تصحيح أخطائنا التراثية – الإعداد لأعداء المسلمين


 

تصحيح أخطائنا التراثية – الإعداد لأعداء المسلمين

 

 حرب.jpg

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نبينا وصحابته وهم في حالة ضعف. علمهم القرآنُ كيفية كسب القوة كما علمهم كيف يدافعون عن مبادئهم ويحصنون بلادهم ضد أعدائهم. لا يمكن أن نتصور نظام السماء يأمر بالقتل والتشريد لأن الكل عبيد للرحمن وقد خلقهم ربهم ليعطيهم الفرصة لعلهم يعرفون الله تعالى ويعبدونه وحده ليفوزوا برضوانه. القوة التي أمرهم الله تعالى بكسبها كانت لتحصينهم من بغي الغير ولم تكن لحضهم على الهجوم على الآمنين. نحن نتحدث عن أوامر القرآن وعن تاريخ رسولنا من واقع القرآن ولا يهمنا أفعال الصحابة بعد وفاة خاتم النبيين. ليست أعمالهم حجة علينا ولا يمكن أن تكون ذريعة لنهجم على أحد. فلو اعتبرنا آيات القتال وسور القتال نماذج نستعين بها لفهم تشريع السماء دون أن نضيف إليها فهم السلف المشوب بأطماع الحاكمين الذين أرادوا نشر ملكهم باسم الإسلام، أو أنهم فهموا القرآن بصورة أخرى، فإن القرآن لا ينطوي على أمر عام للمسلمين ليقاتلوا غير المسلمين بحجة الفتوحات.

 

دفع الأعداء لا خلق الأعداء:

الفتوحات تخلق الأعداء ولكن كتاب الله تعالى يتناول موضوع دفع الأعادي الموجودين الذين حاولوا طمس رسالة الله إلى أهل الأرض في آيات القتال. فكلها آيات دفاعية وليست هجومية. هم الذين قاتلوا المسلمين وهم الذين أخرجوهم من وطنهم مكة وهم الذين بدأوا. قال تعالى في سورة التوبة: وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12) أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14).

 

وبعد أن استتب الأمر للمسلمين وتمكنوا من تأسيس نظام قوي نسبيا يساعدهم على بناء كيان للمسلمين الموجودين والقادمين من بعد فإن الله تعالى يأمرهم بتأسيس نظام دفاعي رصين بقوله الكريم في سورة الأنفال: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴿60﴾. هكذا سمح الله تعالى بالإنفاق في سبيل الدفاع وليس في سبيل الحرب والفتوحات. ولنلق نظرة سريعة على الآية الكريمة:

 

العد في اللغة تعني الإحصاء ولكن بقيد الاهتمام فقوله تعالى لقد أحصاهم يعني أنه سبحانه حسبهم واحدا واحدا ولكنه حينما يضيف: وعدهم عدا؛ فهو يعني بأنه سبحانه كان مريدا لذلك العدد الذي لم يجتمع بالصدفة بل بجزم من الله تعالى والعلم عنده. قال تعالى في سورة مريم: لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94).  وأما قوله الكريم في نهاية سورة الجن: لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28). وأحصى كل شيء عددا؛ فهو أيضا لتثبيت إرادته في أصل إيجادهم بأنه سبحانه أحصى ما أراد إعداده.

 

وأما الإعداد فهو يعني عد الشيء من حيث العدد بحيث يكتفي به للمواجهة مع النقص في الغذاء أو في عدد طلاب المدارس المستقبلية أو في عدد الجيش أو في عدد الأسلحة وهلم جرا، ولذلك استعملوا الإعداد بمعنى التهيئة. فحينما يعلق سبحانه العد بقوله لهم فهو يعني بأن يكون الإعداد كافيا للمواجهة مع ملاحظة قدرات العدو وإمكاناته. والإعداد لا يعني المواجهة إطلاقا بل يعني الاستعداد لكل طارئ. إنه أمر وقائي ضروري لحماية الأعراض والممتلكات وللدفاع عن الأمن والسلام. وسنرى البيان القطعي لأسباب الإعداد لنعلم بأن الأمر أمر سلمي وليس أمرا عسكريا بحتا.

 

والاستطاعة هي طلب الطاعة أو الطوع؛ والطوع تعني تقييد الشيء لرغبات الشخص. فالذي يريد أن يقطع المسافة بين بلدين فهو يطلب من كل شيء مرتبط بالهدف أن ينصاع وينقاد له حتى يتمكن من قطع تلك الطريق. هكذا نقول بأنه يستطيع قطع تلك الطريق. فالاستطاعة تعني في حقيقتها السيطرة على كل المتغيرات الضرورية في الطريق للوصول إلى هدف معين. ولقد فصل الراغب الأصبهاني درجات بديعة لتحقق الاستطاعة وهي ضمن بيانه لمعنى الاستطاعة فقال:

 

والاستطاعة: استفعال من الطوع، وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتيا، وهي عند المحققين اسم للمعاني التي بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل، وهي أربعة أشياء:

بنية مخصوصة للفاعل،

وتصور للفعل،

ومادة قابلة لتأثيره،

وآلة إن كان الفعل آليا كالكتابة.

وكذلك يقال: فلان غير مستطيع للكتابة: إذا فقد واحدا من هذه الأربعة فصاعدا، ويضاده العجز، وهو أن لا يجد أحد هذه الأربعة فصاعدا ومتى وجد هذه الأربعة كلهم فمستطيع مطلقا، ومتى فقدها فعاجز مطلقا، ومتى وجد بعضها دون بعض فمستطيع من وجه عاجز من وجه، ولأن يوصف بالعجز أولى. والاستطاعة أخص من القدرة. قال تعالى: {لا يستطيعون نصر أنفسهم} [الأنبياء/43]، {فما استطاعوا من قيام} [الذاريات/45]، {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران/ 97]، فإنه يحتاج إلى هذه لأربعة.     انتهى النقل.

