المؤمنة كاترين 19- جلسة الاثنين ( الحجاب والربا )


المؤمنة كاترين

المقطع التاسع عشر

جلسة الإثنين (1)

خرجت كاترين بعد ظهر الأحد إلى الجمعية التعاونية لشراء بعض المواد لتحضير عشاء بسيط ليوم غد كما اتفقوا عليه. رأت في الطريق صديقتها الفرنسية الجديدة ماري. لكن ماري تفاجأت بحجاب كاترين.

ماري:

أهلا كاترين. هل اتفقت مع علوي؟

كاترين:

أهلا ماري. أريد أن أشتري بعض مستلزمات العشاء البسيط كما طلبتم وأكون شاكرا لو تساعديني على الانتخاب.

ماري:

هيا، أنا معكِ، لكنك لم تردي على سؤالي.

كاترين:

ألم نتفق معا أن نلتقي في بيتنا مساء غد؟ فالاتفاق تم في حضورك وفي حضور العم محمود.

ماري:

سؤالي عن اتفاق آخر بينكما وحدكما وليس عما اتفقنا عليه جميعا.

كاترين:

ماري، من الخير لنا أن نترك المسائل لله تعالى فلو كان هناك نصيب فإنه سبحانه سوف يقدر ذلك وإلا فنحن مطيعون لربنا.

ماري:

علينا السعي يا كاترين والله تعالى يوفق الذين يسعون ولا أظن بأنه يوفق الذين يكتفون بما في قلوبهم.

كاترين:

نحن نحب أن نساعد علوي وأنا أحبه من كل قلبي ولكن يجب أن نترك الأمر له ليطلب وليس لي.

ماري:

إذن أنا الذي سوف أصرح واترك الأمر لي.

كاترين:

أنت حرة.

اختار الفتاتان بعض الخبز وقليلا من الجبن والفلافل والحمص والخضروات وعادا إلى بيت كاترين بعد أن دعت كاترين صديقتها لتتعشى معها.

جاء يوم الإثنين واجتمع الجميع في الساعة التي حددوها في شقة كاترين. لم يتفاجأ العم محمود بحجاب كاترين ولكن ماري لم تلزم الصمت.

ماري:

يا عم محمود، هل أوجب الله تعالى الحجاب على النساء؟

محمود:

 كلا.

تفاجأ علوي وكاترين وماري بالجواب الغريب للعم محمود. ثم نظروا جميعا إلى ماري لتكمل استفساراتها فهي لا تخجل من السؤال.

ماري:

يا عم محمود، إذن فما هذه الضجة الكبيرة لدى المسلمين بوجوب الحجاب وهذا التسابق الغريب على اختيار ما ازداد غطاء وسترا من الحجب؟ حتى أن نساء السعودية المعروفة بالعقيدة الوهابية وكذلك نساء اليمن وأفغانستان وبعض نساء الشيعة وغيرهم يظنون بأن الحجاب دليل الإسلام وبأن من لا تتحجب فهي فاسقة.

محمود:

هذا أيضا مثل تسابقهم على تنجيس كل شيء بحيث أنهم كتبوا كتبا مفصلة عن النجاسات وكتبا أقل تفصيلا عن المطهرات. القرآن هو كتابهم الذي لا يتحدث أبدا عن النجاسات. والواقع أن الحجاب وخاصة حجاب الوجه جاءنا من اليهود وليس من الإسلام في شيء.

كاترين:

فما قولكم في الآية التالية من سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل ِلأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59).

محمود:

يا ليتك قرأت لنا الآية مع آية قبلها حيث يقول سبحانه: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58). هناك حديث دار بين الصحابة الكرام حول إحدى المؤمنات في حكاية معروفة بينهم باسم حديث الإفك والحديث مأخوذ من سورة النور. ولعل هناك قضايا مشابهة فأراد ربنا أن يعلم الرسول نصيحة مفيدة للمؤمنات ليأمن تعرضهن للتهم. والجلباب لباس زينة لا زال معروفا بين عرب الخليج بأسماء أخرى. فمثلا في الكويت يسمونه الدراعة. هي لباس زينة كانت النساء يلبسنه وله ذيول مما يرفع ثمنه. نرى حكاية الجلباب أو الخمار أو المِرط بكثرة في أشعار العرب. وحتى نعرف معنى يدنين عليهن حري بنا أن نقرأ آية أخرى تشرح الموضوع.

قال تعالى في سورة النور: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31).

لهذه الآية شقان منفصلان في الواقع فلنفصل بينهما.

