يوسف أيها الصديق ح 26 – مصر والسبع العجاف


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 26 – مصر والسبع العجاف

أوحى يوسف إلى الساقي بأنه يتقن كل عمل يعمله دون الاهتمام بعوائده لشخصه. إنه صاحب رسالة لا يمكن أن يستهين بما يقوله أو يفرط في ما يتحدث به مع الناس. إنه معلم مخلص بغض النظر عن حاجاته ومصالحه الشخصية. قال يوسف رادا على صاحبه القديم في السجن كما وصف الله تعالى الموقف:

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴿47﴾

ظن المفسرون الكرام بأن دأبا هنا تدل على أنهم سيزرعون سبع سنين متواليات باعتبار معنى كلمة دأب. و أن الفعل أمر بصورة الخبر باعتبار “فذروه في سنبله”. فقد قال الزمخشري في الكشاف:

تَزرَعُونَ: خبر في معنى الأمر كقوله: تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون. الصف: 11 . وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب إيجاد المأمور به فيجعل كأنه يوجد فهو يخبر عنه. والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: فَذَرُوُه فِي سُنبُلِهِ. دأباً: بسكون الهمزة وتحريكها وهما مصدرا: دأب في العمل وهو حال من المأمورين أي دائبين: إما على تدأبون دأباً وإما على إيقاع المصدر حالاً بمعنى: ذوي دأب. انتهى.

أنا اختلف مع الزمخشري . فلو كان المقصود الاستمرار أو الجد في العمل لقال سبحانه: تزرعون سبع سنين دائبة أو دائبين. بالطبع أن قول الزمخشري: دأبا حال من المأمورين، لا يخالف قوانين الحال برأيي ولكن وضع المصدر مكان الحال لغير ضرورة ودون قصد خاص غير مقبول. حاشا كتاب الله تعالى من هذه التأليفات الغريبة.

وليس في مفكرتي معنى للدأب ولكنني مضطر بأن أقول بأن الدأب معنى من معاني الحبوب أو القمح بالذات أو نوع من البر ولعل الكلمة قبطية معربة. أو لعل المصريين القدماء كانوا يستعملون تعبيرا خاصا للحبوب التي يعيشون عليها كتعبيرنا نحن لها بالعيش.

فنرى الشعوب التي تعيش على القمح تسميه عيشا والشعوب التي تعيش على الرز تسمي الرز عيشا. فلعلهم يسمون الحب الذي يعيشون عليه دأبا. ولعلهم كانوا يستعملون كلمة تدل على العادة اليومية في الأكل ففسرها الله تعالى بالدأب بمعنى العادة. لكن الكلمة على أي حال لا يمكن أن تدل على غير الحبوب الزراعية ولا يمكن أن تكون صفة بالطبع كما لا يمكن أن تكون حالا كما قاله الزمخشري.

وقال الطباطبائي في الميزان: فالمعنى تزرعون سبع سنين زراعة متوالية مستمرة، و قيل: هو من دأب بمعنى التعب أي تزرعون بجد و اجتهاد، و يمكن أن يكون حالا أي تزرعون دائبين مستمرين أو مجدين مجتهدين فيه. انتهى.

وهو تفسير غير دقيق برأيي. لا أدري كيف توصل الطباطبائي إلى معنى: تزرعون سبع سنين متوالية؟ وما الفائدة من إضافة متوالية؟ لنفترض أن يوسف قال: تزرعون سبع سنين، ولم يضف دأبا، فهل تعني تزرعون سبع سنين غير متوالية؟ بالطبع لا، فما الحاجة إلى إضافة كلمة متوالية؟ كل الناس يعرفون بأن زراعة حبوب العيش سنوية بالنسبة لكل الحبوب بلا استثناء فلا حاجة لإضافة كلمة: متوالية أو ما في معناها.

إذن قال يوسف لرسول الملك: هناك سبع سنوات خير وزرع بانتظار المصريين. فلا تغتروا بها وحاولوا أن تحصنوا من حصادكم ما زاد عن مأكلكم. ولو تتركوا الحبوب في سنابلها قبل تحصينها حتى لا تفسد وتبقى محفوظة في السنابل لاستقبال سني الجدب.

كما أن يوسف أوصاهم بأن لا يسرفوا في الحبوب فيكتفوا بالأكل منها حتى لا يجوعوا في سني الجدب المقبلة لا محالة. هذه مسائل علمية دقيقة تفوه بها يوسف من منطلق علمه وعقله قبل أكثر من أربعين قرنا.

والواقع أن الأنبياء كانوا علماء ومهندسين وأطباء أكثر من كونهم أصحاب معاجز ومخبرين بالغيب كما يتصورهم الكثيرون. وقد لاحظت بأن أكثر آثار الأنبياء التي نعرفها من القرآن تنبئ عن علم وإدراك لحقائق الطبيعة ومساعدة للناس في الحياة الأفضل وفي العيش بسلام وأمان.

يوسف استعمل فهمه للأعراف المصرية وكيفية تأويلهم للأحاديث ليتعرف على تفسير رؤيا الملك.

فالله تعالى يخاطب الناس بالطرق التي يفهمونها. هذا الملك يدير مجتمعا متقدما في الزراعة قبل أن يكون متقدما في العمران. والواقع أنهم كانوا يعيشون على الزراعة ولكن العمران وما تبعه هي من آثار تفننهم في الحياة واستفادتهم من فائض دخلهم لبناء الأهرام والاشكال الهندسية الرائعة على قبورهم إرضاء لملوكهم حتى يطمئنوا بأنهم سيحيون ملوكا في الحياة الآخرة.

والله تعالى يريد أن يخبره بأن مملكته تواجه خطر الجدب ويريد أن يعلمه كيف يستعد لها ويدفع عن شعبه المجاعة حد الإمكان.

بالطبع أن الله تعالى يقوم بتحقيق مجموعة من الأهداف حينما يقوم بعمل فلا ننس أهداف صناعة بني إسرائيل أيضا ضمن قصة المنام مثلا .33 

بعد أن أوضحنا السبع الخضر دعنا نوضح السبع الشداد. لقد اختصر الله تعالى بقية شرح يوسف تعبيرا لمنام ملك مصر كما يلي:

ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴿48﴾ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴿49﴾.

رأينا بأن يوسف وضح بكل إخلاص معنى منام الملك وبين لصاحبه الحلول التي يراها مناسبة لمواجهة المشكلة وكأنه يقول له: يهمني أن لا تجوع الأمة ولا يهمني أن أنجو من السجن أو أجد الحظوة عند الملك.

ثم أردف يشرح لساقي الملك بقية المنام مبينا سني الجدب. وصف يوسف تلك السنين الجُدب بالشداد.

والشد يعني تقوية عقد الوثاق فيعطي معنى القوة للفاعل ومعنى الضعف وغاية الانفعال بالنسبة للمفعول. فالسبع الشداد يعني بأن الله تعالى شد رباطها بقوة كبيرة وهي انفعلت خاضعة أمام تلك القوة الرهيبة التي سيطرت عليها بالكامل.

وهكذا السني الشداد تعني بأن الله تعالى الفاعل قد شد الوثاق على أرزاق الناس فتحطمت إرادتهم أمام تلك القوة الرهيبة وباتوا ضعفاء لا يجدون حيلة تنجيهم من تبعاتها إلا قليلا مما يحصنون من الحبوب.

وقد وضح له معنى الشدة بأن الجفاف سوف يأكل الحبوب بدل أن ينميها. ذلك لأنها لا يمكن أن تنمو بلا ماء بالطبع. والمزارع ينشر البذور في الأرض بانتظار الري فإن لم يصل الماء إليها فإن ديدان الأرض وهوامها تأكلها وتقضي عليها.

استدل يوسف بهذا الاحتمال الخطير على وجوب التحصن لمواجهة المجاعة الكبرى. ولو ننظر إلى القارة الأفريقية برمتها فإنها تتعرض للمجاعة حتى في عصر التطور الفعلي. مما يعني بأن مياه الأمطار بالنسبة لهذه القارة غير مضمونة وغير مستمرة.

لا أظن بان هذا الكتاب هو الموضع المناسب لمناقشة الآراء التي ترى أماكن وبلدان أخرى مسرحا لقصة يوسف ولكني أعتقد بأن ما ذكرناه أعلاه ودراسة عامة عن ظروف المناطق الأخرى الجغرافية وعدم وجود إشارات إلى جفاف توالي سبع سنين في تلك المناطق يمكن ان يكون دليلا يعضد ربط القصة بأسرها بمصر . 34

ولا يمكن للبشر أن يتعلم إلا إذا واجه مشكلة. ألا نرى بأن غالبية الناس هم أبناء يومهم وهم لا يستعدون للغد إلا قليلا منهم. هذه عادة غير مقبولة عند الذي يدير هذا الكون المهيب ويدير هذه الأرض الغريبة في أطوارها سبحانه وتعالى.

ومن كرمه تعالى أنه يسعى لتعليم عبيده ويعتبر البلاء بالمرض والقحط من ضرورات الاختبار في الدنيا. وهو واقع ضمن منظومة الهدى العام الذي يكرم الله تعالى به الإنسان. فهناك طريقان للخلاص من البلاء، إما أن يتعلم الناس ويتحقق الهدف الغائي منه أو تنتهي مدة البلاء. وكان يوسف على علم بأن البلاء لا يمكن أن يبقى إلى الأبد. إن ذلك يتناقض مع سماحة رب العالمين واتصافه بالرحمة بحق، سبحانه وتعالى. وعلى هذا الأساس أعطاهم البشرى بعام الغيث والعصر. والعلم عند الله تعالى.

أمعن يوسف كثيرا ببيان سني الجدب والشدة. وكان دقيقا جدا في بيان ذلك، فلم يقل بأن على الدولة أن تمنع الناس من الزراعة وانتظار المطر في سني الجدب السبعة.

إن ذلك يخالف نظام السماء. على الإنسان أن يكون دائما في حال الترقب لرحمة ربه ولكن عليه أيضا أن يكون مستعداً لكل بلاء بموجب نظام الخوف من شدة تعامل الله تعالى المؤقت مع عبيده.

إنه من رحمته يبلي الأمة بالقحط والزلازل والحواصب وبقية الظواهر الطبيعية الكبرى. إنه سبحانه وضع في أراضي الدنيا قوانين تسبب الشدة والبلاء لتكون هذه الأسباب متواجدة حينما يريد الله تعالى أن يذكر الناس بأنه موجود وبأنهم لم يشكروا خالقهم وبأنهم أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا.

ذلك هو برنامج الحياة الدنيا حتى يتعلم الناس بأنهم مضطرون للتفكير في الحق لإثبات سلامة عقولهم وتشغيل هذه العقول ولتقديم الشكر له لإثبات سلامة نفوسهم. ولولا ذلك تعذر التمييز بين الخبيث والطيب وهو سر هذه النشأة.

لم يمنع يوسف الشعب المصري من أن يقدموا قسما من طعامهم الذي يعيشون عليه للأرض حتى يبقوا دائما في حال الأمل لرحمة ربهم. إنه يعرف بأن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت وليس عند أحد أي علم بحقيقة التقدير غير الله تعالى نفسه فهو عنده أم الكتاب.

كما أنه لم يأت بأي خبر غيبي حينما بشرهم بعام الخير التالي لأعوام الشدة. ولقد وضح لصاحبيه في السجن بأن الله تعالى علمه حقائق الألوهية كعلم لا كإخبار بما سيحدث.

وقد علمه ذلك لأنه توقى بكل عناية الشرك وابتعد عن كل معالم الشرك المشين اتباعا لسنة إبراهيم شيخ الأنبياء والمرسلين. فكما أمر الله تعالى نبينا وهو خاتم النبيين ، في القرآن أن يقتدي بإبراهيم فإنه قد أمر دون شك من سبقه من الأنبياء أن يقتدوا بإبراهيم .

كان يوسف على علم بحقيقة قرآنية نعرفها نحن اليوم بفضل القرآن وعرفها أبناء يوسف فيما بعد بفضل التوراة ولكنه هو بنفسه عرفها بفضل إيمانه الخالص بالله تعالى.

فالله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور سواء أكرمهم بالكتب السماوية أم لم يكرمهم بها. قال تعالى في سورة الشرح:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8).

إن الله تعالى يوقف استمرار البلاء بصورة طبيعية ليدعو عبيده إلى العودة إليه. إنه هو يوقف استمرار الأوزار لأنه يريد أن يعلم عبيده ولا يريد أن يعذبهم في الدنيا. إن لازمة الكرم والرحمة والعطاء أن يتوقف البلاء حتى لو لم يعد الناس إلى ربهم.

( هامش 33 :   البعض من الإخوة الباحثين يظنون بأن قصة يوسف وكذلك موسى قد حدثتا في منطقة أخرى غير مصر المعروفة. ويقول بعضهم أنهما حصلتا في منطقة عسير في الجزيرة العربية. بالطبع أنني لست بصدد الرد عليهم بقدر ما أنا بصدد الرد على إشكالاتهم الأساسية في وقوع الحوادث بمصر الفعلية.

1.      يقولون بأن مصر لم تكن معروفة بهذا الاسم قديما. فمصر إذا يمكن أن يكون بمعنى البلد. إن الله تعالى يذكر اسم مصر في قصتي يوسف وموسى باسم العَلَم فهو علم لمصر الفعلية وليست علما لمكان آخر في عسير برأيي.

2.      يقولون بأنهم لم يجدوا آثاراً ليوسف أو موسى أو سليمان في فلسطين ومصر الفعليتين. والواقع أن الرجال الثلاثة بالإضافة إلى داوود كانوا من المؤمنين الطيبين الذين لا يبنون القصور ولا يقتنون أساسيات الحياة الثمينة جدا حتى تبقى إلى اليوم. ثم إن عدم عثورهم على الآثار لا يدل على عدم وجود الآثار. أغلب الظن أن الإسرائيليين يبحثون عن الآثار من واقع الخرائط التي رسموها على أساس التاريخ اليهودي. وأنا شخصيا أشك كثيرا في صحة ذلك التاريخ. مثله مثل سائر السير التاريخية التي أنفق عليها الملوك أصحاب المصالح ففندوا الحوادث لتنطبق مع مصالحهم في الملك والسيطرة على الرقاب. إنني قارنت قصص التاريخ التي كتبها المسلمون مع النزر اليسير من القضايا التاريخية التي نفهمها من القرآن فلم أجد قصة واحدة تنطبق مع آي الذكر الحكيم مع الأسف. ولذلك فأجد من المعقول أن نعتبر التاريخ الإسلامي والتاريخ اليهودي من قبل، يعبران عن مجموعة من القصص والأساطير المفبركة وليس عن الحوادث كما حصلت. ولم نر بعد آثارا مماثلة في عسير. ولا ندري هل سنكتشف شيئا لو سمحت الحكومة السعودية بمثل هذه التنقيبات أو لا؟ وأغلب الظن أننا سوف لن نكتشف شيئا هناك.

