المؤنة كاترين 24- عن الزواج والصداق والمهر


المؤمنة كاترين

المقطع الرابع والعشرون

ماري تفاتحهم بمسألة عاطفية ممتعة

ماري:

شكرا يا عم محمود. أتعبتك كثيرا واسمح لي بأن أعرض مسألة يهمني إنجازها قبل أن أسافر. فأنا أشعر بأن الخجل يمنع بعض الناس من أن يتولوا بعض الأمور ولعل من واجب أصدقائهم وأهلهم أن يتحدثوا نيابة عنهم.

فتح علوي وكاترين عينيهما لمقولة ماري. بالطبع أن كاترين كانت تعرف أكثر من علوي ما تقصده ماري. لكن العم محمود كان في غفلة كاملة عما تقصده ماري.

محمود:

تفضلي يا ماري.

ماري:

تعلم يا عم محمود بأن علوي فقد زوجته رحمها الله تعالى وله ولدان منها وهما صغيران يحتاجان إلى عناية الأمومة. وأنا أرى بأن كاترين فتاة طيبة مؤمنة وهي كبيرة نسبيا ولم تتزوج وهي تحب علوي وتحب ولديها. ولذلك أرى بأن من صالح الطرفين أن يرتبطا برباط الزوجية فأراهما متكافئين طيبين وأرى كل شروط الزواج متوفرة. كلاهما يعملان معا وهما في العمل راضيان من بعضهما البعض ولا معنى لأن يعيشا عازبين. فما رأيك يا عم محمود؟

محمود:

مقترح طيب ونظرة إيمانية رائعة فلا أرى أنا أيضا أي مانع يحول دون زواجهما. كما شعرت بأن ولدي علوي يحبان كاترين ويخاطبانها خطاب الأمومة. وخير البر عاجله. دعنا نكمل المسألة في هذه الجلسة. فلنستمع إلى رأيهما أولا.

سكت علوي وسكتت كاترين وشعرا بأنهما فقدا الشجاعة ليبوحا بما يدور في قلبيهما. خيم السكوت على الجميع لعدة دقائق. ثم رفعت ماري رأسها لتخاطب علوي.

ماري:

أخي علوي هل ترى في اقتراحي صوابا أم لا؟

علوي:

بالتأكيد أنك صائبة. ولكن لا أدري كيف تتم العملية ولا أدري رأي كاترين. إنها زميلة طيبة وأمينة وأنا أشعر بأنها تقطع عني تعبا مضنيا في العمل. بمعنى أنني أشعر فعلا بالحاجة إليها لضمان الصحة في معاملاتنا البنكية الخطيرة. لكنك تعرضين علينا مسألة أخرى أكبر من العمل. لم نتحدث أبدا من قبل وما فكرت في الموضوع ولذلك لا أعلم شيئا إطلاقا عن رأي كاترين.

كاترين:

تهم بالكلام ولكن الخجل يمنعها، فتسكت.

ماري:

هيا كاترين ردي علينا. نحن بانتظار رأيك.

كاترين تقول في نفسها، كم هي طيبة ماري فيا ليتني تعرفت عليها من قبل. وبما أن كاترين تجيد الفرنسية إجادة تامة وتكلم ماري بلغتها فالتفاهم اللغوي الدقيق بينهما منح كاترين علاقة قلبية بماري. وأخيراً جمعت كاترين شجاعتها لتقول.

كاترين:

علوي يعرف كم أنا أحبه وأحب ولديه فلو ارتبطنا زوجيا أم لم نرتبط فأنا وعلوي نكمل بعضنا البعض. ولذلك فهو الذي يقرر وأنا الذي أنفذ تماما كما نفعل في العمل.

ماري:

نعتبر هذه موافقة من كاترين ونقوم الآن بالإجراءات. هل أنت يا علوي موافق مع اقتراحي وكم تريد أن تدفع مهرا لزوجتك. ولا بد أن تعرف بأن الله تعالى يسميه صداقا بمعنى قيمة الصداقة. ولا بد أن تعرف بأن السبب في تحملك أنت قيمة الصداقة معها هو لأنها بصورة طبيعية تحمل إمكانات لا تحملها أنت كرجل. فهي التي تصنع الإنسان وهي التي ترضعه وليدا. ولذلك فأنت الذي تدفع قيمة الصداقة مع إنسان أكثر إمكانات منك. قال تعالى في سورة النساء: وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4). وأطلب من العم محمود التمار أن يشرح لنا الآية الكريمة.

