معاملة الاسرى في القرآن 4 كيف أجاز الشافعي استرقاق الأسرى


.  كيف أجاز الشافعي استرقاق الأسرى

يقدم لنا البغوي تفسيرًا واضحًا, بسيطًا, غير معقد للآية الكريمة رقم 4 من سورة محمـد.  يتلخص التفسير الذي قدمه الإمام الأعظم, رضي الله سبحانه وتعالى عنه وأرضاه, في نقطتين اثنتين لا ثالث لهما.  الأولى, أن أهل العلم قد اختلفوا في أسباب نزول هذه الآية.  الثانية, أن أهل العلم قد اختلفوا في حكم هذه الآية.  دعنا نبدأ بالأولى أولاً. 

أولاً: أسباب النزول

كما هي العادة دومًا في تفسير القرآن الكريم, يقدم لنا الأئمة العظام “الأسباب” التي أدت إلى نزول الآية الكريمة.  كما هي العادة كذلك, يختلف أهل العلم في أسباب نزول الآية الكريمة.  على حين يذكر ابن عباس أن الله عز وجل قد أنزل الآية الكريمة بعدما كثر المسلمون واشتد سلطانهم, يذكر قتادة أن هذه الآية قد نزلت يوم أحد وقد فشت في المسلمين الجراح والقتل.  على حين يرى قتادة أن الآية الكريمة محمـد: 4 قد نزلت يوم أحُد أيام ضعف المسلمين وقلة عددهم, يرى ابن عباس أنها قد نزلت بعد أن قوي المسلمون وزاد عددهم.  لا يحتاج الأمر إلى التوكيد على أن ليس بأيدينا ما يمكن أن نفعله لحسم هذا الخلاف.  يعود ذلك إلى عدم وجود “سجل” بتاريخ نزول آيات القرآن الكريم.  