 

وأما القوة فتعني القدرة على تحقق الأمر بدنيا أو ماليا أو بأية وسيلة أخرى. وهي في هذه الآية كلمة عامة تعني كل ما هو مرتبط بالطاقات التي يستعملها الإنسان لبلوغ مقاصده. والإعداد القوي يشمل توحيد وتبويب القدرات الإنسانية المختلفة لتكون جاهزة للدفاع أو الهجوم حين الضرورة. ولكن الله تعالى فصل بين القوة وبين رباط الخيل فلعل السبب هو أن رباط الخيل تعني الإمكانات غير الإنسانية التي تدل على القدرة العسكرية ولكن القوة عامة تشمل كل الإمكانات الأخرى التي يستفيد منها الناس حتى في حال السلم. فالأقوياء بدنيا يمارسون الرياضات البدنية مثل السباحة وكرة القدم وغيرها ويمتعون الآخرين بإظهار قواهم البدنية كما أنهم يستعملون القوة في صناعة غير الأسلحة وفي تطوير أساليب الحياة وفي التعليم وغيرها.

 

وأما رباط الخيل فهي ما تخص الاستعداد للحرب.

قال الراغب في المفردات: ربط الفرس شده بالمكان للحفظ.   انتهى النقل.

فرباط الخيل لا تعني تجهيز الخيل للحرب بل تعني حفظ وصيانة الخيل في مكان آمن استعدادا للطوارئ. فقيد الله تعالى القدرة الآلية للحرب بالرباط ليعلن عدم إيذانه بالإقدام بالحروب غير الدفاعية والاكتفاء بالاستعداد العسكري. والناس في قديم الزمان كانوا يؤمنون بأن القلاع والحيطان لا تساعد كثيرا على السلام بقدر الخيل. قال الأشعر الجعفي:

ولقد علمتُ على تجنبي الرَّدى        أن الحصونَ الخيلُ لا مدر القرى

مدر القُرى يعني القلاع.

 

ونحن نرى من بعد الحرب العالمية الثانية المدمرة بأن القوى الكبرى تتقي المواجهة مع بعضها البعض بالاستعداد دون الحرب وبذكر القوة دون استعمال القوة وهو الصحيح. فالله تعالى يأمر المؤمنين جميعا وليس الرسول لوحده بأن يستعدوا للمواجهة مع من يعتدي عليهم باستعراض إمكاناتهم العسكرية الآلية. فاستعراض الطائرات العسكرية اليوم والسفن الحربية والدبابات هي بمثابة إعلان الاستعداد والقدرة على المواجهة ليأمنوا بها الهجوم المضاد عليهم. فالبشرية بطبيعتها وصلت إلى الحقيقة التي علَّم الله تعالى المؤمنين أيام الرسالة الخالدة ولكن المسلمين لم يتعلموا وخاضوا الحروب البربرية فاكتسبوا الإثم وجلبوا لنا العار مع الأسف.

والإرهاب فهو عمل معيب كما نرى اليوم بأن أكثر الناس مكروهية هم الإرهابيون. والإرهاب تعني إدخال الخوف في قلوب الآخرين ولكنه مسموح في حالات خاصة. فالرهب من الله تعالى ممدوح حتى يخشى المرء عواقب الآخرة فهو مفيد حتى يتقي البشر ظلم البشر وحتى يتقون عذاب الأبدية. والإرهاب مسموح قرآنيا في الدنيا في هذا الموقف فقط. وهو مقيد بإدخال الخوف في قلوب أعداء الله تعالى وأعدائهم بالإعداد فقط لا غير. هذا النوع من الإرهاب يمارسه مجلس الأمن ويمارسه القوى الكبرى والمتوسطة في العالم وهو ليس عيبا. كما أن أصحاب التجارات الكبرى يمارسون الإرهاب المالي ليمنعوا من المنافسة القاتلة ضدهم.

 

فقوله سبحانه: ترهبون به، يعني بالإعداد فحسب وقوله سبحانه: عدو الله وعدوكم، ليُخرج العداء الشخصي وحتى القومي بين الناس فينحصر السماح بإرهاب الذين يعادون الله تعالى والناس معا. فالذي يعادي الله دون الناس فنحن لا نرهبه والذي يعادي الناس دون الله فلا نرهبه أيضا. بمعنى أن الذي يعادي على أسس غير مرتبطة بالله مثل الخلافات المالية أو الخلافات الوطنية أو الخلافات الفكرية فلا يجوز إرهابه. ولكن الذين يمارسون العداوة الدينية مثل عداء الصهاينة اليوم مع الفلسطينيين أو الذين يريدون الاحتلال وفتح بلدان الغير فهم أعداء الله تعالى لأنهم يظلمون عبيد الله ظلما كبيرا دون وجه حق والله تعالى يحب عبيده ويكره من يظلمهم. فممارسة المشركين للعداء مع المسلمين حد الإخراج من الأوطان وإشعال الحروب جعلهم أعداء الله تعالى وأعداء الناس.

 

ويضيف سبحانه سببا آخر لوجوب الاستعداد العسكري في الثكنات كما نعبر عنها اليوم هو أن الأعداء لا ينحصرون فيمن نعرفهم بل هناك أعداء لا نعرفهم نحن ويعرفهم الله تعالى فمن حقه سبحانه أن يأمر عبيده ليستعدوا لمن يعادي الله ويعادي عبيد الله تعالى. مثالهم مثال الخلايا النائمة اليوم في البلدان حيث تتحرك حينما يريد زعماء الشر أن تتحرك فهن معروفات لدى الله تعالى ولكن الناس لا يعرفونهم.