3.      يقول المسلمون منهم بأن هناك في عسير أسماء قريبة من الأسماء الموجودة في فلسطين ومصر. وأقول لهم بأن هناك في كندا وأمريكا أسماء قريبة أو مشابهة تماما لأسماء المدن البريطانية والبرتغالية والإسبانية. ذلك لأن الذين هاجروا من هذه البلدان إلى القارة الجديدة وضعوا أسماء مدنهم أو بإضافة وصف الجديد على المدن الجديدة. مثل نيو يورك مقابل يورك ونوفا سكوجيا بمعنى سكوتلندا الجديدة. وهكذا أسس اليهود المهاجرون إلى عسير فيما بعد مدنا ووضعوا عليها أسماء مدنهم الأصلية احتمالا.

4.      وأقول لغير المسلمين ولغير المؤمنين بالله تعالى، بأن إنكار أصل موسى وسليمان مثل إنكار العصر الجاهلي والعصر الأموي والعباسي. وإن كلما ما نراه من آثار أموية مثل المسجد الأموي ومسجد القبة مثلا لو صحت بأنها من مباني بني أمية فهي تدل على الإسلام أكثر من دلالتها على بني أمية. فكما لا يمكننا إنكار محمد بن عبد الله فكذلك لا يمكننا إنكار موسى وهارون وحتى يوسف ويعقوب. إن هناك أمة كبيرة منتشرة في الأرض تُدعى بني يعقوب أو بني إسرائيل كما أن هناك اليهود والنصارى الذين يملئون الأرض فكيف يمكن إنكار أنبيائهم؟ يمكن إنكار الحوادث التاريخية باعتبار أن المؤرخين عادة ما يكذبون إرضاء لمن يدفع لهم من أجر يعيشون عليه ولكن لا يمكن إنكار أصل وجود إبراهيم وموسى وعيسى ويعقوب وسليمان ومحمد.

5.      يقولون بأن أهل مصر يعيشون على النيل ولا يعتمدون في زراعتهم على مياه الأمطار. لقد نسي الإخوة بأن النيل يعيش على الأمطار.    نهاية الهامش 33.)

(هامش 34 : كلمة سبعة في القرآن وفي الكتابات القديمة كلها لا تعني فعلية العدد بل تدل على كمال العدد. فالسنوات كانت سبعة على الأقل وليست على الكمال والتمام. وأنا شخصيا لا أظن بأنها كانت أكثر من سبعة فعلية لأنها ستكون مميتة حينئذ وبعيدة عن كرم الله تعالى.

وأما احتمال أن أيا من نوعي سني الرخاء والشدة كانت أقل من سبعة فعلية فهو غير بعيد أيضا برأيي. ذلك لأننا نرى الله تعالى يستعمل هذا العدد للسماوات مثلا. فهي أكثر من أن تعد وتحصى ولا يمكن وضع عدد يقل عن البلايين لها.

فالسبعة بالنسبة للسماوات تعني البلايين وبالنسبة لسني الخير والقحط قد تعني أقل من العدد الفعلي أيضا. إنها تمثل كمال الخير وكمال الجدب والعدد الحقيقي عند الله تعالى.

وأنا أظن بأن الله تعالى أراد للناس أن يتعلموا التحصن والادخار للمستقبل ويتجنبوا الإسراف حتى عند كثرة الحبوب، بغض النظر عن فعلية السنوات السبعة.     نهاية  الهامش 34.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

الإعلانات

يوسف أيها الصديق ح 24 – الامة والام و منام الملك


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 24 – الامة والام و منام الملك

المنام الذي رآه الملك كان مناما صادقا ولذلك اعتنى به لشعوره بأن هناك مسألة خطيرة وراء تلك الرؤيا. ثم إنه دليل واضح على أن الملك كان يؤمن بالله وبأنه تعالى يدير الكائنات ويدبر أمورها من الغيب.

ليس هناك ملحد يؤمن بالأحلام الصادقة. إنه رأى شيئا غريبا يخالف الصور الذهنية تماما. ليس البقر من آكلات اللحوم حتى تأكل البقر. لقد حاولت أن أتصور كيفية أكل البقر للبقر فما اهتديت. لنتصور أن نرى أسدا في المنام فسوف نخاف ولو رأيناه يفتك بفريسته فسنزداد خوفا ولو رأينا قطة آكلة للحوم تأكل أسدا فسنزداد رعبا ولو نرى ما رآه الملك فسوف نفزع.

فليس أكل البقر من شأن البقر ولا يقوى النحيف على أكل السمين. ثم إنه رأى السنبلات و عدَّها وهو شيء غريب أيضا. فلا أحد معتاد على عد سيقان الزرع لكنه عد السنابل بنوعيها وانتبه للناتج وتمكن من وصف ما رآه في النوم بكل دقة. هذه رؤيا يندر أن يُرى مثلها.

كان الملك خائفا جدا مما رآه في منامه ويلتمس رأيا من المحيطين به ليساعده على تخمين المستقبل. إن الملوك يعيشون على التدبير للمستقبل ليضمنوا ملكهم، فهم يشعرون بالخطر الكبير المستمر على ما بيدهم من قدرات لعلمهم بوجود أطماع كبيرة ضدهم. فهم يهتمون بإدارات التجسس ليستعدوا لما يمكن أن يواجهوه؟

كان ملك مصر على رأس أكبر دولة في الأرض في زمانه، وقد رأى في منامه الشخصي ما أفزعه.

ولذلك لم يطلب شخصا خاصا بل تكلم مع كل الحاشية حتى أن الخدم والسقاة سمعوه وشعروا بما يحيط بالملك من ذعر. ويُطلَق الملأ لغويا على كبار الحاشية الذين يملؤون العيون ولكنه هنا تحدث مع كل من رآه كما يبدو وسمح لأي منهم أن يشير عليه.

لعل الملك من فزعه خاطبهم جميعا بالملأ ليهتموا كلهم بالمسألة أو أن كل واحد منهم ملأ عيني الملك أملا بأن يأتي له بنتيجة وكانت فراسة الملك في محلها. فلولا ذلك لم يكن ممكنا أن يصل الدور إلى ساقي الخمر لديه.

إن الموقف شبيه بحالة الملوك حينما يسمعون عن استعدادات حربية لغزو بلادهم ويرون أنفسهم على وشك مواجهة قد تفضي بهم الى الزوال. هناك فإن كل المستفيدين من الملك يهتمون لأن العدو أجنبي ودخوله بلادهم يعني فناءهم جميعا.

إنهم لا يعلمون شيئا عما سيحل بهم لأن الخبر أتاهم عن طريق الرؤى التي تحتاج إلى تفسير دقيق. الكل يخشى من أن يتفوه بكلمة فقد تكون خاطئة ولا يمكن تحمل عواقبها.

وقول الملك لهم: أفتوني في رؤياي، ينطوي على استعطاف وطلب خاضع للمساعدة من كل من يقوى على ذلك. فالاستفتاء يعني جهل المستفتي وبأنه ينظر إلى من يخاطبه نظرة استرحام لإخراجه من ظلمات الجهل إلى نور العلم في الجزئية التي يطلب فهمها. واشتراطه: إن كنتم للرؤيا تعبرون، يشتمل على شرط حازم بأن لا يتفوهوا بلا علم.

بالطبع أنه يعرفهم جميعا ولولا ذلك لما اختارهم حاشية له، و يعرف بأنهم ليسوا من أهل تعبير الرؤيا ولكنه يريد منهم أن يستعينوا بمن يعرف الرؤيا ولا يستعجلوا ولا يذكروا رؤيا الملك لمن لا يعرف تعبير الرؤيا. أظن بأنه كان يبحث عن نافذة أمل تُفتَح أمام عينيه ليرى من خلالها بصيصا من الأمل، ولذلك أشعر بأن جواب الملأ  كان مخيبا لآماله. إنهم جميعا اعترفوا بانعدام حيلتهم في هذه المسألة، حيث:

قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ﴿44﴾.

والضغث كما قال صاحب الصحاح: قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس. ولذلك قال اللغويون العرب بأن أضغاث الأحلام، تعني الأحلام المختلطة التي لا يمكن تفسيرها.

فكأنهم قصدوا أن يُبعدوا شبح الخوف عن ملكهم المذعور بأن ينسى منامه وأن لا يعتد به. لكن الملك الذي رأى المنام وشعر بأهميته نتيجة أنه اشتغل في المنام بِعَدِّ ما رآه عدًّا دقيقا ورأى بأن هناك تطابقا في الأعداد لكل ما رآه.

ثم إنه شعر بأن الرؤيا كلها كانت دقيقة متناسبة لم يتخللها أي خلط أو عدم وضوح فلا يمكنه قبول ما سعى إليه أفراد حاشيته.

من هنا نعرف بأن يوسف قد أخطأ خطأ كبيرا بأن ظن أن عليه أن يسعى لتكميل المسيرة التي بدأها ربه وأحسن ترتيبها. أخطأ حينما لم يتعمق في توكله على الله تعالى فانطلق بعجلة واضحة يطرح تصوره عن تغيير مصيره عبر إطلاق العنان للتعبير عن حاجاته لسجين لا يعرفه.

وحينما نقارن بين المسائل العلمية التي ذكرها لصاحبيه ومقولته غير المدروسة لأحدهما في غياب الآخر نشعر بالهوة السحيقة بين الذي قاله بالأمس والذي قاله فيما بعد.

فهو بكل قوة أثبت علمه وتفوقه في التقوى وبأنه موهوب وبأن الله تعالى علمه ما لم يعلمهما. ثم فسر لهما مناميهما بدقة وذكر لهما السر في أمر التوفيق بينهما بكل وضوح وتميّز. لكنه تسرع وتخلى عن كبرياءه أمام سجين ينظر إليه بإعجاب، ليستميله و يستعطفه.

وكان سببُ نسيان الساقي طلبَ يوسف هو ما أوحاه يوسف إليه من شخصية محطمة لا يعرف كيف يتخلص من السجن فيتشبث بكل شيء.

لم يذكر الله تعالى بأن الشيطان أنساه التحدث عن يوسف ولو أن للشيطان دورا بلا شك. فيا ليتنا نحن المسلمون اليوم نعرف بأننا لو نوكل الله تعالى ليتولى أمورنا ونكتفي بأن نتعرف عليه من خلال قرآنه العظيم فنسعى لإرضاء ربنا لكان خيرا لنا. إن الكثير من أساليب المقاومة لدينا خاطئة وغير صحيحة، كما أن الكثير من ادعاءاتنا الإعلامية وهمية. هناك خلط كبير بين تعريفاتنا لمسائلنا المصيرية اليوم وبين معارف القرآن الكريم ويجب تصحيحها جميعا. يجب الدقة حينما نتحدث عما وراء الطبيعة وحينما ننسب شيئا إلى الغيب وإلى تقديرات رب العالمين وإلى الثواب والعقاب، حتى لا نقع في حبائل الشياطين فنخسر رحمة الله تعالى.

فلننظر كيف دبر الله تعالى نجاة يوسف على يد نفس الشخص الذي طلب منه يوسف بجهل وتسرع أن يساعده. لنرى كيف حقق الله تعالى القوة والسلطان ليوسف السجين في أجمل تقدير. لنتصور اليأس الذي طرأ على الملك المذعور، فرعون مصر العظيم بعد أن سمع جواب الجهل من وزرائه و من أقرب حاشيته وفيهم العزيز صاحب يوسف بالطبع. هذه ساعة تذكر الساقي الذي ليس من كبار المسئولين ليفتح باب النجاة لفرعون مصر. هكذا يدبر الله تعالى الأمر:

وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴿45﴾.

نفهم من الآية الكريمة هذه بأن تفسير يوسف لمنامي صاحبيه في السجن وظنه بمآل أمرهما كان صحيحا وقد تحقق فعلا.

فالآية توضح بأن أحدهما نجا، وتشير إليه بـ “الذي” وهو يعني فعلا بأن الله سبحانه يشير إلى ما ذكره من قبل وهو تفسير يوسف للمنامين ليحل محل تفسيرهما بنفسهما لحلميهما. فالذي نجا في مقابل الذي هلك. ثم تذكر الآية الكريمة مسألة تدبيرية أخرى وهي أن الله تعالى قدر للذي نجا منهما ألا يتذكر يوسف قبل الوقت المحدد.

إن عنصر المفاجأة في الوقت المناسب هو الذي سيحفز الملك أن يعين سجينا لا يعرف عنه سوى أنه عبد مملوك لأحد وزرائه، أن يعينه وزيرا بصلاحيات كبيرة.

وليس غريبا إن قلنا بأن الساقي الخاص للملك رأى القصر في حيص بيص من رؤيا الملك. عاشوا الرعب لما لمسوه من رعب وحذر في ملكهم. هنا أراد أن يقوم بخدمة لأسياده ففكر كما فكر غيره فتذكر قصته وصاحبه مع يوسف. وكأن الله تعالى أراد له ألا يتذكر قصته مع يوسف قبل ذلك اليوم، فأنساه الشيطان ما قاله له يوسف عمليا. ومعنى “ادكر بعد أمة” هو تذكر بعد فترة مقصودة من الزمان.

ولنحلل ما قاله صاحب السجن بعد أن ندرك مفهوم الأمة .31

(هامش 31 :   أظن بأن معنى “الأم والأمة” يعود الى مفهوم “القصد” وكل المعاني مشتقة من المعنى الأساسي. فالأمة تعني: المجموعة المقصودة من الزمان ومن الناس. وأما الأم فهي تعني الهدف المنشود والمقصود.

