الانتساب إلى الله تعالى


لا دلالة على اي انتساب عدا العبودية ،

الانتساب إلى الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

نص المحاضرة التي ألقيتها مساء الجمعة 5/10/2018 في بيت أخينا الكريم الدكتور حازم العبيدي في شمال لندن.

هذا الموضوع نشرحه على أساس الفصول التالية:

النسبة الطبيعية بيننا وبين الخالق عز اسمه وفهمها عقليا ثم قرآنيا.

درجات الانتساب بيننا وبين الله تعالى.

علم الرسل والمرتبطين بوحي السماء.

عود إلى النسبة بيننا وبين خالقنا.

هل لنا بأن ندعو أنفسنا أولياء الله تعالى؟

أمثلة على ما ننسبه إلى الله تعالى دون إذن:

منح نسب كبرى للأنبياء المكرمين.

بعض الحقائق عن موسى وعيسى عليهما السلام.

خلاصة الجلسة.

آيات مؤيدة ومساعدة.

رد بعض الأسئلة.

النسبة الطبيعية بيننا وبين الخالق عز اسمه وفهمها عقليا ثم قرآنيا.

نرى في حياتنا الدينية غالبية إخواننا وأخواتنا من أتباع الديانات السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلامية ينسبون إلى الله تعالى ما لم يأذن به. بالطبع أن قلة قليلة من علماء الأديان كانوا منتبهين لخطورة هذا العمل وكانوا يتوقون ذلك. أذكر لكم منهم المرحوم العلامة الطباطبائي مؤلف تفسير الميزان. إنه لم يرض بأن يُقال له حجة الإسلام أو آية الله واتخذ لنفسه عنوان العلامة فقط. عتابي عليه رحمه الله تعالى بأنه لم يوضح للناس خطورة الانتساب إلى الله. لقد قرأت في تفسيره جملة يحرم بها الانتساب إلى الله تعالى من دون أن يصرح الله به أو يأذن به. لا أتذكر الآية التي ذكر ذلك فيها ولكني فيما بعد عرفت بأنه كان يعرف خطورة هذا العمل.

دعنا نتعرف على معنى الانتساب بداية ثم نوظف ذلك المعنى لربط الكائنات بخالق الكائنات جل جلاله. النسب هو أصل الانتساب الذي نتداوله كثيرا اليوم. لكن العرب الأوائل كانوا يكتفون بالجذر الأصلي فيستعملون نسب بمعنى انتسب أيضا. والنسب يعني اتصال شيء بشيء آخر كما يقول أرباب اللغة، فهو إما نسب طبيعي مثل الاتصال المشهود بين الأقارب من الدرجة الأولى. فهناك علاقة مشتركة بينهم نسميها علاقة الأبوة والبنوة أو الأمومة أو الأخوة. ويلحق بها علاقة الزوجية التي هي علاقة انتساب حسب تعبيرنا ولكنه صار نسبا قويا نظرا لقوة الارتباط بين الزوجين.

كل المنتسبين محتاجون لبعضهم البعض. كل الأقارب من أية درجة كانوا يساعدون بعضهم البعض فكلها اتصال حاجة وفقر في الواقع لكننا عادة ما لا نعترف بها. كل العلاقات البشرية بما فيها علاقات الأنبياء بأقوامهم وعلاقات الملوك بشعوبهم وعلاقات كبار الضباط بجنودهم وعلاقات أصحاب المصانع والمتاجر بعمالهم ووو، كلها بلا استثناء علاقات حاجة ولو لم يعترفوا بها.

هناك تداول بالقوة والمال بين الناس جميعا فنرى الملك يموت أو يُقضى عليه ويحل آخر مكانه والابن يأخذ مركز الأب ويسكن بيت الأب والعامل أحيانا يشتري متجر رب العمل وهلم جرا. وقبل أن نعرف حدود الانتساب والاتصال بيننا وبين ربنا يجدر معرفة بأن لا توجد إطلاقا أي اتصال متداول بين أي كائن وربه. فلا يمكن أن يحل أحد محل الله تعالى كما لا يمكن أن يفقد الله تعالى شيئا من ملكه وسلطانه وعلمه وكل ما يملكه وما هو من معاني ذاته جل جلاله. نحن نفقد أبصارنا وأسماعنا وبقية أجهزتنا وحياتنا ولكنه سبحانه لا يمكن أن يفقد أي شيء. كما أننا نتغير من الأحسن إلى الأسوأ أو من الأسوأ إلى الأحسن ولكنه سبحانه لن يتغير أبدا. هو هو دائما وأبدا كما أننا نتأثر بالكثير من المؤثرات ولكنه سبحانه لن يتأثر إطلاقا بأي شيء لا سلبا ولا إيجابا. كل هذه المسائل يمكن بحثها علميا لتستقر في صدورنا كعلم ثابت ولكننا اليوم بصدد بحث آخر.

فنحن البشر والجن والملائكة والكواكب والفضاء والحيوانات والنباتات وكل شيء معرضون للتغيير والموت وهو الأمر الذي يفصلنا عن الحي القيوم الذي لا يتغير ولا يتحرك ولا يموت.

لكننا نشعر بأن هناك علاقة بيننا وبين القدوس ونريد أن نتعرف على طبيعة تلك العلاقة لنحدد تلك العلاقة فلا نتجاوزها ولا نتجاهلها. بمعنى أن الله تعالى لا يرضى لعبيده أن يتجاهلوا ارتباطهم الوثيق بربهم بدون أية واسطة كما لا يرضى أن نمس كبرياءه وننسب إليه ما ليس من حقنا. بالطبع أننا نحتاج أن نعرف حدود علاقاتنا ببعضنا البعض أيضا لنتعرف على حقوقنا فلا نظلم ولا ننظلم.

لنبدأ بدراسة علاقاتنا مع بعضنا البعض كمقدمة. إن كل إنسان بنفسه وبدون أي قيد يُعتبر مخلوقا لله تعالى وعبدا له. أظن بأننا كمسلمين لا نختلف على ذلك. كما نشعر بأن الخالق العظيم عز اسمه خلقنا بعد أن خلق آباءنا وبعد أن جعل الأرض مهدا وأخرج منها ماءها ومرعاها وبعد أن خلق النباتات والأنعام ثم أتى بنا. كما نعلم بأن المراحل التمهيدية التي سبقت ارتباط آبائنا بأمهاتنا طالت بلايين السنين والله تعالى يساعد الأرض لتتحرك تحركا تنتهي إلى ما نراه اليوم من وجه بهيج وبديع ومليء بالحيوية. فنسبة ما فعله الله تعالى إلى نسبة ما فعله آباؤنا أكبر من أن نحددها بالرياضيات. ثم إن كل مجموعة منا يؤمن برسول من رسل الله تعالى وهم أيضا مثل آبائنا أمضوا فترة قصيرة في الأرض لينشروا بين جدودنا وحي ربهم ثم ماتوا.

