يوسف أيها الصديق ح 23 – التمييز بين الصادق والكاذب من المنامات


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 23 – التمييز بين الصادق والكاذب من المنامات

لقد دعاه الملك ليبين له تفسير حلمه ولكن هذا العبد المتعجل الصالح الذي لم يتمكن من أن يصبر قليلا فلا يبدي مشكلته لعبد من عبيد الله في السجن قد تغير كثيرا. إنه الآن أبى أن يخرج من السجن وطالب بالكشف عن سرّ سجنه وحافظ على حبه للعزيز فلم يشتك عليه عند الملك.

هكذا يؤهل الله تعالى أنبياءه لحمل رسالته. كل الأنبياء مروا بمراحل اختبارية كبيرة لتتزكى نفوسهم وتتطهر قلوبهم ويتعلموا كيف يكلِّموا العالمين. ليس في منطق الرحمن من يُولد عالما ويُعين نبيا أو أفضل من الأنبياء بزعم البعض بدون أن يتعلم في مدرسة الرحمن.

حتى يحيى الذي آتاه الله الحكم صبيا فالحكم لا يعني النبوة وليس هناك حديث عن رسالة يحيى في القرآن.

كانت مهمته الكبرى أن يصدق برسالة المسيح ويقيني أنه قد فعل. لكن الحكم مرحلة عملية لتنشيط القوة المدركة وهي تسبق النبوة وليست خاصة بالأنبياء بل هناك الكثير من الناس يميزون بين الصحيح والسقيم في صباهم.

فكل الأنبياء يمرون بمرحلة القدرة على الفصل بين المسائل حتى يتمكنوا من استلام الوحي وإلا فكيف يميزوا بين وحي الرحمن ووحي الشيطان؟ حتى العبقري الكبير عيسى بن مريم فإنه مر بمراحل اختبارية حتى قام ربه بتفعيل النبوة في وجوده. وقد أبلي عليه السلام بلاء حسنا.

انتهى اختبار يوسف في السجن وأتم دراسته المتميزة بنجاح فجاءه الفرج من الله تعالى. لقد كانت فراسته صحيحة وكان الشاب السجين هو الذي سيقوم بالوساطة ولكن ليس بما تراءى له بل بشكل آخر كما سنرى بعد قليل.

وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴿43﴾.

بدأت المرحلة الجديدة من صناعة بني إسرائيل. لقد رأى الملك المصري رؤيا غريبة لا يمكنه أن ينسبها إلى الخيال والوهم. يبدو أن منامه كان طويلا غير مقرون بالأوهام، فشعر بأهميته وصحته .30

(هامش 30 :   التمييز بين الصادق والكاذب من المنامات:

لعلّنا جميعا رأينا منامات. ولعلّ بعضنا فكر وسعى لمعرفة جذورها. بالطبع أن الغالبية احتمالا يكتفون بعرض مناماتهم على الغير طالبين التأويل ولكن هناك الكثيرون – عدديا لا نسبيا- يسعون لمعرفة حقيقة الظواهر التي يمرون عليها.

ولعلّ الكثيرين منا رأوا رؤى وشعروا بأنها من نسج الخيال وبأنهم يرون الصور المحفوظة في أذهانهم مع حركات بسيطة في جسم الصورة.

ومع تطور علم التصوير وقدرة الآلة على اللعب في الصورة فإن مسألة الحركات المختلفة للصور المحفوظة في أذهاننا باتت محلولة.

إن الدماغ أقوى بكثير من الآلات الحاسوبية التي نستعملها لتحريك الصور ولصناعة الرسوم المتحركة مثلا. لكن بعض الرؤى أكبر من أن يكون مجرد تحريك خيالي للصور المحفوظة في الذهن. و بما أني لست خبيرا وليس لدي الوقت الكافي لوضع جدول يوضح أنواع الرؤى كاملة غير منقوصة، فإني أكتفي بذكر بعض الأنواع مما يمر بذهني القاصر لعلها تساعدنا على التمييز بين الرؤى المختلفة.

وليكن معلوما بأنني أؤمن بصحة القرآن الكريم وبأنه كتاب الرحمن وبأنه الصحيفة الوحيدة المحفوظة بكل جملها بقوة العزيز الحكيم عز اسمه. ولذلك فإني أهتم كثيرا بمقولات القرآن أكثر من الدراسات التي تمت خارج نطاق الكتاب الكريم. فلنذكر بعض أنواعها لتتفتح أذهاننا فقط.

ولا بد من معرفة أننا نرى المنامات بغير عيوننا التي تكون مغمضة حين الرؤيا. هذا دليل باهر على أن الإنسان أكثر من هذا البدن الفيزيائي الذي نلمسه ونشعر به. كل إنسان يشعر بأنه هو الذي يرى في المنام فهو يرى الشيء بنفسه التي تمثله بالكامل.

ومن الطبيعي أن نعرف بأن الرؤية النفسية ليست شبيهة بالرؤية العينية فلا يمكن أن يتصور أحد بأن للنفس عيونا ترى ولكنها رؤية طاقوية شبيهة بحساسية الإلكترونات التي ترى الأشياء بطريقتها الخاصة.

والنفس لابد أن تكون كائنا طاقويا كالجن أو الملائكة، فهي تتحسس الأشياء باعتبار تماس إشعاعاتها معها، ولكني أحتمل بأن الذي يفسر لنا ما نراه في المنام هو الدماغ.

فالنفس التي هي الإنسان بحقيقته تنقل حينما تعود إلى البدن بعد اليقظة الصور والمشاهدات إلى المخ الذي يستقبلها ويخزنها في خلاياه، النفس تقوم بذلك بهدف إبقاء حالة الاتحاد مع البدن.

ولذلك فلا يمكن أن نتصور بأن ما ننقله للغير وما نشعر به بعد اليقظة هو عين الذي رأيناه في النوم. لعل المخ يفسر الصورة النفسية لنا أو أن النفس تفسرها للمخ الإنساني. ولذلك فإن الارتباك في النقل متوقع بشدة. 

فحينما نرى مناما دقيقا ينطوي على أرقام نتمكن من عدّها بالكامل فإننا سنشعر بأن هذه الرؤى ليست من نسج الخيال. دعنا نستعرض أنواعا من الرؤى والمنامات التي يمكن للبشر أن يروها وكما يلي: 

1.      أحلام نرى فيها الميتين من أفراد عوائلنا وأصدقائنا وبعضهم يحملنا رسائل لقومه وأهله وقرابته. هذه الأحلام مرفوضة قرآنيا ولا يمكن أن ننسبها إلا إلى الخيال المحض. إنها تمثل حركات وهمية للصور الذهنية فحسب. ذلك لأن الله تعالى لا يمكن أن يفتح باب ارتباط بيننا وبين الموتى. قال تعالى في سورة المؤمنون:

حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100).

والبرزخ هو الحدود الفاصلة التي تقطع سبل الارتباط. قال تعالى في سورة الرحمن:

مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ (20).

والبحران الكبيران هما ما نسميهما اليوم بالمحيطين الأطلسي والهادي والقارة الأمريكية التي بينهما تمثل البرزخ.

وقال سبحانه أيضا في سورة النمل:

إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80).

والآية بصدد الحديث عن عدم قدرة الرسول على منح الهدى لمن شاء ولكنها تستشهد بحقيقة علمية وهي أنه عليه السلام لا يمكنه أن يُسمع الموتى.

ولازم ذلك أن ينقطع الارتباط بيننا وبينهم. فتلك الرؤى مجرد خيال ولا حجة فيما يذكرونه من وصايا واعترافات للموتى بعد موتهم. كل ذلك من وحي الشيطان ليلعب في أذهان الأحياء ولا قيمة لمثل هذه الأحلام.

2.      رؤى نشعر بها أن الله تعالى يأمرنا فيها بالسلبيات. فهي مما لا يعتد به لأن الله تعالى لا يمكن أن يأمر بالسلبيات. مثال ذلك المنام الذي رآه أبونا إبراهيم عليه السلام فظنّ بأن الله تعالى يأمره بذبح ابنه.

بالطبع أنه كان يعيش قبل التطور الفكري وقد أثبت بجدارة أنه يحب الله تعالى أكثر من أبنائه وحتى نفسه وقد جزاه الله تعالى خير جزاء لثبوت إيمانه العميق بربه. يجب أن نعلم بأن الذي يأمر بالسلب هو الشيطان ومن يسير على دربه ولكن الله تعالى وملائكته لا يمكن أن يوحوا بالسلبيات. إنه سبحانه إيجابي محض وملائكته لا تطيع غير الله تعالى فلا يمكن أن ننسب مثل هذه الأحلام إلى الله تعالى.

3.      رؤى نرى فيها الحقائق العلمية بدقة فهي أحلام صادقة لا يمكن أن يوحي بها الشياطين. إنها من وحي الرحمن أو ملائكته وهي مفيدة ولطالما انتظر العلماء والمفكرون حصولها لهم ليحلوا مشاكلهم العلمية.

إن الإنسان ينطوي على مكنونات ذهنية ورثها من الغير أو اكتشفها بنفسه؛ وحينما يواجه مشكلة جديدة بكل معنى الكلمة فلا يجد في محفوظاته الذهنية حلا لها فإنه لا محالة يسعى للارتباط بالغيب لكسب المعرفة والوصول إلى الجواب الصحيح. والله تعالى هو الذي يتولى إلقاء المعلومات الجديدة التي يحتاج إليها عبيده ليخدموا البشرية.

4.      رؤى نرى فيها أخبارا مستقبلية قريبة الوقوع مثل موت شخص أو شفائه أو حصول حريق أو سرقة أو اغتصاب أو احتلال أو تحرير أو زواج أو كسب مال أو ثروة قريبة. أظن بأن هذه الأحلام لا يعتد بها بادئ ذي بدء لأن الله تعالى لا يُخبر الناس بما سيفعله غدا ولكنه يخبر الأخبار المستقبلية البعيدة أحيانا ليتهيأ الناس أو المسؤولون لها.

فإذا أراد الله تعالى لشخص أن يموت بعد أيام باعتبار أنه مبتلى بالسرطان في كبده مثلا ولا يمكن علاجه ولا يريد سبحانه أن يمن عليه بعلاج خاص أو عكس ذلك فإنه سوف يموت بعد ساعات أو يشفى بعد ساعات أو أيام قليلة؛ فإنه لا يبلغه لعدم الضرورة. لكن الذي يقوم بإبلاغ مثل هذه الأخبار هو الشيطان احتمالا لأنه يريد أن يستفيد منها لصالح أهدافه الشريرة فيبلغ أحد أتباعه عن طريق الأحلام. وهي ليست صادقة دائما لأن اللعين ليس على علم دقيق بما سيحصل ولو رأى بعض آثار المستقبل لكنه لا يخسر شيئا بل الذي يخسر هو البشر الذي ينقل رؤياه للغير.

والشيطان يعرف ذلك أحيانا لأنه يرى الملائكة فيعلم من تصرفاتهم بعض الأخبار المستقبلية القريبة. إن الملائكة الموكلين بنا لا يعلمون شيئا عن المستقبل البعيد. الذين يعلمون أكثر من هؤلاء لا يعيشون بالقرب منا بل هم بعيدون جدا والشياطين ممنوعون من الاقتراب منهم. حينما كانوا يخبرون أولياءهم ببعض الأخبار الغيبية فإن الأنبياء كانوا موجودين لإحباط مقولاتهم ولكن بعد ظهور خاتم النبيين منعوا من الارتباط بالعوالم البعيدة للملائكة تثبيتا لعدالة السماء في غياب الأنبياء.

5.      رؤى يراها القليل النادر من الناس حيث يشاهدون في منامهم قضايا حصلت في نفس اللحظات التي كانوا نائمين ولكن في مناطق نائية وبعيدة. ثم تتجلى لهم بأنها كانت حقيقية.

هذه الأحلام صادقة تؤكد لنا بأن النفس مختلفة عن البدن وبأنها تترك البدن حين النوم أو تشعر بعدم الالتزام بالبقاء في البدن. والله تعالى يؤكد لنا في القرآن بأنه سبحانه يتوفانا حين النوم ومعناه بأنه سبحانه يعيدنا إلى فقدان الاختيار تماما مثل الملائكة الذين يعبر عنهم بالذين عند ربهم كما سنكون عليه بعد الموت وفي الحياة الأبدية.

ذلك لأننا صُنعنا بطاقة رب العالمين ثم يرسلنا مرة أخرى إلى الدنيا بعد اليقظة لنكمل مسيرتنا الإختبارية. قال تعالى في سورة الزمر:

 اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا؛ وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا؛ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ، وَيُرْسِلُ الأخرى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42).

ولا ضير أن نعرف بأن النفس موجود طاقوي يسير بسرعة كبيرة لا تقلّ عن سرعة الضوء. إن أغلب الاحتمال عندي بأنها أسرع من الضوء والسبب في هذا الاحتمال هو أنني لاحظت بأن النفس تعود فورا إلى البدن بمجرد سعي الغير لإيقاظ النائم.

