت إبراهيم.

وأما السعي، فإنهم جميعا كانوا من قديم الزمان يسمون الطواف بين الصفا والمروة سعيا. وقد ورد في أخبار العرب أن السعي بين الجبلين كان من أيام إبراهيم. وبقي السعي حتى العصر الموصوف بالجاهلية لكن المشركين كانوا يطوفون حول صنم إساف فوق الصفا وفي نهاية الشوط يطوفون حول صنم نائلة على مروة. وقوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله يدل دلالة واضحة بأن السعي بينهما شعار سماوي لا يمكن أن نعتبر باني مكة بعيدا عنه عليه السلام. وبما أن الطواف والسعي محرم حول أي مكان في الأرض عدا الأماكن التي صرح الله تعالى بها وقد صرح بجواز السعي بين الصفا والمروة فهو يمثل عملا عباديا مطلوبا عند الله تعالى وكان إبراهيم كغيره ممن يتواجد في مكة يختار السعي ليخفف عن نفسه ثم يقوم بعمل أو حديث مهم بعده كما يبدو لي.

فالذي نعرفه من الآية الكريمة هو أن إبراهيم قام بالسعي مع ابنه ولما بلغا السعي يعني أكملا السعي بين الصفا والمروة قال لابنه ما قال. ولذلك قال سبحانه: فلما بلغ معه السعي ولو فكر الزمخشري لما احتاج إلى اللف والدوران والبحث عن المتعلق المحذوف.

القول بأن المنام  وحي لو أن نبيا رأى المنام لهو قول غير مستدل وأنا شخصيا لم أر أية إشارة في القرآن تدل على ذلك ولذلك أرفضه رفضا قاطعا حتى يثبت العكس. المنامات الصادقة تكون عادة مصحوبة بعلامات تدل على الدقة كنوم يوسف ونوم الملك الذين رأيا أشخاصا وشجرا وحيوانات قاما بتعدادهما عدا دقيقا. ولا سيما نوم الملك الذي رأى سبع بقرات سمان وسبع بقرات عجاف وسبع سنبلات خضر وسبع سنبلات يابسات قام بعدها وإحصائها في المنام وتذكر المسألة كاملة بعد الاستيقاظ. كلاهما يدلان على مسألتين غريبتين صادقتين على أن الملك لم يكن من المؤمنين الصادقين. إنه كان واحدا من الفراعنة الذين ملكوا مصر بالوراثة كما نظن.

لكن المنام كان أمرا غير واضح لمن عاش قبل يوسف وكانوا يظنون فيه الإلهام والأمر وخاصة حينما يكون المنام لأمر غريب. ليس في منام إبراهيم أعداد ولا مسائل تدل على ارتباطات صادقة بين قضايا تجمعت في منام واحد. لم يذكر القرآن غير أنه رأى في المنام أنه يذبح ابنه الوحيد يومه وهو اسماعيل. ومما لا ريب فيه أن إسماعيل لم يكن طفلا كما ظن المفسرون الكرام بل كان غلاما كاملا قادرا على الإقامة بنفسه دون الحاجة إلى الوالدين. وحينما نحقق في قصة إبراهيم فإننا لا نرى أمرا صريحا له بالرسالة ولكنه كان يقوم بأعمال من عنده والله تعالى وضح لنا بأنه كان وراءه يُعلِّمه. وأظن بأن إبراهيم لم يكن ليشعر بداية بأن الله تعالى يعلمه ولكنه فيما بعد شعر بأنه ينطوي على علم لا يمكن أن ينسبه إلى غير الله تعالى. لم يذكر القرآن بأن الله تعالى أمر إبراهيم بأن يدمر الأصنام ولكنه أخذ القرار بنفسه احتمالا.

رأى في المنام هو عين الرؤيا لأن الله تعالى استعمل نفس التعبير لبيان رؤيا رسولنا كما في سورة الأنفال: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً,,. فرسولنا رأى في المنام رؤيا وإبراهيم رأى في المنام رؤيا أيضا.

فإبراهيم رأى رؤيا في منامه وهو أنه يذبح ابنه. نعرف من إشارة إسماعيل بأنهما كانا يعتقدان بأن الرؤيا أمر من الله تعالى. لعل السبب هو أنهم كانوا يفكرون بأن النفس عاجزة عن أن ترى شيئا حينما تكون العينان مضمومتين في النوم فما يرونه هناك لابد وأن يكون بأمر الله تعالى وحده ليريهم في المنام فهو أمر منه. لقد تغير تصور البشر بعد قصة إبراهيم حول المنامات كما حصل ليوسف والملك المصري. إنهما طلبا تأويل منامهما ولم يُصدِّقا الرؤيا كما رأيا. ولعل قائلا يقول بأن إبراهيم أيضا أراد التأكد من تفسيره لرؤياه فسأل ابنه. قد يكون القائل مصيبا ولكني أظن بأنه كان على ثقة بأنه أمر من الله تعالى فأراد أن يرى مدى استعداد ابنه لتنفيذ أمر ربهما.

من هذه التحليلات نعرف مدى التطور الفكري لدى البشرية في تلك الحقبة من الزمان. فلو أن موسى أو نبينا رأيا مثل تلك المنام لقالا بأن الله تعالى يأمر بالعدل والإحسان ولا يمكن أن يأمر بقتل ابن بريء ولن يقوما بأي عمل بل كان يهملان مثل تلك الرؤيا. حتى لو فرضنا بأن إبراهيم رأى عدة منامات باعتبار أنه لم يقل لابنه بأنه رأى في المنام بالماضي بل استعمل الفعل المضارع فقد يكون بمعنى أنه كان يرى مثل تلك الرؤيا في المنام. بالطبع أن الآية لا تدل على ذلك واحتمال أخي قصي الموسوي بأنه كان يرى أحلاما مزعجة غير دقيق. إنه عرض أمرا واحدا على ابنه بقوله أرى في المنام أني أذبحك، ولم يقل بأنني أرى أحلاما مزعجة مرتبطة بك أو ما شابه ذلك. فالإضافة على قول الله غير صحيح برأيي والعلم عنده وحده.

