المؤمنة كاترين 26- بني اسرائيل


المؤمنة كاترين

المقطع السادس والعشرون

زواج مرفوض

أعجب الحاضرون بأخلاق ماري وعلمها وأدبها وحسن خصالها بحيث لم يتمكنوا من إخفاء مشاعرهم تجاهها. يبدو بأنهم جميعا فكروا في السعي لإبقاء ماري معهم في الكويت لإحياء الجلسات العلمية التي بدأت بها في بيت كاترين. لقد أحبوها من كل قلوبهم وشعروا بأنهم بحاجة إلى مثلها لتنشر بينهم الحب والفضيلة وكل معاني الإحسان والطيب.

ساترين:

لا أدري كيف يتيح لنا أن نبقى على صلة مع الحبيبة ماري. لقد أحببتها من كل قلبي وأشعر بأنني محتاجة إلى علمها وأدبها لأتعلم منها ولأقلدها في الفهم والعمل.

كاترين:

أظن بأنني مشتاقة أكثر منك يا ساترين. أنت رأيت جانبا من جوانبها المشرقة وأنا رأيت أكثر من جانب. لكن علينا بأن نعلم بأن لكل إنسان ظروفه واهتماماته فهل نحن لا زلنا في البيوت التي ولدنا فيها مع آبائنا الذين أحبونا وساعدونا حتى أوصلونا إلى العلم والمعرفة ثم تركناهم مضطرين لنستمر في معترك الحياة بقوة وبيسر؟

توم:

أشعر بأن جلستنا هذه تشع الخير والبركات وأشعر بأن العم محمود وزميلنا علوي وزميلتنا العزيزة كاترين إضافة إلى العزيزة ماري هم بناة هذه الجلسة الخيرة. ولكنني مع شعوري المماثل لشعور ساترين أرى بأن غياب ماري يُحدث شرخا في تجمعنا اليوم. بمعنى أننا قد نجتمع كثيرا ولكن بدون أن نستمتع بأسئلة ماري ونستعين بحسن فهمها وسعة مدركاتها.

فريجا:

منذ اللحظات الأولى هذه الليلة وأنا أفكر في أن نسعى لتزويج ماري في الكويت لأنني أحببتها منذ البداية. فبالزواج سوف نبقيها بيننا وسوف نراها كثيرا ونستمتع بمرافقتها ومحادثتها.

ماري:

أشكركم جميعا وأشعر بأنني بسفري عنكم سوف أحمل معي ذكريات لا تُنسى وصديقات وأصدقاء لا يفارقوني في خيالي وفي أعماق قلبي النفسي. وأقول للعزيزة فريجا:

ليس الزواج أن يتقدم فتى لفتاة لا يعرفها يطلب يدها لأنه معجب بها أو كلاهما معجبان ببعضهما البعض. ذلك زواج غير ناجح وغير صحيح. ما قمت بما قمت به بين علوي وكاترين إلا بعد أن اطلعت على الزمالة الطويلة في العمل بينهما وعلى احترام كل منهما للآخر وعلى الحرمات التي يهتم بها كل منهما مع صاحبه. قرأت حكاية طويلة بين علوي وكاترين خلال التحدث إليهما في لقاءات قليلة ورأيت بأن هناك نقصا بينهما يمكن تلافيه بكل سهولة ولذلك وبعد تفكير طويل وطلب الخير من الله تعالى أقدمت على تقديم كل منهما للآخر. كانت العملية ناجحة لأنها تمت بعد دراسة كافية وبعد أن أمضيت وقتا كافيا لمعرفة أسرار الحياة الخفية لدى كل منهما. فهذا بإذن الله تعالى زواج موفق؛ ولكن ما تتفضلون به لا يمكن أن نسميه زواجا.

الزواج إخواني وأخواتي لا يعني إشباع الشهوات الجنسية كما يتصورها عامة الشباب. إنه التزامات مالية وعاطفية واتفاق كبير بين نفسية كل من الزوجين واستعداد متقابل للتضحية في سبيل الشريك وعلى رأسها التقوى من الله تعالى. إن كلا منهما خلق مملوك لربنا وعلى كل واحد أن يحب خلق الرحمن ويحترمه ويضحي في سبيله. أما سمعتم عن المسيح عليه السلام كيف كان مستعدا للتضحية في سبيل البشرية وهكذا بقية رسل الله تعالى الذين أحبوا الناس جميعا وساعدوهم جميعا ولم يفرقوا بين من يتبع دعوتهم أو لا يتبع. لعل بعضكم اطلع على القرآن الكريم حيث يخاطب الرسول محمد عليه السلام في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6). باخع نفسك يعني مؤذ نفسك.

كان النبي يتألم من أن المسيحيين لا يؤمنون بالدعوة السماوية الجديدة وذلك ما سيؤدي إلى آثار خطيرة في علاقاتهم مع ربهم وفي مستقبل الحياة الأبدية بالنسبة لهم. وكان كذلك بالنسبة لكل أهل الكتاب بمن فيهم اليهود. قال تعالى في سورة الشعراء: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3). ولعلكم سمعتم اهتمامه الكبير بالمشركين.

إن رسل الله تعالى أحبوا البشر جميعا وضحوا في سبيلهم ولذلك آمنوا بهم ولولا ذلك لما آمن بهم أحد. لقد ترك أصحابهم دين آبائهم واتبعوا الرسل لأن الرسل أحبوهم وأشعروهم بقلوبهم النقية المليئة بالمحبة والصدق والخلوص لكل إنسان باعتبار إنسانيته لا باعتبار قرابته ودينه.

والله تعالى في القرآن الكريم يعبر عن مسألتين فقط بالميثاق الغليظ. هما ميثاق الله تعالى مع النبيين وميثاق المرأة مع زوجها. قال تعالى في سورة الأحزاب: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (7). وقال سبحانه في سورة النساء: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21).