أما الرؤى التي تكون من وحي الشياطين وهي كثيرة، أو التي تكون من وحي الخيال البشري نفسه فهي مبثوثة إلى النفس حال عودتها إلى البدن احتمالا. ونعرف بأن للنوم مراحل متعددة ومن الصعب معرفة طول كل مرحلة. وأكثر العلماء الجدد يظنون بأن الرؤى تحصل في المرحلة الأخيرة من النوم بحيث يكون المرء قريبا من اليقظة. والشيطان يبعث بوحيه على شكل وحدة متكاملة ليضمن وصولها إلى النفس بالسرعة الممكنة. ولذلك فإن وحي الشياطين إما أن يكون قصيرا أو أننا نراه متقطعا. ولو نلاحظ فان منام إبراهيم كان قصيرا جدا فقد خُيل له بأنه يقتل ابنه دون أرقام ودون تفصيلات.

6.      رؤى ترد على بعض أصحاب الشأن وتريهم بعض المسائل الكبرى التي ستحصل في المستقبل ليستعدوا لها. هذه الأحلام تمثل وحي الرحمن لمساعدة البشر وهي صادقة. وعلامتها أنها مركزة وتنطوي على أعداد دقيقة. مثال ذلك المنامين المذكورين في سورة يوسف ليوسف والملك. كلاهما ينطويان على أرقام مما يدل على أن الذي رآهما تمكن من عد الأفراد الذين ظهروا له في المنام. فيوسف رأى إخوانه وعدهم ولمسهم بالعدد الكامل دون زيادة أو نقصان. وأما الملك فإنه رأى الأعداد أربع مرات في منام واحد. إنه رأى سبع بقرات سمان ثم سبع بقرات عجاف ثم سبع سنبلات خضر ثم سبع سنبلات يابسات. لقد تكرر العدد أربع مرات وتمكن الملك من أن يعدها في كل مرة فهو منام صحيح يجب الاعتداد به عقليا.

وأما الرؤى التي رآها رسولنا محمد (ص) فلا نعلم عن تفصيلاتها شيئا. لقد أشار الله تعالى إليها دون تفصيل. فلا بد أن تنطوي على مسائل دقيقة تنبئ عن صحتها ولعلها أرقام أو أشياء أخرى. ولعل السبب في أن الله تعالى أشار إليها في القرآن ليقول بأن الرسول لا يستلم كلمات قرآنية غير القرآن نفسه. ولعله لا يستلم وحيا غير القرآن ولذلك كان يستلم الوحي المنامي لمسائله الكبرى دون الوحي القرآني الذي هو أكثر وضوحا بالضرورة. إنه موحى للناس جميعا عن طريق الرسول الأمين. نهاية الهامش 30.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

الإعلانات

يوسف أيها الصديق ح 19 – العبادة الحق ، والتطور


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 19 –  العبادة الحق ، والتطور

يضيف يوسف:

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿40﴾.

يريد يوسف أن يحل مشكلة التوارث التي خدع الشيطان بها عباد الله تعالى. فكل المتدينين وغير المتدينين من الذين يؤمنون بالله تعالى يهتمون بالتراث الذي وصلهم من آبائهم.

هكذا ينتفي دور العقل بين أهل الديانات ويصبحون فريسة للطامعين من المخادعين والضالين المضلين . 21

لقد شرح  يوسف لصاحبيه كثيرا من المعاني المتعلقة بالعبادة، ولكن الله تعالى يختصر الموضوع بقوله:

إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم.

ومعنى ذلك أن السير التطوري الطبيعي و الحقيقي من الحاضر إلى المستقبل قد انقلب في أذهانهم وأصبح من الحاضر إلى الماضي.

كان عليهم أن يفكروا في مقولات الآباء ولا يتعاملون معها على انها حقائق ثابتة. آباؤنا ونحن وليس نحن وآباؤنا. فلو انتقلت المعلومة من أبي إلي وفكرت فيها لأستبين حقيقتها فإني سأجد الكثير من السلبيات فيها، باعتبار التطور الطبيعي لمن يلحق على من مضى.

هكذا ينتفي التقديس ونضع كل شيء في اختيار العقل والفكر متحررين من كل قيد من الماضي.

والغريب أن الناس يرون التطور العلمي الطبيعي ويستعملون النعم الجديدة التي أباحها الله تعالى لهم بعد أولئك الأنبياء الذين ماتوا ولكنهم يقولون بأن الذين مضوا أكثر منا علما!

لو قلت لمسلم معاصر بأنه قد يكون أعلم من أحد الانبياء في حقل معين من حقول العلم مثلا لرأيته يرتعش خوفا وذعرا من أنه سمح لك بالتفوه بمثل هذا الكلام.

إن الناس ينسون بأن الله تعالى الحي القيوم يطور الناس فلو كان انبياء الله تعالى الماضين أعلم منا فهذا يعني بأن الله تعالى لم يطورنا.

إنهم ينسبون الفشل إلى الله تعالى لتقديس نبيهم. ذلك لأنهم يظنون بأن آباءهم أكثر منهم علما وفضلا. ولذلك أعقب يوسف:

ما أنزل22  الله بها من سلطان.

ويعني ليس لأولئك أية سيطرة عليكم وليس لهم أي سلطان من الله تعالى بل إنكم أنتم الذين تفرضون لهم سلطانا وقوة.

هذه حقيقة قَلَّ من يفكر فيها مع الأسف على أن من السهل فهمها.

لو ننظر إلى مراكب الأقدمين في البر والبحر ونقارن بينها وبين مراكبنا التي تسبح اليوم في  الأجواء بل وحتى في الفضاء الخارجي سنرى بكل بساطة أن نظام الألوهية لم يضع للقِدم سلطانا بل سلط الجديد على القديم.

وحقيقة الأمر أن البشر لا يملكون شيئا بل إنهم مملوكون بأنفسهم لله تعالى فكيف ننصاع لحكم البشر وخاصة الذين ماتوا منهم؟.

ثم يوضح ذلك بأن نظام الألوهية هو الذي يسيِّر الأمور وليس هناك أمر بيد البشر فيقول:

إن الحكم إلا لله.

والحكم معناه الخطاب الفاصل الذي يميز الذي يجب أن يكون من الذي هو كائن فعلا. فالكائن فعلا قد ينطوي على ظلم وإجحاف نحتاج معه إلى معرفة الحقيقة والذي يعرف الحقيقة هو الله تعالى وحده وليس غيره.

ذلك لأن معرفة الذي يجب أن يكون تحتاج إلى معرفة الكائنات وإمكاناتها ومعرفة المتغيرات ومداها وكلها واضحة لله تعالى لأنه هو وحده الذي يقدر كلَ شيء ويقضي بما يشاء أو بما يريد.

والمحتاج بطبيعته يخضع للمنعم ويلوذ به عند الشدائد. ومن رحمة الله تعالى أن يهدي المختارين من عبيده ليلتمسوا الحق من مصدره ولذلك قال يوسف متابعا:

أمر ألا تعبدوا إلا إياه.

هذا الأمر بالنسبة لنا نحن البشر أمر تشريعي ليعلمنا الطريق الصحيح لمعرفة الحقيقة ولكسب الهدى ثم لنجني ما هو مقدر لنا من نعم الله تعالى . 23

(هامش 21: ولنبدأ ببيان مختصر لمفهوم العبادة فإن إبليس اللعين الرجيم قد غيَّر مفهوم العبادة في أذهان المؤمنين حتى ظن الأكثرية بأن العبادة تعني الصلاة أو ما شابهها من الممارسات العبادية المعروفة.

والواقع أن العبادة تعني الخضوع وتتمثل غالبا في الحب المفرط والطاعة العمياء والشكر الجزيل.

فكل عمل من الأعمال الثلاثة يصل حد الخضوع فهو عبادة باعتبار أن العابد يشعر بفقدان الإرادة أمام المعبود وبأن عليه أن يخضع مطيعا شاكرا محبا.

ولذلك يصفون احيانا العشق المفرط بين المغرمين من النساء والرجال بأنه حب عبادة.

والعبرة فيه أن المحب يطيع المحبوب دون تردد ولا تفكير أو اهتمام بالعواقب.

والعبادات التي نراها في معابد الذين يتخذون الأصنام وسيلة للارتباط بالله تعالى هي عين العبادات التي نراها في المزارات المعروفة وحتى الكثير من الزيارات التي يقوم بها المسلمون أمام قبر رسول الله عليه السلام معتبرينه حيا يسمعهم ويرد عليهم ولكنهم هم الذين لا يسمعونه، كلها أمور ينطبق عليها مفهوم العبادة دون أدنى شك.

وعبارة “من دون الله” تعني عادة، غير الله تعالى أو تعني ضد الله تعالى كما قال سبحانه في سورة البقرة:

 مِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167).

ولكن العبارة في آية سورة يوسف تعني غيره سبحانه. فعُبّاد الأصنام يعبدون الله تعالى أحيانا ولكنهم يحبون ويفضلون الخضوع للأصنام. والأصنام مثل القبور، تشير إلى ذوات مقصودة وتكون الذوات عادة من الملائكة.

وأما عجل السامري فكان يشير ويرمز إلى موسى الرسول وقد اتخذوه معبودا حتى يرجع إليهم موسى. والعبادة المشتركة بأي شكل هي في حقيقتها عبادة المشركين.

إن كل من يعبد غير الله تعالى يظن بأن للمعبود المخضوع له يدا في التصرف بالمتغيرات، وهو خطأ.

إن المتغيرات جميعها بيد الله تعالى حتى التي نراها بيد البشر. لو ننظر في أعماق الحركات الكبرى والاحداث التي تقع في الأرض كالحروب والفتوحات والصناعات الكبرى والمتاجر والمباني الفاخرة والأنظمة والتشريعات المتطورة فإنها جميعا تسير وفق نظام تطوري واحد ولو أن هناك أشخاصا من البشر يديرون هذه الحركات الكبيرة.

فنرى هناك رقعة جغرافية محدودة وقعت تحت سيطرة المسيحيين ومثلها تحت قيادة المسلمين ومثلها تحت النفوذ البوذي على الرغم من أن جميع أصحاب الديانات الكبرى سعوا حين قدرتهم على تحويل كل الأرض إلى عقيدتهم ليسودوا فلم يفلحوا.

نرى بأن هناك مجموعات قوية من الدول المتحدة معا، ولكن ليس لأية مجموعة أن تحكم الأرض منفردة، بل إنها محتاجة لبعضها البعض، كما نرى في المقابل أن أية مجموعة تتعدى حدا من القدرة والقوة والتسلط فإنها تسقط كما سقطت الحكومات الأموية والعباسية والعثمانية وكما سقط الفرس والروم والمغول وغيرهم.

أن خيرات الأرض موزعة توزيعا دقيقا فكل أمة في الواقع قادرة على أن تتحكم في دخلها على أساس الثروات الطبيعية الممنوحة لهم من قبل قوة غيبية ولكن الشعوب تتكاسل أحيانا فيعمها الفقر أو تتصارع فيما بينها فتخسر وتفشل.

ونرى بأن القوى الكبرى مع علمها وإمكاناتها التقنية، تخطئ كثيرا وتخسر كثيرا مما يدل على أن المدير العام جل جلاله لا يريد لها السيطرة الكاملة.

نرى بأن هناك الكثير من الأمراض والعاهات الكبرى تظهر على وجه الأرض فتخلق الذعر بين البشر ثم تزول دون أن نعرف في الواقع كيف أتت وكيف انتشرت ثم كيف زالت أو خفت خطورتها. فهل يمكن أن نتصور بأن هذه المتغيرات بيد غير الله تعالى المحيط المهيمن؟.

إن البعض يعتبر الأولياء أقوياء ووسائط للرحمن وسادة وملوكا ويخضع حتى لرفات عظامهم وقبورهم، ويظن بأن لهم خطرا كبيرا، والواقع أنهم ضعفاء لا حيلة لهم. قال تعالى في سورة يونس:

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36).

إن القدماء غلوا في بعض الأشخاص فانتقل الغلو بمساعدة الشياطين إلى أبنائهم وبقي ينحدر بينهم من جيل الى جيل، وكلما ابتعدوا عن حقيقة الأشخاص وهم في غمرة الغلو فإن السلبيات الطبيعية زالت من صور تلك المسميات ولكن الإيجابيات الوهمية بقيت وتلألأت وتطورت شيئا فشيئا في عالم الظن والخيال.

ثم تحولت المسميات إلى مقدسات لا يسع المرء أن يفكر مجرد تفكير في إمكانية الشك في قدسيتها، بل عليه أن يتقبلها فهي رموز الأمة وعناوين الملة وبغيرها يموت الناس وينقطع ارتباطهم مع ربهم!. والحقيقة أن كل الأشخاص من البشر، مهما كانوا متسامين ومترقين في درجات العبودية و الخلوص فهم كانوا يأكلون الطعام ويشربون وينامون ويُحدثون فيغسلون ويجنبون ويغتسلون.

إنهم جميعا ضعفاء أمام القدرات الطبيعية وأمام الأمراض بنص القرآن. إنهم جميعا ماتوا ولم يتمكنوا من دفع الموت عن أنفسهم. كل مظاهر الضعف هذه زالت من الأذهان وحلت محلها العظمة والقدرة والتفوق والسمو.

إن الموتى جميعا أحياء عند ربهم وليسوا أحياء عندنا وهم لو كانوا مؤمنين فهم يُرزقون الأمان من الخوف ولو كانوا كافرين فاسقين فسوف يُصيبهم الخوف والذعر من مستقبل الحساب أمام ربهم لا غير.

