رسائل في الانتقام 1- المشكلة


اتركوهم لله، جئت لأغير وما جئت لأنتقم.

Leave them for god,
I am coming to change only,
I am not coming to revenge.
#مهاتما_غاندي

رسائل في الانتقام

1.     المشكلة

المشكلة التي نعاني منها جميعا بأننا وبصورة طبيعية نحب الانتقام وأنا لست شاذا عنكم فأنا أيضا أحب الانتقام. ولعلمكم فقد مسني الظلم كثيرا وكنت أزداد نقمة على الظالمين وهي حالة طبيعية ولا أظنكم تتعجبون منها. لكنني حينما درست أحوال الأنبياء وأردت التعرف على السر في تعيينهم سماويا رسلا من الله تعالى خالق الكون المهيب إلى المدركين من عبيده في أرضنا فإنني شاهدت الفرق بيني بل بيننا وبينهم. إنهم يكرهون الانتقام ويحبون نشر الهدى بين الناس ويحبون الناس حبا غير عادي. أظن بأن رسول الله كان يحب الذين حضروا زمانه ومكانه أكثر من حب الآباء لأبنائهم. قال تعالى في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6). والآية تبين للقارئ تأثر رسولنا نفسيا لصالح المسيحيين. واللغويون متفقون تقريبا على معنى بخع وأكتفي بالراغب في المفردات:

البخع: قتل النفس غما، قال تعالى: {فلعلك باخع نفسك}[الكهف/6] حث على ترك التأسف، نحو: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}[فاطر/8].  انتهى النقل.

فالرسول الأمين يتألم من رفض قومه لدعوته لأنه يعلم نتائج رفضهم ولكن الله تعالى لا يهتم بما يهتم به رسله. إنهم بشر متواضعون ويحبون بني جنسهم ولا يهتمون بكسب الملك والسلطة. ولنعلم  الفرق بين اهتمامات ربنا وبين مشاعر رسله نقرأ بداية الكهف ونقارن بينها وبين الآية السادسة أعلاه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا ِلآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا (5).

وحتى نعرف المزيد من السورة اسمحوا لي أن أستعرض باختصار موقعها في القرآن الكريم. هي ضمن مجموعة سور بدأت بالإسراء التي تتحدث عن بني إسرائيل ثم الكهف التي تتحدث عن المسيحيين ثم مريم التي توضح لنا حقيقة رسول الله عيسى إلى بني إسرائيل الذين آمنوا به وسميناهم في ما بعد بالمسيحيين وتنتهي المجموعة بسورة طه التي تتحدث عن رسول الله موسى إلى بني إسرائيل الذين عرفوا باليهود. وبعد هذه السلسلة الطيبة من السور فإنه تعالى يوضح لنا معنى النبوة عن طريق بيان أمثلة من الأنبياء في سورة الأنبياء. فالسور الخمسة جميعها مرتبطة بالأنبياء وبأتباع الأنبياء.

الأنبياء صفوة طيبة خيرة تحب الإنسان وتحب معه كل خلق الله. إنهم جميعا مظاهر رحمة الله تعالى ولكن الله الرحيم لا يمكن أن يعمم الرحمة دائما على كل العصاة فهو سبحانه مهتم بالعدالة قبل كل شيء. ولذلك تعجبت من قول أخي الكريم الطبيب سلامه بأن الله تعالى أمرنا بإنزال العقوبة والانتقام وأنا ما رأيت شيئا من ذلك النوع من الأوامر في الكتاب الكريم. لقد عهد الله تعالى على نفسه أن ينتقم من الظالمين واكتفى الرسل بذلك ولم يأمر الله تعالى رسله بالانتقام حسب ظني. قال تعالى في سورة إبراهيم: فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47). لكنه تعالى اكتفى بالإذن بالعقاب.

وكل ما ذكره ربنا من عذاب دنيوي ضد بعض أقوام الرسل فهو منه سبحانه وليس من الرسل عليهم السلام. وإذا قرأنا عن نوح بأنه اشتكى من قومه وطلب إزالتهم فإنه صبر عليهم 950 سنة وهو صبر بشري غير معهود لدى غير نوح كما أظن. ثم إنه عليه السلام خاف على المؤمنين فخاطب ربه كما في سورة نوح: وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فَاجِرًا كَفَّارًا (27).

ويمكن لنا ملاحظة أن ما فعله الله تعالى بقوم نبينا كان منه سبحانه وليس بطلب من رسوله عليه السلام؛ نراه جليا في ما يلي من سورة التوبة: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15). فالذي يريد إنزال العذاب هو الله تعالى ولكنه يريد ذلك على يد عبيده المؤمنين. ويمكن لنا فهم السبب لو أمعنا في التالي:

1. الذين يحضرون الرسالات فإنهم يرون الحق مشفوعا بالمظاهر الإعجازية التي تؤكد لهم حقيقة الدعوة وبأنها من الله تعالى. فالذين كذبوا منهم فهم كافرون بالحقيقة وليسوا جاهلين لأنهم يرون ما لا يراه غيرهم من آيات الله تعالى. فحكمهم واضح وهم أصحاب النار ولا معنى لتركهم بسلام بل يقدر الله تعالى إزالتهم عادة. هذا ما فعله مع أقوام الرسل الذين أكملوا دعواتهم وكفر بهم من كفر من قومهم.

2. لم يعذب الله قوم إبراهيم لأن الدعوة لم تتكامل لديهم ولم يظهر حقيقة كفرهم فتركهم ربهم ليختبرهم ربهم بصورة عادية في غياب رسولهم إبراهيم عليه السلام.

3. لم ينزل الله العذاب على فرعون موسى وقومه لأنهم كانوا مختلطين مع عامة الناس. لكنه تعالى قدر لموسى عليه السلام أن يهرب فتبعهم فرعون و جنوده دون عامة الشعب ولذلك أغرقهم الله تعالى بأنهم لم يكونوا مختلطين مع الناس العاديين. وبقي منهم عالم البلاط الفرعوني قارون فلم يتركه ربه حيا بل أنزل عليه عقوبة الهلاك خسفا كزملائه من قوم فرعون. ولا ننس بأن قارون كان من بني إسرائيل.

4. كان مشركو مكة مختلطين مع مسلمي مكة ولذلك قدر الله تعالى للكافرين أن يُعذَّبوا كأفراد على يد المؤمنين وقدر للمؤمنين أن يروا من كل فرد منهم ما يؤكد لهم مشاركته في التآمر ضد الذين آمنوا بالله ورسوله. وهكذا أنزل الله تعالى عذاب الدنيا على كل الذين كفروا برسله.

لكن الرسل غير نوح الذي خاف على المؤمنين من قومه، فهم لم يطلبوا العذاب. وحينما قدر سبحانه أن يعذب قوم لوط وهم الفينيقيون كما أحتمل، تألم إبراهيم فحكى الله تعالى القصة في سورة هود: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَىيُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76). لكن علينا أن نعرف بأن عذاب الله في الدنيا خاص بأصحاب الرسل ولا يحق لأحد غير الله تعالى أن يأمر بها.

وأما دعاء لوط فهو عليه السلام دعا بأن ينصره الله على قومه فقط ولم يدع بهلاكهم ولنستمع إلى الحكاية مرة أخرى من سورة العنكبوت: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33). ولعلنا نعلم بأن الله تعالى كان يمهد كما أظن لنزول التوراة على بني إسرائيل فكان من الضروري أن يزيل خطر اندثار العوائل بسبب انتشار ارتباط الرجال بالرجال والنساء بالنساء وتوقف الإنجاب. كما أنه تعالى ذكر في نفس سورة العنكبوت قصة قوم شعيب لأن انتشار تنقيص المكيال والميزان كان يشكل خطرا كبيرا على بني إسرائيل أيضا. يريد الله تعالى كما أظن أن يختبر البشرية بالعائلة كما فعله مع أبناء إسحق وأن يختبرها بالقوانين كما فعلها مع أبناء إسماعيل. ولذلك أزال مخاطر اندثار العوائل كما أزال مخاطر انتشار الظلم التجاري في عائلة اهتمت بالمال وبالتجارة. والعلم عند المولى عز وجل.

والآن نأتي إلى التشريع فلا يُعقل ألا يسمح الله تعالى بالعقاب ولكنه يحب لعبيده الصبر والدعاء إلى ربهم ليكفيهم شر أعدائهم. بالطبع أن من حق الناس أن يستفيدوا من تشريعات السماء وينزلوا العقاب على من ظلمهم ردعا و درءً للتكرار. وأنا أظن بأن السبب هو أن من خير البشر ألا يتعلموا على القسوة فتنتشر بينهم الرحمة والحب والحنان ليعيشوا بسلام وأمان. والله تعالى يمن على أهل مكة بأنه خلصهم من حب الانتقام بقوله الكريم في سورة آل عمران:وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104).

نلاحظ من الآيتين الكريمتين بأن الله ورسوله بفضل عدم التسريع في الانتقام حول أمة يحارب بعضها البعض إلى أمة يحب بعضها البعض.

لقد ربى رسولنا المؤمنين من صحابته على حب البشر حتى أضحوا يحبون أعداءهم وقد شهد لهم ربهم بذلك في سورة آل عمران: هَا أَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119). ولنا فيما فعله رسولنا بمن ظلموه يوم فتح مكة بأنه عفا عنهم وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. كما أنه عليه السلام أعطى الأمان فور الدخول لمن دخل بيته أو دخل دار أبي سفيان أو دخل المسجد. ثم إنه عليه السلام طلب مفاتيح الكعبة وبعد أن نظفها من الأصنام أعادها إلى نفس الشخص المشرك واعتبره من ذلك اليوم وكيلا عن الحكومة الجديدة لحراسة الكعبة وحفظ المسجد. هذا ما بعض نقله المؤرخون من معاملة رسولنا بعد الفتح.