ثانيًا: حكم الآية

يخبرنا الإمام الأعظم البغوي, رضي الله جل وعلا عنه وأرضاه, أن أهل العلم قد اختلفوا في حكم الآية الكريمة.  ذهب البعض إلى أنها منسوخة بقوله تبارك وتعالى *فأما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم* الأنفال : 57 , وبقوله *فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم* التوبة : 5.  قال هؤلاء لا يجوز المن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء.   ذهب بعض آخر إلى أن الآية محكمة والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض, أو يفاديهم بالمال، أو بأسارى المسلمين, أو يسترقهم, أو يقتلهم. يرى بعض أهل العلم, إذن, أن الآية الكريمة محمـد 4 القاضية بإطلاق سراح الأسرى إما منا وإما فداء قد نسختها الآيتان الكريمتان الأنفال: 57 والتوبة: 5 القاضيتان بالإجهاز على الأسرى.  وعليه, قالوا بالإجهاز على الأسرى وعدم جواز المن ولا الفداء على من وقع في الأسر من الكفار.  يرى بعض أهل العلم الآخرون, على أية حال, أن الآية الكريمة ليست بالمنسوخة وإنما هي آية محكمة ما زال حكمها قائما وأنها تعطي “الإمام” الحق في مفاداة الأسرى بأسرى, أو بالمال, أو المن عليهم وإطلاق سراحهم بلا عوض.  حقًا تعطينا الآيتان الكريمتان الأنفال: 57 والتوبة: 5 الحق في الإجهاز على الأسرى, إلا أنهما لا تسلبانا الحق في إطلاق سراح الأسرى فداء أسرانا أو بدون مقابل.  وكأن المسألة, بهذا الشكل, هي أن كلا الفريقين يريان أن الآيتين الكريمتين الأنفال: 57 والتوبة: 5 تخبراننا عن الإجهاز على الأسرى إلا أن هناك فريقًا يرى أن الآيتين تأمراننا بقتل الأسرى ولا شيء سواه وفريقا يرى أن الآيتين الكريمتين لا تأمراننا بقتل الأسرى وإنما تجيزان لنا قتلهم إذا شئنا.  أي أن الأمر, في نهاية الأمر, مرجعه إلينا, إذا شئنا أن نفادي فادينا, وإذا شئنا أن نمن مننا, وإذا شئنا أن نقتل قتلنا.  والأمر مرجعه إلينا, ونحن أحرار.  دعنا نرى الأسس التي يقوم عليها موقف القائلين بالنسخ.   موقف القائلين بالنسخيقوم موقف القائلين بالنسخ على افتراض أساسي هو أن هناك تعارض بين الآية الكريمة محمـد: 4 وبين الآيتين الكريمتين الأنفال: 57 والتوبة: 5.  يرى أصحاب هذا الفريق أن هناك تعارض بين الآية الكريمة محمـد: 4 وبين الآيتين الكريمتين الأنفال: 57 والتوبة: 5.  يذهب هذا الفريق إلى أنه على حين تدعو الآية الكريمة محمـد: 4 من يؤمن بالله, وبأن محمدًا رسول الله, إلى إطلاق سراح الأسرى إما منًا وإما فداء, تدعو الآيتان الكريمتان الأنفال: 57 والتوبة: 5 من آمن بالله وبأن محمدًا رسول الله إلى الإجهاز على الأسرى وعدم خروج أحد منهم من ساحة المعركة إلا وهو جثة هامدة, هذا إذا خرج من ساحة المعركة أصلا.  وعليه, وحيث إن من المستحيل أن يطالبنا الله بإطلاق سراح الأسرى في نفس الوقت الذي يطالبنا فيه بالإجهاز على الأسرى, يرى هذا الفريق إما أن الأمر بالإجهاز على الأسرى “يجُب” الأمر بإطلاق سراح الأسرى, أو أن الأمر بإطلاق سراح الأسرى “يجُب” الأمر بالقضاء عليهم.   يرى أصحاب هذا الفريق أن الأمر بإطلاق سراح الأسرى إما منا وإما فداء يسبق نزول الأمر بالإجهاز على الأسرى, وعليه فإن نزول الأمر بقتل الأسرى ينسخ الأمر السابق له والقاضي بإطلاق سراحهم إما منا وإما فداء.   لا يحتاج إثبات خطأ هذا الفريق فيما يذهب إليه أكثر من الإشارة إلى (1) عدم وجود دليل على أن نزول الآية الكريمة محمـد: 4 يسبق نزول الآيتين الكريمتين الأنفال: 57 والتوبة: 4, و(2) عدم وجود أي إشارة إلى قتل الأسرى في الآيتين الكريمتين.   لبيان ذلك سوف أعرض “سريعًا” للآيتين الكريمتين من سورة الأنفال وسورة   التوبة. سورة الأنفاليقول تبارك وتعالى في سورة الأنفال:*إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِاْئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)*  والمعنى واضح تمام الوضوح.  وأنا هنا لن أتناول السورة الكريمة كلمة كلمة ولا حتى آية آية بالتفصيل, وإنما سأتناول الفكرة العامة التي تذهب إلى أن السورة الكريمة تأمرنا بإعلان الحرب على الكفار, ومحوهم من على سطح الأرض, والإجهاز على الأسرى منهم, وعدم جواز إطلاق سراحهم لا منا ولا فداء.  وهذه “الفكرة العامة” لا تتفق على الإطلاق المطلق مطلقًا مع ما تخبرنا به السورة الكريمة. نحن أمام سورة تتحدث آياتها عن مشكلة محددة هي طريقة التعامل مع من ينقضون عهدهم مرة بعد مرة.  هنا يخبر الله رسوله الكريم أنه إذا التقى بهم في ساحة القتال فعليه أن يكون شديدًا في تعامله معهم حتى يكونوا عبرة لمن يساندونهم.  كذلك يخبر الله رسوله الكريم أن عليه إذا “خاف” من قوم خيانة أن يعد لهم ما استطاع المؤمنون إعداده من قوة لإرهابهم وإرهاب من يساندهم على أن “يتوكل على الله” و”يجنح للسلم” إذا جنحوا له وألا يخاف من أن يخدعوه فالله حارس له وللمؤمنين, ولسوف يضاعف الله من قوتهم بحيث يمكن لألف منهم أن يواجهوا ألفين من المعتدين.   وفيما يتعلق “بالأسرى”, وهو موضوع حديثنا, فالله يخبر رسوله الكريم بأن ما كان له – مثله في ذلك مثل كل من سبقه من أنبياء – أن يكون له أسرى.  فمن يريد الأسرى إنما يريد الاحتفاظ بهم مقابل الفدية التي سوف يحصل عليها.  أي مقابل عرض الدنيا والله يريد للمؤمنين حسن الآخرة.  وأخيرًا, وهذا موضع اهتمامنا, يأمر الله رسوله الكريم بأن يخبر من في أيدي المؤمنين من “الأسرى” أنهم إذا علم الله أن في قلوبهم خيرًا فسوف يعوضهم بأكثر مما أخذ منهم, ويغفر لهم, أما إن أرادو خيانة رسول الله فقد سبق لهم وخانوا الله فأمكن المؤمنين منهم ولسوف يمكّن المؤمنين منهم مرة ثانية إذا فكروا في الخيانة مرة ثانية. والقصة التي ترويها الآيات الكريمة في السورة الكريمة غير القصة التي يرويها الأئمة العظام.  لا يوجد هنا أمر بالقضاء على الكفار الذين يسكنون الكرة الأرضية.  لا يوجد هنا أمر بالإجهاز على الأسرى وعدم السماح بخروج الكفار من أرض المعركة إلا للدفن.  هذا إذا خرجوا أصلا.  القصة هنا قصة كيفية التعامل مع من أدمن الغدر والخيانة.  وهي قصة يخبر فيها الله رسوله الكريم بأن خير حل لها هو ألا يخاف.  وأن يعد ما استطاع من القوة “ليرهب” العدو فيحجم عن الاعتداء.  فإذا ما جنح للسلم وجنح عن العدوان فعلى رسول الله أن يتوكل على الله ويجنح هو الآخر إلى السلم وألا يجعل خوفه من الخيانة سببًا لعدم جنوحه إلى السلم, فالله حارسه وحاميه, وما عليه سوى التوكل على الله والجنوح إلى السلم.  وأما بالنسبة للأسرى, وهو موضوع حديثنا وبؤرة اهتمامنا, فالموضوع واضح.  يخاطب الله رسوله الكريم قائلاً له بأن ليس له أن يكون له أسرى وأن عليه إطلاق سراحهم وألا يجعل موضوع الحصول على الفدية سببًا في إطالة مدة أسرهم.   كذلك يأمر الله رسوله الكريم بأن يخبر من في أيدي المؤمنين من “الأسرى” أنه إذا علم الله أن في قلوبهم خيرًا فسوف يعوضهم بأكثر مما أخذ منهم, ويغفر لهم, أما إن أرادو خيانة رسول الله فقد سبق لهم وخانوا الله فأمكن المؤمنين منهم ولسوف يمكّن المؤمنين منهم مرة ثانية إذا فكروا في الخيانة مرة ثانية.   والسؤال هو التالي: كيف يمكِّن الله المؤمنين من الأسرى “مرة ثانية” إلا إذا كانوا قد أطلقوا سراحهم ؟  بل كيف “يغفر” لهم ويرحمهم إذا كانت الأوامر قد صدرت بالإجهاز عليهم وعدم مغادرتهم أرض المعركة إلا وهم جثث هامدة ؟    والقصة واضحة تمام الوضوح.  والسؤال الآن, وهو سؤال هام, هو التالي: من أين جاء الأئمة العظام بفهمهم للآيات الكريمة ؟  من أين جاءت قصة الإجهاز على الأسرى في أرض المعركة ؟  من أين جاءت قصة الحرب العالمية الدينية على من لا يؤمن بالله ؟  من أين جاءت قصة أن على من آمن بالله, وبأن محمدًا رسول الله, وبأن القرآن كلام الله, أن يقتل من لا يؤمن بالله ولا بأن محمدًا رسول الله ؟  والإجابة قادمة, بإذن الله, في مقال آخر إذا شاء الله وأعطانا عمرًا.  إلا أنه يبقى “التوكيد” على أن لا تعارض هناك بين الآية الكريمة محمـد: 4 والآية الكريمة الأنفال: 57.  سواء في هذه أو تلك فإن الله يامر رسوله الكريم بعدم الاحتفاظ بأسرى. *ليس لنبي أن يكون له أسرى*  ما يخبرنا به الله في كتاب الله هو أن علينا إطلاق سراح الأسرى.  قد يكون منا.  قد يكون فداء.  إلا أنه سواء كان هذا أم ذاك فإن على من آمن بالله, وبأن محمدًا رسول الله, وبأن القرآن كلام الله, أن يطلق سراح الأسرى.  سورة براءة وصورة مجتمع المدينةتقدم لنا سورة براءة صورة لما كان عليه حال مجتمع المدينة فترة حياة الرسول الكريم فيها.  وهو مجتمع يتألف من خليط من المؤمنين, والمنافقين, والمشركين, وأهل الكتاب.  تصور لنا السورة الكريمة مدى التوتر الذي كان موجودًا بسبب هذا الخليط غير المتجانس.  تشير السورة الكريمة إلى وجود المؤمنين الذين يؤمنون بالله كما تشير إلى أولئك الذين “لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ* كما تشير إلى المنافقين الذين نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وكانوا من المعتدين, الذين يتظاهرون بأنهم من المؤمنين. تدعو السورة الكريمة في أكثر من آية إلى التصدي للعدوان المتواصل على المؤمنين سواء من جانب أهل الكتاب ممن لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر أو من جانب المنافقين.  يقول جل وعلا :*قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)*  *إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)**يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)* حقيقة الأمر, يعاتب سبحانه وتعالى الذين آمنوا على تثاقلهم في الاستجابة إلى دعوة رسول الله لهم لرد العدوان عليهم.  يقول جل ذكره:*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)*أكثر من ذلك, يبين جل ذكره أن الله لا يضيع أجر المحسنين.  يقول سبحانه وتعالى: *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120)* حقيقة الأمر, تبدأ السورة الكريمة ببيان من الله سبحانه وتعالى يتبرأ فيه ورسوله من العهود التي عقدها رسول الله بينه وبين المشركين.  يبين سبحانه وتعالى أنه بمجرد انقضاء فترة الأشهر الحرم فسوف يقاتل المؤمنون هؤلاء المشركين أنى وجدوهم.  يذكّر جل ثناؤه المؤمنين أنهم إنما يقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول من المدينة وكانوا هم البادئين بالعدوان إلا أنه يبين لهم أنه إذا تاب هؤلاء المشركون عما كانوا يفعلون, وأقاموا الصلاة, وآتوا الزكاة, فعندها يلزم التوقف عن قتالهم وإخلاء سبيلهم.      كذلك يبين جل ثناؤه أن إنهاء العهود هذا لا ينطبق على من عاهدهم رسول الله من المشركين الذين لم ينقصوا المؤمنين شيئًا ولم يظاهروا عليهم.   هذه هي, باختصار شديد للغاية, قصة سورة التوبة.  القصة, بهذا الشكل, هي قصة المشاكل التي تعرض لها رسول الله في سنوات وجوده في المدينة المنورة. وهي مشاكل استدعت اللجوء إلى القوة المسلحة للدفاع عن النفس.  إلا أنها لم تستخدم القوة المسلحة للعدوان على الآخرين.  يظهر ذلك بصورة واضحة تمام الوضوح في ذكر الله سبحانه وتعالى أن إنهاء العهود المعقودة مع المشركين لا ينطبق على المشركين الذين لم ينكثوا عهودهم, ولم ينقصوا المؤمنين شيئا, ولم يظاهروا عليهم.  القصة, إذن, ليست قصة القضاء على الكفار ومحوهم من على سطح الأرض لأنهم كفار, وإنما القصة قصة رد العدوان.  كن كافرًا إذا شئت.  وافعل ما يحلو للكفار.  ولن يؤثر هذا على علاقتك بالمؤمنين بشيء ولن ينهي عهدًا بينك وبينهم.  موضوع أنك مؤمن أو غير مؤمن موضوع لا يهم أحدًا سواك وسوى من خلقك.  ما يهمنا هنا هو ألا تنكث عهدك معنا, وألا تعتدي علينا, وألا تنقصنا شيئا يخصنا, وألا تظاهر علينا.  أما إذا فعلت ذلك فسوف نتصدى لك ونوقف عدوانك علينا.    وكأن القصة, بهذا الشكل, وهذا هو محور حديثنا أن ليس في الآية 5 من سورة التوبة أية إشارة من قريب ولا بعيد إلى إعلان الحرب العالمية الدينية والإجهاز على كل من لا يؤمن بالله, وبأن محمدًا رسول الله, وبأن القرآن كلام الله.  وكأن القصة, بهذا الشكل أيضا, لا تعارض بينها وبين الآية 4 من سورة محمـد.  ويعود السؤال يرفع رأسه طالبًا الإجابة مرة أخرى.  من أين جاء الأئمة العظام, رضي الله سبحانه وتعالى عنهم وأرضاهم جميعًا, بقصة الإجهاز على الأسرى ؟  كيف توصل الأئمة العظام, شموس الإسلام, أحبار الأمة, وأسود السنة, إلى أن الآيتين الكريمتين 57 من سورة الأنفال و5 من سورة التوبة تقضيان بعدم خروج الكفار أحياء في أي لقاء بينهم وبين المؤمنين في ساحة القتال ؟  كيف أمكن أهل العلم ممن قالوا بالنسخ أن يقولوا بعدم جواز الفداء ولا المن على من وقع في الأسر من الكفار ؟   ثم كيف أمكن أهل العلم ممن عارضوا النسخ أن يقولوا إن الله قد أجاز لنا الفداء, مثلما أجاز لنا المن, مثلما أجاز لنا القتل ؟  أين أجاز لنا الله قتل الأسرى ؟   نحن نعلم أين “أمرنا” الله بالمن والفداء إلا أننا لا نعلم أين “أجاز” لنا القتل والاسترقاق.   حقيقة الأمر, نحن نعلم أن الله “لم يجز” لنا القتل ولا الاسترقاق وإنما الذي أجاز القتل هم الأئمة العظام والذي أجاز الاسترقاق هو الشافعي.  نحن نعلم كذلك أن ليس للشافعي – ولا لغير الشافعي – أن يجيز ما لم يجز الله, ولا أن يحرم ما لم يحرم الله. وللحديث, إن شاء الله, بقية إن كان في العمر بقية.  إلا أني آمل أنه قد استبان أن الله لم يجز لنا يومًا قتل الأسرى, ولا استرقاقهم, وإنما أمرنا بالإحسان إليهم, وإطعامهم, وإطلاق سراحهم لوجه الله.   قصة الحرب العالمية الدينية والإجهاز على الأسرى وعدم خروجهم من ساحة القتال أحياء هي قصة من قصص الثقافة العربية القديمة وليست أبدًا قصة من قصص القرآن.   وإن الحمد لله, والشكر لله, على ما آتانا وما لم يؤتِنا, وما أعطانا وما لم يعطِنا. 
كمال شاهين