 

وبما أن الإعدادات العسكرية المكلفة عادة ما تقلص مما قدره الله تعالى لإسعاد عبيده للحياة الأفضل فإنه سبحانه باعتبار ضرورة تلك الاستعدادات اعتبر الإنفاق في ذلك السبيل إنفاقا في سبيل الله كما أظن. وأظن بأن نهاية الآية حيث يقول سبحانه: يوف إليكم وأنتم لا تظلمون، فهو يشمل إن لم ينحصر التعويضات الدنيوية. فالسلام والشعور بالأمان الذي يتمتع به المستعدون للمواجهة يعطيهم المزيد من الراحة النفسية كما يُشعرهم بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون على مستقبلهم. هكذا يبنون حضارتهم ومظاهر حياتهم العامة من شوارع ومدارس وأماكن عامة معتمدين على قوة سلاحهم بعد الله تعالى فلا يشحون في الصرف على الحياة العامة لديهم. هكذا يوف إليهم ما أنفقوه وهم لا يُظلمون.

السلام قبل كل شيء وهو الهدف:

وأردف سبحانه في نفس سورة الأنفال:

وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿61﴾.

تأنيث السلم وارد عند العرب من قبل الإسلام. وقد ذكر الزمخشري شعرا للشاعر المخضرم العباس بن مرداس:

السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ        وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ

 

فالسِّلم أو السَّلم تؤنث كضدها الحرب. لكن الإخوة حديثا نظروا إلى الآية أو إلى مقطع الآية دون ملاحظة المورد ولا سيما الآية التالية لها فقالوا بأن السلم مذكر و جملة فاجنح لها تعود إلى القوة. إنه سعي جميل ولكنه دون شك خطأ فاحش. هذا يعني بأن الله تعالى يحب الحرب ويفضلها على السلام وهو غير ممكن. إنه سبحانه هو السلام فكيف يحب الحروب وملائكتُه يكرهون سفك الدماء وهم يمثلون إرادة الله تعالى دون شك إذ لا إرادة لهم. والآية التالية لها تؤكد قبول الصلح وبأن الله تعالى حسبه وهو كافيه إن أراد العدو الخداع وما بعد تلك الآية الكريمة تتحدث عن تآلف القلوب فهل هناك تآلف بالحرب وباستعمال القوة؟ لم يقل سبحانه وإن جنحوا للسلم فامتنع من السلم واجنح للقوة بل قال فاجنح لها بمعن اجنح لما جنحوا له ولا يمكن أن تنطوي الجملة على معنى مغاير للجنوح للسلم بدون أن يؤكد الله تعالى ذلك ببيان واضح.

 

ولعلهم يتشبثون بمعنى آخر وهو أن المسلمين يتظاهرون بالقوة دائما حتى عند عرض الصلح فالجنوح للقوة لا تعني استعمال القوة بل تعني قبول الصلح بقوة. بالطبع هذا المعنى ينطوي على لؤم لا يتناسب مع شخصية الرسول ولا مع إنسانية الصحابة المكرمين والجنوحُ للقوة لا يمكن أن يعني قبول الصلح فكان لزاما أن يقول سبحانه: فاقبل الصلح ولا تنس القوة مثلا، لكنه قال فاجنح لها بمعنى اجنح لما عرض عليك. ولو قلنا بأنه أمر بالجنوح للقوة فمعناه رفض الصلح ولا يحتاج الأمر إلى التوكل على الله لأنه متوكل على قوته فعلا. فلو فرضنا أن القوة العسكرية المتفوقة اليوم وهي أمريكا تخاطب الدول بالقوة وليس بالمناقشة والسعي السياسي فهو جنوح للقوة ونرى القوة الجبارة لا تفعل ذلك، أو قلما تفعل ذلك، لأنه من أعيب المعايب فكيف ننسب ذلك إلى الله تعالى ورسوله؟ وجنح تعني مال كما يميل جناح الطائر.

 

وقال بعض المفسرين وبعض اللغويين بأن السلام اسم لله تعالى باعتبار سلامته من العيوب وقالوا أيضا بأن دار السلام يعني دار الله تعالى وكلاهما باطل. فالله تعالى ليس معرضا للعيوب ليسلم منها بل هو النور الأول الكامل الذي يمد كل الوجود بفيض من نوره فكيف يمسه العيب. حتى النور العادي غير قابل لأن يخلط بالعيوب. وأما دار السلام فلا يمكن أن تعني دار الله تعالى لأننا نسمي الدار دارا باعتبار أنها محيطة بمن يسكنها فكأنها تدور حولنا أو حول ساكنيها وليس لله دار إلا بالملكية كما أن بيت الله تعالى لا تعني البيت الذي يبيت به الله بل تعني البيت الذي نفذ الله تعالى فيه إرادته لخلق الإنسان والأنعام الثلاثة وهو مكة المكرمة. فلا معنى لأن يسمي الله تعالى الجنة دار الله إذ أن الله محيط بكل شيء بما فيها الجنة وليس هناك شيء يحيط بالله سبحانه وتنزه.

ولكن السلام اسم لله تعالى باعتبار أنه سبحانه هو أخطر شيء في الوجود وكل شيء يفنى أمامه ولكنه سبحانه لا يجلي نفسه للكائنات لتبقى ولا تفنى ولو جلى نوره للجبل لصار دكا دكا. فهو سبحانه سلام بهذا المعنى والعلم عنده سبحانه. ودار السلام باعتبار أن الداخلين فيها لا يشعرون بأي خطر ينغص عليهم العيش فهم في سلام أبدي دائم بإذن ربهم.