محمود:

بيان الآية الكريمة يأخذ وقتا طويلا فهل أنتم موافقون؟

الجمع:

موافقون.

الواو في بداية الآية عطف على وانكحوا فهو أمر إلهي للرجال الراغبين في الزواج من النساء سواء كن حرائر أو ما ملكت أيمانهم (الإماء). والغريب أن الله تعالى يأمر الرجال بدفع المهور فريضة منه سبحانه ولكنه يبيح للنساء أن يعيدوا ما شاءوا من ذلك إلى أزواجهن واستحب سبحانه ذلك للرجل بدليل قوله الكريم: فكلوه هنيئا مريئا. لذلك نكون أمام عدة مسائل في هذا الصدد:

أولا:

إنه سبحانه اعتبر الصداق صداقا وهي تعني أجرة الصداقة أو المخاللة كما قالت ماري. وواقع الأمر أن الصداقة مشتركة بينهما وهما معا يستفيدان منها فلماذا يأمر الرجل بدفع بدل الصداقة ولا يأمر المرأة بدفع شيء؟ واقع العرف بأن الرجل والمرأة يتبادلان الهدايا وأن أهليهما يتبادلون الهدايا والمطاعم والحفلات. والله تعالى لا يخالف هذا العرف حينما يبيح للمرأة أن تهب زوجها بعض مهرها بصورة مستحبة كما يُستفاد من الآية الكريمة ولكنه يغير تسميات العرف بالفرض على الرجل والمستحب للمرأة. فبالطبع هناك أمر ما كان خافيا على المجتمعات القديمة التي استلمت الوحي وقد قصده الله تعالى كما أحتمل حين نزول هذه الآية الكريمة.

ثانيا:

إنه سبحانه أمر بأن تكون أجرة الصداقة هذه نحلة لا يمكن العود إليها أبدا إلا إذا اتفق الزوجان على فسخ عقد الزواج بينهما. فالنحلة تعني ما ينتحلها المعطى له فهو يمتلكها بمجرد البذل على سبيل النحلة. هي تماما مثل بذل الأبوين أو الجدين لولدهما والذي لا يمكن فسخه بعد البذل ولو باللسان كما هو متعارف بين الناس والفقه التقليدي يتقبله أيضا. وقد أباح سبحانه استعادة نصف ما دُفع إذا اتفقا على الطلاق قبل المعاشرة وفق نظام العرف. قال سبحانه في سورة البقرة:

لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴿236﴾ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿237﴾.

وبالنظر الفاحص إلى الآيتين يتبين تماما زيف أنواع الزواج المطلوب للمتعة العابرة مثل المتعة والمسيار والوناسة وغير ذلك من المخترعات البشرية التي لا تألفها شريعة الرحمن جل جلاله. ويعزو سبحانه أمره الكريم بقيام الرجل بدفع نصف ما فرضه على نفسه للمرأة التي لم يمسسها باعتبار الفضل بينهما. ونحن نعرف فضل الرجل باعتبار الدفع ولكننا نجهل فضل المرأة.

ثالثا:

أمر الرجال بأن يؤتوا الصدقات للنساء وهي تعني إيصال الصدقة إلى يد المرأة ووضعها تحت تصرفها الفعلي حتى يصدق إيتاؤها. وحتى نعرف معنى الإيتاء قرآنيا على الأقل، يجدر بنا أن نراجع كل الآيات التي وردت بها فعل أتى بصيغة الإفعال لنرى بأن العليم الخبير لا ينسب إيتاء العلم لغير القدوس سبحانه ولكنه ينسب الماديات لغيره. ذلك بأنه هو وحده القادر على إيتاء العلم إلى نفس المتعلم ولكن المعلم يلقي العلم على المتعلم بغض النظر عن أنه يتعلم أو لا يتعلم. فالإيتاء في الحقيقة معناها الإيصال الحقيقي السهل بدون خوف أو حذر أو ضغط أو حياء أو أي نوع من الشدة لتكون العطاء هنيئا مريئا من البداية. مثل هذا العطاء لو أعيد إلى المعطي فهو هنيء مريء أيضا.

