من الضمان التجاري إلى الثقة المؤسسية -كيف تعيد الدولة تنظيم سوق العمل في اليمن؟
الورقة الشهرية الجديدة ، وتتابع سلسلة المقالات الخاصة برؤية الدولة التنموية البرغماتية،
واعتبر ان هذه الورقة لمعالجة اكبر مشكلة في سوق العمل اليمني ، من أجل تحويله من بطالة قاسية الى تنظيم فعلي لخلق الوظائف،
المقال من ص 36 مجلة الرابطة الاقتصادية العدد 52 ،
مجلة-الرابطة-الاقتصادية-العدد52-مضغوط.pdf
من الضمان التجاري إلى الثقة المؤسسية -كيف تعيد الدولة تنظيم سوق العمل في اليمن؟

الورقة
من الضمان التجاري إلى الثقة المؤسسية
كيف تعيد الدولة تنظيم سوق العمل في اليمن؟
(ضمن خارطة طريق الدولة التنموية البراغماتية)

المدخل:
مرحبا،
في الأوراق السابقة من هذا المسار، حاولتُ الاقتراب من سؤال جوهري:
ما النموذج الاقتصادي الممكن في بلدٍ يتآكل فيه المركز، وتتبعثر فيه الموارد، وتختلط فيه السيادة بأدوات الجباية؟
ومن هذا السؤال برز طرح الدولة التنموية البراغماتية بوصفه مساراً للخروج من فخ “اقتصاد الدكاكين”، وإعادة هندسة الكيانات الاقتصادية، وتفكيك مركزية الموارد، وإعادة تعريف دور المؤسسات المالية بحيث تصبح رافعة لخلق القيمة لا مجرد أداة لإدارة الاختناق.
لكن هذا البناء المالي والمؤسسي، على أهميته، يظل ناقصاً ما لم يصل إلى الإنسان نفسه:
- إلى العامل، وطالب الوظيفة، وصاحب المهارة، والشاب الذي يقف على أبواب سوق العمل فلا يجد نظاماً مؤسسياً يكفل دخوله إليه بكرامة وعدالة وكفاءة.
فقدرة الدولة لا تُقاس فقط بمهارتها في ضبط المالية العامة أو تحسين بيئة الأعمال، بل تُقاس أيضاً بقدرتها على بناء سوق عمل حي ومنصف وقادر على توليد الفرص.
وسوق العمل لا يعمل بمجرد وجود شركات أو نشر إعلانات توظيف، بل يحتاج إلى بيئة ثقة، وآليات دخول واضحة، وتأهيل مرن يواكب الاحتياج، ومؤسسات تعرف كيف تربط بين التعليم والعمل، وبين الحماية الاجتماعية والإنتاج.
ومن أكثر الظواهر إزعاجاً في بيئة التوظيف اليمنية، وأكثرها كشفاً لخلل بنيوي عميق، أن يُطلب من شاب يبحث عن وظيفة أن يقدم ضماناً تجارياً كشرط لقبوله في العمل.
هذه الممارسة ليست عبئاً إدارياً ثقيلاً فقط، بل مؤشر واضح على خلل مؤسسي في تنظيم الثقة داخل سوق العمل، فعندما تعجز الدولة عن بناء سجل مهني موثوق، وآلية تحقق عادلة، ونظام حماية واضح، تلجأ بعض الشركات إلى بدائل بدائية لحماية نفسها، ويقع عبء هذا الخلل على طالب الوظيفة، خاصة إذا كان فقيراً، أو في بداية عمره المهني، أو بلا شبكة علاقات تدفع به إلى السوق قبل أن تثبت كفاءته.
المشكلة إذن لا تكمن في ورقة “الضمان التجاري” وحدها، بل في البنية الهشة التي سمحت لهذا العرف أن يتجذر.
نحن أمام سوق عمل لم يُهندس على أساس وطني موحد، بل تُديره منظومات متجاورة:
- قانون عمل، وقانون خدمة مدنية، ونظم تأمينات ومعاشات،
من دون معمار مؤسسي جامع يربط بينها في مسار واحد.
والنتيجة هي توظيف متعثر، وقياس أداء مضطرب، وحراك مهني ضعيف، ووظيفة عامة تميل إلى الجمود، وقطاع خاص يتعامل مع التوظيف بحذر وتعقيد يحدان من قدرته على التوسع واستيعاب الشباب.
في هذه الورقة لا أريد الاكتفاء بوصف الاختلال، بل أريد وضعه في سياقه الصحيح:
- سياق الدولة التنموية البراغماتية التي لا تكتفي بالتشخيص، بل تعيد تصميم السوق نفسه.
ولذلك فإن إصلاح التوظيف والتطوير لا يبدأ من إعلانات وظائف أكثر، ولا من دورات تدريبية معزولة، بل من تحول في فلسفة الدولة:
- من وزارة عمل تقليدية إلى وزارة موارد بشرية تقود السوق،
- ومن الضمان الشخصي إلى الثقة المؤسسية،
- ومن المسارات التعليمية البطيئة إلى مسارات مهنية أسرع،
- ومن قوانين متجاورة إلى منظومة وطنية متكاملة تدير دورة حياة العامل من التأهيل إلى التمكين إلى الحماية.
الضمان التجاري: حين يصبح التوظيف باباً للتعقيد:
قبل الحديث عن التدريب أو تعديل القوانين أو إعادة هيكلة الوزارات، يجب التوقف أمام واحدة من أكثر الظواهر دلالة على اختلال سوق العمل في اليمن:
- اشتراط “الضمان التجاري” على طالب الوظيفة.