فالرسل لا ينتقمون أبدا. ولكن المسلمين الذين انتقموا بل ظلموا الذين لم يظلموهم واعتدوا على من لم يعتد عليهم باسم الفتوحات الإسلامية فهم لم يسيروا على منهج الرسل. وليت شعري أرى بعض غير المسلمين يتبعون الرسل. بل أرى بعض غير المؤمنين بالرسل وهم يتبعون الرسل أكثر من الذين يدعون بأنهم أتباع رسل الله. هذا غاندي الهندوسي الذي انتصر على الحكام المرتزقة الذين حكموا الهند بتخويل من الحكومة البريطانية فإنه لم ينتقم منهم بعد الانتصار. وسمعت بأنهم استفسروا عن حكمه في رجال الأمن الذين قاموا بتعذيب أتباعه فقال لهم: اتركوهم لله، جئت لأغير وما جئت لأنتقم. Leave them for god, I am coming to change only, I am not coming to revenge.

وحينما انتصرنا على الشاه الفارسي وكنت مع الثوار فإنني أحببت أن نترك الظالمين لله وهذا ما قاله الخميني في البداية. لم يأذن بإعدام أحد بداية ولكن بعض المتشددين من الثوار أقنعوه بعد عدة محاولات ليسمح بالإعدام. كان ذلك خطأ كبيرا ارتكبه الخميني واضطروا فيما بعد أن ينشروا الرعب بين الناس لأن الكثيرين أرادوا أن يعيدوا الكرة عليهم فينتقموا منهم، وهكذا خسرت الثورة الكثير من رجالها وخسر الشعب الكثير من أفرادها.

وكنت أتمنى أن ينتبه الإخوان المسلمون بعد أن سيطروا على الحكم في مصر عن طريق الديمقراطية والانتخابات وليس عن طريق الخلافة المشؤومة التي دعا إليها المرحوم حسن البنا. لكنهم استسلموا لضغوط بعض المجرمين من السلفيين الداعين إلى الكراهية والانتقام فخسروا السلطة. وها أنتم في مصر تعانون من ردات الفعل ولا أحد غير الله تعالى يعلم نهاية المواجهات الدموية.

ومما لا ريب فيه هو أن الله تعالى لا يحب لنا الانتقام بل يحب لنا الصبر وأن نترك الانتقام لله تعالى وحده. لكنه تعالى لا يمكن أن يمنع من القصاص لمن يريد أن يقتص ممن ظلمه. فلننظر إلى الذين آمنوا برسوله وكان من بينهم من هو مطلوب للدم. قال تعالى في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179). نعرف من الآية الأولى بأن المقصود هم الذين قتلوا قبل الإسلام وذلك لقوله الكريم في نهاية الآية: ذلك تخفيف من ربكم؛ وقوله تعالى بعدها: فمن اعتدى بعد ذلك. فالله تعالى كتب القصاص على القاتلين ولكنه قال: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف. بمعنى أن يكتفوا بالدية ويتركوا القصاص لله تعالى مع أن في القصاص حياة لهم. لا يمكن أن يتخلى الله تعالى عن العدالة ولكنه يفضل أن نترك تحقيق العدالة لربنا ولا نستعجل بالعقاب في الدنيا. كل ذلك لأن الانتقام من شأن العزيز الذي لا يُغلب عز اسمه، وليس من شأن البشر الذي قد يُغلب.

ولقد راجعت كل موارد القصاص الدنيوي تقريبا فما رأيت بأن هناك تشجيعا للاقتصاص بل هناك الكثير من العوائق التي تحول دون الوصول إلى الحقيقة فيضطر القاضي لأن يتخلى عن العقاب إذ تُدرء الحدود بالشبهات. وقريبا سمعنا بأن أمريكيا سُجن عقودا ليقضي عقوبة المؤبد بتهمة القتل العمد ولكنه في النهاية كسب القضية وخرج من السجن. كان الرجل إنسانا طيبا حيث أن القاضية سألته عن التعويض الذي يطالب به نتيجة خطأ المحكمة فقال: لا أريد شيئا إلا أن يعيدوا النظر في القانون الذي يسجن الأبرياء. اهتزت أمريكا لتلك الكلمة فكان ردة فعل القاضية أن نزلت من المنصة وذهبت إليه وعانقته معتذرا ومكبرا نفسيته الطيبة. كما أن الرئيس أوباما زاره ليتعشى معه وقامت زوجة الرئيس بإعداد الطعام في البيت الأبيض فذهبت الأسرة الحاكمة إلى بيت ذلك المتهم البريئ مع قدر الأكل.

هذه هي واقع التحقيقات البشرية ولذلك فمن الأفضل عقليا أن نترك الأمر لله تعالى ونصبر. لكنني لا أدعو أبدا إلى ترك الإرهابيين يفعلون ما يشاؤون. هناك آيات كثيرة تدعو إلى قتلهم ولكن حينما يراهم الناس مستعدين للجريمة. أما الجرائم الأخرى مثل الزنا وبقية أنواع الفاحشة فلا يمكن أن ننفذ حكم الله تعالى إلا إذا قام اثنان بممارسة الفاحشة في الشارع العام وهو شبه محال. وأما ما ذكره السلف وأفتى به الخلف من عقاب وحدود ضد الذين يتركون الصلاة أو يفطرون جهارا في رمضان أو يُظهرون الشرك في العقيدة وما شابه ذلك فهم غير صادقين. إنهم يتدخلون في شؤون الربوبية وأظن بأنهم سوف يلقون من ربهم ما لم يكونوا يحتسبون.

أنا لا ألعب بالألفاظ ولا أجيز المساس باللغة العربية ولكن لا أرى إمكانية تحقيق العدالة السماوية كما نعرفها من القرآن، فيما عدا إعدام القتلة والإرهابيين. فمثلا جزاء السارق فهو فعلا بتر اليدين ولكن كيف نقطع اليدين ونساعد السارق أن يعيش إذ لا يجوز لنا إعدامه؟ فلو قطعنا يدي السارق فإن على الجهة التي تقضي وتنفذ الحكم أن يستأجر شخصين يتناوبان على مساعدة السارق المقطوع يداه والعاجز عن الحياة الطبيعية ليعيش بصورة طبيعية! إن تكاليف ذلك على المجتمع أكثر بكثير من أن نخفف العقاب على السارق ولا نقطع يديه ونتحمل تبعات قيامه مرة أخرى بالسرقة.

فالانتقام ليس مطلوبا والعقاب لمن يمس الأبدان أو يمس الحياة الاقتصادية موضح في القرآن وتنفيذ غالبية أنواع العقاب غير متاح إلا قليلا وبعضها تستتبع الكثير من المصروفات غير الضرورية للمجتمع. هذا ما أراه بعد قيامي بالتحقيقات وليس لدي أي مانع من أن أغير رأيي بمجرد أن يطلعني أحد على أحكام قرآنية تؤكد خطإي.

أشكر سيادة الأخ الطبيب محمد سلامه على سعيه لنشر الفضيلة ولنشر أحكام الله تعالى وأشكر كل من يستمع إلي والشكر المضاعف لمن يهديني ويحولي جهلي إلى علم.

أحمد المُهري

27/3/2017 

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

Advertisements

معركة الألفية الطويلة ضد الاستبداد والمصائد الخمس القاتلة


معركة الألفية الطويلة ضد الاستبداد                                                                     …………………….يمكن اختصار معركة الإنسان العربي في الألفية والنصف الماضية بعنوان واحد هو “المعركة ضد الاستبداد”.الاستبداد الديني، الاستبداد السياسي، القهر الاجتماعي ، النهب المالي.توحشت دولة الخلافة بوجهيها السني والشيعي في الاستبداد والطغيان الشامل.

📌

صادرت الحقوق السياسية للمسلم بعد تحويل الخلافة من اختيار شعبي إلى قدر إلهي عند السنة واصطفاء إلهي عند الشيعة  وتحويل الخليفة- الإمام إلى نائب الله على الأرض

📌

وصادرت الحقوق الشخصية والمدنية بعد إلغاء حرية العقيدة (حد الردة) ، وبعد تغول النص الديني وتحكمه في كل جوانب حياة المسلم من العبادة إلى الأكل والنوم واللبس والمشي. كل حركة وسكنة مرسومة مسبقا ولا حرية للمسلم إلا الطاعة.

📌

وصادرت الحقوق المالية للمسلم بعد تحويل الزكاة والعشور والجبايات إلى فرائض دينية لا يرفضها الا كافر. (ربما يكون الإسلام هو الدين الوحيد الذي اعتبر فقهاؤه ان دفع ضريبة مالية شرط للبقاء فيه).

📌

وصادرت حتى حقه في حماية حياته بعد تحويل الجهاد إلى فريضة دينية، وفتح باب التجنيد الإجباري على مصراعيه وقذف شباب واطفال المسلمين إلى جبهات الموت دفاعا عن مشاريع الخليفة.بعد إلغاء مؤسسة الخلافة لم يتغير الوضع كثيرا.

