يوسف أيها الصديق ح 26 – مصر والسبع العجاف


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 26 – مصر والسبع العجاف

أوحى يوسف إلى الساقي بأنه يتقن كل عمل يعمله دون الاهتمام بعوائده لشخصه. إنه صاحب رسالة لا يمكن أن يستهين بما يقوله أو يفرط في ما يتحدث به مع الناس. إنه معلم مخلص بغض النظر عن حاجاته ومصالحه الشخصية. قال يوسف رادا على صاحبه القديم في السجن كما وصف الله تعالى الموقف:

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴿47﴾

ظن المفسرون الكرام بأن دأبا هنا تدل على أنهم سيزرعون سبع سنين متواليات باعتبار معنى كلمة دأب. و أن الفعل أمر بصورة الخبر باعتبار “فذروه في سنبله”. فقد قال الزمخشري في الكشاف:

تَزرَعُونَ: خبر في معنى الأمر كقوله: تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون. الصف: 11 . وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب إيجاد المأمور به فيجعل كأنه يوجد فهو يخبر عنه. والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: فَذَرُوُه فِي سُنبُلِهِ. دأباً: بسكون الهمزة وتحريكها وهما مصدرا: دأب في العمل وهو حال من المأمورين أي دائبين: إما على تدأبون دأباً وإما على إيقاع المصدر حالاً بمعنى: ذوي دأب. انتهى.

أنا اختلف مع الزمخشري . فلو كان المقصود الاستمرار أو الجد في العمل لقال سبحانه: تزرعون سبع سنين دائبة أو دائبين. بالطبع أن قول الزمخشري: دأبا حال من المأمورين، لا يخالف قوانين الحال برأيي ولكن وضع المصدر مكان الحال لغير ضرورة ودون قصد خاص غير مقبول. حاشا كتاب الله تعالى من هذه التأليفات الغريبة.

وليس في مفكرتي معنى للدأب ولكنني مضطر بأن أقول بأن الدأب معنى من معاني الحبوب أو القمح بالذات أو نوع من البر ولعل الكلمة قبطية معربة. أو لعل المصريين القدماء كانوا يستعملون تعبيرا خاصا للحبوب التي يعيشون عليها كتعبيرنا نحن لها بالعيش.

فنرى الشعوب التي تعيش على القمح تسميه عيشا والشعوب التي تعيش على الرز تسمي الرز عيشا. فلعلهم يسمون الحب الذي يعيشون عليه دأبا. ولعلهم كانوا يستعملون كلمة تدل على العادة اليومية في الأكل ففسرها الله تعالى بالدأب بمعنى العادة. لكن الكلمة على أي حال لا يمكن أن تدل على غير الحبوب الزراعية ولا يمكن أن تكون صفة بالطبع كما لا يمكن أن تكون حالا كما قاله الزمخشري.

وقال الطباطبائي في الميزان: فالمعنى تزرعون سبع سنين زراعة متوالية مستمرة، و قيل: هو من دأب بمعنى التعب أي تزرعون بجد و اجتهاد، و يمكن أن يكون حالا أي تزرعون دائبين مستمرين أو مجدين مجتهدين فيه. انتهى.

وهو تفسير غير دقيق برأيي. لا أدري كيف توصل الطباطبائي إلى معنى: تزرعون سبع سنين متوالية؟ وما الفائدة من إضافة متوالية؟ لنفترض أن يوسف قال: تزرعون سبع سنين، ولم يضف دأبا، فهل تعني تزرعون سبع سنين غير متوالية؟ بالطبع لا، فما الحاجة إلى إضافة كلمة متوالية؟ كل الناس يعرفون بأن زراعة حبوب العيش سنوية بالنسبة لكل الحبوب بلا استثناء فلا حاجة لإضافة كلمة: متوالية أو ما في معناها.

إذن قال يوسف لرسول الملك: هناك سبع سنوات خير وزرع بانتظار المصريين. فلا تغتروا بها وحاولوا أن تحصنوا من حصادكم ما زاد عن مأكلكم. ولو تتركوا الحبوب في سنابلها قبل تحصينها حتى لا تفسد وتبقى محفوظة في السنابل لاستقبال سني الجدب.