 #تطوير_الفقه_الاسلامي 
28 مايو 2015
الإعلانات

معاملة الاسرى في القرآن3 . قتل الأسرى والجرحى عمل صالح يثيب عليه الله


معاملة الاسرى في القرآن3 . قتل الأسرى والجرحى عمل صالح يثيب عليه الله

قدم لنا الطبري, إذن, موقف “أهل العلم” من الآية الكريمة 4 من سورة محمـد.  لا يختلف أحد من أهل العلم هؤلاء, كما يخبرنا الإمام الأعظم رضي الله سبحانه وتعالى عنه وأرضاه, على أن الآية الكريمة تفيد أن الله يطلب منا إطلاق سراح الأسرى وعدم الاحتفاظ بهم.  يبدأ الاختلاف, على أية حال, عندما يبدأ النظر فيما إذا كان هذا هو ما يريده الله منا “الآن” أم أن هذا هو ما كان يريده الله منا “فيما مضى”.  يذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا هو ما كان يريده الله منا “فيما مضى” عند نزول الآية الكريمة وهو أيضًا ما يريده الله منا “الآن”.  أي لا فرق بين ما يريده الله “الآن” وما كان يريده “فيما مضى”.  يذهب بعض آخر من أهل العلم, على أية حال, إلى أن ما يريده الله منا “الآن” يختلف عما كان يريده منا “فيما مضى”.  إذا كان الله “فيما مضى” يريد منا إطلاق سراح الأسرى, فإن الله يريد منا “الآن” قتلهم.  يلفت أهل العلم “الآخرون” هؤلاء النظر إلى أن الآية الكريمة 4 من سورة محمـد تمثل ما كان عليه الوضع قبل أن ينزل سبحانه وتعالى الآية 57 من سورة الأنفال التي يطلب فيها منا أن نتوقف عن “أخذ الأسرى”.  أي ألا نبقي على أحد من الكفار الذين نلقاهم في ساحة المعركة.  إذا كان الفريق الأول من أهل العلم, بهذا الشكل, “يتخيل” أن الله يطلب منا إطلاق سراح الأسرى فإن الفريق الثاني “يؤكد” لنا أن موضوع إطلاق سراح الأسرى هذا قد انتهى من زمان حيث إننا الآن ممنوعون من أخذ أسرى من أساسه.  ما يطلبه الله منا الآن لم يعد “إطلاق سراح الأسرى” وإنما “تجفيف منابع الأسر”.  المطلوب الآن ألا يغادر الكفار أرض المعركة إلا وهم جثث.  المسألة, بهذا الشكل, واضحة كل الوضوح.  هناك فريق من “أهل العلم” يرى أن الله يأمرنا بإطلاق سراح الأسرى إما منا وإما فداء, وفريق آخر من “أهل العلم” كذلك يرى أن الله يأمرنا بعدم أخذ أسرى من أساسه.  نحن, بهذا الشكل, أمام موقفين متعارضين لا يمكن التوفيق بينهما.  موقف يرى أن الله سبحانه وتعالى يأمرنا بإطلاق سراح الأسرى, وموقف آخر يرى بأن الله يأمرنا بألا يكون لنا أسرى.  إلا أن الطبري له موقف خاص به.