العم محمود:

يا أخت ماري. أجدت وأحسنت فأنت فتاة مثالية حقا. فأرجوك ألا تعاتبيني لو أكملت الميثاق الغليظ بميثاق ثالث في الكتاب الكريم. قال تعالى في نفس سورة النساء: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (154). ذلك هو الميثاق العظيم مع بني إسرائيل وهو ميثاق معروف لدى كل أهل الكتاب وموضح في الكتاب المقدس أيضا. لكن الله تعالى كما أظن يتحدث في الآية الكريمة عن ميثاق التوراة مع بني إسرائيل والعلم عنده سبحانه.

ماري:

شكرا، يا عم بل أنا أشكرك على كل ما تعلمته منك. أنت بيننا لتصحح أخطاءنا، عفوا، أخطائي ولا سيما فيما يخص كتاب الله تعالى.

كاترين: 

نحن كلنا تلاميذ في مدرسة الحياة ومن هو أكثر علما في موضوع فإنه يفيض على غيره من علمه والعم محمود مرحب به دائما ليصحح أخطاءنا.

الحاضرون والحاضرات:

صحيح.

كاترين:

كلنا حريصون على أن نرى ماري بيننا أكثر من سفرة صدفة وكلنا نحبها ولكنني أشعر في أعماقي بأنها قد تبقى بيننا أكثر مما تظن هي بنفسها. لا أدري هل هي مسألة خيال أو مسألة حب وإكرام وعلاقة قلبية لا تقاس بمقاييسنا المعتادة. أم هي تمنيات كبيرة كبرت في قلبي حتى أصبحت أشعر بأنها حقيقة. لا أدري ولا أريد لها إلا الخير ويهمني مصالحها ولكننا سنرى مكانها خاليا بيننا لو تمكننا من التجمع. العم محمود إنسان لا يمكن أن أستغني عنه في الجلسات الدينية ولكن في الحقيقة بأن ماري هي التي تمكنت من إقناع العم محمود للمشاركة معنا.

محمود:

فعلا على الرغم من أنني أشعر بالسعادة بأن لي جارة طيبة هي كاترين. لكن لماري تأثير غريب في الإقناع وفي إخراجي من البيت وأنا في سن أحتاج معه إلى الراحة. أدعو لماري ولكم جميعا من كل قلبي أن يوفقها الله تعالى وإياكم لما فيه سعادتكم.

ماري:

هل لنا أن نختم جلستنا التي أتعبنا فيها العم محمود بسؤال أخير لتكون خاتمة جلستنا مفيدة لنا جميعا.

محمود:

بالطبع، ممكن.

ماري:

عن إذن الإخوة والأخوات فإنهم لم يسألوا ولذلك سمحت لنفسي بأن أسأل؛ سؤال أتمنى أن يلقى موافقتهم جميعا. هناك اهتمام غريب في القرآن الكريم ببني إسرائيل. الاهتمام كما أرى ليس دينيا وليس باعتبارهم أو باعتبار أكثرهم يهودا يتبعون التوراة. كما أننا لا نجد نفس الاهتمام بالمسيحيين الذين يتبعون التوراة إضافة إلى كتاب الله تعالى المحدث بعدها وهو الإنجيل. فما السبب؟

فريجا:

أظن بأن الموضوع مهم جدا بالنسبة لي أنا لأنني فلسطينية وأعاني أنا وأهلي من بطش بني إسرائيل.

محمود:

أنا لا أحب أن أتطرق كثيرا للقضية الفلسطينية من واقع القرآن الكريم. كما أظن بأن هناك حلا قرآنيا لو صدق ظني فإنه الحل الذي سوف يُفرض يوما على الفريقين المتحاربين في أرض فلسطين. يكفينا اليوم أن نقول بأن اليهود يظلمون أهلينا ومن حقهم أن يدافعوا عن أنفسهم وأن يستعيدوا الأرض التي اغتصبها منهم الإسرائيليون ظلما وعدوانا.

لكنني سوف أرد على سؤال ماري فقط. وفي البداية دعني أقول لكم بأن بني إسرائيل يجب أن يبقوا حتى نهاية الحياة في هذا الكوكب كما أحتمل. قال تعالى في سورة الأعراف: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (167). ألا تدل الآية الكريمة بأنهم باقون حتى يوم القيامة ليسوموهم سوء العذاب؟ فلو زالوا فلا معنى بأن يسلط الله تعالى على بني إسرائيل من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة. ولهذا السبب أرجو ألا يفكر أحد في رمي بني إسرائيل بالبحر.

ويقول سبحانه في سورة الإسراء: فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104). فهناك وعد لهم من يوم أن أغرق الله تعالى فرعون وقومه في اليم بأن يعودوا إلى الأرض لفائف. يعني على شكل جماعات من كل مكان. والأرض هي الأرض المقدسة وليست مصر. ذلك لأنهم كانوا في مصر ويريد فرعون أن يبقيهم في مصر ولكن موسى كان يريد أن ينتقل بهم إلى أرض أخرى قريبة من الأرض المقدسة. وهم فعلا قد عبروا البحر إلى الجانب الآخر ثم عاد البحر إلى الحالة العادية كما كان وأزيل اليبس الذي أوجدته العصا في الظاهر. وكل الحكايات بعد ذلك تتحدث عن أن المؤمنين انتقلوا مع موسى خارج مصر. الذين بقوا في مصر من بني إسرائيل هم الذين كانوا في خدمة القصور الفرعونية، وهم الذين ورثوا جنات الفراعنة لفترة طبعا. هم كما أظن يمثلون غير المؤمنين من بني إسرائيل.