الشق الأول: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. هذه هي آية الحجاب في الواقع. فبعد أن أمر الله تعالى المؤمنين قبلها ليغضوا من أبصارهم فإنه سبحانه أمر المؤمنات أيضا ولكنه أضاف: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. وقبل أن نشرح المقطع الكريم يطيب لي أن أنبه جميع الحاضرين والغائبين بأنه سبحانه لم يعين أي عقاب دنيوي أو أخروي لترك الحجاب. فلا سبيل على من لا تلبس الحجاب قطعا. عدم إبداء الزينة مشروح بعدها بتفصيل فليختصر بحثنا حول: وليضربن بخمرهن على جيوبهن. الجيب تعني فتحة القميص. فيوم نزل القرآن الكريم لم يكن هناك أزرار ولا نايلونات مطاطة. وكانت النساء مهتمات بالضفائر وبتصفيف الشعر. ولذلك كن يوسعن فتحات القمصان حتى لا تتأثر ديكورات الشعر لديهن. لكن المشكلة أن الجيوب الكبيرة كانت لا تغطي الصدر فيبرز مفاتنهن بصورة جلية للناظرين. فعلَّمهم ربهم بأن يغطين صدورهن بذيل من ذيول خمرهن أو جلابيبهن. ذلك خير لهن حتى لا يُدعون إلى الفاحشة من قبل ضعاف النفوس أو الشباب الطائش.

ليس هناك أي ذكر لتغطية الشعر في القرآن الكريم. ثم إن الآية التي قرأتها كاترين تأمر الرسول الأمين بأن يقول لأزواجه وبناته. ألا تعني ذلك بأن بعض أزواجه وابنته الوحيدة فاطمة ما كن ملتزمات بالحجاب قبل نزول الآية الكريمة؟ لو كن ملتزمات به لكان أمر الله تعالى غير مناسب والعياذ بالله. هل يجوز لأحد أن ينصح من عطر بدنه بأن يعطر بدنه؟ أو ينصح من طهر وجهه أن يطهر وجهه؟ أو أن ينصح من يلبس الحجاب أن يلبس الحجاب؟

ثم نأتي للمقطع الثاني من الآية الكريمة: …وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31). لنبدأ بفهم معنى الزينة المذكورة ثلاث مرات في آية واحدة. يقولون بأن الزينة تعني الوجه والشعر باعتبار محاسن الوجه وجمال الشعر. لكنه سبحانه قد وضح الزينة في آخر الآية الكريمة بقوله الكريم: … وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ…. كلهم يعلمون ويقولون بأن المقصود من هذا المقطع هو الحجل أو الخلخال التي تتخذها النساء كزينة لسيقانهن. فأمرهن الله تعالى ألا يضربن بأرجلهن لئلا يعلم أحد بأنهن لابسات الخلخال. تعني نهاية الآية الكريمة بأن على المرأة التي غطت سيقانها بالملابس الطويلة ألا تضرب برجليها على الأرض ليعلم الغير ما أخفته من زينتها. فالمقصود من الزينة هو ما أضيفت إلى البدن وليس البدن نفسه.

وإذا كانت الآية تتحدث عن الحجاب فما معنى أن يأمر التي غطت زينتها ألا تضرب برجلها على الأرض. إذن هناك مسألة أخرى غير الحجاب. ثم إنه سبحانه ذكر محارم المرأة ولم يذكر الأخوال والأعمام وهم من محارمها. ثم إنه تعالى سمح للتابعين وهم رجال غرباء يخدمونها بأن تبدي زينتها أمامهم. وسمح لنسائهن أيضا. وهل هناك منع للنساء ألا يرين زينة أمثالهن من النساء حتى يسمح سبحانه فقط لنسائهن. إذن هذا المقطع من الآية لا تتحدث عن الحجاب إطلاقا.

على هذا الأساس أرى من الضروري أن نقرأ آية بعدها لنرى المقصود من آية منع المرأة من إظهار الزينة: وَأَنكِحُوا الأيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32). فالحديث في واقعه عن النكاح وليس عن الحجاب. وعدم إبداء الزينة لحماية الفتاة الغنية من إمكاناتها المالية ومجوهراتها حتى لا يطمع اللصوص. أما السبب في عدم ذكر الأعمام والأخوال الذين هم محارم لها فهو باعتبار أن الفتاة لو كانت صاحبة ثروة فقد يكون عمها أو خالها فقيرا ولكنه يطمع أن يناسب ابنة أخيه ويطلبها لابنه. فإظهار زينتها قد يؤلم العم أو الخال الفقير أولا. ثم إن الفقر لا يجب أن يحول دون أن تتزوج المؤمنة مع من يناسبها في غير المال. وأما التابعون فهم يخدمونها وعلى علم بكل إمكاناتها، وكذلك صديقاتها من النساء اللاتي يعلمن كل شيء عنها فلا بأس بأن تظهر أمامهن بزينتها.