📌

استمرت الدولة العربية الحديثة في نفس السيناريو الاستبدادي السلطاني ومصادرة الحقوق السياسية والمدنية والشخصية والمالية، ومصادرة حتى حقه الأساسي والأولى في الحياة بترويج ايديولوجيات الموت والشهادة

المصائد الخمس القاتلة
…………………..
احتكار السلطة والثروة كانا محور الصراع في المجتمع العربي منذ تأسيس الخلافة الإسلامية وحتى اليوم.
كيف تستطيع احتكار السلطة والثروة وقمع كل أصوات الاعتراض؟ 
كانت المعادلة بسيطة..
ابحث عن مبررات دينية للسلطة أو الثروة تجعلها توجيها من الله وليس اختيارا بشريا.
سيتحول الخليفة إلى ظل الله على الأرض، والخروج على الخليفة خروجا على الدين وعصيانا لله. 
هنا تصبح السلطة قدرا إلهيا عند السنة “خليفة الله”، أو اختيارا إلهيا عند الشيعة الذين يرون أن الله اصطفى أسرة معينة حصر فيها الحكم إلى يوم الدين.
كان طبيعيا أن يقود الاستبداد السياسي-الديني إلى الاستبداد الاجتماعي. 
هكذا فقد المسلم حرياته الشخصية وصار مجبرا على ان يتصرف ويلبس ويأكل كما يحدد له الفقيه أو الحاكم. كل تصرفاته مرسومة مسبقا ولا مجال للحرية أو الاختلاف 
ما ان حسمت مسألة السلطة حتى بدأت مساعي احتكار الثروة!
كان التفاوت المهول في الثروات قد بدأ منذ تدفق أموال الفتوحات. وفاقمت سياسة عمر في توزيع الأموال (حسب الأسبقية في الإسلام) إلى حصر الثروات في يد قلة من النخبة القرشية.
(الأخبار عن ثروة الصحابي عبد الرحمن بن عوف تجعله يقارع مليارديرات اليوم!).
تسبب نهب ثروات الأمم المغلوبة في افقار تلك المجتمعات تحت شعار الفتوحات الإسلامية،لكن أموال الفتح والجزية والفيء لم تكن كافية لرفد خزائن الخلفاء وتغطية نفقات معيشتهم الراسخة، فكان لا بد أن يسقط المسلمون أيضا تحت سيف الضرائب الظالمة!
من اجل ذلك حولت الايديولوجيا الدينية دفع الأموال للدولة إلى فريضة دينية! واعتبرت الزكاة ركنا من أركان الإسلام(ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يصبح فيها دفع المال شرطا للبقاء في دين معين).
لكن الزكاة ليست ضريبة فقط، إنها عبادة، لا خيار للمسلم إلا دفعها مجبرا أو راضيا.
فقد المسلم حقه في اختيار السلطة بنظريات الخلافة والامامة الدينية، وفقد حقه في التحكم في مصدر رزقه بتحويل دفع الضرائب والاتاوات إلى فريضة دينية يُقتل من يرفضها.
وكان المسلم أيضا يدفع الجزية مثله مثل الذمي، ولكن تحت مسميات أخرى كالعشور والخمس وضريبة الجهاد وغيرها من الضرائب التي يفرضها الخليفة كلما فرغ بيت المال.
مع تغول الدولة الإسلامية صار المسلم والذمي يعيشان في نفس المرتبة المتدنية تحت سيف الحاكم. فالذمي يدفع الجزية والخراج ليأمن على نفسه وماله، والمسلم أيضا مجبر على دفع الزكاة والعشور والخمس ليأمن على رأسه وماله.
فقد المسلم حقه في اختيار الحاكم، وحقه في التحكم في ماله.. وفوق ذلك فقد المسلم حقه في الحفاظ على حياته.
فكما أن الزكاة تحولت إلى فرض ديني يدفعه مرغما أو يُسجن ويُقتل، فإن الجهاد (القتال في حروب الحاكم) تحول إلى فريضة دينية أيضا لا يستطيع المسلم رفضها. 
لهذا كان التجنيد الإجباري وقذف شباب المسلمين وأطفالهم إلى جبهات الموت سلوكا مارسته كل الدول الإسلامية رافعة سيف الطاعة أو الموت.
ضرائب الدولة الإسلامية كانت “ضرائب بلا تمثيل سياسي taxation without representation ، مثلها مثل ضرائب المبيعات وضرائب الدخل والجمارك وغيرها من الجبايات التي يدفعها مواطنو اليوم لحكوماتهم المستبدة.
الاستبداد السياسي والاستبداد الديني والقهر الاجتماعي ونظام الضرائب والزكوات الباهظة والتجنيد الإجباري كانت المصائد الخمس القاتلة التي دمرت انسانية الانسان العربي وزرعت الفتن والدماء والدمار في تاريخه… ولا تزال تفعل فعلها الدموي حتى اليوم. 


حسين الوادعي

 #تطوير_الفقه_الاسلامي

المؤمنة كاترين 20- جلسة الاثنين 2- تعدد الزوجات


المؤمنة كاترين

المقطع العشرون

جلسة الإثنين (2)

ماري:

كانت لدي إشكالات كثيرة عن الإسلام ولكنني الآن أشعر بأنني يجب أن اسأل لأتعرف على حقيقة الإسلام فالإشكالات هي من جهلنا بحقيقة هذا الدين السماوي العظيم وليس في الدين.

علوي:

الإشكال في الأحاديث والسيرة الكاذبة التي نسبوها إلى الرسول الأمين عليه السلام وبحركة شيطانية مريبة أقنعوا المسلمين بأن القرآن كتاب نشيد وترنيمات أنزلها الله تعالى لنستمتع بتلك الأناشيد ولكن الأحكام والتشريعات فهي في الكتب الفقهية التي تستمد من كتب الحديث وإن شاءت فستأخذ بالقرآن أيضا عند الضرورة!! لقد ضيعونا وضيعوا كل أهلنا وعلينا أن نعيد النظر في فهمنا لما أنزله الله تعالى علينا ليهدينا سبيله ويعلمنا صراطه المستقيم.

محمود:

لقد اهتموا بإسقاط قيمة العقل الذي ينمو ويتطور بتطور الزمان فتقدم غيرُنا علينا وبقينا في ضلالنا القديم. لا أحد يفكر والكل يقلد غيره والغير يقلد سلفه والسلف يقلد الحكومات العباسية التي كتبت تلك الكتب وفندت ما تشاء باسم أعز إنسان عندنا عليه السلام. ينتخبون البرلمانات ويفرضون عليها أحكام السيرة والحديث والفقه الأسود المقبور. نحن نحتاج إلى جامعات تدرس التشريعات القرآنية المحضة وحدها وما بقي من حاجاتنا التشريعية تحولها إلى برلماناتنا لتشرع لنا. يجب إعفاء كل رجال الدين من مناصبهم ومن يريد منهم أن يلتحق بالركب الحضاري ويترك السلفية الحمقاء فأهلا به وسهلا. يجب أن يسير الناس جميعا بملابس غير مميزة حتى نتمكن من التميز بين من يعلم ومن لا يعلم بدون التهيب من الملابس والألقاب الزائفة.

لم يتخذ الأنبياء المكرمون ملابس تخصهم ولم يتخذوا لأنفسهم ألقابا تعظمهم وتكبرهم. لم يسمح الله تعالى للصحابة أن يكنوا الرسول بالكنية بل يكتفوا بوصفه رسولا. قال تعالى في سورة الأحزاب: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43). لا تقولوا أبا القاسم بل قولوا رسول الله أو خاتم النبيين. استمعوا إلى الرسول فهو يقدم لكم رسالة ربكم، ولكن اذكروا وسبحوا الله فقط واعلموا أن الذي يعلمكم ويخرجكم من الظلمات إلى النور هو الله وملائكته.

كاترين:

السندويتشات حاضرة فكافحوا الجوع بطعام بسيط. ثم عودوا للنقاش.

دخلوا غرفة الأكل فرأوا بأن هناك سندويتشات فعلا ولكنها متعددة الأنواع ومحاطة بأنواع من الخضار الطازجة والمطبوخة ولم تخل المائدة من بعض أنواع الفطائر والمعجنات والفول والفلافل وبعض الحلويات. كل ذلك يعني بأن كاترين لما ترض بالبسيط من الأكل.

العم محمود التمار:

لم تف كاترين بوعدها. لقد أكلنا كثيرا قبل أيام ولا زلنا نعاني من التخمة وإذا بمجموعة جديدة من طيبات الطعام ستأخذ طريقها إلى أبداننا. من الخير لكم أن تأتوني في بيتي فأنا لن أتعب ولن أخسر بل أقدم لكم التمر واللبن وقليلا من الخبز.

كاترين:

مادامت هناك نساء مشتركات في الجلسة فهن أحق بالضيافة من الرجال. أنا ذهبت مع ماري بالأمس إلى الجمعية التعاونية فما تجدونه اليوم هي من اقتراح ماري. والمرة القادمة ستكون كل شيء من اقتراحي. ومن يدري فلعلي لا أتجاوز الخبز والتمر واللبن.

ماري:

لكنك رفضتي أن أقترب من الصندوق فكل ما نراه من حسابك إلا أنك أخذتني معك مصاحبة لا مستشارة ولا مضيفة.

كاترين:

في النهاية فإنك ضيفتنا جميعا.

محمود:

كاترين تقول عمليا من حق النساء الضيافة ومن حقها هي من بين النساء الانفراد بالضيافة لأن الفتاة الثانية مسافرة. في النهاية كاترين تدفع وتطبخ وتهيئ المنزل وتتحمل النفقات ونحن نأكل ونشرب فقط. هذا ليس من الإنصاف.

ماري:

أنا مسافرة يوم السبت وستكون الجلسة القادمة يوم الجمعة في بيت كاترين لو توافقون. كاترين تنتظرني بعد ظهر الخميس في الساعة الخامسة بعد أن تعود من العمل لنذهب مباشرة إلى السوق.

كاترين:

أنا أتأخر أحيانا فانتظريني لو تأخرت.

ماري:

موافقة. فهل العم وعلوي موافقان.

محمود وعلوي:

نعم موافقان.

ماري:

هيا نعود إلى غرفة الجلوس لنكمل النقاش رجاء.

كاترين:

يبدو لي بأن لدى ماري أسئلة أخرى.

ماري:

نعم. في الواقع يؤرقني كثيرا مسألة الزواج بأربع. إنكم تعلمون بأن حساب الاحتمالات يرشدنا إلى أن عدد النساء في الأرض مساو لعدد الرجال فحينما يتزوج شخص أكثر من امرأة فإنه يحرم رجلا من الزواج وحينما يتزوج الثالثة والرابعة بمالِه فإنه يحرم ثلاثة آخرين من الزواج. والمشكلة أن الأثرياء وفي أي سن كانوا يبحثون عن الفتيات الصغيرات. إنهم عمليا لا يتزوجون بل يشترون الفتيات من أهلهن للمتعة فقط ولكن يسمونها الزواج ليقولوا بأنهم عملوا بالقرآن.

كاترين:

لو نقرأ الآية التي تسمح بالزواج من أربع سنرى في بدايتها شرطا خاصا ولكن رجال الدين وأصحاب الثروات يقرؤون الآية الكريمة من الجملة الثانية بل يكتفون بوسط الآية. قال تعالى في سورة النساء:وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (3). فهم يتركون البداية وهي جملة شرطية ويتحدثون عن جواب الشرط ثم هناك بعد جملة الجواب جملة شرطية أخرى وفي نهاية الآية يذكر الله تعالى سببا للحكم. نسمع من أصحاب الشهوات يثبتون الموضوع حسب مزاجهم هكذا. قال تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع!