يرى الطبري أن الآية الكريمة 4 من سورة محمـد لا “تطلب” منا أن نطلق سراح الأسرى كما “يتخيل” أهل العلم, وإنما “تأذن” لنا أن نفعل ذلك.  أي أن الله سبحانه وتعالى “لا يأمرنا” بإطلاق سراح الأسرى إما منا وإما فداء, وإنما “يخبرنا” بأن لنا الحق “إذا شئنا” أن نطلق سراحهم إما منا وإما فداء.   يرى الطبري كذلك أن نفس الشيء ينطبق أيضًا على الآية الكريمة 57 من سورة الأنفال.  مرة أخرى, “لا يأمرنا” سبحانه وتعالى بالقضاء على الكفار الذين نلقاهم في ساحة المعركة وإنما “يخبرنا” بأن لنا الحق, إذا شئنا, في القضاء عليهم.  وهكذا “يزيل” الإمام الأعظم التعارض بين الآية 4 من سورة محمـد وبين الآية 57 من سورة الأنفال.   نحن الآن لا نتعامل مع آيتين تأمرنا إحداهما بإطلاق سراح الأسرى على حين  تأمرنا الأخرى بعدم أخذ أسرى من أساسه – أي قتل كل من وجد على أرض المعركة من الكفار – وإنما نتعامل مع آيتين “تخبرنا” إحداهما بأن لنا الحق – إذا شئنا, وإذا رأينا أن هذا في مصلحتنا – في أن نطلق سراح الأسرى بأي طريقة نشاء على حين “تخبرنا” الأخرى بأن لنا الحق – إذا شئنا, وإذا رأينا أن هذا في مصلحتنا – أن نفني كل الكفار الذين لقيناهم على أرض المعركة.  ونحن أحرار. 

نحن الآن, حسب “تفسير” الطبري هذا, أحرار لنا الحق, إذا شئنا, في مبادلة أسرى الكفار مقابل أسرانا, كما أن لنا الحق في إطلاق سراح أسرى الكفار مقابل مبلغ من المال, بل إن لنا الحق في إطلاق سراحهم دون مقابل من أصله, كما أن لنا, إذا شئنا, أن نجهز عليهم جميعا.  ونحن أحرار.  نحن أحرار, لنا أن نكرم وفادة الأسرى وأن نفك أسرهم, كما أن لنا أن نقص رقابهم.  ونحن أحرار.  هل يحتاج الأمر إلى البرهنة على خطأ الإمام الأعظم فيما يذهب إليه من أن من حقنا أن نفعل ما يخطر ببالنا, ويتفق مع مصلحتنا, وأن الأمر مرجعه إلينا, إذا شئنا أكرمنا وفادتهم وفككنا أسرهم, وإذا شئنا قصصنا رقابهم ؟  أفكر أنه يحتاج.  إلا أني أفكر أن المسألة تحتاج أيضًا إلى أن نفكر.  تحتاج إلى أن نسأل أنفسنا عما إذا كان يمكننا النظر إلى قتل من وقعوا في أيدينا في أرض المعركة على أنه عمل صالح يرضى عنه الله.  يخبرنا الله أن كل ما يطلبه منا لكي ندخل جنته هو الإيمان والعمل الصالح.  والمطلوب منا الآن أن نقرر ما إذا كان من الممكن النظر إلى قتل الأسرى والجرحى في ميدان القتال على أنه عمل صالح يثيبنا الله عليه, فإذا ما قررنا أن قتل الأسرى والجرحى في ميدان القتال عمل صالح يثيب الله عليه فعلينا “التبليغ”.  أي علينا ألا نبخل على خلق الله من غير المسلمين بدعوتهم إلى الاقتداء بنا وقتل الأسرى والجرحى مثلنا, فهذه من صالح الأعمال.   علينا أن نخبرهم أن ديننا ينهانا عن الكذب, والسرقة, والزنا, ويدعونا إلى الصدق, والأمانة, وقتل الأسرى والجرحى.  علينا كذلك أن نبين لهم أن ديننا مثلما يدعونا إلى “إطعام الأسرى” و”إطلاق سراح الأسرى” فهو أيضًا يدعونا إلى “قتل الأسرى” فكلها “أعمال صالحة”.  وكأن المسألة, بهذا الشكل, هي أن “شيطان التناقض” يسكن قلب التفاسير القديمة للقرآن الكريم تمامًا مثلما يسكن قلب الفقه السني القديم.  يستحيل أن يبيح الله لنا قتل الأسرى والجرحى في ميادين القتال.  والإمام الأعظم الطبري, رضي الله جل ثناؤه عنه وأرضاه, قد أخطأ خطئا واضحًا, بينًا, جليًا عندما “تخيل” أن الله قد أباح لنا قتل الأسرى في ميادين القتال.   وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

كمال شاهين 

25 مايو 2015

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

معاملة الاسرى في القرآن 2 الآية الرابعة من سورة محمـد


معاملة الاسرى في القرآن 2 

الآية الرابعة من سورة محمـد

استمرارًا للبحث الخاص بمعاملة الأسرى في القرآن الكريم, نعرض اليوم لدراسة الطريقة التي فسر بها قدماء المفسرين الآية الكريمة 4 من سورة محمـد.  يقتصر البحث على ما جاء في تفسير الطبري.  تم إلحاق نسخة من تفسير الطبري للآية الكريمة في نهاية الرسالة بحيث يمكن للقاريء أن يتحقق من صواب التحليل الذي سنقدمه لتفسير الطبري.  

تفسير الطبري

*فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ* محمـد :  4

يقدم لنا الطبري في تفسيره للآية 4 من سورة محمـد فهمًا واضحًا موجزًا لا مشكلة فيه.  يقول:

“يقول تعالى ذكره لفريق الإيمان به وبرسوله أن عليهم إذا لقوا الَّذِينَ كَفَرُوا بالله ورسوله من أهل الحرب أن يضربوا رقابهم حتى إذا غلبوهم وقهروا من لم يضربوا رقبته منهم فصاروا في أيديهم أسرى أن يشدُّوا الْوَثَاقَ كي لا يقتلوهم فيهربوا منهم.  فإذا أسروهم بعد الإثخان فإما أن يمنوا عليهم بعد ذلك بإطلاقهم إياهم من الأسر, ويحرروهم بغير عوض ولا فدية, وإما أن يفادوهم فداء بأن يعطوهم من أنفسهم عوضا حتى يطلقوهم ويخلوا لهم السبيل.

والآية, حقيقة الأمر, واضحة لا مشكلة فيها.  يخبر الله من آمن بالله, وبأن محمدًا رسول الله, وبأن القرآن كلام الله, أن عليهم إذا لقوا الكفار على أرض المعركة أن يضربوا رقابهم حتى إذا تغلبوا عليهم قاموا بأسر من بقي على أرض المعركة منهم على أن يطلقوا سراحهم إما مقابل أسرى المسلمين, أو مقابل مبلغ من المال, أو بدون مقابل على الإطلاق. 

تبدأ المشاكل, على أية حال, عندما يخبرنا بعض أهل العلم أن هذه الآية قد نسخت.  أي تم إيقاف العمل بها.  مثال على ذلك, يخبرنا قتادة أن المسلمين كانوا فعلاً يطلقون سراح الأسرى الذين أمسكوا بهم مقابل فدية أو بلا مقابل على الإطلاق إلا أن كل ذلك قد توقف بعد أن أنزل سبحانه وتعالى أمره بالتوقف عن أخذ الأسرى من أساسه وقتل كل من وجد على أرض المعركة من المشركين كما جاء في الآية الكريمة *فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ.*  الأنفال :  57.   يذكر عبد الكريم الجزري, في هذا السياق, “أنه كُتب إلى أبي بكر رضي الله عنه في أسير أُسر فذكر أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا, فقال أبو بكر: اقتلوه, لقتلُ رجل من المشركين, أحبّ إليّ من كذا وكذا”.  يعني هذا الكلام أنه إذا كان هناك من يخبرنا بأن الله يأمرنا بإطلاق سراح الأسرى مقابل مبلغ من المال أو بدون أي مقابل على الإطلاق, فإن هناك من يخبرنا بأن هذا الكلام كان “في الماضي” قبل نزول الآية الكريمة التي يأمرنا تبارك وتعالى فيها بعدم أخذ أسرى من أساسه وقتل كل من تواجد على أرض المعركة من المشركين.  أكثر من ذلك, يستشهد القائلون بنسخ الآية 4 من سورة محمـد بالوقائع التاريخية التي تؤكد صحة ما يذهبون إليه.  يظهر ذلك واضحًا جليًا فيما قام به أبو بكر عندما رفض إطلاق سراح أسير جاء أهلوه في طلبه معلنين استعدادهم لمفاداته.  لم يقبل أبو بكر الصديق هذا الطلب وقام بقتل الأسير طاعة لأمر الله في الآية الكريمة من سورة الأنفال (الأنفال: 57).   يعني هذا الكلام, طبعًا, أنه لو كان صحيحًا حقًا أن العمل بالآية 4 من سورة محمـد ما زال قائمًا لما قام أبو بكر رضي الله عنه بقتل الأسير.  كيف لأبي بكر الصديق أن يقوم بعمل لا يرضى عنه الله ؟   قتل أبي بكر الصديق لأسيره, بهذا الشكل, هو خير دليل على توقف العمل بالآية 4 من سورة محمـد.  أي خير دليل على أنها قد نُسخت.

