هندسة الكيانات الاقتصادية من “اقتصاد الدكاكين” إلى “اقتصاد المؤسسات”
كالعادة في الورقة الشهرية الجديدة على مجلة الرابطة في العدد المزدوج (50+51) ، في صفحة 20 تقرؤون:
هندسة الكيانات الاقتصادية :

المقال:
هندسة الكيانات الاقتصادية
من “اقتصاد الدكاكين” إلى “اقتصاد المؤسسات”
(ضمن خارطة طريق الدولة التنموية البراغماتية – بيئة أعمال أكثر فاعلية)
المدخل:
مرحبا،
مع مطلع العام 2026، لا يقف الاقتصاد اليمني أمام تحديات التضخم وتدهور العملة فحسب، بل يواجه معضلة أعمق تتعلق بـ “الحمض النووي” للكيانات الاقتصادية ذاتها.
إن أي تشخيص دقيق للمرحلة يكشف عن ترسيخ لنمط ما أسميته في مقالاتي السابقة “اقتصاد الدكاكين”، وهذا المصطلح لا يعني صغر حجم المشاريع، بل يشير إلى حالة تفتت هيكلي، حيث تحولت المؤسسات الكبرى (بنوك، شركات حكومية، وزارات) إلى جزر منعزلة تدير عملياتها بمنطق “الدكان” المعني بالربح اليومي السريع وتغطية النفقات التشغيلية، مفتقدةً لأي ترابط عضوي أو بعد استراتيجي.
في هذه الورقة الشهرية، وضمن سلسلتي حول “الدولة التنموية البراغماتية”، أنتقل بكم من الحديث عن السياسات الكلية إلى “إعادة هندسة الكيانات الاقتصادية”، فالدولة التنموية لا تنتظر الحلول السياسية الشاملة لتبدأ البناء، بل تستخدم المتاح لفرض واقع اقتصادي يخدم المجتمع، وهذا الانتقال من عقلية “الجباية” إلى عقلية “خلق القيمة” يتطلب أولاً الإجابة عن سؤالين جوهريين:
- من هو الفاعل الاقتصادي؟
- وما هي القواعد التي تحكم حركته؟
سنعمل هنا في تفكيك “العقدة المؤسسية”، لنرسم “أطلساً” جديداً يوضح الهوية القانونية لكل فاعل، ويفصل بوضوح بين “السيادي” و”التجاري” و”الاجتماعي”، ممهداً الطريق لبيئة أعمال جاذبة وشراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص.
- هندسة الكيانات الاقتصادية وتطويرها
تتمثل الخطوة الأولى لإصلاح بيئة الأعمال في إزالة الغموض عن طبيعة الكيانات الفاعلة، فلقد أدى الخلط بين “الدور السيادي” و”الدور الاستثماري” للدولة إلى تشوهات عميقة، حيث تتعامل الجهات الحكومية مع المرافق الاقتصادية (موانئ، اتصالات) كأدوات جباية، بينما تُدار الخدمات الاجتماعية بمنطق السوق، في الدليل الذي نشرته مطلع يناير 2026 كهدية للعام يمكن الاطلاع عليه في صفحاتي بعنوان “دليل الكيانات الاقتصادية والإغلاق المالي” الإصدار الاول خارطة طريق لتصنيف هذه الكيانات، يقدم هذا “الأطلس الجديد” تصنيفاً دقيقاً يعيد كل طرف إلى مربعه الصحيح قدر الأمكان.




- إعادة هندسة بيئة الأعمال
إن تشخيص واقع الاستثمار في اليمن يكشف مفارقة “نعم… ولا” ، نعم نمتلك موارد وفرصاً واعدة، لكننا لا نمتلك البيئة الحاضنة التي تُحول الموارد إلى استثمارات منتجة.