لا أحد يعترض عليهم ولا أحد يسعى لفهم الموضوع. صار الزواج من أربع مباحا باعتبار جملة من آية قرآنية وهي جواب لشرط لا يعبؤون به!

علوي:

أظن بأن الموضوع أكبر من الوقت الذي لدينا فأتمنى لو نترك المناقشات ونعطي الفرصة للعم محمود ليفيض علينا من علمه اختصارا للوقت.

محمود:

كاترين منتبهة لمشكل أمتنا التي تستند إلى الخيال وتسميه حكم الله تعالى. لا أحد يفكر بأن الله سبحانه وملائكته ليسوا ذكورا ولا إناثا فلماذا يعطي ربنا كل هذه الحقوق للرجال ويجعل النساء بشرا من الدرجة الثانية؟ هذه مقدمة بسيطة لا تحتاجون معها إلى آية بل يكفيكم التفكير حتى لا ترفضوها. فلو كان الاستنتاج صحيحا فعلينا بأن نناقش كل الآيات الكريمة التي أعطت حقوقا إضافية للذكور واحدة واحدة لنكتشف المعاني ونعرف كيف خدعنا المفسرون والمحدثون رضي الله عنهم أجمعين وغفر لنا ولهم.

الآية بصدد أن تحل مشكلة اجتماعية تحصل أحيانا. الحروب هي السبب الرئيسي لظهور تلك المشكلة. وهناك أسباب بسيطة أخرى أيضا. لنعرف معنى اليتيم بداية. اليتيم تعني الذي يعيش منفردا مع حاجته إلى من يعيله ويرعاه. ولذلك يطلقون صفة اليتيم على الإنسان الذي مات أبوه وعلى البهيمة التي ماتت أمها. كما يصفون بعض الأحجار الكريمة التي لا مثيل لها بالحجر اليتيم. يعنون به أن تلك الحجرة فريدة لا مثيل لها فهو كاليتيم الذي يعيش فريدا ليس من يعيله ويداريه. والإنسان الذي فقد أباه أو أبواه ولكنه كبير قادر على إدارة نفسه فلا يُقال له يتيم.

فالآية تتحدث عن اللائي يعشن فريدات لا زوج لهن ولا يعشن في بيوت أهلهن. إنهن في خطر من كل جانب فقد يقتلهن الفقر وقد يُعتدى عليهن وقد يبعن أنفسهن مقابل الغذاء أو عموم المال لمسيس حاجتهن. فعلى الأمة المؤمنة أن تسعى لحمايتهن. ولكن الله تعالى يحب عبيده ويكره بأن يمن بشر على بشر. ولذلك يأمر أمرا إرشاديا بالزواج معهن فيقول عز من قائل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء. بمعنى أن من حقك أن تختار ما تطيب لك منهن. وأما قوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع. ومعناها اثنتين اثنتين، ثلاثة ثلاثة، أربعة أربعة. معنى التثنية برأيي المتواضع هو أن القادرين على استيفاء الشروط للزواج مع الثانية يتزوجون الثانية فإذا لم تبق نساء تعشن وحدهن انتهت المشكلة وإذا بقيت هناك مزيد من اليتيمات، يحق للمقتدرين أن يتزوجوا الثالثة. وهذا معنى ثُلاث أو ثلاثة ثلاثة. يعني كل واحد يتزوج الثالثة فقط. وهكذا بالنسبة للرابعة. وأما الشرط المهم الآخر. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة. قالوا بأن المقصود هو أن يعدل بين نساءه فإن خاف ألا يعدل فيكتفي بواحدة. وهذا خطأ فاحش.

ذلك لأن الله تعالى في نفس السورة يؤكد عدم قدرة الرجال على أن يعدلوا بين النساء. قال تعالى: وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (129). فكيف يمكن أن يؤكد سبحانه بأنهم عاجزون عن مراعاة العدالة بين النساء حتى لو حرصوا عليها ولكنه في آية أخرى يقول بأنهم قادرون؟ إذن هناك معنى آخر. فنلاحظ بأنه سبحانه لم يقل في آية تعدد الزوجات: وإن خفتم ألا تعدلوا بين النساء. ذلك قول الفقهاء وليس قول الله تعالى. إذن يقصد العدالة بينه وبين زوجته الأولى التي تعيش معه. هذا يعني بأن العدالة تحتم عليه أن يأخذ موافقة زوجته التي هي شريكة حياته. إنه يريد مساعدة امرأة يتيمة فلا يجوز له أن يؤذي زوجته. بمعنى أن الرجل يجب أن يراعي حقوق زوجته فلو كان المقصود المساعدة فهي تشاركها في المساعدة ولو شعرت بالحيف فهو غير منصف لو تزوج بالثانية. وهكذا حينما تقتضي الضرورةُ الاجتماعية الزواجَ بالثالثة والرابعة.

ثم إنه سبحانه يقول في نفس الآية بأن الزواج بالمملوكة باليمين أيضا لا يجوز عند ما يكون الشخص متزوجا بامرأة حرة. فلم يقل سبحانه: وما ملكت أيمانكم؛ بل قال: أو ما ملكت أيمانكم. كل ذلك لأنه سبحانه يعلم بأن عدد النساء متساو مع الرجال إلا في حالات شاذة. فمن حق الشخص أن يتزوج سواء كانت الزوجة حرة أو مملوكة. وحتى في آية زواج المملوكات فإنه تعالى يكره الزواج مع المملوكة. ولذلك حرمه بصورة عادية، ولكنه سبحانه أباحه فقط لمن يخشى العنت. قال تعالى في نفس سورة النساء: وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (25).

فيقول العزيز الحكيم في بداية الآية بأن الحكم التالي هو لمن لا يقوى ماليا على التزوج مع الحرة. بمعنى أنك لو أردت الزواج مع أَمَة فعليك بأن تشتريها وتحررها ثم تتزوج معها لتشعر هي بالحرية وتنجب لك أولادا أقوياء يرضعون من ثدي امرأة لا تشعر بأنها دون مستوى الأخريات. ويؤكد سبحانه في نهاية الآية الكريمة: ذلك لمن خشي العنت منكم. بمعنى أن هذا الحكم والإباحة ليس عاما بل يخص الذي يخشى على نفسه المشقة وصعوبة مكافحة شهواته. ولذلك ختم الآية بقوله الكريم: وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم. يعني سبحانه كما أظن بأن الله تعالى قد يغفر له ذنوبه ليستحق الرحمة فيرحمه ويكرمه بما يقويه على تحمل الشدة أو على الزواج من حرة أو على دفع قيمة المملوكة ليتزوج بها حرة لا مملوكة.

ماري:

سبحان الله؛ كيف لعبوا في تشريعات جميلة رحيمة تسعى لمساعدة الناس ولمساعدة الأمة برمتها وبدَّلوها بتشريعات كاذبة ذكورية لا تعطي للمرأة أي حق؟ أنا أشكر الله تعالى على أن قدر لي التعرف على كاترين الحبيبة في سفرتي هذه فسأعود إلى فرنسا وأكون مدافعة عن قوانين الإسلام لا معارضة لها. لقد عشنا في سبات عميق ظانين بأن الدين يعنى ما نسمعه من تجار الدين. والواقع بأن الدين السماوي يجب أن نسعى لنفهمه ونترك الاستعانة بمن وضعوا أنفسهم وكلاء على الأمة زورا وظلما. أشكرك يا عم محمود من أعماق قلبي.

محمود:

لقد علمني ربي فمن واجبي أن أعلم غيري وإلا أكون مذنبا. فهم القرآن ميسور لمن يريد أن يخدم عبيد الرحمن ومن يريد التجارة فلا أظن بأنه سوف ينال فهما صحيحا لكتاب السماء.

ثم قامت كاترين لتقص عليهم قصة تعرُّفها على العم محمود وتفسير أم سحيم بأنه الخضر وسيل النذورات عليها وقيامها بفتح حساب بنكي لمساعدة المعوزين بذلك المال.

ضحك الجميع ولكن ماري لم تكتف بذلك بل استحدثت سؤالا جديدا.

ماري:

ومن هو الخضر يا عم محمود؟

محمود:

إنه برأيي شخصية خرافية اختلقها أصحاب المصالح ليخدعوا بها البسطاء لا يمكن أن يكون هناك شخص يقوم بما ينسبونه إلى الخضر والله تعالى لا يتحدث عنه في كتابه. ما يقولونه عن الخضر غيب لا يمكن لأحد أن يفهمه غير الله تعالى. وبما أنه سبحانه لم يتحدث عنه فهم يكذبون. دعني أصارحكم بأن كل غيب سمعتموه من أحد فاطلبوا منه أن يريكم آية تصرح بذلك وإلا فهو إما مفتر كذاب أو ناقل للكذب.

كاترين:

وما ذا تقول للإصابة بالعين فهي مسألة غيبية صحيحة وهي غير مصرح بها في القرآن الكريم.

محمود:

ذلك كذب آخر. كيف يمكن أن يضع الله تعالى القدرة على إيذاء الآخرين في عيون البشر؟

كاترين:

إذن فما معنى سورة الفلق حيث نعوذ بالله فيها من شر حاسد إذا حسد؟

محمود:

الحاسد قد يقوم بالتآمر على الأفراد فشره ليس في عينه بل في مكره وسعيه للتفرقة والفساد وخلق التهم أو السعي لاستعمال القوة ضد أحد يكرهه. لا توجد أية إشارة في القرآن الكريم إلى الإصابة بعين الحاسد. هناك الكثيرون يكذبون على السذج فيتراءى لهم بأنهم مصابون بالعين لأنهم تشاءموا فاستولت عليهم الظنون وبالأحرى استولى عليهم الشياطين يوسوسون في قلوبهم. إن وجود قوة قادرة على إيذاء الآخرين من العين لهو أمر غيبي ونحتاج إلى مصدر سماوي موثوق لنتقبله. إن مصدرنا نحن المسلمين هو القرآن بلا منازع.