نعود مرة أخرى إلى بداية الآية الكريمة لنقرأ أول بيان للزينة حيث أننا علمنا بأن الزينة مذكورة ثلاث مرات في الآية: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ…. قلنا بأن المقطع الأول يوضح الحجاب طبعا ويوضح قبل بيان حدود الحجاب الموصى به أمرا إرشاديا بعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها. قالوا أيضا بأن ما ظهر منها يعني الوجه والكفين بلا دليل من الآية نفسها لكنهم استندوا إلى أحاديثهم التي كتبوها بأيديهم ونسبوها إلى رسول الله عليه السلام. فلو اتبعنا فهمهم فنحن متبعون إياهم ولسنا مؤتمرين بأمر الله تعالى في التنزيل القويم. يسمح الله تعالى ظهور الزينة من الحلي والمجوهرات والمشروحة في آخر الآية الكريمة حد ما يظهر منها عادة. هو بعض الزينة الخفيفة على الوجه والأذنين ولعل القليل من الأسورة. لكن الزينة الثقيلة التي يقيدن بها أقدامهن فهي غير مسموح للظهور خوفا عليها من طمع اللصوص. هناك مقدار كبير من الذهب مستعمل في الخلخال يتجاوز عدة أضعاف ما تزين به المرأة وجهها وأذنيها بل مع يديها أيضا. هذا ما نفهمه من آيات الله تعالى.

لكنني أصارحكم بأن من خير المسلمات أن يلبسن الحجاب الخفيف المتعارف على رؤوسهن باعتبار العرف لا باعتبار الشرع. جرى العرف بينهن في كل الكرة الأرضية بأن المسلمة الملتزمة تغطي شعرها فمن صالحها أن تحافظ على ما ترغبه بقية أخواتها المؤمنات إرضاء لهن وطلبا لصداقتهن فقط.

كاترين:

إذن لا أحتاج إلى الالتزام بالحجاب فأخلعه هنا ولو شئت سألبس الحجاب في أي مكان خفت على نفسي من الأذى.

محمود:

صحيح تماما.

خلعت كاترين حجابها في المجلس ولا سيما أنها لا تريد أن تحرم علوي من النظر إلى شعرها استكمالا لجمالها وبهائها. كما أنها لا تريد أن تحرج ماري التي بقيت بلا حجاب حتى تلك اللحظة.

ماري:

يا عم محمود أرى بأن الكثير من المسلمين يتحاشون أن يأكل الذكور والإناث معا على مائدة واحدة. فهل هناك وصايا قرآنية بذلك؟

محمود:

هناك وصية قرآنية بعكس ذلك. قال تعالى في سورة النور: لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (61). تنطوي الآية الكريمة على إذن للأكل في بيوت الأصدقاء. ثم تختتم الآية بعدم وجود مانع ليأكلوا جميعا أو أشتاتا. فهناك تفضيل للأكل جميعا باعتبار أن الله قدم ذلك على الأكل أشتاتا. والأشتات تعني بأن يأكل الذكور معا والإناث معا دون الجمع كما يبدو. إنها مسموحة فقط وليست واجبة.

كاترين:

أين المسلمون من قرآنهم؟ هذا القرآن لم يمنع الناس من مسايرة الطبيعة. ولنكمل جلستنا السابقة حول الربا لو تسمحون.

الجمع: 

موافقون.

كاترين:

كنت طوال الأيام الماضية أفكر فيما قاله العم محمود التمار وفي اقتراح علوي بنشر الموضوع. ولكن بحكم عملي أرى بأن العالم المعاصر غير مستعد للمثاليات فيجب إيجاد حلول أخرى. ولذلك اسمحوا لي بأن أسأل العم محمود عن حكم الربا في القرآن الكريم.

محمود:

المشكلة أن هناك دعاية قوية بين الناس ضد ما يسمونه بالفوائد حيث أدخلوا في عقول الناس بأن الفوائد يعني الربا والربا محرم. لعل البنوك الغربية كانت وراء القصة لأن المسلمين وقبل ظهور البنوك المعروفة بالبنوك اللاربوية كانوا يودعون بعض أموالهم في البنوك الأجنبية معتبرين الأجانب كفارا غير ذميين فيجوز أن يأخذوا من أموالهم! كانوا فرحين بذلك وكانت البنوك الغربية تستفيد من تلك الإيداعات مقابل فوائد بسيطة تقدمها للزبائن. في الواقع كانوا يساعدون الغرب بأموالهم ولا يساعدون أنفسهم بذلك.