رابعا:

اعتبر الصداق فريضة حقيقية على الرجل لصالح المرأة حينما قال صدقاتهن. وكأنه حق من حقوقهن ولم يرفضه الفقه الذكوري السائد بل اعتبره من شروط تحقق الزواج. لكن الفقه الذكوري اعتبر الصداق دليلا على سيادة الرجل وأما الأمة الإسلامية على الغالب سمت الزواج مِلكة بهذا الاعتبار احتمالا. وعلى أساس أن الرجل يتملك المرأة والمرأة أسيرة أو عبدة تحت الرجل؛ كما اعتبر الناس وخاصة العرب إعطاء المرأة مالا للرجل عيبا ونقصا تأباه نفوس الرجال. وترى الكثيرين يأبون أخذ المال من أهل المرأة أيضا. لكنهم لا يأبون أخذ أي شيء عنوة وغصبا حتى من زوجاتهم! فما فعله القرآن الكريم يدل دلالة واضحة بأن الصداقة التي يتأملها الزوجان هي فضل من المرأة على الرجل ومن حقها أخذ أجر على قبولها مصادقة الزوج الذي تنوي أن تعيش معه. ولا غرو بأن نرى آخذ المال أرفع من الدافع. هذا هو طبيعي فالمَلِك يأخذ المال من عامة الرعايا ويدفع لمن يفيده منهم ومرجع التقليد والمفتي يأخذان المال ممن يعتبرانهم دون مستواهما وأصحاب الملايين الذين يبيعون الخدمات والبضائع يأخذون الأموال ممن هم فقراء معوزون دون مستواهم المالي والاجتماعي والطبيب الغني يأخذ المال من المريض والفقير وهلم جرا.

خامسا:

يدفع الرجل المال فريضة من الله تعالى مقابل قبول المرأة الزواج بينهما ويلتزم أيضا بدفع كل النفقات ما داما في قيد الزوجية. فما يدفعه طيلة فترة الحياة الزوجية فرض لا يحتاج معه أن يكون من طِيب نفس لزاما، ولكن المرأة إن أرادت أن تدفع شيئا لزوجها فيلزم أن يكون الدفع من طيب نفس. هذا تماما مثل إعادة المَلِك بعض الضرائب على شعبه فهو يتم من طيب نفس الملك ولا يمكن أن يكون فرضا عليه حسب الأعراف البشرية السائدة. هكذا يكون فضل المرأة على الرجل حين الدفع أكثر من فضل الرجل على المرأة حين الدفع.

سادسا:

لم يقل الله تعالى للمرأة أن تأخذ الصداق وتأكلها هنيئا مريئا ولكنه قال ذلك للرجل. والحال أن الرجل يصرف ما بيده من مال على بيته وزوجته أكثر مما يصرفه على نفسه بعكس المرأة التي قد لا تصرف المال المأخوذ من زوجها إلا على زينتها أو أهلها أو صديقاتها مثلا. وهكذا يؤكد فضل المرأة على الرجل لو أنفقت عليه ولو أنها هي التي ستأكل من ذلك الإنفاق في النهاية إذ أن من واجب الرجل أن يأتي بالنفقة فليس الدفع من مسؤوليات المرأة. إنها قدمت نفسها لزوجها وهذا لا تعني أنها باعت نفسها بل تعني بأن تمتع الرجل من المرأة عادة أكثر من تمتع المرأة من الرجل في واقع الأمر. هذه المسألة صعب فهمها على البشر ولكن الله تعالى هو الذي يفهمها بكل دقة ونحن نفهم ذلك من التعمق في كلمات رب العالمين سبحانه وتعالى. ذلك لأن الله تعالى عادل وليس له قرابة أو خصوصية مع المرأة لكنه يتبع نظامه العادل السليم والمتقن ويتبع ما كتبه سبحانه على نفسه من الرحمة لعبيده.