ماري:

ما رأي العم محمود في نقص عقل النساء المشهور بين الديانات الثلاث.

محمود:

لا يوجد في القرآن شيء من هذا النوع بل هناك ما يفند ذلك. فمثلا قال تعالى في سورة يوسف على لسان العزيز المصري ولكن القرآن لم يفنده: فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28). الكيد العظيم دليل على العقل المتفتح الكبير. إن الله تعالى ينسب الكيد إلى نفسه في سورة الطارق: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16). ولو نقرأ آيات الزواج في سورة النساء لنراه سبحانه يؤكد على أن المتزوجة يجب ألا تكون سفيهة. قال تعالى في النساء: وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4) وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (5). كيف يقول ربنا بأن علينا أن نؤتي النساء صدقاتهن بمعنى نسلم الصداق بيدهن وهن ناقصات العقل؟ ثم يؤكد سبحانه في الآية التالية عدم جواز أن نقدم المال للسفهاء. هذا يدل على أمرين:

هما عدم جواز الزواج مع فتاة لم تبلغ كامل البلوغ لتصير قادرة على امتلاك المال؛

والأمر الثاني هو أن المرأة تصل حد العقل الكامل إذ لا يجوز أن نسلم المال بيد السفيه. والسفيه يعني ناقص العقل أو ناقصة العقل.

علوي:

وما تقول في قول الإمام علي بن أبي طالب في الخطبة 80 بعد فراغه من حرب الجمل: معاشر الناس إن النساء نواقص الإيمان نواقص الحظوظ نواقص العقول؟

محمود:

بالطبع أن الخطبة موجودة في نهج البلاغة ولكن نهج البلاغة ليس بصحة القرآن. إنه أصح من كتب الحديث كما أظن لأن المرحوم الشريف الرضي لم يجمعه على أساس ديني بل على أساس البلاغة. لكن الفاصلة بينه وبين الإمام طويلة جدا. ولو نراجع عقولنا نرى الكلام غير معقول. كان علي بن أبي طالب زوجا لفاطمة بنت رسول الله عليهم السلام، فكيف يسمح لنفسه بأن يصف النساء وفاطمة منهم بأنهم نواقص الإيمان؟ فهل كانت فاطمة عليها السلام ناقصة الإيمان، ناقصة العقل وناقصة الحظ أو الحظوظ؟ إنهم يفترون على الإمام علي، والشريف لم ينتبه لذلك. هذا فيما إذا كان الشريف قد ذكر الجملة فعلا في نهج البلاغة. فالفاصلة بينه وبيننا كبيرة أيضا تتجاوز الألف سنة قبل ظهور المطابع.

على أن غير القرآن ليس حجة علينا أخي علوي.

انفض الجمع بعد ذلك على أن يجلسوا جلسة أخيرة بمشاركة ماري يوم الجمعة القادم.

يتبع: الجلسة الأخيرة بحضور ماري

أحمد المُهري

18/5/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

مختلف_عليه – دور المراكز والمساجد الإسلامية في أوروبا وأمريكا في نشر الأفكار المتطرفة#


مختلف_عليه – دور المراكز والمساجد الإسلامية في أوروبا وأمريكا في نشر الأفكار المتطرفة#

لحلقة تتكلم حول دور المراكز والمساجد الإسلامية في أوروبا وأمريكا في نشر الأفكار المتطرفة السلفية والوهابية ما هي طبيعة هذه المراكز و كيف تعمل ومن المسيطر عليها ؟ لماذا تفشل كل محاولات تحديث الخطاب الإسلامي في الخارج و لماذا يسلم مسلمو الغرب أذانهم لشيوخ التكفير و الانغلاق الضيوف السيد سعيد الرحماني إمام مسجد سابق في ألمانيا و أستاذ دراسات إسلامية مايا خضرا كاتبة و باحثة في الشأن السياسي و شئون الأقليات الدينية في الغرب

ابراهيم عيسى
#تطوير_الفقه_الاسلامي

يوسف أيها الصديق ح 21 – القضاء والقدر


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 21 – القضاء والقدر

ولكن أكثر الناس لا يعلمون:

كلمة  (الناس) تشمل عامة الناس وخاصتهم. فالناس لا تعني العامة بدون الخاصة ولذلك فكلمة الناس تشمل كل المجموعات البشرية بعلمائها وعمالها وتجارها وكذلك ملوكها ورعاياها أو ناشطيها وكسالاها أو نسائها ورجالها أو كبارها وصغارها . 25

وبعد أن أدى يوسف رسالته وأكمل دعوته إلى النجاة من الضلال كأخ لهما عزيز عليه ما يراه فيهما من ضلال واضح وابتعاد عما وراء الطبيعة جل جلاله وجهل بحقيقة الربوبية و الألوهية بدأ بالكشف عما يراه مناسبا من تفسيره الصحيح للمنامين. قال يوسف:

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿41﴾.

قال في بيان تأويله لما رآه الأول منهما بأنه يسقي ربه خمرا. لكنه خاطبهما معا بقوله أما أحدكما ليخفف على الثاني الخبر المفجع عن موته صلبا احتمالا.

إنه أيضا اعتبر المنامين مكملين لبعضهما ولكنه كان أكثر دقة من صاحبيه بالضرورة.

من الواضح أن الأول كان يظن في حلمه تفسيرا أكثر إيرادا له و إذا به سيعود احتمالا إلى نفس عمله الأول. لا يمكن أن يسقي الملك وهو الرجل الأول في أعظم دولة في الارض، الخمرَ إن لم يكن ذو خبرة بالسقاية.

لعله استاء كثيرا حينما خيب السجين الذي يتجلى منه العلم والإيمان ظنه في تفسير حلمه فاضطرب أمله في المستقبل احتمالا. إنه لا يعرف بعد ما سيحل بصديقه صاحب الرؤيا الثانية.

وبعد ذلك وضح يوسف رأيه في الرؤيا الثانية مخاطبا إياهما بلفظ الغائب أيضا. قال لهما بأن الآخر دون أن ينظر إليه احتمالا، فيُصلب فتأكل الطير من رأسه.

كان كلا مناميهما لا يحملان نتيجة إيجابية لهما. فالأول يسقي غيره الخمر لا نفسه والثاني لا يقوم بأي عمل بل يرى طيورا تأكل من الخبز الذي يحمله فوق رأسه. فليس هناك في المنام أي إشارة إلى أن أيا منهما يكسب شيئا، والثاني يتناقص ما يحمله على رأسه.

ولا يمكن للطير أن تأكل من رأس الإنسان إلا إذا كان ميتا لأنه يخاف الاقتراب من البشر.

هذان هما المنامان وقد فسرهما يوسف تفسيرا غير الذي ظناه برأيي والعلم عند الله تعالى.

وأما الأمر الذي فيه يستفتيان وهو اتفاق رؤية شخصين لمنامين أحدهما شراب والآخر طعام، فإن يوسف يضمر شيئا آخر لا يريد أن يوضحه لهما وهو توافق دخوله هو السجن معهما ورؤيتهما لمنامين يوحيان إليه بما يخصه هو دونهما.

رأى يوسف بأن الواقعة ليست صدفة بل مقصودة يريد ربه أن يبعث له برسالة مؤداها أن خلاصه من السجن سيكون على يد هذا السجين بعد أن يستعيد شيئا من حريته.

إنهما فتيان وهذا يعني بأنهما عبدان ولكن العبودية ليست سجنا يمنع عنهما التحرك إلا أن منزلهما الجديد مسور بجدران لا يمكنهما اختراقها.

كان هذا المنام كافيا ليشعر يوسف بأنه ليس بتلك العظمة التي يشعر بها. إن حفيد إبراهيم وإسحاق وابن يعقوب أرسله بنو أبيه إلى غيابت الجب واستغلته السيارة بضاعة وباعوه فعلا، ثم أصبح عبدا لدى سيدة قصر العزيز ثم أدخل السجن وهو يشعر الآن بأن نجاته ستكون على يد عبد ضعيف! إن صانع بني إسرائيل يعاني من نقاط ضعف نفسية ولا يمكنه أن يستلم النبوة قبل أن يمر بعلاج قاس ليشفى من مرض الخيلاء الذي أصيب به. أين ذلك العلم الكبير الذي ينطوي عليه ليمنع عنه الكبرياء ويعيد إليه رشده؟

هذه هي طبيعة بني إسرائيل فهم دائما يسمون أنفسهم بني إسرائيل ولا يقولون بأننا أهل الأوطان التي ينتسب إليها غيرهم من القرون والأمم البشرية. لقد مات إسرائيل قبل أربعة آلاف سنة ولا زالوا يفتخرون بأنهم أبناؤه.

ولو تسأل من تعلّم منهم، عن الإيمان والصدق فسيقول لك بأنهما وحدهما من معايير الفوز أمام الله تعالى ولكنه لا يمكن أن يتصور بأنه هو أيضا مطالب بهما للفوز أمام الله .إنه يتخيل بأنه مميز عن غيره لأنه من بني إسرائيل الذي أصبح في ذمة الله منذ قرون وينسى بأنه عبد لله الحي القيوم وحري به أن يفتخر بربه لا بجده الأعلى الذي لا حراك فيه ولا صوت له.

لننظر إلى يوسف كيف ينطق بما هو صحيح ويمارس ما هو غلط. إنه يعلم بأن الصدفة ليست صدفة إلا من خلال كوننا لا نعرف أسباب توافق الأسباب فنظن بأنها وقعت صدفة. فلو لم يكن يوسف يتذكر منامه ويوفق بينه وبين منامي صاحبيه في السجن لقال في وصف الأمر الذي فيه يستفتيان بأنه من قضاء الله تعالى. وتعني هذه الجملة بأن ما حصل لهما أكثر من القدر.

نحن نسمي تصادم سيارتين صدفة لأنها يمكن أن تكون كذلك باعتبار أن السيارات التي تسير في الشوارع تتجاوز الملايين فيمكن أن تصطدم اثنتان بالصدفة. لكننا لا يمكن أن نتحدث بهذه الطريقة عن الرؤى التي هي قليلة.