العائق الأكبر ليس في الموارد الطبيعية، بل في “البنية الفوقية Superstructure ” أي القوانين واللوائح، وإجراءات الترخيص، وآليات الإنفاذ، وما يرتبط بها من كلفة زمنية ومالية وعدم يقين، وفي بيئة هشة ومتأثرة بالنزاع، لا يمكن التعويل على إصلاحات تقليدية بطيئة، نحن بحاجة إلى تدخلات سريعة وذكية تبنى على التكنولوجيا واللامركزية، لا لمعالجة “السجل التجاري” فقط، بل لتصميم “بيئة حاضنة” تناسب كل فاعل اقتصادي بحسب حجمه وطبيعة نشاطه. ولتحقيق العدالة والشمول، نقترح إعادة هندسة إجراءات التأسيس والحماية وفق “هرم متدرج” يعالج الفجوات الحالية على النحو الآتي:




- هندسة التمويل (وقود المحرك الاقتصادي)
إذا كانت “هندسة الكيانات” تمثل هيكل السيارة، فإن “التمويل” هو وقودها. وكما أشرت في مقالي “إعادة هيكلة البنك المركزي و القطاع المصرفي” يناير 2026 إلى ضرورة تخصص البنوك، فإننا هنا في إطار “بيئة الأعمال” نركز على آليات الوصول للتمويل التي يجب أن تتوفر لحظة التأسيس:


- الشراكة تاريخياً في اليمن
عند مراجعة الفترة التالية للوحدة (1990)، يظهر أن اليمن ظل يبحث عن إطار فعال ينظم العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، وقد تطورت النظرة إلى الشراكة تدريجياً من كونها “عقود امتياز” تمنح بقرارات إدارية، إلى كونها آلية متكاملة لتقاسم المخاطر والمنافع وتمويل وتشغيل البنية التحتية والخدمات العامة، إلا أن هذا التطور اتسم بالتشتت التشريعي والمؤسسي، إذ لم يتبلور قانون موحد وشامل للشراكة، وتوزعت أحكامها بين منظومات قانونية مختلفة، أهمها:
- قانون الخصخصة (1999):
- اعتبر القانون حجر الزاوية في محاولة الدولة التخلي عن إدارة الوحدات الاقتصادية لصالح القطاع الخاص.
- هدف القانون إلى تخفيف أعباء الدولة من نفقات الوحدات المتعثرة، ورفع كفاءة الأداء على أسس تنافسية.
- أنشأ القانون “اللجنة العليا للخصخصة” برئاسة رئيس مجلس الوزراء، والتي تولت المصادقة على برامج التقييم والبيع أو التأجير للقطاع الخاص.
- كما نص على إنشاء “صندوق عائدات الخصخصة” لتمويل مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مما عكس رغبة في إعادة تدوير رأس المال العام نحو قطاعات أكثر إنتاجية.
- عملياً، ركز هذا المسار على نقل الملكية/التصرف “او البيع” في الأصول أكثر من بناء نموذج شراكة طويل الأجل قائم على إدارة مخاطر وتشغيل وأداء.
- قانون المناقصات والمزايدات (2007):
- يمثل العمود الفقري لإجراءات الشراء العام، وهو مهم لأي تعاقدات حكومية كبرى بما فيها مشروعات الشراكة.
- لكنه لا يغطي تعقيدات عقود الشراكة مثل PPP/BOT ولا يشمل آلية (التفاوض المطول، وتوزيع المخاطر، وتمويل المشروع، وتعديل العقد، والإغلاق المالي)، مما يترك فجوة بين “منطق المناقصة التقليدية” ومنطق “مشروع شراكة متعدد المراحل”.
- قوانين الاستثمار (قانون 2010، والتحديثات اللاحقة):
- قدم قانون الاستثمار (15) لسنة 2010 حوافز وضمانات واسعة لحماية وتشجيع الاستثمار، لكنه لم يبنِ وحده إطاراً إجرائياً ومؤسسياً متكاملاً لاستقلالية الهيئة وتفعيل النافذة الواحدة ، وركز على التسهيلات المؤسسي ، لكن ايضاً لا يمكن اعتباره مسار واضح لتأسيس الشراكة ودورة مشروع PPP ، وتوزيع المخاطر، و التزامات مالية مستقبلية.