فانظر ما ذا ترى:

النظر معناه الرؤية العينية أحيانا ولكن الغالب في القرآن هو الإمعان ومحاولة فهم الأسباب والتعمق في المفهوم العملي والقولي. فقال لابنه بأنه رأى في المنام بأنه يقوم بذبحه وكانا يظنان بأن الأمر في المنام وحي سماوي كما يبدو وطلب منه أن يفكر في المسألة ويسعى لفهم الحقيقة وثم يقول لأبيه رأيه. واسماعيل لم يختلف مع أبيه في الإيمان والإخلاص وحب الله تعالى ولذلك وكما نفهم من لحن الآية فإنه لم يتوقف في إبداء رأيه الموافق مع أبيه. أضاف إسماعيل بأن قام بتشجيع أبيه بأن يفعل ما يرياه أمرا إلهيا وسوف يجده بمعونة الله تعالى ومشيئته من الصابرين. وأحب أن أوضح بأن الطيبين يتحلون بنوع خاص من التواضع يجعلهم محببين عند الله تعالى وعند الناس. فقول إسماعيل لأبيه في الجملة الأخيرة من الآية الكريمة ينطوي على نكران غريب للذات. إنه لا يعتبر نفسه صابرا بل يطلب من ربه أن يجعله من الصابرين. ثم إنه لا يعتبر هذا الاستعداد الشخصي خاصا به بل هناك الكثيرون من أمثاله الذين قد يكونوا أفضل منه فيتمنى أن يكون واحد من أولئك الذين صبروا ويصبرون. سلام الله على إبراهيم وسلام الله على إسماعيل وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى جميع الصالحين.

وأما معنى الذبح.

قال أخي قصي الموسوي حسبما قرأته في مجموعة المودة بالإنترنت:

”أَذْبَحُكَ“ وهو نفس مفهوم الذبح الذي نستخدمه فنقول : إنَّ فلانًا ذبح إبنهُ بالعمل ولم يقدّر طفولته.   انتهى النقل.

أقول: إن المفهوم الذي يستعمله بعض العرب اليوم بمعنى الإرهاق أو التعجيز أو التعذيب غير وارد في القرآن. كما أن معنى الكلمات لدينا اليوم غير مجد لمعرفة معنى كلام الله تعالى الذي نزل قبل 15 قرنا على مجموعة عربية تعيش في مكة ويثرب. وأما القول بأن القرآن لا يمكن حصره لغويا في لغة قوم فهو باطل ولا سيما عند بيانه لقصص الغابرين. فلإبراهيم وإسماعيل قصة قد مضت ولا يمكن للزمان والمكان أن يؤثرا في تلك القصة. فلو أن أهل مكة قالوا ذبح وقصدوا بالذبح الإماتة فلا يمكن أن نقول بأننا نحن اليوم نقول ذبح ولا نقصد الإماتة فإبراهيم لم يقصد بأنه رأى بأن عليه أن يُميت ابنه إسماعيل. هي قصة مضت فإما أنه رأى بأنه يميته أو رأى بأنه يُرهقه أو رأى بأنه يقوم بعمل آخر حسب ما يقوله مجموعة أخرى من العرب في زمان آخر. فكل التفاسير خاطئة وباطلة إلا ما استند إلى فهم الذين أنزل عليهم القرآن.

مادة ذبح وردت 9 مرات في القرآن الكريم. بعضها من الأصل الثلاثي وبعضها مزيدا فيه من باب التفعيل أي التذبيح.

1. في سورة البقرة: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67). فهل يمكن تفسير الآية بأن الله تعالى أمر بني إسرائيل بأن يؤذوا ويرهقوا بقرة؟ لا أظن بأن أحدا يقبل بأن الله تعالى يأمر بإيذاء الحيوان المسكين.

2. في البقرة أيضا: قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (71). هل يمكن تفسير الذبح هنا بعمل بطيء مثل الإرهاق؟ ثم إنه تعالى أنهى الآية بأنهم لم يفعلوا ذلك بقوله وما كادوا يفعلون. فهل يمكن أن نفسرها بأنهم ما كادوا يرهقوا البقرة؟

3. في سورة المائدة ضمن الآية الثالثة: … وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ… فهل يمكن تفسير الآية بغير المعنى المتعارف من شق الحلقوم كما يقوله اللغويون وليس كما قاله الزميل الفاضل قصي؟

4. قال تعالى في سورة النمل عن هدهد سليمان: لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ َلأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21). نلاحظ بأن العذاب مذكور في الآية وهناك بديل عنه وهو أن يذبحه. فالذبح ليس التعذيب بأي شكل من أشكال التعذيب.

5. الآية مجال بحثنا من سورة الصافات.

6. قال تعالى في نفس سورة الصافات حول الفداء: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107). وقد فسره الزميل قصي وكأن الآية تقول بذَبح دون أن يقول رأيه حول الفرق بين الكلمتين أولا ثم إنه تجاهل معنى الفداء. إن شرحه قادم بعد قليل بإذن الله تعالى ولكن الذِّبح هنا لا يمكن أن يعني الإرهاق. فلو كان ذبَح يعني أرهق فإن مصدره الذَّبح  وليس الذِّبح لأنه اسم للمفعول.

والموارد الثلاثة الأخرى فهي حول التذبيح وهي ليس ضمن مجال بحثنا الآن.