 

وأما التوكل على الله فهو يعني أن يجعل الإنسانُ اللهَ تعالى وكيلا عنه. قال تعالى في سورة الأحزاب: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (3). والله سبحانه وكيل على كل شيء كما قال في سورة الزمر: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62). فما معنى أن نتخذ الله تعالى وكيلا ما دام هو سبحانه على كل شيء وكيل؟ قال تعالى في سورة الأنعام: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103). نلاحظ بأن الله تعالى وكيل على كل شيء فكل الأشياء تتحرك بإرادته وتحريكه سبحانه فما معنى أن نتوكل عليه وما معنى أن نعبده ونخضع له مادام كل شيء بطبيعته خاضع له؟

 

فالتوكل والعبادة وهو الخضوع الاختياري خاص بالإنسان ومن في حكمه مثل الجن باعتبار أنها كائنات مدركة ومريدة وأما الملائكة ومن في حكمهم مثل الأرواح القدسية وحاملي الكون فهم مع أنهم يدركون فهُم لا يتوكلون على الله ولا يعبدون الله لأنهم غير مريدين. فالمقصود من التوكل على الله تعالى هو أن يشعر المرء بأن الله وكيل على كل شيء فلا يتشبث بغيره بلسانه وقلبه لبلوغ مآربه وللسيطرة على ما يضره. كما أن الإنس والجن يشعرون بأن كل شيء خاضع لله ولكن هناك بعض الإرادة بأيديهم للقيام ببعض التغييرات فلو كانوا مؤمنين فإنهم سوف يضعون كل ما بيدهم بيد الله متوكلين عليه سبحانه ولا يهتمون بأن يتوسلوا بأحد من خلقه (باللسان والقلب وليس بالحقيقة) كما أنهم يخضعون باختيارهم في شكرهم وحبهم وطاعتهم للقدوس العزيز باعتبار أنه هو الحق وهو المتفضِّل وهو المستحق لأن يُخضع له. فالتوكل على الله مشابه للعبادة ودليل واضح على أن الذي يتوكل عليه وحده فهو غير مشرك به وهو مستحق لكرم ربه وفضله.

 

وأما ختام الآية الكريمة حيث يُذكر الله تعالى رسوله وصحابته بأنه هو السميع العليم فهو باعتبار أن التوكل عليه وحده قد يوهم بعض الضعفاء بأن الله تعالى واسع السيطرة فكيف نتصور بأنه يستمع إلينا؟ هذا ما يقوله الضعفاء اليوم حينما يتوسلون بالموتى فيعتبرون الموتى وسائط بينهم وبين ربهم ولذلك يؤكد سبحانه بأنه هو السميع بمعنى أنه وحده الذي لا يعبر سمعه شيء دون أن يسمعه سمعا كاملا وفوق ذلك فهو عليم بما يريده المتوسلون به دون الحاجة إلى من يوضح للقدوس حقيقة حوائج خلقه. فلو كان المقصود من الجنوح لها هو الجنوح للقوة فلا معنى لهذه التأكيدات إذ أن القوة تقوم بكل شيء ولا يحتاج من يتشبث بها أن ينتظر رحمة غيبية.

 

ثم إنه سبحانه يريد التأكيد على أن أوامره بالصلح والسلام ليست اعتباطية ولا عاطفية بل هي على عموميتها مقصودة وهو سبحانه وراءها ولن يترك المؤمنين من عبيده عرضة لمكر وخداع المجرمين ولكن السلام هو المطلب الأول عند الله تعالى وعند كل ذي شعور فهو سبحانه يأمر بالسلام ويسند السلام ويدافع عن الذين يستجيبون لأوامر ربهم. وقد أكد وفصل الموضوع فيما تلاها من آيات فقال عز من قائل في سورة الأنفال ذاتها:

 

وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴿62﴾.

تدل الآية الكريمة على أن المكر والخداع متوقع أحيانا من المجرمين. ذلك بأنهم نقضوا العهود ليحولوا دون الحروب ولكنهم بمجرد شعورهم بالقوة حملوا على المسلمين فقد يكونوا غير صادقين حين عرضهم للسلم والأمن. ولكن السلم في حد ذاتها مطلوبة عند الله تعالى وواحدة من ركائز الحياة الطيبة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين. قال سبحانه في سورة الأنعام على لسان إبراهيم: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82). وقال سبحانه في سورة النحل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (97).

 

كل تلك التفصيلات لتطمين المؤمنين بأن الذي يأمرهم بقبول الصلح من العدو فهو لا يمكن أن ينساهم أو لا يساعدهم ولا يمكن أن يسمح لعدوهم بأن يستعمل المكر ضدهم. وجملة “وإن يريدوا أن يخدعوك” في بداية الآية الكريمة تشير إلى أن الخداع المحتمل بل المظنون حين طلب الصلح فهو معلوم عند الله سبحانه وهو الذي سيحول بينهم وبين ما ينوونه من سوء ضد الذين آمنوا بالله وبرسوله. فقد يطلب العدو الصلح وهو غير قاصد للصلح ولكن الله سبحانه يأمر بقبول هذا الصلح المعروض ويتعهد بمساعدة المؤمنين في تنفيذ بنود الصلح وجلب السلام لهم ولعدوهم ولأهلهم ولأهل أعدائهم. أظن بأننا يجب أن نفكر دائما في أن الأولوية العقلية للسلام وليست للحرب ولا يمكن أن نتصور الله تعالى محبا لغير السلام فالآية تؤكد دفاع القدوس العزيز عن السلام ولو كان هناك نوايا سيئة مبيتة لدى الأعادي والعلم عند المولى.