من هذه المقدمة البسيطة يمكننا أن نفكر بكل عمق فيما فعله الله تعالى لنا ثم نقارن بينها وبين ما فعله آباؤنا وملوكنا وأصدقاؤنا وأقاربنا وأنبياؤنا وعلماؤنا لنعرف بأن النسب الرياضية عاجزة عن تعيين تلك النسبة. ثم نفكر في قدرة الله تعالى وسعة علمه وحكمته ومعرفته بكل شيء وبحقائق قلوبنا وقدراتنا الإدراكية ونحاول أن نقارن بين كل تلك القدرات لدى كل الطيبين الذين أورثونا ثمرات أعمالهم الطيبة وبين قدرة الله تعالى لنرى بأن كل مواريثنا لا تحقق نسبة رياضية مع ما يمكن أن نستفيده من الله تعالى القوي القاهر والرحمن الرحيم وأرحم الراحمين دائما وأبدا.

فهمنا بصورة جزئية عدم وجود نسبة قابلة للعرض بين الله تعالى وبين عبيده بصورة جمعية متعاونين متكاتفين. لا نريد الحديث هنا عما يفرضه العقل علينا من خضوع للخالق العظيم ولكننا نريد أن نتحدث عن علاقات الخلق مع الخالق فقط. مخلوقات قوية فيما بينها ولكنها لا شيء أمام الخالق العظيم بديع السماوات والأرض جل جلاله. وبالتأكيد أن هناك علاقة واتصالا بيننا وبين الخالق. ولما أقول بيننا فأنا أقصد بيننا جميعا كمخلوقات سواء كنا بشرا وأقارب أو أنبياء ورسلا وملوكا أو ملائكة أو كواكب ومجرات. هناك نسب يوصل الخلق بالخالق.

يكفينا معرفة بأن كل الخلق لا يتجاوز كونها ممكنات أمام واجب لا يمكن الاستغناء عنه. الممكنات تعني بأن كل واحد منا مثلا يمكن أن يكون أو لا يكون. يمكن أن يكون محمد وعيسى وموسى وإبراهيم ونوح عليهم السلام وكل الرسل ويمكن ألا يكونوا. ولكن لا يمكن ألا يكون الله تعالى. يكون في هذه الجمل بمعنى الفعل الكامل وليس فعلا ناقصا.

إذن كل الكائنات ممكنة وفقيرة ومحتاجة إلى الموجد سبحانه. ولذلك نجد القرآن الكريم يقول في سورة مريم: إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93). أو يقول في سورة النمل:وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاّ مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87). لقد عرفنا من بحثنا البسيط غير المعقد بأن الآيتين الكريمتين تتحدثان عن نتيجة طبيعية لا يمكن تجاهلها. هي أن العبودية والدخر أو الذل هما صفتان طبيعيتان لكل موجود مدرك أمام الرحمن عز وجل.

درجات الانتساب بيننا وبين الله تعالى: 

لننتقل الآن إلى علاقة الله تعالى بالبشر في كوكبنا. إنه سبحانه خلقنا جميعا فنحن كلنا ننتسب إليه باعتبار أننا خلقه وهو خالقنا. تلك نسبة مشتركة طبعا. فلولاه لما كنا موجودين ولولانا لما كان هو سبحانه خالقا لنا. من هذا المثال البسيط نعرف بأن النسبة بين شخصين ترتفع إذا فُقد أحدهما.

لهذه النسبة درجات طبعا. فمثلا الابن الذي يساعد أباه غير الابن الذي يترك أباه وينساه. والابن الذي رأى أباه واستفاد من علمه وخبرته وماله وتربيته يختلف عن الابن الذي ولد ولم ير أباه أصلا. فالنسبة بينهما نسبة متدرجة. بمعنى أن البنوة تكون بسيطة إذا ما نظرنا فقط إلى أن أباه اجتمع مع أمه؛ أو ثقيلة بمعنى أنه أشعر نفسه بأنه ابن لأبيه ولأبيه حق عليه وهكذا الأب بالنسبة لابنه فكلما ازداد التعاون بينهما أو ازداد مساعدة أحدهما للآخر فإن النسبة تكسب درجات أكبر.

وهناك نسب غير متدرجة. فمثلا نسبة أي موجود إلى الوجود نفسه نسبة لا ترتبط أبدا بالدرجات. إن كل شيء إما موجود أو غير موجود. لا توجد درجات للوجود. نسبة الذكورية للذكر نسبة غير متدرجة فكل شخص إما ذكر وإما أنثى. لا يمكن القول بأن شخصا ذكر بنسبة 50 بالمائة وأنثى بنفس النسبة. قد تكون النسبة غير واضحة ولكن لا يمكن أن يكون شخص ذكرا وأنثى معا أو يكون شخص ذكرا بنسبة معينة. وهكذا النسبة بيننا وبين ربنا فهي من حيث العبودية واحدة ولكن من حيث العمل بمقتضيات العبودية فهي نسبة تتعرض للشدة والضعف أو الكبر والصغر.

ولذلك نرى القرآن الكريم مثلا يتحدث عن النسبة بين الله تعالى وبين عبيده الطيبين ويسميهم أولياء الله تعالى والله ولي لهم. ذلك لأن الولي هو القريب الذي يساعدك فالله تعالى قريب منا يساعدنا ونحن نستلم المساعدة منه. الفرق بيننا كمؤمنين لو كنا مؤمنين طبعا وبين الله تعالى مغاير للفرق بين الله تعالى وبين الفاسقين أو الناكرين لوجوده سبحانه. وهكذا فإن الفرق بيننا حينما كنا أطفالا جاهلين وبين الله تعالى مغاير للفرق بيننا بعد أن كبرنا وشغلنا عقولنا وبين الله تعالى من حيث النسبة إليه سبحانه. الأطفال مؤمنون بالقوة وليسوا مؤمنين بالفعل والكبار قد يكونوا مؤمنين بالفعل وقد يكونوا كافرين جاحدين بالفعل وقد يكونوا كالأنعام لا يدرون ولا يسعون للمعرفة. نكتفي بهذا العرض البسيط وننتقل إلى القرآن لنراه كيف يوضح هذه العلاقات بكل دقة وتفصيل. لكنني منعا للإطناب سوف أنقل بعض المفاهيم ونترك البقية للمستقبل. نحن مهتمون بمعرفة نسبة الولاية بين الله تعالى وعبيده لنلاحظ حدودها فننسب من ننسب إلى الله تعالى غير متجاوزين حدود الحق والعدل والصدق لنتجنب الإثم والبغي. ولا ننس بأن نسبة الولاية لا تغطي كل أنواع النسب بين الخالق والمخلوق لكننا نأخذ هذه النسبة كمثال فقط.