لم أر ولم ير الزميل قصي كما أظن أية آية قرآنية تساعده على المعنى الذي تفضل به كمعنى للذبح. ولقد راجعت خمسة كتب معروفة في اللغة العربية وهي:

مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني

لسان العرب لابن منظور

صحاح اللغة للجوهري

القاموس المحيط للفيروزآبادي

مقاييس اللغة لابن فارس.

كلهم مجمعون على أن الذبح يعني شق الحلقوم ولم يأت أي منهم بالمعنى الذي قاله الزميل قصي وهو الإرهاق حتى في المجاز و الاستعارات.

وقد وصف أخي قصي بيانا جميلا في معنى الذبح ولكن دون دليل من كلام العرب الأقدمين الذين أنزل القرآن بلسانهم، فقال:

فالذبح يعني: استفراغ طاقة المقابل من أجلِ فائدةٍ وهدفٍ معيَّن ينفعنا.   ولكونه فعلاً متعديًا فهو على هذا الاساس ينطوي على مستويات مختلفة تبدأ مما هو فوق الصفر بقليل وتنتهي باستفراغ كامل طاقة المذبوح بالإماتة والإهلاك.

وأتى بعده بمقارنة جميلة رنانة في الفرق بين الذبح والقتل ولكن دون دليل أيضا. إنه كلام شخصي بديع لا يجوز أن نفسر به كلام الله تعالى المنزل على لسان عربي مبين. وليس الزميل قصي هو مالك اللسان العربي المبين لنستند إليه بل عليه أن يأتي بدليل من أصحاب اللسان. أما التذبيح فهو غير الذبح وهو شبيه بما قاله أخي قصي في تعريف الذبح.

فليس لنا إلا أن نفسر كلام إبراهيم بأنه رأى في المنام بأنه يشق حلقوم ابنه إسماعيل ليذبحه حتى الموت فعلا وظن بأنه أمر من الله تعالى. وهذا هو أساس الموضوع القرآني الذي أكسب إبراهيم وإسماعيل ذلك الأجر المثالي الرائع من ربهما. أنا لا أشك بأن إبراهيم أخطأ في فهم الرؤيا وأخطأ في ظنه بأن الرؤيا أمر من الله تعالى ولم يقل الله أبدا بأنه هو أمره بذلك.

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104).

لم يشهد الله في القرآن لأي نبي بأنه أسلم فعلا عدا هذين النبيين العظيمين. يأمر الجميع بأن يسلموا وبأن يقولوا بأنهم أول المسلمين ولا يقول سبحانه بأنهم فعلا أسلموا. إن التسليم هو أعظم وأكبر مرحلة يصل فيها العبد إلى الخضوع باختيار.

فللخضوع ثلاثة مراحل برأيي المتواضع:

الإيمان والعبادة والتسليم.

الإيمان:

فنحن نبدأ بمعرفة الله تعالى ونسعى لنستيقن بوجوده فنعتقد به اعتقادا معرفيا راسخا. هناك نسعى لنتعرف على أوامر ربنا فنجعلها في مقدمة أهدافنا وأعمالنا. هكذا نؤمن بالله تعالى بمعنى أننا نتوجه بقلوبنا وراء أوامر الله تعالى لأننا مستيقنون بأن الله تعالى هو الحكيم الرحيم ولا ننتظر من غيره مزيدا من الرحمة أو مزيدا من الحكمة. فهو وحده الذي يستحق أن نتبع أوامره وهو وحده الذي يمكن لأي عبد من عبيده دون فرق أن ينتظر رحمته في هدايته ومساعدته وإعداد المقومات له ليعيش حياة طيبة ويؤدي اختباره بأمر ربه أداء سهلا.

العبادة:

وأما العبادة فمعناها الخضوع الاختياري. بمعنى أن العاقل المدرك المختار حينما يرى الفضل والكرم والهدى وكل أنواع المساعدة من ربه فإنه لا محالة يشعر بالحب العميق والخاضع وبالشكر من الأعماق وبالطاعة العمياء لربه الحكيم العليم الرحمن عز اسمه. وحينما يشعر به فإنه يأتي به كالمنقاد خاضعا خاشعا. هذه هي العبادة.

التسليم:

وأما التسليم فهو آخر مرحلة من مراحل الخضوع الاختياري لله تعالى. هو أنه يستعمل فكره وعقله ليتعرف على أوامر ربه ولكنه بعد أن عرفها لا يفكر في العواقب ويتوكل على الله تعالى. هذه مرحلة في غاية الصعوبة حتى على الرسل. يقول الله تعالى معلما نبينا في سورة المزمل: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (9). نلاحظ بأنه سبحانه ذكر اتخاذ الله وكيلا بعد الأمر بالعبادة والتبتل.

إبراهيم كان يرى بأنه عاجز عن تنفيذ الأمر كما أن ابنه إسماعيل يرى ذلك أيضا. لكنهما شعرا بأن الله تعالى لا يمكن أن يأمرهما أمرا لا يساعدهما على تنفيذه. كما شعرا بأن الذي يتخذ الله تعالى وكيلا فإنه ينتظر من ربه أن يساعده ويعلمه ويهديه حتى إذا أخطأ. ذلك لأن الخطأ الصادر من قلب مؤمن بالله تعالى ومفوض أمره إلى ربه فهو لا ينطوي على تعمد ولا على أنانية ولا على جحود لسيد الكائنات جل جلاله.

إنهما شعرا بأن الله تعالى أمرهما بذلك الأمر وقد أسلما لله تعالى فعلا وسعيا لتنفيذ أمره لكن إبراهيم لم يتمكن من ذلك. هذا ما يصفه الله تعالى في المقطع التالي للتسليم وهي:

وتله للجبين.