كما أن يوسف أوصاهم بأن لا يسرفوا في الحبوب فيكتفوا بالأكل منها حتى لا يجوعوا في سني الجدب المقبلة لا محالة. هذه مسائل علمية دقيقة تفوه بها يوسف من منطلق علمه وعقله قبل أكثر من أربعين قرنا.

والواقع أن الأنبياء كانوا علماء ومهندسين وأطباء أكثر من كونهم أصحاب معاجز ومخبرين بالغيب كما يتصورهم الكثيرون. وقد لاحظت بأن أكثر آثار الأنبياء التي نعرفها من القرآن تنبئ عن علم وإدراك لحقائق الطبيعة ومساعدة للناس في الحياة الأفضل وفي العيش بسلام وأمان.

يوسف استعمل فهمه للأعراف المصرية وكيفية تأويلهم للأحاديث ليتعرف على تفسير رؤيا الملك.

فالله تعالى يخاطب الناس بالطرق التي يفهمونها. هذا الملك يدير مجتمعا متقدما في الزراعة قبل أن يكون متقدما في العمران. والواقع أنهم كانوا يعيشون على الزراعة ولكن العمران وما تبعه هي من آثار تفننهم في الحياة واستفادتهم من فائض دخلهم لبناء الأهرام والاشكال الهندسية الرائعة على قبورهم إرضاء لملوكهم حتى يطمئنوا بأنهم سيحيون ملوكا في الحياة الآخرة.

والله تعالى يريد أن يخبره بأن مملكته تواجه خطر الجدب ويريد أن يعلمه كيف يستعد لها ويدفع عن شعبه المجاعة حد الإمكان.

بالطبع أن الله تعالى يقوم بتحقيق مجموعة من الأهداف حينما يقوم بعمل فلا ننس أهداف صناعة بني إسرائيل أيضا ضمن قصة المنام مثلا .33 

بعد أن أوضحنا السبع الخضر دعنا نوضح السبع الشداد. لقد اختصر الله تعالى بقية شرح يوسف تعبيرا لمنام ملك مصر كما يلي:

ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴿48﴾ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿49﴾.

رأينا بأن يوسف وضح بكل إخلاص معنى منام الملك وبين لصاحبه الحلول التي يراها مناسبة لمواجهة المشكلة وكأنه يقول له: يهمني أن لا تجوع الأمة ولا يهمني أن أنجو من السجن أو أجد الحظوة عند الملك.

ثم أردف يشرح لساقي الملك بقية المنام مبينا سني الجدب. وصف يوسف تلك السنين الجُدب بالشداد.

والشد يعني تقوية عقد الوثاق فيعطي معنى القوة للفاعل ومعنى الضعف وغاية الانفعال بالنسبة للمفعول. فالسبع الشداد يعني بأن الله تعالى شد رباطها بقوة كبيرة وهي انفعلت خاضعة أمام تلك القوة الرهيبة التي سيطرت عليها بالكامل.

وهكذا السني الشداد تعني بأن الله تعالى الفاعل قد شد الوثاق على أرزاق الناس فتحطمت إرادتهم أمام تلك القوة الرهيبة وباتوا ضعفاء لا يجدون حيلة تنجيهم من تبعاتها إلا قليلا مما يحصنون من الحبوب.

وقد وضح له معنى الشدة بأن الجفاف سوف يأكل الحبوب بدل أن ينميها. ذلك لأنها لا يمكن أن تنمو بلا ماء بالطبع. والمزارع ينشر البذور في الأرض بانتظار الري فإن لم يصل الماء إليها فإن ديدان الأرض وهوامها تأكلها وتقضي عليها.

استدل يوسف بهذا الاحتمال الخطير على وجوب التحصن لمواجهة المجاعة الكبرى. ولو ننظر إلى القارة الأفريقية برمتها فإنها تتعرض للمجاعة حتى في عصر التطور الفعلي. مما يعني بأن مياه الأمطار بالنسبة لهذه القارة غير مضمونة وغير مستمرة.