ليس للموتى أن يعرفوا عنا شيئا كما ليس لنا أن نعرف عنهم شيئا وهذا معنى البرزخ الفاصل بين الحياتين الدنيوية والأخروية. وكل هذه المفاهيم موضحة في كتاب الله تعالى. نهاية الهامش21)

(هامش 22:   الإنزال في لغة القرآن يعني التدرج التطوري من حيز القوة والامكان إلى حيز الفعلية. قال تعالى في سورة الزمر:

خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6).

فالله تعالى طور الأنعام من حالة إلى حالة ولم ينزلها من علو إلى أسفل كما أنه سبحانه ينزل الغيث بمعنى أن المطر يتحول من حالة الجمود إلى حالة السيولة بعمليات طاقوية تتم داخل الغيوم حتى تجذبه الأرض وليس هناك بحر من المياه في السماء فينهمر منها حينما يفتح الله تعالى صمامات البحار السماوية مثلا. فحينما يستعمل الإنزال فهو يتضمن معنى التطور بصورة طبيعية.                   نهاية الهامش 22)

(هامش 23:   لمزيد من التوضيح: فإن الكائنات برمتها خاضعة لوجه القدوس جل جلاله ونحن نحتاج كثيرا إلى هذه الكائنات فلو أننا خضعنا بإرادتنا لمن تخضع له الكائنات جميعها فإننا نقع في الطريق الواضح الموصل إلى الهدف الذي نتوخاه. ولكننا لو سعينا لنفس الهدف من طريق أخرى فقد نضل وقد لا نصل أو تطول بنا الطريق.

أما قولنا بأنه أمر تشريعي فباعتبار العبادة التي تمثل الخضوع الاختياري ولذلك أمرنا أن نأتي بها بمحض إرادتنا. أما الكائنات غير المدركة أو المدركة غير المختارة فهي جميعها خاضعة لوجهه سبحانه جبرا وفاقدة للإرادة أمام حكم الجبار العظيم جل جلاله.

وليكن واضحا أيضا أن الملائكة المكرمين لا يعبدون الله تعالى بل يسجدون له؛ وأما قوله تعالى بأنهم:

 لا يستكبرون عن عبادته

فهو ليس باعتبار الفعلية بل باعتبار القوة. ذلك لأن الله تعالى قادر على أن يعطيهم الخيار إن شاء فيصيرون ملائكة يمشون على الأرض مثلا. والآية واضحة في حصر العبادة والخضوع بالذات الإلهية. ذلك لأن الخضوع لا يجوز لمن هو مثلك.

وكل الكائنات المخلوقة ممكنة في ذواتها وفي أعمالها إلا الله تعالى الواجب في ذاته والذي لا يمكن لشيء أن يتخطى أمره سبحانه وتعالى. والكائنات برمتها مدينة له بأنه خلقها ويمدها بمقومات الوجود والحياة إن كانت من ذوات الحياة بشقيها الطاقوي والنباتي.    نهاية الهامش 23.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 17 – ملة إبراهيم وخطأ يوسف


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 17 – ملة إبراهيم وخطأ يوسف

نستكمل مع الآية:

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

المقطع :

إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون

عرفنا معنى المقطع الكريم وعرفنا بأن الواو قبل “هم” الأولى هي للحال ويعني حال كونهم كافرين بالآخرة. وتكرار “هم” ضروري حتى لا يلتبس على القارئ موضوع عطف “هم” الأولى على عدم إيمانهم الصادق بالله تعالى.

حينذاك سوف يكون المعنى بأنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله كما يكفرون بالآخرة ولكن مقصود الآية أن تقول بأن عدم الإيمان بالآخرة نتيجة حتمية لعدم الإيمان الحقيقي والصحيح بالله تعالى.

وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴿38﴾

هنا يكمن الخطأ الأكبر ليوسف برأيي. ذلك الخطأ الذي سلبه تلك العناية الخاصة التي ملأت حياته روعة وعلما وقرارات حاسمة ورائدة، وكان أجلاها في ذلك التقدير الدقيق لوصول العزيز في اللحظة الحاسمة قبل أن يقع يوسف فريسة سهلة في أحضان المرأة الماجنة.

(وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه، هو برهان الربوبية وليس برهان الألوهية). هنا وفي هذه اللحظة خسر يوسف شيئا كبيرا فلم يعد من عباده المخلَصين (بفتح اللام).

هنا وفي هذه اللحظة فُتح الباب على مصراعيه للشيطان ليضاعف الغرور الذي تمثل به أخونا الكبير يوسف بن يعقوب حفيد إسحاق وحفيد إبراهيم. إنها مشكلة كل أو غالبية بني إسرائيل. وسنرى في آخر المطاف وبتحليل بسيط أن إسماعيل الذي أبعده ربه عن التحفظات العائلية المورثة للكبرياء قد فاز على يعقوب الذي بنى أسرة عريقة كبيرة متمثلة في أولاده وأحفاده. حرية إسماعيل تغلبت على محافظة إسحاق.

ولعل أول من اهتم بالتحفظ العائلي هو ابنه يعقوب المعروف بإسرائيل. ولا يفوتنا هنا أن نلفت إلى أهمية الالتفات إلى ما يحكم علاقات اتباع الأديان الثلاثة من كراهية وشحناء فيما بينهم ونسعى جميعا الى إصلاحه ومحاولة القبول بالعيش المشترك في هذه الحياة الدنيا سيما وأننا نعود في الأصل الى جذور واحدة ونكون معا هذه العائلة البشرية الكبيرة. 

أضاف يوسف بأنه اتبع ملة آبائه وذكرهم بالاسم و هم إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وكما عرفنا فإن اتباع الملة لا تعني أن يقلد أحدا بل يسير على الخط العام لهم.

إنهم مشوا على درب التوحيد خاضعين لله ناسين غير الله تعالى ولكن سار كل واحد منهم بطريقته والتزم بمناسكه الخاصة. إن كل إنسان يعيش في محيط خاص به ومع أسرة ترتبط بكيانه الشخصي وكل مجموعة من الأسر يعيشون في وطن يخصهم ويحتضنهم ويساعدهم ليهنئوا ويؤدوا واجباتهم بسلام. وإن كل مجموعة من الأوطان تدين بدين وتؤدي واجباتها تجاه ربها ضمن إطار خاص بتلك المجموعة.

 فليس من الضروري أن يلبسوا جميعا مثل بعض أو يأكلوا ما يأكله الأكثرية أو يركبوا نفس المراكب أو يبنوا بيوتا على طرز واحد . 18

إن يوسف رجل مؤمن طيب القلب وفي غاية الخضوع والخشوع لله ولكنه مبتلى بما ابتلي به بنو إسرائيل من كبرياء. إنه بحاجة إلى أن يبقى فترة في السجن ليتطهر نفسيا ويشعر بالتواضع مع بني البشر فيترك كبرياء بني إسرائيل ثم يتأهل للنبوة.

أظن بأنه لهذا السبب بقي بأمر ربه وبتقديره الكريم سبحانه بضع سنين في السجن. لكن هناك نظاما ألوهيا يجب مراعاته لتبرير بقائه الفعلي في السجن. هذه العنجهية محفورة في قلوب بني إسرائيل قاطبة فهل يقدر الله تعالى لهم جميعا السجن؟

وحتى لا نظلم يوسف فإن موسى عاش فقيرا يخدم الغير عدة سنوات حتى جاء على قدر فمن صالح يوسف أن يعيش فترة في السجن ليأتي على قدر.

(هامش 18:  وهكذا ليس معنى هذا التشابه في الملة أن يطلقوا جميعهم اللحى مثلا كما يظن بعض المؤمنين. لو كان كذلك فإن النساء سيكن عاجزات عن اتباع ملة إبراهيم! وقد أمر الله تعالى المسلمين كما أمر أهل الكتابين السماويين من قبلهم أن يتبعوا ملة إبراهيم.

ملة إبراهيم تتميز بتوحيد الألوهية والخلوص لله وحده وليس شيئا آخر وهو المطلوب. فإبراهيم كان موحدا وهو في قصور العراق كما كان موحدا وهو مطرود إلى المجهول كما كان موحدا في الأرض المقدسة وموحدا أيضا في المدينة المحرمة. كذلك كان إسحاق وكذلك كان يعقوب وهما لا يعيشان حياة مشابهة لحياة إبراهيم.

وها هو يوسف يتبع ملة إبراهيم تحت عناية أبويه، يتبعه في الجب المظلم ويتبعه مسروقا بين يدي تجار مصر ويتبعه عبدا في قصر العزيز.

إنها ملة إبراهيم التي جعلته يطيع سيدة القصر في كل شيء مشروع ولكنه وقف أمامها ممتنعا عن الاستجابة حينما طلبت منه الفاحشة. قال تعالى في سورة البقرة:

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131).

فاتباع ملة إبراهيم يعني أن يسلم لرب العالمين كما أسلم إبراهيم وجهه له سبحانه وتعالى وليس أمرا آخر.

اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو يلبس ملابس الكنعانيين البسيطة كما اتبعه وهو يلبس ديباج القصور المصرية الفاخرة. اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو يعيش في أسرة النبوة كما اتبعه وهو عضو في أسرة مشركة. اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو حر طليق كما اتبعه وهو في ظلمات الجب أو في سجن مصر. قال تعالى في نفس سورة البقرة:

وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135).

 فإبراهيم أسلم إيجابيا لربه ومال عن قومه وترك شرك المشركين.

أظن بأن ربنا الرحيم قد وضح الملة الإبراهيمية بكل دقة وأزال كل غموض عن كيفية اتباع ملة إبراهيم. والمطلوب لكل من أتى بعد إبراهيم أن يتبع ملة إبراهيم لا غيره. وبعد حوالي 3000 سنة من يوسف عاد القرآن ليأمر محمدا بأن يتبع ملة إبراهيم أيضا.

لكن يوسف أضاف إسحاق ويعقوب على إبراهيم ليكبر أسرته. لسان حال يوسف بأن بني إسرائيل هم الصفوة الخيرة المتفوقة على بقية الناس فعلى الناس أن يحذو حذوهم. بل لسان حاله أن بني إسرائيل وحدهم يسودون الناس فعلى الناس أن يأتمروا بأمرهم.

إن وجود أمة مؤمنة مثل بني إسرائيل هو فضل من الله تعالى على بني إسرائيل وعلى الناس جميعا! نسي يوسف بأنه هناك في السجن لأن أولاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب من غير أمه قد أرادوا لأخيهم الموت فكيف يتعاملون مع بقية الناس؟! هل ذلك من فضل الله على بني إسرائيل وعلى الناس يا أخانا يوسف؟!.

 لقد ذكر لنا القرآن بأن يوسف فضل نفسه وأسرته على الناس ولم يقل بأن أولاد إسماعيل بمن فيهم نبينا محمدا قد فضلوا أنفسهم على الناس.

الحقيقة أن كل المسلمين يشعرون بأن محمدا هو صاحبهم وأخوهم الكبير ولكن لا زال اليهود بعد انبعاث نبي عظيم غير إسرائيلي وبقوة كبيرة، لا زالوا يعيشون الخيال والظن الإسرائيلي الجاهل الذي ورثوه من بني يعقوب.

والله تعالى لم يرفع أمة على أمة ولا إنسانا على إنسان بالوراثة. قال تعالى في سورة النحل:

 وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93).

وقال سبحانه في سورة الحجرات:

 يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13).

وقال تعالى في سورة الكهف مخاطبا خاتم النبيين:

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110).

لا يمكن توقع أن يفضل الله تعالى أحدا على أحد وإنما تقتضي ضرورات الابتلاء الإلهي أن يكون هناك تشابك غريب في أوضاع الناس لا تتجلى فيه حقائقهم وحقيقة فضل بعضهم على بعض. فالله تعالى أتاح لأبي سفيان أن يكون حاكما ويكون محمد تحت حكمه ردحا من الزمن كما جعل موسى يعيش عقودا تحت حكم الاقباط وهكذا.

وحينما أراد الله تعالى إرسال موسى إلى المصريين فإنه سبحانه قدر له أن يعيش حياتين إسرائيلية وقبطية ثم قدر له أن يعيش عقدا من الزمان بعيدا عن بني إسرائيل وبعيدا عن فرعون مصر الكبير.

هكذا جاء موسى على قدر بعد ما فقد هويته الإسرائيلية المحضة وأصبح قادرا على استيعاب الغير. إنه أُمر أن يبلغ فرعون والأقباط قبل بني إسرائيل ليعلم ويستيقن بأن الله تعالى الذي أرسله هو رب العالمين وليس رب بني إسرائيل فحسب.

لكن أباه يوسف الذي عاش الظلم الذي أورده عليه أبناء إسرائيل المباشرون في غيابت الجب والذي عاش الرق ولم يزل عبدا وهو في السجن فإن العنجهية الإسرائيلية لم تفارقه.          نهاية الهامش 18. )

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 16 – النبوة والكتاب


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 16 – النبوة والكتاب

والآن دعونا نفكر في المقطع الأخير من الآية:

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

المقطع :

ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون.

 أصل الملة من أملل يُملل كما يقول اللغويون من أمللت الكتاب. فكأنها كلمة تُطلق على ما تمليه الأمة أو الشخص القوي الذي يكون أمة بنفسه، على الأفراد من طقوس والتزامات نفسية يدينون بها ويخضعون لتبعاتها ومظاهرها.