 

ويؤكد المولى عز اسمه بأن النصر الذي لمسه المؤمنون فهو من الله تعالى وليس منهم كما أن دفاع المؤمنين عن الرسالة وعن الرسول فهو بتوفيق من ربهم الذي أيد رسوله بالمؤمنين أيضا. ولقد قدم الله تعالى نصره على تعاون المؤمنين مع الرسول على أنهما كلاهما منه سبحانه لأن النصر ليس في واقعه للرسول وحده ولكنه لأجل الرسول والفوائد تعود له شخصيا كما تعود لمن معه من المؤمنين. والتأييد لا ينفي سعي الرسول نفسه فالآية في واقعها تؤكد بأن الرسول سعى بكل قوة وبكل ما أوتي من إمكانات فأيده الله تعالى بنصره وبالمؤمنين. ثم وضح سبحانه بأن المؤمنين لم يؤيدوا رسوله بجبر من الله تعالى بل بأنه سبحانه أدخل في قلوبهم المحبة تجاه بعضهم البعض فقال سبحانه:

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿63﴾.

 

من المؤكد بأن مضامين الآية الكريمة معطوفة على توفيق الله تعالى المؤمنين لينصروا رسولهم الذي جاء بالحق ودعا إلى الحق. كما أن من المؤكد أن التأليف بين القلوب سبق النصر وكان ذلك التأليف عاملا مساعدا من عوامل النصر بل عاملا أساسيا. ذلك لأن النصر يستتبع الكثير من الفوائد التي لا يمكن أن نتصورها لمن لا يستحق النصر. فالمؤمنون كانوا يستحقون النصر ولولا ذلك لفصل الله تعالى بين رسوله وبينهم كما فعل مع بعض أنبياء السلف الذين ابتُلوا برفض قومهم لهم. وواضح بأن الله تعالى لم يؤلف بينهم باعتبار الربوبية بل باعتبار الألوهية بمعنى أن قانون الألوهية قد أخذ مجراه بحق المؤمنين فألف الله تعالى بينهم وهم يستحقون ذلك التآلف. كما أن الرسول بشخصه كان عاجزا عن التأليف بين قلوب أتباعه ولو كان ذا ثروة عظيمة تحيط بكل إمكانات الأرض أو الأرض التي عاشوا عليها وهي مكة فأسباب التآلف لم تكن مادية أبدا.

 

من الضروري بأن نعرف أن القلوب المؤمنة أصبحت تحب بعضها مع ظهور الدعوة الرسالية الطيبة على يد رسول الله عليه السلام ونسيت كل الأحقاد والتعصبات القديمة. نسيتها أمام النور الرسالي المشع ولما تنمحي تلك العصبيات القبلية الحمقاء مع الأسف. وهذا ما يمكن التأكيد عليه لو أن بعض ما ذكره المؤرخون من حوادث ما بعد رسول الله كانت صحيحة. فالتفوق القرشي عاد وسيطر على الأذهان مرة أخرى وتناسى المؤمنون من قريش، تناسوا الأنصار الذين مدحهم الله تعالى مدحا عظيما مع الذين هاجروا مع الرسول من مكة. قال سبحانه في سورة التوبة: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100). لقد آل أمر المسلمين بعد رسول الله إلى سيطرة قريش حتى وصل أمر الرئاسة إلى معاوية بن أبي سفيان الذي لم يكن من المهاجرين مع وجود مجموعة من الأنصار بين أظهر المسلمين. ذلك ظلم فاحش وعصبية قبلية ممقوتة ولكن المسلمين أتوا بها مع الأسف.

 

والسبب في ذلك هو أن الله تعالى قد يغير القلوب بدون أن تستحق لغرض خاص ثم يتركها لتعود إلى ما تعودت عليه ليؤدي اختبارها في حالة طبيعية خالصة. فظهور الرسول الخاتم فرض بعض التوجه الربوبي الخاص ولو لم يكن ضمن نظام الله تعالى كاملا. قال تعالى في سورة الفتح: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5). نلاحظ اعترافه سبحانه بما منح المسلمين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم. لكن تلك الزيادة كانت مؤقتة وضرورية لتثبيت الإسلام في الأرض ثم تعود الأمور إلى مجاريها ويتم اختبار البشر بالطرق العادية وبدون ملاحظة ضرورات تثبيت الدين الختامي.

 

وتأليف القلوب مشابه لتأليف معالجات الكمبيوتر. نحن في عالم الكمبيوتر لدينا أنواع من التآلف أو ما يسمى ب (compatibility) منها التآلف بين المعلومات بمعنى أن كمبيوترا ما قادرة على قراءة معلومات كمبيوتر آخر والتبادل معها. ومنها التآلف بين المعالجات بمعنى أن مركز المعالجات (Central Processing Unit) في كمبيوتر ما مشابه تماما لمركز المعالجات في كمبيوتر آخر. أظن بأن التآلف بين القلوب يعني المعنى الثاني وهو تطابق المعالجات. فمثلا نرى الشعب الأمريكي الذي يؤمن بالله تعالى ولا يحب الظلم ولكنهم جميعا تقريبا يظنون بأن قيمة دمهم أغلى من قيمة دماء الآخرين من أبناء الأوطان الأخرى!!  فهم في قلوبهم متفقون على أمر وهم يدافعون عن ذلك الأمر. هكذا يعالجون بعض القضايا بينهم وبين غيرهم وهو بمعنى التآلف القلبي على أمر من الأمور. بالطبع أن الشعب الأمريكي مخطئ ولكنهم متفقون في قلوبهم على أمر مع الأسف.