وما نراه اليوم هو أنهم جاؤوا لفيفا من كل مكان وسكنوا قريبا من القدس. لو كان المسجد الأقصى هو نفس المسجد الموجود في القدس وأنا أحتمل ذلك فإن الفلسطينيين سوف يبقون في القدس الشرقية وهي القدس الأصلية حتى لو تمكن اليهود من إبعادهم اليوم. قال تعالى في نفس سورة الإسراء: إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ ِلأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (7). هذا باختصار بعض أحوالهم.

والآن نسعى لنفهم السر في اهتمام رب العالمين ببني إسرائيل. كلنا نعلم بأنها هي أقدم أسرة بشرية في الأرض عمرها أكثر من أربعة آلاف عام منذ أيام إسرائيل عليه السلام. ولننظر إلى حكاية أخرى من القرآن الكريم لنعرف بعض السر في هذه العائلة الكبيرة. قال تعالى في سورة المائدة بعد بيان حكاية ولدي آدم الذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما فقتله الأخ الآخر: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32). ما هو ارتباط بني إسرائيل بولدي آدم؟ الحقيقة أن التشريع المرسل إليهم هو أول تشريع سماوي كامل إلى الجن والإنس. وكل الحكايات من موسى ومن بعده من الأنبياء تتحدث عن بني إسرائيل باعتبارهم الأسري وليس باعتبارهم يهوداً. وللمزيد من العلم فإن هناك أمرا علميا آخر لا يسعنا بحثه وباختصار فهو أن القيامة لا تقام على أساس ما فعله الناس فقط بل على أساس ما فعلوه مع ملاحظة أحوالهم ومشاكلهم وقدراتهم التطورية وارتباطهم بالكتب السماوية كما أن الله تعالى سوف يطبقهم على بعضهم البعض ويسمي تلك العملية بالشهادة في القرآن الكريم. الشهادة هناك بمعنى النموذج في عرفنا الحديث، والعلم عند المولى عز اسمه.

السؤال ليس عن موضوع بسيط وأنا أسعى لتبسيط الجواب ما أمكن فلا تلوموني.

الحاضرون بقيادة ماري:

نحن متشوقون لمعرفة الحقيقة القرآنية ولا لوم عليكم حضرة العم.

محمود:

قال تعالى بعد بيان حقيقة بقائهم حتى يوم القيامة في سورة الأعراف: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174). لنلاحظ واو العطف قبل الآيات الكريمة فهي معطوفة على حكاية بقاء بني إسرائيل تقريبا. الحديث في هذه الآيات لبيان أن الأسر التي نراها لا ترث كل شيء من آبائها بل هناك فصل طبيعي بين الأب وابنه من البداية أي من قبل أن تتم المواقعة بين الأبوين. والسبب في ذلك ليمنع سبحانه من القول بأننا ورثنا الشرك من آبائنا.

فهناك اهتمام سماوي كبير لبيان أن الأبوة والبنوة الطبيعية الضرورية في هذا الكوكب لا تؤثران في حقيقة الإنسان. ولذلك نرى بأن الله تعالى أقام اختبارين عظيمين متشابهين في هذا الكوكب: أحدهما اختبار أسري واسع لبني إسرائيل وإنزال التوراة عليهم والآخر اختبار غير أسري على أساس القوانين والتشريعات فقط للأمة الإسلامية وإنزال القرآن عليهم بدون الاهتمام بأسرهم. هذان اختباران أسري وغير أسري لمشاهدة تأثر الأمم بالأسر والفرق بينها وبين تأثرهم بالقوانين والعقود.

أظن بأن الله تعالى سوف يثبت للأمم بأن الاختبار غير الأسري كان أكثر توفيقا من الاختبار الأسري ولذلك فإن الأبناء لم يرثوا عقائد الآباء وإنما ورثوا بعض الصفات الطيبة من آبائهم. والعلم عند المولى.

ماري:

ليس الموضوع سهلا قابلا للاستيعاب في جلسة واحدة ولكنني مقتنعة الآن بأن هناك حكمة عظيمة لتكوين الأسرة الإسرائيلية من سلالة إبراهيم وتكوين أسر من نفس إبراهيم غير مهتمة بالأسرة إلا قليلا ولكنها مهتمة بالقوانين السماوية.

يبدو بأن القيامة ليست قيامة بسيطة كما يتصورها الكثيرون فهي قيامة شديدة التعقيد ولا يشعر بها إلا الذين يفكرون في سياسات رب العالمين جل جلاله. ولكن بقي في ذهني سؤال بسيط أتمنى أني يكون جوابه بسيطا أيضا.

محمود:

تفضلي يا ماري.

ماري:

أين الذين يسومون الفلسطينيين سوء العذاب اليوم بعد حكاية الهولوكوست المؤلمة؟

محمود:

هل ترين بأنهم يعيشون الهناء وهم حريصون أشد الحرص على الحياة الدنيا وفي كل ساعة يتوقعون هجوما فلسطينيا عليهم؟ إنهم معذبون فعلا ولا يشعرون بالأمان على الرغم من أنهم يملكون الكثير من المقومات الصناعية والتجارية والزراعية والعسكرية.

ماري:

شكرا يا عم محمود.

الجميع:

شكرا يا عم محمود وشكرا يا ماري وشكرا يا كاترين ونتمنى لك ولعلوي حياة سعيدة طيبة بجوار بعضكما البعض.

يتبع: مفاجأة سارة لماري!

أحمد المُهري

6/7/2019

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/


الإعلانات

يوسف أيها الصديق ح 17 – ملة إبراهيم وخطأ يوسف


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 17 – ملة إبراهيم وخطأ يوسف

نستكمل مع الآية:

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

المقطع :

إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون

عرفنا معنى المقطع الكريم وعرفنا بأن الواو قبل “هم” الأولى هي للحال ويعني حال كونهم كافرين بالآخرة. وتكرار “هم” ضروري حتى لا يلتبس على القارئ موضوع عطف “هم” الأولى على عدم إيمانهم الصادق بالله تعالى.