إذا كان بعض أهل العلم يذهبون إلى أن الآية الكريمة 4 من سورة محمـد قد نُسخت, فإن بعض أهل العلم أيضًا يؤكدون أنها لم تنسخ وأن العمل بها قائم إلى يوم الدين.  يستشهد أهل العلم هؤلاء بالوقائع التايخية التي تساند صحة ما يذهبون إليه.  يذكر الحسن, في هذا السياق, أن “الحجاج أتى بأسارى فدفع إلى ابن عمر رجلا يقتله فقال ابن عمر إن ليس بهذا أُمرنا. قال الله عزّ وجلّ *حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء.*   كما جاء عن عطاء أنه كان يكره قتل المشرك صبرا ويتلو هذه الآية *فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً*.   كذلك جاء عن الحسن أنه كان يكره أن يفادى بالمال وأنه قال لا تقتل الأسارى إلا في الحرب يهيب بهم العدوّ.   لم يكن لابن عمر أن يرفض قتل الأسرى لو لم يكن يعلم أن الله قد حرم ذلك.  رفض ابن عمر, بهذا الشكل, هو خير دليل على أن الآية 4 من سورة محمـد هي آية محكمة لم تنسخ.

ينقسم أهل العلم, بهذا الشكل, قسمين.  قسم يذهب إلى أن الله قد أمرنا بإطلاق سراح الأسرى إما مقابل فدية يدفعها الأسير أو أهله, وإما بدون مقابل على الإطلاق, وقسم يذهب إلى أن هذا ما كان يطلبه منا الله إلا أنه سبحانه وتعالى يطلب منا الآن ألا نأخذ أسرى من أساسه وإنما نقوم بقتل كل من وجد على أرض المعركة من المشركين.   لا يحتاج الأمر إلى “البرهنة” على أنه إذا كان القسم الأول من أهل العلم على صواب فيما يذهبون إليه من أن الآية الكريمة 4 من سورة محمـد آية محكمة ما زال العمل قائمًا بها, فمن المستحيل أن يكون القسم الثاني القائلون بنسخها على صواب هم الآخرين.  والعكس, طبعًا, صحيح.   لا يحتاج الأمر كذلك إلى لفت النظر إلى استحالة “التحقق” من صحة “الأدلة” التي يقدمها كلا الفريقين للتدليل على صحة ما يذهب إليه.  من أين لنا أن نتحقق من أن أبا بكر رضي الله عنه قد قام فعلاً بقتل أسيره صبرًا (أي وهو مربوط, مشلول الحراك, عاجز عن الدفاع عن نفسه) ؟  ثم كيف لنا أن نتحقق من أن الحجاج قد قام فعلاً بـ”إعطاء” أسير من أسراه إلى ابن عمر لكي يقتله وكأن قتل الناس كان للتسلية ؟   تخيل, حياك الله تخيل, أن تذهب للقاء ملك, أو رئيس جمهورية, أو حتى أبي سياف فيقدم إليك على سبيل التحية أسيرًا لكي تقوم سيادتك بقتله وكأنما قتل الناس رياضة أو تسلية.  والقصة عجيبة, ويبقى أنها كلها قصص لا يمكن التحقق من أي واحدة منها.  وعليه, فكل ما يمكننا قوله هو أن هناك كتابًا يسمى “جامع البيان في تأويل آي القرآن” كتبه واحد من أعظم المفسرين في تاريخ الإسلام, اسمه محمـد بن يزيد بن جرير الطبري, المولود في آمل طبرستان, جاء فيه أن بعض أهل العلم قد ذهبوا إلى أن الله قد حرم علينا قتل الأسرى وأباح لنا فقط إطلاق سراحهم مقابل فدية أو بلا مقابل, كما أن بعض العلم قد ذهبوا إلى أن هذا ما كان الله يطلبه في الماضي إلا أنه الآن يطلب منا ألا نأخذ أسرى من أساسه وإنما أن نقتل كل من نجده على أرض المعركة من الكفار.  هذا هو ما نستطيع قوله وما يمكن التحقق منه.  هناك أيضًا ما يجب قوله. 

وما يجب قوله هو التالي: على الرغم من أنه لا يمكن “التحقق” من صحة الوقائع التاريخية التي تساند أيا من الطرفين, إلا أنني لا أحتاج إلى وقائع تاريخية للتأكد من صحة ما يذهب إليه الفريق الأول من أن الله قد حرم علينا قتل الأسرى وأمر بإطلاق سراحهم إما بمقابل أو بدون مقابل.   فكرة قتل الأسرى هكذا “صبرًا” فكرة مريعة, مشينة, وشنيعة, لا يمكن أن يفكر فيها إلا من نشأ في ثقافة تقبلها.  قتل الأسرى صبرًا عمل قد يرضي الثقافة العربية القديمة إلا أنه عمل لا يرضي الله.  قتل الأسرى صبرًا ليس بعمل صالح.  هل يمكن لمن آمن بالله, وبأن محمدًا رسول الله, وبأن  القرآن كلام الله, أن يخبرنا أن الله قد أخبرنا أن قتل الأسرى صبرًا عمل صالح يوصي الله به عباده الصالحين ؟  هل هناك من يحلم بأن تقتدي البشرية بما يفعله المسلمون فتتعارف الشعوب على أن يقتل كل شعب منها اسرى كل شعب منها في كل معركة تقوم بينهم اقتداءً بالمسلمين ؟  هل هذا مراد الله ؟   هل هذا مقصد الله ؟

وللحديث, إن شاء الله, بقية إن كان في العمر بقية.  وإن الحمد لله, والشكر لله, على ما آتانا وما لم يؤتِنا, وما أعطانا وما لم يعطنا.  وما طلب الله منا يومًا أن نقتل الأسرى صبرًا, وما طلب الله منا يوما ألا نأخذ أسرى وأن نقتل كل من وجدناه على أرض المعركة من الكفار.   وقتل الأسرى صبرًا ليس بالعمل الصالح.  هذا عمل قد يرضي الثقافة العربية الشريرة البدائية إلا أنه لا يمكن أن يرضي الله.

يتبع..