 هذا ما أفهمه من استعمالات الكلمة في كتاب الله تعالى وكما يلي: 

1.      الأم في مقابل الأب: وقد وردت كثيراً في آيات الكتاب باعتبار أن الله تعالى خلق الناس من ذكر وأنثى ليجعل من جنس الإنسان من يقوى على القيام بأعباء التكاثر، فهي مقصودة لهذا الغرض ولو أنها مليئة بالمحاسن الأخرى التي تجذب بني جنسها من الرجال العاجزين عن صناعة الإنسان إلا في حدود المشاركة معها. ولقد أثبت الله تعالى قدرة المرأة أن تكون أما بدون أب، من خلال حمل مريم بعيسى دون زواج.

2.      الإمام: وهو الذي يسبق من دونه في القيام بعمل عبادي كالصلاة والحج بقصد تعليم الناس أو توحيد صفوفهم.

3.      الأمة: وهي المجموعة المختارة من القرن لتستضيف نبيا يبعثه الله تعالى من بينهم رسولا له سبحانه. وذلك بقصد اتخاذ الشهود والنماذج منهم لمقايسة الآخرين عليهم يوم القيامة. والقرن تعني المجموعة البشرية المتكاملة القادرة على الحياة الطيبة المواكبة للعصر دون الحاجة لأن تُدار من قبل الغير. وتتشكل القرون عادة مقرونة بنوع من الحضارات البشرية كالفراعنة وقومي عاد وثمود المعروفين بالحضارة العمرانية والبابليين المعروفين بالحضارة الزراعية وأهل مدين المعروفين بالتجارة والفينيقيين المعروفين بالملاحة والتجارة عبر البحار. قال تعالى في سورة النساء:

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا (41).

فلكل أمة شهيد والرسول شهيد على صحابته الذين أشار إليهم القرآن الكريم بـ “هؤلاء”. وهي تعني بأن شهداء الأمم هم رسل أيضا. وبما أننا لا نرى في كل زمان ومكان رسولا فإن الأمة مصطلح قرآني يدل على الذين اصطفاهم الله تعالى لإنزال الدين السماوي عليهم ليكونوا نماذج لغيرهم. وعلى هذا الأساس لم يبعث الله تعالى رسولا لكل قرية والعلم عند الله تعالى.

4.      السياحة المقصودة الهادفة: سمى الله تعالى مكة أم القرى. والقرية تعني المكان الذي يُستضاف فيه الناس باعتبار أن كلمة قرى تعني ضَيّف. فالقرية لو تطلق على المكان فهي باعتبار من يسكنها. قال تعالى في سورة الطلاق:

 وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا (8).

وكانت مكة مكانا لخلق آدم وحواء والأنعام الثلاثة الصغيرة التي خلقت مع الإنسان مكانيا وقبله زمانيا ليتخذ منها طعامه. فأول بيت وضع للبشر هي مكة فهي بطبيعتها أمٌ لجميع الأماكن التي تستضيف البشر في الأرض. ولكن ميزة مكة أن الله تعالى أراد أن يجعلها مدينة سياحية لكل الناس باعتبار أنها ورشة عمل رب العالمين ولذلك سماها بيته ولم يسم أي مكان آخر بمثل هذه التسمية. فمكة قرية أنشأها الله تعالى بقصد أن تكون في النهاية قرية سياحية وأمر عبديه إبراهيم وإسماعيل ليبنياها فيتمكن إبراهيم من أن يدعو الناس جميعا لزيارتها بغض النظر عن أديانهم وأفكارهم، فهي الأم الحقيقية لقرى الأرض جميعا بهذا الاعتبار لا باعتبار ما ظنه البعض بأنها مركز الدحو، فهو ادعاء باطل لا أصل له ولا ينطبق مع الحقيقة. ولا يوجد في القرآن أية دعوة للمسلمين لزيارة مكة بل الدعوات للحج موجهة برمتها إلى الناس جميعا.

5.      النهاية المعلومة التي يسير باتجاهها الشخص: فحينما يموت المرء الذي خسر آخرته وبعد بداية الدمار الكوني فإنه يشعر بالنهاية الأبدية المزعجة. قال تعالى في سورة القارعة:

 وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11).

 فالهاوية هي التي تنتظر الذي أراه الله تعالى خفة موازينه ليعلم بأن الهاوية هي مآله. فالهاوية أمه باعتبار أنها مقصودة.

6.      الكتاب الأصلي الذي يربط العاملين بقانون الطبيعة: قال تعالى في الآية 7 من سورة آل عمران:

 هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ…الآية

فمحكمات القرآن تمثل التشريعات الطبيعية التي تناسب سير البشر ضمن النظام العام للكون. إنها هي المقصد الأصلي للكتاب وأما المتشابهات فهي تمثل علوم القرآن والحقائق الكبرى للكائنات و هي ليست هدفا للكتاب ولكنها لمساعدة البشر لعرض تحقيقاتهم العلمية عليها والاطمئنان لصحة نظرياتهم.

7.      الزمن المقصود لتحقيق شأن إلهي: وقد وردت الكلمة بهذا المعنى مرتين في القرآن. إحداها في سورة هود بقوله تعالى:

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (8).

وهذه المدة المعدودة مقصودة ليتم منحهم الفرصة الكافية للعودة إلى الله تعالى وترك وساوس الشياطين والتغلب على أهواء نفوسهم. والثانية هي ما في سورة يوسف وتعني زمنا معلوما حتى لا يضيع عنصر المفاجأة في قصة صاحبي السجن، والعلم عند العزيز العليم.

وأما الإشكالات التي يمكن أن ترد على التحليل أعلاه فيُخرج الأمة من معناها الاحتمالي الذي وصلنا إليه بعد ملاحظة مناسبة ورودها في الكتاب العزيز فهي كالتالي:

1.      قوله تعالى في سورة البقرة:

 كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (213).

فالآية تتناول حكاية الناس قبل أن يُبعث الرسل وتعتبرهم أمة واحدة. والواقع أن الآية الكريمة بصدد بيان السبب الداعي لبعث الأنبياء وآثار إرسال الرسل. ولعل السبب الداعي لذلك هو التنويه بعدم جدوى إرسال الرسل في كل زمان ومكان ولكل المجموعات البشرية في الأرض. إن المقصود من إرسال الرسل حسب الظاهر هو هداية الناس للتمييز الدقيق بين الطاغي والمعترف بالحق أو الشقي والسعيد، بغية إرسال أكبر عدد ممكن من المخلوقين للجنة. فهناك تمهيد لذلك وهو أن يكونوا مستعدين لاستقبال الرسل بأن يؤمنوا بالله بداية فيصيروا مستعدين للاستماع إلى من يدعي الرسالة من السماء. فالناس مخلوقون بالقوة لاستقبال الرسل ولكنهم غير مستعدين بالفعل، إلا بعد فترة وهو السبب لتأخير البعث الموضح بحرف الفاء في كلمة (فبعث). ثم إن أول مجموعة استلمت الرسالة الكاملة وهم بنو إسرائيل فإنهم لم يكملوا الانصياع للحق إلا قليلا منهم. بالطبع كان ذلك بعد إنزال الأنبياء بلا كتب لمن قبلهم دون جدوىً. فالمقصود من الأمة فعلا هو القوة وليس الفعل ولا يضر بتفسيرنا للأمة.

2.      ورد في آل عمران كلمة الأمة بنفس الطريقة المذكورة أعلاه هكذا:

 كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110).

ويتضح من الآية التي سبقت بيان الموضوع قبل عدة آيات بأن المقصود فعلا أنهم كانوا قادرين على استقبال الرسالة السماوية فبعث الله تعالى بينهم خاتم النبيين فاكتمل اتصافهم بالأمة ولذلك قال لهم الله تعالى بأن يسعوا لأن يكونوا أمة متطورة تتطلع إلى التقدم الحضاري الذي يقدره الله تعالى سواء مع النبي أو بعده ليكونوا قدوة لغيرهم. هذا ما نفهمه من الآية التالية من قبلها:

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104).

فالفلاح ليس بمصاحبة النبي فحسب بل بأن يهتموا بالعرف العام وهو المسيرة النهضوية التي يرعاها الله تعالى بموجب قوانين الألوهية. وقد أمر الله تعالى نبيه بأن يتبعها ويأمر بها. تلك هي أمارة التقدم وامتطاء صهوة الحضارة المتطورة جيلا بعد جيل. قال تعالى في الأعراف:

 خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199).

ولقد ظن البعض بأن الأحكام الشرعية هي المعروف وقد رأينا القرآن يضيف الصلاة والزكاة إلى المعروف. قال تعالى في سورة التوبة:

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71).

فالمعروف يمثل أصلا معنى الولاية والمحبة بين الناس وتتلوه بقية المسائل الشرعية الواجبة مثل إقامة الصلاة و…. فهي ليست أجزاء المعروف بل معطوفات عليه.

3.      قوله تعالى في سورة الأنعام:

وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (39).

فالأمم هنا تشمل الجن والإنس الذين لم يروا عهود الرسالات السماوية. والله تعالى بصدد بيان سياسته في إرسال الرسل ليرد على إشكال المكذبين برسالة حبيبنا محمد خاتم النبيين. ولذلك ذكر الإنس بصفة الدواب والجن بصفة الوجودات الطاقوية التي تنجز مهماتها بطاقتين سلبية وإيجابية. ذكرهم بأنهم جميعا أمم بمعنى أن كل مجموعة منهم قادرة على استضافة رسول من الله تعالى ولكن الله تعالى لا يريد بسط الهداية خارج نظام المشيئة إلا في حدود اتخاذ النماذج ولذلك أرسل عددا قليلا من الأنبياء. فالأمة هنا أمة بالقوة لا بالفعل. ولا ننس بأن سورة الأنعام تشابه أختها الرحمن في بيان مشتركات الجن مع الإنس وقد سمى الله تعالى كلا الجنسين في السورتين بالمعشر.

4.      وأما المجموعة من الآيات التي تضم الآيتين 34 و38 من سورة الأعراف فهي تتحدث عن الارتباط بين الأمم الفعلية التي احتضنت الرسالات والأمم بالقوة التي لم تر الرسل من الجن والإنس. ومن الضروري التنويه بأن الرسل الذين أرسلوا إلى الجن من الجن أنفسهم لم يكونوا حاملي كتب سماوية ولذلك فإن مؤمني الجن كانوا يؤمنون بالتوراة ومن بعدها آمنوا بالقرآن. ولا بأس بأن يعرف القارئ الكريم بأن الأمم الفعلية التي استلمت الرسالات لم تعش مع الرسل أكثر من الزمان اللازم والضروري لمن كان يمكن أن يؤمن ليؤمن دون زيادة أو نقصان حتى تتحقق العدالة بين حاضري الرسالات وغائبيها والعلم عند الله تعالى. 

5.      ولا بد لنا أن نعرف بأن الأنبياء هم أنفسهم أعضاء في أقوامهم. فالنبي الذي يرسله الله تعالى إلى قوم وهو منهم بالطبع هو نبي ورسول إلى نفسه أيضا. ومعنى ذلك أنه يجب أن يكون أول المسلمين برسالة السماء ليكون نموذجا عمليا صادقا لقومه. وحينما أراد الله تعالى أن يوضح لنبينا أهمية إبراهيم كمسلم فإنه خاطبه هكذا في سورة النحل:

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا ِلأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123).

أراد الله تعالى أن يعطي نبينا أكبر مثال للتسليم لله تعالى في هذا الكوكب فتمثل بإبراهيم باعتباره ليس فقط رسولا إلى قومه بل نموذجا صادقا بكل معنى الكلمة للتسليم والخضوع لربه. فكان إبراهيم أمة قانتا لله وحده وتاركا قومه مائلا عنهم وعن معبوداتهم إلى العلي العظيم جل جلاله بكل خضوع وبكل صدق. فهو نموذج للأنبياء من بعده ليكون كل منهم أمة طيبة لقومه صادقا في تمثيل رسالة السماء وفي تنفيذ تشريعات ربه سبحانه.

6.      ثم نأت إلى الآية التالية من سورة القصص:

وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23).

فالأمة هنا برأيي باعتبار وجود موسى بينهم في تلك اللحظات. ولعل الذي خفي على البعض أن موسى حينما كان في مدين كان يدعو إلى الله تعالى قبل أن يصير نبيا. وقولهم بأن الفتاتين كانتا بنتي شعيب ليس صحيحا برأيي. وقد ختم الله تعالى قصة موسى في سورة القصص بذكر دعوته لقوم مدين هكذا:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45).

وعلى كل حال فتسمية الله تعالى أهل مدين بأمة من الناس لا يخالف تفسيرنا لكلمة “أمة”.

7.      ونرى القرآن يسمي زمر الانس وربما الجن أيضا والموقوفين أمام ربهم يوم القيامة بالأمم. قال العزيز في سورة الجاثية:

وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29).

ذلك بأن الله تعالى لا يمكن أن يُحاسب الناس قبل أن يرسل لهم الرسل. ولكنه لم يبعث في كل قرية رسولا بل يتخذ من بعض القرون البشرية أمما ليرسل إليهم الرسل ثم يعتبرهم نماذج يقيس عليهم غيرهم من البشر. ذلك هو مظهر من مظاهر الرحمة منه سبحانه. فكل زمرة من الناس يُحشرون مع نموذج مماثل لهم من أصحاب الأنبياء ولذلك يسميهم أمما، والعلم عنده سبحانه وتعالى. فالأمة إذن تتفرع من أمّ يؤمّ بمعنى قصد يقصد وليس بمعنى آخر.   نهاية الهامش 31.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 23 – التمييز بين الصادق والكاذب من المنامات


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 23 – التمييز بين الصادق والكاذب من المنامات

لقد دعاه الملك ليبين له تفسير حلمه ولكن هذا العبد المتعجل الصالح الذي لم يتمكن من أن يصبر قليلا فلا يبدي مشكلته لعبد من عبيد الله في السجن قد تغير كثيرا. إنه الآن أبى أن يخرج من السجن وطالب بالكشف عن سرّ سجنه وحافظ على حبه للعزيز فلم يشتك عليه عند الملك.

هكذا يؤهل الله تعالى أنبياءه لحمل رسالته. كل الأنبياء مروا بمراحل اختبارية كبيرة لتتزكى نفوسهم وتتطهر قلوبهم ويتعلموا كيف يكلِّموا العالمين. ليس في منطق الرحمن من يُولد عالما ويُعين نبيا أو أفضل من الأنبياء بزعم البعض بدون أن يتعلم في مدرسة الرحمن.

حتى يحيى الذي آتاه الله الحكم صبيا فالحكم لا يعني النبوة وليس هناك حديث عن رسالة يحيى في القرآن.