حينذاك سوف يكون المعنى بأنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله كما يكفرون بالآخرة ولكن مقصود الآية أن تقول بأن عدم الإيمان بالآخرة نتيجة حتمية لعدم الإيمان الحقيقي والصحيح بالله تعالى.

وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴿38﴾

هنا يكمن الخطأ الأكبر ليوسف برأيي. ذلك الخطأ الذي سلبه تلك العناية الخاصة التي ملأت حياته روعة وعلما وقرارات حاسمة ورائدة، وكان أجلاها في ذلك التقدير الدقيق لوصول العزيز في اللحظة الحاسمة قبل أن يقع يوسف فريسة سهلة في أحضان المرأة الماجنة.

(وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه، هو برهان الربوبية وليس برهان الألوهية). هنا وفي هذه اللحظة خسر يوسف شيئا كبيرا فلم يعد من عباده المخلَصين (بفتح اللام).

هنا وفي هذه اللحظة فُتح الباب على مصراعيه للشيطان ليضاعف الغرور الذي تمثل به أخونا الكبير يوسف بن يعقوب حفيد إسحاق وحفيد إبراهيم. إنها مشكلة كل أو غالبية بني إسرائيل. وسنرى في آخر المطاف وبتحليل بسيط أن إسماعيل الذي أبعده ربه عن التحفظات العائلية المورثة للكبرياء قد فاز على يعقوب الذي بنى أسرة عريقة كبيرة متمثلة في أولاده وأحفاده. حرية إسماعيل تغلبت على محافظة إسحاق.

ولعل أول من اهتم بالتحفظ العائلي هو ابنه يعقوب المعروف بإسرائيل. ولا يفوتنا هنا أن نلفت إلى أهمية الالتفات إلى ما يحكم علاقات اتباع الأديان الثلاثة من كراهية وشحناء فيما بينهم ونسعى جميعا الى إصلاحه ومحاولة القبول بالعيش المشترك في هذه الحياة الدنيا سيما وأننا نعود في الأصل الى جذور واحدة ونكون معا هذه العائلة البشرية الكبيرة. 

أضاف يوسف بأنه اتبع ملة آبائه وذكرهم بالاسم و هم إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وكما عرفنا فإن اتباع الملة لا تعني أن يقلد أحدا بل يسير على الخط العام لهم.

إنهم مشوا على درب التوحيد خاضعين لله ناسين غير الله تعالى ولكن سار كل واحد منهم بطريقته والتزم بمناسكه الخاصة. إن كل إنسان يعيش في محيط خاص به ومع أسرة ترتبط بكيانه الشخصي وكل مجموعة من الأسر يعيشون في وطن يخصهم ويحتضنهم ويساعدهم ليهنئوا ويؤدوا واجباتهم بسلام. وإن كل مجموعة من الأوطان تدين بدين وتؤدي واجباتها تجاه ربها ضمن إطار خاص بتلك المجموعة.

 فليس من الضروري أن يلبسوا جميعا مثل بعض أو يأكلوا ما يأكله الأكثرية أو يركبوا نفس المراكب أو يبنوا بيوتا على طرز واحد . 18

إن يوسف رجل مؤمن طيب القلب وفي غاية الخضوع والخشوع لله ولكنه مبتلى بما ابتلي به بنو إسرائيل من كبرياء. إنه بحاجة إلى أن يبقى فترة في السجن ليتطهر نفسيا ويشعر بالتواضع مع بني البشر فيترك كبرياء بني إسرائيل ثم يتأهل للنبوة.

أظن بأنه لهذا السبب بقي بأمر ربه وبتقديره الكريم سبحانه بضع سنين في السجن. لكن هناك نظاما ألوهيا يجب مراعاته لتبرير بقائه الفعلي في السجن. هذه العنجهية محفورة في قلوب بني إسرائيل قاطبة فهل يقدر الله تعالى لهم جميعا السجن؟

وحتى لا نظلم يوسف فإن موسى عاش فقيرا يخدم الغير عدة سنوات حتى جاء على قدر فمن صالح يوسف أن يعيش فترة في السجن ليأتي على قدر.

(هامش 18:  وهكذا ليس معنى هذا التشابه في الملة أن يطلقوا جميعهم اللحى مثلا كما يظن بعض المؤمنين. لو كان كذلك فإن النساء سيكن عاجزات عن اتباع ملة إبراهيم! وقد أمر الله تعالى المسلمين كما أمر أهل الكتابين السماويين من قبلهم أن يتبعوا ملة إبراهيم.

ملة إبراهيم تتميز بتوحيد الألوهية والخلوص لله وحده وليس شيئا آخر وهو المطلوب. فإبراهيم كان موحدا وهو في قصور العراق كما كان موحدا وهو مطرود إلى المجهول كما كان موحدا في الأرض المقدسة وموحدا أيضا في المدينة المحرمة. كذلك كان إسحاق وكذلك كان يعقوب وهما لا يعيشان حياة مشابهة لحياة إبراهيم.

وها هو يوسف يتبع ملة إبراهيم تحت عناية أبويه، يتبعه في الجب المظلم ويتبعه مسروقا بين يدي تجار مصر ويتبعه عبدا في قصر العزيز.

إنها ملة إبراهيم التي جعلته يطيع سيدة القصر في كل شيء مشروع ولكنه وقف أمامها ممتنعا عن الاستجابة حينما طلبت منه الفاحشة. قال تعالى في سورة البقرة:

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131).

فاتباع ملة إبراهيم يعني أن يسلم لرب العالمين كما أسلم إبراهيم وجهه له سبحانه وتعالى وليس أمرا آخر.

اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو يلبس ملابس الكنعانيين البسيطة كما اتبعه وهو يلبس ديباج القصور المصرية الفاخرة. اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو يعيش في أسرة النبوة كما اتبعه وهو عضو في أسرة مشركة. اتبع يوسف ملة إبراهيم وهو حر طليق كما اتبعه وهو في ظلمات الجب أو في سجن مصر. قال تعالى في نفس سورة البقرة:

وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135).

 فإبراهيم أسلم إيجابيا لربه ومال عن قومه وترك شرك المشركين.

أظن بأن ربنا الرحيم قد وضح الملة الإبراهيمية بكل دقة وأزال كل غموض عن كيفية اتباع ملة إبراهيم. والمطلوب لكل من أتى بعد إبراهيم أن يتبع ملة إبراهيم لا غيره. وبعد حوالي 3000 سنة من يوسف عاد القرآن ليأمر محمدا بأن يتبع ملة إبراهيم أيضا.

لكن يوسف أضاف إسحاق ويعقوب على إبراهيم ليكبر أسرته. لسان حال يوسف بأن بني إسرائيل هم الصفوة الخيرة المتفوقة على بقية الناس فعلى الناس أن يحذو حذوهم. بل لسان حاله أن بني إسرائيل وحدهم يسودون الناس فعلى الناس أن يأتمروا بأمرهم.

إن وجود أمة مؤمنة مثل بني إسرائيل هو فضل من الله تعالى على بني إسرائيل وعلى الناس جميعا! نسي يوسف بأنه هناك في السجن لأن أولاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب من غير أمه قد أرادوا لأخيهم الموت فكيف يتعاملون مع بقية الناس؟! هل ذلك من فضل الله على بني إسرائيل وعلى الناس يا أخانا يوسف؟!.

 لقد ذكر لنا القرآن بأن يوسف فضل نفسه وأسرته على الناس ولم يقل بأن أولاد إسماعيل بمن فيهم نبينا محمدا قد فضلوا أنفسهم على الناس.

الحقيقة أن كل المسلمين يشعرون بأن محمدا هو صاحبهم وأخوهم الكبير ولكن لا زال اليهود بعد انبعاث نبي عظيم غير إسرائيلي وبقوة كبيرة، لا زالوا يعيشون الخيال والظن الإسرائيلي الجاهل الذي ورثوه من بني يعقوب.

والله تعالى لم يرفع أمة على أمة ولا إنسانا على إنسان بالوراثة. قال تعالى في سورة النحل:

 وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93).

وقال سبحانه في سورة الحجرات:

 يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13).

وقال تعالى في سورة الكهف مخاطبا خاتم النبيين:

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110).

لا يمكن توقع أن يفضل الله تعالى أحدا على أحد وإنما تقتضي ضرورات الابتلاء الإلهي أن يكون هناك تشابك غريب في أوضاع الناس لا تتجلى فيه حقائقهم وحقيقة فضل بعضهم على بعض. فالله تعالى أتاح لأبي سفيان أن يكون حاكما ويكون محمد تحت حكمه ردحا من الزمن كما جعل موسى يعيش عقودا تحت حكم الاقباط وهكذا.

وحينما أراد الله تعالى إرسال موسى إلى المصريين فإنه سبحانه قدر له أن يعيش حياتين إسرائيلية وقبطية ثم قدر له أن يعيش عقدا من الزمان بعيدا عن بني إسرائيل وبعيدا عن فرعون مصر الكبير.

هكذا جاء موسى على قدر بعد ما فقد هويته الإسرائيلية المحضة وأصبح قادرا على استيعاب الغير. إنه أُمر أن يبلغ فرعون والأقباط قبل بني إسرائيل ليعلم ويستيقن بأن الله تعالى الذي أرسله هو رب العالمين وليس رب بني إسرائيل فحسب.

لكن أباه يوسف الذي عاش الظلم الذي أورده عليه أبناء إسرائيل المباشرون في غيابت الجب والذي عاش الرق ولم يزل عبدا وهو في السجن فإن العنجهية الإسرائيلية لم تفارقه.          نهاية الهامش 18. )

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف أيها الصديق ح 14 – صاحبا السجن 1


Shepherds are looking what has happened in Bethlehem.

تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 14 – صاحبا السجن 1

حكاية هذا السجن دنيويا كان بأمر وزير فرعون فسوف يكون سجنا سهلا؛ وأما حكايته غيبيا فكان من تقدير رب العالمين لينجي عبده الطيب فسوف يكون سجنا سهلا أيضا. فالله تعالى استجاب دعاء يوسف بسجنه إكراما ليوسف ولكنه سبحانه جعل له سجنا هينا من السجون الخاصة عطاء منه سبحانه. نعمّا أنت يا ربنا دام عطاؤك ودام خضوعنا لك وحدك لا شريك لك.

وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿36﴾

غريبة حكاية هذين الشابين الذين دخلا مع يوسف السجن. فهما بالتأكيد سُجِنا بأمر ممن هم مثل العزيز أو أعلى منه رتبة في الدولة. وأحدهم بالتأكيد مرتبط بالملك لأن يوسف قال له بأنه سوف يسقي ربه خمرا ثم أصبح ساقي الملك. ذلك يعني بأن الملك هو ربه حينما دخل السجن.

ومن أكبر مشاكل المفسرين أنهم ظنوا بأنهما كانا في حيرة من تأويل مناميهما والواقع غير ذلك. فالآية تنبؤنا عنهما بأنهما طلبا تأويله وهما منامان وليسا مناما واحدا. ثم إن يوسف بعد أن فسر لهما المنامين قال: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.

والمفسرون ظنوا بأن يوسف لبى طلبهما بتأويل مناميهما فلو كانوا مصيبين لسمعنا يوسف يقول: قضي الأمران وليس الأمر.