المسألة هنا لا تتعلق بإجراء إداري ثقيل فقط، بل تكشف كيف تحول الدخول إلى العمل، في بعض البيئات، من مسار يفترض أن يقوم على الكفاءة والجدارة، إلى مسار يمر أولاً عبر العلاقات والقدرة على إحضار ضامن، وهذا كافٍ لفهم أن الخلل أعمق من مجرد ممارسة خاطئة، وأننا أمام سوق لم يُبنَ على قواعد ثقة مؤسسية حديثة.
من حيث المبدأ، يفترض أن يكون التوظيف نقطة بداية للإنتاج، لا نقطة بداية للارتياب، فالباحث عن العمل لا يتقدم بصفته مديناً، ولا متهماً، ولا مشروع خسارة مؤكدة، بل بصفته شخصاً يبحث عن فرصة لإثبات قدرته وخلق القيمة، لكن ما يحدث في الأغلب هو العكس تماماً، حيث يُطلب منه أن يأتي بتاجر أو شخص ذي ملاءة مالية ليضمنه، وكأن الوظيفة قرض، أو كأن العمل لا ينعقد إلا بعد تقديم كفالة اجتماعية تسبق الكفاءة، هنا يفقد التوظيف معناه الطبيعي، ويتحول إلى باب فرز اجتماعي غير معلن:
- من يملك شبكة علاقات يجد طريقه إلى السوق.
- ومن لا يملكها يبقى خارجه، ولو كان الأكفأ.
ولهذا فإن “الضمان التجاري” ليس مجرد عبء إضافي، بل أداة تعيد إنتاج التفاوت، فهو لا يعاقب المقصر، بل يعاقب الفقير سلفاً، فالشاب القادم من أسرة بسيطة، الذي لا ترتبط عائلته بتجار أو نافذين، يجد نفسه مطالباً بتقديم ما لا يملك قبل أن يحصل حتى على أول راتب، وهكذا يصبح سوق العمل، الذي يفترض أن يكون وسيلة للارتقاء الاجتماعي، أداة إضافية لفرز الناس بحسب شبكاتهم لا بحسب مهاراتهم.
والمشكلة هنا ليست أخلاقية فقط، بل مؤسسية وقانونية أيضاً، فالعامل عند التحاقه بالعمل لا يكون مديناً لصاحب العمل بدين تجاري حتى يُطلب له ضامن تجاري، ولذلك فإن هذه الممارسة أقرب إلى تحميل الفرد كلفة هشاشة البيئة التي تعمل فيها المؤسسة، من كونها وسيلة قانونية منضبطة لإدارة المخاطر.
الأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة تكشف فشل الدولة في أداء وظيفة مركزية:
- تنظيم الثقة في سوق العمل.
فعندما تغيب قاعدة بيانات مهنية موثوقة، ويغيب سجل تشغيل واضح، ويضعف الربط بين الهوية والتاريخ الوظيفي والاشتراك التأميني، يصبح من السهل على الشركات أن تلجأ إلى حلول بدائية.
وباختصار: حين تغيب الدولة كضامن مؤسسي، يحضر الضامن الشخصي.
ولا ينبغي هنا اختزال المشكلة في إدانة القطاع الخاص وحده، نعم، بعض المنشآت تبالغ في التحوط، وبعضها يخلط بين حماية أصوله وترهيب طالبي العمل،
- لكن السؤال الأهم ليس: لماذا تطلب بعض الشركات الضمان؟
- بل: لماذا تركت الدولة فراغاً جعل هذا الطلب قابلاً للاستمرار؟ ولماذا لا يوجد بديل مؤسسي منخفض الكلفة، سريع التحقق، وموثوق بما يكفي ليطمئن صاحب العمل دون أن يذل طالب الوظيفة؟
ولهذا فإن معالجة “الضمان التجاري” لا تتم بقرار شكلي يمنعه فقط، مع أن المنع مهم، بل ببناء بديله:
- سجل مهني وطني، وهوية مهنية موثوقة، وآليات تحقق رسمية، ونظام إنفاذ واضح للعقود والحقوق.
عندها فقط ينتقل التوظيف من منطق “هات من يضمنك” إلى منطق “دعنا نتحقق من سجلك ونقيّم كفاءتك”.
التشظي القانوني:
إذا أردنا أن نفهم لماذا تبدو اختناقات التوظيف في اليمن أعمق من مجرد نقص في الفرص، فعلينا أن ننظر إلى البنية القانونية التي تدير شؤون الإنسان العامل.
فالدولة اليوم لا تتعامل مع الفرد بوصفه جزءاً من سوق عمل وطني واحد، بل توزعه بين منظومات متجاورة:
- قانون عمل، وقانون خدمة مدنية، وقوانين تأمينات ومعاشات.
لكل منظومة تعريفها، ومؤسساتها، ومنطقها، وأدواتها.
والنتيجة أن الشخص نفسه قد يكون “عاملاً” في سياق، و”موظفاً” في سياق آخر، و”مؤمناً عليه” في سياق ثالث، من دون مظلة وطنية موحدة تربط هذه الهويات في مسار مهني واحد.