في السجن ثلاثة أشخاص وقد رأى اثنان منهما منامين في وقت واحد وهما فعلا يكملان بعضهما البعض فالأمر أكثر من صدفة حتى في المنطق غير العلمي البعيد عن معرفة إدارة الخالق العزيز لكل حركات الكون ومَن فيه.

نحن اليوم بعدهم بآلاف السنيين لا نرى قصة شبيهة برؤيا هذين السجينين فكيف ننسب أمرهما إلى الصدفة.

ولذلك قال يوسف بكل ثقة أن أمرهما تابع لقضاء الله تعالى بمعنى أنه تجاوز التقدير فأصبحت النتيجة التي ينتظرها يوسف من هذا التوافق محتوما وهو نجاته على يد ذلك الفتى السجين.

لكن قول يوسف ذلك لا يعني بأن كلا المنامين سيتحققان. إنه نظر إلى القضية من زاويته هو وليس من زاويتهما حينما قال قضي الأمر فاحتمالات المفسرين ليست في محلها لنقع في مأزق علم يوسف للغيب الذي لا يتفق مع العقل إذ أن الغيب خاص بالله تعالى . 26

( هامش 25 :   بالطبع أن هناك بعض الناس يعلمون ولكن أكثرهم لا يعلمون فكيف نعرف أفراد هذين القسمين من حيث العلم والجهل؟ ولنعلم أن حكاية الآية الكريمة لا تمثل الأصول والكليات العلمية الكبرى التي تحيط بكل الحقائق بل حكايتُها حكاية المفاهيم العامة الأساسية التي يمكن لكل إنسان أن يعلمها ولكنه لا يعلمها.

فلو كان المقصود هو الحقائق العلمية لكان ممكنا أن يقطع أي جدل بأن يقول: ولكن أكثر العلماء لا يعلمون. ذلك لوجود بعض المجموعات البشرية التي لا تخضع لغير الله تعالى وهي تضم العلماء والحكماء والعمال والتجار والمهنيين والعسكر والضعفاء والشباب والشيوخ جميعا وكل أصناف البشر تقريبا كما كان عليه صحابة موسى وعيسى ومحمد. فبين الصحابة أناس عاديون من حيث العلم والشهرة والذكاء ولكنهم لم يكونوا ليعبدوا غير الله تعالى في حضور الرسول إلا أن ينكشف أمرهم.

فالذين يقعون ضمن أكثر الناس وهم الذين لا يعلمون، فإن كل مجموعة منهم تمثل شريحة كاملة من الأمة. هذه الشريحة تمثل العلماء والموجهين والملوك وكبار المدراء والعسكريين وأصحاب المصانع والمتاجر والقوى العاملة وكذلك الرياضيين والحرفيين والمذيعين والطباخين وغيرهم من مكملات الأمة بدون الرسول. نقول ذلك لأن الأمة في القرآن تعني هذه المجموعة المتكاملة مع الرسول وإلا فهي قرن وليست أمة.

فالتعبير القرآني هذا في مثل هذه الآية لا يمكن أن يُطلق على الجاهلين من مجموعة متكاملة بل على كل المجموعة.

إن الحديث يدور مدار التصرفات العادية كالصلاة والصيام الصحيحة أو غير الصحيحة فلم يقل الله تعالى ولكن أكثر الناس لا يتعلمون ولم يقل لا يفهمون بل قال لا يعلمون. وحديث يوسف مع اثنين من خدم القصور وهم عامة الناس العاديين. فالعلم المناسب لهم هو مجرد فهم ألا يخضع لغير الله تعالى ويعبد الله وحده. هذا علم سهل المنال ولكن الذين نراهم لا يعلمون هذا العلم فهم لا يريدون أن يعلموا بل يريدون أن لا يخرجوا من مستنقع التراث النتن الذي أصبح ماؤه غورا ولم تظهر إلا شوائبه العفنة.   نهاية الهامش 25.)

( هامش 26: ليس في الآية أية إشارة إلى أن الله تعالى أوحى إلى يوسف وليس مسألة إعدام الشخص الثاني ذي أهمية بالنسبة ليوسف ليؤكد لهما بأنه سيُعدم. الدليل الوحيد لنا بالنسبة لموت الثاني هو قوله تعالى عن السجين الأول بأنه الذي نجا منهما فعلا فهو يعني بأن الثاني لم ينج. وحتى نعرف معنى القضاء وكيفيته لا بد أن  نقوم ببحث بسيط فيما يلي:

قضاء الله تعالى:

نستشهد بآيتين من سورة البقرة بداية لفتح باب موضوع القضاء. قال تعالى في سورة البقرة:

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (117).

وقال تعالى في سورة المائدة:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64).

الآية الأولى توضح إرادة رب العالمين القوية القاهرة التي غيرت المسيرة النظامية لخلق الإنسان إلى مسيرة غير عادية لخلق المسيح بإرادة جازمة مقضية سوف تحصل وقد حصلت فعلا وجاء المسيح.

وأما الثانية فهي للرد على ما قاله اليهود بأن الله تعالى يعمل ضمن نظام شمولي لا يمكن إيقافه فكيف يتأتى له سبحانه أن يغير نمطا طبيعيا بمعنى العادة لا بمعنى قوانين الطبيعة.

هناك قوانين إلهية سار عليها اليهود فكسبوا ما كسبوا حتى وقع جل المال اليوم بأيديهم فكيف لله تعالى أن يوقف المسيرة العادية فيمنح أشخاصا آخرين خلافا لإرادة أصحاب المال إن كان حديثهم عن المال؟ فيرد عليهم سبحانه بأن يداه مبسوطتان.

هذا يعني بأن القوانين التي نسير عليها والتي أقرها الله تعالى نفسه لا يمكن أن تحول دون أن يقدر الله تعالى أمرا آخر لتحقيق نتائج معاكسة للعادة التي يسير عليها البشر. وكيف يكون ذلك؟ فنحتاج إلى بحث آخر هو البحث عن القدر لنتعرف على مجالات قضاء الله تعالى. وسوف نسعى لاختصار بحث القدر جهد الإمكان فيما يلي.

القدر:

لننظر إلى تدبيرات الإنسان نفسه وإلى كيفية تعامله مع الإمكانات المتاحة، فسنرى البشر بعكس الحيوانات يسعون لكسب الثروة والغنى ولجمع الأموال وما أمكن من الثمرات وكذلك المواد المختلفة للبناء والصناعة والكساء والخدمات العامة.

وبمجرد ما أن يفتح العاقل الحصيف عينيه على الحياة سيشعر بأنه يحتاج إلى أن يسعى لكسب المزيد من المقومات وإلى تخزينها بصورة صحيحة ليستفيد منها عند الحاجة. ذلك لأنه كبشر مدرك يشعر بأن الحياة لا تسير وفق نمط واحد فهناك الفقر والمرض والمزيد من الأولاد والأعداء والشهوات وبقية الضروريات والمرافق العامة والخاصة، وهذه الامور كلها سوف تضغط عليه بشكل أو بآخر فيجب أن يكون مستعدا للمواجهة بأعلى درجات الاستعداد وبأقل قدر من التعب والخسارة.

من هذا المنطلق أوجد الإنسان لنفسه قوانين علمية انتهت إلى التنبؤ بالحاجات المستقبلية وإلى وضع الأهداف لكل مرفق من مرافق الحياة ووضع المناهج المختلفة للوصول إلى تلك الأهداف بأقل التكاليف والخسائر.

وبما أن الطبيعة وحركاتها ليست بيد الإنسان فإنه من واقع خبراته وخبرات كل الذين مضوا والذين يعيشون في مختلف أماكن الأرض، يتوسع في الاستعداد للمواجهة مع الضغوط الطبيعية التي تفوق قدرته. وقد وضع البشر لتلك المواجهة المزيد من الإعدادات الضرورية أو الاحتمالية ولو كان الاحتمال ضئيلا، ومع ذلك فإنه يسعى لكسب المزيد من الأمان مستفيدا مما أوتي من قوة وإمكانات.

ولننتقل الآن بأفكارنا وعقولنا إلى خالق الكون وإلى قرار رب لعالمين بأن يبدأ بالخلق. يكفينا ما ذكره لنا في القرآن الكريم من تدبيرات مهد لها العزيز الحكيم قبل أن يبدأ بالخلق. أراد سبحانه أن يخلق كائنات مدركة تستفيد من نعمه المادية فيكرمها باستحقاق تمشيا مع قانون العدالة الذي يهتم سبحانه به.

هؤلاء يمكنهم أن يتعرفوا كثيرا على الله تعالى الذي كان موجودا دون أن يكون هناك من يعرفه. والذين فكروا في أنه تعالى لا يمكن أن نتصوره بدون تصور الخلق لأن الخالقية من معاني الذات القدسية فيكون الخالق ناقصا بلا خلق، ولذلك فالخلق مساوق للخالق وقديم مثله ولكنه في رتبة تالية باعتبار الإمكان، فهم مخطئون. لعل الفلاسفة المشائين وعلى رأسهم المعلم أرسطو في مقدمة هؤلاء العلماء والمفكرين.

لكنهم أخطأوا لأننا بكل بساطة نرى بأن الله تعالى كان قادرا على أن يوجدنا قبل آلاف السنين ولكنه تأخر في تحقيق فعلية قدرته تلك. ذلك يعني بأنه سبحانه لا يقوم بتفعيل كل قدراته بصورة دائمة ويكتفي بأن يكون خالقا لهذه الجزئيات بالقوة. إنه خلاق بالقوة ولكنه يخلق بالفعل ضمن نظام زمني مبرمج. وقد أقر سبحانه ذلك في سورة الرحمن:

 يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29).

فتغيير شأنه سبحانه بأن يُفعِّل بعض ما هو قادر عليه متى ما شاء أو أراد. ذلك يعني أن شأن خلقه يتغير في الواقع وليس شأنه سبحانه الذي لا يطرأ عليه أي تغيير. ولكن تغيير شأن الخلق منوط بتغيير إرادة الله تعالى بالنسبة لخلقه وليس ذلك مؤثرا في الذات القدسية إطلاقا.