كانت مهمته الكبرى أن يصدق برسالة المسيح ويقيني أنه قد فعل. لكن الحكم مرحلة عملية لتنشيط القوة المدركة وهي تسبق النبوة وليست خاصة بالأنبياء بل هناك الكثير من الناس يميزون بين الصحيح والسقيم في صباهم.

فكل الأنبياء يمرون بمرحلة القدرة على الفصل بين المسائل حتى يتمكنوا من استلام الوحي وإلا فكيف يميزوا بين وحي الرحمن ووحي الشيطان؟ حتى العبقري الكبير عيسى بن مريم فإنه مر بمراحل اختبارية حتى قام ربه بتفعيل النبوة في وجوده. وقد أبلي عليه السلام بلاء حسنا.

انتهى اختبار يوسف في السجن وأتم دراسته المتميزة بنجاح فجاءه الفرج من الله تعالى. لقد كانت فراسته صحيحة وكان الشاب السجين هو الذي سيقوم بالوساطة ولكن ليس بما تراءى له بل بشكل آخر كما سنرى بعد قليل.

وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴿43﴾.

بدأت المرحلة الجديدة من صناعة بني إسرائيل. لقد رأى الملك المصري رؤيا غريبة لا يمكنه أن ينسبها إلى الخيال والوهم. يبدو أن منامه كان طويلا غير مقرون بالأوهام، فشعر بأهميته وصحته .30

(هامش 30 :   التمييز بين الصادق والكاذب من المنامات:

لعلّنا جميعا رأينا منامات. ولعلّ بعضنا فكر وسعى لمعرفة جذورها. بالطبع أن الغالبية احتمالا يكتفون بعرض مناماتهم على الغير طالبين التأويل ولكن هناك الكثيرون – عدديا لا نسبيا- يسعون لمعرفة حقيقة الظواهر التي يمرون عليها.

ولعلّ الكثيرين منا رأوا رؤى وشعروا بأنها من نسج الخيال وبأنهم يرون الصور المحفوظة في أذهانهم مع حركات بسيطة في جسم الصورة.

ومع تطور علم التصوير وقدرة الآلة على اللعب في الصورة فإن مسألة الحركات المختلفة للصور المحفوظة في أذهاننا باتت محلولة.

إن الدماغ أقوى بكثير من الآلات الحاسوبية التي نستعملها لتحريك الصور ولصناعة الرسوم المتحركة مثلا. لكن بعض الرؤى أكبر من أن يكون مجرد تحريك خيالي للصور المحفوظة في الذهن. و بما أني لست خبيرا وليس لدي الوقت الكافي لوضع جدول يوضح أنواع الرؤى كاملة غير منقوصة، فإني أكتفي بذكر بعض الأنواع مما يمر بذهني القاصر لعلها تساعدنا على التمييز بين الرؤى المختلفة.

وليكن معلوما بأنني أؤمن بصحة القرآن الكريم وبأنه كتاب الرحمن وبأنه الصحيفة الوحيدة المحفوظة بكل جملها بقوة العزيز الحكيم عز اسمه. ولذلك فإني أهتم كثيرا بمقولات القرآن أكثر من الدراسات التي تمت خارج نطاق الكتاب الكريم. فلنذكر بعض أنواعها لتتفتح أذهاننا فقط.

ولا بد من معرفة أننا نرى المنامات بغير عيوننا التي تكون مغمضة حين الرؤيا. هذا دليل باهر على أن الإنسان أكثر من هذا البدن الفيزيائي الذي نلمسه ونشعر به. كل إنسان يشعر بأنه هو الذي يرى في المنام فهو يرى الشيء بنفسه التي تمثله بالكامل.

ومن الطبيعي أن نعرف بأن الرؤية النفسية ليست شبيهة بالرؤية العينية فلا يمكن أن يتصور أحد بأن للنفس عيونا ترى ولكنها رؤية طاقوية شبيهة بحساسية الإلكترونات التي ترى الأشياء بطريقتها الخاصة.

والنفس لابد أن تكون كائنا طاقويا كالجن أو الملائكة، فهي تتحسس الأشياء باعتبار تماس إشعاعاتها معها، ولكني أحتمل بأن الذي يفسر لنا ما نراه في المنام هو الدماغ.

فالنفس التي هي الإنسان بحقيقته تنقل حينما تعود إلى البدن بعد اليقظة الصور والمشاهدات إلى المخ الذي يستقبلها ويخزنها في خلاياه، النفس تقوم بذلك بهدف إبقاء حالة الاتحاد مع البدن.

ولذلك فلا يمكن أن نتصور بأن ما ننقله للغير وما نشعر به بعد اليقظة هو عين الذي رأيناه في النوم. لعل المخ يفسر الصورة النفسية لنا أو أن النفس تفسرها للمخ الإنساني. ولذلك فإن الارتباك في النقل متوقع بشدة. 

فحينما نرى مناما دقيقا ينطوي على أرقام نتمكن من عدّها بالكامل فإننا سنشعر بأن هذه الرؤى ليست من نسج الخيال. دعنا نستعرض أنواعا من الرؤى والمنامات التي يمكن للبشر أن يروها وكما يلي: 

1.      أحلام نرى فيها الميتين من أفراد عوائلنا وأصدقائنا وبعضهم يحملنا رسائل لقومه وأهله وقرابته. هذه الأحلام مرفوضة قرآنيا ولا يمكن أن ننسبها إلا إلى الخيال المحض. إنها تمثل حركات وهمية للصور الذهنية فحسب. ذلك لأن الله تعالى لا يمكن أن يفتح باب ارتباط بيننا وبين الموتى. قال تعالى في سورة المؤمنون:

حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100).

والبرزخ هو الحدود الفاصلة التي تقطع سبل الارتباط. قال تعالى في سورة الرحمن:

مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ (20).

والبحران الكبيران هما ما نسميهما اليوم بالمحيطين الأطلسي والهادي والقارة الأمريكية التي بينهما تمثل البرزخ.

وقال سبحانه أيضا في سورة النمل:

إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80).

والآية بصدد الحديث عن عدم قدرة الرسول على منح الهدى لمن شاء ولكنها تستشهد بحقيقة علمية وهي أنه عليه السلام لا يمكنه أن يُسمع الموتى.

ولازم ذلك أن ينقطع الارتباط بيننا وبينهم. فتلك الرؤى مجرد خيال ولا حجة فيما يذكرونه من وصايا واعترافات للموتى بعد موتهم. كل ذلك من وحي الشيطان ليلعب في أذهان الأحياء ولا قيمة لمثل هذه الأحلام.

2.      رؤى نشعر بها أن الله تعالى يأمرنا فيها بالسلبيات. فهي مما لا يعتد به لأن الله تعالى لا يمكن أن يأمر بالسلبيات. مثال ذلك المنام الذي رآه أبونا إبراهيم عليه السلام فظنّ بأن الله تعالى يأمره بذبح ابنه.

بالطبع أنه كان يعيش قبل التطور الفكري وقد أثبت بجدارة أنه يحب الله تعالى أكثر من أبنائه وحتى نفسه وقد جزاه الله تعالى خير جزاء لثبوت إيمانه العميق بربه. يجب أن نعلم بأن الذي يأمر بالسلب هو الشيطان ومن يسير على دربه ولكن الله تعالى وملائكته لا يمكن أن يوحوا بالسلبيات. إنه سبحانه إيجابي محض وملائكته لا تطيع غير الله تعالى فلا يمكن أن ننسب مثل هذه الأحلام إلى الله تعالى.

3.      رؤى نرى فيها الحقائق العلمية بدقة فهي أحلام صادقة لا يمكن أن يوحي بها الشياطين. إنها من وحي الرحمن أو ملائكته وهي مفيدة ولطالما انتظر العلماء والمفكرون حصولها لهم ليحلوا مشاكلهم العلمية.

إن الإنسان ينطوي على مكنونات ذهنية ورثها من الغير أو اكتشفها بنفسه؛ وحينما يواجه مشكلة جديدة بكل معنى الكلمة فلا يجد في محفوظاته الذهنية حلا لها فإنه لا محالة يسعى للارتباط بالغيب لكسب المعرفة والوصول إلى الجواب الصحيح. والله تعالى هو الذي يتولى إلقاء المعلومات الجديدة التي يحتاج إليها عبيده ليخدموا البشرية.

4.      رؤى نرى فيها أخبارا مستقبلية قريبة الوقوع مثل موت شخص أو شفائه أو حصول حريق أو سرقة أو اغتصاب أو احتلال أو تحرير أو زواج أو كسب مال أو ثروة قريبة. أظن بأن هذه الأحلام لا يعتد بها بادئ ذي بدء لأن الله تعالى لا يُخبر الناس بما سيفعله غدا ولكنه يخبر الأخبار المستقبلية البعيدة أحيانا ليتهيأ الناس أو المسؤولون لها.

فإذا أراد الله تعالى لشخص أن يموت بعد أيام باعتبار أنه مبتلى بالسرطان في كبده مثلا ولا يمكن علاجه ولا يريد سبحانه أن يمن عليه بعلاج خاص أو عكس ذلك فإنه سوف يموت بعد ساعات أو يشفى بعد ساعات أو أيام قليلة؛ فإنه لا يبلغه لعدم الضرورة. لكن الذي يقوم بإبلاغ مثل هذه الأخبار هو الشيطان احتمالا لأنه يريد أن يستفيد منها لصالح أهدافه الشريرة فيبلغ أحد أتباعه عن طريق الأحلام. وهي ليست صادقة دائما لأن اللعين ليس على علم دقيق بما سيحصل ولو رأى بعض آثار المستقبل لكنه لا يخسر شيئا بل الذي يخسر هو البشر الذي ينقل رؤياه للغير.

والشيطان يعرف ذلك أحيانا لأنه يرى الملائكة فيعلم من تصرفاتهم بعض الأخبار المستقبلية القريبة. إن الملائكة الموكلين بنا لا يعلمون شيئا عن المستقبل البعيد. الذين يعلمون أكثر من هؤلاء لا يعيشون بالقرب منا بل هم بعيدون جدا والشياطين ممنوعون من الاقتراب منهم. حينما كانوا يخبرون أولياءهم ببعض الأخبار الغيبية فإن الأنبياء كانوا موجودين لإحباط مقولاتهم ولكن بعد ظهور خاتم النبيين منعوا من الارتباط بالعوالم البعيدة للملائكة تثبيتا لعدالة السماء في غياب الأنبياء.

5.      رؤى يراها القليل النادر من الناس حيث يشاهدون في منامهم قضايا حصلت في نفس اللحظات التي كانوا نائمين ولكن في مناطق نائية وبعيدة. ثم تتجلى لهم بأنها كانت حقيقية.

هذه الأحلام صادقة تؤكد لنا بأن النفس مختلفة عن البدن وبأنها تترك البدن حين النوم أو تشعر بعدم الالتزام بالبقاء في البدن. والله تعالى يؤكد لنا في القرآن بأنه سبحانه يتوفانا حين النوم ومعناه بأنه سبحانه يعيدنا إلى فقدان الاختيار تماما مثل الملائكة الذين يعبر عنهم بالذين عند ربهم كما سنكون عليه بعد الموت وفي الحياة الأبدية.

ذلك لأننا صُنعنا بطاقة رب العالمين ثم يرسلنا مرة أخرى إلى الدنيا بعد اليقظة لنكمل مسيرتنا الإختبارية. قال تعالى في سورة الزمر:

 اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا؛ وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا؛ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ، وَيُرْسِلُ الأخرى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42).

ولا ضير أن نعرف بأن النفس موجود طاقوي يسير بسرعة كبيرة لا تقلّ عن سرعة الضوء. إن أغلب الاحتمال عندي بأنها أسرع من الضوء والسبب في هذا الاحتمال هو أنني لاحظت بأن النفس تعود فورا إلى البدن بمجرد سعي الغير لإيقاظ النائم.

أما الرؤى التي تكون من وحي الشياطين وهي كثيرة، أو التي تكون من وحي الخيال البشري نفسه فهي مبثوثة إلى النفس حال عودتها إلى البدن احتمالا. ونعرف بأن للنوم مراحل متعددة ومن الصعب معرفة طول كل مرحلة. وأكثر العلماء الجدد يظنون بأن الرؤى تحصل في المرحلة الأخيرة من النوم بحيث يكون المرء قريبا من اليقظة. والشيطان يبعث بوحيه على شكل وحدة متكاملة ليضمن وصولها إلى النفس بالسرعة الممكنة. ولذلك فإن وحي الشياطين إما أن يكون قصيرا أو أننا نراه متقطعا. ولو نلاحظ فان منام إبراهيم كان قصيرا جدا فقد خُيل له بأنه يقتل ابنه دون أرقام ودون تفصيلات.

6.      رؤى ترد على بعض أصحاب الشأن وتريهم بعض المسائل الكبرى التي ستحصل في المستقبل ليستعدوا لها. هذه الأحلام تمثل وحي الرحمن لمساعدة البشر وهي صادقة. وعلامتها أنها مركزة وتنطوي على أعداد دقيقة. مثال ذلك المنامين المذكورين في سورة يوسف ليوسف والملك. كلاهما ينطويان على أرقام مما يدل على أن الذي رآهما تمكن من عد الأفراد الذين ظهروا له في المنام. فيوسف رأى إخوانه وعدهم ولمسهم بالعدد الكامل دون زيادة أو نقصان. وأما الملك فإنه رأى الأعداد أربع مرات في منام واحد. إنه رأى سبع بقرات سمان ثم سبع بقرات عجاف ثم سبع سنبلات خضر ثم سبع سنبلات يابسات. لقد تكرر العدد أربع مرات وتمكن الملك من أن يعدها في كل مرة فهو منام صحيح يجب الاعتداد به عقليا.