1. قال تعالى في سورة الجاثية: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19).

بنو إسرائيل من أيام إسرائيل لم يكونوا جميعا أناسا طيبين كما قرأنا في قصة يوسف. لكن الله تعالى لم يتركهم بل ساعدهم ومنحهم الحكم والنبوة ورزقهم من الطيبات. فهناك نسبة بينه سبحانه وبينهم وهي نسبة المنعم على المنعَم عليه. لكنهم لم يكونوا جميعا شاكرين. ومع كل ذلك فإن الله تعالى آتاهم وأوصل إليهم آيات بينات تريهم الحق حقا والباطل باطلا. كان عليهم أن يؤمنوا بما آتاهم الله تعالى بعد أن علموا الحقيقة فيكونوا جميعا مسلمين لله تعالى.  كمقدِّمة ليعتبرهم الله تعالى أولياء له. لكنهم اختلفوا من بعد أن علموا. تلك هي نسبة المعلم إلى التلميذ ولكن التلاميذ لم يتجاوبوا مع العلم الذين أنزل إليهم بشكل واحد.

كان بنو إسرائيل يفخرون على غيرهم بالعلم الذي آتاهم الله تعالى حتى رأوا بأن شخصا غير إسرائيلي هو رسولنا عليه السلام فاجأ أهل مكة بعلم يفوق علم بني إسرائيل.

علم الرسل والمرتبطين بوحي السماء:

واسمحوا لي أن أبدد ما يمكن أن يجول في الخواطر من أن الرسول مُنح علما لدُنِّيا كما أشهروه بيننا. هذا ضلال فالله تعالى لا يمكن أن يزق أحدا العلم زقا. ولو فعل ذلك فتلك معلومات وليس علما. العلم يعني تمكن النفس من الإحاطة ببعض المسائل وتكوين كليات في قرارة النفس بحيث يمكنها بها أن توظف الكليات للتعرف على حقائق لم تعهد بها من قبل. والعلم قد يكون ابتكاريا إبداعيا وقد يكون إتقانيا. وأكثر العلماء متقنون وليسوا مبتكرين. حتى العلم الإتقاني لا يسمى علما بالنسبة لأحد إلا إذا تمكن من توظيف ذلك العلم للتعرف على معلومات جديدة لم تكن مخزونة في صدره النفسي كمعلومات. أرجو أن نعرف جميعا بأن المعلومات لا تعني العلم. ألا ترون أن الكثيرين يتحدثون عن معلومات مكتسبة ولكنهم يعجزون عن الدفاع عن أي منها. فهم ليسوا علماء بل هم يتحدثون عن معلومات مخزونة في ذاكرتهم.

فمثلا لو تعلم أحد الحساب لدى المعلم وأعطاه المعلم مجموعة من المسائل وحلها له. هناك ينتظر المعلم من التلميذ أن يقوم بحل مسائل أخرى غير التي خزنها في صدره النفسي كمعلومات. فلو تمكن التلميذ من حل مسائل أخرى على أساس الأمثلة التي تعلمها فهذا يعني بأنه تمكن فعلا من تكوين كلية علمية في قلبه بحيث يمكنه تطبيق تلك الكلية على جزئيات كثيرة. هناك يكون التلميذ قد كسب علما.

رأى علماء بني إسرائيل في مكة بأن محمدا عليه السلام يعرف ما يقول ويتحدث عن فهم دقيق لما أنزل عليه. قال تعالى في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُاللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43).

الحكم في الآيات ليس حكما قضائيا بل هو حكم علمي يساعد المرء للتعرف على الكليات العلمية. ولما رأى بنو إسرائيل بأن الرسالة التي يتحدث عنها رسول الله بعلم ودراية ويفسرها للناس انهاروا أمام أتباعهم. شعروا بأنهم سيخسرون مراكزهم العلمية في المجتمع ولذلك سعوا لتحريف معاني القرآن الكريم بما يتناسب مع أفكارهم. إنهم رأوا بأن التنزيل أعظم بكثير من التوراة لأنه ينطوي على حكم ودلائل. لكن التوراة تنطوي على حكم الله تعالى بدون دلائل. بمعنى أن من يتبع التوراة يحتاج إلى أن يستيقن بأنه كتاب الله تعالى ليعمل به ولكن من يتبع القرآن فإن القرآن الكريم يمده بكل ما يحتاجه للتعرف على الكلية العلمية.

أعود فأكرر بأن كل ذلك لن يتأتى لأحد دون أن يسعى وكان رسولنا عليه السلام يسعى وقد بهر علماء بني إسرائيل بفهمه وإدراكه لأعماق المسائل العلمية في القرآن بما يتناسب مع زمانه ومكانه طبعا. ولو ندقق النظر في القرآن سنرى بأن الملائكة أيضا يتعلمون بعد أن يفكروا ويخطئون أحيانا في التطبيق فيساعدهم ربهم بإراءتهم المزيد من الشواهد حتى يتعلموا. والعلم عند المولى.

عود إلى النسبة بيننا وبين خالقنا:

نعود إلى النسبة بين الخالق وبيننا، ونعود إلى آيات الجاثية حيث قال سبحانه في نهايتها: إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19). نشعر بأن الله تعالى يسمي النسبة بينه وبين المتقين نسبة الولاية كما يسمي النسبة بين الظالمين أنفسهم نسبة الولاية أيضا. نريد أن نعرف لماذا يعتبر الله تعالى نفسه ولي الذين آمنوا ويعتبرهم أولياءه ولا يسمي نفسه ولي الذين كفروا ولكنهم يتعلمون ويدرسون في كتابه وكتابُه موجه إليهم أيضا.