تله فعل والهاء فيه يعود إلى أحدهما كما أن الضمير المستتر في تل قد يعود إلى الشخص الثاني منهما أو إلى نفس التسليم. لو قلنا بأن الضمير المستتر في تله يعود إلى إبراهيم والهاء يعود إلى إسماعيل كما ظن المفسرون فهناك نحتاج إلى أن نجد معنى مقبولا لفعل تل. دعنا نفترض صحة ظن المفسرين الكرام ونبحث عن معنى تل في لغة العرب. ّ

قال صاحب القاموس: تل جبينه: رشح جبينه بالعرق.

وقال صاحب لسان العرب: تل جبينه يتل تلا: رشح بالعرق… إلى أن قال: قال أبو الحسن: يقال إن جبينه ليَتِلُّ أشد التل، وحكى ما هذه التلة بفيك؟ أي البِلَّة. وسأل عن ذلك أبو السميدع فقال: التَّلل والبَلل والتِّلَّة والبِلَّة شيء واحد؛ قال أبو منصور: وهذا عندي من قولهم تلَّ أي صبَّ. ومنه قيل للمِشربة التلتلة لأنه يصب ما فيها في الحلق.

وقال الزبيدي في تاج العرس: تل جبينه أي رشح بالعرق. وقال مثلما قال لسان العرب أو أكثر من نفس المعاني.

وقال معجم الغني: تلَّ، تل الماء، قطر، رشح، تل العرق.

أما المعجم الوسيط فاكتفى بقوله: التلل يعني البلل.

فهناك اتفاق بينهم بأن تل جبينه يعني رشح بالعرق. ولم أجد أحدا يقول: تل إلى الجبين يعني بنى الحيطان إلى الجبين. لم يقل قصي كيف توصل إلى هذا المعنى لكلمة تل من واقع القواميس أو من واقع منهجه اللفظي الترتيلي الذي نادى به في بداية المحاضرة الكريمة. في الحقيقة أن الزميل قصي لم يفسر كلمة تل في ما نشره في مراكزنا العلمية إطلاقا. إنه انتقل بعد بيان هذا المعنى الخيالي البعيد عن اللغة وعن منهجه إلى الآية الثانية ليتحدث عن الواو ويفصله تفصيلا. إن مربط الفرس هو تله للجبين وكان عليه أن يسعى لإثبات تفسيره لتلك الآية ولكنه لم يفعل.

كما أنني لم أجد كتابا لغويا يجمع كلمة تل مع الجبين لغير العرق النازل من الجبين بغزارة لقولهم أن تل يعني صب. ولا أدري كيف تمكن الشيطان الرجيم من إبعاد المفسرين الكرام من المعنى الأصلي لتل الجبين إلى معاني خيالية لا تمت إلى الواقع بصلة. لم يبحث المفسرون كيفية الوصول إلى معنى ألقى إبراهيم إسماعيل على جبينه أو على تلة وما شابه ذلك. هذا يعني بأن إبراهيم سعى لذبح ابنه من القفا وهو نوع من القتل ولكنه ليس ذبحا. الذبح يعني شق الحلقوم ولا يعنى قطع الرقبة من الخلف.

نجد مع الأسف أن المفسرين الكرام والزميل المكرم قصي ذهبوا وراء الخيالات بعيدين عن المعنى الأصلي للجملة العربية المعروفة في كلام العرب.

هذه هي مشكلة الإنسان حينما يعود إلى السلف كالمفسرين وهذه هي مشكلته حينما يتخيل ويسعى لتطبيق كتاب الله تعالى مع خياله كأخي قصي. أستغفر الله تعالى لي ولهم جميعا وللذين ظنوا بأنهم مصيبون جميعا لأنهم جميعا سعوا لفهم كتاب السماء ولكن من زوايا غير دقيقة بل باطلة.

المعنى في غاية السهولة وهو أن إبراهيم حينما أسلم مع اسماعيل لمِا ظنا بأنه أمر الله تعالى فإن هيبة العملية الخطيرة أخذ بقلب إبراهيم فسال العرق من بدنه حتى صبت من جبينه الشريف. هذا يعني بأنه فقد قواه وخارت عزائمه فلا يقدر على القيام بما ظن بأنه أمر الله تعالى. هذا هو الكرب العظيم وهذا هو المكان الذي يتدخل فيه ربه لينجيه من كربه وذلك قال سبحانه: وناديناه؛ بلفظ العطف. هذا معنى الثقة بالله وتوكيل الله تعالى لمساعدته ولتصحيح أخطائه إن أخطأ. إن إبراهيم ينتظر من ربه أن يساعده ويهديه الآن وقد جاءه الفرج في اللحظة الحاسمة. لكن الله تعالى أخره لتلك اللحظة حتى يُقدم إبراهيم على أمر لا يقوى عليه سعيا لإرضاء ربه ثم ينجيه. ولذلك قال الله تعالى في سورة مريم بأن إسماعيل كان صادق الوعد بمعنى أن إسماعيل صبر فعلا ولكن إبراهيم فقد قواه. ولعلمكم فإن المصاب بالسكتة القلبية يترشح بدنه حتى الجبين بالعرق الشديد.

قال تعالى في سورة مريم: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا (54). سورة مريم تتحدث عن الدعاء المستجاب وتتحدث عن الأنبياء الذين مروا على مراحل الدعاء المستجاب فيذكر فيها إبراهيم ولكن ليس في قصته مع اسماعيل. لكن السورة تأتي باسم إسماعيل لوحده بأنه كان صادق الوعد. لقد فسرتُ صدق وعد إسماعيل ومروره بمراحل الدعاء بأنه عليه السلام في تلك اللحظة الحرجة دعا ربه أن ينجي أباه من كربه في ذبح ابنه. لعله فكر في أن أباه سوف يفقد مصداقيته بين الناس لأنه قاتل ابنه أو أي أمر آخر. إنه كان صادق الوعد وأراد أن يصبر للنهاية مفوضا أمره إلى الله تعالى لكنه دعا لأبيه في الواقع. وضحت لهم كيف مر إسماعيل في لحظات قصيرة بكل مراحل الدعاء الخمسة وقام بأعظم صبر ممكن واستجاب الله تعالى دعاءه ونجى أباه من كربه كما نجاه من الموت وفداه بذبح عظيم.