| قانون العمل | ينطلق قانون العمل، في فلسفته العامة، من تنظيم العلاقة التعاقدية بين صاحب العمل والعامل، لا من فكرة إدارة سوق العمل الوطني كله. يعرف القانون الجهة المختصة بصيغتها التقليدية، ويستثني من نطاقه شرائح واسعة، منها موظفو الجهاز الإداري للدولة والقطاع العام وبعض الفئات الأخرى، وهذا يعني أن القانون يحكم جزءاً من السوق، بينما يترك الجزء الآخر لمسارات قانونية مختلفة.صحيح أن القانون يتضمن عناصر مهمة، مثل قيد طالبي العمل، وترشيحهم للأعمال المناسبة، ودور الوزارة في التدريب المهني، لكنه يظل في بنيته العامة أقرب إلى إدارة علاقة الاستخدام منه إلى قيادة سياسة وطنية متكاملة لتنمية رأس المال البشري. | |
| قانون الخدمة المدنية | يقف قانون الخدمة المدنية بمنطق مختلف تماماً، فهو يتعامل مع الوظيفة العامة بوصفها وظيفة مصنفة ومعتمدة في الموازنة العامة، ويتعامل مع الموظف بوصفه شخصاً معيناً لشغل موقع داخل هيكل إداري.ولا يعني هذا أن القانون يخلو من مفاهيم الكفاءة أو تقييم الأداء أو التدريب، لكنه يحبس هذه المفاهيم داخل منطق الإدارة العامة الهرمية. ولذلك تبقى الوظيفة العامة، في بنيتها الأصلية، أقرب إلى موقع إداري ثابت منها إلى مسار مهني ديناميكي قابل للتحديث والتدوير وإعادة التشكيل. | |
| التأمينات والمعاشات | تفتح منظومة التأمينات مساراً ثالثاً، فقانون التأمينات الاجتماعية ينشغل بالحماية: إصابات العمل، والشيخوخة، والعجز، والوفاة، ويركز على القيد والاشتراكات والتسجيل. في المقابل، يأتي قانون التأمينات والمعاشات للقطاع العام بمسار مختلف ونسب وشروط استحقاق مختلفة.وهكذا لا نقف فقط أمام فصل بين “العمل” و”الخدمة المدنية”، بل أيضاً أمام انقسام في الحماية الاجتماعية ذاتها. لا يدخل العامل إلى الدولة عبر بوابة وطنية واحدة، بل عبر أبواب متعددة، لكل منها منطقه الخاص. و كل بابٍ منها يغني على ليلاه. (واداني داناه!) |
يمكننا فهم التشوهات العميقة التي نراها اليوم، فحين تدار الوظيفة العامة بمنطق معزول عن القطاع الخاص، وتدار الحماية الاجتماعية بمنظومات منفصلة، ويترك الربط بين (التدريب، التوظيف، التأمين، والسجل المهني) دون منصة موحدة، يصبح من الطبيعي جداً أن نواجه:
- صعوبة في قياس الأداء والكفاءة عبر القطاعات.
- انعدام مرونة انتقال الأفراد بين القطاعين العام والخاص.
- ضعفاً في بناء تاريخ مهني موثوق للموظف/العامل.
- تجمداً وظيفياً في القطاع العام،
- وحذراً مفرطاً في التوظيف داخل القطاع الخاص.
هذه ليست مجرد آثار جانبية، بل نتيجة طبيعية لبنية قانونية تتعامل مع العمل كملفات متجاورة، لا كمنظومة وطنية واحدة.
لكن ، وللإنصاف، المشكلة ليست في أن هذه القوانين فارغة من العناصر المفيدة، فكل واحد منها يحمل جزءاً من الحل:
- قانون العمل يحمل بذور التشغيل والتدريب.
- وقانون الخدمة المدنية يعترف بالكفاءة والتقييم.
- وقوانين التأمينات تؤسس للحماية والتسجيل.
ولهذا، أقول:
أن الإشكال في اليمن ليس مقتصراً على قِدم قوانين العمل والخدمة وحاجتها للتعديل، بل في أن الدولة ما تزال تدير الإنسان والتنمية بعقلية “التجزئة الإدارية”، لا بعقلية “الهندسة الوطنية لسوق العمل”، وما لم يتحول المواطن اليمني من مجرد “ملف ورقي موزع بين ثلاث جهات” إلى رأس مال بشري يمتلك هوية مهنية واحدة، ومساراً قابلاً للتتبع، والتطوير، والحماية، فستظل الممارسات المشوهة.
باختصار ، لدينا قطع من الصورة، لكننا لا نملك اللوحة المكتملة.
التحول المؤسسي: من وزارة عمل إلى وزارة موارد بشرية:
إذا كانت ظاهرة “الضمان التجاري” تكشف أزمة ثقة،
وإذا كان التشظي القانوني يكشف أزمة بنية،
فإن السؤال التالي يفرض نفسه: من هي الجهة التي يجب أن تقود إصلاح سوق العمل؟
الجواب، في تقديري، لا يمكن أن يبقى محصوراً في وزارة تحمل اسماً تقليدياً ووظائف متفرقة من زمن آخر، فقانون العمل ما يزال يعرف الجهة المختصة بصيغة تقليدية تكشف أن الدولة لا تزال تنظر إلى العمل كملف ضمن حزمة ملفات اجتماعية وإدارية، لا كسوق استراتيجي يصنع النمو ويعيد تشكيل المجتمع.
والمشكلة هنا ليست في الاسم وحده، بل في الفلسفة التي يحملها.
فوزارة العمل بصيغتها التاريخية تميل إلى إدارة النزاعات، وإصدار التراخيص، وتخليص المعاملات، بينما تحتاج الدولة التنموية إلى جهاز مختلف في جوهره:
- جهاز ينظر إلى الإنسان بوصفه رأس مال بشرياً.
- وإلى السوق بوصفه منظومة عرض وطلب ومهارات وثقة وحماية وتنقل مهني.
ولذلك فإن التحول إلى وزارة موارد بشرية ليس رفاهية لفظية، ولا استيراداً شكلياً لمصطلح حديث، بل إعلان بأن الدولة قررت الانتقال من إدارة “ملف العمل” إلى قيادة “”سوق العمل”.