والتمتع في أصل مفهومه ليس في الجنس الذي يمثل قدرا ضئيلا جدا من حقائق الحياة الزوجية. ألا نرى بأن الرجال مع حاجتهم الفيزيائية الشديدة إلى الجنس فهم قد يتركون زوجاتهم الشابات والجميلات وحتى المتعلمات أحيانا لأن أخلاقهن وصفاتهن الأخرى لا تناسبهم. إن الرجل في واقع الأمر يبحث عمن يشاركه همومه وآماله وتطلعاته. إنه يريد الجنس ليتخلص من الضغوط الطبيعية التي تتعالى داخل كيانه الفيزيائي مثلا ولا يحب أن يرى أو يسمع من شريكته ما يزيد من همومه المالية والاجتماعية. لكن المرأة تُشبع أحاسيسها المشابهة بما يخلق الله تعالى في جوفها من أطفال وبما تعمل في العناية بهم وتعليمهم وتربيتهم وغير ذلك. فصحيح أن المرأة هي التي إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق كما قال الشاعر العربي، ولكن الزوج هو المستفيد الأكبر من هذه الأسرة الصغيرة التي تبدأ بهما. وهو المستفيد الأكبر من نتاج تلك الأسرة فعليه أن يبادر بإرضاء شريكته في بدايات الزواج لتسير المشاركة الجديدة بسهولة ويسر مع أقل المشاكل. عليه بأن يتقبل بأنه هو المستمتع وأن المرأة هي التي تتعب وهي صاحبة الحق الأكبر سواء في البداية أو عند حمل وتربية النتاج التكاثري. فالرجل يأكل مكرمة المرأة هنيئا مريئا فعلا والمرأة تنتظرها الكثير من الصعوبات والبلايا التي تتطلب المزيد من التضحيات في سبيل المملكة الجديدة.

سابعا:

حينما نقرأ الآية التالية لها وهي الآية الخامسة، نشعر بأن المرأة التي ترضى بإعادة بعض ما آتاها زوجها من فريضة الصداق من طيب نفسها فهي تعترف ضمنيا بأن زوجها ليس سفيها وبأنه قادر على إدارة البيت ماليا وبأنه جدير بتدبير المستقبل فلا تقع المملكة الصغيرة في مهب الرياح المالية العاتية. فعلى الزوج الرزين أن يقدر ذلك ويحتفظ لها بالمزيد من الحب والاحترام وهذا ما يريده الله تعالى بربوبيته لتنمو التجمع الحادث بيسر وسهولة ودون نزاع وخصام ومشاكسة حول الحقوق. وهكذا نرى كيف يحقق الله تعالى ما وعده من جعل المودة والرحمة بينهما. كما نرى المشاركة الفعالة والمؤثرة بالقوة من المرأة في تعميق أواصر المحبة والشوق بين بعضهما البعض فنتمنى ذلك لجميع الأزواج في بدايات زواجهم. وعلى هذا الأساس المتين يتم بناء عش الزوجية وليس على أساس الشهوات والوناسة والمتعة والمسيار وبقية أنواع الارتباط غير الشرعي بين الرجال الوقحين والنساء الضحايا. والله تعالى يرفضها جميعا بقوله الكريم في سورة المعارج:

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿29﴾ إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿30﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿31﴾. وقال سبحانه مثل ذلك في سورة المؤمنون أيضا.

ثامنا:

إذا اكتفى الله تعالى لتشريع هذا العمل من المرأة بتشجيعها وتهنئة زوجها بأنه قد فاز برضا الزوجة فإنه يعني بأنه هو سبحانه موافق مع قرار المرأة ولا يعطيها أية نصيحة بأن تتروى في قرارها قبل البذل. يدل هذا الأمر على أن المرأة لن تأخذ قرارا مثل هذا إلا بعد أن تطمئن بزوجها وبأن الحب الذي تكون بينهما ذو أصول وجذور متأصلة لا تقبل الهزال. ألا نراه سبحانه ينصح الناس في قراراتهم أن تكون عقلانية مستندة إلى المعلومات الدقيقة كما وعظ سبحانه المؤمنين الجدد في سورة الحجرات:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿6﴾.

أو يقول سبحانه لنبينا في سورة التوبة: عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿43﴾.

فالله تعالى لا يوافق على أعمال الناس إن لم تكن صحيحة؟ وهذه مكرمة أخرى للمرأة. أتمنى أن تتعرف النساء على مدى اهتمام ربهن بهن فلا يعتريهن الظنون بأنهن مظلومات تشريعيا ولا يلمن غير أنظمتهن ومجتمعاتهن على الظلم ويلمن أنفسهن على السكوت الطويل على ما يصيبهن من أذى دون أن يتعرفن على كتاب ربهن فيعرفن حقوقهن ويبدأن بالمطالبة بقوة بالعمل بالقرآن.