وأما الرؤى التي رآها رسولنا محمد (ص) فلا نعلم عن تفصيلاتها شيئا. لقد أشار الله تعالى إليها دون تفصيل. فلا بد أن تنطوي على مسائل دقيقة تنبئ عن صحتها ولعلها أرقام أو أشياء أخرى. ولعل السبب في أن الله تعالى أشار إليها في القرآن ليقول بأن الرسول لا يستلم كلمات قرآنية غير القرآن نفسه. ولعله لا يستلم وحيا غير القرآن ولذلك كان يستلم الوحي المنامي لمسائله الكبرى دون الوحي القرآني الذي هو أكثر وضوحا بالضرورة. إنه موحى للناس جميعا عن طريق الرسول الأمين. نهاية الهامش 30.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 21 – القضاء والقدر


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 21 – القضاء والقدر

ولكن أكثر الناس لا يعلمون:

كلمة  (الناس) تشمل عامة الناس وخاصتهم. فالناس لا تعني العامة بدون الخاصة ولذلك فكلمة الناس تشمل كل المجموعات البشرية بعلمائها وعمالها وتجارها وكذلك ملوكها ورعاياها أو ناشطيها وكسالاها أو نسائها ورجالها أو كبارها وصغارها . 25

وبعد أن أدى يوسف رسالته وأكمل دعوته إلى النجاة من الضلال كأخ لهما عزيز عليه ما يراه فيهما من ضلال واضح وابتعاد عما وراء الطبيعة جل جلاله وجهل بحقيقة الربوبية و الألوهية بدأ بالكشف عما يراه مناسبا من تفسيره الصحيح للمنامين. قال يوسف:

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿41﴾.

قال في بيان تأويله لما رآه الأول منهما بأنه يسقي ربه خمرا. لكنه خاطبهما معا بقوله أما أحدكما ليخفف على الثاني الخبر المفجع عن موته صلبا احتمالا.

إنه أيضا اعتبر المنامين مكملين لبعضهما ولكنه كان أكثر دقة من صاحبيه بالضرورة.

من الواضح أن الأول كان يظن في حلمه تفسيرا أكثر إيرادا له و إذا به سيعود احتمالا إلى نفس عمله الأول. لا يمكن أن يسقي الملك وهو الرجل الأول في أعظم دولة في الارض، الخمرَ إن لم يكن ذو خبرة بالسقاية.

لعله استاء كثيرا حينما خيب السجين الذي يتجلى منه العلم والإيمان ظنه في تفسير حلمه فاضطرب أمله في المستقبل احتمالا. إنه لا يعرف بعد ما سيحل بصديقه صاحب الرؤيا الثانية.

وبعد ذلك وضح يوسف رأيه في الرؤيا الثانية مخاطبا إياهما بلفظ الغائب أيضا. قال لهما بأن الآخر دون أن ينظر إليه احتمالا، فيُصلب فتأكل الطير من رأسه.

كان كلا مناميهما لا يحملان نتيجة إيجابية لهما. فالأول يسقي غيره الخمر لا نفسه والثاني لا يقوم بأي عمل بل يرى طيورا تأكل من الخبز الذي يحمله فوق رأسه. فليس هناك في المنام أي إشارة إلى أن أيا منهما يكسب شيئا، والثاني يتناقص ما يحمله على رأسه.

ولا يمكن للطير أن تأكل من رأس الإنسان إلا إذا كان ميتا لأنه يخاف الاقتراب من البشر.

هذان هما المنامان وقد فسرهما يوسف تفسيرا غير الذي ظناه برأيي والعلم عند الله تعالى.

وأما الأمر الذي فيه يستفتيان وهو اتفاق رؤية شخصين لمنامين أحدهما شراب والآخر طعام، فإن يوسف يضمر شيئا آخر لا يريد أن يوضحه لهما وهو توافق دخوله هو السجن معهما ورؤيتهما لمنامين يوحيان إليه بما يخصه هو دونهما.

رأى يوسف بأن الواقعة ليست صدفة بل مقصودة يريد ربه أن يبعث له برسالة مؤداها أن خلاصه من السجن سيكون على يد هذا السجين بعد أن يستعيد شيئا من حريته.

إنهما فتيان وهذا يعني بأنهما عبدان ولكن العبودية ليست سجنا يمنع عنهما التحرك إلا أن منزلهما الجديد مسور بجدران لا يمكنهما اختراقها.

كان هذا المنام كافيا ليشعر يوسف بأنه ليس بتلك العظمة التي يشعر بها. إن حفيد إبراهيم وإسحاق وابن يعقوب أرسله بنو أبيه إلى غيابت الجب واستغلته السيارة بضاعة وباعوه فعلا، ثم أصبح عبدا لدى سيدة قصر العزيز ثم أدخل السجن وهو يشعر الآن بأن نجاته ستكون على يد عبد ضعيف! إن صانع بني إسرائيل يعاني من نقاط ضعف نفسية ولا يمكنه أن يستلم النبوة قبل أن يمر بعلاج قاس ليشفى من مرض الخيلاء الذي أصيب به. أين ذلك العلم الكبير الذي ينطوي عليه ليمنع عنه الكبرياء ويعيد إليه رشده؟

هذه هي طبيعة بني إسرائيل فهم دائما يسمون أنفسهم بني إسرائيل ولا يقولون بأننا أهل الأوطان التي ينتسب إليها غيرهم من القرون والأمم البشرية. لقد مات إسرائيل قبل أربعة آلاف سنة ولا زالوا يفتخرون بأنهم أبناؤه.

ولو تسأل من تعلّم منهم، عن الإيمان والصدق فسيقول لك بأنهما وحدهما من معايير الفوز أمام الله تعالى ولكنه لا يمكن أن يتصور بأنه هو أيضا مطالب بهما للفوز أمام الله .إنه يتخيل بأنه مميز عن غيره لأنه من بني إسرائيل الذي أصبح في ذمة الله منذ قرون وينسى بأنه عبد لله الحي القيوم وحري به أن يفتخر بربه لا بجده الأعلى الذي لا حراك فيه ولا صوت له.

لننظر إلى يوسف كيف ينطق بما هو صحيح ويمارس ما هو غلط. إنه يعلم بأن الصدفة ليست صدفة إلا من خلال كوننا لا نعرف أسباب توافق الأسباب فنظن بأنها وقعت صدفة. فلو لم يكن يوسف يتذكر منامه ويوفق بينه وبين منامي صاحبيه في السجن لقال في وصف الأمر الذي فيه يستفتيان بأنه من قضاء الله تعالى. وتعني هذه الجملة بأن ما حصل لهما أكثر من القدر.

نحن نسمي تصادم سيارتين صدفة لأنها يمكن أن تكون كذلك باعتبار أن السيارات التي تسير في الشوارع تتجاوز الملايين فيمكن أن تصطدم اثنتان بالصدفة. لكننا لا يمكن أن نتحدث بهذه الطريقة عن الرؤى التي هي قليلة.

في السجن ثلاثة أشخاص وقد رأى اثنان منهما منامين في وقت واحد وهما فعلا يكملان بعضهما البعض فالأمر أكثر من صدفة حتى في المنطق غير العلمي البعيد عن معرفة إدارة الخالق العزيز لكل حركات الكون ومَن فيه.

نحن اليوم بعدهم بآلاف السنيين لا نرى قصة شبيهة برؤيا هذين السجينين فكيف ننسب أمرهما إلى الصدفة.

ولذلك قال يوسف بكل ثقة أن أمرهما تابع لقضاء الله تعالى بمعنى أنه تجاوز التقدير فأصبحت النتيجة التي ينتظرها يوسف من هذا التوافق محتوما وهو نجاته على يد ذلك الفتى السجين.

لكن قول يوسف ذلك لا يعني بأن كلا المنامين سيتحققان. إنه نظر إلى القضية من زاويته هو وليس من زاويتهما حينما قال قضي الأمر فاحتمالات المفسرين ليست في محلها لنقع في مأزق علم يوسف للغيب الذي لا يتفق مع العقل إذ أن الغيب خاص بالله تعالى . 26

( هامش 25 :   بالطبع أن هناك بعض الناس يعلمون ولكن أكثرهم لا يعلمون فكيف نعرف أفراد هذين القسمين من حيث العلم والجهل؟ ولنعلم أن حكاية الآية الكريمة لا تمثل الأصول والكليات العلمية الكبرى التي تحيط بكل الحقائق بل حكايتُها حكاية المفاهيم العامة الأساسية التي يمكن لكل إنسان أن يعلمها ولكنه لا يعلمها.

فلو كان المقصود هو الحقائق العلمية لكان ممكنا أن يقطع أي جدل بأن يقول: ولكن أكثر العلماء لا يعلمون. ذلك لوجود بعض المجموعات البشرية التي لا تخضع لغير الله تعالى وهي تضم العلماء والحكماء والعمال والتجار والمهنيين والعسكر والضعفاء والشباب والشيوخ جميعا وكل أصناف البشر تقريبا كما كان عليه صحابة موسى وعيسى ومحمد. فبين الصحابة أناس عاديون من حيث العلم والشهرة والذكاء ولكنهم لم يكونوا ليعبدوا غير الله تعالى في حضور الرسول إلا أن ينكشف أمرهم.

فالذين يقعون ضمن أكثر الناس وهم الذين لا يعلمون، فإن كل مجموعة منهم تمثل شريحة كاملة من الأمة. هذه الشريحة تمثل العلماء والموجهين والملوك وكبار المدراء والعسكريين وأصحاب المصانع والمتاجر والقوى العاملة وكذلك الرياضيين والحرفيين والمذيعين والطباخين وغيرهم من مكملات الأمة بدون الرسول. نقول ذلك لأن الأمة في القرآن تعني هذه المجموعة المتكاملة مع الرسول وإلا فهي قرن وليست أمة.

فالتعبير القرآني هذا في مثل هذه الآية لا يمكن أن يُطلق على الجاهلين من مجموعة متكاملة بل على كل المجموعة.

إن الحديث يدور مدار التصرفات العادية كالصلاة والصيام الصحيحة أو غير الصحيحة فلم يقل الله تعالى ولكن أكثر الناس لا يتعلمون ولم يقل لا يفهمون بل قال لا يعلمون. وحديث يوسف مع اثنين من خدم القصور وهم عامة الناس العاديين. فالعلم المناسب لهم هو مجرد فهم ألا يخضع لغير الله تعالى ويعبد الله وحده. هذا علم سهل المنال ولكن الذين نراهم لا يعلمون هذا العلم فهم لا يريدون أن يعلموا بل يريدون أن لا يخرجوا من مستنقع التراث النتن الذي أصبح ماؤه غورا ولم تظهر إلا شوائبه العفنة.   نهاية الهامش 25.)

( هامش 26: ليس في الآية أية إشارة إلى أن الله تعالى أوحى إلى يوسف وليس مسألة إعدام الشخص الثاني ذي أهمية بالنسبة ليوسف ليؤكد لهما بأنه سيُعدم. الدليل الوحيد لنا بالنسبة لموت الثاني هو قوله تعالى عن السجين الأول بأنه الذي نجا منهما فعلا فهو يعني بأن الثاني لم ينج. وحتى نعرف معنى القضاء وكيفيته لا بد أن  نقوم ببحث بسيط فيما يلي:

قضاء الله تعالى:

نستشهد بآيتين من سورة البقرة بداية لفتح باب موضوع القضاء. قال تعالى في سورة البقرة:

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (117).

وقال تعالى في سورة المائدة:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64).

الآية الأولى توضح إرادة رب العالمين القوية القاهرة التي غيرت المسيرة النظامية لخلق الإنسان إلى مسيرة غير عادية لخلق المسيح بإرادة جازمة مقضية سوف تحصل وقد حصلت فعلا وجاء المسيح.

وأما الثانية فهي للرد على ما قاله اليهود بأن الله تعالى يعمل ضمن نظام شمولي لا يمكن إيقافه فكيف يتأتى له سبحانه أن يغير نمطا طبيعيا بمعنى العادة لا بمعنى قوانين الطبيعة.

هناك قوانين إلهية سار عليها اليهود فكسبوا ما كسبوا حتى وقع جل المال اليوم بأيديهم فكيف لله تعالى أن يوقف المسيرة العادية فيمنح أشخاصا آخرين خلافا لإرادة أصحاب المال إن كان حديثهم عن المال؟ فيرد عليهم سبحانه بأن يداه مبسوطتان.

هذا يعني بأن القوانين التي نسير عليها والتي أقرها الله تعالى نفسه لا يمكن أن تحول دون أن يقدر الله تعالى أمرا آخر لتحقيق نتائج معاكسة للعادة التي يسير عليها البشر. وكيف يكون ذلك؟ فنحتاج إلى بحث آخر هو البحث عن القدر لنتعرف على مجالات قضاء الله تعالى. وسوف نسعى لاختصار بحث القدر جهد الإمكان فيما يلي.

القدر:

لننظر إلى تدبيرات الإنسان نفسه وإلى كيفية تعامله مع الإمكانات المتاحة، فسنرى البشر بعكس الحيوانات يسعون لكسب الثروة والغنى ولجمع الأموال وما أمكن من الثمرات وكذلك المواد المختلفة للبناء والصناعة والكساء والخدمات العامة.

وبمجرد ما أن يفتح العاقل الحصيف عينيه على الحياة سيشعر بأنه يحتاج إلى أن يسعى لكسب المزيد من المقومات وإلى تخزينها بصورة صحيحة ليستفيد منها عند الحاجة. ذلك لأنه كبشر مدرك يشعر بأن الحياة لا تسير وفق نمط واحد فهناك الفقر والمرض والمزيد من الأولاد والأعداء والشهوات وبقية الضروريات والمرافق العامة والخاصة، وهذه الامور كلها سوف تضغط عليه بشكل أو بآخر فيجب أن يكون مستعدا للمواجهة بأعلى درجات الاستعداد وبأقل قدر من التعب والخسارة.

من هذا المنطلق أوجد الإنسان لنفسه قوانين علمية انتهت إلى التنبؤ بالحاجات المستقبلية وإلى وضع الأهداف لكل مرفق من مرافق الحياة ووضع المناهج المختلفة للوصول إلى تلك الأهداف بأقل التكاليف والخسائر.

وبما أن الطبيعة وحركاتها ليست بيد الإنسان فإنه من واقع خبراته وخبرات كل الذين مضوا والذين يعيشون في مختلف أماكن الأرض، يتوسع في الاستعداد للمواجهة مع الضغوط الطبيعية التي تفوق قدرته. وقد وضع البشر لتلك المواجهة المزيد من الإعدادات الضرورية أو الاحتمالية ولو كان الاحتمال ضئيلا، ومع ذلك فإنه يسعى لكسب المزيد من الأمان مستفيدا مما أوتي من قوة وإمكانات.