واللافت أن قانون العمل الحالي، رغم تقليدية إطاره، يحتوي بذوراً يمكن البناء عليها، فهو لا يكتفي بالنص على أن العمل حق طبيعي، بل يتضمن قيد طالبي العمل، وترشيحهم، وإلزام أصحاب الأعمال بالإبلاغ عن الشواغر، كما يمنح الوزارة دوراً في تنظيم شؤون التدريب المهني، لكن هذه النواة بقيت محبوسة داخل بنية إدارية قديمة.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يجب أن يقتصر على تغيير الاسم، بل على إعادة تصميم وظائف الوزارة الأساسية لتتولى ست وظائف استراتيجية:

| بناء السجل الوطني الموحد | لا كسجل ورقي، بل كمنصة حية تربط بين المؤهلات، والخبرات، والتدريب، والتاريخ المهني، والبيانات التأمينية، وتكون قابلة للتحليل والتحديث المستمر. | |
| منصة التشغيل الوطنية | تفعيل فكرة قيد طالبي العمل وتحويلها إلى منصة رقمية تربط العرض بالطلب، وتقلل كلفة البحث على الشركات والشباب، وتكشف الفجوات الحقيقية في السوق. | |
| قيادة السياسة الوطنية للمهارات | إخراج التدريب المهني من صندوق الإشراف الإداري إلى قلب السياسة التشغيلية: ما المهارات المطلوبة؟ ما القطاعات التي تعاني عجزاً؟ وكيف نُسرّع تأهيل الشباب للمهن المطلوبة؟ | |
| مأسسة الثقة | بدلاً من ترك الشركات تبتكر أدوات تحققها الخاصة، تتولى الوزارة بالتكامل مع جهات الهوية والتعليم والتأمينات توفير أدوات تحقق مهنية رسمية وموثوقة.و تنتهي هنا حجة المطالبة بـ “الضمان التجاري” أمام هذا البديل المؤسسي الأكثر عدالة وكرامة. | |
| إدارة الحراك المهني بين القطاعات | بناء معايير انتقال أكثر مرونة بين القطاع العام والخاص والتنموي، وتوحيد مفردات التصنيف المهني وقياس الأداء. | |
| إنتاج المعرفة الاقتصادية للسوق | تحويل الوزارة إلى جهة تنتج خرائط المهارات، ومؤشرات البطالة، والفجوات القطاعية، وحركة العمالة، بحيث يصبح التوظيف جزءاً من التخطيط الاقتصادي، لا مجرد رد فعل على أزمات البطالة. |
وفي هذا السياق تبرز التأمينات كجزء أصيل من العقل المؤسسي الجديد، لا كجزيرة معزولة.
فقانون التأمينات الاجتماعية يتضمن القيد الإلزامي وإصدار بطاقة تأمينية برقم ثابت للعامل، وهذه لبنة مهمة جداً لفكرة الهوية المهنية الثابتة، وما ينقصنا هو دمجها داخل منصة تشغيل وتخطيط وطنية أوسع.
الاعزاء ،
لسنا بحاجة فقط إلى وزارة جديدة، بل إلى عقل مؤسسي جديد،
عقل لا يكتفي بسؤال: كيف نضبط علاقات العمل؟
بل يسأل أيضاً:
- كيف نولد الوظائف؟
- كيف نُدخل الشباب إلى السوق بكرامة؟
- كيف نبني الثقة؟
- وكيف نربط الحماية بالإنتاج؟
الثقة المؤسسية: حين تصبح الدولة هي الضامن:
إذا كانت إحدى أعقد مشكلات سوق العمل في اليمن هي غياب الثقة بين صاحب العمل وطالب الوظيفة، فإن الحل الحقيقي لا يكون في توسيع دائرة الضمانات الشخصية، بل في نقل الثقة من الأفراد إلى الدولة.
الدولة التنموية الحديثة لا تترك العلاقة التوظيفية تتشكل عبر الوساطات والعلاقات والضمانات البدائية، بل تبني نظاماً يجعل التحقق من الشخص، ومساره، ومؤهلاته، ووضعه المهني، أمراً مؤسسياً سريعاً وواضحاً.
ومن هنا تبرز ضرورة تأسيس الرقم المهني الوطني الموحد بوصفه السجل الحي للفرد، لا مجرد رقم إضافي على بطاقة.
الفكرة هنا أن هذا الرقم يجب أن يكون الخيط الناظم الذي يربط بين:
- الهوية الوطنية أو الإقامة.
- السجل التعليمي.
- المسار المهني.
- الملف التأميني.
- وربما لاحقاً البيانات ذات الصلة التي تحتاجها الدولة لتنظيم السوق.
هذا الطرح لا يأتي من فراغ، بل يجد له أساساً في البنية القانونية الحالية نفسها:
- فقانون التأمينات الاجتماعية ينص على بطاقة تأمينية برقم ثابت لكل عامل عند تسجيله لأول مرة.
- وقانون العمل يتحدث عن قيد طالبي العمل وترشيحهم للأعمال المناسبة.
أي أن اللبنات موجودة، لكن المعمار لم يكتمل.
ولا ينبغي أن يُفهم الرقم المهني الوطني الموحد كإضافة تقنية منفصلة، بل كمعمار مؤسسي جديد يعيد وصل ما هو مفكك.
المطلوب ليس رقماً جديداً يضاف إلى الأوراق، بل منصة موحدة تندمج فيها بيانات التأهيل، والتدريب، والتاريخ الوظيفي، والاشتراكات، والخبرات الموثقة.
وعندها، حين يتقدم الشاب إلى وظيفة، لا يحتاج إلى أن يقول: “هذا التاجر يضمنني”، بل يكفي أن يقول: “هذا رقمي المهني، وهنا بياناتي الموثقة”.