كل النسب الأخرى موجودة بين الله تعالى وبين كل الناس. فهو الخالق وهو المربي وهو الرازق وهو المعلم لكنه هو لا يفرض ولايته على أحد في الدنيا. تلك الولاية ليست جبرا على أحد كما أنها ليست خاصة بأحد. إنها ترتبط بتجاوب الإنسان وكل مكلف آخر مثل الجن مع رزق الله تعالى. دعنا ننظر إلى أنفسنا فنحن ندعو الله سبحانه ونستغفره ونطلب منه المزيد ونطيعه ونشكره ونحبه. لكننا لم نطلب من الله تعالى أن يخلقنا إذ لم نكن موجودين لنطلب ذلك. فهل يمكن لنا أن نقول بأننا كنا أولياء الله تعالى يوم خلقنا؟ الولاية تدل على التجاوب بمعنى أنني مثلا شكر ت ربي أو أطعته أو أحببته فأصبحت له وليا بعد أن تقبل مني ذلك ورزقني المزيد من فضله فصار لي وليا. هذه النسبة حادثة حصلت بين كل فرد وربه بإرادة منه ومن ربه ولا يمكن أن تكون نسبة قديمة. فالولاية لن تتحقق إلا بتبادل الإرادة على الأقل. فالله ولي الذين آمنوا ولم يقل سبحانه بأن الله ولي الذين لم يؤمنوا أو ولي الذين كانوا يجهلون أو ولي الأطفال. إنه سبحانه يعين الأب مثلا وليا للطفل الصغير فتلك ولاية بالوكالة عن الله تعالى. بمعنى أن الله تعالى يقبل تلك الولاية باعتباره مالك ذلك الطفل. لكننا لا نجد في القرآن الكريم أي إشارة إلى أن الله تعالى هو ولي الأطفال لعدم إمكانية حصول التبادل بينهما. هذا ما أظن والعلم عند المولى عز اسمه.

هل لنا بأن ندعو أنفسنا أولياء الله تعالى؟

والآن لنعرف متى يسمح الله تعالى لنا بأن نقول نحن فعلا أولياؤه. لا يوجد أي إذن في القرآن الكريم بأن ندعي ذلك. كل ما هو مسموح لنا عقلا وأخلاقا أن نسعى لنكون أولياء الله تعالى. فشهادة أن أحدا ولي الله تعالى تحتاج إلى إثبات من القرآن الكريم ولا تكفي قناعاتنا النفسية فقد تكون خاطئة. النسبة الوحيدة المسموحة لنا أن نذكره والتي سمح لنا القدوس بصورة عامة هي نسبة العبودية والذل فقط. بمعنى أننا يمكن أن نتحدث عن أي شخص في الكون بأنه عبد الله لقوله تعالى في سورة مريم: إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93). وبالنسبة لمن جاؤوا قبل القرآن فإن الأنبياء علموهم بأنهم عبيد الرحمن بدون شك.

والآن لنعرف المزيد عن درجة العبودية لله تعالى. قال تعالى في سورة النمل: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاّ مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87). الكل هنا يشمل الذين فزعوا كما يشمل الذين شاء الله تعالى لهم ألا يفزعوا أو يتبدد فزعهم. ولنتعرف عليهم. قال تعالى في سورة الأنبياء: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104). هؤلاء الذين يساعدهم الملائكة بإخبارهم بأن ما يرونه من فزع ليس متوجها إليهم فلا داعي للفزع. كل المؤمنين وكل الطيبين مشمولون بمن يساعدهم الملائكة. بمعنى أن كل الرسل وكل الصالحين يحتاجون إلى أن تتلقاهم الملائكة ليخرجوا الفزع من قلوبهم.

فالكل في الواقع مهما بلغوا من الإيمان والمعرفة بالله تعالى ومهما فعلوا وخضعوا لربهم فهم أولياء بالذل. لكن الله تعالى وحده ولي لمن هو ولي له بدون ذل. قال تعالى في نهاية سورة الإسراء: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111). فهو سبحانه الأحد الذي لا يحتاج أبدا والكل محتاجون إليه. هذه هي النسبة الوحيدة التي يمكن للمؤمنين الصالحين جنا وإنسا أن يصلوا إليها بأعمالهم وبخضوعهم الحقيقي لرب العالمين. وتبقى هذه النسبة بينهم وبين ربهم خفيا حتى عليهم أنفسهم. لنقرأ آيات من نهاية الإسراء قبل الآية أعلاه: وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106) قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (110).

لماذا يبكون ولماذا يخافون من وعد ربهم؟ أليس المؤمنون موعودين بأن تتلقاهم الملائكة يوم الفزع الأكبر. ذلك لأن الإيمان بحقيقته خاف على كل أحد حتى الأنبياء في هذه الحياة. بمعنى أنهم مثلنا يسعون ولا يدرون موقفهم أمام ربهم. قال تعالى في سورة الأحقاف: قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (9). هذا هو رسولنا خاتم النبيين يأمره ربه بأن يصرح للناس بأنه لا يدري ما يُفعل به. سوف يعلمون بأنهم أولياء الله تعالى بعد الموت وليس قبل الموت ولذلك تتلقاهم الملائكة يوم الفزع الأكبر. لكن غير الأنبياء وغير صحابة الأنبياء فلن يعرفوا شيئا عن أحوالهم حتى بعد الموت إلا في حدود أن ينجيهم الله تعالى من الفزع الأكبر احتمالا. كل ظني بأنهم هناك يعلمون بأنهم من أهل الجنة.

نحن نريد من تجمعنا اليوم أن نعرف هل من حقنا أن نوزع الجنة والنار على من لم نسمع عنهم شيئا في القرآن السماوي الكريم؟ وهل من حقنا أن نوزع الألقاب المنتسبة إلى الله تعالى كما نشاء بدون أن يكون لنا تصريح قرآني أم لا يجوز لنا ذلك؟ عرفنا بأن الكل عبيد للرحمن فمن حقنا أن نقول عن أي شخص طيب أو غير طيب أو نسمي أولادنا بعبد الرحمن وعبد الله وعبد العزيز وما شابه ذلك. لكن لا يجوز لنا أن نسمي أولادنا ولي الله. لأننا لا نعلم أبدا بأنهم أولياء الله بل نتمنى ذلك فقط. لاحظوا كم نتجرأ على الله تعالى عن جهل وضلال.