ولننتقل الآن بأفكارنا وعقولنا إلى خالق الكون وإلى قرار رب لعالمين بأن يبدأ بالخلق. يكفينا ما ذكره لنا في القرآن الكريم من تدبيرات مهد لها العزيز الحكيم قبل أن يبدأ بالخلق. أراد سبحانه أن يخلق كائنات مدركة تستفيد من نعمه المادية فيكرمها باستحقاق تمشيا مع قانون العدالة الذي يهتم سبحانه به.

هؤلاء يمكنهم أن يتعرفوا كثيرا على الله تعالى الذي كان موجودا دون أن يكون هناك من يعرفه. والذين فكروا في أنه تعالى لا يمكن أن نتصوره بدون تصور الخلق لأن الخالقية من معاني الذات القدسية فيكون الخالق ناقصا بلا خلق، ولذلك فالخلق مساوق للخالق وقديم مثله ولكنه في رتبة تالية باعتبار الإمكان، فهم مخطئون. لعل الفلاسفة المشائين وعلى رأسهم المعلم أرسطو في مقدمة هؤلاء العلماء والمفكرين.

لكنهم أخطأوا لأننا بكل بساطة نرى بأن الله تعالى كان قادرا على أن يوجدنا قبل آلاف السنين ولكنه تأخر في تحقيق فعلية قدرته تلك. ذلك يعني بأنه سبحانه لا يقوم بتفعيل كل قدراته بصورة دائمة ويكتفي بأن يكون خالقا لهذه الجزئيات بالقوة. إنه خلاق بالقوة ولكنه يخلق بالفعل ضمن نظام زمني مبرمج. وقد أقر سبحانه ذلك في سورة الرحمن:

 يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29).

فتغيير شأنه سبحانه بأن يُفعِّل بعض ما هو قادر عليه متى ما شاء أو أراد. ذلك يعني أن شأن خلقه يتغير في الواقع وليس شأنه سبحانه الذي لا يطرأ عليه أي تغيير. ولكن تغيير شأن الخلق منوط بتغيير إرادة الله تعالى بالنسبة لخلقه وليس ذلك مؤثرا في الذات القدسية إطلاقا.

مدبر عظيم بقدرات تفوق الخيال لا يمكن أن يخلق شيئا دون أن يدبر كل ما يمكن أن يطرأ عليه من تبديلات باعتبار إمكانية كل الخلق طبعا. ولو أراد الجبار العظيم أن يمنح بعض خلقه الإرادة فإنه يفسح لنفسه المجال للمواجهة مع ما يقوم به ذلك المختار غير الحكيم والفقير المحتاج إلى المزيد من المقومات فيما إذا سمحت له نفسه بالظلم الفاحش المؤثر في نظام ربه.

كما أنه سبحانه يقدر له ولغيره كل ما يحتاجون إليه للاستمرار في الحياة والعيش. لنضرب مثلا للأمر الثاني قبل الأول. قال تعالى في سورة المؤمنون:

 وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18).

أنظر إلى الآية الكريمة التي توضح تدبير ربك قبل أن يخلقك. لقد وضع مجموعة كبيرة من طرق التفاعلات الكونية لخلق السماوات والأرض ليتيح لربها اختيار ما يريده لتفعيل كل نوع من أنواع خلقه.

ثم إنه سبحانه لم يكن غافلا عن البشر الضعيف والحيوانات التي سيحتاج الإنسان إليها وكذلك النباتات وبقية حوائج هذا الخلق المستهدف فقدر لها مقدارا معقولا من المياه لتتحرك مع الغازات التي انفصلت عن الشمس حين خلق الأرض. فصنع الله تعالى الأرض من الغازات المختلفة مع المياه المقدرة لحياة الخلق النباتي ثم الحيواني.

لم يكن المدبر العظيم غافلا عن الخلق من قبل خلق الأرض. بالطبع أن هناك تدبيرات سابقة حين خلق الشمس لا نحتاج لذكرها هنا ولكنها مذكورة في الكتاب السماوي العظيم.

والآن لنمعن أكثر في تدبير الحي القيوم المذكور أعلاه. لقد ترك سبحانه المجال مفتوحا لنفسه لمنع الماء عن خلقه إن شاء. فقال عز من قائل في نهاية الآية:

 وإنا على ذهاب به لقادرون.

إنه لتدبير مهيب وفي منتهى الدقة جل جلاله.

لنفكر كيف يواجه رب العالمين عبيده الذين ينشطون بفعالية ضد نظامه والذين يمكن أن يؤثروا في برنامجه لمستقبل الإنسان. لنعد إلى الوراء، إلى ما قبل أربعة آلاف سنة.

هناك توسعت الملاحة البحرية فتعرفت طبقة من كبار تجار البحار -ولعلهم الفينيقيون- على طريقة خطيرة من التمتع الجنسي الذي يقطع السبيل على تكاثر البشر. ذلك هو إتيان المثيل، وقبل أن يتمكن البشر من السيطرة على كل مشاكله.

كان يجب فعل شيء من قبل القدوس ويقطع دابر هذه الفئة الخطيرة التي يتنقل أفرادها عن طريق البحر إلى كل مكان فينتشر هذا الانحراف النفسي في كل المعمورة.

لننظر إلى النظام الألوهي كيف يتعامل مع كل القضايا وكيف يُعدُّ الكثير من الإمكانات للمواجهة مع مختلف الاحتمالات منذ خلق الأرض.

يريد الله تعالى أن يقضي على هذه الفئة الخطيرة التي أسرفت في اتباع الشياطين حتى تركت الارتباط مع الجنس الآخر بالكامل.

لقد تعرفت أيضا نساؤهم على نسائهم فأصبح الرجال في واد والنساء في واد آخر. أرسل إليهم لوط ليتزوج من بينهم فيصير عضوا في ذلك المجتمع الفاسد. بدأ لوط مباشرة بعد استلام النبوة بمزاولة مهام الرسالة. لعلنا نفكر في أنه استلم الرسالة مباشرة بعد التعرف على العلم النبوي للضرورة الوقتية. بقي سنوات بل عقود ينصحهم حتى كبرت بناته ووصلن سن الزواج.

لا نريد أن نتوسع في قصة لوط وقومه ولا نريد أن نتعدى المزيد. وصلت النصائح أو موعد الوعظ إلى نهايته وبدأ موعد العقاب بالاقتراب. العقاب يجب أن يكون شاملا بحيث يقضي على كل الفئة الخطيرة ليُزالوا عن بكرة أبيهم فلا تنتشر عاداتهم بين الباقين ويصيروا عبرة لغيرهم.

جاءت الملائكة بهيئات بشرية تتراءى لقوم لوط بصورة شبان. هرع أقارب زوجة لوط احتمالا إلى منزل لوط طلبا للشبان القادمين وهم لا يعلمون ما ينتظرهم. أخذتهم الملائكة بالجرم المشهود وأخبروا لوط وأولاده برسالة ربهم وأمروهم بالخروج في منتصف الليل دون أن يهتموا بغيرهم فهم المؤمنون وحدهم في ذلك البلد.

كانت الأعاصير الشديدة بانتظارهم في السماء. لقد قدر الله تعالى أن تكون العواصف مصحوبة بالصيحات الشديدة وحملت العواصف بحجارة صغيرة حادة مقدرة من الله تعالى في مكان ما من الأرض. هذا ما تنبؤنا به الآيات التالية: قال تعالى في سورة الذاريات:

 لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34).

وقال سبحانه في سورة هود:

فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83).

المسومة يعني المعدة سابقا والمُعْلَمة لغرض خاص. لننظر إلى ما حصل.

لقد كان هناك بالقرب من قرية قوم لوط حجارة مناسبة لتدميرهم معروفة لدى رب العالمين. إنه سبحانه حين خلق الأرض دبر في كل مكان منها إمكانات لكل ما يريده في المستقبل سواء للمكافأة أو للعقاب. لقد قدر منذ البداية الكثير من هذه الإمكانات في الكرة الأرضية بحيث يستفيد مما يريد متى ما يريد.

لكنه سبحانه قضى على قوم لوط بتلك الحجارة المقدرة سابقا لمثل هذه الامور. لقد قدر سبحانه أماكن كثيرة داخل المحيطات للتسونامي ولكننا كبشر انتبهنا بعد فوات الأوان بأن البشرية نسيت أن تركب أجهزة إنذار مبكر في المحيط الهندي.

وليس بالإمكان فعلا أن نوقف كل ما يضرنا فالكرة مليئة بما لا نعرفه مما هي مسومة عند ربنا للمسرفين. كل هذه الاستعدادات مقدرة ولا يحتاج الله تعالى أن يقدر كل حركات الناس منذ بداية الخلق كما يتراءى للبعض. 

إنه سبحانه يريد أن يمنح الاختيار الحقيقي لكل البشر فلا يمكن أن يقدر كل حركاتنا منذ بداية الخلق ولا منذ بداية خلقنا. لو فعل سبحانه ذلك ارتبك أو بطل الاختيار وتعذر اختبارنا وهو تعالى لا يريد ذلك.      نهاية الهامش 26.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 20 – الدين القيم والصراط المستقيم


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 20 – الدين القيم والصراط المستقيم

وحتى يعطي يوسف لصاحبيه المعنى الدقيق لأسباب الخضوع الاختياري فإنه أردف قائلا:

ذلك الدين القيم.

وحتى نعرف المعنى الدقيق للدين القيم فإننا سنحاول معرفة صفة القيم بداية فنمر على كل الآيات التي ذكر الله تعالى فيها تلك الصفة وهي ثمان آيات مع هذه الآية. هي الأنعام 161 والتوبة 36 والكهف 2 والروم 30، 43 والبينة 3 و5.وسنجد ان ملخص المعنى الذي تدور حوله عبارة “الدين القيم” هو الدين التوحيدي الخالص من الشرك .24 

إذن يمكننا أن نوضح معنى كلام يوسف بأن عدم الشرك بأي شكل هو الدين القيم الموصل إلى الله تعالى والذي ينهج من يسير فيه طريقا مستقيما لا عوج فيه. ولنحلل كلام يوسف على ضوء ما عرفنا من معنى تقريبي للدين القيم. تقول الآية من سورة يوسف:

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40).

عدم الخضوع لغير الله تعالى هو الدين القيم ولازمه الخضوع لله تعالى. فلا نكتفي بعدم عبادة الغير بل نعبده لأنه سبحانه جدير بأن يُعبد وعبادته دليل على سلامة نفوسنا وبيان لانصياعنا النفسي للحقيقة المطلقة.

فالدين هنا هو الأصل الأساسي الذي يجب أن نراعيه في كل مناهجنا وهو عدم الشرك بالله تعالى والخضوع له. فكل مناهجنا توضع على أساس اتباع قوانين الألوهية التي لا مناص منها حقيقة ومن يخالفها يخسر الدنيا كما يخسر الآخرة.

( هامش 24:   عند تحليل هذه القضية نجد التالي:

آيتا سورة الروم وردتا بعد ذكر دقة الله تعالى في صناعة مخلوقاته فأمر نبيه باعتباره أسوة حسنة لصحابته أن يوجه وجهه طرف نظام الكون الدقيق والخالي من العيوب ساعيا لاستعمال قوة الإرادة عنده في مسايرة كل النظام الشمولي الدقيق فلا يخالف نظام الألوهية وينجو من المساءلة يوم الحساب.

ذلك ليعلمنا بأن الإسلام هو دين الطبيعة المرشد لنا نحو كيفية السير مع بقية الكائنات التي هي خاضعة بطبيعتها لربها لنخضع بإرادتنا للذات القدسية فنكسب رضاه سبحانه. وهما:

 فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43).

وقد منعنا الله تعالى في الآيات الوسطى أن نكون من أتباع المذاهب الدينية واعتبر من ابتدعوها مشركين لأنهم فرقوا دين الله تعالى وهو واحد لا يمكن تفريقه لأنه منبثق من الواحد الذي خلق الكون المهيب ليستمر في الحياة والبقاء والعطاء طيلة بلايين السنين دون أن ينهار  إلا ضمن شروط نظامه وقوانينه الطبيعية.

وأمره في كلتا الآيتين للنبي باعتباره أقدر من غيره على أن يكون أسوة حسنة لصحابته والآيات الاستدلالية موجهة لجميع الناس. وقد ضرب الله تعالى بالربا مثلا ليذكرنا بأننا لا نملك ما بأيدينا، فعلينا أن نطيع ربنا المالك إن أردنا كسب رضوانه. وإلا فنحن الخاسرون.

وفي كل الآيات يمنع من إشراك أي مخلوق في الخضوع له باعتبار أن الخلق عاجز وجاهل بحقائق الأشياء كائنا من كانوا. فلا يستحق أحد أن يُخضَع له حبا وشكرا وطاعة غير القدوس وحده. وطاعة رسوله عبادة له في الواقع باعتبار أن الرسول ساعي بريد لا يملك شيئا ولا يدعو لنفسه أبدا بل هو قانت لربه. عليه وعلى جميع رسل ربنا الصلاة والسلام.

وعلى أساس ما تقدم فان الله تعالى لا يفوض من صلاحياته شيئا إلى بعض عباده إطلاقا إذ لا ولاية تكوينية لأحد في هذا الكون إلا لله وحده.

وهناك آيتان تتحدثان عن القرآن الكريم وأنه هو أو سوره كتب قيمة. الأولى ما افتتح به سورة الكهف:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2).

 فـ (القيم) هناك وصف للقرآن باعتباره نذيراً ومن شأن النذير أن يكون دقيقا وواضحا حتى يتمكن المنذَرون من اتباعه لينجوا من تبعات الإنذار من ربهم. إذ أن (القيم) في مستهل الآية الثانية يعني المستقيم الخالي من أي اعوجاج. والثانية في سورة البينة هكذا:

 لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4).

فالبينة في الآيات الأربعة تدل على كتب السماء وتفرق أهل الكتاب ليس نتيجة لنزول البينة ولكن الله تعالى بصدد بيان المسؤولية التي تكون بعد استلام الإنذار، لا سيما الإنذار الكتابي.

وإن تفرقهم بعد نزول الكتب إثم واضح سيُسألون عنه. فالله تعالى يريد أن يبلغنا بأن كتبه واضحة تدعو إلى صراط مستقيم غير ذي عوج لتكون حجة علينا يوم الحساب العظيم أمام وجهه الكريم. والقرآن هو رسالة من الله تعالى.

ثم نفكر في آية سورة التوبة:

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36).