ثم كيف تمكن يوسف من أن يقول بأن الله تعالى قد قضى أمرا وهو لا يعلم الغيب؟ في الحقيقة لا يمكن تفسير سورة يوسف ولا آياتها قبل أن يتصور المرء المشهد ويتواجد مع أصحاب الشأن في المكان والزمان ويخلق لنفسه الحالة التي كانوا فيها ليعلم حقيقة الأمر.

والذي يزيد من صعوبة فهم القضية أن يوسف أسرع في وصف قدرته على تفسير الغائب وبيان إيمانه وإيمان آبائه وسعى لتخويفهما من عبادة غير الله تعالى ثم فسر الرؤيا وأعقبها ما قاله بشأن الأمر وهو غير المنامين.

فلنبدأ بتصوير موقف صاحبي السجن. كان أحدهما من خدم الملك وكان يوسف من موظفي قصر الوزير فكان الثالث دون شك يعمل لدى ذي شأن مثل ربَّي عمل يوسف مع الصاحب الأول. فالسجن كان سجنا خاصا لمن هو مرتبط بالسلطة. كان السجن سجنا تأديبيا لا يحتاج المسئول في إدخال من يشاء فيه إلى حكم قضائي. نعرف ذلك لأننا رأينا يوسف لم يتمكن من أخذ أخيه عنوة من إخوانه دون تدبير قضية السرقة. هذا يعني بأن هناك قانون صارم يحكم أرباب السلطة، إذ كان يوسف آنذاك وزيرا أقوى من الذي كان في بيته بأن نزهه الملك نفسه ودعاه ولم يأت يوسف في أول دعوة بل أتاه بعد أن أثبت براءته من كل ما نُسب اليه من تهمٍ كانت لا تهم الملك. لكن يوسف أراد أن يدخل بكل نزاهة فكسب المزيد من القوة على زملائه الوزراء.

متى عرضا قصتهما على يوسف:

مما لا شك فيه أن الثلاثة دخلوا السجن معا أو في يوم واحد لقوله تعالى: ودخل معه السجن فتيان. وواضح أنهما لم يتعرفا على يوسف قبل ذلك. وضروري أن نعرف بأن خدم كل قصر من قصور أرباب السلطة قلما يتعرفون على خدم قصر آخر. وهذا طبيعي فإن ذوي الشأن يزورون بيوت بعضهم البعض ولكن خدمهم لا يزورون إلا أهليهم ويندر أن يتعرف خادم غريب على خادم في قصر آخر. هذا ما يسعى المسيطرون تحاشيه دائما حتى لا تنتقل أسرارهم بين خدم القصور بسرعة وبكثرة.

فبقيا فترة ولو قصيرة دون أن يذكرا شيئا ليوسف حتى اطمأنا إليه وعرفا بأنه من المحسنين. يمكن لنا تقدير مثل هذا الزمان لأن اعتبار الشخص محسنا مؤمنا وهو يعمل في قصر المسرفين أمر غير عادي وغير طبيعي. ولذلك فأحتمل بكل شدة أنهما رأيا رؤييهما في السجن بعد أن تعرفا على يوسف، لكنهما تداولا الرؤيتين بينهما قبل عرضهما على يوسف.

وسوف نعرف المزيد لنضمن صحة هذا الاحتمال قريبا. والرؤيا أمر يراه الشخص نفسه ولا يعرف عنه الآخرون شيئا وهو يحتاج إلى معرفة للشخص الذي يعرض عليه قصته. فهما كانا صديقين قبل دخولهما السجن وقد أباحا قصتي رؤييهما لبعضهما البعض لأنني احتمل بانهما قاما من النوم مذهولين في ليلة واحدة.

هناك مسألة جلبت انتباههما وهو أن الأول رأى الشراب في النوم والثاني رأى الطعام. ثم إنهما لم يتمكنا من الربط بين المنامين اللذين تراءيا لصديقين في وقت واحد.

لابد أنهما استبشرا بحلميهما خيرا وفسراه بالخير ولكنهما تعجبا من ذلك التوافق الغريب. حلمين لسجينين في وقت واحد أحدهما شراب والآخر طعام! ولذلك قررا أن يعرضا هذا التوافق الغريب على الذي رأوه وشعروا به شخصا محسنا يصعب رؤية مثله في القصور الملكية لعله يعرف أمر الارتباط بين مناميهما.

ارتباك يوسف عند سماع المنامين :

إن كان صاحباه قد تعجبا من ذلك التوافق الغريب فإن يوسف قد تعجب أكثر منهما، تعجبا بلغ حد الارتباك، بنظري.

ذلك لأنه عرف بأنهما أخطآ فعلا في تفسير مناميهما قبل كل شيء ثم إن المنامين الغريبين حصلا بتوافق ملفت مع دخوله هو السجن إضافة إلى ما يحيط بشخصه من غرابة بالقياس مع بقية نزلاء مثل هذه السجون الخاصة.

رأى بأن توافق هذين الحلمين مع دخوله السجن وبعد أن عرف الفتيان بأنه رجل مؤمن هو الطريق الذي سيحقق منامه هو الذي رآه في بلده وبين أهله بالأرض المقدسة أو بأرض كنعان.

إنه تأكد من ارتباط الرؤيا به هو، فارتبك في كيفية عرض الارتباط عليهما أيضا. تخيل، إنسانا ينتظر أمرا منذ سنوات ثم يرى نفسه مقتربا من الهدف عن طريق شخصين تعرف عليهما محبوسين معه وهما يظنان بأنهما يحملان خبرا غيبيا لنفسيهما! وهو يعرف بأن من غير المتاح له نقل ما يفهمه من الحادث الجديد بالكامل، كما لا يجوز له أن يكذب.

وسنرى حينما نحلل مقولته أنه عليه السلام بنفسه لم ينج من الوقوع في خطأٍ غير هيّن حين التحدث إلى صاحبيه في السجن. وقد عوقب عقابا تأديبيا أو تهذيبيا على أساسه، لأن ما ذكره يمثل نوعا من الصبغة النفسية التي كان يوسف مبتلى بها وتَحُول دون أن يزكي الله تعالى صاحبها قبل أن يصير لائقا فعلا لحمل رسالة ربه.