مدبر عظيم بقدرات تفوق الخيال لا يمكن أن يخلق شيئا دون أن يدبر كل ما يمكن أن يطرأ عليه من تبديلات باعتبار إمكانية كل الخلق طبعا. ولو أراد الجبار العظيم أن يمنح بعض خلقه الإرادة فإنه يفسح لنفسه المجال للمواجهة مع ما يقوم به ذلك المختار غير الحكيم والفقير المحتاج إلى المزيد من المقومات فيما إذا سمحت له نفسه بالظلم الفاحش المؤثر في نظام ربه.

كما أنه سبحانه يقدر له ولغيره كل ما يحتاجون إليه للاستمرار في الحياة والعيش. لنضرب مثلا للأمر الثاني قبل الأول. قال تعالى في سورة المؤمنون:

 وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18).

أنظر إلى الآية الكريمة التي توضح تدبير ربك قبل أن يخلقك. لقد وضع مجموعة كبيرة من طرق التفاعلات الكونية لخلق السماوات والأرض ليتيح لربها اختيار ما يريده لتفعيل كل نوع من أنواع خلقه.

ثم إنه سبحانه لم يكن غافلا عن البشر الضعيف والحيوانات التي سيحتاج الإنسان إليها وكذلك النباتات وبقية حوائج هذا الخلق المستهدف فقدر لها مقدارا معقولا من المياه لتتحرك مع الغازات التي انفصلت عن الشمس حين خلق الأرض. فصنع الله تعالى الأرض من الغازات المختلفة مع المياه المقدرة لحياة الخلق النباتي ثم الحيواني.

لم يكن المدبر العظيم غافلا عن الخلق من قبل خلق الأرض. بالطبع أن هناك تدبيرات سابقة حين خلق الشمس لا نحتاج لذكرها هنا ولكنها مذكورة في الكتاب السماوي العظيم.

والآن لنمعن أكثر في تدبير الحي القيوم المذكور أعلاه. لقد ترك سبحانه المجال مفتوحا لنفسه لمنع الماء عن خلقه إن شاء. فقال عز من قائل في نهاية الآية:

 وإنا على ذهاب به لقادرون.

إنه لتدبير مهيب وفي منتهى الدقة جل جلاله.

لنفكر كيف يواجه رب العالمين عبيده الذين ينشطون بفعالية ضد نظامه والذين يمكن أن يؤثروا في برنامجه لمستقبل الإنسان. لنعد إلى الوراء، إلى ما قبل أربعة آلاف سنة.

هناك توسعت الملاحة البحرية فتعرفت طبقة من كبار تجار البحار -ولعلهم الفينيقيون- على طريقة خطيرة من التمتع الجنسي الذي يقطع السبيل على تكاثر البشر. ذلك هو إتيان المثيل، وقبل أن يتمكن البشر من السيطرة على كل مشاكله.

كان يجب فعل شيء من قبل القدوس ويقطع دابر هذه الفئة الخطيرة التي يتنقل أفرادها عن طريق البحر إلى كل مكان فينتشر هذا الانحراف النفسي في كل المعمورة.

لننظر إلى النظام الألوهي كيف يتعامل مع كل القضايا وكيف يُعدُّ الكثير من الإمكانات للمواجهة مع مختلف الاحتمالات منذ خلق الأرض.

يريد الله تعالى أن يقضي على هذه الفئة الخطيرة التي أسرفت في اتباع الشياطين حتى تركت الارتباط مع الجنس الآخر بالكامل.

لقد تعرفت أيضا نساؤهم على نسائهم فأصبح الرجال في واد والنساء في واد آخر. أرسل إليهم لوط ليتزوج من بينهم فيصير عضوا في ذلك المجتمع الفاسد. بدأ لوط مباشرة بعد استلام النبوة بمزاولة مهام الرسالة. لعلنا نفكر في أنه استلم الرسالة مباشرة بعد التعرف على العلم النبوي للضرورة الوقتية. بقي سنوات بل عقود ينصحهم حتى كبرت بناته ووصلن سن الزواج.

لا نريد أن نتوسع في قصة لوط وقومه ولا نريد أن نتعدى المزيد. وصلت النصائح أو موعد الوعظ إلى نهايته وبدأ موعد العقاب بالاقتراب. العقاب يجب أن يكون شاملا بحيث يقضي على كل الفئة الخطيرة ليُزالوا عن بكرة أبيهم فلا تنتشر عاداتهم بين الباقين ويصيروا عبرة لغيرهم.

جاءت الملائكة بهيئات بشرية تتراءى لقوم لوط بصورة شبان. هرع أقارب زوجة لوط احتمالا إلى منزل لوط طلبا للشبان القادمين وهم لا يعلمون ما ينتظرهم. أخذتهم الملائكة بالجرم المشهود وأخبروا لوط وأولاده برسالة ربهم وأمروهم بالخروج في منتصف الليل دون أن يهتموا بغيرهم فهم المؤمنون وحدهم في ذلك البلد.

كانت الأعاصير الشديدة بانتظارهم في السماء. لقد قدر الله تعالى أن تكون العواصف مصحوبة بالصيحات الشديدة وحملت العواصف بحجارة صغيرة حادة مقدرة من الله تعالى في مكان ما من الأرض. هذا ما تنبؤنا به الآيات التالية: قال تعالى في سورة الذاريات:

 لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34).

وقال سبحانه في سورة هود:

فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83).

المسومة يعني المعدة سابقا والمُعْلَمة لغرض خاص. لننظر إلى ما حصل.

لقد كان هناك بالقرب من قرية قوم لوط حجارة مناسبة لتدميرهم معروفة لدى رب العالمين. إنه سبحانه حين خلق الأرض دبر في كل مكان منها إمكانات لكل ما يريده في المستقبل سواء للمكافأة أو للعقاب. لقد قدر منذ البداية الكثير من هذه الإمكانات في الكرة الأرضية بحيث يستفيد مما يريد متى ما يريد.

لكنه سبحانه قضى على قوم لوط بتلك الحجارة المقدرة سابقا لمثل هذه الامور. لقد قدر سبحانه أماكن كثيرة داخل المحيطات للتسونامي ولكننا كبشر انتبهنا بعد فوات الأوان بأن البشرية نسيت أن تركب أجهزة إنذار مبكر في المحيط الهندي.

وليس بالإمكان فعلا أن نوقف كل ما يضرنا فالكرة مليئة بما لا نعرفه مما هي مسومة عند ربنا للمسرفين. كل هذه الاستعدادات مقدرة ولا يحتاج الله تعالى أن يقدر كل حركات الناس منذ بداية الخلق كما يتراءى للبعض. 

إنه سبحانه يريد أن يمنح الاختيار الحقيقي لكل البشر فلا يمكن أن يقدر كل حركاتنا منذ بداية الخلق ولا منذ بداية خلقنا. لو فعل سبحانه ذلك ارتبك أو بطل الاختيار وتعذر اختبارنا وهو تعالى لا يريد ذلك.      نهاية الهامش 26.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

اشكالات القبنجي 12-استحالة النظر إلى الظروف المعاصرة للتنزيل:


اشكالات القبنجي 12-استحالة النظر إلى الظروف المعاصرة للتنزيل:

ومهما يكن من أمر فإن النظر إلى الظروف المكانية والزمانية لنزول القرآن غير ممكنة عمليا. ذلك لعدم وجود أية مدونة عربية أو غير عربية كتبت أيام الرسالة المجيدة. يبدو بأن القرآن الكريم هو المدونة الوحيدة التي وصلتنا في عصرنا هذا. ولو أردنا أن ننظر إلى القرآن في زمانه ومكانه فلا نملك كتابا مصانا يهدينا إليه فكيف نقوم بهذا النظر؟

لقد تمكن القرآن المشهور وهو ما عرف فيما بعد بقراءة حفص عن عاصم أن يبقى طيلة القرون الخمسة عشر دون تغيير. يطبع المسلمون سنويا عشرات الملايين بل مئات الملايين من هذه النسخة المباركة ولكننا لم نر أي كتاب يدعي بأنه كان معاصرا للقرآن فكيف ننظر إلى القرآن في ظروفه الزمكانية؟ لقد بدأ المسلمون عمليا كتابة التاريخ بعد أكثر من قرن من وفاة الرسول الأمين فما جدوى تلك الادعاءات باسم التاريخ الإسلامي؟ لو ينظر العاقل الحصيف إلى اهتمام المسلمين اليوم بالأحاديث والسيرة والتاريخ الذي كان مفقودا تماما لأكثر من قرن بعد الرسالة المحمدية ثم بدأ المسلمون في الكتابة، فسوف يرفض كل مدوناتنا عدا القرآن.

وما نسمعه من المؤرخين هو ما نقلوه من الأخبار من كتاب كتبه شخص باسم محمد بن إسحاق وهو الذي جمع الأحاديث وكتب السيرة والتاريخ. ويُقال بأنه بدأ بالكتابة بعد أكثر من قرن من وفاة الرسول وقد ضاع كتابه ولكن المؤرخين الذين جاءوا بعده ينقلون عنه!

كان الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ينفق عليه فلا يمكن الاستناد لا إلى شخصه ولا إلى ما نقله ولا إلى ما نقل عنه. وفي النهاية نرى كل المراجع التاريخية تعود إليه فهل يمكن تسمية هذا مرجعا تاريخيا صحيحا؟!

وأما كتب الحديث المشهورة عند السنة فيعود تاريخ كتاب المسند للإمام أحمد بن حنبل الى القرن الثاني الهجري وعاصره الإمام مالك في الموطأ. وقد ارتبط كلاهما بأبي جعفر المنصور وأما الإمام مالك فقد أكمل كتابه أيام هارون الرشيد وأشهره وأمر بالعمل به الرشيد نفسه. وأما الشيعة فقد أراحوا أنفسهم واعتبروا كل ما نسب إلى الأئمة صحيحا لا إشكال فيه. لكن ليس بين يدينا كتاب شيعي من تأليفات عصر الإمامين الباقر والصادق بل كتبت فيما بعد. ولعل كل كتب الحديث المشهورة دونت في القرون الثالث والرابع والخامس الهجري حينما ظهرت السنة والشيعة كمذهبين مختلفين.