إنها تعتبر نظام الأشهر الاثني عشر لتكميل السنة أو تقسيمها مسألة طبيعية تتناسب مع خلق السماوات والأرض. إن الله تعالى وضع هذه الحقيقة في برنامج الخلق يوم بدأ التكوين الأساسي لخلق الكرات الغازية المهيمنة والممتدة وخلق الكرات الصلبة المعدة لاستضافة خلقه.

كما أنه اعتبر في نظامه حاجة كل إنسان إلى أربعة أشهر من الراحة عن كل حرب وخصام حتى لا يفقد توازنه بين النفس والجسم. وأوصى الصحابة ألا يبدأوا بقتال المشركين ويميزوا بينهم فيقاتلوا الذين يقاتلونهم دون غيرهم. ذلك طلبا للمزيد من السلام وابتعادا عن الحروب جهد الإمكان.

هكذا يستقيم دينهم ويتخلص من تدخل الأهواء والرغبات الشخصية والانتقامية ليكون كل شيء خالصا لوجه الله تعالى. بقيت آيتان هما آية الأنعام:

قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165) 

وهي أول آية في القرآن انطوت على مفهوم الدين القيم مشروحا بكل وضوح، والآية تعقب الأمثال الطيبة لتلك الحقيقة القرآنية. والآية التالية وهي في سورة البينة وهي تمثل آخر آية تتحدث عن الدين القيم:

وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5).

ونلاحظ أن الحديث تكميل لما سبق ونقلناه وقرأناه معا عن أهل الكتاب فهم أُمروا بالعبادة المخلصة لله تعالى. أمروا بأن يخلصوا دينهم لله وحده ولا يلتفتوا إلى الناس أبدا وهو معنى الحنيف الذي يميل عن الناس. فكل إنسان يجب أن يشق طريقه بنفسه إلى الله تعالى بما يتناسب مع إمكاناته ومعلوماته تاركا أمته وتراثه والخلق أجمعين وراء ظهره.

لقد أرسل الله تعالى كتبا إلى الناس لئلا يكون لهم حجة بعد أن جاءتهم رسلهم بكتبهم من ربهم. وأما إضافة الدين إلى (القيمة) فهي تحتاج فعلا إلى موضوع لتكون وصفا له. فلا يمكن أن تكون (القيمة) وصفا للدين لأن الصفة من التوابع ولم تتكامل شروط التبعية في الجملة. وقد ظن البعض أن الحديث في الآيات عن الأمة الإسلامية فهي المقصودة ويصير المعنى كما قالوا: دين الأمة القيمة.

ولا أدري كيف تكون الأمة قيمة على دينها؟. وفي نظري أن (القيمة) هنا تعود إلى الكتب المذكورة في الآية الثالثة وهي كتب القرآن. فالقرآن يمثل مجموعة من الكتب التي تدل كل منها على الاستقامة وعدم الاعوجاج في كتاب السماء. فهي تعني دين الكتب القيمة. فكل الكتب القديمة والحديثة تأمر الناس بأن يتركوا الشرك ويعودوا إلى ربهم ويخلصوا عملهم له ولا يشركوا بربهم أحدا من خلقه سواء كانوا رسلا وأنبياء أو ملائكة أو غيرهم.

وملة إبراهيم هي الملة التي يعود إليها كل من جاء بعده من الأنبياء والناس لأنه ضرب أعلى مثل للاستعداد للتضحية في سبيل ربه فترك كل شيء لأجل الله تعالى. ولذلك فهو متبوع كل الأنبياء وكلهم بمن فيهم نبينا يفتخرون بأنهم أتباع إبراهيم.

من هذا البحث المختصر يمكننا معرفة الدين القيم بأنه هو عين الصراط المستقيم من حيث المصداق وانهما يختلفان من حيث المفهوم فقط. فالصراط المستقيم التشريعي للخلق يشير إلى السبيل الموصل حقيقة إلى الله تعالى ليقع المؤمن ضمن الحركة العامة الجبرية للممكنات ولكن باختياره ليكسب الجزاء ويستحق الرضوان. ولكن المفهوم مختلف، حيث أن الدين هو القانون الثابت الذي لا يتغير، والطريق أو الصراط هو المنهج وهو ثابت لا تتغير أصوله باعتبار استقامته أيضا. فالمنهج أو الطريق الصحيح يجب أن يكون موصلا للهدف الذي ينشده الدين أو الدستور الأساسي. فدين المؤمنين هو ألا يشركوا في أهدافهم إضافة إلى تطلعاتهم، وطريقُهم هو العبادة المخلصة لربهم وعدم الشرك به في كل أفعالهم وأفكارهم.

إن ملة إبراهيم هو التفسير الفعلي لمنهج العبادة التي توصلنا إلى الرضوان. فالكون يسير ضمن نظام قيم لا خلل فيه ولا عوج والكتب السماوية أنزلها ربها متناسبة ومتناسقة مع كل الكون ليساعدنا على اتباع قوانينه الطبيعية في الطبيعة، والدين القيم هو التشريع الذي يوصل متبعيه حتما إلى مسايرة كل النظام الكوني الذي نسميه نظام الألوهية الشامل حتى لا يخسروا ولا يضيعوا ولا يدخلوا النار.     نهاية الهامش 24.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 19 – العبادة الحق ، والتطور


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 19 –  العبادة الحق ، والتطور

يضيف يوسف:

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿40﴾.

يريد يوسف أن يحل مشكلة التوارث التي خدع الشيطان بها عباد الله تعالى. فكل المتدينين وغير المتدينين من الذين يؤمنون بالله تعالى يهتمون بالتراث الذي وصلهم من آبائهم.

هكذا ينتفي دور العقل بين أهل الديانات ويصبحون فريسة للطامعين من المخادعين والضالين المضلين . 21

لقد شرح  يوسف لصاحبيه كثيرا من المعاني المتعلقة بالعبادة، ولكن الله تعالى يختصر الموضوع بقوله:

إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم.

ومعنى ذلك أن السير التطوري الطبيعي و الحقيقي من الحاضر إلى المستقبل قد انقلب في أذهانهم وأصبح من الحاضر إلى الماضي.

كان عليهم أن يفكروا في مقولات الآباء ولا يتعاملون معها على انها حقائق ثابتة. آباؤنا ونحن وليس نحن وآباؤنا. فلو انتقلت المعلومة من أبي إلي وفكرت فيها لأستبين حقيقتها فإني سأجد الكثير من السلبيات فيها، باعتبار التطور الطبيعي لمن يلحق على من مضى.

هكذا ينتفي التقديس ونضع كل شيء في اختيار العقل والفكر متحررين من كل قيد من الماضي.

والغريب أن الناس يرون التطور العلمي الطبيعي ويستعملون النعم الجديدة التي أباحها الله تعالى لهم بعد أولئك الأنبياء الذين ماتوا ولكنهم يقولون بأن الذين مضوا أكثر منا علما!

لو قلت لمسلم معاصر بأنه قد يكون أعلم من أحد الانبياء في حقل معين من حقول العلم مثلا لرأيته يرتعش خوفا وذعرا من أنه سمح لك بالتفوه بمثل هذا الكلام.

إن الناس ينسون بأن الله تعالى الحي القيوم يطور الناس فلو كان انبياء الله تعالى الماضين أعلم منا فهذا يعني بأن الله تعالى لم يطورنا.

إنهم ينسبون الفشل إلى الله تعالى لتقديس نبيهم. ذلك لأنهم يظنون بأن آباءهم أكثر منهم علما وفضلا. ولذلك أعقب يوسف:

ما أنزل22  الله بها من سلطان.

ويعني ليس لأولئك أية سيطرة عليكم وليس لهم أي سلطان من الله تعالى بل إنكم أنتم الذين تفرضون لهم سلطانا وقوة.

هذه حقيقة قَلَّ من يفكر فيها مع الأسف على أن من السهل فهمها.

لو ننظر إلى مراكب الأقدمين في البر والبحر ونقارن بينها وبين مراكبنا التي تسبح اليوم في  الأجواء بل وحتى في الفضاء الخارجي سنرى بكل بساطة أن نظام الألوهية لم يضع للقِدم سلطانا بل سلط الجديد على القديم.

وحقيقة الأمر أن البشر لا يملكون شيئا بل إنهم مملوكون بأنفسهم لله تعالى فكيف ننصاع لحكم البشر وخاصة الذين ماتوا منهم؟.

ثم يوضح ذلك بأن نظام الألوهية هو الذي يسيِّر الأمور وليس هناك أمر بيد البشر فيقول:

إن الحكم إلا لله.

والحكم معناه الخطاب الفاصل الذي يميز الذي يجب أن يكون من الذي هو كائن فعلا. فالكائن فعلا قد ينطوي على ظلم وإجحاف نحتاج معه إلى معرفة الحقيقة والذي يعرف الحقيقة هو الله تعالى وحده وليس غيره.

ذلك لأن معرفة الذي يجب أن يكون تحتاج إلى معرفة الكائنات وإمكاناتها ومعرفة المتغيرات ومداها وكلها واضحة لله تعالى لأنه هو وحده الذي يقدر كلَ شيء ويقضي بما يشاء أو بما يريد.

والمحتاج بطبيعته يخضع للمنعم ويلوذ به عند الشدائد. ومن رحمة الله تعالى أن يهدي المختارين من عبيده ليلتمسوا الحق من مصدره ولذلك قال يوسف متابعا:

أمر ألا تعبدوا إلا إياه.

هذا الأمر بالنسبة لنا نحن البشر أمر تشريعي ليعلمنا الطريق الصحيح لمعرفة الحقيقة ولكسب الهدى ثم لنجني ما هو مقدر لنا من نعم الله تعالى . 23

(هامش 21: ولنبدأ ببيان مختصر لمفهوم العبادة فإن إبليس اللعين الرجيم قد غيَّر مفهوم العبادة في أذهان المؤمنين حتى ظن الأكثرية بأن العبادة تعني الصلاة أو ما شابهها من الممارسات العبادية المعروفة.

والواقع أن العبادة تعني الخضوع وتتمثل غالبا في الحب المفرط والطاعة العمياء والشكر الجزيل.

فكل عمل من الأعمال الثلاثة يصل حد الخضوع فهو عبادة باعتبار أن العابد يشعر بفقدان الإرادة أمام المعبود وبأن عليه أن يخضع مطيعا شاكرا محبا.

ولذلك يصفون احيانا العشق المفرط بين المغرمين من النساء والرجال بأنه حب عبادة.

والعبرة فيه أن المحب يطيع المحبوب دون تردد ولا تفكير أو اهتمام بالعواقب.

والعبادات التي نراها في معابد الذين يتخذون الأصنام وسيلة للارتباط بالله تعالى هي عين العبادات التي نراها في المزارات المعروفة وحتى الكثير من الزيارات التي يقوم بها المسلمون أمام قبر رسول الله عليه السلام معتبرينه حيا يسمعهم ويرد عليهم ولكنهم هم الذين لا يسمعونه، كلها أمور ينطبق عليها مفهوم العبادة دون أدنى شك.

وعبارة “من دون الله” تعني عادة، غير الله تعالى أو تعني ضد الله تعالى كما قال سبحانه في سورة البقرة:

 مِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167).

ولكن العبارة في آية سورة يوسف تعني غيره سبحانه. فعُبّاد الأصنام يعبدون الله تعالى أحيانا ولكنهم يحبون ويفضلون الخضوع للأصنام. والأصنام مثل القبور، تشير إلى ذوات مقصودة وتكون الذوات عادة من الملائكة.

وأما عجل السامري فكان يشير ويرمز إلى موسى الرسول وقد اتخذوه معبودا حتى يرجع إليهم موسى. والعبادة المشتركة بأي شكل هي في حقيقتها عبادة المشركين.

إن كل من يعبد غير الله تعالى يظن بأن للمعبود المخضوع له يدا في التصرف بالمتغيرات، وهو خطأ.

إن المتغيرات جميعها بيد الله تعالى حتى التي نراها بيد البشر. لو ننظر في أعماق الحركات الكبرى والاحداث التي تقع في الأرض كالحروب والفتوحات والصناعات الكبرى والمتاجر والمباني الفاخرة والأنظمة والتشريعات المتطورة فإنها جميعا تسير وفق نظام تطوري واحد ولو أن هناك أشخاصا من البشر يديرون هذه الحركات الكبيرة.

فنرى هناك رقعة جغرافية محدودة وقعت تحت سيطرة المسيحيين ومثلها تحت قيادة المسلمين ومثلها تحت النفوذ البوذي على الرغم من أن جميع أصحاب الديانات الكبرى سعوا حين قدرتهم على تحويل كل الأرض إلى عقيدتهم ليسودوا فلم يفلحوا.

نرى بأن هناك مجموعات قوية من الدول المتحدة معا، ولكن ليس لأية مجموعة أن تحكم الأرض منفردة، بل إنها محتاجة لبعضها البعض، كما نرى في المقابل أن أية مجموعة تتعدى حدا من القدرة والقوة والتسلط فإنها تسقط كما سقطت الحكومات الأموية والعباسية والعثمانية وكما سقط الفرس والروم والمغول وغيرهم.

أن خيرات الأرض موزعة توزيعا دقيقا فكل أمة في الواقع قادرة على أن تتحكم في دخلها على أساس الثروات الطبيعية الممنوحة لهم من قبل قوة غيبية ولكن الشعوب تتكاسل أحيانا فيعمها الفقر أو تتصارع فيما بينها فتخسر وتفشل.

ونرى بأن القوى الكبرى مع علمها وإمكاناتها التقنية، تخطئ كثيرا وتخسر كثيرا مما يدل على أن المدير العام جل جلاله لا يريد لها السيطرة الكاملة.

نرى بأن هناك الكثير من الأمراض والعاهات الكبرى تظهر على وجه الأرض فتخلق الذعر بين البشر ثم تزول دون أن نعرف في الواقع كيف أتت وكيف انتشرت ثم كيف زالت أو خفت خطورتها. فهل يمكن أن نتصور بأن هذه المتغيرات بيد غير الله تعالى المحيط المهيمن؟.

إن البعض يعتبر الأولياء أقوياء ووسائط للرحمن وسادة وملوكا ويخضع حتى لرفات عظامهم وقبورهم، ويظن بأن لهم خطرا كبيرا، والواقع أنهم ضعفاء لا حيلة لهم. قال تعالى في سورة يونس:

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36).