ولذلك ليس هناك أي دليل من القرآن بأن إبراهيم تجاوز في تسليمه لله تعالى حد الحديث مع ابنه. إنه لم يتحمل أن يتصور هول الذبح حتى انهار وأدركه ربه قبل أن يسيطر عليه الوجوم والذعر. وحينما نقرأ الآيات التالية نشعر بأن الفداء ليس لإسماعيل بل لإبراهيم نفسه كما سيأتي.

ولعل القارئ الكريم يحب أن يكتشف السبب في توافق اللغويين مع المفسرين في بيانهم الخاطئ لمقطع وتله للجبين فإننا بعد البحث نصل إلى لنتيجة التالية:

قال الصحابي لبيد بن ربيعة العامري قبل إسلامه:

رابِطُ الجأْشِ على فَرْجِهِمُ         أَعْطِفُ الجَوْنَ بمربوعٍ مِتَلِّ

الجون هو اسم فرسه. هذا هو الشعر الوحيد الذي استدل به ابن فارس وابن منظور لإثبات أن تله للجبين يعني صرعه بخلاف الرأي العربي السائد في معنى الجملة. فقال ابن فارس في المقاييس تحت عنوان تلل:

ذكر في البداية أن للجذر أصلان الانتصاب وضده!

ثم قال عند بيانه لضد الانتصاب:

والمِتَلُّ: الرُّمح الذي يُصْرَع به. قال الله تعالى: وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات 103]. ثم قال لبيد:
رابِطُ الجأشِ على فَرْجِهِمُ    أَعْطِفُ الجَوْنَ بمربُوعٍ مِتَلّ

يقول: أعطفه ومَعِي رُمْحٌ مِتلٌّ.    انتهى.

ثم ننظر إلى نفس ابن فارس كيف يفسر نفس الشعر تحت مادة  ربع:

ومَن قال هذا القولَ ذهب إلى أنّ الباء بمعنى مع، كأنه قال: أعطف الجونَ – وهو فرسه- ومعي مربوع مِتَلٌّ.
وقياس الرَّبْعَة* من الباب الثاني.

والقولُ الثاني أنّه أراد عِناناً على أربع قُوىً.

وهذا أظهرُ الوجهين.  انتهى قول ابن فارس

فاستدلال ابن فارس بشعر لبيد ليعطي معنى الصرع من باب عدم عثوره على شعر عربي يدل على ذلك سوى شعر واحد بتفسير ضعيف.

وأما ابن منظور مؤلف لسان العرب فقال في مادة تلل:

ورُمْحٌ مِتَلٌّ: يُتَلُّ به أَي يُصْرع به، وقيل: قويّ منتصب غليظ؛ قال لبيد:

رابط الجَأْشِ على فَرْجهم         أَعْطِفُ الجَوْنَ بمَرْبُوعٍ مِتَلُّ

المِتَلُّ: الذي يُتَلُّ به أَي يُصْرَع به؛ وقال ابن الأَعرابي: مِتَلٌّ شديد أَي ومعي رُمْح مِتَلٌّ، والجَوْن: فَرَسه.
وقال شمر: أَراد بالجَوْن جَمَله، والمَرْبوع جَرِيرٌ ضُفِرَ على أَربع قُوًى؛ وقال ابن القطاع في معنى البيت أَي أَعْطِفه بعِنَانٍ شديد من أَربع قُوًى؛ وقيل: برمح مربوع لا طويل ولا قصير
.

انتهى ما أردت نقله من لسان العرب.

وأتى ابن منظور بشعر آخر للكميت. ولا عبرة بقول الكميت هنا لأنه من شعراء المسلمين الذي ولد عام 60 هجرية.

ولكن ابن منظور قال شيئا آخر في بيانه لمادة ربع:

والرَّبْعُ: مصدر رَبَعَ الوَترَ ونحوه يَرْبَعه رَبْعاً، جعله مفتولاً من أَربع قُوًى، والقوة الطاقةُ، ويقال: وَتَرٌ مربوع ومنه قول لبيد:

رابِطُ الجأْشِ على فَرْجِهِمُ         أَعْطِفُ الجَوْنَ بمربوعٍ مِتَلِّ

أَي بعنان شديد من أَربع قُوًى.

ويقال: أَراد رُمْحاً مربوعاً لا قصيراً ولا طويلاً، والباء بمعنى مع أَي ومعيَ رُمْح.

انتهى كلام ابن منظور في لسان العرب.

لاحظنا بأن اللغوي المعروف في تلل لم يفسر المتل بآلة القتل ولكنه ذكر قولا للغير يفسر المتل كما قالوا.

ولذلك لا أظن بأننا سنرى دليلا واضحا على أن العرب الأوائل استعملوا جذر تلل للقتل والصرع أو للإسقاط على الأرض بقصد الذبح. كل سعيهم برأيي دار مدار إسناد ادعاء المفسرين الذين ذهبوا وراء الاسرائيليات احتمالا.

ولذلك فأنا أسند بالكامل قول أخي قصي الموسوي بأن طريقة الذبح المذكورة في التفاسير طريقة بشعة غير إنسانية وغير مريحة. نحن مأمورون باللطف بالحيوان حين ذبحه فكيف يتهمون نبيا عظيما مثل إبراهيم بأنه رمى ابنه البريء على جبينه على الأرض ليذبحه امتثالا لما ظن بأنه أمر الله تعالى. فهل أمره الله تعالى بأن يذبح ابنه بقسوة أيضا؟؟ معاذ الله.