ولكي لا يبقى هذا المقترح نظرياً، يمكن فهمه عملياً عبر خمس وظائف:

| إثبات الهوية المهنية (من أنت؟) | توثيق المؤهلات، التدريبات المنجزة، والشهادات المصادق عليها رسمياً. وهذا يتقاطع مع دور الوزارة في تنظيم التدريب ومنح التراخيص. | |
| إثبات المسار الوظيفي (أين عملت؟) | تتبع مدد الاشتراك التأميني، والتنقلات الموثقة بين جهات العمل، مما يخلق سيرة ذاتية وطنية لا يمكن تزويرها أو التلاعب بها. | |
| تيسير التوظيف والترشيح (كيف نصل إليك؟) | تحويل القوائم اليدوية الميتة إلى أداة ترشيح ذكية وخوارزمية، تمكّن الدولة والقطاع الخاص من الوصول للكفاءات بناءً على بيانات دقيقة، لا على المحسوبية. | |
| دعم الحماية الاجتماعية المتصلة | حين يكون الفرد مرتبطاً بمنظومة التأمينات برقم ثابت منذ يومه الأول في السوق، تصبح حقوقه العمالية محمية، ولا تنقطع بانتقاله من شركة لأخرى. | |
| إنتاج معرفة وطنية | هذا هو المكسب الأكبر للدولة التنموية. البيانات ليست رفاهية، بل “أداة حُكم”. بدون هذا الرقم، لا يمكن للدولة معرفة أين تتركز البطالة، وما هي القطاعات المتعطشة للمهارات، وكيف توجه ميزانيات التعليم والتدريب. |
و لكي يكون هذا “الرقم المهني الموحد” مشروعاً وطنياً حقيقياً، لا مجرد أداة إدارية لشركات القطاع المنظم، فإنه يجب أن يُهندس ليتسع لكل أطياف السوق، ويتنفس مع حركتهم اليومية، وهذا يتحقق عبر ثلاثة أبعاد أساسية:

| التكامل العضوي مع الهوية الوطنية (للمواطن والمقيم) | الرقم المهني ليس رقماً معزولاً نختلقه من العدم، بل امتداد تشغيلي لـ “الرقم الوطني” للمواطن، مما يمنع الازدواجية ويجعل من الهوية المدنية أساساً للهوية المهنية. وبنفس المنطق ، يمتد هذا النظام ليشمل العمالة الوافدة والمقيمين عبر ربط مسارهم بـ “رقم الإقامة”. هذا الربط المزدوج يمنح الدولة “لوحة تحكم” دقيقة تفرز بوضوح بين العمالة الوطنية والوافدة، وتضبط إيقاع السوق، وتحمي حقوق الطرفين دون تداخل أو فوضى. | |
| مظلة العمل المستقل والأجر اليومي (اقتصاد الظل إلى النور) | سوق العمل لا يقتصر على الموظفين خلف المكاتب أو في المصانع ، بل إن الشريحة الأوسع والأكثر هشاشة تتمثل في العاملين لحسابهم الخاص وعمال الأجر اليومي. الدولة التنموية لا تترك هؤلاء في العراء، ولذا فالرقم المهني يجب أن يكون بوابتهم لتأسيس سجل مهني معترف به (عبر رخص مزاولة مهنة مرنة)، و ربطهم ببرامج “تأمينات مرنة ومصغرة” تتناسب مع طبيعة دخلهم المتذبذب. هكذا يتحول العامل اليومي من “طاقة مهدورة غير مرئية” إلى فرد يمتلك تاريخاً مهنياً متراكماً، وحماية اجتماعية، وفرصاً لتطوير قدراته بناءً على ما يسجله من أعمال. | |
| السجل الحي والتحديث المستمر (ديناميكية التتبع) | هذه المنصة لا يجب أن تكون “سيرة ذاتية جامدة” تُكتب مرة واحدة عند التخرج، بل “دفتر أستاذ حي” يتنفس مع كل خطوة يخطوها الشاب. بمجرد انتقال الموظف من شركة لأخرى، أو تغير صفته التعاقدية (عمل جزئي، مؤقت، فترة تجريبية، أو دوام كامل)، يتم تحديث حالته فورياً. هذا التتبع الحي يتم عبر مسارين متوازيين: مسار مؤسسي تلتزم فيه إدارات الموارد البشرية في الشركات بتحديث حالة العاملين لديها عبر نظام الربط، ومسار شخصي يتيح للعامل المستقل أو الفرد تحديث حالته عبر إشعارات دورية تصله من المنصة. النتيجة هي سيرة مهنية وتعليمية، منظمة، قوية، وموثقة، تحفظ للعامل كل قطرة عرق وكل مهارة اكتسبها، وتوفر لصاحب العمل شفافية مطلقة. |
هذا النظام يخلق التوازن الذي نفتقده بشدة، فمن حق الشركة أن تتحوط للمخاطر وتبني قرار توظيفها على بيانات موثوقة (السجل الجنائي والمهني)، وفي المقابل، من حق الشاب اليمني ألا يعامل كـ “مشروع متهم” أو “مدين محتمل” قبل أن يثبت كفاءته.
الرقم المهني الوطني الموحد ليس مشروعاً تقنياً فقط، بل مشروع سيادي لتنظيم الثقة والعمل والحماية، وبدون هذا الانتقال، ستظل الشركات تخترع ضماناتها التعسفية، وسيظل الشباب يدفعون ضريبة هشاشة الدولة من أعمارهم وفرصهم وكرامتهم.
إصلاح التأهيل: من التعليم الطويل إلى المسار المهني السريع:
واحدة من أكبر المفارقات في بيئة العمل اليمنية أن أحاديثنا تزدحم بالشكوى من البطالة، بينما يكاد يغيب الحديث عن زمن الدخول إلى سوق العمل.