تاسعا:

نسب الطِّيب مباشرة إليهن ثم ميزه بالنفس بأن الطيب طيب نفسي وليس طيبا بدنيا. ففيه زخم تشجيعي كبير بأنها طيبة إن دفعت مالها إلى زوجها ثم إن نفسها طيبة بأن رضت بدفع هذا المال عن طيب خاطر.

عاشرا:

لم يذكر الدفع والبذل بل اكتفى بذكر الطيب (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا) ليزكي العطاء من أية منة أو توقعات سوى المحبة والود الخالص التي تُشكر عليهما.

حادي عشر:

لم يذكر سبحانه الوجوه الشرعية لكسب المال من قبل الزوج الذي دفع الفريضة أولا فلم يعلق الهناء بأن يكون المال كامل الحلية والطيب مثلا. فكأن تلك الفريضة حينما تصل إلى يد الزوجة فإن الشكوك والشبهات تتلاشى وتصبح طيبة بأنها تمتلك ذلك المال بأمر الله تعالى. فأحد وجوه الهناء هو أن يشعر الزوج بأنه يأخذ مالا مغسولا من الدرن ولو أنه لم يكن محتاطا في كسب ذلك المال بادئ ذي بدء.

ثاني عشر:

وأخيرا فإن السر في أنه سبحانه أشار إلى الصدقات في الآية 4 من سورة النساء بأنها كلمة مؤنثة كالعادة، لكنه تعالى أشار بعدها في نفس الآية إلى نفس الصدقات بضمير المذكر (فإن طبن لكم عن شيء منه) هو أن الصدقة حينما تنتقل بلفظ الإيتاء إلى المرأة فهي تتحول إلى مال مملوك لها وليس مهرا أو صداقا. ولذلك فالهاء في منه يعود إلى مال المرأة وليس إلى صدقاتها لتكون عطاؤها من مالها وليس من مال زوجها أو من عطاء زوجها. والحمد لله وليحيا القرآن الكريم وليخسأ الذين يحاربون كتاب الله تعالى.

ماري:

شكرا عم محمود وبعد هذا التفصيل الجميل لآية كريمة لا يتجاوز سطرا واحدا فهل لكما أن تكملا المسألة هنا كما اقترح العم محمود التمار حفظه الله تعالى. المطلوب من أحدكما أن يتحدث عن مبلغ الصداق الآن والبقية علينا.

علوي:

أترك الأمر لكاترين فأنا أحب أن أكون طائعا في هذه المسألة بالذات.

ماري:

لا يا علوي. كاترين لا تعرف قدرتك المالية وتجهل مدى استعدادك لدفع قيمة الصداقة كما أرادها الله تعالى ثم هي تخجل أن تتحدث عن المال لأني أقرأ في وجهها بأن المال عندها مسألة ثانوية ولكن الله تعالى أمر به فليس لنا إلا الطاعة.

علوي:

أنت يا كاترين أو العم محمود عينوا الصداق نيابة عنها.

ماري تطلب من كاترين أن تختلي بها لتستشيرها.

ماري:

قولي لي ما الذين ترينه من المهر.

كاترين:

أصارحك بأنني أحب علوي كثيرا ولا قيمة للمهر عندي ولو دفع لي مبلغا فسوف أعيده إليه أو أعيد القسم الأكبر منه إليه ليأكله هنيئا مريئا كما شاء ربنا الكريم.

تطلب ماري من كاترين أن تبقى في الغرفة الثانية وتذهب إلى غرفة الضيوف لتتحدث إلى علوي والعم محمود.

ماري تنقل لهما ما دار بينها وبين كاترين بالكامل قائلة بعده:

ما رأي علوي الآن؟

علوي:

أنا فعلا أحب كاترين كثيرا فهي أثمن شيء عندي ولا قيمة للمال وأعرف سجاياها الطيبة وأعرف بأنها ستعيد المال إلي أو قسما كبيرا منه وأعرف بأنها سوف تساعدني بمرتبها لو رأت عندي نقصا أو حاجة مالية. إنها تساعد الكثيرين فكيف لا تساعدني حتى لو لم يتم الزواج بيننا. ولا أدري كم أقول هنا فأرجو منكما أن تساعداني في ذلك.