وليس ضروريا أن يكون الإملال بالقوة الجبرية بل المهم قناعة الناس واستعدادهم لاتباع الملة والدفاع عنها فهي حينذاك ملتُهم وشريعتهم الشخصية. وأما الدين فهو ما يجب أن يكون عليه الناس بالنسبة لربهم باعتباره الدائن الحقيقي الذي يجب أن يُظهر الناس عبوديتهم له ويعترفون بالمديونية لكبريائه ولنعمه . 16

والإيمان لا يعني الاعتقاد فحسب بل يعني سيطرة الاعتقاد على النفس بحيث يوجه صاحبه لاتباع مقولة العقيدة. فالمؤمن بالله تعالى هو الذي يترك نفسه وأهواءه طلبا لمرضاة ربه وليس المؤمن من شهد الشهادتين حسب تعبيرنا أو الذي انحدر من أسرة تؤمن بالله تعالى.

فقوله عليه السلام: لا يؤمنون بالله، يعني لا يلتزمون بما يترتب على قبول العاقل المدرك لوجود الله تعالى من تقوى وحذر ومن استبشار بالرضوان وباللقاء المقبول مع إله السماوات عز اسمه. ولذلك لم يعطف جحودهم بالآخرة على عدم إيمانهم بل وضح مقصوده من عدم إيمانهم بأنهم يكفرون بالآخرة. فالواو قبل “هم” الأولى للحال وليست للعطف. فكأنه قال: كيف يؤمن بالله من يعمل عملا يتنافى مع الخوف من اللقاء بربه؟ إنهم كانوا يؤمنون بالآخرة بمعنى الاعتقاد بها ولكنهم لا يستعدون لها كما يجب فكأنهم يعتقدون بها ولكنها لا توجههم ولا تؤثر في الحيلولة دون اتباعهم للشهوات. واستعمل ما فسره القرآن بالكفر بالآخرة بدل عدم الاهتمام ليقول بأن الآخرة لا تحد من ملذاتهم ولا تقف عائقا أمام شهواتهم ومتعهم وتنافسهم وتسابقهم على المعاصي والآثام فكأنهم يجحدون بها.

ونفهم من خطاب يوسف لصاحبيه بأن النبوة ليست منحة بقدر ما هي استحقاق للنبي الإنسان وبأن النبي ليس ضامنا للوحي بل شديد الحذر ألا يخسر ما حباه الله تعالى به فهو يعيش الخوف ويبتعد عن المعصية جهد الإمكان وليس له عصمة بل هو معرض للإثم بصورة كبيرة وموسعة.

إنه هو الذي يؤمن وهو الذي يتجنب المعصية وليس هناك مانع نفسي يقطع عنه سبل العصيان أو يمنع عنه وساوس الشيطان. وسنرى بعد قليل بأن يوسف النبي نفسه قد أتى بذنب يحتاج معه الى الغفران وهو منهمك بالدعوة إلى ربه دون أن يشعر فأخذه الله تعالى بذنبه وعاقبه ولم يهمل عبده فلم يمهله، سبحانه، ثم سبحانه.

إنه سبحانه منزه من أن يقبل الانتساب المشوب إليه ومنزه من أن يساعد أنبياءه أكثر من أن يساعد عبيده المحرومين من نعمة النبوة. إنه ليس مَلِكا من ملوك الأرض الذين يهتمون بأولادهم لا لشيء إلا لأنهم أولادهم، بل هو سبحانه عادل يسعى للقسط ولا يفضل أحدا على أحد دون أن يكون لدى الموهوب نفسه مرجح يفضله على غيره.

ونضيف على فهمنا من خطاب يوسف بأنه لم يكن ليكسب العلم الذي به فند تفسير المنامين بكل قناعة ويقين لو أنه كان من المذنبين، وبأنه سوف يُعدُّ من المذنبين لو أنه لم يمنع نفسه من اتباع الشيطان ولم يجاهد ضد أهوائه وشهواته.

كان على يوسف أن يعتزل القوم الذين لم يؤمنوا بالله وباللقاء بالله ليحظى بالعلم الحقيقي الصحيح الذي يعطيه الأهلية لاستلام الوحي. قال تعالى في سورة مريم متحدثا عن جد يوسف الأعلى إبراهيم:

وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50).

فالاعتزال شرط من شروط استجابة الدعاء. وبعد أن رأى يوسف الرؤيا في صباه تاقت نفسه للنبوة فوضع سياسة حياته المستقبلية على أساس كسب النبوة والعلم الإلهي متبعا ملة سلفه الصالح الطيب.

كان يوسف يعرف بأن النبوة التي أخبره أبوه عنها ليست مضمونة إن لم يهيئ نفسه لاستقبالها. ليس لأحد قرابة مع الله تعالى ولا لأحد دالة على الذات القدسية جل جلاله.

إن الله تعالى هو الذي يهدد باسترجاع النبوة الممنوحة فكيف بالنبوة بالقوة والتي لم تتحقق بعد؟.

وهنا جدير بأن نعرف بأن النبوة التي يتحدث عنها القرآن بالنسبة للبعض قبل أن تظهر نتائج أعمالهم فهي نبوة بالقوة وليست بالفعل كنبوة موسى وعيسى الموعودين بها قبل أن يولدا. ذلك لتسعى والدتاهما في مساعدتهما ليكسبا النبوة احتمالا. فلم يكن عيسى نبيا حقيقيا في المهد بل كان يحمل نفسا مستعدة للنبوة .17

( هامش 16 :   الملة تشابه المذهب تقريبا الذي يظهر ويتولد تحت لواء دين واحد.

ولكل أحد مناسكه التي تُظهر شخصيته كمتدين ملتزم بالدين. فالمنسك لكل شخص والملة للأمة والدين هو ما أقر به الله تعالى لنفسه فرضا تشريعيا على عبيده.

فكان إبراهيم أمة باعتبار أنه ذهب مذهبا رائدا في العبودية والخلوص للذات القدسية وقد أقر الله تعالى له بالصحة، فمن اتبعه في خلوصه فهو سائر على ملته المقبولة عند الله تعالى وكلهم يدينون لرب العالمين ويسعون لإظهار المديونية والعبودية له كما يرتضيه هو سبحانه أو هكذا يجب أن يكونوا.

وملة أهل مصر كبقية الملل التي لا تعيش النبوة أو التي مات أنبياؤها فإنهم يتبعون طقوسا تساعدهم على إقناع أنفسهم بأن دينهم يسمح لهم بأن يشبعوا شهواتهم ويضمن لهم آخرتهم مع ربهم.

هكذا ينسون حقيقة الله تعالى فلا يعطون الأولوية لأي اهتمام توحيدي بل يتحركون باتجاه الشرك شيئا فشيئا. فليس صحيحا قول من يقول بأن فرعون مصر وحاشيته كانوا كافرين بالله، وليس ممكنا أن يرسل الله تعالى نبيا إلى قوم لا يملكون أوليات العقيدة بالذات الربوبية جل وعلا.

كان المصريون معتقدين بالله تعالى ولذلك بنوا الأهرامات لملوكهم استعدادا للملك في الحياة الأخروية، فهم يؤمنون بالمعاد أيضا. قال العزيز ليوسف وامرأته:

 يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29).

فهم يؤمنون بالله ويؤمنون بالمعاد ويهتمون بطلب المغفرة من الرب العظيم سبحانه وتعالى. لكنهم يبررون متعهم وظلمهم بأنها مسموحة لهم أو بأنهم يحبون من يحبه الله تعالى فيخلصهم من خطورة الوقوف أمام رب العالمين.

ولذلك فهم يعترفون بالذنوب ولكنهم يتخلصون من تبعاتها بما يأفكون وينسبونه إلى الله تعالى فلا يرون داعيا لأخذ الحيطة والحذر من عذاب ربهم وسخطه. هذا الالتزام المتعثر يسمى ملة أيضا. فهي تعبير عام ينطبق على الأديان السماوية والأديان أو المذاهب البشرية.

فملة إبراهيم هي التزامه بالتوحيد وبوجوب إرضاء ربه وحده دون أن يخضع لأي ذي شأن آخر وهو الصحيح الحق. وأما ملة حكام مصر فهي التزامهم باتباع ما خلقوه وأوجدوه بأنفسهم من زعامات وطقوس دينية وترك حقيقة الألوهية وعدم الاكتراث بالبحث عنها أو أخذ الحذر من اللقاء مع تلك الحقيقة والاكتفاء بالأوهام والأساطير.     نهاية الهامش 16.)

(هامش 17:   قال تعالى في سورة آل عمران:

 قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ….

فالرسالة تتحقق بعد أن يعلمه الله تعالى الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل.

ولعل قائلا يقول بأن الإنجيل مرسل إلى قومه فكيف يتقدم إرساله على رسالته، فهو رسول حينما استلم الإنجيل. والواقع أن موسى استلم التوراة كاملة قبل أن يرسله ربه إلى بني إسرائيل بالكتاب. إن إرسال التوراة مغاير لإرسال القرآن لأسباب لا مجال لذكرها هنا. وأما الإنجيل فهو احتمالا اتخذ نفس شكل التوراة في الإرسال ولعل رسالة المسيح الأولى بدأت بعد استلامه وتعلمه للتوراة والإنجيل. إنه أُرسل إلى قوم يحملون التوراة فلم يكن ضروريا أن يمهد الله تعالى لكتاب سماوي دون مستوى الكتاب الذي بين أيديهم بغية منحهم بعض التسهيلات وإجراء تجربة جديدة عليهم للحياة مع الكتاب السماوي دون الأنبياء التي بدأت مع وفاة المسيح وانتهت بظهور نبينا.

ولعل من يدعي بأن المسيح تعلَّم كل شيء قبل الولادة كما يقول بعضهم وهو كلام غير مستدل ومخالف لنص قرآني آخر. قال تعالى في سورة النحل:

 وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78).

فوسائل الإدراك الدنيوية المحصورة في أن يتحول السمع الأذني والبصر العيني إلى سمع وبصر مدركين بمساعدة الفؤاد أو بربطهما بالفؤاد وهو حركة فيزيائية تحتاج أن تمر على مراحل التطور ولا يمكن أن تدرك العين قبل الولادة حيث لا مجال هناك لا للرؤية ولا للاستماع فيحتاج العضوان الرئيسيان إلى تطور فيزيائي وإلى تجارب للرؤية والسمع قبل أن يمنحهما الله تعالى الإدراك بربطهما ربطا مباشرا بالفؤاد. والفؤاد هو الرابط الطاقوي بين البدن الفيزيائي والنفس الطاقوية.

مما علمني ربي: تصريح من يوسف بأن ربه قد علمه فعلا وبأنه علمه من منطلق الربوبية وليس من منطلق الألوهية وبأنه سبحانه قد علمه علوما أخرى منها ما استعان به يوسف لفهم خطإ صاحبيه ولمعرفة حقيقة الأمر وبكل دقة.

فمسألة الربوبية هي نظام دقيق يطوِّر به الله تعالى مختلف الكائنات باعتباره رب العالمين. وبما أن الإنسان موجود مختار يتكامل بَدَنيا ضمن نظام الطبيعة كما تتكامل الشمس والنجوم والحيوانات ومختلف الكائنات الأخرى فان تكامله العلمي يتوقف على سعيه هو بنفسه.

وأما الجانب الإلهي فإن الله تعالى ضمن نظامه العام لا يمكن أن يخصص أحدا بالعلم أو يميزه عن بقية الناس وإنما يبعث بالعلم إلى أهل كل كوكب ضمن الزمان والمكان المناسب لينتهل منه من أراد أن ينتهل.

والسبب في أننا لا نرى الأنبياء اليوم ليس عائدا للأنبياء بل هو عائد للنظام الربوبي الذي يعطي كل مكان وزمان حقه من العلم.

وبدون أن نشرح المسألة بتفصيل فإني أطلب من الجميع أن ينظروا إلى التطور العلمي العام لأهل كوكبنا ليروا بأن الناس يتكاثرون وتتكاثر معهم أساليب الزراعة والتسهيلات وتظهر مع تكاثرهم الصناعات.

ثم إنهم يترابطون بعد التكاثر الشديد فتظهر لهم قدرات مختلفة لاكتشاف المزيد من القوى الكامنة في الطبيعيات فيخترعون الحاسوب ويتعرفون على الالكترونات ويكتشفون أنواع الطاقة.

ثم إنهم اكتشفوا الذخائر الأرضية في الوقت المناسب والضروري لهم ولو كان السلف على علم بها لأسرفوا فيها ولم يبق للمتكاثرين شيء اليوم. حتى الإعلام ووسائل النشر تطورت مع تكاثرنا وتطورنا وهذا دليل واضح على وجود قوة خارقة وراء الطبيعة التي نشعر بها وهي التي تنظم الحياة العامة وتقسم الثروة وتعطي العلم والحكمة والإدراك الحضاري بما يتناسب مع شؤون البشر.

وليس هناك علم يصل الإنسان دون أن يسعى كما يدعي الكثيرون. إذ أن لله تعالى يذكر بنفسه حقيقة أخرى في كتابه الكريم تتعارض تماما مع مقولة العلم اللدني أو ما شابه ذلك من تعابير غير دقيقة نسمعها هنا وهناك. ألا وهي ما قاله سبحانه في سورة النجم:

أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَى (39).