وهذا خلل جوهري.
فالمشكلة ليست فقط في عدد الوظائف المتاحة، بل أيضاً في طول الطريق الذي يُفرض على الشاب قبل أن يصبح “صالحاً” للعمل في نظر المؤسسات، وفي كثير من الحالات يُدفع الشباب إلى مسارات تعليمية طويلة ومكلفة وبطيئة، حتى في المهن التي لا تتطلب كل هذا الالتفاف.
وهكذا تتحول الشهادة الجامعية إلى بوابة إلزامية لكل شيء، حتى عندما يكون السوق نفسه يطلب مهارة عملية يمكن اكتسابها في أشهر لا في سنوات.
هذا الخلل لا يعود فقط إلى المناهج أو ضعف المعاهد، بل إلى الفلسفة التي تحكم التأهيل، فما يزال جزء من التفكير المؤسسي والمجتمعي ينظر إلى التعليم الفني والمهني كأنه نسخة أقل مكانة من التعليم الأكاديمي، أو كأنه مسار ثانوي لمن لم ينجح في الطريق “الأعلى”.
بينما الدولة التنموية تحتاج إلى نظرة مختلفة:
- التعليم الأكاديمي مهم للتخصص العميق والبحث وبناء النخب المهنية العليا.
- لكن التأهيل الوظيفي السريع مسار آخر، يختلف في الهدف والزمن والأداة.
الخلط بين المسارين يضر بهما معاً، فهو يثقل التدريب المهني بما لا يحتمل، ويؤخر دخول الشباب إلى السوق بلا مبرر.
فإذا كان السوق يحتاج اليوم إلى:
- مبرمجين ومطوري مواقع.
- فنيي طاقة شمسية وطاقة بديلة.
- مسوقين رقميين وصناع محتوى.
- اختصاصيي دعم تقني وفنيي صيانة.
- مشرفي لوجستيات وسلاسل إمداد.
- مهارات تشغيلية في قطاعات الإنتاج والخدمات.
فليس من المنطقي أن يُجبر طالب العمل على انتظار مسار جامعي كامل حتى يُسمح له بالدخول.
الجامعة قد تكون خياراً لاحقاً للتوسع والتقدم المهني،
لكنها ليست دائماً نقطة البداية الصحيحة.
السوق المتحرك يحتاج استجابة سريعة، والتأهيل الذي لا يستجيب بسرعة يتحول من أداة تمكين إلى أداة تعطيل.
ولهذا فإن الإصلاح المطلوب لا ينبغي أن يكون مجرد تحسين شكلي لمؤسسات التعليم الفني والمهني، بل إعادة تعريف وظيفتها.
المطلوب أن تتحول من مؤسسات تستنسخ المسار التعليمي المطول، إلى مصانع مهارات تصمم مسارات قصيرة، ومرنة، ومعيارية، ترتبط مباشرة بالطلب الفعلي في السوق.
بمعنى آخر:
- ليس المطلوب فصل التعليم عن التدريب،
- بل فك الاحتجاز بينهما.
من حق الشاب أن يدخل السوق سريعاً عبر مسار مهني قصير، ومن حقه أيضاً أن يعود لاحقاً ليستكمل دراسته إن أراد.
لكن غير الطبيعي أن نطيل عليه الطريق إلى العمل، ثم نتساءل لماذا تتسع البطالة المقنعة ولماذا يندفع كثيرون إلى أعمال هشة وضعيفة القيمة.
وفي هذا السياق يجب أن نكون أكثر صراحة: جزء من الأزمة أن الدولة ما تزال تصمم بعض مسارات التأهيل بعقلية المؤسسة التعليمية أكثر من عقلية سوق العمل.
المؤسسة التعليمية تهتم بالمنهج والفصل والزمن الدراسي والشهادة النهائية.
أما السوق فيسأل: هل هذا الشخص قادر على أداء المهمة الآن؟
ومن هنا يجب أن ينتقل مركز الثقل:
- من طول البرنامج إلى كفاءة المخرج.
- ومن اسم الشهادة إلى صلاحية المهارة.
- ومن التراكم النظري البطيء إلى الجاهزية العملية.
ولذلك فإن هذه الورقة تدعو إلى نموذج جديد للتأهيل المهني يقوم على خمسة مبادئ:

| المسارات القصيرة المعتمدة | برامج تدريبية مركزة تمتد لأسابيع أو أشهر بحسب المهنة، ومصادق عليها رسمياً للدخول المباشر إلى الوظيفة. | |
| الشهادات المهنية التراكمية | بدلاً عن منطق “كل شيء أو لا شيء”، تبنى مستويات متدرجة: شهادة أولى للدخول، ثم مستوى أعلى للتقدم، ثم اعتماد أوسع لاحقاً. | |
| الربط العضوي مع أصحاب العمل | لا يُصمم التدريب في المعزل، بل بالشراكة المباشرة مع السوق نفسه. | |
| جسور العودة المرنة للتعليم | من اختار المسار المهني السريع لا ينبغي أن يُحكم عليه بالبقاء فيه للأبد. يجب بناء جسور أكاديمية تسمح له باستكمال تعليمه الجامعي متى ما توافرت له الرغبة والقدرة. | |
| الاعتراف الوطني بالمهارات | المهارة يجب أن تكون قابلة للإثبات والاعتماد والانتقال بين القطاعات والمحافظات. |
بهذا المعنى، فإن إصلاح التدريب ليس ملفاً فرعياً، بل جزءاً من هندسة سوق العمل نفسه.