لا أظن بان هذا الكتاب هو الموضع المناسب لمناقشة الآراء التي ترى أماكن وبلدان أخرى مسرحا لقصة يوسف ولكني أعتقد بأن ما ذكرناه أعلاه ودراسة عامة عن ظروف المناطق الأخرى الجغرافية وعدم وجود إشارات إلى جفاف توالي سبع سنين في تلك المناطق يمكن ان يكون دليلا يعضد ربط القصة بأسرها بمصر . 34

ولا يمكن للبشر أن يتعلم إلا إذا واجه مشكلة. ألا نرى بأن غالبية الناس هم أبناء يومهم وهم لا يستعدون للغد إلا قليلا منهم. هذه عادة غير مقبولة عند الذي يدير هذا الكون المهيب ويدير هذه الأرض الغريبة في أطوارها سبحانه وتعالى.

ومن كرمه تعالى أنه يسعى لتعليم عبيده ويعتبر البلاء بالمرض والقحط من ضرورات الاختبار في الدنيا. وهو واقع ضمن منظومة الهدى العام الذي يكرم الله تعالى به الإنسان. فهناك طريقان للخلاص من البلاء، إما أن يتعلم الناس ويتحقق الهدف الغائي منه أو تنتهي مدة البلاء. وكان يوسف على علم بأن البلاء لا يمكن أن يبقى إلى الأبد. إن ذلك يتناقض مع سماحة رب العالمين واتصافه بالرحمة بحق، سبحانه وتعالى. وعلى هذا الأساس أعطاهم البشرى بعام الغيث والعصر. والعلم عند الله تعالى.

أمعن يوسف كثيرا ببيان سني الجدب والشدة. وكان دقيقا جدا في بيان ذلك، فلم يقل بأن على الدولة أن تمنع الناس من الزراعة وانتظار المطر في سني الجدب السبعة.

إن ذلك يخالف نظام السماء. على الإنسان أن يكون دائما في حال الترقب لرحمة ربه ولكن عليه أيضا أن يكون مستعداً لكل بلاء بموجب نظام الخوف من شدة تعامل الله تعالى المؤقت مع عبيده.

إنه من رحمته يبلي الأمة بالقحط والزلازل والحواصب وبقية الظواهر الطبيعية الكبرى. إنه سبحانه وضع في أراضي الدنيا قوانين تسبب الشدة والبلاء لتكون هذه الأسباب متواجدة حينما يريد الله تعالى أن يذكر الناس بأنه موجود وبأنهم لم يشكروا خالقهم وبأنهم أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا.

ذلك هو برنامج الحياة الدنيا حتى يتعلم الناس بأنهم مضطرون للتفكير في الحق لإثبات سلامة عقولهم وتشغيل هذه العقول ولتقديم الشكر له لإثبات سلامة نفوسهم. ولولا ذلك تعذر التمييز بين الخبيث والطيب وهو سر هذه النشأة.

لم يمنع يوسف الشعب المصري من أن يقدموا قسما من طعامهم الذي يعيشون عليه للأرض حتى يبقوا دائما في حال الأمل لرحمة ربهم. إنه يعرف بأن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت وليس عند أحد أي علم بحقيقة التقدير غير الله تعالى نفسه فهو عنده أم الكتاب.

كما أنه لم يأت بأي خبر غيبي حينما بشرهم بعام الخير التالي لأعوام الشدة. ولقد وضح لصاحبيه في السجن بأن الله تعالى علمه حقائق الألوهية كعلم لا كإخبار بما سيحدث.

وقد علمه ذلك لأنه توقى بكل عناية الشرك وابتعد عن كل معالم الشرك المشين اتباعا لسنة إبراهيم شيخ الأنبياء والمرسلين. فكما أمر الله تعالى نبينا وهو خاتم النبيين ، في القرآن أن يقتدي بإبراهيم فإنه قد أمر دون شك من سبقه من الأنبياء أن يقتدوا بإبراهيم .

كان يوسف على علم بحقيقة قرآنية نعرفها نحن اليوم بفضل القرآن وعرفها أبناء يوسف فيما بعد بفضل التوراة ولكنه هو بنفسه عرفها بفضل إيمانه الخالص بالله تعالى.