أمثلة على ما ننسبه إلى الله تعالى دون إذن:

أنا شخصيا أحمل قناعة كاملة في قرارة نفسي بأن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إنسان مميز عن غيره وهو شديد العلاقة بالله تعالى إضافة إلى ما اكتسبه من علم غزير باعتبار أن مربيه الأول هو رسول الله عليه السلام. ولنعم ما وصف هو تلك العلاقة هكذا: “وكنت من رسول الله كالضوء من الضوء والذراع من العضد”. لكننا إذ نريد أن ننسب أمرا إلى الله تعالى فيجب أن نعرف بأن ذلك حق خاص لله تعالى ونحتاج إلى إذن منه سبحانه.

فما نسمعه من أهلنا الذين يقولون بكل صراحة: أشهد أن عليا ولي الله؛ أشهد أن عليا حجة الله؛ أشهد أن عليا وأولاده المعصومين حجج الله. ليس بيدنا أي إذن بذلك. كل ما نقوله من هذا القبيل فسوف نُسأل عنه دون أن يكون لنا جواب أمام الديان العظيم يوم الدين. أعتذر من صراحتي ولكنه الواقع مع الأسف. نقول بكل سهولة وكأنه حق عام مسموح للجميع: حجة الإسلام والمسلمين فلان. آية الله فلان. آية الله العظمى فلان. إخواني: لا يجوز أن نقول محمد حجة الإسلام ولا أن نقول بأنه عليه السلام آية الله وأكبر خطر بأن نقول عن أحد بأنه آية الله العظمى. أين قال الله تعالى بأن نبينا حجة علينا أو حجة على المسلمين؟

نعود إلى القرآن لنتعلم المزيد في هذا الصدد. قال تعالى في سورة الأنعام حول إبراهيم عليه السلام: وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83).

لم يقل سبحانه بأن إبراهيم حجة على قومه بل ما آتاه الله تعالى من علم حجة له على قومه. لاحظوا بأن حجة قومه أقل بكثير من حجة الإسلام والمسلمين. قومه مسلمون وغير مسلمين. فهو ليس حجة على المسلمين من قومه ولا على غير المسلمين من قومه ولكن علمه الذي منحه الله تعالى حجة عليهم. ولنعرف من هو إبراهيم؟ قال تعالى في سورة آل عمران: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68). لاحظوا كم هو أهم من ابنه محمد نبينا عليهما السلام. إن نبينا من أتباع إبراهيم ويفتخر بأنه من أتباعه. إبراهيم هذا ليس حجة على أحد فكيف نسمي من نشاء حجة على الناس. حجة الإسلام تعني حجة الإسلام على الناس طبعا.

أما آية الله. قال تعالى في سورة المؤمنون: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50). فهل يجوز لنا باعتبار هذه الآية أن نقول: آية الله مريم أو آية الله المسيح بن مريم؟ لو قلنا ذلك فإن فرعون أيضا آية الله. قال تعالى في سورة يونس مخاطبا فرعون لحظة الغرق حيث آمن بما آمنت به بنو إسرائيل: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92). والواقع أن ما فعله الله تعالى بالمسيح وأمه هو آية وما فعله بفرعون هو آية وليس المسيح بنفسه ولا أمه ولا فرعون آيات الله تعالى.

وأما آية الله العظمى. قال تعالى في سورة الواقعة: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76). مواقع النجوم كما اظن هي المجرات التي منها مجرتنا؛ ومنظومتنا الشمسية واحدة من مئات البلايين من المنظومات التي تعيش تحت ظلال مجرة درب اللبانة وهي واحدة من مئات البلايين من المجرات في ملك الله تعالى (أقصد بالبليون ألف مليون). هناك البلايين مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وكذلك نوح وغيرهم من النبيين الكرام في مجرة درب اللبانة. فهل يمكن القول بأن مجرة درب اللبانة آية الله، استنادا إلى آية سورة الواقعة؟ لاحظوا لم يقل الله تعالى بأن درب اللبانة عظيم بل قال بأن مواقع النجوم ومنها درب اللبانة مواقع لو أقسم بها الله تعالى فيكون ذلك القسم عظيما. القسم عظيم لأن الله تعالى أقسم به وليس لأن المجرة آية عظمى ولا المجرات بمجموعها آية عظمى.

وهناك انتسابات أخرى نسمعها أحيانا وكلها غير صحيحة. فمثلا قول أحد بأن فلانا هو الموهبة الإلهية الفريدة؛ عصمة الله؛ رحمة الله؛ نعمة الله؛ موضع الرسالة؛ مختلف الملائكة؛ عيبة علم الله؛ معدن علم الله؛ معدن حكمة الله؛ سيف الله المسلول؛ خيل الله؛ شيخ الإسلام؛ حجة الإسلام والمسلمين؛

كلها ادعاءات غير مشفوعة بالدليل وبما أنها منسوبة إلى الله تعالى أو إلى رسالته فسوف تؤدي إلى مساءلة خطيرة يوم القيامة فهل لدينا جواب إذا سُئلنا؟ قال تعالى في سورة النحل: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (116). وقال سبحانه في سورة يونس: قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (69). وقال سبحانه في سورة يونس أيضا: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ (59). وقال سبحانه في سورة الأعراف: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33).

منح نسب كبرى للأنبياء المكرمين.

يقولون: إبراهيم خليل الله

موسى كليم الله

عيسى روح الله

محمد حبيب الله.

هل قال الله ذلك؟ كلا.

لعلهم يقولوا بأن الله تعالى قال في سورة النساء: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّن أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (125). لقد ترك إبراهيم أهله بعد أن سعوا ليقتلوه حرقا ولعله كان في العراق وأخذ طريقه إلى فلسطين ولعل إلى المجهول برفقة شخص واحد وهو لوط احتمالا. كان أبوه قريبا من المَلِك كما نظن فكانت حياته هنيئة ولكنه أصبح غريبا في ظلمات الأرض ليبتعد عن أهله. هذا الشخص ترك أهله وكل شيء من أجل الله تعالى ولذلك أمر الله نبينا محمدا أن يتبعه. اتخذه الله تعالى خليلا حين وحدته كما أظن حتى لا يشعر بالوحدة الخانقة. هذا لا يعني بأنه خليل أو صديق الله تعالى. لا يجوز لنا أن ننسبه إلى الله بغير نسبة العبودية كغيره من الرسل الكرام. إنه نبي الله تعالى حتى نهاية عمره ورسول الله حينما كان في بلده وبين قومه.