لم يحرم الله تعالى الربا بصورة مطلقة بل حرمه إذا طالب صاحب المال أضعافا مضاعفة. قال تعالى في سورة البقرة: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275). وقال سبحانه بعدها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279).

وقال تعالى في سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130).

فحينما نقرأ الآيات أعلاه معا نفهم منها بأن الله تعالى:

1. حرم الربا الزائد على قيمة رأس المال. بمعنى أن لكل شخص الحق في الحفاظ على القيمة الشرائية للنقدية التي بحوزته. فيجوز له أن يضيف سعر التضخم على ما قدمه من دين للمدينين حتى يحتفظ بالقيمة الشرائية لأمواله. أليس ظلما أن تقدم مالا لأحد يتجر فيه يوم كنت قادرا على أن تشتري كيلو اللحم بعشرة جنيهات وبعد سنة تسترجع نفس المال دون أية إضافة في حين أن كيلو اللحم قد أصبح 11 جنيها. سوف تخسر حقيقة 10 بالمائة من قيمة النقدية التي كانت بحوزتك.

2. هذه الإضافة هي الربا المسموح ولذلك حرم الله تعالى الربا أضعافا مضاعفة. بمعنى أنه تعالى حرم على الدائن أن يطالب المدين بربا أكثر من سعر التضخم الذي كان من حقه ليحتفظ برأسماله. هذا هو الحرام.

3. يحق لكل مؤسسة أو شخص يقدم خدمات للناس أن يُطالبهم بأجرة على عمله. هناك مؤسسات تبيع الخدمات على الناس مقابل أجور ومن حقهم ذلك. فلو كان هناك بنك متوسط بين صاحب المال وبين المقترض فمن حق البنك أن يطلب نسبة معقولة تضاف إلى سعر التضخم ليغطي بها مصاريفه وليحقق بعض الربح لمؤسسته المصرفية. لكن على النظام أو الحكومة أن تمنع من الربا الفاحش لأنه يدمر الناس ويسوق النقدية إلى جيوب فئة قليلةٍ ظالمةً عامةَ أهل السوق.

أعني بأن البنوك الربوية في حقيقتها أكثر إنصافا من البنوك اللاربوية التي تجني أرباحا إجرامية من الناس باسم الإسلام. في حالة البنوك العادية فإن المستدين مدين بقيمة السلفة مضافا إليها سعر التضخم مع نسبة بسيطة لتغطية مصاريف البنك مع ربح معقول. البنوك المركزية تتحكم في نسبة الفائدة ولا يمكن للبنوك أن تتجاوز ذلك السعر ولو فعلوا فإن من حق المدينين أن يلجؤوا إلى القضاء ويستعيدوا الفرق منهن. لكن البنوك اللا ربوية فهي تبيع وتشتري ولا يمكن للقضاء أن يتدخل في شؤونهم. ثم إن البيع الذي يتحدثون عنه لم يتحصل شرعا. ذلك لأن البيع يعني أن تبيع مما تملكه ولا معنى لبيع ما لا تملكه. لم يذهب البنك الإسلامي لشراء البيت أو الأرض أو البضاعة إلا بعد أن يبيع ذلك على طالب القرض ثم يتعامل مع صاحب المال ليشتريه منه. هذا حرام قطعا لأنه ليس بيعا بل هو الربا الفاحش بعينه.

كاترين:

يعني بأننا في البنوك العادية أقل ظلما من البنوك اللاربوية الإسلامية؟

محمود:

بالطبع.

كاترين:

حقا بأن القرآن يدعو إلى دين قويم يساير طبيعة الحياة الإنسانية ولا يخالفها إلا عند الضرورة القصوى.

محمود:

بل لا يخالفها أبدا. الشريعة السماوية هي شريعة الطبيعة لأنها صادرة ممن هو مالك حقيقي لكل ما في الطبيعة من موجودات، كما أنه سبحانه خلق الكون على أساس القوانين الطبيعية. قال تعالى في سورة الحجر: وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ (19). وقال سبحانه في سورة الرحمن: وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7). وحينما نمد الطرف إلى أية زاوية من زوايا الكون نراها مبنية على أسس وقواعد محسوبة بدقة ولذلك فإننا قادرون على أن نحسب الحركات الفلكية بدقة الجزء من الثانية ونفهم زمان بعض الحركات الكونية المتعارفة مثل الخسوف والكسوف وحركات الفصول والشروق والغروب بدقة الجزء من الثانية. هذا يعني بأن كل قوانين الطبيعة محسوبة حين الخلق.

يتبع: جلسة الإثنين (2)

أحمد المُهري

11/5/2019

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

الإعلانات