فالله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور سواء أكرمهم بالكتب السماوية أم لم يكرمهم بها. قال تعالى في سورة الشرح:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8).

إن الله تعالى يوقف استمرار البلاء بصورة طبيعية ليدعو عبيده إلى العودة إليه. إنه هو يوقف استمرار الأوزار لأنه يريد أن يعلم عبيده ولا يريد أن يعذبهم في الدنيا. إن لازمة الكرم والرحمة والعطاء أن يتوقف البلاء حتى لو لم يعد الناس إلى ربهم.

( هامش 33 :   البعض من الإخوة الباحثين يظنون بأن قصة يوسف وكذلك موسى قد حدثتا في منطقة أخرى غير مصر المعروفة. ويقول بعضهم أنهما حصلتا في منطقة عسير في الجزيرة العربية. بالطبع أنني لست بصدد الرد عليهم بقدر ما أنا بصدد الرد على إشكالاتهم الأساسية في وقوع الحوادث بمصر الفعلية.

1.      يقولون بأن مصر لم تكن معروفة بهذا الاسم قديما. فمصر إذا يمكن أن يكون بمعنى البلد. إن الله تعالى يذكر اسم مصر في قصتي يوسف وموسى باسم العَلَم فهو علم لمصر الفعلية وليست علما لمكان آخر في عسير برأيي.

2.      يقولون بأنهم لم يجدوا آثاراً ليوسف أو موسى أو سليمان في فلسطين ومصر الفعليتين. والواقع أن الرجال الثلاثة بالإضافة إلى داوود كانوا من المؤمنين الطيبين الذين لا يبنون القصور ولا يقتنون أساسيات الحياة الثمينة جدا حتى تبقى إلى اليوم. ثم إن عدم عثورهم على الآثار لا يدل على عدم وجود الآثار. أغلب الظن أن الإسرائيليين يبحثون عن الآثار من واقع الخرائط التي رسموها على أساس التاريخ اليهودي. وأنا شخصيا أشك كثيرا في صحة ذلك التاريخ. مثله مثل سائر السير التاريخية التي أنفق عليها الملوك أصحاب المصالح ففندوا الحوادث لتنطبق مع مصالحهم في الملك والسيطرة على الرقاب. إنني قارنت قصص التاريخ التي كتبها المسلمون مع النزر اليسير من القضايا التاريخية التي نفهمها من القرآن فلم أجد قصة واحدة تنطبق مع آي الذكر الحكيم مع الأسف. ولذلك فأجد من المعقول أن نعتبر التاريخ الإسلامي والتاريخ اليهودي من قبل، يعبران عن مجموعة من القصص والأساطير المفبركة وليس عن الحوادث كما حصلت. ولم نر بعد آثارا مماثلة في عسير. ولا ندري هل سنكتشف شيئا لو سمحت الحكومة السعودية بمثل هذه التنقيبات أو لا؟ وأغلب الظن أننا سوف لن نكتشف شيئا هناك.

3.      يقول المسلمون منهم بأن هناك في عسير أسماء قريبة من الأسماء الموجودة في فلسطين ومصر. وأقول لهم بأن هناك في كندا وأمريكا أسماء قريبة أو مشابهة تماما لأسماء المدن البريطانية والبرتغالية والإسبانية. ذلك لأن الذين هاجروا من هذه البلدان إلى القارة الجديدة وضعوا أسماء مدنهم أو بإضافة وصف الجديد على المدن الجديدة. مثل نيو يورك مقابل يورك ونوفا سكوجيا بمعنى سكوتلندا الجديدة. وهكذا أسس اليهود المهاجرون إلى عسير فيما بعد مدنا ووضعوا عليها أسماء مدنهم الأصلية احتمالا.