- وفي صنعاء صدر قانون استثمار أحدث (رقم 3 لسنة 1446ه/2025ـ) يمثل محاولة لتصحيح مسار قانون 2010 عبر الانتقال من منطق الحوافز إلى منطق التسهيل المؤسسي (كالنافذة الواحدة وتوحيد مسارات الخدمة)، لكنه لا يحقق بعد القفزة المطلوبة في استقلالية هيئة الاستثمار كجهة مالكة للقرار، ولا في تحويل التسهيلات إلى التزامات زمنية قابلة للقياس والتنفيذ، وبالتالي يعتبر محاولة مهمة في تحفيز الاستثمار ولازال بحاجة لمزيد من التعزيز.
- قانون رقم (11) لسنة 2007م بشأن التأجير التمويلي:
- يوفر آلية تمويل مرنة تمكن المستثمر من استخدام أصول (معدات/آلات/منشآت) دون شرائها فوراً مع إمكانية التملك لاحقاً وفق شروط العقد.
- أهميته أنه يدعم الاستثمار والتمويل، لكنه لا يعد إطار PPP بحد ذاته، كما أن أثره العملي يتأثر عادةً بفعالية الإنفاذ القضائي والوعي السوقي وتماسك الضمانات التنفيذية.
- مشروع قانون “قانون الشراكة 2014″، لم يتم اعتماده بعد:
- واجه القانون انتقادات من القطاع الخاص ولم يتم معالجتها ، من أبرزها:
- متطلبات نقل موظفي الجهة العامة بنسب مرتفعة (تلزم المادة 77 المستثمر بقبول نقل موظفي الجهة العامة إليه، وبنسبة لا تقل عن 70% من الموظفين الحاليين) بما يرفع مخاطر التشغيل والتكلفة على المستثمر.
- المركزية المفرطة في القرار عبر لجنة عليا واسعة الصلاحيات، ما يجعل الطرح/الترسية/تعديل العقد/التمديد رهينة اجتماع اللجنة وتوقيعها، وهو ما قد يخلق اختناقات مزمنة في سياق مؤسسي هش.
- غياب مسار واضح لتحويل المؤسسات العامة إلى كيانات قابلة للشراكة (مثل تحويل مؤسسة الكهرباء إلى شركة حكومية أو كيان تعاقدي واضح).
- في 23 نوفمبر 2025 وافق مجلس الوزراء على وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص كإطار رسمي للشراكة، بناءً على مذكرة من وزير التخطيط والتعاون الدولي، إلا أن الوثيقة بحسب ما يظهر في هيكلها المؤسسي وآلياتها:
- ما تزال تميل إلى المركزية عبر لجنة وزارية واسعة، بما يخلق عنق زجاجة في قرارات الطرح والترسية والتعديل.
- كما أن وحدة الشراكة المرتبطة بمكتب رئيس الوزراء قد تختزل وظيفياً إلى دور تنسيقي ما لم تُمنح صلاحيات “بوابات موافقات” ملزمة (فنياً ومالياً وتعاقدياً) وموارد مهنية كافية.
- والأهم أن السياسة لا تُقفل بما يكفي ملفات حرجة لنجاح PPP في اليمن، مثل:
- ضبط المخاطر والالتزامات المالية على الدولة،
- إلزامية دراسات القيمة مقابل المال كشرط قبل الطرح،
- مسار تحويل المؤسسات العامة إلى كيانات قابلة للتعاقد ،
- وتأسيس منظومة فعّالة لحسم المنازعات وتنفيذ العقود،
- بما يجعل التحدي الحقيقي ليس في وجود السياسة، بل في قابلية تنفيذها وتحويلها إلى منظومة قرار وتعاقد وإفصاح قابلة للقياس.