 

وبعد الأمر بقبول الصلح مهما كان هدف العدو فإنه سبحانه يؤكد للنبي وليس للرسول بأن الله تعالى حسبهم. قال عز من قائل بعد تلك الآية من الأنفال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿64﴾. لنعرف بداية الفرق بين النبي والرسول بدقة أكبر. فالرسول هو الذي يحمل رسالة السماء لكل من في الأرض أو لكل قومه كائنا من كانوا. قال تعالى في سورة الأعراف: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158).

 

وأما النبي فهو باعتبار أنه عليه السلام يحمل علما غيبيا عن طريق الوحي ويجب عليه تبليغ ذلك العلم إن كان رسولا أيضا. والنبي برأيي ليس من نبا ينبو كما ظن البعض ولكنه من أنبأ ينبئ فهو نبيئ ولكن القرآن لم يستعمل النبيء بل النبي كما كان عليه العرب من قبل. المهم في النبي أنه يحمل الأنباء. قال تعالى في سورة الحجر: نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (50). 

قال الراغب في المفردات: النبأ: خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ أن يتعرى عن الكذب، كالتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر النبي عليه الصلاة والسلام.   انتهى النقل.

 

فالنبي نبي باعتبار علمه الحقيقي المرتبط بالغيب وحينما يكون حديث القرآن عن المؤمنين الذين يتبعون النبي بعلمه وهداه هناك يخاطبه القرآن بالنبي عادة. والآية وما بعدها توضح عدم حاجة النبي إلى أكثر من مجموعة مؤمنة قليلة تغلب فئة كثيرة بإذن الله تعالى. وقد وضح الله تعالى ذلك بالأمر التالي للنبي في الأنفال أيضا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴿65﴾.

 

لنعرف معنى الصابرين: قال تعالى في سورة آل عمران: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148). ثم أكمل سبحانه أحوال الذين آمنوا برسول الله من خالص المؤمنين وغيرهم فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153).

 

فمعنى “عشرون صابرون” كما أظن هو عشرون شخصا من الصحابة ينفذون أمر الله تعالى بقتال العدو بكل إخلاص غير عابئين بالنتائج باعتبار أنهم متوكلون على الله تعالى. ولذلك فهم صابرون مهما كلف الأمر. فحينما يكون بين أنصار الرسول عشرون شخصا من ذلك النمط فإنهم قادرون على مواجهة عشرة أضعافهم من الأعادي لأنهم لا ينظرون إلى المصالح الدنيوية بل يريدون وجه ربهم فقط. بالطبع أن المواجهة مع عشرة أضعافهم يتطلب جهدا مضنيا منهم وهم يخوضون المواجهة دون حذر لإيمانهم بأن الذي أمرهم هو الله تعالى وليس البشر والله يستحق بأن يبذل المرء في سبيله كل غال حتى النفس. وبما أنهم مع الله تعالى فإن الله يقوي قلوبهم وسواعدهم وعزيمتهم لتكون لهم الغلبة. فالعشرون إشارة واضحة إلى أبطال المعركة من المسلمين المدافعين عن الرسالة بكل عزيمة وبدون الخوف من قوة العدو. وكيفية المساعدة مذكورة في القرآن وقمت ببيانها في التفسير، وأتمنى أن يوفقني ربي لتحريرها مستقبلا.

 

هكذا واجه المسلمون ذروة المعارك وضحوا بكل ما عندهم من قوة في سبيل الله. ثم يأتي بعدهم طبقة أخرى منهم أقل استعدادا فقال سبحانه في شأنهم:

الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿66﴾. كلهم صابرون سواء فيهم الذين واجهوا عشرة أضعاف عددهم أو الذين واجهوا ضعف عددهم. كان الأبطال في المقدمة وهم الذين كسروا شوكة العدو بإذن الله تعالى. والصف الثاني من معسكر المسلمين يمثل من هم أقل عزيمة من الأبطال فهم أيضا صابرون ولكن بدرجة أقل من صبر الأبطال الذين تصدروا معسكر الدفاع. فالله تعالى مع الصابرين يساعدهم سواء فيهم الذين كانوا أشداء في عزيمتهم أو الذين كانوا ضعفاء نسبيا في عزيمتهم. كلهم أبطال وكلهم صابرون ولكن ليس كلهم مخلصين. هناك عدد غير قليل في مؤخرة الجبهات الذين جاؤوا للكسب وليس للدفاع الحقيقي. أولئك يبحثون عن الغنيمة وإن تعذرت فإنهم يريدون مبادلة أسرى العدو بالمال. ولكن الله تعالى لا يريد للمسلمين أن يحتفظوا بالأسرى بل يريد إطلاق سراحهم ليكونوا دعاة إلى الله تعالى وإلى رسوله يعودون إلى قومهم ليخبروهم حسن تعامل المسلمين معهم ويبلغوهم كرم الرسول وحبه ورأفته بالناس جميعا. ولذلك قال عز من قائل:

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿67﴾ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿68﴾.

 

نحتاج هنا إلى بحث مختصر حول معنى الإثخان في الأرض. لقد ظن البعض بأن الإثخان في الأرض هو عين الإثخان في العدو. والإثخان تعني السعي للغلظة مقابل السيولة والنعومة. فإثخان الماء تعني تبديل الماء إلى ثلج، وإثخان القوة تعني تزييد القوة والقدرة طلبا للتمكين وكسر شوكة الأعداء، وإثخان العدو تعنى الانتصار على العدو وفرض السلام أو الاستسلام عليه. وقد ورد هذا الجذر مرتين في القرآن الكريم وهما الآية 67 من الأنفال أعلاه والآية التالية من سورة محمد: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4).