نعود للآيات الكريمة:

إذن وناديناه أن يا إبراهيم، جزء من البيان العام للقصة بأن إبراهيم فقدَ قدرته فجاء دور ربه لحمايته ونجاته من الكرب العظيم كما هو المعهود معه سبحانه. نجاه الله تعالى بأن ناداه: يا إبراهيم، لينتبه بأن الفرج بانتظاره.

قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ (106). لا نعرف بالضبط كيف تم النداء. أغلب الظن المناسب لهذا المقام أن يسمع إبراهيم صوتا ليستيقن كما سيسمعه إسماعيل أيضا فيستقر قلبه لذلك الصوت. لكن الجملة التي سمعها لا تعني ما فهمه المفسرون ولا ما فهمه الزميل قصي برأيي. صِدق الرؤيا يعني حصوله أو حصول تأويله في الخارج ولكن تصديقه لا يعني ذلك. صدَّق يعني قال بأن ما سمعه أو ما رآه صادق أو صحيح. نحن نستعمل التصديق حتى في استعمالاتنا الحالية اليومية على هذا الأساس. والله تعالى استعمل حصول الرؤيا في الخارج بالثلاثي المجرد صَدَق. قال تعالى في سورة الفتح: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27).

وهذا خطأ آخر من الإخوة المفسرين ومن أخينا قصي بأنهم ظنوا أن التصديق بمعنى الصدق.

فالله تعالى يخاطبه بصيغة الاعتراض بأنه ليس صحيحا أن يصدّق الرؤيا فكيف صدَّقته؟ لا أريد أن أجزم بذلك ومن الأفضل أن نقول بأن الله تعالى أراد أن يعلم إبراهيم بأن الذي يرى الرؤيا يحتاج إلى أن يفهم تأويلها لو كانت الرؤيا بنفسها صحيحة ولا يعمل أحد بالرؤيا كما رآها. لننظر إلى رؤيا حفيده يعقوب كيف فسر رؤيا ابنه يوسف وليوسف نفسه كيف فسر رؤيا الملك. رأى يوسف بأن الملك قد رأى كائنات مختلفة عده عدا دقيقا فنظر في ماهياتها وفسر الرؤيا على أساسها ولم يفسرها كما هي.

لكن إبراهيم كان ينتظر من ربه أن يهديه، وها هو ربه يقول له ما يُفهم منه بأنه كان عليه ألا يُصدِّق الرؤيا. لقد فكر في كلام ربه دون شك ولكن قبل أن يكمل تأملاته، أكمل الله تعالى تعليمه إياه بأنه كذلك يجزي المحسنين. معنى ذلك بأن الله تعالى أخَّر تعليمه حتى يتكامل الإحسان لديه فيكسب الجزاء الأوفى. إن الله تعالى لا ينظر إلى الأفعال ونتائجها بل ينظر إلى النوايا. كانت نية النبي وابنه نية صادقة طيبة تبتغي رضوان الله تعالى. فصبر الله تعالى ليظهر علو مقامهما وخلوص قلبيهما ثم وافاهما الهدى. كل ما حصل بعض الخوف في قلبيهما وبعض الذعر في قلب إبراهيم. والعلم عند الله تعالى.

ثم طمأنهما ربهما بأن ما فعلاه ليس جزاء لما كسبت يداهما من خطإ بل هو بلاء في شدة الوضوح. لا يمكن أن ينسى الله تعالى عبيده المخلَصين ولكنه يبليهم ليرفع من درجاتهم دون أن يقوموا بعمل خاطئ أو يتعرضوا لعذاب مهلك. وهو العليم الخبير.

نأتي أخيرا للآيتين الختاميتين لموضوعنا:

وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (108).

ما قاله المفسرون بأن الله تعالى فدى تلك الحادثة التي كادت تودي بحياة شاب بريء وبتلطخ يد نبي بريء آخر بدم ذلك الشاب البريء فهو في أصله قد يكون صحيحاً. ولكنهم اختلقوا كبشا سماويا وما شابه ذلك لهو أمر مضحك. فكأن السماء مزرعة لتربية الأكباش!!

وأما ما قاله الزميل قصي الموسوي: .

تقول الملائكة: ولأنَّ إبراهيم قام بكل ذلك بمنتهى الإخلاص فقد جعلنا لعمله أجرا ولجهوده فداءا كبيرا.

أقول:

الفداء يكون لتخليص شخص من السجن أو الهلاك ولم يقل أحد بأن الفداء أجر مقابل الإخلاص. قال الراغب في المفردات:

الفدى والفداء: حفظ الإنسان عن النائبة بما يبذله عنه. ثم جاء الراغب بمجموعة من الآيات القرآنية التي تعطي نفس المعنى لإثبات صحة تعريفه ولم أر في كلامه خطأ فهو مصيب برأيي. وقد ورد جذر الفداء 12 مرة أخرى وكله في بيان البذل مقابل النائبة كما قال الراغب. ولذلك أظن بأن أخي قصي ابتعد كثيرا عن الموضوع. أرجو له من الله التوفيق للمزيد من الاحتياط في المستقبل بإذنه تعالى.

وأما بقية ما تفضل به الزميل الكريم بأن الناس يذبحون أنفسهم لأداء فريضة الحج في الصحراء وبأن هذا الذبح يمثل الفداء فهو غير وارد اليوم. فمكة مدينة جميلة وكانت مدينة طيبة أيام رسول الله ولم تكن صحراء ولا يذبح الحجيج اليوم أنفسهم بل يسافرون إليها بالطائرات الحديثة والسيارات المبردة على الطرق المبلطة تبليطا جيدا فلا يذبح أحد نفسه في طريق الحج. ولم يقل الله تعالى بأنه فداه بذَبح عظيم، بل قال: فداه بذِبح عظيم. والفرق بينهما هو أن الذَّبح مصدر ذبح يذبح فلو كان تفسير أخي العزيز قصي لأصل الكلمة صحيحا وكان القرآن مستعملا المصدر لكان لما تفضل به معنى.