- محرك النمو: الشراكة (PPP) ونموذج “عدن الحرة”
في ظل العجز المالي المزمن وتوقف البرنامج الاستثماري الحكومي، لم تعد الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) خياراً تكميلياً، بل أصبحت من أكثر الأدوات واقعية لتمويل البنية التحتية والخدمات وتحسين الكفاءة، غير أن نجاحها يتطلب انتقال الحكومة من دور “المشغل” إلى دور “الممكن” عبر إصلاحين متلازمين: هندسة مؤسسية وتشغيلية للشراكة تمنع فخ اللجان، ونموذج جغرافي رائد يثبت قابلية التنفيذ وعدن هي المرشح الطبيعي:


عدن: المنطقة الاقتصادية الحرة كقاطرة للاقتصاد ومختبر نجاح
- القانون رقم (4) لسنة 1993 يعتبر عدن بكاملها منطقة حرة، لكن التطبيق تعثر بسبب تضارب الصلاحيات.
| مادة (2) : تنشأ بمقتضى احكام هذا القانون منطقة حرة تشمل مدينة عدن ، ويتم تطبيق نظام المنطقة الحرة فيها على مراحل ، ويحدد مجلس الوزراء بقرار ينشر في الجريدة الرسمية الحدود الجغرافية للمنطقة الحرة والمواقع التي سيبدأ فيها التطبيق وتاريخه . |
- والمراحل مرت عليها سنوات، وكان من بين التحركات الإيجابية التي تمت في 2005 عبر برنامج تطوير مدن الموانئ في إطلاق المخطط العام لمدينة عدن Master Plan والذي كان جزءاً من هذا المسار، و يمثل فرصة لمراجعته وتحديثه.
- ولأن هذه الفرصة متاحة اليوم لتكون “مختبر نجاح” للدولة التنموية، وبناء على ذلك، اقترح خارطة طريق عنوانها (ولاية عدن الاقتصادية والمالية الحرة):
- تفعيل النطاق الجغرافي والمرحلية:
- إصدار قرار بتفعيل المادة الثانية من القانون لتشمل عدن الكبرى (مع أجزاء من لحج وأبين لضمها لعدن) كمنطقة اقتصادية خاصة.
- تأسيس شركة عدن القابضة (Aden Holding) كالشريك الحكومي المحترف كشركة مساهمة (عامة او مغلقة) تعمل وفق قانون الشركات، لتكون “مالك محفظة الأصول المؤسسات والشركات في المحافظة (الموانئ، المطار، أراضي المنطقة الحرة، والمؤسسات الايرادية في عدن)”، و “مطور مشاريع” و “شريك حكومي” يدخل في تحالفات ومشاريع PPP عبر شركات الغرض الخاص(SPVs). مهام عدن القابضة:
- إدارة محفظة أصول الدولة الاستثمارية في عدن.
- تحضير المشاريع .
- الدخول في SPVs كشريك حكومي في مشاريع PPP، لا كجهة تراخيص.
- تشغيل عقود امتياز وتأجير وتشغيل بعقود أداء واضحة.
- التراخيص والرقابة تدار عبر هيئة المنطقة/المركز الوطني لخدمات الأعمال، أما الشركة القابضة فتدير الأصول والاستثمارات.
- حوكمة هيئة المنطقة الاقتصادية (توازن محلي/خاص مع تفويض حقيقي)
- إعادة تشكيل مجلس إدارة الهيئة بما يضمن تمثيل السلطة المحلية والقطاع الخاص (غرفة التجارة، غرفة الملاحة، جمعية البنوك…)، مع قواعد صارمة لتعارض المصالح.
- منح الهيئة تفويضاً تشغيلياً فعلياً داخل النطاق، وربطها بمؤشرات أداء منشورة سنوياً.