لقيتم الذين كفروا، تشير إلى اللقاء في المعارك. ضرب الرقاب تشير إلى السعي لدحر الأعادي بالضرب على رقابهم.

أثخنتموهم: تعني تغلبتم عليهم بالقتل والجرح حين القتال. فلو تمكنوا من السيطرة على أحد بدون قتله أو جرحه فعليهم بأسره أسرا شديدا يمنعه من الهرب. لا زالت الحرب مشتعلة ومع ذلك فمن حق المسلمين أن يتركوا الأسرى منا عليهم أو يطلبوا من الأعادي أسيرا مقابل أسير. هذا الحق ينتهي بانتهاء الحرب وهذا معنى قوله تعالى: حتى تضع الحرب أوزارها. لا ننس بأن الله تعالى أزال كل أعداء الرسل السابقين من الوجود ولكنه لم يأمر بإزالة أعداء المسلمين بعد إعلان الرسول دعوته ورفض المشركين ثم سعي المشركين لإنزال الموت على الرسول وقومه.

 

لكن قوله الكريم في سورة الأنفال: حتى يثخن في الأرض، لا يعني التشديد مع أهل الأرض بل يعني السعي لبسط احترام النبي بين أهل الأرض. ذلك لأنه عليه السلام كان حاملا لدعوة ربانية إلى كل الناس بمن فيهم الذين حاربوه. كان عليه أن يدفع عن قومه الموت ويدافع عنهم ولكن عليه ألا ينسى بأنه بُعث ليدعو الناس إلى الله تعالى. هذه الدعوة تستتب وتنتشر إن شعر الناس بالمحبة والرأفة من النبي ولا يمكن أن ينتشر لو كان فضا غليظ القلب. ولذلك أمره ربه سبحانه بأن لا يبقي أسيرا لديه بعد أن تضع الحرب أوزارها. هكذا يكسب الاحترام والحب لدى أهل الأسرى. سيصبح الأسرى العائدون دعاة إليه ومبشرين به ويكون كل واحد منهم رسولا إلى أسرته. سوف يعم حب الرسول وحب الدعوة وحب القرآن كل المنطقة فيخيب أعداء النبي وسيرون بأن أسرهم وأبنائهم وبني عمومتهم ونساءهم يحبون الرسول والدلائل موجودة. لقد عفا عن الأسرى وحررهم بلا قيد. هكذا يثخن النبي في الأرض، أرض الدعوة والعلم عند الله تعالى.

ولذلك نرى الله تعالى هدد الذين قاموا بأخذ مال مقابل الأسرى في الآية 68 أعلاه ولولا أن الله تعالى كتب ختم النبوة كما أحتمل فقد كان العذاب مؤكدا كما عذب سبحانه أصحاب من سبق من الأنبياء بعد أن خالفوا أنبياء الله. كان يجب عليهم احترام نبوة نبيهم واحترام علمه الذي يجب عليه أن ينشره واحترام شخصيته التي يجب أن تبقى محبوبة بين الناس.

فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴿69﴾ .

 

بعد أن حرم الله تعالى على الصحابة الكرام أن يأخذوا الفدية عند تحرير الأسرى بعد الحرب فرض على النبي أن يحررهم فورا بدون المطالبة بأي تعويض حتى المبادلة مع أسرى المسلمين لأنه صاحب دعوة وعليه أن يكسب ود الناس الذين يعيشون في زمانه؛ بعد ذلك، كرر لهم سبحانه بأن الغنائم حلال عليهم. الغنائم عبارة عما يستولوا عليه مما هو مملوك لمن يُقتل في المعركة. فلو أن مسلما ظفر بمشرك فمن حقه أن يأخذ مركبه وما عليه وما بجيبه مثلا. هذا المال حلال وطيب. بالطبع أن هناك حقوقا عامة يجب دفعها ولكن بعد دفع الحقوق الواجبة تصبح الغنيمة حلالا بمعنى أنه مملوك للمنتصر على المشرك. هذا الانتصار لم يكن مضمونا بل إن المقاتل المسلم قد خاطر بنفسه وماله وأسرته في سبيل الله ولكن الله تعالى قدر له النصر على عدو الله. ثم إن هذه الغنيمة طيبة باعتبار أنه كسبها بجهده ومخاطرته. مثالها مثال المكاسب التجارية حيث يخاطر التاجر برأس ماله ووقته وقد يكسب وقد يخسر. قال الإمام الحكيم علي بن أبي طالب: التاجر مخاطر. وهذا المقاتل مخاطر أيضا فما يكسبه نتيجةٌ لسعيه وطيبةٌ لأنه جد واجتهد وقدر له ربه بأن يجني ثمرة سعيه. هذا الرزق يطيب النفس ولو أنه قتل إنسانا في المقابل ولكن ذلك القتل كان حقا لأن ذلك الإنسان أراد أن يبطش بهذا المؤمن ولكن الله تعالى دفعه وسلط المؤمن على رقبته.

 

وحينما ندرس حكاية الحروب القديمة نرى بأن حكم الغنيمة كان ضروريا حتى يهتم المحاربون بقتال الأعادي ولا يمسوا مراكبهم. الحيوانات التي ركبوها لم تجن ولم تأثم وهي مفيدة فالمقاتل يسعى لحماية الحيوان ولا يفاجئ الراكب العدو بالضرب على أرجل مركبه لأنه يطمع في أن يمتلك المركب.