4.      وأقول لغير المسلمين ولغير المؤمنين بالله تعالى، بأن إنكار أصل موسى وسليمان مثل إنكار العصر الجاهلي والعصر الأموي والعباسي. وإن كلما ما نراه من آثار أموية مثل المسجد الأموي ومسجد القبة مثلا لو صحت بأنها من مباني بني أمية فهي تدل على الإسلام أكثر من دلالتها على بني أمية. فكما لا يمكننا إنكار محمد بن عبد الله فكذلك لا يمكننا إنكار موسى وهارون وحتى يوسف ويعقوب. إن هناك أمة كبيرة منتشرة في الأرض تُدعى بني يعقوب أو بني إسرائيل كما أن هناك اليهود والنصارى الذين يملئون الأرض فكيف يمكن إنكار أنبيائهم؟ يمكن إنكار الحوادث التاريخية باعتبار أن المؤرخين عادة ما يكذبون إرضاء لمن يدفع لهم من أجر يعيشون عليه ولكن لا يمكن إنكار أصل وجود إبراهيم وموسى وعيسى ويعقوب وسليمان ومحمد.

5.      يقولون بأن أهل مصر يعيشون على النيل ولا يعتمدون في زراعتهم على مياه الأمطار. لقد نسي الإخوة بأن النيل يعيش على الأمطار.    نهاية الهامش 33.)

(هامش 34 : كلمة سبعة في القرآن وفي الكتابات القديمة كلها لا تعني فعلية العدد بل تدل على كمال العدد. فالسنوات كانت سبعة على الأقل وليست على الكمال والتمام. وأنا شخصيا لا أظن بأنها كانت أكثر من سبعة فعلية لأنها ستكون مميتة حينئذ وبعيدة عن كرم الله تعالى.

وأما احتمال أن أيا من نوعي سني الرخاء والشدة كانت أقل من سبعة فعلية فهو غير بعيد أيضا برأيي. ذلك لأننا نرى الله تعالى يستعمل هذا العدد للسماوات مثلا. فهي أكثر من أن تعد وتحصى ولا يمكن وضع عدد يقل عن البلايين لها.

فالسبعة بالنسبة للسماوات تعني البلايين وبالنسبة لسني الخير والقحط قد تعني أقل من العدد الفعلي أيضا. إنها تمثل كمال الخير وكمال الجدب والعدد الحقيقي عند الله تعالى.

وأنا أظن بأن الله تعالى أراد للناس أن يتعلموا التحصن والادخار للمستقبل ويتجنبوا الإسراف حتى عند كثرة الحبوب، بغض النظر عن فعلية السنوات السبعة.     نهاية  الهامش 34.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

الإعلانات

يوسف أيها الصديق ح 25 – يوسف أيها الصديق افتنا في سبع بقرات سمان


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 25 – يوسف أيها الصديق افتنا في سبع بقرات سمان

دخل الساقي السجن بأمر الملك فخاطب صاحبه القديم الذي بقي دونهما في السجن المشترك بينهم:

يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿46﴾.

بعد أن تذكر صاحب السجن قصته مع يوسف قال للجمع المحيط بالملك ولعل ذلك كان في حضور الملك نفسه: أنا أكشف لكم تأويل المنام فأرسلوني إلى يوسف في السجن لأعرض الرؤيا عليه.

ولا ريب أنه فتح على الملك وحاشيته باب أمل لحل اللغز الغريب وإخراج أسرة الحكم من دوامة الخوف والحيرة.

جاء اسم يوسف مرة أخرى في الوسط الحاكم بقوة أكثر من ذي قبل بحيث لم يتمكن العزيز من أن ينبس ببنت شفه. ولا أظن أنه كان يمانع لأنه كان يحب يوسف دون شك ويحترمه ويُكرمه ولكنه بالطبع رأى أن عودة يوسف سوف تُحيي قصة زوجته من جديد في سهرات القصور الملكية. لكن رؤيا الملك كان أمرا بالغ الخطورة فيستعد كل مهتم بشؤون الملك أن يضحي من أجلها، ولذلك لا نرى من القصر الملكي برمته إلا الموافقة على دق باب يوسف وإعادته إلى مسرح الأحداث مع المزيد من السيطرة والسلطان ومن نوع السيطرة والسلطان لا من نوع احترام علمه وذكائه كما كان متحليا به قبل أن يُسجن.

وصل الخبر دون ريب إلى زوجة العزيز فاستعدت بحدة ذكائها للمواجهة ولكنها الآن لا يمكن لها أن تمكر مكرا فعليها أن تتهيأ للبوح بالحقيقة أمام الملك.