- حزمة مشاريع “Pipeline” خلال 24 شهراً، عبر اختيار 6-8 مشاريع قابلة للتمويل والإنجاز، مثل:
- منطقة لوجستية/مخازن جمركية حديثة .
- توسعة وتشغيل محطة حاويات/خدمات بحرية
- تحديث المطار وتشغيل خدماته غير السيادية
- محطات طاقة/مياه بنموذج الامتياز والاتاحة والتخفيض Availability أو Concession حسب الإيراد.
- منطقة صناعات مرتبطة بالميناء
- منصة نافذة رقمية كاملة داخل النطاق.
دراسة ترتيبات المدن السكنية على الأطراف وكذلك خروج نهائي للمعسكرات، وتحويل قلب المدنية الى مناطق اقتصادية وصناعية وتفعيل جميع الموانئ فيها.
نموذج الملكية لشركة عدن القابضة:
- للإجابة عن الاستفسار: من يملك؟ من يقرر؟ من يضمن؟
- الخيار (A) ملكية مركزية بالكامل (الدولة/وزارة المالية أو صندوق سيادي)
- الحكومة المركزية تملك 100% من الأسهم.
- يتميز الخيار بقدرة أعلى على توحيد القرار السيادي ونقل الأصول الوطنية. وقد يكون مقبولاً للممولين إذا كانت الضمانات واضحة.
- لكن في المقابل، مخاوف تسييس واحتكاك اكبر مع المركزية والتي نرغب في تتخفيفها.
- الخيار (B) ملكية محلية بالكامل (السلطة المحلية/محافظة عدن عبر ذراع استثماري)
- السلطة المحلية تملك 100% ضمن تفويض قانوني.
- هذا سيسهم في تسريع قرار أعلى، واقتراب من واقع الأرض وينسجم مع طرحي حول الحكم الذاتي الاقتصادي او اللامركزية الاقتصادية.
- لكن قد يكون هناك ضعف في الثقة لدى مستثمر خارجي، مع احتمال تعارض مصالح محلية/ضغط اجتماعي على القرارات الاستثمارية.
- الخيار (C) ملكية مختلطة “مركز + محلي” (الخيار الذي أميل إليه)
- أسهم موزعة بين الحكومة المركزية والسلطة المحلية (مثلاً 60/40 أو 51/49)، مع اتفاق مساهمين (وفتح المساهمة للمجتمع.
- يجمع هذا الخيار بين شرعية سيادية + مرونة محلية، ويعزز ويرفع الثقة لدى المستثمرين لأن القرار ليس رهينة طرف واحد.
لكن قد نواجه مخاطر إن لم يصدر قرار حوكمة يضمن صلاحيات القرار وإدارة مستقلة عن الطرفين، حتى لا تتحول الشركة الى مشلول ( يتعاند الأطراف حول القرارات في الشركة) ولهذا يجب تشكيل مجلس إدارة مهني ومستقل + لجان تدقيق/مخاطر/استثمار + إفصاح سنوي ذو كفاءة عالية ، ونظام حوكمة متميز ومتكامل وفاعل يحقق توافر المستقلين والقطاع الخاص في ادارته. وبما يسهم في اتفاق المساهمين ومشاركتهم وسياسات متكاملة بما يشمل سياسة توزيع الأرباح، وسقوف الديون، ونقل الأصول.

- نحو إطار استراتيجي متكامل للشراكة-مصفوفة الإصلاحات العاجلة
لكيلا يبقى الطرح السابق حبيس التنظير، فإن الانتقال إلى مرحلة التطبيق يتطلب حزمة متزامنة من التدخلات التشريعية والمؤسسية والإجرائية، ويمكن تلخيص خارطة الطريق المقترحة في أربعة محاور مترابطة:
| المحور التشريعي والمؤسسي (البيئة الفوقية) |
- إصدار قرارات بقانون لتحديث قانون الشركات وقانون السجل التجاري بما يشرعن “القطاع الهجين” و الشركات الحكومية ويبسط الخروج من السوق (التصفية/الإفلاس/إعادة الهيكلة) بوصفه عنصراً حاسماً في مرونة الأعمال.