وأما موسى فهو ليس كليم الله بل كلمه الله تعالى مرتين. كليم الله يعني بأنه مرتبط بخط مباشر مع الله تعالى يتحدث مع ربه متى ما شاء. ليس الأمر كذلك. هرب موسى من فرعون الذي تبناه خوفا من أن يقتله واتخذ طريقه إلى المجهول أيضا. وقد سمعتم قصته حتى يوم عودته. هناك أراد الله تعالى أن يقوي قلبه حينما أراد أن يكلفه بخوض مجلس فرعون فكلمه ليمنحه الثقة بالنفس كما أظن. هناك تكليم آخر مرة أخرى بعد أن تمكن من دعوة بني عمومته إلى الله تعالى. ولننظر تشريفات التكليم الثاني. قال تعالى في سورة الأعراف: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143).

وقال سبحانه في سورة طه: وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85). وقال سبحانه في الأعراف أيضا: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150).

فهل موسى هو فعلا كليم الله أم أن الله تعالى لغرض رسالي كلمه مرتين؟

وأما حكاية المسيح عليه السلام.

قال تعالى في سورة النساء: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (171). فهل المسيح هو روح الله. لننظر ما الذي حصل؟ وقبل ذلك لنقرأ قصة آدم أبينا جميعا.

قال سبحانه في سورة ص: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72). وقال في سورة التحريم: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12). فالمسيح وآدم كلاهما بنفسيهما خلقا من النور أو الطاقة المباشرة من الله تعالى وهو ما سماه الله تعالى روحه. كل الكون مصنوع من طاقة الله تعالى ولكن النور المباشر الذي صدر يوم الانفجار الكوني العظيم وخلق بحرا من الكيماويات احتمالا ومنها خلق الله السماوات والأرض؛ فإن نور الله تعالى مر بمجموعة عمليات معقدة أفقدت الكائنات تلك الخاصية الخلاقة الموجودة في النور المباشر من الله تعالى كما أظن. ولولا ذلك لكانت السماوات والأرض منعمة بالحياة كما عليه نحن البشر. لكن آدم استلم النور مباشرة فهو أول إنسان وهكذا المسيح استلمه مباشرة لأنه ليس من جنسنا بالكامل. ولو لم يخلق الله تعالى النفس الإنسانية من ذلك النور لما كان لنا أن ندرك. إنه ذلك النور وبتقدير من الله تعالى يدور بين البشر دون أن ينقص لأن الله تعالى يريد له أن يبقى بقوته كما يبدو.

وأما رسولنا فإنهم اخترعوا له صفة الحبيب ولم أر في القرآن أية إشارة إلى ذلك. بالله عليكم هل هذا صحيح؟ ولعلهم يقولوا بأن محمداً يحب الله تعالى وقد قال ربه بشأنه كما في سورة آل عمران:قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31). فبما أن الله تعالى يحب من اتبع رسولنا الذي أرسل إلينا فهو أيضا حبيب الله. إذا اتبعه قومه يحببهم الله لا تعني بأنه حبيب الله ولا تعني بأن المؤمنين به أحباب الله. لا يوجد لله أحباب بل هو سبحانه يعامل بعض المؤمنين معاملة الشخص الذي يحب شخصا آخر. لو كان لله أحباب فهو إذن ليس أحدا فردا صمدا. إنه سبحانه أخطر وجود في الوجود كله. تصوروا بأن كل هذا الكون المهيب يمثل تجليات نور الله تعالى فهو ليس في متناول يد الناس. لكنه من عظمته وسعة رحمته يسمح لنا بأن ندعوه كما نشاء متى ما شعرنا بالحاجة إلى مساعدة ربنا. إنه حتى بهذا الإذن يختبرنا.

بعض الحقائق عن موسى وعيسى عليهما السلام:

أظن بأن أمتنا الكريمة بحاجة إلى أن يعرف من هو الله تعالى. يتحدثون هم وأحاديثهم التي نسبوها إلى رسول الله وهم لا يعلمون ما يقولون. بالأمس كنت أستمع عند الغداء إلى شخص يتلو زيارة موجهة للإمام السجاد عليه السلام. كان يخاطبه وهو ميت طبعا قائلا: أشهد أن الله اختارك لنفسه وما على غرارها من جمل مسجعة. يظنون بأن من حقهم أن ينسبوا إلى الأئمة كلما ميز الله تعالى به بعض رسله. هذا الشخص يخلط بين موضوعين يخص موسى لينسبهما معا إلى علي بن الحسين. هما ما قاله سبحانه في سورة طه: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13). وقوله تعالى بعدها في نفس السورة: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41).

اختار الله تعالى موسى ليستلم رسالة ربه ويذهب بها إلى فرعون وقومه. لكنه لم يختر الإمام علي بن الحسين لاستلام رسالة أو لأية مهمة أخرى. فهو افتراء على الله. وأما مسألة اصطنعتك لنفسي. فإن موسى كان بحاجة إلى أن يحمل قوة خارقة أمام فرعون ليذهل فرعون لعله يتذكر أو يخشى. تلك القوة مستمدة من نور الله تعالى المباشر ليحمل قبسا من نور ربه في كيانه. وقد أبلاه الله تعالى بلاء طيلة عدة سنوات في مدين كما أبلاه في طفولته في مصر. كل ذلك لتتقوى بنيته البدنية مع كيانه النفسي فيتمكن من الاقتراب من تجليات نور الله تعالى في طور سيناء تلك التجليات المهيبة التي أفقد موسى قدرته على التحكم في نفسه فترك أهله وأطفاله الصغار في وسط الجبل في ظلام الليل ذاهبا حسب ظنه ليأتي إليهم بجذوة من النار.

هناك في تلك النار الخطيرة يقول ربنا في سورة مريم: وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52). يريد ربنا لموسى أن يحمل شيئا بسيطا من تلك النار في كيانه ليتمكن من الإتيان بالمعجزات. تلك نار خطيرة تحرق الحجر والمدر، ولكن الله تعالى قربه من زاوية أقل خطرا عليه. ذلك نور الله تعالى ولذلك قال له اصطنعتك لنفسي لأنه سيحمل نور الله تعالى.

وأما المسيح فإنه استلم النور المباشر من الله أيضا. ذلك النور هو الذي منحه نفسا جديدة لا ترتبط بنفوس بقية البشر. ذلك الروح يمثل النور المباشر الذي نقله الروح القدس إلى رحم أمه. لولا ذلك لما كان المسيح قادرا على أن يبرئ الأكمه والأبرص ويقوم بأعماله الإعجازية. وهل قرأتم في القرآن أن أي بشر آخر غير موسى وعيسى عليهما السلام قام بمعجزة خارقة؟ هذه حكاية هذين الرسولين الكريمين والعلم عند سيدنا المتعالي.