كانت تعرف عناد يوسف في استجلاء الحقيقة التي قد أشعرته بالكثير من الضجر أن يُسجن بتهمة لا تليق بساحته أبدا. تعرف المرأة أكثر من أي شخص آخر مدى نظافة يوسف وإبائه وإخلاصه في نفس الوقت لأسرة العزيز الذين نجّوه من أن يُباع عبدا لدى أسرة لا تعرف قدره ولا تهتم بإخلاصه وعلمه.

دخل الساقي السجن مرة أخرى ولكن رسولا من الملك وليس سجينا. من الصعب أن نصف ما جال بخاطره وهو يعود إلى محبسه الذي سمع فيه بأنه سوف ينجو من السجن ويعود إلى عمله بقوة أكبر. 

دخل الساقي على يوسف وهو يفكر احتمالا في أن يوسف سيخرج من السجن اليوم أكثر عزة منه وأكثر احتراما لدى الملك. ولعلّ الساقي كان مغرما بيوسف بحيث لم تأخذه الغيرة والحسد من يوسف.

ولعلّه قال في نفسه بأن هذا الرجل العظيم يستحق كل احترام وحظوة أمام فرعون مصر. ولعله شعر بالخزي مع نفسه بأنه نسي طلب يوسف منه طيلة الأعوام التي تردد في أيامها على ربه مغتبطا بالسقاية وناسيا صاحبه السجين المؤمن والخبير والعالم.

ولعله فكر وهو منتصر يشق طريقه إلى سجنه القديم في الكلمة التي يرحب فيها بالعودة إلى صاحبه في السجن فرأى بأن أجمل كلمة هي ما تدل على أن تأويل يوسف للمنامين وللارتباط بينهما كان صادقا وبأن يوسف كان صادقا أيضا في تفسير الرؤيا لهما بكل إخلاص ودون أن يُخفي عنهما شيئا.

أراد أن يبدي ليوسف مشاعره وهو يأتي إليه بما يُخرجه من سجنه بقوة لا بضعف.

الساقي لا يدري بأن يوسف يحمل نمطا فكريا مغايرا له. إنه لا يريد أن يخرج من السجن قبل أن تتجلى كل الحقيقة في أنه ظُلم ولم يكن مستحقا للسجن. ساقٍ أخطأ فسُجن فخرج من السجن بعد بشارة يوسف له بالعودة إلى بيت الملك ساقيا شخصيا له، يلتقي بسجين لم يرتكب خطأ ما وانما لأُنه كان نظيفا تقيا صالحا متغلبا على طغيان الشهوة ومفضلا السجن على معصية الله تعالى.

ولننظر إلى ما حصل أمام يوسف فقد نطق الساقي المرسل من قبل فرعون مصر إلى صاحبه في السجن بالكلمة التي اختارها وصفا ليوسف:

يوسف، أيها الصديق.

قرأ يوسف كل الحكاية من لقائه الثاني مع صاحبه حُرًّا رسولا من الملك وهو سجين قابع في السجن عدة سنوات.

عرف يوسف بأن الله تعالى قد أكمل تأديبه وأعده لأن يمارس مهمته من جديد وهو في طريقه إلى أن يجلب الكرامة والعزة لبني يعقوب.

شعر يوسف بأن الله تعالى لم ينسه وبأن صاحبه في السجن قد نسيه فكان عليه أن يعرف كيف يشكر ربه وكان عليه ألا يفتخر بأسرته وآبائه بل يفتخر بأنه عبد مخلص لله تعالى.

فكر يوسف، كما أحتمل، كثيرا في ما حصل لصاحبيه القديمين في السجن وفي أن ما حصل للناجي ليس نسيانا حقيقيا وليس صاحبه مقصرا ولكن المقصر هو يوسف الذي لم ينتظر أن يُكمل له ربه مكرمته فيعود إلى أسرته إسرائيل وبني إسرائيل من جديد وقد اجتباه الله تعالى عليهم جميعا.

قال له أبوه بأن ربه سوف يجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث وقد علمه ربه ذلك قبل أن يدخل السجن.