لكن الذِّبح يعني المذبوح فهو ليس مصدرا ولو كان كلما قاله الزميل العزيز صحيحا لقال سبحانه: وفديناه بمذبوحِين عظماء. ولو فرضنا بأن الله تعالى قال ذلك لما كان صادقا على الذين يحجون بعد نزول القرآن. لأن الجملة حينئذ تكون إخبارا عن أمر انقضى وليس تقريرا أو حكما لأمر قادم. ومن الغريب أن الزميل قصي يعتقد بأن الفعل الماضي معناه الفعل الذي مضى وليس الفعل الجازم بخلاف النحويين وعلماء اللغة ولكنه هنا قال بأن فديناه يعني أمر سبحانه بأن يُفدى (إبراهيم أو إسماعيل أو كلاهما) بمذبوحين عظماء.

على كل حال فإن الآية الكريمة تدل على أن الله تعالى نجى أحدهما من الموت بفداء عظيم وهو ذِبح. فلنفكر من هو ذلك الشخص، هل هو إسماعيل أم إبراهيم؟

لنقرأ الآيات مرة آخرة لنرى مرجع الضمائر:

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (108).

أسلم إسماعيل وإبراهيم لأمر السماء حسب ظنهما.

هذا التسليم سبب حركة فيزيائية قاسية لأحدهما مما ملأ بدنه حتى الجبين بالعرق. هذا العرق الشديد قد يكون بسبب الحر الشديد فالحر مشترك بينهما؛ وقد يكون بسبب أي مرض آخر طرأ على إبراهيم. أحد الأمراض الطارئة التي تسبب العرق هو مقدمات ومقارنات السكتة القلبية حيث يضطرب البدن اضطرابا شديدا يؤدي إلى العرق الشديد حتى الجبين. من هذ التحليل نجد بأن هناك  شخص إسماعيل معرض للذبح من شخص أسقطه التسليم لما ظنه أمرا من الله تعالى فاستولى عليه هول هذا التسليم بكل قسوة فهو أكثر عرضة للموت من ابنه إسماعيل.

نجد بأن الله تعالى يتحدث بعد هذا عن أحدهما وليس عن كليهما فمرجع كل الضمائر هو أحدهما. إنه إبراهيم لأن الله تعالى يصرح باسمه دون اسم إسماعيل في نهاية المجموعة الكريمة من كلام الله تعالى.

وناديناه: يعني نادينا إبراهيم.

وفديناه: يعني فدينا إبراهيم.

وتركنا عليه: يعنى تركنا على إبراهيم. وكل الآيات الأربعة المتشابهة في السورة تتحدث عن أشخاص ويعيد ضمير تركنا عليه إلى الشخص لأن الله تعالى يقول في إحدى الآيات الأربعة: وتركنا عليهما في الآخرين مشيرا إلى موسى وهارون. والآيات الثلاثة الأخرى عن نوح وإبراهيم وإلياس. فالله تعالى فدى إبراهيم بذبح عظيم ولم يفد إسماعيل. إن إبراهيم كاد يموت من هول المصيبة ولكن إسماعيل الشاب لم يتأثر كما تأثر أبوه. فدى الله تعالى إبراهيم بذِبح عظيم. وترك الفداء على إبراهيم في الآخرين.

وأما ظني بأن المقصود هو ما يذبحه الحجيج في مكة يوم عيد الأضحى فهو لسببين:

السبب الأول: ما قاله المفسرون بأن الروح القدس أتى بكبش فداء من عند الله تعالى لهو أمر غير مذكور في القرآن وغير ضروري. وأما الذين قالوا من السماوات فهو كلام غير بليغ برأيي. ولذلك لم أجد في كتاب ربنا ذِبحا غير ما يقوم به المسلمون يوم عيد الأضحى فاحتملت هذا الاحتمال.

وأما السبب الثاني: فهو أن ما تركه الله تعالى على إبراهيم في الآخرين دون إسماعيل هو هذا الذبح الذي عينه فداء له. وليس لإسماعيل دور في هذا المجال سوى صبره الذي مدحه الله تعالى في سورة مريم ونعته خير نعت هناك. ثم كرره في سورة الأنبياء. ففدى الله تعالى موت إبراهيم إثر الضغط أو السكتة القلبية أو توقف البدن عن أي تجاوب مع النفس بذِبح عظيم. ولا نجد في قرآننا وفي أعمالنا العبادية غير أضحية عيد الأضحى وكنت أظن بأنها لأجل إسماعيل ولكني بعد الإمعان أكاد أجزم بأنها لأجل إبراهيم وليس إسماعيل.

والقول بأنها شعائر إبراهيمية لا يعني بأن إبراهيم هو مبتكر هذه الشعائر. من الصعب أن ننسب شعائر الله تعالى إلى البشر ولكنهم يقولون بذلك باعتبار أن إبراهيم هو الذي بدأ بأمر الله تعالى لإقامة هذه الشعائر. إن بناء البيت ليس من ابتكار إبراهيم حتى لو فرضنا بأن المقصود من البيت هو الكعبة وليس بناء البيت بحاجة إلى مهندسين ومصممين. الكعبة عبارة عن غرفة يبنيها معمار أو أي شخص عادي وتطهير البيت بمعنى تطهير مكة كما أرى لا يحتاج إلى مهندسين ومصممين. ولم يكن إبراهيم ليعرف أسرار تلك البقعة الطاهرة إلا بعد أن أمره الله تعالى. نعم دعا إبراهيم بعد أن استلم أمر ربه بإسكان إسماعيل وبتطهير المنطقة أن يجعله الله تعالى بلدا آمنا ويرزق أهله من الثمرات. إنه وابنه دعوا لنا لنكون مسلمين. فأرجو من أخي قصي ألا ينسب شيئا لم يقله الله تعالى إلى عظماء بشريين جاؤوا قبل آلاف السنين.