كمال شاهين 

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

23 مايو 2015

تفسير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى :

*فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ* محمـد :  4


يقول تعالى ذكره لفريق الإيمان به وبرسوله فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله ورسوله من أهل الحرب, فاضربوا رقابهم.   وقوله حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ يقول حتى إذا غلبتموهم وقهرتم من لم تضربوا رقبته منهم فصاروا في أيديكم أسر  فشدُّوا الْوَثَاقَ.  يقول فشدّوهم في الوثاق كي لا يقتلوكم فيهربوا منكم.
وقوله فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء يقول فإذا أسرتموهم بعد الإثخان, فإما أن تمنوا عليهم بعد ذلك بإطلاقكم إياهم من الأسر, وتحرروهم بغير عوض ولا فدية, وإما أن يفادوكم فداء بأن يعطوكم من أنفسهم عوضا حتى تطلقوهم, وتخلوا لهم السبيل.  واختلف أهل العلم في قوله حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء فقال بعضهم هو منسوخ, نسخه قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.  وقوله فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ . ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حُمَيد وابن عيسى الدامغانيّ, قالا ثنا ابن المبارك, عن ابن جُرَيج أنه كان يقول, في قوله فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً نسخها قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن السديّ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً قال: نسخها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .  حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً نسخها قوله فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ . حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله وَإِمَّا فِدَاءً كان المسلمون إذا لقوا المشركين قاتلوهم, فإذا أسروا منهم أسيرا, فليس لهم إلا أن يُفادوه, أو يمنوا عليه, ثم يرسلوه, فنسخ ذلك بعد قوله فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ.  أي عظ بهم من سواهم من الناس لعلهم يذّكرون.  حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن عبد الكريم الجزري, قال: كتب إلى أبي بكر رضي الله عنه في أسير أُسر, فذكر أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا, فقال أبو بكر: اقتلوه, لقتلُ رجل من المشركين, أحبّ إليّ من كذا وكذا.  وحدثني محمـد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ إلى آخر الآية, قال: الفداء منسوخ, نسختها: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ إلى كُلَّ مَرْصَدٍ.  قال فلم يبق لأحد من المشركين عهد ولا حرمة بعد براءة, وانسلاخ الأشهر الحرم.  حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً هذا منسوخ, نسخه قوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فلم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة بعد براءة.  وقال آخرون: هي محكمة وليست بمنسوخة, وقالوا: لا يحوز قتل الأسير, وإنما يجوز المن عليه والفداء.  ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا أبو عتاب سهل بن حماد, قال: ثنا خالد بن جعفر, عن الحسن, قال: أتى الحجاج بأسارى, فدفع إلى ابن عمر رجلا يقتله, فقال ابن عمر: ليس بهذا أُمرنا, قال الله عزّ وجلّ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء قال البكاء بين يديه فقال الحسن لو كان هذا وأصحابه لابتدروا إليهم.  حدثنا ابن حميد وابن عيسى الدامغانيّ قالا ثنا ابن المبارك, عن ابن جُرَيج, عن عطاء أنه كان يكره قتل المشرك صبرا.  قال ويتلو هذه الآية فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً  حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الحسن, قال لا تقتل الأسارى إلا في الحرب يهيب بهم العدوّ.  قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, قال: كان عمر بن عبد العزيز يفديهم الرجل بالرجل, وكان الحسن يكره أن يفادى بالمال.  قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن رجل من أهل الشأم ممن كان يحرس عمر بن عبد العزيز, وهو من بني أسد, قال: ما رأيت عمر رحمه الله قتل أسيرا إلا واحدًا من الترك كان جيء بأسارى من الترك, فأمر بهم أن يُسترقوا, فقال رجل ممن جاء بهم: يا أمير المومنين, لو كنت رأيت هذا لأحدهم وهو يقتل المسلمين لكثر بكاؤك عليهم, فقال عمر: فدونك فاقتله, فقام إليه فقتله.  والصواب من القول عندنا في ذلك أن هذه الآية محكمة غير منسوخة, وذلك أن صفة الناسخ والمنسوخ ما قد بيَّنا في غير موضع في كتابنا إنه ما لم يجز اجتماع حكميهما في حال واحدة, أو ما قامت الحجة بأن أحدهما ناسخ الآخر, وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المنّ والفداء والقتل إلى الرسول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وإلى القائمين بعده بأمر الأمة, وإن لم يكن القتل مذكورا في هذه الآية, لأنه قد أذن بقتلهم في آية أخرى, وذلك قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ … الآية، بل ذلك كذلك, لأن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كذلك كان يفعل فيمن صار أسيرا في يده من أهل الحرب, فيقتل بعضا, ويفادي ببعض, ويمنّ على بعض, مثل يوم بدر قتل عقبة بن أبي مُعَيْطٍ وقد أتي به أسيرا, وقتل بني قُرَيظة, وقد نـزلوا على حكم سعد, وصاروا في يده سلما, وهو على فدائهم, والمنّ عليهم قادر, وفادى بجماعة أسارى المشركين الذين أُسروا ببدر, ومنّ على ثمامة بن أثال الحنفيّ, وهو أسير في يده, ولم يزل ذلك ثابتا من سيره في أهل الحرب من لدن أذن الله له بحربهم, إلى أن قبضه إليه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم دائما ذلك فيهم, وإنما ذكر جلّ ثناؤه في هذه الآية المنّ والفداء في الأسارى, فخصّ ذكرهما فيها, لأن الأمر بقتلهما والإذن منه بذلك قد كان تقدم في سائر آي تنـزيله مكرّرا, فأعلم نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بما ذكر في هذه الآية من المنّ والفداء ما له فيهم مع القتل.


وقوله حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا يقول تعالى ذكره: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا رقابهم, وافعلوا بأسراهم ما بيَّنت لكم, حتى تضع الحرب آثامها وأثقال أهلها.  المشركين بالله بأن يتوبوا إلى الله من شركهم, فيؤمنوا به وبرسوله, ويطيعوه في أمره ونهيه.   فذلك وضع الحرب أوزارها, وقيل حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا والمعنى: حتى تلقي الحرب أوزار أهلها. وقيل معنى ذلك حتى يضع المحارب أوزاره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.  ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ووقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا قال: حتى يخرج عيسى ابن مريم, فيسلم كلّ يهودي ونصرانيّ وصاحب ملة, وتأمن الشاة من الذئب, ولا تقرض فأرة جِرابا, وتذهب العداوة من الأشياء كلها, ذلك ظهور الإسلام على الدين كله, وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دما إذا وضعها.  حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا حتى لا يكون شرك.  حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا قال: حتى لا يكون شرك.  ذكر من قال : عني بالحرب في هذا الموضع: المحاربون.  حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور عن معمر, عن قتادة حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهاَ قال الحرب من كان يقاتلهم سماهم حربا.


وقوله ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ يقول تعالى ذكره هذا الذي أمرتكم به أيها المؤمنون من قتل المشركين إذا لقيتموهم في حرب, وشدّهم وثاقا بعد قهرهم, وأسرهم, والمنّ والفداء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا هو الحق الذي ألزمكم ربكم ولو يشاء ربكم, ويريد لانتصر من هؤلاء المشركين الذين بين هذا الحكم فيهم بعقوبة منه لهم عاجلة, وكفاكم ذلك كله, ولكنه تعالى ذكره كره الانتصار منهم, وعقوبتهم عاجلا إلا بأيديكم أيها المؤمنون لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ يقول: ليختبركم بهم, فيعلم المجاهدين منكم والصابرين, ويبلوهم بكم, فيعاقب بأيديكم من شاء منهم, ويتعظ من شاء منهم بمن أهلك بأيديكم من شاء منهم حتى ينيب إلى الحقّ.  وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.   ذكر من قال ذلك حدثنا بشر, قال ثنا يزيد, قال ثنا سعيد, عن قتادة وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ إي والله بجنوده الكثيرة كلّ خلقه له جند, ولو سلط أضعف خلقه لكان جندا.