والعلم هو إضافة إنسانية تجعل الإنسان أكثر إنسانية فلا يمكن أن يكسبه المرء بدون أن يسعى.

والجانب الربوبي في المسألة هو مساعدة الله تعالى كرب لكل فرد منا أن ينال حظه من العلم بما يتناسب مع كيانه ومسؤولياته وسعيه.

ونكتفي بهذا القدر من بيان الحقيقية القرآنية دون إثباتها علميا حتى لا نبتعد كثيرا عن قصة يوسف.     نهاية الهامش 17.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 15 – صاحبا السجن 2


Shepherds are looking what has happened in Bethlehem.

تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 15 – صاحبا السجن 2

هناك فتَيان من فِتْية القصور دخلا السجن مع يوسف. رأى أحدهما مناما وهو أنه يعمل كعاصر للخمر في مصنع من المصانع. وعصار الخمور عادة ما يعصر لغيره حتى لو شرب من نتاجه. وأما الآخر فقد رأى نفسه يحمل خبزا فوق رأسه والطيور تنزل على مستقر الخُبيزات وتبدأ بأخذ طعامها من الخبز المحمول.

وبما أنهما رأيا مناميهما معا في وقت واحد أو ليلة واحدة ثم أفصحا عنهما لبعضهما البعض فإنهما ظنا بأن التفسير واحد وهو أنهما سوف يحصلان على مرتبة أو منزلة متكاملة باعتبار أنهما رأيا الأكل والشرب معا وهما يكملان أحدهما الآخر.

لم يشكا في تفسيرهما ولكن تعجبا من حصول ذلك في وقت وزمان واحد وهو الذي أدى إلى احتمالهما بأنهما سوف يشتركان معا في مشروع واحد، أو يحصلان على منحة واحدة. ولعلهما انتبها إلى أن هذين المنامين قد رأياهما في وقت غريب وهو اشتراك فتى مؤمن ومحسن من فتيان القصور معهم في السجن. وهو أمر غريب لعدم اهتمام أصحاب القصور بالمؤمنين أولا ثم إن المؤمنين عادة ما لا يقومون بالمخالفات التي تؤدي إلى السجن. وواضح لهما بأن السجن تأديبي وليس سجنا سياسيا ولا جنائيا.

اتفقا كما يبدو أن يعرضا مناميهما وتفسيرهما على يوسف لعله يتمكن من تأويل هذا التوافق الغريب بين المنامين من شخصين في سجن واحد فيفسر لهما المكسب الذي ينتظرانه حسب تأويلهما البدائي. وكما قلنا فإن يوسف ارتبك لأنه رأى بأنهما مخطئان في تفسير المنامين أولا ثم إنهما قد رأيا رؤيين تفسران ليوسف نفسه اقترابه من تحقق حلمه الذي رآه بين أهله في صباه.

انتبه يوسف بأن الأول رأى أنه يعصر خمرا ولم ير أنه يُعصر له الخمر فهو لا يعني بأنه يملك أو يرتزق شيئا بل يخدم غيره فقط. ثم تفطن بأن الآخر رأى بأن الطير تأكل منه وهو يعني بأنه يخسر ولا يعني بأنه يكسب أيضا. فلقد انتقص منه ولم يزدد عليه شيء.

هكذا استيقن بأنهما مخطئان في استبشارهما بحلميهما. عرف يوسف بأن أحدهما سوف يخسر عمره ولا يكسب شيئا وليس لهما رزق مشترك قطعا. لكنه كيف يوضح لهما ذلك وينقل لهما ما يعرفه من تأويل الحلمين قبل أن يتحدث عن السبب في ذلك التوافق الغريب؟ 

وانتبه يوسف أيضا بأن الله تعالى يعطي الذين يكفرون بالرحمن أحسن المنازل، لو كان ممكنا دنيويا. ذلك لأنهم لا خَلاق لهم في الآخرة. فرأى من واجبه أن يفند لهما تفسيرهما أولا ثم يقدم نصحه لهما باعتباره ناصحا من أهل بيت النبوة الذين يحسن بهم النصح ليساعدهما على التخلص من ضغوط الشهوات والاهتمام بالله تعالى وباللقاء معه مستعينا ومستشهدا بالعلم الذي كسبه من عناية الله تعالى وبفضل إيمانه باللقاء مع ربه.

قرر يوسف أن يبدأ بقطع الأمل لديهما في ما ينتظرانه من خير من وراء مناميهما. لعله أراد بذلك جلب انتباههما إلى أن تفسير المنامين ليس أمرا بسيطا بل يحتاج إلى التدبر لو كان المنام مرتبطا بوحي الحقيقة.

هكذا يفتحان قلبيهما للاستماع إليه وإلى كيفية تفنيده لرأييهما في تأويل المنامين. ثم عليه أن يذكر لهما سرَّ شخصيته العلمية المرتبطة بوحي السماء. هناك يتجلى لهما صدق شعورهما بأنه محسن فعلا.

إن ذلك ضروري لأنهما فسرا رؤييهما كما فسرا شخصية يوسف ولكن يوسف رأى بأنهما أخطآ في الأولى وأصابا في الثانية. ثم أحتمل أنه فكر في كيفية بيان شخصيته لهما فبدأ بتوضيح ارتباطه بربه وبأن علمه ناتج عن استحقاقه العملي في الخضوع الخاشع لرب العالمين وفي الاعتقاد باللقاء مع الله تعالى.

إنه في خضوعه لربه مال وانحرف عن طريق من عاش بينهم من غير المؤمنين ولم يغتر بما في يدهم من مال وجاه وجمال وشباب. ثم فكر بأن يُبدي لهم بأنه من أسرة النبوة وبأنه حينما يعبد الله تعالى وحده فهو إنما يتبع ملة آبائه.

بالطبع أن خطأ يوسف كامن في موقفه ذلك حيث بث حقيقة خاطئة في نفوس المستمعين إليه دون أن يشعر وفقد معه خاصية مميزة من خواص التمسك بالله تعالى وحده ولذلك تمكن منه الشيطان في ما بعد فلم يكن حينذاك مخلَصا كما كان يوم نجاه الله تعالى من الفاحشة المشينة كما سيأتي. والعلم عند الله تعالى.

لعله فكر في أنه لو أبرز قدرته العلمية والعائلية وبأن الأسرة التي ينتمي إليها هي فوق بقية الأسر فسوف يرق له قلبهما فيستعدان للإيمان. وصاحباه في السجن فهما من ضمن تلك البقية طبعا.

لكن يوسف كان مخطئا في محاسباته وسوف نحللها بعد قليل بإذن الله تعالى، حيث أبعدهما عن الإيمان به احتمالا. كان على يوسف أن يفكر قليلا قبل أن يذهب وراء وساوس الشيطان فيتذكر بأن إخوانه الذين أرادوا قتله بدون أي ذنب وهو أصغر إخوانهم تقريبا هم أيضا أولاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب وهم جميعا يعتبرون أنفسهم متبعين لملة آبائهم. إنهم قد أشركوا بالله فعلا حينما استحلوا دم يوسف ثم أشركوا أيضا بعد ترك القتل فأخرجوه من بيته وأبعدوه عن أهله وهو ليس شأنا بشريا وليس مسموحا لأحد أن يطرد أحدا من بيته وبلده. ثم إنهم فرضوا على أخيهم الرق وهو أيضا تدخُّلٌ سافر في شؤون الربوبية وشرك قطعي بالرحمن عز اسمه، على أن كل المعاصي تعتبر شركا إلى حد ما.

ثم انتقل إلى الهدف الرسالي الذي يشعر به يوسف كمرشح للنبوة وهو أن يثبت لهما وهما يؤمنان بالله تعالى بأنهما في ضلال من الخضوع لغير الله تعالى ويعطيهما عليه البرهان. كان ذلك واجبا عليه بعد أن يذكر لهما بأنه من الذين منحهم الله تعالى علما مميزا حتى لا يخضعان له هو قبل كل شيء.

والواقع، أن هذا واجب كل الذين يتحدثون عن رسالات السماء ولو نقلاً أن يبادروا قبل كل شيء بنفي أهليتهما لأن يُقدَّم لهم أيُّ نوع من الخضوع كما سنعرف بعد قليل بإذنه سبحانه. ثم يفسر لهما المنام و يأوله تأويلا صحيحا ويذكر لهما بأن الأمر الذي يستفتيان فيه وهو التوافق الغريب فهو من قضاء الله تعالى وليس مقتصرا على التقدير. والقضاء أمر جازم مؤكد الوقوع.

ولعل من الضروري أن أؤكد للقارئ مرة أخرى بأن القصة روائية في حين أنها حقيقية فالكلمات المستعملة فيها غالبا ما تكون مستعارة لمعاني لا يسعنا فهمها دون أن نتخيل. فالطعام ليس هو الأكل، والرزق ليس هو المال كما نستعمل الكلمتين. وسوف نقوم بشرح كل ذلك بإذن الله تعالى ولنستمع إلى القرآن الكريم وهو يقص علينا كيفية ابتداء يوسف ببيان ما يريد بيانه:

قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿37﴾

المشكلة في هذه الآية هي الاداة (إِلاَّ)والتي تحتاج الى توضيح قبل مواصلة التفسير . 15

انا شخصيا أظن بأن الرسالة القرآنية تهدينا إلى أن نقول بأن يوسف قال لصاحبي سجنه ما اختصره القرآن في الآية وهي احتمالا: ليس هناك بشارة مشتركة تنتظركما في الواقع. لا يأتيكما مكسب يمكن اعتباره رزقا مشتركا ثمينا. لو يهدينا مناماكما إلى ما يقوي إمكاناتكما فأنا جدير بأن أفسر لكما ذلك الرزق المتوقع. جدير بأن أبشركما به قبل أن يصلكما وهو ما تنتظرانه من المنامين لكن تفسيركما خاطئ للأسف.

تابع يوسف القول: وبما أن المنامات الحقيقية متصلة بإرادة الخالق العظيم جل شأنه فإن إدراك عمقها يحتاج إلى إيمان خالص بالله تعالى مصحوبا بقبول اللقاء به حد التضحية في سبيل تلك العقيدة الفذة. وأنا ذلك الشخص.

لعل يوسف كان مبدعا في دعوته لهما بالعودة إلى الله تعالى بأن يبدأ ببيان حاله وما استفاده هو من تضحياته في سبيل إرضاء ربه، أو أنه استفاد من تجارب سلفه. وعلى أي تقدير فإنه كان مصيبا إعلاميا لأنه استغل خطأ المخاطبين مصحوبا بقلقهما ليدعوهما إلى الله تعالى.

وعليه أكمل قوله عن نفسه بأنه وهو في قصر من قصور نبلاء مصر، فهو لم يتأثر بالزخرف والثروة ولم يهتم بالتسهيلات المتاحة له بل بقي يفكر في ملة الموحدين من آبائه وأهله. ولذلك استعمل كلمة: (تركت ملة قوم). والترك يتحقق بسبق التجاوب مع الشيء.

فهو شاب جدير بأن يتمتع بما كان متاحا له في قصر الوزير الفرعوني حد عرض السيدة الأولى نفسها له. ولولا أن يكون هناك مجال للتفاعل فلم يكن للترك أثرا إيجابيا ومنحة ربانية من الذي يعلم خائنة الأعين سبحانه. وهو ما عبر عنه الكتاب الكريم: (فهمَّت به وهمَّ بها). همَّ بها بطبيعته وشبابه وتركها بعد أن استمع إلى نداء عقيدته وإيمانه العميق بربه.

(هامش 15 : ليس هناك لدى النحويين الذين اطلعت على كتبهم وهم من كبار أئمة اللغة والنحو، بيان دقيق للاستثناء ولست إماما في النحو. ولذلك أذكر رسالة الآية الكريمة كما أفهما فهما ظنيا، وأترك التوفيقات النحوية للغير.

إنني من الذين لا يلتزمون كثيرا بالنحو العربي الذي بدئوا تدوينه بعد فترة طويلة من نزول القرآن فلا يمكن أن نلزم القرآن بذلك العلم المتأخر.

لعلنا نكون صادقين لو قلنا بأن أرباب النحو قد انخرطوا في سلك المحدثين والمفسرين ليطبقوا علماً بالغ الأهمية على آراء أولئك النفر من المحدثين والمفسرين الذين وقعوا تحت ضغوط السلطات السياسية من جهة ومن جهة أخرى فهم كانوا محتاجين لمن يساعدهم ماديا ليتصلب عودهم وتترطب محابر أقلامهم وتتكاثر صفحات أوراقهم فيقووا على كتابة علم النحو وبقية العلوم العربية.

والمتبرعون سواء دولا وحكومات أو أثرياء وشعوبا فهم كانوا يفرضون مطالبهم على المحققين من أرباب العلوم حتى لا يخسروا تماسكهم مع عامة شعوبهم التي لن ترضى بالتغيير بل تميل إلى إبقاء الأساطير الموروثة خوفا من التبدد و الابتعاد عن السواد. والسواد هو ما يزينه لهم الشيطان وليس هناك في الوقع سواد يدين بدين أو يتمسك و يوالي عقيدة متكاملة حقا.    نهاية الهامش 15. )

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 14 – صاحبا السجن 1


Shepherds are looking what has happened in Bethlehem.

تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 14 – صاحبا السجن 1

حكاية هذا السجن دنيويا كان بأمر وزير فرعون فسوف يكون سجنا سهلا؛ وأما حكايته غيبيا فكان من تقدير رب العالمين لينجي عبده الطيب فسوف يكون سجنا سهلا أيضا. فالله تعالى استجاب دعاء يوسف بسجنه إكراما ليوسف ولكنه سبحانه جعل له سجنا هينا من السجون الخاصة عطاء منه سبحانه. نعمّا أنت يا ربنا دام عطاؤك ودام خضوعنا لك وحدك لا شريك لك.

وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿36﴾

غريبة حكاية هذين الشابين الذين دخلا مع يوسف السجن. فهما بالتأكيد سُجِنا بأمر ممن هم مثل العزيز أو أعلى منه رتبة في الدولة. وأحدهم بالتأكيد مرتبط بالملك لأن يوسف قال له بأنه سوف يسقي ربه خمرا ثم أصبح ساقي الملك. ذلك يعني بأن الملك هو ربه حينما دخل السجن.

ومن أكبر مشاكل المفسرين أنهم ظنوا بأنهما كانا في حيرة من تأويل مناميهما والواقع غير ذلك. فالآية تنبؤنا عنهما بأنهما طلبا تأويله وهما منامان وليسا مناما واحدا. ثم إن يوسف بعد أن فسر لهما المنامين قال: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.

والمفسرون ظنوا بأن يوسف لبى طلبهما بتأويل مناميهما فلو كانوا مصيبين لسمعنا يوسف يقول: قضي الأمران وليس الأمر.

ثم كيف تمكن يوسف من أن يقول بأن الله تعالى قد قضى أمرا وهو لا يعلم الغيب؟ في الحقيقة لا يمكن تفسير سورة يوسف ولا آياتها قبل أن يتصور المرء المشهد ويتواجد مع أصحاب الشأن في المكان والزمان ويخلق لنفسه الحالة التي كانوا فيها ليعلم حقيقة الأمر.

والذي يزيد من صعوبة فهم القضية أن يوسف أسرع في وصف قدرته على تفسير الغائب وبيان إيمانه وإيمان آبائه وسعى لتخويفهما من عبادة غير الله تعالى ثم فسر الرؤيا وأعقبها ما قاله بشأن الأمر وهو غير المنامين.

فلنبدأ بتصوير موقف صاحبي السجن. كان أحدهما من خدم الملك وكان يوسف من موظفي قصر الوزير فكان الثالث دون شك يعمل لدى ذي شأن مثل ربَّي عمل يوسف مع الصاحب الأول. فالسجن كان سجنا خاصا لمن هو مرتبط بالسلطة. كان السجن سجنا تأديبيا لا يحتاج المسئول في إدخال من يشاء فيه إلى حكم قضائي. نعرف ذلك لأننا رأينا يوسف لم يتمكن من أخذ أخيه عنوة من إخوانه دون تدبير قضية السرقة. هذا يعني بأن هناك قانون صارم يحكم أرباب السلطة، إذ كان يوسف آنذاك وزيرا أقوى من الذي كان في بيته بأن نزهه الملك نفسه ودعاه ولم يأت يوسف في أول دعوة بل أتاه بعد أن أثبت براءته من كل ما نُسب اليه من تهمٍ كانت لا تهم الملك. لكن يوسف أراد أن يدخل بكل نزاهة فكسب المزيد من القوة على زملائه الوزراء.

متى عرضا قصتهما على يوسف:

مما لا شك فيه أن الثلاثة دخلوا السجن معا أو في يوم واحد لقوله تعالى: ودخل معه السجن فتيان. وواضح أنهما لم يتعرفا على يوسف قبل ذلك. وضروري أن نعرف بأن خدم كل قصر من قصور أرباب السلطة قلما يتعرفون على خدم قصر آخر. وهذا طبيعي فإن ذوي الشأن يزورون بيوت بعضهم البعض ولكن خدمهم لا يزورون إلا أهليهم ويندر أن يتعرف خادم غريب على خادم في قصر آخر. هذا ما يسعى المسيطرون تحاشيه دائما حتى لا تنتقل أسرارهم بين خدم القصور بسرعة وبكثرة.

فبقيا فترة ولو قصيرة دون أن يذكرا شيئا ليوسف حتى اطمأنا إليه وعرفا بأنه من المحسنين. يمكن لنا تقدير مثل هذا الزمان لأن اعتبار الشخص محسنا مؤمنا وهو يعمل في قصر المسرفين أمر غير عادي وغير طبيعي. ولذلك فأحتمل بكل شدة أنهما رأيا رؤييهما في السجن بعد أن تعرفا على يوسف، لكنهما تداولا الرؤيتين بينهما قبل عرضهما على يوسف.

وسوف نعرف المزيد لنضمن صحة هذا الاحتمال قريبا. والرؤيا أمر يراه الشخص نفسه ولا يعرف عنه الآخرون شيئا وهو يحتاج إلى معرفة للشخص الذي يعرض عليه قصته. فهما كانا صديقين قبل دخولهما السجن وقد أباحا قصتي رؤييهما لبعضهما البعض لأنني احتمل بانهما قاما من النوم مذهولين في ليلة واحدة.

هناك مسألة جلبت انتباههما وهو أن الأول رأى الشراب في النوم والثاني رأى الطعام. ثم إنهما لم يتمكنا من الربط بين المنامين اللذين تراءيا لصديقين في وقت واحد.

لابد أنهما استبشرا بحلميهما خيرا وفسراه بالخير ولكنهما تعجبا من ذلك التوافق الغريب. حلمين لسجينين في وقت واحد أحدهما شراب والآخر طعام! ولذلك قررا أن يعرضا هذا التوافق الغريب على الذي رأوه وشعروا به شخصا محسنا يصعب رؤية مثله في القصور الملكية لعله يعرف أمر الارتباط بين مناميهما.

ارتباك يوسف عند سماع المنامين :

إن كان صاحباه قد تعجبا من ذلك التوافق الغريب فإن يوسف قد تعجب أكثر منهما، تعجبا بلغ حد الارتباك، بنظري.

ذلك لأنه عرف بأنهما أخطآ فعلا في تفسير مناميهما قبل كل شيء ثم إن المنامين الغريبين حصلا بتوافق ملفت مع دخوله هو السجن إضافة إلى ما يحيط بشخصه من غرابة بالقياس مع بقية نزلاء مثل هذه السجون الخاصة.

رأى بأن توافق هذين الحلمين مع دخوله السجن وبعد أن عرف الفتيان بأنه رجل مؤمن هو الطريق الذي سيحقق منامه هو الذي رآه في بلده وبين أهله بالأرض المقدسة أو بأرض كنعان.

إنه تأكد من ارتباط الرؤيا به هو، فارتبك في كيفية عرض الارتباط عليهما أيضا. تخيل، إنسانا ينتظر أمرا منذ سنوات ثم يرى نفسه مقتربا من الهدف عن طريق شخصين تعرف عليهما محبوسين معه وهما يظنان بأنهما يحملان خبرا غيبيا لنفسيهما! وهو يعرف بأن من غير المتاح له نقل ما يفهمه من الحادث الجديد بالكامل، كما لا يجوز له أن يكذب.

وسنرى حينما نحلل مقولته أنه عليه السلام بنفسه لم ينج من الوقوع في خطأٍ غير هيّن حين التحدث إلى صاحبيه في السجن. وقد عوقب عقابا تأديبيا أو تهذيبيا على أساسه، لأن ما ذكره يمثل نوعا من الصبغة النفسية التي كان يوسف مبتلى بها وتَحُول دون أن يزكي الله تعالى صاحبها قبل أن يصير لائقا فعلا لحمل رسالة ربه.

ويبدو أن يوسف سمع منهما تفاؤلهما المشترك بما رأياه في نومهما وبأنهما سوف يديران أو يملكان أو يكونان مسؤولين عن مشروع غذائي أو تجاري كمصنع للخمور أو إدارة الغذاء والشراب في قصر مثل قصر الملك احتمالاً. ذلك لأن الطعام الذي يرتزقه الإنسان لا يمكن أن يمثل طعام السجن . 14

( هامش 14 :   وسوف نتعرض لمفهوم الرزق ثم مفهوم الطعام في القرآن باختصار هنا ليتجلى للقارئ حقيقة الآية التالية فيمكننا تحليل كلام النبي يوسف بدقة ودراية.

لست بصدد الرد على من يظن بأن الرزق معناه الغذاء الذي نأكله، فلا أظن أن مفسرا محققا أو عالما لغويا يجهل بأن الرزق أعم من الطعام.

قال الراغب في المفردات: الرزق يقال للعطاء الجاري تارة، دنيويا كان أم أخرويا، وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة. يقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علما، قال: {وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت} [المنافقون/10]، أي: من المال والجاه والعلم، وكذلك قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة/3]، {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة/172]، وقوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة/82]، أي: وتجعلون نصيبكم من النعمة تحري الكذب. انتهى كلام الراغب.

وفي لسان العرب: والأَرزاقُ نوعانِ: ظاهرة للأَبدان كالأَقْوات، وباطنة للقلوب والنُّفوس كالمَعارِف والعلوم؛ انتهى ما أردت نقله من ابن منظور.

هذا ما قاله اللغويان المعروفان ونكتفي بهما ونذهب إلى القرآن نفسه لنعرف كيف استعمل القرآن كلمة الرزق. وبما أننا نريد الاختصار في هذا التفسير الجزئي المجمل لسورة يوسف فسوف لا أذكر موارد الرزق بمعنى الغذاء في القرآن لوضوحه ولكن يهمني أن يعرف القراء بأن الرزق في القرآن أعم من الأكل أو الطعام وغيره.

1.      قال تعالى في سورة آل عمران:

 فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37).

من الواضح أن الرزق هنا ليس هو الطعام. ذلك لأن المحراب ليس مكانا للطعام بل هو مخصص للعبادة أولا. والدليل الثاني بأن مريم كانت تحتاج إلى سفرة الأكل لحظة الولادة وهي في مكان غير المحراب ولا إشكال من الأكل هناك فأين المائدة اليومية كما ظنوا؟ إنها تئن من آلام الولادة والروح القدوس على لسان ولدها يقول لها: هزي إليك بجذع النخلة. فعليها بأن تسعى وتتعب لتحصل على الأكل ولو قليلا. هذا هو نظام الربوبية ولا يمكن تخطيه. ولو نفتح قلوبنا وعيوننا فسنرى بأن زكريا تعلَّم منها شيئا يفيده للدعاء ولذلك ذهب ليناجي ربه فورا حتى يجني ثمار دعائه. قال تعالى بعدها:

 هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38).

         ونرى بجلاء أن زكريا دخل الصلاة ليستفيد من تعليمات مريم. قال تعالى بعد الآية السابقة:

            فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39).

         فالرزق المقدم لمريم هو رزق علمي وليس طعاما أو غذاء كما تصوره البعض.

2.      قال تعالى في سورة آل عمران:

وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169).

 لنتصور الذين قتلوا في معارك بحضور أنبيائهم ولينصروا ربهم فهم مقتولون حقا في سبيل الله. إنهم ماتوا وتركوا أبدانهم بما فيها أفواههم وبطونهم في الدنيا وانتقلوا بأنفسهم عند ربهم كما ينتقل كل الموتى. فكيف يأكلون الطعام هناك؟ إنهم ليسوا في جنات النعيم التي لم تُخلق بعد وقد وعد الله تعالى بأن يخلقها بعد أن يهدم الكون ويعيد بناءه ليعطيه القدرة على البقاء الأبدي كما وعد في القرآن. والواقع بأنهم يُرزقون الأمان هناك والموتى أحوج ما يكونون إلى الشعور بالسلام والأمان. قال تعالى بعدها موضحا هذا الموقف:

فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170).

فالرزق هنا هو الأمان وليس الأكل.

3.      قال تعالى في سورة هود:

قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ َلأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88).

فالرزق الذي يتحدث عنه رسول الله هو الرزق العلمي وليس المال ولا الأكل ولا أية مادة أخرى. إنه بعلمه وهداه يدعو غيره وليس بالطعام ولا بأي رزق مادي آخر.

4.      قال تعالى في سورة النساء:

وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيمًا (39). والرزق هنا هو المال وليس الطعام المعروف الذي نأكله.

5.      قال تعالى في سورة المائدة:

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً ِلأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114).

 لقد أضاف المسيح طلب الرزق على طلب المائدة. والمائدة هي الطعام هنا لأنهم طلبوا ذلك في الآية السابقة:

إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113).

ولكنهم طلبوا ذلك رجاء اطمئنان قلوبهم وأن يزدادوا علما بصدق نبيهم. إنهما من مراحل الهدى فطلب المسيح من ربه أن يهديهم بعد أن يهنئوا بالمائدة السماوية. فالرزق هنا بمعنى الهدى.

6.      قال تعالى في سورة الحج:

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59).