- إقرار قانون حديث للشراكة (PPP) يحمي الشريك الخاص من تقلبات السياسة عبر قواعد واضحة:
- توزيع المخاطر،
- أحداث التغيرات السيادية،
- التعويضات،
- تعديل العقد،
- وآليات فض النزاعات (وساطة/تحكيم/قضاء تجاري متخصص)،
- مع تنظيم التحكيم الدولي للمشاريع ذات الاستثمار الأجنبي أو التمويل الدولي وفق ضوابط محددة.
- إنشاء/إعادة هيكلة المركز الوطني لخدمات الأعمال والشراكة (NBSC) عبر دمج وظائف هيئة الاستثمار مع خدمات تأسيس الشركات والترخيص، ومنحه استقلالية تشغيلية وسلطة نافذة واحدة حقيقية خاصة في إدارة الأراضي الاستثمارية عبر “بنك أراضٍ” موثق ومؤتمت.
تحديث أطر النقابات والتعاونيات لتتحول من كيانات اجتماعية/مطلبية إلى فاعلين اقتصاديين تنمويين، مع تمكينها وفق ضوابط وترخيص من إصدار رخص مزاولة المهنة للأفراد وتأسيس الشركات المدنية/الاجتماعية.


- دعوة للبدء: من الجباية إلى “خلق القيمة”
ختاماً، فإن هندسة الكيانات الاقتصادية ليست تمريناً فكرياً ولا إعادة ترتيب للأوراق، بل هي حجر الزاوية للانتقال من “اقتصاد البقاء” إلى “اقتصاد النمو” . لقد حاولت في هذه الورقة أن أرسم “أطلساً” جديداً للاقتصاد اليمني، يقوم على أربعة أعمدة رئيسية:
- إعادة تعريف الأدوار، قطاع عام بين السيادي والهجين، وقطاع خاص متدرج في الالتزام، وقطاع ثالث بوصفه شريكاً اجتماعياً وتنموياً.
- استبدال البيروقراطية بتمكين ذكي، تدخلات رقمية ولا مركزية تقلص الاحتكاك البشري وتبني نافذة واحدة فاعلة عبر “المركز الوطني لخدمات الأعمال”.
- تفعيل الشراكة (PPP) بمنطق الكيانات لا اللجان، عبر شركات حكومية مؤهلة (شركات عامة/قابضة) بدل اللجان الوزارية، مع جعل “عدن” نموذجاً عملياً للبدء والنجاح.
- توفير الوقود المالي للنمو، من خلال أدوات ضمان وتمويل مبتكرة، وإصلاحات مالية ومصرفية تضمن أن كل رخصة جديدة تجد طريقها إلى التمويل والاستثمار والتوسع.
الأعزاء،
“الدولة التنموية البراغماتية” التي ننشدها لليمن في 2026 هي دولة تعترف بأن دورها قد تغير، لم تعد “المالك والمدير” الذي يحتكر الاقتصاد، ولا “الجابي” الذي يقتات على فتات القطاع الخاص، بل هي المنظم والمُمكن الذي يضع قواعد عادلة، ويحمي الحقوق، ويخفض كلفة المعاملات، ويترك للقطاع الخاص قيادة قاطرة الإنتاج.
الطريق طويل وشاق،
ويتطلب شجاعة سياسية لتجاوز إرث الجباية والبيروقراطية.
لكن اليمن، بموارده البشرية وموقعه الجغرافي، مؤهل لكتابة قصة صعود جديدة، شرط أن نبدأ بتصحيح قواعد التشغيل لمؤسساتنا، وتحويلها من أدوات جباية إلى أدوات خلق قيمة.
وإلى لقاء، بإذن الله تعالى،
أصلح الله بالكم،
ودمتم بإذن الله سالمين،
احمد مبارك بشير
18/02/2026