ويبدو أن يوسف سمع منهما تفاؤلهما المشترك بما رأياه في نومهما وبأنهما سوف يديران أو يملكان أو يكونان مسؤولين عن مشروع غذائي أو تجاري كمصنع للخمور أو إدارة الغذاء والشراب في قصر مثل قصر الملك احتمالاً. ذلك لأن الطعام الذي يرتزقه الإنسان لا يمكن أن يمثل طعام السجن . 14

( هامش 14 :   وسوف نتعرض لمفهوم الرزق ثم مفهوم الطعام في القرآن باختصار هنا ليتجلى للقارئ حقيقة الآية التالية فيمكننا تحليل كلام النبي يوسف بدقة ودراية.

لست بصدد الرد على من يظن بأن الرزق معناه الغذاء الذي نأكله، فلا أظن أن مفسرا محققا أو عالما لغويا يجهل بأن الرزق أعم من الطعام.

قال الراغب في المفردات: الرزق يقال للعطاء الجاري تارة، دنيويا كان أم أخرويا، وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة. يقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علما، قال: {وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت} [المنافقون/10]، أي: من المال والجاه والعلم، وكذلك قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة/3]، {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة/172]، وقوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة/82]، أي: وتجعلون نصيبكم من النعمة تحري الكذب. انتهى كلام الراغب.

وفي لسان العرب: والأَرزاقُ نوعانِ: ظاهرة للأَبدان كالأَقْوات، وباطنة للقلوب والنُّفوس كالمَعارِف والعلوم؛ انتهى ما أردت نقله من ابن منظور.

هذا ما قاله اللغويان المعروفان ونكتفي بهما ونذهب إلى القرآن نفسه لنعرف كيف استعمل القرآن كلمة الرزق. وبما أننا نريد الاختصار في هذا التفسير الجزئي المجمل لسورة يوسف فسوف لا أذكر موارد الرزق بمعنى الغذاء في القرآن لوضوحه ولكن يهمني أن يعرف القراء بأن الرزق في القرآن أعم من الأكل أو الطعام وغيره.

1.      قال تعالى في سورة آل عمران:

 فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37).

من الواضح أن الرزق هنا ليس هو الطعام. ذلك لأن المحراب ليس مكانا للطعام بل هو مخصص للعبادة أولا. والدليل الثاني بأن مريم كانت تحتاج إلى سفرة الأكل لحظة الولادة وهي في مكان غير المحراب ولا إشكال من الأكل هناك فأين المائدة اليومية كما ظنوا؟ إنها تئن من آلام الولادة والروح القدوس على لسان ولدها يقول لها: هزي إليك بجذع النخلة. فعليها بأن تسعى وتتعب لتحصل على الأكل ولو قليلا. هذا هو نظام الربوبية ولا يمكن تخطيه. ولو نفتح قلوبنا وعيوننا فسنرى بأن زكريا تعلَّم منها شيئا يفيده للدعاء ولذلك ذهب ليناجي ربه فورا حتى يجني ثمار دعائه. قال تعالى بعدها:

 هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38).

         ونرى بجلاء أن زكريا دخل الصلاة ليستفيد من تعليمات مريم. قال تعالى بعد الآية السابقة:

            فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39).

         فالرزق المقدم لمريم هو رزق علمي وليس طعاما أو غذاء كما تصوره البعض.

2.      قال تعالى في سورة آل عمران:

وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169).

 لنتصور الذين قتلوا في معارك بحضور أنبيائهم ولينصروا ربهم فهم مقتولون حقا في سبيل الله. إنهم ماتوا وتركوا أبدانهم بما فيها أفواههم وبطونهم في الدنيا وانتقلوا بأنفسهم عند ربهم كما ينتقل كل الموتى. فكيف يأكلون الطعام هناك؟ إنهم ليسوا في جنات النعيم التي لم تُخلق بعد وقد وعد الله تعالى بأن يخلقها بعد أن يهدم الكون ويعيد بناءه ليعطيه القدرة على البقاء الأبدي كما وعد في القرآن. والواقع بأنهم يُرزقون الأمان هناك والموتى أحوج ما يكونون إلى الشعور بالسلام والأمان. قال تعالى بعدها موضحا هذا الموقف:

فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170).

فالرزق هنا هو الأمان وليس الأكل.

3.      قال تعالى في سورة هود:

قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ َلأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88).

فالرزق الذي يتحدث عنه رسول الله هو الرزق العلمي وليس المال ولا الأكل ولا أية مادة أخرى. إنه بعلمه وهداه يدعو غيره وليس بالطعام ولا بأي رزق مادي آخر.

4.      قال تعالى في سورة النساء:

وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيمًا (39). والرزق هنا هو المال وليس الطعام المعروف الذي نأكله.

5.      قال تعالى في سورة المائدة:

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً ِلأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114).

 لقد أضاف المسيح طلب الرزق على طلب المائدة. والمائدة هي الطعام هنا لأنهم طلبوا ذلك في الآية السابقة:

إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113).

ولكنهم طلبوا ذلك رجاء اطمئنان قلوبهم وأن يزدادوا علما بصدق نبيهم. إنهما من مراحل الهدى فطلب المسيح من ربه أن يهديهم بعد أن يهنئوا بالمائدة السماوية. فالرزق هنا بمعنى الهدى.

6.      قال تعالى في سورة الحج:

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59).