وأما ما قاله أخونا الفاضل الشيخ خالد الطحاينة فهو مردود كما وضحه بكل جلاء سيادة الدكتور كمال شاهين. وأنا أحب أن أضيف إليه بأن الله تعالى لا يمكن أن يأمر بما ظنه أصحاب الروايات والقصص المفتراة على رسول الله عليه السلام. أتمنى أن يترك الشيخ دفاعه عن المحدثين ويسعى للدفاع عن نفسه أمام الله تعالى ويفكر في ذلك اليوم العظيم الذي يقف فيه جميع الأنبياء منتظرين حكم ربهم فيهم ليغفر لهم خطيئاتهم. كيف ننسب الأمر بقتل الأبرياء إلى الرحمن الرحيم دون علم؟ نحن هنا في دار الاختبار لتتبين سلامة نفوسنا من شقائها فلو لم يكن كل أوامر الله تعالى منسجمة مع ما منحنا هو سبحانه من عقل فكيف يقيم العدالة بيننا بالعقل؟ نحن عرفنا ربنا بالعقل واتبعنا كتابه بالعقل أيضا وآمنا برسله جميعا بما عرفناه من كتابه الذي ميزناه عن غيره بالعقل.

قال تعالى في سورة يوسف: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2). فالعقل هو الأساس لدى الإنسان والقرآن عامل مساعد لتقوية العقل بالعلم وببيان الله تعالى الباعث للطمأنينة. والعقل يرفض أن نقول بأن الله تعالى بعباده رؤوف رحيم ولكنه يأمر أحيانا بقتل الأبرياء من عباده!

العقل يرفض القول بأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها لكنه يكلف إبراهيم العجوز بما ليس بوسعه!

يرفض العقل رفضا قاطعا أن يكون القتل عدلا أو إحسانا والله يأمر بالعدل والإحسان ولا يمكن أن يأمر بما ليس هو عدلا ولا إحسانا.

ليست المشكلة عند أخي قصي ولا عند الشيخ الطحاينة ولكن المشكلة عند السلف الذين فسروا الآيات الكريمة بدون التوجه إلى اللغة العربية. ومما لا شك فيه أن رسول الله عليه السلام لم يقل ما قالوه إذ أنه عربي كان يعرف لغة العرب بدقة وقد أرسل القرآن بلسانه هو قبل أي شخص آخر. فهو فهم مقصود الباري جل شأنه ولكن الناقلين ذهبوا وراء الإسرائيليات. فالسيد قصي مضطر أن يبحث عن تفسير ليدافع عن منطق القرآن الذي لا يقبل الأمر بقتل الأبرياء والشيخ الطحاينة مضطر أن يسعى لتأييد بيان السلف ولو كان مخالفا للعقل ومخالفا للأصول القرآنية المبنية على أساس الحق والعدل وليس على الأهواء. إن الشيخ يصور لنا الله تعالى الرحمن الرحيم وكأنه ملك من ملوك بني العباس أو بني أمية.

إن الله تعالى الذي يقول: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض، فهو سبحانه يسعى لذكر دليل ليقنعنا ويخرج الشك من قلبنا ولا يتحدث القرآن بلغة الذين لا يؤمنون بالمنطق.

يقول سبحانه في سورة الزخرف: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84). والسماء بالنسبة لنا هي الشمس فهل في الشمس أناس يطيعون الله تعالى أم أن الشمس خاضعة لله تعالى؟ وكيف تخضع الشمس غير المدركة؟ ذلك لأن الله تعالى حكيم يقدر كل حركة بحكمته وعليم يعلم كل النتائج فيعد العدة لها ويخلق ما يخلق بعد أن يعد المخلوق للسير الطبيعي في مساره بيسر وسهولة. إنه يمنع الشمس من الخروج عن مسيرها بحكمته وعلمه وليس بأن يفرض عليه وهو القادر على أن يفرض. قال تعالى في سورة فصلت: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11). استوى إلى السماء يعني خلق السماء بحيث يمكن بسط السيطرة الكاملة عليها فاستوى عليها (لاحظ  حرف “ثم” رجاء). وحتى تتبلور الفكرة كاملة وباختصار فإن كلمة طائعِين بكسر العين لا يدل على كل السماوات وكل الأرض أو حسب تعبيرنا كل الأرضين. فالسماوات والأرض جميعا سرن ضمن نظام وضعه الله تعالى مناسبا لها ولم يعاملها بجبروته.

فكيف يتوقع الشيخ أن يخلقنا ربنا مختارين ثم يأمرنا أوامر غير عقلانية وخارجة عن وسعنا؟ هل يريد الله تعالى أن يثبت لنا نظامه وعدله أم أنه والعياذ بالله متهور يتحدث بشهواته؟ حاشاه سبحانه وهو ليس محتاجا لأن يترك النظام. لكن الشيخ الفاضل اشتبه عليه الأمر لأنه اتبع الذين مضوا وقلدهم دون التوجه لأشرف نعمة أنعم الله تعالى علينا نحن البشر بها وهي نعمة النفس المدركة. أتمنى أن يتبع الشيخ العاقل مفاهيم القرآن بعيدا عن أقوال بشر أقل منا علما ممن مضوا.

أحمد المُهري

27/12/2013

#تطوير_الفقه_الاسلامي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s