 

وكلما يجده المنتصر المؤمن مما مع المقاتل المشرك خارج من الميراث الذي هو حق لزوجته وأولاده ومن يخلفه ذلك العدو المقتول. ولذلك لم يسمح الله تعالى لأحد بأن يسيطر على بقية أموال المقتول واقتصر السماح والحلية في الغنيمة التي يكسبها الشخص في المعركة. إن ذلك المقاتل المشرك هو الذي عرض مركبه وبعض ماله للمخاطرة وأراد بمساعدة تلك الأدوات أن يقتل إنسانا طيبا غير ظالم لأحد. فذلك المال كان وسيلة للظلم ولذلك أخرجه الله تعالى من ميراثه لأهله. فالقانون السماوي لم يُحرم أهله من أصل ماله ولكن المقاتل عرّض ماله ونفسه للمخاطرة لغير سبب وجيه.

 

وأما الأمر بالتقوى فهو التقوى من التعرض لأموال الذين لم يُقتلوا في المعركة مثل الأسرى وغيرهم. والغفران والرحمة في آخر الآية هي ما يمكن أن تصير من نصيب المشركين بعد أن يبليهم الله تعالى بالهزيمة على يد المسلمين. هناك قد يندم بعضهم في قلبه فيثيبه الله تعالى بالغفران ولو أنه لم يعلن إسلامه أو لم يقبل الإسلام دينا. مجرد الندم يمنعه من محاربة المسلمين ومن المواجهة مع رسول الله عليه السلام فيحقن بذلك دمه ويصون ماله بأنه لا ينوي الدخول في حرب مع المسلمين. وقد يرحمه الله تعالى ويوفقه للإسلام وكل ذلك خافٍ عن النبي وصحابته. لكن عليهم بأن يحتملوا ذلك فيتقوا الله تعالى في التعرض لذلك الأسير ويتجنبوا التعامل معه معاملة العدو المحارب.

 

يجب الاهتمام بالنفس الإنسانية عند كل هزة عنيفة في المجتمع مثل الحرب فالإنسان قد يفكر ويستعمل إمكاناته الإدراكية ويسعى لإقناع نفسه بالتغيير. علينا أن نعطي الفرصة للناس ليفكروا ويحسبوا ويوازنوا ويعادلوا أملا في أن يتقبلوا السلام على الأقل فيعيشوا مع المسلمين “لكم دينكم ولي ديني”. لقد تغير المجتمع الياباني والإيطالي والألماني بعد الحرب العالمية الثانية وأصبحوا يفضلون السلام على الحرب وكبحوا أطماعهم. لا يريد النبي وصحابته غير هذا من أعدائهم. يريدون جواً سليما للدعوة إلى الله تعالى ولتصحيح مواقف الأمة بالعرض عليهم فقط دون فرض أي شيء.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴿70﴾ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿71﴾.

 

من النادر بل من الصعب أن نتصور إنسانا يخاطب أعداءه المحبوسين في سجنه بهذا الخطاب. فالنبي بكلامه ذلك يبرئ نفسه تماما من أية تبعات للحرب ويقوم بتحرير كل من لديه من الأسرى دون طلب فدية أو مبادلة بأسير مسلم لديهم. بالطبع عودة هؤلاء إلى أهليهم سوف يولد مشكلة اجتماعية كبيرة بين عوائل المشركين. سوف يعترض الابن على أبيه ويخالف الأخ أخاه ويعاتب الزوجة زوجها. هذه معاملة لم يسمع بها الناس من قبل ولم يكونوا ليحتملوا ذلك حتى في أحسن الأحوال. ليس هناك مجال لأن يُبقي المشركون بينهم أسيرا مسلما ويكفيهم ما سيقعون فيه من خلافات داخلية بشأن الرسالة الجديدة وبشأن النبي وصحابته المكرمين.

 

فالآية الأولى هي ما يقوله النبي الأمين على رسالة الله للأسرى والثانية للمسلمين أنفسهم حتى لا يعترضوا على تحرير الأسرى بلا قيد ولا شرط. قل يا أيها النبي لمن في أيديكم أنت وصحابتك من الأسرى. هذه مسألة لا يجوز للنبي أن يستشير فيها قومه وهم عرفيا يملكون حقا في تحرير أو عدم تحرير الأسرى. تدخل الله تعالى وسلب منهم هذا الحق وأمر النبي بأن يطلق سراحهم ويقول لهم ما يؤنب ضمائرهم وضمائر أهليهم معا. والنبي لا يمكن أن يعلم ما في قلوب الناس فهو فعلا مرتبط بالله تعالى والله لا يريد أن يُخبر رسوله بهذا الشأن الذي ينظم العلاقة بين كل عبد وربه. إن ربهم هو الله تعالى الذي يملك كل شيء والذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ولكنه سبحانه سوف يعاملهم على أساس ما في قلوبهم. ليس المطلوب منهم أن يغيروا سياستهم الاجتماعية وطريقة تعاملهم مع من ليس على دينهم وليس المطلوب أن يستسلموا للرسالة. المطلوب فقط أن يتخلوا عن التوسل بالقوة ضد الدعوة الجديدة ويسمحوا للنقاش أن يأخذ مجالا معقولا في المنطقة.

 

هكذا انتشر الإسلام على يد رسول الله عليه السلام فالحرب محدودة والسلام هو الهدف وهو الوسيلة المثلى لأن يثخن النبي ويثخن معه دعوته في الأرض.

مع أطيب التحيات والتمنيات بالسلام لأهلنا في كل بلاد المسلمين

أحمد المُهري

3/6/2018

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s