فالشاب الذي يحتاجه السوق بعد خمسة أشهر لا يجوز أن نطالبه بانتظار خمس سنوات فقط لأن الدولة لم تطور أدواتها، كل تأخير غير مبرر في إدخال الناس لساحة العمل هو في محصلته النهائية:
- تكلفة اقتصادية،
- خسارة اجتماعية، و
- مصدر للإحباط،
- وباب مشرع للفقر.
الإصلاح التشريعي: نحو منظومة عمل متكاملة:
بعد تشخيص أزمة الثقة، وكشف التشظي المؤسسي، والدعوة إلى وزارة موارد بشرية، وبناء رقم مهني وطني موحد، وإصلاح التأهيل،

يبقى السؤال الحاسم: هل يكفي تحسين الإدارة مع بقاء النصوص القانونية كما هي؟
في تقديري: لا.
فالإدارة الجيدة قد تخفف الضرر، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعكس اتجاه النصوص إذا كانت النصوص نفسها صيغت في زمن مختلف وبمنطق مختلف.
ولذلك فإن الدولة التنموية التي تريد سوق عمل منتجاً وعادلاً لا بد أن تنتقل من مجرد إدارة القوانين القائمة إلى إعادة هندسة البيئة التشريعية للعمل.
المشكلة في القوانين الحالية ليست أنها عديمة الفائدة، بل أنها تعمل كجزر منفصلة.
ولذلك فإن الإصلاح المطلوب لا يعني نسفاً كاملاً لما هو قائم، بل إعادة توجيه للفلسفة الحاكمة:
- من قوانين تنظم ملفات متجاورة،
- إلى قوانين تبني منظومة وطنية للعمل.
و إليكم خارطة طريق مقترحة للإصلاح التشريعي في مساراته الثلاثة:
| ما الذي يجب أن يتغير في قانون العمل؟ | قانون العمل يملك نواة تشغيلية جيدة، لكنه يتحرك داخل إطار تقليدي. والتعديل المطلوب ينبغي أن يسير في خمسة اتجاهات:إعادة تعريف الجهة المختصة: نقل القانون من منطق “وزارة العمل التقليدية” (إدارة النزاعات والتراخيص) إلى منطق “وزارة الموارد البشرية وسوق العمل” المعنية بقيادة التشغيل، والمهارات، وربط العرض بالطلب.رقمنة قيد طالبي العمل: نقل صلاحية القيد من “السجل الورقي والإداري الميت” إلى “المنصة الوطنية للتشغيل” لتصبح أداة حية، موثوقة، وملزمة في بناء السوق.تجريم الضمانات البدائية: تضمين نص قانوني (أو في اللائحة التنفيذية) يمنع صراحة اشتراط “الضمان التجاري” أو أي ضمانات شخصية تعسفية تمس كرامة طالب العمل أو تنقل مخاطر المؤسسة إليه قبل بدء العلاقة المهنية.إعادة كتابة باب التدريب بمنطق السوق: تحديث النص ليتجاوز مجرد “الإشراف الإداري” على المعاهد، ليقرّ بوضوح تصميم المسارات القصيرة المعتمدة، والشراكة العضوية مع القطاع الخاص، والاعتماد المهني المتدرج.التأسيس للسجل المهني الوطني: تشريع حق العامل في امتلاك “ملف مهني رسمي” يرتبط بهويته، واشتراكاته، وتاريخه الوظيفي، ليكون هذا السجل هو الضامن المؤسسي البديل. | |
| ما الذي يجب أن يتغير في قانون الخدمة المدنية؟ | هنا تكمن الحساسية، فالوظيفة العامة صُممت كجزء من انتظام الجهاز المالي والإداري للدولة (درجة، موازنة، وحدة إدارية). هذا المنطق حوّل الوظيفة العامة إلى “موقع ثابت ومحتكر” بدلاً من مسار قابل للتطوير. الإصلاح هنا لا يعني نسف القانون، بل تحريره من الجمود عبر أربعة اتجاهات:من “الوظيفة” إلى “الدور والكفاءة”: إدخال معايير حديثة للجدارات والمهارات وتحديث الأدوار، بدلاً من الاكتفاء بالمسمى والدرجة الوظيفية.مأسسة تقييم الأداء والتطوير: تحويل مواد التقييم من نصوص ورقية روتينية إلى آليات تشغيلية تُنتج قرارات حقيقية وملزمة: تدريب إجباري، تدوير وظيفي، تحفيز، أو إعادة توزيع للموارد البشرية.فتح الجسور مع القطاعات الأخرى: كسر العزلة عن القطاع العام، وإدخال آليات تسمح بالاعتراف المتبادل بالمهارات والخبرات، لتمكين الانتقال المرن للموظف بين القطاع العام والخاص والتنموي.التحرر من أسر الموازنة: دون كسر الانضباط المالي، يجب منع تحول “الاعتماد المالي” إلى عذر أبدي لجمود الوظيفة، الموارد البشرية للدولة يجب أن تُدار بحس تنموي استثماري، لا بحس “دفتر يومية الرواتب” فقط. | |
| ما الذي يجب أن يتغير في قوانين التأمينات؟ | تحمل قوانين التأمينات كنزاً تشريعياً غير مستثمر يتمثل في (القيد، التسجيل، والبطاقة التأمينية). يجب إخراج التأمينات من زاوية “الحماية اللاحقة أو حماية العجائز” لتدخل في صميم بنية سوق العمل الحديثة، عبر التالي:الدمج في الهوية المهنية: تحويل “البطاقة التأمينية ذات الرقم الثابت” لتصبح هي ذاتها، أو جزءاً أصيلاً من، “السجل المهني الوطني الموحد”.الشمول التأميني المرن: استثمار الثغرات الحالية التي تسمح بالتأمين الاختياري، لتصميم أوعية تأمينية مرنة ومبتكرة تشمل العمالة الهشة، عمال اليومية، والمستقلين، بالتوازي مع منحهم رخص المزاولة.ربط التسجيل بالدخول الفعلي للسوق: تحويل التأمين من التزام لاحق يطارد المنشآت ويتهربون منه، إلى شرط مسبق وجزء لا يتجزأ من منصة التوظيف والترشيح.تجسير الفجوة بين القطاعات: السعي لتقريب منطق الحماية بين القطاعات، وبناء جسور احتساب وانتقال أكثر عدالة ومرونة بين العام والخاص والتنموي ، لإنهاء الشعور بأن كل قطاع يعيش في كوكب تشريعي مستقل. |
التعديل الذي تدعو إليه هذه الورقة يجب أن يُصاغ بروح معمارية جديدة:
- نحن لا نحتاج إلى ترقيع مواد هنا وهناك، بل إلى إعادة كتابة العقد المهني بين الدولة والإنسان.