عرف يوسف بأن السجن كان ضمن الطريق ولكنه لم يكن لفترة طويلة ولم تنو أسرة العزيز أن يسجنوه لهذه المدة الطويلة ولكنه هو الذي أخطأ.

لننظر إلى ما حصل بين شخصين يحملان فكرين متغايرين تمام التغاير ولكن يوسف مسيطر على فكر الساقي ويقرأ ما يجول في نفسه بعكس الساقي الذي كان غافلا تماما عما يجول في خاطر صاحبه في سجنه القديم.

عرض الساقي رؤيا ربه على يوسف طالبا منه رأيه في تأويل ذلك المنام الخطير. لم يقل الساقي بأن الذي رأى المنام هو الملك ولكن يوسف عرف بأن الملك هو الذي رأى المنام.

إن نظرة الساقي في ما يراه أمام عينيه ولكن نظرة يوسف في من يحيط بكل شيء و يهيأُ الأسباب لتنفيذ سياسته في عبيده سبحانه وتعالى. إن دائرة النظرتين مختلفتان ودائرة يوسف أوسع جدا تصل حد إرضاء الله تعالى.

هذا هو الفرق بين الذي يهديه الله تعالى والذي يسير خلف مصالحه الآنية. إن هداية الله تعالى تشمل كل شيء في الدنيا بما فيها حقوق الغير وسنرى حينما يفسر المنام كيف أضاف إلى الرؤيا مفاهيمه العلمية ومعرفته بمالك الملك جل جلاله.

سمع يوسف جزئيات المنام من الساقي. رأى عظيم من عظماء مصر سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. لقد تكرر العدد ثلاث مرات على الأقل ولعله عد الرابع أيضا ولكنه لم يخطئ في أن يعد ثلاث مرات فهو منام حقيقي ينبئ عن أمر يهم مملكته.

مصر بلد زراعي يعتمد على النيل العظيم في زراعته ويعتمد على الأبقار مصدرا أساسيا للألبان واللحم والمصنوعات الجلدية وكذلك في حراثة الارض. أنا أحتمل بان الأحداث المشار إليها كلها وقعت في مصر المعروفة بيننا اليوم وليس في مكان آخر كما احتمله البعض .32

البقرة السمينة لأهل مصر تعني الخير والرخاء الذي يتعدى الناس فتسمن أبقارهم أيضا. هذا الخير هو الخير الزراعي الذي يساعد البقرة على السمنة. فالذي قدر المنام سبحانه أراد أن يبلغ النائم الذي يرى نفسه مسئولا عن طعام الشعب الذي يعيش في أرض مصر، بأن هناك جدبا زراعيا بانتظار البلاد. فالبقرة حيوان معتمد على العشب، وسمنتها تعني وفرة النبات والزرع. وأما السنبلات الخضر فهي تشير الى الثروة النباتية، لتشمل أكل البشر بجوار طعام البقر. فسوف تكثر الغلات واللحوم لأهل مصر في أعوام الخير.

ثم يأتي بعد ذلك دور البقرات العجاف. والعجاف كما يقول أرباب اللغة جمع للأعجف والعجفاء وهما ذكر وأنثى الحيوان الذي ذهبت سمنته.

وقد صرح القرآن الكريم بأن الملك رأى سبع بقرات سمان ولم يصرح بأنه رأى في المقابل سبع بقرات عجاف. فلو كانت العجفاء تعني التي زالت سمنتها، فكيف عرف الملك ذلك في المنام؟ ثم إن المنظر مخيف فعلا أن ترى آكلة عشب تأكل مثلها قبل أن تنتبه إلى أن الآكل نحيف والمأكول سمين! ثم لا ندري كيف رآهن حتى تمكن من عدهن بكل دقة؟ لعله رآهن في صف واحد وخلف كل واحدة بقرة ضعيفة تأكل أختها السمينة.

ومما لا شك فيه أن الآكلات أبقار ولو أن الله تعالى لم يكرر ذكرها مكتفيا بالذكر الأول على أن الموضوع مكرر مرتين في السورة لأهميته على ما يبدو. ولعل السبب هو أن يوضح لنا سبحانه تعجب الساقي حينما قام بذكر المنام، ولعله سعى إلى عدم تغيير اللفظ الذي سمعه من الملك حتى لا يُربك المفسر.