وقوله وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قراء الحجاز والكوفة وَالَّذِينَ قَاتَلُوابمعنى: حاربوا المشركين, وجاهدوهم, بالألف; وكان الحسن البصري فيما ذُكر عنه يقرأه قُتِّلُوا بضم القاف وتشديد التاء, بمعنى: أنه قتلهم المشركون بعضهم بعد بعض, غير أنه لم يُسمّ الفاعلون. وذُكر عن الجحدريّ عاصم أنه كان يقرأه (الَّذِينَ قَتَلُوا بفتح القاف وتخفيف التاء, بمعنى: والذين قتلوا المشركون بالله. وكان أبو عمرو يقرأه قُتِلُوا بضم القاف وتخفيف التاء بمعنى: والذين قتلهم المشركون, ثم أسقط الفاعلين, فجعلهم لم يسمّ فاعل ذلك بهم.


وأولى القراءات بالصواب قراءة من قرأه وَالَّذِينَ قَاتَلُوا لاتفاق الحجة من القرّاء, وإن كان لجميعها وجوه مفهومة.  وإذ كان ذلك أولى القراءات عندنا بالصواب, فتأويل الكلام: والذين قاتلوا منكم أيها المؤمنون أعداء الله من الكفار في دين الله, وفي نصرة ما بعث به رسوله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من الهدى, فجاهدوهم في ذلك  فلن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ فلن يجعل الله أعمالهم التي عملوها في الدنيا ضلالا عليهم كما أضلّ أعمال الكافرين.  وذُكر أن هذه الآية عُنِي بها أهل أحد.    ذكر من قال ذلك حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ذُكر لنا أن هذه الآية أُنـزلت يوم أُحد ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في الشِّعْب, وقد فَشَت فيهم الجراحات والقتل, وقد نادى المشركون يومئذ: اُعْلُ هُبَلْ, فنادى المسلمون: الله أعلى وأجلّ, فنادى المشركون: يوم بيوم, إن الحرب سجال, إن لنا عُزَّى, ولا عُزَّى لكم, قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : “ اللهُ مَوْلانا وَلا مَوْلَى لَكُمْ. إنَّ القَتْلَى مُخْتَلِفَةٌ, أمَّا قَتْلانا فأَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ, وأمَّا قَتْلاكم فَفِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ.  حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ قال الذين قُتلوا يوم أُحد.

كتاب معاملة الاسرى – 1- معاملة الاسرى في القرآن الكريم


معاملة الأسرى في القرآن الكريم

عرض القرآن الكريم في عدة مواقع إلى طريقة معاملة الأسرى.  تبيِّن الآيات التي جاءت في هذه المواقع, بوضوح, طريقة معاملة الأسرى التي ترضي الله.  يظهر هذا بوضوح كامل في الآيات الكريمة التي جاءت في سورة الإنسان.  يقول عز من قائل: 

*هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلاً وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (4) إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً (5) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (17) عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنثُوراً (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (24) وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25) وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)*

تبيّن الآيات الكريمة, بوضوح, كيف أن من كانوا يخافون يومًا كان شره مستطيرًا, كانوا يطعمون الطعام على حبه مسكينًا, ويتيمًا, وأسيرًا, ويقولون لمن يطعمونهم إنهم إنما يطعمونهم لوجه الله لا يريدون منهم جزاءً ولا شكورًا, ذلك أنهم يخافون من ربهم يومًا عبوسًا قمطريرًا.   تبين الآيات, أيضًا, كيف أن الله يقي من فعل ذلك شر هذا اليوم ويلقاهم نضرة وسرورًا, ويجزيهم بما صبروا جنة وحريرًا, جالسين على الأرائك لا يرون شمسًا ولا زمهريرًا, دانية عليهم ظلالها وذللت لهم قطوفها, يطاف عليهم عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرًا, إلى آخر الآيات الكريمة.   والرسالة واضحة: على من كان يرجو جنة ربه أن يحسن معاملة الأسرى في غير انتظار لجزاء, أو مكافأة, أو حتى شكر, وإنما لوجه الله, ولوجه الله فقط.   يهدف هذا المقال إلى دراسة الطريقة التي “فهم” بها مفسرو القرآن الكريم من أهل السنة والجماعة هذه “الرسالة”.  أي كيف فهموا الآيات الكريمة التي عرضت لمعاملة الأسرى في سورة الإنسان.

 أولاً: أسباب التنزيل

بداية, وكما هي العادة المتبعة في تفسير آيات الله, يورد المفسرون ما يطلقون عليه اسم “أسباب التنزيل”.  أي يوردون الأحداث التاريخية التي وقعت في مكة أو المدينة والتي بسببها نزلت آيات الله.  يخبرنا البغوي, في حالتنا هذه, أن المفسرين قد اختلفوا في سبب نزول الآيات الخاصة بمعاملة الأسرى.  على حين قال مقاتل إنها نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكينًا, ويتيمًا, وأسيرًا, روى مجاهد وعطاء عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك أنه عمل ليهودي بشيء من شعير، فقبض الشعير فطحن ثلثه فجعلوا منه شيئاً ليأكلوه، فلما تم إنضاجه أتى مسكين فسأل فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه، وطووا يومهم ذلك.  ذكر الحسن وقتادة, إضافة إلى ذلك, أن الأسير كان من أهل الشرك، وفي هذا دليل على أن إطعام الأسرى – وإن كانوا من أهل الشرك – حسن يرجى ثوابه.

المسألة, إذن, وباختصار, أن رجلاً من الأنصار – أو عليًا بن أبي طالب – قد أطعم في يوم واحد مسكينًا, ويتيمًا, وأسيرًا, فنزلت الآيات الكريمة لبيان كيف أن من فعل ذلك إنما فعله لوجه الله سبحانه وتعالى وكيف أن الله جل ثناؤه يجزي على ذلك خير الجزاء.  أكثر من ذلك, تبيّن الخلفية التاريخية كيف أن الأسير كان من أهل الشرك وهو ما يبيِّن بوضوح ليس بعده وضوح أن “إطعام الأسرى – وإن كانوا من أهل الشرك – حسن يرجى ثوابه.”

من هو “الأسير” الذي تتحدث عنه الآية الكريمة ؟

لا يوجد لدي أدنى شك في أن قاريء الآية الكريمة *وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً* لا يوجد لديه أدنى شك عند قراءته لها أول مرة – إن لم يكن كل مرة – في أن كلمة “أسير” هنا تشير إلى “الحربي من أهل دار الحرب الذي أخذ قهرًا بالغلبة”.  لا يحتاج الأمر, على أية حال, إلى أكثر من قراءة “سريعة” لكتب التفسير لإدراك أن الأمر ليس كما كنا نظن.   

بداية, يخبرنا الطبري أن أهل العلم قد اختلفوا في معنى كلمة “أسير”.

1.     ذهب البعض إلى أن كلمة الأسير هنا تشير إلى الحربيّ من أهل دار الحرب يُؤخذ قهرا بالغلبة, على حين

2.     ذهب البعض الآخر إلى أنها تشير إلى العبد, على حين

3.     ذهب بعض آخر إلى أنها تشير إلى المسجون من أهل القبلة يُؤخذ فيُحبس بحقّ.  قال أبو سعيد الخدري في هذا السياق إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قرأ *ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا, ويتيمًا, وأسيرا* فقال  “المسكين الفقير، واليتيم الذي لا أب له، والأسير المملوك والمسجون.”, على حين

4.     ذهب بعض رابع إلى أنه يحتمل أن يراد بالأسير الناقص العقل لأنه في أسر خبله وجنونه, على حين

5.     ذهب بعض خامس إلى أن الكلمة قد تشير إلى المرأة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم “اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان”.  أي أسرى.