تتوجه ماري إلى العم محمود طالبة رأيه باعتباره شيخا كبيرا في الكويت وتعرف العادات.

محمود:

هل تطلبون رأيي الشخصي أم تريدون مني أن أنقل لكم ما يفعله الناس في هذا الصدد؟

ماري:

نريد رأيك الشخصي فأنت تلاحظ كل المسائل وأنت خير من يساعدنا.

محمود:

وما رأي علوي؟

علوي:

كل ما يقوله العم فهو بالنسبة لي أمر أبوي لا يسعني إلا أن أقبله في حدود إمكاناتي طبعا.

محمود:

أنا أميل إلى المهور القليلة. كاترين لا تبيع نفسها على علوي بل تشاركها الحياة وهمومها فلا معنى لأن نطلب من علوي مالا كبيرا كأننا نبيع كاترين عليه. ولذلك أنا أعتقد بأن المهر لا يتجاوز ألف دينار كويتي نقدا بيدها. وأما المهر الغائب فأنا لا أظن بأنه مشروع. إن الله تعالى يأمر بإيتائها المهر قبل كل شيء فما معنى المقدم والمؤخر إلا أنهم ينوون تحميل عبئ كبير على الزوج المسكين. ولا ننس بأن المهر يجب أن يكون من المال الموجود فالمهر أو الصداق لا يعني الاستدانة بدين. ولا معنى لأن يتعهد الزوج بالدين في سبيل الزواج فيشعر طيلة الزواج بأن ذمته قد تقيدت بدين لزوجته فلا يشعر بالتنافس الكامل معها في كل شيء.

علوي:

لو كانت كاترين موافقة فأنا قادر على ذلك وموافق مسبقا. أعلم بأنني آخذ من جيبي الأيسر وأودعه جيبي الأيمن. وليسمح لي العم بأن أجعله ألفي دينار كويتي خوفا من أحاديث الناس.

تذهب ماري إلى كاترين لتنقل لها ما حصل.

كاترين:

يكفي الألف وما علينا من حديث الناس. أريد أن أكون عونا لعلوي ولا أريد أن أكون عبئا عليه.

ماري:

وهل لديك شروط أخرى.

كاترين:

نعم أريد أن يُضاف إلى عقد الزواج شرط بأنني وكيل عنها لتطليق نفسي لو أنني شعرت بأن ظلما أو حيفا حصل ضدي لا سمح الله تعالى.

تنقل ماري شرط كاترين ويوافق علوي وترتفع زغاريد ماري مستبشرة بأنها قامت وأكملت عملا أو أملا كبيرا كانت تفكر فيه من أول يوم رأت فيه علوي مع ولديه. لكن محمود نبههم إلى مسألة أخرى.

محمود:

برأيي لا يجوز الزواج بين المسلم وغير المسلم وسوف أشرح لكم ذلك في وقت آخر لأنني تعبان فهل كاترين موافقة على تقبل الإسلام.

ماري:

يا عم، كاترين مسلمة ورأيتها تصلي في سجادتها لكنها تتظاهر بأنها باقية على دينها القديم. وأنا أيضا مسلمة ولكنني أتظاهر فقط بالمسيحية. هل تتصورون بأن عاقلا يتعلم القرآن ذلك الكتاب العظيم ثم يرضى بأن لا يدخل في هذا الدين القويم. لكننا لسنا مسلمتين مثل غالبية المسلمين الذين ورثوا دينا طيبا من آبائهم وليسوا برأيي أهلا له. هناك مسألة الحجاب فلا أنا ولا كاترين نؤمن بالحجاب لكن كاترين لبست الحجاب لتتورع عن المغازلات البذيئة التي تتلقاها من بعض الشباب المتخلف أخلاقيا.

سُرَّ علوي بهذا الخبر الطيب كما فرح العم كثيرا.

وبهذه السهولة تمت الخطوبة وقرروا جلسة أخرى في اليوم الثاني لتبادل الهدايا وإجراء صيغة الزواج. ذلك لأن ماري مسافرة بعده وتحب أن تشترك في حفلة عقد القران. اتفقوا جميعا أن يتم العقد في بيت كاترين في الساعة السابعة من مساء غد.

يتبع: زواج غير مرتقب

أحمد المُهري

22/6/2019

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s