هؤلاء أيضا مقتولون أو ميتون لا يملكون أبدانا يأكلون وقد وضح الله تعالى رزقهم في الآية الثانية بأن ربهم سوف يدخلهم مدخلا يرضونه. ذلك بأنهم سوف يشعرون بنوع من عدم الراحة النفسية بأنهم لم يحاربوا ولكنه تعالى سوف يحشرهم مع المقاتلين في سبيله. سيشعرون بأنهم لا يستحقون ولكنه سبحانه يعدهم بأنه من كرمه يُدخلهم مدخلا يرضونه. إنه الرحيم فعلا وسوف يُدخلهم يوم القيامة الجنةَ دخولا مرضيا لقلوبهم حتى لا يشعروا بأنهم لا يستحقون تلك الدرجات العلا. ولا مجال هنا طبعا لنشرح الموضوع أكثر من ذلك. والله العالم.

7.      قال تعالى في سورة الروم:

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28).

والرزق هنا هم الخدم أو ما يعرف بالعبيد الذين ملكتهم أيمانهم.

وأما الطعام في القرآن فهو أيضا لا يُطلق دائما على الأكل بل هو في الواقع ما يقوي الإنسان أو أي شيء آخر. وبهذا الاعتبار يسمى طعاما. كما سنعرف من هذا البحث القرآني المختصر أيضا:

1.      قال تعالى في سورة البقرة:

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249).

لقد فصل طالوت بين من يشرب الماء قليلا ليسد عطشه وبين من يطعم الماء. فيقصد بالطعام هنا أن يتقوى الإنسان بالماء ويروي عضلاته بالكامل. وليس الماء غذاء لمعدة الإنسان في الواقع، لكنه يعتبر مروحا و منشطا للعضلات.

2.      قال تعالى في سورة يس:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (47).

ويقصدون به أنهم يكرهون تقوية من لم يشإ الله أن يقويه ماديا عاما وليس غذائيا فقط.

3.      قال سبحانه في سورة الأنعام:

 قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (14). قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15).

 فهل الله تعالى موجود قابل للطعام الغذائي حتى يُطعم؟ وما ارتباط الطعام الغذائي باتخاذه سبحانه وليا؟ والواقع أن الله تعالى قوي يقوي غيره ولا يتقوى بغيره. ولذلك فهو خير ولي لمن يعقل ذلك. فيقول النبي بأنه يأبى أن يتخذ غير القوي القاهر الذي فطر السماوات والأرض بقوته دون أن يحتاج إلى من يمنحه القوة، سبحانه وتعالى. ذلك لأن الولي هو القريب الذي يفيدك، فهل هناك خير من الله تعالى الذي يفيدنا ولا ينتظر أن نفيده، ويقوينا ولا يتوقع منا منحه أية قدرة؟ ولذلك فهو سبحانه وحده الجدير بأن يشرع من عنده ما يجب على من وجه إليهم تشريعه العمل به. فكل قدراتنا منه سبحانه ومن حقه أن يأمر وينهى لينظم استفادتنا مما منحنا إياه من قدرات وإمكانات مملوكة له وستبقى مملوكة له وحده ولكننا مخولون بالتمتع بها ضمن نظام وتشريع سماوي. و إن الله تعالى وليس غيره، هو الولي القريب من الرسول ومن كل عبيده والقادر على أن يمدهم بما يحتاجون إليه دون أن يستمد من عبيده شيئا.

4.      قال تعالى في سورة الذاريات:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58).

ويمكننا أن نتعرف على معنى الرزق والطعام من هذه الآيات بكل جلاء. فالله تعالى ليس كائنا فيزيائيا يأكل ولا يصح الحديث عن عدم أكله. ذلك كأن تقول بأن القلم لا يفكر والإنسان لا يأكل الحجر والماء لا يكتب. ولكن يمكن أن يقول أحد بأنه يزود ربه بالمعلومات أو بأنه يساعد ربه ويعطيه المزيد من القوة والقدرة بإضافة قدراته إلى قدرة ربه. فالله تعالى يقول بأنه خلق الجن والإنس ليخضعوا له باعتباره الحق المطلق ولا يحتاج إلى المزيد من العلم لتصحيح أوامره فلا يريد منهم أي رزق وهو يعني أي علم ومعرفة بل هو الذي يمنحهم العلم وذلك في المقاطع التالية من الآيات:

ما أريد منهم من رزق، إن الله هو الرزاق.

ثم يتحدث عن موضوع القوة في المقاطع الأخرى من الآيتين الأخيرتين:

وما أريد أن يطعمون، إن الله… ذو القوة المتين.

فهو سبحانه لا يريد أي تقوية أو تنشيط لأنه هو مالك القوة كلها وهو بنفسه متين لا يعوزه أي إسناد. ويعني بأنه لا يحتاج إلى قوة خارجية لا لذاته القدسية ولا لأفعاله وتصرفاته في خلقه. إنه هو القوي المتين الذي يمد كل الكائنات بالقوة والطاقة. فليس للكائنات إلا الخضوع الفعلي. بالطبع أن ما نراه من عدم خضوع من بعض الإنس والجن فهو باعتبار أنه سبحانه منحهم الإرادة في وجوداتهم ليختبرهم ولكن ماهياتهم خاضعة له سبحانه بالكامل. ولذلك يعتبر الخارجين عن تشريعه ظالمين سوف يحاسبهم فيما بعد كما وضح في الآيات التالية لها وهي:

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60).

والذنوب يعني طويل الذنب ويُطلق عادة على الفرس الطويل أو الغليظ الذنب. وهنا إشارة إلى كلا المعنيين بأن للظالمين تبعات خطيرة تنتظرهم كما تنتظر الذين سبقوهم من الظالمين أمثالهم.

نستخلص مما مضى بأن الطعام والرزق ليسا مقصورين على المأكولات والأطعمة المعروفة بل ليسا مقصورين على الماديات. فالرزق عطاء قد يكون مالا أو ملبسا أو مقتنيات مختلفة أو غذاء أو علما والطعام قد يكون أكلا أو طاقة أو قدرات معنوية أخرى. والفرق بينهما من حيث المصداق بدون قيد هو أن الرزق هو عين الإضافة المادية أو المعنوية ولكن الطعام هو نفسها بإضافة إمكانية استزادة المستفيد منه بالطاقة والقوة. ولذلك لا يمكن إطلاق الطعام على المجوهرات أو المأكولات التي لا تحمل قيمة غذائية ولكن الرزق يشملها جميعا. بالطبع أن العطاء أوسع من الرزق لأنه يشمل الحب والغفران وما في حكمهما أيضا.         نهاية الهامش 14.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف ايها الصديق 13 – امرأة العزيز 4


Shepherds are looking what has happened in Bethlehem.

تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 13 – امرأة العزيز 4

متابعة لما حدث في لقاء النسوة بيوسف حين وصفن يوسف :

وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)

النسوة لم يصفن الملَاك بالعفة بل وصفنه بالكرم. ذلك يعني أنهن وصفن يوسف بأنه كثير العطاء ولا ينتظر شيئا من أحد كالملائكة التي تعطينا وتساعدنا بأمر الله تعالى دون أن تنتظر منا شيئا.

انتهى بيان تأثير يوسف في ضيفات امرأة العزيز وحان دورها لتجني الثمرات. وحينما نحقق في مقولتها هنا نشعر بأنها حينما واجهت يوسف بكل شدة أمام زوجها بعد أن فتح يوسف الباب له، إنما كانت تقول ليوسف بأنه هو الذي خالفها فهو مقصر وليست هي. ثم إنها هي التي مُنيت باللوم الشديد من زوجها كما مُنيت قبل ذلك بالرد القاسي لطلبها من فتاها فتريد أن تستعيد كرامتها التي حطمها يوسف أيضا. ولذلك سمعن منها أنها،

قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ ﴿32﴾

 بدأت بإعادة اللوم عليهن بأنهن خلال ساعة وقعن في حب يوسف فكيف بها وهي تعيش معه سنوات طويلة؟.

لقد تمكنت المرأة العاقلة من إشراك عدد من نساء النبلاء معها في حب يوسف وفي الخضوع لعلمه وأخلاقه وفضائله ومكرماته.

إنهن جميعا شعرن بأنه أكبر من أزواجهن وهذه المقولة عند نساء محدودات الأخلاق ومحدودات الكرامة تعني بأنهن يدعونه ليقابلن عطاءه ولطفه بعطاء من أجسادهن.

تلتزم الغانيات عادة بتفضيل أزواجهن على كل الرجال كما يقوم بعض الرجال أيضا بتفضيل زوجاتهن على بقية السيدات.

هذا يعني بأن اولئك الأزواج من الرجال ونسائهم لا يطمعون في الارتباط بأحد غير شركائهم في الحياة الزوجية. وهذا القول منهن دليل على أنهن سقطن على أعتاب يوسف يطلبن المزيد منه.

ثم أرادت امرأة العزيز أن تستعيد كرامتها من يوسف ولو شئنا سمينا ما تقوم به انتقاما من يوسف.

لقد زال الخوف من قلبها في تلك الجلسة بأن يوسف استجاب لأمرها وجلس في مجلس يخلو من الرجال سواه وأظهر قدراته لكبار نسوة المدينة في غياب أزواجهن.

لسان مقالها ليوسف بأنك لم تستنكف عن الجلوس بين هؤلاء النسوة في جلسة استراحة نسائية ولسان مقالها لهن بأنكن جميعا فضلتم يوسف على البشر بمن فيهم أزواجكن. فاعلموا بأني أنا أيضا قمت بما قمتن به لا أكثر ولكنه أهانني.

أنا الذي راودته عن نفسه فعلا كما فعلتن دون أن ترين منه أي تجاوب وراء إظهار شخصيته المعرفية الكبيرة وإبراز خصائله الكريمة. لكنه استعصم على أنني صارحته بكل حب وإخلاص فأنا أهدده أمامكن بأنه لو لم يستجب لي فسوف أبعثه إلى السجن وأقوم بتحقيره على الرغم مما له من احترام كبير في هذا القصر.

وكلمة استعصم مشتقة من عصم بمعنى مسك. والمقصود بأن يوسف يحتاج إلى أنثى مثلي وليس هناك حب أو غنى أو عجز أو كره لي يمنعه من أن يستجيب لي.

لقد صارحتهن بأن يوسف أيضا يميل إلي ولكنه ضغط على رغباته النفسية فأمسك عن التمتع بجسدي. لم توضح امرأة العزيز السبب في إمساك يوسف نفسه ولعلها لم تعرف ذلك. من الصعب جدا أن نقرأ تفكير امرأة العزيز وتحليلها أسباب امتناع يوسف ولكننا نشعر بأن يوسف كان يلمع بينهن بعظم الشخصية وبكبرياء النفس الأبية.

لقد قال يوسف لها في الغرفة المغلقة عليهما بأنه يخاف ربه وغير مستعد أن يفرط بما أكرمه به ربه مقابل إرضاء شهواته حينما قال:

 معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون.

بل قال يوسف أكثر من ذلك. قال بأنه مغرم بحب ربه فليس في قلبه أي مجال ليحل إنسان محل ربه الذي غمره بكرمه ولطفه. والواقع أن تلك الجمل الثلاث القصيرة التي صدرت من يوسف في وقت لا يمكن معه أن يظن أحد شيئا عدا أنه عليه السلام ترجم أعماق قلبه باللغة البشرية وبأنه أراد من صميم قلبه أن تفهم سيدة القصر بأنه يكرمها ويحترمها ويحبها حبا بريئا ولكنه يجب ربه ويخاف من غضبه.

 والجمل الثلاث خليط فعلا بالحب والخوف بالنسبة للذات القدسية المهابة جل جلاله. هو حال الأنبياء فعلا. قال تعالى في سورة الأنبياء:

 فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90).

كل الأنبياء وكل المؤمنين الصالحين يخافونه ويطمعون فيه، جلَّ الحميد المجيد. ويا له من حميد مجيد.

ولعل امرأة العزيز وباعتبار ضعف إيمانها بالله تعالى كانت تنتظر من يوسف أن يعصي ربه ثم يستغفره كما يفعل عامة الناس. ولعلها كانت تفضل شهواتها على حرمة ربها. ولعلها فقدت عقلها ووعيها أمام أنانيتها وشعورها غير المنطقي بالكبرياء فهددت يوسف الطيب الوديع العالم المؤمن الذي لا يسرف على نفسه أبدا بالسجن.

لقد وقعت المرأة الذكية في ضلال حقيقي وابتعدت كثيرا عن المنطق كما ابتعدت عن ربها الذي أكرمها بكل ما بيدها من ترف وغضارة عيش.

كان عليها أن تقول بأنها أرادت من يوسف أن يستجيب لها باعتبار أنها دعته للمتعة وليس للعنت، ولكنها تحترم اهتمام يوسف بربه وتعتبر ذلك حسنا آخر من محاسن يوسف.

أما تهديدها بالسجن فهو منتهى الأنانية ودليل على الضياع في الهوى وعلى فقدان مستمسكات الشرف والوقار.

المهم أنها استأسدت على نساء المدينة بعد أن أوقعتهن في حب يوسف وخدعتهن ليظهرن هذا الحب أمامها وبمرأى بعضهن البعض فأخمدت أصواتهن ولذلك باحت بالكثير مما يجول في خواطرها دون حذر. من الطبيعي أن يسكتن كلهن عنها بعد أن تلاشى كيدهن وتجلى كيد امرأة العزيز في تلك الجلسة.