- قانون العمل يجب أن يتحول من إطفائي للنزاعات إلى قائد لسوق العمل،
- قانون الخدمة المدنية يجب أن يتحول من حارس للوظيفة الجامدة إلى مدير ذكي للموارد البشرية.
- قوانين التأمينات يجب أن تتحول من صناديق جباية للحماية المتأخرة، إلى بنية ارتكاز للثقة والتشغيل.
الخاتمة: من إدارة الاختناقات إلى صناعة الإمكانات:
في نهاية الأمر، لا تكمن مشكلة سوق العمل في اليمن فقط في قلة الوظائف، ولا في ضعف الاقتصاد وحده، ولا في تعقيد بعض الإجراءات المتفرقة، (وقد تتشابه في دول تعيش ذات السياق).
المشكلة الأعمق أن الدولة لم تحسن بعد بناء المنظومة التي تدخل الإنسان إلى العمل بكرامة، وتسمح له بالحركة داخله بكفاءة، وتحميه دون أن تجمده، وتمنح صاحب العمل الثقة دون أن تذل طالب الوظيفة.
ومن هنا لم يكن “الضمان التجاري” مجرد ممارسة مزعجة، بل علامة كاشفة على غياب الثقة المؤسسية، وتشظي القوانين، وضعف الربط بين التوظيف، والتدريب، والهوية المهنية، والحماية الاجتماعية.
لقد آن الأوان لأن تتوقف الدولة عن النظر إلى العمل بوصفه ملفاً إدارياً موزعاً بين جهات متعددة، وأن تبدأ في إدارته بوصفه مساراً وطنياً لصناعة الفرص والاستقرار والإنتاج، وهذا يقتضي انتقالاً واضحاً:
- من وزارة عمل تقليدية ، إلى وزارة موارد بشرية تقود سوق العمل.
- من الضمان الشخصي والتجاري ، إلى مظلة الثقة المؤسسية.
- من التسجيل الورقي المتناثر ، إلى رقم مهني وطني موحد وحي.
- من التدريب البطيء المنفصل عن السوق ، إلى تأهيل مهني سريع ومرن.
- من قوانين متجاورة ومتنافرة ، إلى منظومة تشريعية متكاملة تدير العمل والوظيفة والحماية.
هذه الاتجاهات ليست قفزاً في الفراغ، بل امتداداً عملياً لبذور موجودة أصلاً في القوانين الحالية، لكنها ما تزال تعمل في جزر منفصلة ولم تتحول بعد إلى معمار وطني واحد.
إن الدولة التنموية البراغماتية لا تكتفي بإدانة التشوهات، بل تعيد تصميم البيئة التي تنتجها، ولهذا فإصلاح سوق العمل ليس قضية فرعية مقارنة بإصلاح الاقتصاد أو البنك المركزي أو الكيانات، بل هو في قلبها جميعاً، فلا قيمة لكل حديث عن النمو إذا بقي الدخول إلى الوظيفة مرهوناً بالعلاقات والضمانات البدائية، ولا معنى للحديث عن الكفاءة إذا ظلت الوظيفة العامة أسيرة الجمود، وبقي التدريب أبطأ من السوق، وظلت الحماية منفصلة عن التشغيل.
إن الدولة التي تريد فعلاً توليد الوظائف لا يكفي أن تعلن عنها، بل يجب أن تختصر الطريق إليها، وتنظم الثقة حولها، وتبني البنية التي تجعل الوصول إليها أكثر عدلاً وسرعة ووضوحاً.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست ضد “الضمان التجاري” بوصفه عرضاً منفرداً، بل ضد الفكرة التي سمحت له أن يصبح هذا طبيعياً، او مقبولاً ، “أن يدخل الإنسان إلى سوق العمل بلا سجل مهني موثوق، وبلا هوية تشغيلية متكاملة، وبلا دولة تنظم علاقته بالسوق من البداية”.
حين تتغير هذه الفكرة، يتغير معها كل شيء:
- يصبح التوظيف أقرب إلى الكفاءة من العلاقات.
- ويصبح التدريب أقرب إلى الحاجة من البطء.
- وتصبح الحماية حقاً أوضح وأقرب إلى الناس.
- وتستعيد الدولة معناها الحقيقي: ضامنة للفرص لا منتجة للعوائق.
وبهذا ، فإصلاح سوق العمل ليس مجرد باب من أبواب الإصلاح الإداري،
بل أحد أوضح الاختبارات على أن هل الدولة تريد فعلاً أن تتحول من دولة تدير الاختناقات، إلى دولة تصنع الإمكانات؟
وإلى لقاء،
أصلح الله بالكم،
ودمتم بإذن الله سالمين،
احمد مبارك بشير
01/04/2026