ولنضرب مثالا سهلا لنتعرف على كيفية منح الصفات. أخي الكريم الأستاذ ناهض الهندي يلقي محاضرات في هذا المجلس المبارك. إنه محاضر هذه الجلسات. لكن العبد الفقير إلى الله تعالى جاء بعد عدة سنوات ليلقي محاضرة واحدة ثم يعود أدراج الرياح. فهل يجوز تسميتي بمحاضر جلسات ومبلي القرآنية؟ كلا طبعا. الأخ ناهض برمج نفسه ليجعل مساء الجمعات فارغة ليحضر أمامكم ويلقي محاضراته عليكم. لكنني أنا لم أفعل ذلك. هذه هي حالة موسى مع الله تعالى حين التكليم. لا يوجد ارتباط هاتفي بين موسى وربه. إنه كأي إنسان آخر يمكنه أن يدعو ربه وكأي نبي آخر قد يستلم الوحي من الملائكة لكن ليس له أن يكلم الله تعالى متى ما شاء وأراد. فهو تشرف مرتين بأن يكلمه الله تعالى فقط فهو ليس كليم الله بل هو قد تكلم مرتين مع الله بعد المرور على مجموعة استعدادات خاصة. حالته مع ربه مشابه لحالي معكم بالنسبة لمحاضرة الليلة. لا يبعث موسى عليه السلام إيميلات إلى الله تعالى ولا حتى برقيات ولا يرفع التلفون ليتحدث مع الله سبحانه وليس له أن يتكلم متى ما شاء وأراد فهو ليس كليم الله في الواقع ولكنه تكلم مرتين مع الله فقط.

كم نحن جاهلون وكم علماؤنا أيضا جاهلون مع الأسف؟ الكثير منهم أناس طيبون ولكنهم يجهلون كتابهم السماوي. أليست هذه مصيبة فإلى من نشتكي؟

خلاصة الجلسة:

لا يجوز أن ننسب أي شيء إلى الله تعالى دون أن نرى إذنا بذلك في القرآن الكريم.

يجب السعي لإزالة ثقافة الانتساب إلى الله تعالى فيما عدا العبودية لكل المدركين إضافة إلى الرسالة والنبوة للأنبياء والمرسلين والمقربين للملائكة والأرواح القدسية والقدوس لله وحده والمقدس لطور سيناء وبيت المقدس كما ذكرهما الله تعالى والمحرم لمكة. وأما بقية الأماكن في الأرض فنصفها بأوصاف أخرى بعيدة عن القدس والطهارة.

نخاطب رجال الدين بدرجاتهم العلمية مثل العلامة؛ الفهامة؛ المجتهد؛ الشيخ؛ عالم ديني؛ أستاذ؛ طالب الفقه؛ فقيه؛ مرجع علمي وما شابه ذلك.

وبعد أن عرفنا بأن رجال الدين يجهلون المسائل القرآنية ويجهلون بأن اتخاذ الألقاب المنسوبة إلى الله تعالى غير مؤدب وغير أخلاقي ويمكن وصفها بالمحرم؛ فإننا نسعى لنفهم بأنفسنا مسائلنا الدينية ونتعلم منهم مسائل النحو والصرف واللغة والبيان وما على غرار ذلك فقط. لنعلم بألا تزر وازرة وزر أخرى أمام الله تعالى فنتوقى الاتكال على رجل الدين ولا نقول: ضعه برقبة العالم واطلع سالم. إنه لغة السفهاء والمسلمون يجب أن يبتعدوا عن السفاهة.

آيات تؤيد وتساعد فهمنا للموضوع:

قال تعالى في سورة الزمر: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (60). فلن ننسب ما شئنا من علاقات خطيرة إليه سبحانه فهو كذب لأنه لم يقل ذلك وسيكون مصيرنا الغضب. ويعتبرنا الله تعالى متكبرين لأننا نتدخل في شؤون تخص الله تعالى ولا يجوز مسها.

وقال سبحانه في سورة النساء: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (50). يعتبر الله تعالى من يزكي نفسه مفتريا على الله تعالى إذ لا أحد يعرف نفسه بأنه مزكى أم لا. إن الله تعالى وحده يزكي من يشاء ضمن نظام المشيئة ولسنا نحن الذين نزكي أنفسنا. نحن نسعى فقط ونجهل النتيجة. وحتى يسهل عليكم التطبيق فإن كل الذين يتبرك الناس بهم وهم لا يرفضون فهم يزكون أنفسهم وكل الذين يرضون بل يشجعون مريديهم لتضخيم أنفسهم وجعلها مقربة من القدوس فهم يزكون أنفسهم وكل من احترمتموه وجعلتموه واسطة بينكم وبين ربكم ليغفر الله لكم ذنوبكم فأنتم زكيتموهم دون حق وظننتم بأنكم كسبتم التزكية دون حق أيضا.

وقال تعالى في سورة النور: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (38). فلو لا إذن الله تعالى لنا لما جاز لنا أبدا أن نقيم المساجد لنذكر فيها اسم الله تعالى. ولا ننس بأن المساجد ليست بيوت الله تعالى ونحن نخطئ حينما نسمي المسجد بيت الله. المكان الوحيد الذي نسبه الله تعالى إلى نفسه وقال إنها بيته هي مكة المكرمة فقط لا غيرها. هي بيت الله تعالى لأنه سبحانه قام بعمليتين تطويريتين كبيرتين طالت كل منهما مئات الملايين من السنين. هما صناعة الأنعام الثلاثة البقر والغنم والمعز والعملية الثانية صناعة الإنسان الأول في مكة المكرمة.