فهل من العقل والحكمة أن نحكم على كتاب عظيم مثل القرآن بكتب مختلفة دونت بعد نزوله بأكثر من قرن؟

ما نقوله عن تلك الأيام الخوالي لا يتعدى الظنون والتخرصات التي لا يمكن الاستناد إليها. الطريق الوحيدة التي يمكن أن نصل بها إلى عصر الرسالة المجيدة هو ما ذكره القرآن نفسه من حوادث تاريخية لا غير. وتبدو عملية التوفيق بين قصة قرآنية واحدة مع ما هو مدون في كتب التفسير والحديث والتاريخ والسيرة مستحيلا. فكيف يمكننا الاعتماد على هذه الكتب لفهم القرآن في ظروفه المكانية والزمانية؟ إنه ادعاء لا يمكن تحقيقه وهدف يستحيل بلوغه مع الأسف.

ويقول صديقنا المحب للدكتور سروش أو الموالي له بأنه ينظر إلى كتب التاريخ المختلفة من مختلف القوميات ليقف على حقيقة ما حصل. ثم يستشهد بقصص كتبها غربي حول تاريخ احتلال الإسكندر المقدوني لإيران. لكنه لم يأت ولن يتمكن من الإتيان بتاريخ مخالف لأيام الرسول كما لا يمكن أن يأت بتاريخ موافق دونت أيامه. كل الغربيين يتحدثون عن الرسول من واقع تاريخ الطبري وأمثاله وليس من منطلق تواريخ كتبوها هم بأنفسهم. فلو كان استدلاله صحيحا فإنه لا ينطبق عمليا على العصر الرسالي لحبيبنا المصطفى عليه السلام. بالطبع أنني أرفض نظريته أيضا ولكن لا داعي لمناقشتها مع غياب المصداق.

يتبع ….

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ليس على المسلم حرج


ليس على المسلم حرج

أرسل إلينا سيادة الأستاذ ضياء الجبالي رسالة يذهب فيها إلى التالي:

1.    أن مناقشة الفقه الإسلامي القديم تستوجب توفر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقوا في البناء, و

2.    أن وقوع العلماء في هفوة؛ أو زلة؛ أو سقطة؛ لا يضر ولا يؤثر على ماقدمه العلماء من إيجابيات وإنجازات, و

3.    أننا لم نترك بشرورنا لا القرآن, ولا السنة, ولا جميع كتب الإسلام,  وبحقد, وعداء, وتربص, وشتائم, وتشكيك, وبهجوم وتهجم لم يسبقنا إليه أعدى أعداء الدين الإسلامي الحنيف, و

4.    أن هدم جميع ما سبق من بناء بزعم إعادة البناء هو الجنون بعينه.

خالص الشكر والتقدير لسيادة الأستاذ ضياء الجبالي على كريم رسالته, ولي تعليق,

1.    تمامًا مثلما لا يهتم عالم من علماء الكيمياء بتوفر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقوه في البناء عند مناقشة نظرياتهم, فإن لا أحد هنا يهتم, على الإطلاق, بموضوع توفر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقونا في البناء عند مناقشة أعمالهم.  فكرة الأدب والتأدب عند نقاش الإنتاج العلمي لعالم من العلماء فكرة لا مكان لها في “العلم” تمامًا مثلما لا يوجد مكان في “العلم” لإساءة الأدب.  المسألة ليست شخصية.  في العلم لا أحد يهتم بـ”شخص” عالم وإنما الكل يهتم بـ”إنتاج” هذا العالم.  الإشارة إلى الطبري على أنه “أحمق” لا تتعلق بالطبري “شخصيًا” وإنما تتعلق بإنتاج الطبري.  لا أحد هنا رأى أو سمع الطبري, وإنما الكل رأى ما أنتجه الطبري.  وما أنتجه الطبري هو فهم “بدائي” لكتاب الله.  

2.    المسألة لا تتعلق بهفوة هنا أو زلة هناك لا تؤثر على ما قدمه الطبري أو غيره من قدماء المفسرين, وإنما تتعلق بـ”نوع التفكير” الذي يستخدمه الطبري – وغيره من قدماء المفسرين – في فهم كتاب الله.  يستخدم الطبري – وغيره من قدماء المفسرين – نظام إدراك بدائي لا يختلف قليلاً أو كثيرًا عن نوع نظام الإدراك المستخدم لدى الإطفال الأوروبيين أقل من ست سنوات.

3.    الهجوم على الإنتاج الفكري لقدماء المفكرين الإسلاميين, من كتاب سيرة, ومحدثين, ومفسرين, ليس هجومًا على كتاب الله.  والقول بأن الهجوم على كتاب البخاري هو هجوم على كتاب الله هو قول لا يقول به مسلم.  

4.    هناك “فرق” بين كتاب الله, وبين كتاب البخاري, أو كتاب الطبري, أو كتاب ابن هشام.  كتاب الله كتاب جاءنا من عند الله.  كتاب البخاري جاءنا من عند البخاري وليس من عند الله.  صدرت كتب البخاري, والطبري, وابن هشام, وغيرهم بدءًا من القرن الثالث الميلادي.   تمثل هذه الكتب محاولة أبناء القرن الثالث الهجري – والرابع والخامس – فهم كتاب الله.   القول بأن هذه المحاولة هي المحاولة الوحيدة الصحيحة هو قول لا يرضاه الله.  لم يرسل الله كتاب الله من أجل أن يفهمه أبناء القرن الثالث الهجري وحسب.  القول بأن فهم أبناء القرن الثالث الهجري هو الفهم الصحيح الوحيد وغيره فاسد إنما يعني أن فهم القرن الثالث الهجري هو فهم مقدس.  في الإسلام, يوجد كتاب مقدس ولا يوجد فهم مقدس.  القول بأن فهم كتاب الله بدون هذه الكتب غير ممكن معناه أن أبناء القرن الأول الهجري لم يكونوا يفهمون كتاب الله حيث إن هذه الكتب لم تكن قد كتبت بعد.  والقول بأن هذه الكتب إنما “تسجل” فهم أبناء القرن الآول الهجري إنما هو ادعاء لا دليل عليه.  من أين لأي منا أن يقدم لنا الدليل على أن هذه الكتب قد حفظت لنا فهم أبناء القرن الأول الهجري؟  ثم حتى لو قام الدليل على أن هذه الكتب تمثل فهم أبناء القرن الآول الهجري – وهو ما لم ولن يحدث – فمن قال لنا بأن فهم أبناء القرن الأول الهجري هو الفهم الصحيح الوحيد وغيره فاسد؟  نحن قوم لا يوجد بين أيدينا “كتاب فهم الله” ولا “كتاب فهم رسول الله”.   نحن قوم لا يوجد في أيدينا سوى كتاب الله.   ولسوف تمر السنين.  عشرات, أو مئين, أو ملايين.  بل قد يقدر الله علينا الانتقال من هذه الكرة التي نعيش فوقها إلى كرات أخرى في مجرات أخرى.  فهل كتب الله علينا أن “نتبع” الطبري ملايين ملايين السنين, بل إلى أبد الآبدين؟   هل يمكن لمن آمن بالله, وبأن محمدًا رسول الله, وبأن القرآن كلام الله, أن يخبرنا بأن هذا هو ما قال الله؟  ولم يكتب الله على عباده اتباع الطبري وإنما أمرنا باتباع محمّد بن عبد الله.

وإن الحمد لله, والشكر لله, على ما آتانا وما لم يؤتنا, وما أعطانا وما لم يعطنا.  ولقد أعطانا فأفاض العطاء.

يقول سيادة الأستاذ ضياء الجبالي:

“من ظواهر وأدلة تخلفكم العقلي الواضح والمؤكد أنكم تطلقون الألقاب والمناصب والدرجات على حسب أمزجتكم الشخصية وأي متحدث يراسلكم تسمونه فضيلة الشيخ وكأن لقب فضيلة الشيخ هذا منحة تمنحونها لمن يرد عليكم.  من قال لكم إنني شيخ؟  أنا لست شيخاً ولا كل من تنادونهم بأصحاب الفضيلة من أصحابكم يمتون أصلاً للفضيلة بأية صلة ولقب شيخ أو صاحب الفضيلة ليس منحة, ولا هبة, ولا عزومة, ولا مجاملة.  تمامًا مثل منحكم ألقاب أصحاب الفضيلة لجميع أصحابكم الذين يشاركونكم في موالد الزار التي تقيمونها في مركزكم, “مركز تدمير (لا تطوير) الفقه الإسلامي.

بالطبع لكل عالم هفوة؛ أو زلة؛ أو سقطة؛ ولكن هذا لا يضر ولا يؤثر على ماقدمه العلماء من إيجابيات وإنجازات.  ومناقشة الفقه الإسلامي القديم تستوجب, بداية, وجوب توافر الأدب والتأدب, واحترام وتقدير من سبقوا في البناء.  أنتم لم تتركوا بشروركم لا القرآن, ولا السنة, ولا جميع كتب الإسلام.  وبحقد, وعداء, وتربص, وشتائم, وتشكيك, وبهجوم وتهجم لم يسبقكم إليه أعدى أعداء الدين الإسلامي الحنيف.  أما تسفيه جميع الاجتهادات والجهود السابقة بتصيد الأخطاء فهو من السفاهة, وأما هدم جميع ما سبق من بناء بزعم إعادة البناء فهذا هو الجنون بعينه.

ضياء الجبالي

23 مارس 2017   

مرة أخرى, خالص الشكر لسيادة الأستاذ ضياء الجبالي على كريم رسالته.   أدعو الله أن أكون قد أوضحت أن كتب أهل العلم والنظر من أهل السنة والجماعة ليست جزءًا من دين الله.  وليس على المسلم حرج في أن يضعها في مكانها الذي تستحقه في متاحف التاريخ الثقافي للشعوب البدائية.   

كمال شاهين 

#تطوير_الفقه_الاسلامي

23 مارس  2017

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/