لكن يوسف النبي العزيز ازداد خوفا وهلعا إثر ازدياد العاشقات من النساء الغانيات اللاتي لا يمكن له أن يستجيب لشهواتهن باعتبار الحرمة الشرعية والحرمة الخُلُقية والإنسانية.

ولذلك توجه إلى سيد الكائنات ملتمسا رحمته بربوبيته المرنة المحببة إلى قلوب المؤمنين فارتفعت زفرات قلبه إلى السماء وهو جالس بين المتنافسات بالحب والقدرة والمغمورات بحب الدنيا وبدون صوت أو لغة ولكن بقلب مملوء بالخوف والرعب من الله تعالى فـــ

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴿33﴾

وإن أجمل شيء بين العبد وربه أن يعترف المرء بضعفه أمام سيده ومولاه ليستدر رحمته. فيوسف بشر وشاب وليس هناك امرأة تستجيب لصبابة شبابه وتخفف من هيجان الشهوات في قلبه فتكون لباسا له وسترا على نزواته الطبيعية.

يوسف يعرف بأن ربه يعرف عنه ذلك فرأى بأن أحلى وأكمل الدعاء أن يفرغ قلبه لرب العالمين ويعترف أمامه بانهيار قدراته.

واللطيف في دعاء يوسف وتوجهه إلى ربه هو أنه لم يتحدث عن الضغوط البدنية والنفسية الأخرى عليه بل تقبلها بقوله العاطفي المثير للرحمة:

رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه.

والغريب أنه استعمل كل ذكائه وعبقريته حينما توجه إلى ربه فلم يصر على السجن كما يفعله بعض السذج ولم يعين لربه كيفية النجاة بل أراد أن يبدي لربه بأن السجن الذي يخوفونه به أحب إليه مما يبعده عن رحمة ربه ويدخله في زمرة الآثمين.

ثم وبعد إظهاره للرضا بأي حكم يحكمه ربه حتى السجن فإنه طلب ما يريده بلسان غريب أيضا. لم يقل اصرف عني كيدهن، ليبتعد عن صيغة الأمر بل دعا بصيغة الضعف والحاجة وبأن كل قدراته أشرفت على الانهيار وكل رصيده قارب على النفاد فلو أن ربه لم يسعفه بشحنة روحانية ليصرف عنه كيدهن فإن الضغوط الجنسية سوف تُقطِّع يديه وتدمر كبرياءه فينهار ويصبح أسيرا بين أيديهن.

فذكر لربه ضعفه وطلب منه بكل خضوع أن يصرف عنه مكائد النسوة الطامعات فيه دون أن يحدد كيفية ذلك. لكنه عليه السلام بدأ بذكر أن السجن مقبول لديه ليعترف بحقيقة أن قيود الحرية أحب إليه من انفلات الشهوات ومن الانغماس في الملذات.

لقد ترك يوسف الأمر كله لله تعالى ربه ولم يعين أي طريق محبب للخروج من المأزق.

هذه هي صيغة الدعاء المؤدبة التي يقدمها المؤمن لسيد الكائنات جل جلاله.

على العاقل ألا يُعلِّم ربه بل يعرض عليه مشكلته ويطلب منه سبحانه المساعدة للخروج من الأزمة بالشكل الذي يراه الله تعالى نفسه فيكون دعاؤه مزيجا من التماس الخلاص ومن الرضا بما يقدره الرحمن الرحيم عز اسمه.

و صبا: يعني ترك حرمته وتنازل عن كبرياء الأدب ومراسيم الارتباط المعقول بين البشر وتمثل بفعل الصبيان الذين لا يجدون لما تشتاقه نفوسهم وازعا ولا مانعا.

ولنعلم بأن مثل هذا الاعتراف عيب على الإنسان حتى أمام أقرب الناس إليه ولكنه جميل أمام الله تعالى العالم بالسرائر. فكأن يوسف يقول لربه بأنه يعلم بأن ربه يعلم حقيقته ولكنه يرضى ولا يشعر بأي حرج من أن ينظر إليه ربه ويكتشف مكنون قلبه ويطلع على عمق ضعفه. إنه ربه ومالكه ومن حقه أن يطلع على كل شيء عنده.

لا بل إن لحن القول لدى يوسف يدل على أنه يشعر بحاجته إلى أن يطلع ربه على كل أسراره فهو ضعيف يحتاج إلى عناية ربه ولن تتأتى العناية الصحيحة دون العلم بكل الخفيات فيوسف يشعر بالمتعة أن يراه ربه ولذلك سعى وسيسعى ألا يأتي بما لا يتناسب مع وجوده في مرأى الرحمن جل جلاله.

وماذا ننتظر من رب رحيم وحكيم وسميع وعليم إلا أن نسمع منه سبحانه:

فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿34﴾

لنفتح عيوننا قليلا وندقق بأن الله تعالى يؤكد هنا بأنه سميع عليم. ذلك يعني بأنه سبحانه يعرف ما يحتاج إليه عبده يوسف ويعلم كل القضية فلماذا يستجيب للعبد؟ ثم لماذا لم يقم الله تعالى بدفع الكيد عنه ما دام يسمع ويعلم؟ إنه يساعد كثيرا دون أن نطلب منه ولكنه يزداد رحمة لنا حينما نشكره. قال تعالى في سورة إبراهيم:

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7).

ولو نحلل دعاء يوسف فهو كله تعبير عن الرضا والشكر لله تعالى ولذلك خصه الله تعالى بمساعدة خاصة وليست عامة. إنه يساعد المرء حينما يقع في مأزق بدني أو مالي أو أي ضغط نفسي ولكنه يُبقي عادة كل عوامل الاختبار مفتوحة فعالة لأنه سبحانه يريد أن يختبرنا.

فالذي فعله هنا هو أنه أزال عن يوسف كل أسباب الاختبار واعتبره كمن أدى امتحانه قبل انتهاء أسئلة الاختبار.

إن الأمر الطبيعي في هذه الدنيا هي أن يسقط الأفراد في مثل هذه الاختبارات النفسية لتتجلى حقيقة النفوس ومدى قدرتها على الصمود أمام الشهوات ومدى استعدادها للتضحية في سبيل الله تعالى.

لقد قاوم يوسف مُنزَلَقا فرديا خطيرا بينه وبين امرأة حسناء تحكمه وتأمره بالانقياد لشهواتها ونسيان كل المبادئ. ثم قاوم دعوة جماعية للمزيد من التمتع الجنسي ثم شعر بالانهيار فدعا ربه شاكرا معترفا بالضعف ومقدرا رحمته في أن نجاه من امرأة العزيز كما نجاه ذلك اليوم أيضا ولكنه عليه السلام يرجو ربه أن يوقف هذا الاختبار ولا مانع لديه مما يهددنه به.

والغريب بأن الذي يقاوم أول مرة ضد أمر ما فهو أجدر بأن يقاوم في المرات القادمة مادام في نفس العمر وفي نفس القدرات النفسية التي ينطوي عليها قبل انقضاء ذلك المقطع السِّني والدخول في مقطع سني آخر. لكن يوسف لا يريد المخاطرة على حساب خسارة الإيمان والحب العميق للرحمان وعلى حساب أن تطغى عليه الشهوة فتحل المتعة البدنية محل المتعة النفسية الرفيعة بالتناجي مع خالق الكون العظيم جل جلاله.

ثم إن يوسف اعترف ضمنيا بعلمه وبأنه نال قسطا كبيرا من رحمة الله التعليمية فلا يريد أن ينخرط في سلك الجاهلين فيخسر بعض علمه. إنه يشعر بأنه ينظر ببرهان ربه كما فعل في المواجهة مع استعراض سيدة قصر العزيز لمفاتنها. هذا البرهان هو جزء من العلم الذي أكرمه به ربه فلا يريد أن يخسره. ولذلك أرفق دعاءه بسبب وجيه ومنطقي. إنه سبحانه يحب الشاكرين وكمال الشكر لنعمة العلم أن يسعى المتعلم لحراسة مكارم ربه العلمية عليه. إنه سبب رائع لمثل هذا  النوع من الدعاء فسلام على يوسف.

ولذلك استجاب الله دعاء يوسف بما يتناسب مع صيانة علمه ومنحه المزيد. إن يوسف بحاجة إلى أن يبقى مع الحاكمين ليزداد علما بتأويل الأحاديث و لئلا يبتعد عن ثقافة العصر ليستفيد منها في دعوته إياهم إلى الله تعالى.

وإذا كان موسى قد ابتعد عن قصور الملوك فإنه استعان بربه ليرسل معه أخاه هارون الذي بقي في مصر وكان على علم كامل بالتطورات التي تمت خلال العقد الذي غاب فيه موسى.

وليس ليوسف أخ مرتبط بقصور الملوك ليساعده مثلا مستقبلا حينما يعود إلى القصور لأداء مهمته. فمن الضروري أن يبقى معهم لئلا يخسر تأويل الأحاديث. ولذلك نرى بأن استجابة الدعاء كانت بالموافقة على سجن يوسف في سجن خاص بالطبع.

لقد رأت امرأة العزيز وزوجها كيف تحولا لا شعوريا إلى مدافعين عن يوسف الذي اشترياه من مصر. دافع عنه العزيز ضد زوجته ودافعت هي عنه بشق قميصه من الخلف وهي تؤمن بعبقريتها كثيرا.

ولم تكتف بذلك بل حاولت إغراء نساء المدينة بعظمة يوسف بعد أن أمرته بالجلوس بينهن ولكنه كبر في أعينهن ولم يعبأ بمظاهر الدعوة للمصادقة معه.

لقد أجبر يوسف سيدة القصر أن تعترف أمام نساء الوزراء بأنها هي التي دعته للمواقعة وبأن يوسف هو الذي امتنع عنها. لقد اضطرت المرأة أن تفعل ذلك حتى تُسكت النسوة عن مداولة قصة غرامها من جانب واحد مع يوسف. لقد خرجت القصة إلى نساء الوزراء على الرغم من محاولة العزيز تغطيتها بكل قوة:

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴿35﴾

من الصعب التكهن بمن هم الذين بدا لهم سَجن يوسف ولكن مما لا شك فيه أن العزيز وامرأته كانا فيمن بدا لهم ذلك. وليس مقبولا أن يبعث العزيز الذي أحب يوسف من أول ساعة ودافع عنه حتى ضد زوجته وأصر على أن تستغفر امرأته وتستمر في إكرام يوسف، من الصعب القول بأن العزيز سجن يوسف ليعذبه. لقد سجنوه ليمسحوا العار عن أسرتهم فقط وليس لأمر آخر. لقد أرادوا إبعاده أياما ثم إعادته إليهم لأنهم قد تعودوا عليه ولا يمكنهم الاستغناء عنه. ليس بين أفرادهم أحد يشابه يوسف في العلم والفهم والإدراك. إنه هو الذي استولى على عقل ملكهم فيما بعد في عملية واحدة صدرت منه فكيف بالذين عاش يوسف بينهم ورأوا منه الكثير من المكرمات والافكار النيرة وحسن الخصال؟ إنهم اضطروا لإبعاده عن قصرهم أياما أو أشهر ولم يفعلوا ذلك بنية العقاب.

لنتصور نبيا من أنبياء الله الكرام يعيش معنا عدة سنوات فكيف يتأتى لنا أن نبعده عن أعيننا بأيدينا؟ أضف إلى ذلك الشعور العاطفي الذي انتاب امرأة العزيز تجاه يوسف!

فمن غير السهل أن نفهم ما كان يدور في أعماق امرأة العزيز التي كانت مصرة على حبها ليوسف ولم تقتنع بغير الارتباط العاطفي البدني معه.

ولكن من السهل أن نفهم ما انطوت عليه نفس يوسف من أفكار وهو ينتقل إلى السجن. كان يوسف يعيش في متعة غامرة مسيطرة على مشاعره لأنه هو الذي طلب السجن من ربه ضمنيا فتحققت رغبته واستجيب دعاؤه.

فالرابح هنا هو يوسف أيضا والخاسر هم العزيز وامرأته وأهل القصر ونسوة المدينة وكل الذين تعرفوا على حدة ذكاء يوسف وحسن أدبه وتعمقه في المسائل وتحليلاته العلمية والفكرية الممتعة.

 لقد خسروا فعلا وربح يوسف بحق. إنهم رأوا آيات براءة يوسف ورأوا علامات قوته وارتباطه بربه وكيف قدر الله تعالى ليوسف أن يدخل العزيزُ بيته في أخطر لحظات امرأته وهي تعيش سكرة الشهوات وتسعى لإطفاء غليلها بالاعتداء على يوسف وإجباره بالممارسة المشينة معها.

إنهم مذنبون ويوسف هو الذي وقاه ربه مكرهم. هذا هو معنى نصر الله تعالى. سنعرف قبل أن ندخل قصر فرعون مصر مع أخينا يوسف المزيد من اهتمامات النبي العظيم عليه السلام.

وبما أن السجن خاص بالشخصيات السياسية وليس سجنا مظلما كما تصوره البعض فإن دعاء يوسف لربه لم ينتج السجن الحقيقي المتعب له. وبالعكس فإنه استحب هذا السجن ليريح نفسه الطيبة الشريفة من دعوات الفاحشة التي انطلقت باتجاهه من نسوة مصر الجميلات.

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com