حتى الدعوة إلى الله تعالى فلا نجد في القرآن إذنا لنا بذلك. تلك خاصة بالرسول وحده. ذلك لأن الدعوة إلى الله تعالى يجوز لمن يكون متفوقا على الناس في معرفة الغيب وليس أحد من الناس معروفا بالتفوق. لكن الرسول يتفوق باعتبار الوحي. قال تعالى في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46). وقال سبحانه في سورة النحل: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125). وقال سبحانه في سورة الحج:لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67). وقال سبحانه في سورة القصص: وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87). كلها خطابات فردية إلى الرسول لا إلى غيره. لاحظت أكثر من مرة أن بعض الإخوة الباكستانيين الملتحين في التكاسي في بريطانيا وغير بريطانيا يصفون أنفسهم بأنهم دعاة إلى الله ويدعونني إلى الله. أسألهم أسئلة قرآنية لا يمكنهم الإجابة عليها فأقول له أخي يجب أن تكون مطلعا أكثر ممن تدعوه حتى تدعوه إلى الله فالدعوة ليست من حقك. إنه حق الرسول وحده. فأرجو أن تنحصر سعيكم لهداية الغير إلى بيان فهمكم لكتاب الله تعالى وترك الأمر له ليفكر. أنتم لستم رسول الله فلا تلبسوا جلبابا خطيرا خاصا بقامة الرسول الأمين عليه السلام. والسنة الواجبة اتباعها هي سنته عليه السلام وقد أورثنا الله تعالى كل سننه العملية وصانها ولم يذكر الله تعالى بأن لرسولنا سنن قولية ولم يصن سبحانه كتابا لنا كتبه رسولنا أو أمر عليه السلام بكتابته.

هناك مشكلة كبيرة تتحكم فينا مع الأسف وهي نتيجة عدم القيام بالتفكير الصحيح في كل ما ورثناه دون استثناء لعل الله تعالى أن يساعدنا ويعلمنا الحق والطريق المستقيم إلى الحق. فعدم التفكر أوجد لنا مشكلة الجهل بالمفاهيم القرآنية فنتدخل في شؤون الربوبية أحيانا وفي شؤون الألوهية أحيانا أخرى دون علم مع الأسف. ويظن بعضنا بأننا يمكن أن نستند إلى الذين ذهبوا ودرسوا العلوم الدينية فحملوا لقب رجل الدين. يخلو القرآن الكريم من هذه الصفة لأن الله تعالى يأمر جميع الناس بأن يسعوا لفهم دينهم. هناك آية واحدة تتحدث عن الذين نسميهم رجال الدين بصورة سلبية، كما أظن.

قال تعالى في سورة الحج: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِّلْعَبِيدِ (10). إخواننا الذين نسميهم رجال الدين لا زالوا يجهلون بأنهم ليسوا حججا للإسلام ولا شيوخا للإسلام ولا آيات عظام ولا يحق لهم الفتوى الملزمة. الفتوى الملزمة من حق الله تعالى وليس لرسوله أن يفتي فتوى ملزما. ليس أحد يملك مفاتيح الجنة والنار فكيف يمنحون صكوك الغفران للناس ويقنعون الجاهلين بأن يقتلوا الأبرياء ليدخلوا جنات النعيم؟ إنهم جميعا مبتلون بداء الجهل فعلينا أن نجادلهم دائما لعلهم يتورعوا ويسعوا لفهم الحقائق من القرآن الكريم ويتخلوا عن مواريث السلف الذين هم أكثر جهلا من هؤلاء.

رد بعض الأسئلة المهمة بعد المحاضرة:

1. لماذا قال الله تعالى: اتخذ الله إبراهيمَ خليلا ولم يقل بأن إبراهيم طلب الخلة من الله تعالى؟

الجواب: لا يجوز لأحد أن يدق باب القدوس العظيم ملك الكون المهيب دون إذنه. فهو سبحانه أذن لنا بالدعاء فندعوه وإلا كنا غير مؤدبين أمام ربنا. وأما اتخاذ الله تعالى إياه خليلا هو كما أظن بأن إبراهيم بعد أن خرج من منزله إلى عراء الأرض شعر بالوحشة الشديدة وهو لا يدري ما يفعل ولا يجرؤ أن يناجي ربه بدون إذنه. هناك أوحى الله تعالى إليه بأن يناجي ربه ليشعر بالطمأنينة والأمان. بمعنى أن الله تعالى أذن له بذلك واعتبر الله إذنه بمثابة اتخاذه إبراهيم خليلا. الخلة عملية مشتركة بين الخليل والخليل ولم أجد بأنه سبحانه سمح لأحد غير إبراهيم بأن ينحى هذا المنحى الكريم في علاقته مع الله تعالى. فهي عملية مؤقتة لنجاة إبراهيم من هيبة التحرك في الظلام وإلى المجهول والعلم عند مولانا عز اسمه.

2. سأل أحد الإخوة الكرام عن مخاطر الانتساب إلى الله تعالى بغير النسب التي ذكرها هو بنفسه. وقال بأنه يرى بألا مانع ولا ضرر في أن نقول موسى كليم الله أو نقول بأن شخصا ما غيره ولي الله حسب رأينا.

وأظن بأن جواب أخي الكريم الدكتور محمد الصحاف كان شافيا ولذلك أكتفي بجوابه. قال بأن المسألة أخطر مما نظن وتمثل بمسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة بعد رسول الله عليه السلام. فهل يمكن القول بأن هذا رأيه بأنه رسول الله؟ لو قلنا ذلك فإن التبعات خطيرة جدا كما تعلمون. شكرا لأخي الصحاف على مساعدته.

هناك أسئلة أخرى لم تسجل مع الأسف وذاكرتي ما ساعدتني

تحياتي ودعواتي للجميع

أحمد المُهري

6/10/2018

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”الانتساب إلى الله تعالى

  1. مقالك هاذا مبني معظمه على ٱرائك الشخصية ولم تأت بأي دليل شرعي على ما تفضلت به
    تقول مثلا أنه لا يجوز أن نقول عن أي أحد مهما كان أنه ولي الله دون أن تأت بدليل شرعي يحرم ذلك…هنا أنت مناقض للقرٱن الذي يقول ( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ
    ثم انك تبني أحكامك على الظنون وليس على علم يقينني …فحضرتك مثلا قلت فيما قلته
    (ابراهيم اتخذه الله تعالى خليلا حين وحدته –كما أظن– حتى لا يشعر بالوحدة الخانقة. هذا لا يعني بأنه خليل أو صديق الله تعالى)
    قال الله تعالى
    وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ 
    على العموم هذا يبقى مجرد اجتهاد من حضرتك

    إعجاب

    • كل فهمنا في مركز التطوير هو محاولة لفهم كتاب
      الله ، لم نقل انه الفهم الوحيد ،
      وانما سعي واجتهاد ، انت في المقابل افترضت ان ما نقدمه لا دليل شرعي عليه فما هو الدليل الشرعي الم يكن مستقى من كتاب الله ، … تحياتي

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s