فلو أنها كانت مصفوفة وخلف كل واحدة آكلتها فهي تعني عام خصب وعام جدب فكيف فسرها يوسف بسبع سنوات خصبة تتلوها سبع سنوات جدباء؟ ولو أراد الله تعالى أن يري الملك بأنها سبع متتالية عن طريق الأبقار السمان ثم العجاف فكيف يمكن ذلك؟!

إن السنبلات ترد على هذا الإبهام. إنه رأى بجوارها سبع سنبلات خضر فعرف يوسف بأن الحديث عن الأرض وبأن السنوات متتالية لأنه رأى سبع سنبلات خضر بشكل الأبقار من حيث الصف.

فرأى الأبقار مصفوفة ورأى بجوارها سنبلات مصفوفة أيضا. ثم إنه عليه السلام تعلَّم من المنام بأن السنبلة لو تركتها لتيبس مع حباتها فإنها تحافظ على الحب حتى لا تتعرض للمؤثرات الخارجية. ولذلك فكر في أن الحل هو أن يحافظ على السنبلات في مكان بارد لتقوم السنبلات بصيانة الحبوب.

كما أنه عرف بأن السنبلة حين الفصل عن الحب تكون مناسبة للمواشي والحبوب للبشر فهكذا يحتفظ بغذاء الحيوانات حتى لا تخلو الأرض من اللحوم كما يحتفظ بالحبوب لتزويد الشعب بالغلات الضرورية للحياة.

وقبل أن نكمل تفسير المنام الذي قدمه يوسف لصاحبه، دعنا نتحدث عن المقطع الأخير من الآية حيث أضاف الساقي المرسل من طرف الملك:

لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون.

يظهر لنا من تعبير الساقي وتمنيه المكرر مرتين لعلي ولعلهم، بأنه كان حريصا على إخراج صاحبه من السجن لأنه الذي بشره بالسقاية وبالخلاص من السجن ولأنه خجلٌ من أنه نسي قصة صاحبه طيلة السنوات الماضية.

أراد الساقي بأن يوحي إلى يوسف بأن نسيانه كان مفيدا فهكذا وبعد أن يفسر يوسف هذا المنام الغريب سوف تكون معرفتهم بأهمية يوسف كبيرة أكبر بكثير مما لو قال لهم بأن يوسف فسر منام الساقي والآخر فنجى الساقي فعلا وصُلب الآخر فعلا.

أين منام الساقي وصاحبه من منام ملك البلاد، وأين أهمية هذا المنام وغرابته من غرابة حلمه؟ فكأنه طلب من يوسف أن يهتم بتفسير هذا المنام ولا يلومه على النسيان فما حصل كان خيرا له.

ومما لا ريب فيه أن يوسف بكياسته قرأ ما يُخفيه الساقي في قلبه فلم يعبأ أيضا. وسنعرف ذلك لاحقا .

( هامش 32 :   إن البقرة من معالم مصر وليست من معالم اليمن كما ظنّ البعض ولا من معالم عسير كما ظن البعض الآخر. والملك هو أحد فراعنة مصر ولكن الله تعالى سماه الملك تمييزا بينه وبين فرعون المتجبر الذي عاصر موسى. ففرعون يوسف رجل مسالم نسبيا وكان يؤمن بالله تعالى وهو وحده العليم بحق. قالوا بأن مصر تعتمد على النيل وليس على الأمطار ولكنهم نسوا بأن مصر تعتمد على فيضان النيل والفيضان يعتمد على الأمطار. كان المصريون يحتفلون بالفيضان لأنهم بدونه يواجهون الجدب. لنتصور غياب الأمطار عدة سنوات فسوف يجف النيل قطعا. وسنعرف المزيد بعد بيان التأويل. ثم إن الله تعالى لم يصف ملوك الأرض بالرب عدا فرعون موسى وملك يوسف. ولذلك فهو فرعون مصري كما أظن. والعلم عند الله تعالى. نهاية الهامش 32)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/