إن القدماء غلوا في بعض الأشخاص فانتقل الغلو بمساعدة الشياطين إلى أبنائهم وبقي ينحدر بينهم من جيل الى جيل، وكلما ابتعدوا عن حقيقة الأشخاص وهم في غمرة الغلو فإن السلبيات الطبيعية زالت من صور تلك المسميات ولكن الإيجابيات الوهمية بقيت وتلألأت وتطورت شيئا فشيئا في عالم الظن والخيال.

ثم تحولت المسميات إلى مقدسات لا يسع المرء أن يفكر مجرد تفكير في إمكانية الشك في قدسيتها، بل عليه أن يتقبلها فهي رموز الأمة وعناوين الملة وبغيرها يموت الناس وينقطع ارتباطهم مع ربهم!. والحقيقة أن كل الأشخاص من البشر، مهما كانوا متسامين ومترقين في درجات العبودية و الخلوص فهم كانوا يأكلون الطعام ويشربون وينامون ويُحدثون فيغسلون ويجنبون ويغتسلون.

إنهم جميعا ضعفاء أمام القدرات الطبيعية وأمام الأمراض بنص القرآن. إنهم جميعا ماتوا ولم يتمكنوا من دفع الموت عن أنفسهم. كل مظاهر الضعف هذه زالت من الأذهان وحلت محلها العظمة والقدرة والتفوق والسمو.

إن الموتى جميعا أحياء عند ربهم وليسوا أحياء عندنا وهم لو كانوا مؤمنين فهم يُرزقون الأمان من الخوف ولو كانوا كافرين فاسقين فسوف يُصيبهم الخوف والذعر من مستقبل الحساب أمام ربهم لا غير.

ليس للموتى أن يعرفوا عنا شيئا كما ليس لنا أن نعرف عنهم شيئا وهذا معنى البرزخ الفاصل بين الحياتين الدنيوية والأخروية. وكل هذه المفاهيم موضحة في كتاب الله تعالى. نهاية الهامش21)

(هامش 22:   الإنزال في لغة القرآن يعني التدرج التطوري من حيز القوة والامكان إلى حيز الفعلية. قال تعالى في سورة الزمر:

خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6).

فالله تعالى طور الأنعام من حالة إلى حالة ولم ينزلها من علو إلى أسفل كما أنه سبحانه ينزل الغيث بمعنى أن المطر يتحول من حالة الجمود إلى حالة السيولة بعمليات طاقوية تتم داخل الغيوم حتى تجذبه الأرض وليس هناك بحر من المياه في السماء فينهمر منها حينما يفتح الله تعالى صمامات البحار السماوية مثلا. فحينما يستعمل الإنزال فهو يتضمن معنى التطور بصورة طبيعية.                   نهاية الهامش 22)

(هامش 23:   لمزيد من التوضيح: فإن الكائنات برمتها خاضعة لوجه القدوس جل جلاله ونحن نحتاج كثيرا إلى هذه الكائنات فلو أننا خضعنا بإرادتنا لمن تخضع له الكائنات جميعها فإننا نقع في الطريق الواضح الموصل إلى الهدف الذي نتوخاه. ولكننا لو سعينا لنفس الهدف من طريق أخرى فقد نضل وقد لا نصل أو تطول بنا الطريق.

أما قولنا بأنه أمر تشريعي فباعتبار العبادة التي تمثل الخضوع الاختياري ولذلك أمرنا أن نأتي بها بمحض إرادتنا. أما الكائنات غير المدركة أو المدركة غير المختارة فهي جميعها خاضعة لوجهه سبحانه جبرا وفاقدة للإرادة أمام حكم الجبار العظيم جل جلاله.

وليكن واضحا أيضا أن الملائكة المكرمين لا يعبدون الله تعالى بل يسجدون له؛ وأما قوله تعالى بأنهم:

 لا يستكبرون عن عبادته

فهو ليس باعتبار الفعلية بل باعتبار القوة. ذلك لأن الله تعالى قادر على أن يعطيهم الخيار إن شاء فيصيرون ملائكة يمشون على الأرض مثلا. والآية واضحة في حصر العبادة والخضوع بالذات الإلهية. ذلك لأن الخضوع لا يجوز لمن هو مثلك.

وكل الكائنات المخلوقة ممكنة في ذواتها وفي أعمالها إلا الله تعالى الواجب في ذاته والذي لا يمكن لشيء أن يتخطى أمره سبحانه وتعالى. والكائنات برمتها مدينة له بأنه خلقها ويمدها بمقومات الوجود والحياة إن كانت من ذوات الحياة بشقيها الطاقوي والنباتي.    نهاية الهامش 23.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 17 – ملة إبراهيم وخطأ يوسف


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 17 – ملة إبراهيم وخطأ يوسف

نستكمل مع الآية:

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

المقطع :

إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون

عرفنا معنى المقطع الكريم وعرفنا بأن الواو قبل “هم” الأولى هي للحال ويعني حال كونهم كافرين بالآخرة. وتكرار “هم” ضروري حتى لا يلتبس على القارئ موضوع عطف “هم” الأولى على عدم إيمانهم الصادق بالله تعالى.

حينذاك سوف يكون المعنى بأنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله كما يكفرون بالآخرة ولكن مقصود الآية أن تقول بأن عدم الإيمان بالآخرة نتيجة حتمية لعدم الإيمان الحقيقي والصحيح بالله تعالى.

وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴿38﴾

هنا يكمن الخطأ الأكبر ليوسف برأيي. ذلك الخطأ الذي سلبه تلك العناية الخاصة التي ملأت حياته روعة وعلما وقرارات حاسمة ورائدة، وكان أجلاها في ذلك التقدير الدقيق لوصول العزيز في اللحظة الحاسمة قبل أن يقع يوسف فريسة سهلة في أحضان المرأة الماجنة.

(وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه، هو برهان الربوبية وليس برهان الألوهية). هنا وفي هذه اللحظة خسر يوسف شيئا كبيرا فلم يعد من عباده المخلَصين (بفتح اللام).

هنا وفي هذه اللحظة فُتح الباب على مصراعيه للشيطان ليضاعف الغرور الذي تمثل به أخونا الكبير يوسف بن يعقوب حفيد إسحاق وحفيد إبراهيم. إنها مشكلة كل أو غالبية بني إسرائيل. وسنرى في آخر المطاف وبتحليل بسيط أن إسماعيل الذي أبعده ربه عن التحفظات العائلية المورثة للكبرياء قد فاز على يعقوب الذي بنى أسرة عريقة كبيرة متمثلة في أولاده وأحفاده. حرية إسماعيل تغلبت على محافظة إسحاق.

ولعل أول من اهتم بالتحفظ العائلي هو ابنه يعقوب المعروف بإسرائيل. ولا يفوتنا هنا أن نلفت إلى أهمية الالتفات إلى ما يحكم علاقات اتباع الأديان الثلاثة من كراهية وشحناء فيما بينهم ونسعى جميعا الى إصلاحه ومحاولة القبول بالعيش المشترك في هذه الحياة الدنيا سيما وأننا نعود في الأصل الى جذور واحدة ونكون معا هذه العائلة البشرية الكبيرة. 

أضاف يوسف بأنه اتبع ملة آبائه وذكرهم بالاسم و هم إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وكما عرفنا فإن اتباع الملة لا تعني أن يقلد أحدا بل يسير على الخط العام لهم.

إنهم مشوا على درب التوحيد خاضعين لله ناسين غير الله تعالى ولكن سار كل واحد منهم بطريقته والتزم بمناسكه الخاصة. إن كل إنسان يعيش في محيط خاص به ومع أسرة ترتبط بكيانه الشخصي وكل مجموعة من الأسر يعيشون في وطن يخصهم ويحتضنهم ويساعدهم ليهنئوا ويؤدوا واجباتهم بسلام. وإن كل مجموعة من الأوطان تدين بدين وتؤدي واجباتها تجاه ربها ضمن إطار خاص بتلك المجموعة.

 فليس من الضروري أن يلبسوا جميعا مثل بعض أو يأكلوا ما يأكله الأكثرية أو يركبوا نفس المراكب أو يبنوا بيوتا على طرز واحد . 18

إن يوسف رجل مؤمن طيب القلب وفي غاية الخضوع والخشوع لله ولكنه مبتلى بما ابتلي به بنو إسرائيل من كبرياء. إنه بحاجة إلى أن يبقى فترة في السجن ليتطهر نفسيا ويشعر بالتواضع مع بني البشر فيترك كبرياء بني إسرائيل ثم يتأهل للنبوة.

أظن بأنه لهذا السبب بقي بأمر ربه وبتقديره الكريم سبحانه بضع سنين في السجن. لكن هناك نظاما ألوهيا يجب مراعاته لتبرير بقائه الفعلي في السجن. هذه العنجهية محفورة في قلوب بني إسرائيل قاطبة فهل يقدر الله تعالى لهم جميعا السجن؟

وحتى لا نظلم يوسف فإن موسى عاش فقيرا يخدم الغير عدة سنوات حتى جاء على قدر فمن صالح يوسف أن يعيش فترة في السجن ليأتي على قدر.

(هامش 18:  وهكذا ليس معنى هذا التشابه في الملة أن يطلقوا جميعهم اللحى مثلا كما يظن بعض المؤمنين. لو كان كذلك فإن النساء سيكن عاجزات عن اتباع ملة إبراهيم! وقد أمر الله تعالى المسلمين كما أمر أهل الكتابين السماويين من قبلهم أن يتبعوا ملة إبراهيم.

ملة إبراهيم تتميز بتوحيد الألوهية والخلوص لله وحده وليس شيئا آخر وهو المطلوب. فإبراهيم كان موحدا وهو في قصور العراق كما كان موحدا وهو مطرود إلى المجهول كما كان موحدا في الأرض المقدسة وموحدا أيضا في المدينة المحرمة. كذلك كان إسحاق وكذلك كان يعقوب وهما لا يعيشان حياة مشابهة لحياة إبراهيم.

وها هو يوسف يتبع ملة إبراهيم تحت عناية أبويه، يتبعه في الجب المظلم ويتبعه مسروقا بين يدي تجار مصر ويتبعه عبدا في قصر العزيز.

إنها ملة إبراهيم التي جعلته يطيع سيدة القصر في كل شيء مشروع ولكنه وقف أمامها ممتنعا عن الاستجابة حينما طلبت منه الفاحشة. قال تعالى في سورة البقرة:

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131).

فاتباع ملة إبراهيم يعني أن يسلم لرب العالمين كما أسلم إبراهيم وجهه له سبحانه وتعالى وليس أمرا آخر.

اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو يلبس ملابس الكنعانيين البسيطة كما اتبعه وهو يلبس ديباج القصور المصرية الفاخرة. اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو يعيش في أسرة النبوة كما اتبعه وهو عضو في أسرة مشركة. اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو حر طليق كما اتبعه وهو في ظلمات الجب أو في سجن مصر. قال تعالى في نفس سورة البقرة:

وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135).

 فإبراهيم أسلم إيجابيا لربه ومال عن قومه وترك شرك المشركين.

أظن بأن ربنا الرحيم قد وضح الملة الإبراهيمية بكل دقة وأزال كل غموض عن كيفية اتباع ملة إبراهيم. والمطلوب لكل من أتى بعد إبراهيم أن يتبع ملة إبراهيم لا غيره. وبعد حوالي 3000 سنة من يوسف عاد القرآن ليأمر محمدا بأن يتبع ملة إبراهيم أيضا.

لكن يوسف أضاف إسحاق ويعقوب على إبراهيم ليكبر أسرته. لسان حال يوسف بأن بني إسرائيل هم الصفوة الخيرة المتفوقة على بقية الناس فعلى الناس أن يحذو حذوهم. بل لسان حاله أن بني إسرائيل وحدهم يسودون الناس فعلى الناس أن يأتمروا بأمرهم.

إن وجود أمة مؤمنة مثل بني إسرائيل هو فضل من الله تعالى على بني إسرائيل وعلى الناس جميعا! نسي يوسف بأنه هناك في السجن لأن أولاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب من غير أمه قد أرادوا لأخيهم الموت فكيف يتعاملون مع بقية الناس؟! هل ذلك من فضل الله على بني إسرائيل وعلى الناس يا أخانا يوسف؟!.

 لقد ذكر لنا القرآن بأن يوسف فضل نفسه وأسرته على الناس ولم يقل بأن أولاد إسماعيل بمن فيهم نبينا محمدا قد فضلوا أنفسهم على الناس.

الحقيقة أن كل المسلمين يشعرون بأن محمدا هو صاحبهم وأخوهم الكبير ولكن لا زال اليهود بعد انبعاث نبي عظيم غير إسرائيلي وبقوة كبيرة، لا زالوا يعيشون الخيال والظن الإسرائيلي الجاهل الذي ورثوه من بني يعقوب.

والله تعالى لم يرفع أمة على أمة ولا إنسانا على إنسان بالوراثة. قال تعالى في سورة النحل:

 وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93).

وقال سبحانه في سورة الحجرات:

 يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13).

وقال تعالى في سورة الكهف مخاطبا خاتم النبيين:

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110).

لا يمكن توقع أن يفضل الله تعالى أحدا على أحد وإنما تقتضي ضرورات الابتلاء الإلهي أن يكون هناك تشابك غريب في أوضاع الناس لا تتجلى فيه حقائقهم وحقيقة فضل بعضهم على بعض. فالله تعالى أتاح لأبي سفيان أن يكون حاكما ويكون محمد تحت حكمه ردحا من الزمن كما جعل موسى يعيش عقودا تحت حكم الاقباط وهكذا.

وحينما أراد الله تعالى إرسال موسى إلى المصريين فإنه سبحانه قدر له أن يعيش حياتين إسرائيلية وقبطية ثم قدر له أن يعيش عقدا من الزمان بعيدا عن بني إسرائيل وبعيدا عن فرعون مصر الكبير.

هكذا جاء موسى على قدر بعد ما فقد هويته الإسرائيلية المحضة وأصبح قادرا على استيعاب الغير. إنه أُمر أن يبلغ فرعون والأقباط قبل بني إسرائيل ليعلم ويستيقن بأن الله تعالى الذي أرسله هو رب العالمين وليس رب بني إسرائيل فحسب.

لكن أباه يوسف الذي عاش الظلم الذي أورده عليه أبناء إسرائيل المباشرون في غيابت الجب والذي عاش الرق ولم يزل عبدا وهو في السجن فإن العنجهية الإسرائيلية لم تفارقه.          نهاية الهامش 18. )

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com