لا يشير مصطلح “الأسير”, بهذا الشكل, إلى “الحربي من أهل دار الحرب يؤخذ قهرًا بالغلبة” وحسب, كما كنا نتخيل, وإنما يشير كذلك إلى العبيد, والمساجين من أهل الإسلام, بل والمجانين والنساء كذلك.   يمكن لمصطلح الأسير, بهذا الشكل, أن يشير إلى أي من هؤلاء أو إلى كل هؤلاء.   في قرائتنا للآية الكريمة, بهذا الشكل, علينا أن نتبيّن أولاً ما إذا كانت الإشارة هنا إلى “أسرى الحرب” أم إلى العبيد, أم إلى المساجين, أم إلى النساء, أم إلى المجانين, أم إلى كل هؤلاء.   في أي محاولة “لتبين” ذلك يمكننا, إذا أردنا, أن نأخذ هذه الإشارات واحدة وراء الأخرى لاستكشاف ما إذا كان من الممكن للمصطلح فعلاً أن يشير إليها.  مثال على ذلك, هل يمكن للمصطلح أن يشير إلى المساجين ؟  ثم هل يمكن للمصطلح أن يشير إلى النساء ؟  ثم هل يمكن للمصطلح أن يشير إلى العبيد ؟  دعنا نرى.  ثم هل يمكن للمصطلح أن يشير إلى المجانين ؟  دعنا نبدأ بالمساجين.

فكرة أن تطوف المساجين على البيوت باحثة عما تأكله فكرة من الصعب قبولها كما أن من الصعب رفضها.  يعود ذلك إلى أن المساجين تعيش “في العادة” في أماكن مغلقة لا يسمح لهم بمغادرتها.  المشكلة أنه لا تتوفر “لدي” أي معلومات عن أنظمة السجون في الحجاز في الجاهلية أو القرن الأول من الهجرة.  يمكن, مثلا, في حالة ما إذا أثبت البحث التاريخي أن “المساجين” كانت حرة طليقة تخرج في أوقات معينة بحثا عن الطعام ثم تعود بعد ذلك إلى السجن لقضاء العقوبة, يمكن قبول فكرة أن الآية تشير إلى المساجين.  يمكن كذلك إذا أثبت البحث التاريخي أن السجون كانت تقبل الصدقة على شكل أطعمة, يمكن تقبل فكرة أن الناس كانت ترسل الطعام إلى هؤلاء المساجين.  في ظل المعلومات المتاحة لنا حاليًا عن أنظمة السجون في الحجاز في الجاهلية والقرن الأول الهجري لا يمكن قبول أو رفض فكرة أن مصطلح “الأسير” يشير إلى المساجين. 

  إذا كان من الصعب رفض أو قبول فكرة أن مصطلح “أسير” يشير إلى المساجين لعدم توفر المعلومات اللازمة للحكم بالرفض أو القبول, فإن من السهل رفض فكرة أن مصطلح “أسير” يشير إلى النساء.  فكرة أن النساء تجوز عليهن “الصدقة” لمجرد أنهن نساء فكرة لا يمكن قبولها.  نحن نعلم أن نساء الطبقة الثرية في أي بلد كن يعشن لا تجوز عليهن الصدقة.  ينطبق ذلك على الحجاز كما ينطبق على روما.  حقيقة الأمر, نحن نعلم أن كثيرًا من نساء مكة والمدينة كن على قدر كبير من الثراء. لا يقدم الناس الطعام “للنساء” وإنما لمن لا يجد ما يأكل.  القول بأن الله يثيب من يقدم الطعام للنساء لمجرد أنهن نساء قول غير مستقيم.

ويبقى العبيد والمجانين.  والسؤال هنا هو كالتالي: هل كان العرف اللغوي وقت نزول الآية الكريمة هو الإشارة إلى العبيد والمجانين باستخدام مصطلح “أسير”.  عندما كان الرجل يسأل عما يفعله عبده هل كان يقول “ماذا يفعل أسيري ؟”, أم كان يقول “ماذا يفعل عبدي ؟”  والإجابة أن العرف اللغوي “لا يسمح” باستخدام كلمة “أسير” للإشارة إلى العبيد والمجانين.

يعني ما سبق أن ذهاب المفسرين إلى أن مصطلح “أسير” يشير إلى العبيد, أو المساجين, أو النساء, أو المجانين, وليس إلى أسرى الحروب, أو يشير إلى كل هؤلاء بما في في ذلك أسرى الحروب, هو أمر غير مستقيم.  لا يستخدم مصطلح “أسير” في اللغة العربية للإشارة إلى العبيد, أو المساجين, أو النساء, أو المجانين, وإنما للإشارة إلى أسرى الحروب. 

ما هو ثواب من أطعم أسيرا ؟

يذكر الطبري أن سليمان بن قيس قد قال إن “الله جلّ ثناؤه يعني بقوله مسكينا ذوي الحاجة الذين قد أذلتهم الحاجة،ويَتِيمًا وهو الطفل الذي قد مات أبوه ولا شيء له, وأسِيرًا وهو الحربيّ من أهل دار الحرب يُؤخذ قهرا بالغلبة، أو من أهل القبلة يُؤخذ فيُحبس بحقّ.  فأثنى الله على هؤلاء الأبرار بإطعامهم هؤلاء تقرّبا بذلك إلى الله وطلب رضاه، ورحمة منهم لهم.”  كذلك ذكر البغوي, في معرض حديثه عن أسباب النزول, أن الحسن وقتادة قد قالا إن الأسير كان من أهل الشرك وفيه دليل على أن إطعام الأسارى، وإن كانوا من أهل الشرك، حسن يرجى ثوابه.  يشير القرطبي, على أية حال, إلى أن سعيد بن جبير قد ذكر أن آية السيف قد نسخت إطعام الأسير وإن كان قد قيل كذلك أن إطعام الأسير لم ينسخ بل هو ثابت الحكم.  أوضح القرطبي, على أية حال, أن من ذهبوا إلى أن إطعام الأسير هو حكم ثابت قد بينوا أن:

“إطعام الأسير لحفظ نفسه إلا أن يتخير فيه الإمام, وأسر المشرك انتقام يقف على رأي الإمام; وهذا بر وإحسان.”

يذهب سليمان بن قيس إلى أن الله يثني على هؤلاء الأبرار الذين يطعمون الأسِير الحربيّ من أهل دار الحرب تقرّبا بذلك إلى الله وطلب رضاه، ورحمة منهم لهم.  كذلك يؤكد على أن إطعام الأسارى – وإن كانوا من أهل الشرك – حسن يرجى ثوابه.  المشكلة أن سعيد بن جبير قد ذكر أن آية السيف قد نسخت آية إطعام الأسير.  حقًا, هناك من أكد أن آية إطعام الأسير لم تنسخ بل هي ثابتة الحكم, إلا أن من أكد هذا قد أكد أيضًا أن “أسر المشرك انتقام يقف على رأي الإمام”.  أي أن للإمام أن “يتخير” فيه.  إن شاء أن يطلق سراحه بلا مقابل أطلقه, وإن شاء أن يقبل فيه الفدية قبل, وإن شاء أن يستعبده استعبده, وإن شاء أن يطيح برأسه أطاح.  وإلى أن يأخذ الإمام قراره فإطعام الأسير لحفط نفسه.  وهذا بر وإحسان.   وهذا هو التفسيرالسني القديم.  يقرأ المفسر السني القديم كتاب الله ليفهمه ويخبرنا بما فهمه فيقرأه ليخبرنا بأن الله يثيبنا على إطعام الأسير إلى أن يحين وقت قتله.   وسبحان الله الذي لا إله إلا هو. 

وإن الحمد لله, والشكر لله, على ما آتانا وما لم يؤتِنا, وما أعطانا وما لم يعطِنا.

كمال شاهين 

19 مايو 2015

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/