هؤلاء أيضا مقتولون أو ميتون لا يملكون أبدانا يأكلون وقد وضح الله تعالى رزقهم في الآية الثانية بأن ربهم سوف يدخلهم مدخلا يرضونه. ذلك بأنهم سوف يشعرون بنوع من عدم الراحة النفسية بأنهم لم يحاربوا ولكنه تعالى سوف يحشرهم مع المقاتلين في سبيله. سيشعرون بأنهم لا يستحقون ولكنه سبحانه يعدهم بأنه من كرمه يُدخلهم مدخلا يرضونه. إنه الرحيم فعلا وسوف يُدخلهم يوم القيامة الجنةَ دخولا مرضيا لقلوبهم حتى لا يشعروا بأنهم لا يستحقون تلك الدرجات العلا. ولا مجال هنا طبعا لنشرح الموضوع أكثر من ذلك. والله العالم.

7.      قال تعالى في سورة الروم:

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28).

والرزق هنا هم الخدم أو ما يعرف بالعبيد الذين ملكتهم أيمانهم.

وأما الطعام في القرآن فهو أيضا لا يُطلق دائما على الأكل بل هو في الواقع ما يقوي الإنسان أو أي شيء آخر. وبهذا الاعتبار يسمى طعاما. كما سنعرف من هذا البحث القرآني المختصر أيضا:

1.      قال تعالى في سورة البقرة:

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249).

لقد فصل طالوت بين من يشرب الماء قليلا ليسد عطشه وبين من يطعم الماء. فيقصد بالطعام هنا أن يتقوى الإنسان بالماء ويروي عضلاته بالكامل. وليس الماء غذاء لمعدة الإنسان في الواقع، لكنه يعتبر مروحا و منشطا للعضلات.

2.      قال تعالى في سورة يس:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (47).

ويقصدون به أنهم يكرهون تقوية من لم يشإ الله أن يقويه ماديا عاما وليس غذائيا فقط.

3.      قال سبحانه في سورة الأنعام:

 قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (14). قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15).

 فهل الله تعالى موجود قابل للطعام الغذائي حتى يُطعم؟ وما ارتباط الطعام الغذائي باتخاذه سبحانه وليا؟ والواقع أن الله تعالى قوي يقوي غيره ولا يتقوى بغيره. ولذلك فهو خير ولي لمن يعقل ذلك. فيقول النبي بأنه يأبى أن يتخذ غير القوي القاهر الذي فطر السماوات والأرض بقوته دون أن يحتاج إلى من يمنحه القوة، سبحانه وتعالى. ذلك لأن الولي هو القريب الذي يفيدك، فهل هناك خير من الله تعالى الذي يفيدنا ولا ينتظر أن نفيده، ويقوينا ولا يتوقع منا منحه أية قدرة؟ ولذلك فهو سبحانه وحده الجدير بأن يشرع من عنده ما يجب على من وجه إليهم تشريعه العمل به. فكل قدراتنا منه سبحانه ومن حقه أن يأمر وينهى لينظم استفادتنا مما منحنا إياه من قدرات وإمكانات مملوكة له وستبقى مملوكة له وحده ولكننا مخولون بالتمتع بها ضمن نظام وتشريع سماوي. و إن الله تعالى وليس غيره، هو الولي القريب من الرسول ومن كل عبيده والقادر على أن يمدهم بما يحتاجون إليه دون أن يستمد من عبيده شيئا.

4.      قال تعالى في سورة الذاريات:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58).

ويمكننا أن نتعرف على معنى الرزق والطعام من هذه الآيات بكل جلاء. فالله تعالى ليس كائنا فيزيائيا يأكل ولا يصح الحديث عن عدم أكله. ذلك كأن تقول بأن القلم لا يفكر والإنسان لا يأكل الحجر والماء لا يكتب. ولكن يمكن أن يقول أحد بأنه يزود ربه بالمعلومات أو بأنه يساعد ربه ويعطيه المزيد من القوة والقدرة بإضافة قدراته إلى قدرة ربه. فالله تعالى يقول بأنه خلق الجن والإنس ليخضعوا له باعتباره الحق المطلق ولا يحتاج إلى المزيد من العلم لتصحيح أوامره فلا يريد منهم أي رزق وهو يعني أي علم ومعرفة بل هو الذي يمنحهم العلم وذلك في المقاطع التالية من الآيات:

ما أريد منهم من رزق، إن الله هو الرزاق.

ثم يتحدث عن موضوع القوة في المقاطع الأخرى من الآيتين الأخيرتين:

وما أريد أن يطعمون، إن الله… ذو القوة المتين.

فهو سبحانه لا يريد أي تقوية أو تنشيط لأنه هو مالك القوة كلها وهو بنفسه متين لا يعوزه أي إسناد. ويعني بأنه لا يحتاج إلى قوة خارجية لا لذاته القدسية ولا لأفعاله وتصرفاته في خلقه. إنه هو القوي المتين الذي يمد كل الكائنات بالقوة والطاقة. فليس للكائنات إلا الخضوع الفعلي. بالطبع أن ما نراه من عدم خضوع من بعض الإنس والجن فهو باعتبار أنه سبحانه منحهم الإرادة في وجوداتهم ليختبرهم ولكن ماهياتهم خاضعة له سبحانه بالكامل. ولذلك يعتبر الخارجين عن تشريعه ظالمين سوف يحاسبهم فيما بعد كما وضح في الآيات التالية لها وهي:

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60).

والذنوب يعني طويل الذنب ويُطلق عادة على الفرس الطويل أو الغليظ الذنب. وهنا إشارة إلى كلا المعنيين بأن للظالمين تبعات خطيرة تنتظرهم كما تنتظر الذين سبقوهم من الظالمين أمثالهم.

نستخلص مما مضى بأن الطعام والرزق ليسا مقصورين على المأكولات والأطعمة المعروفة بل ليسا مقصورين على الماديات. فالرزق عطاء قد يكون مالا أو ملبسا أو مقتنيات مختلفة أو غذاء أو علما والطعام قد يكون أكلا أو طاقة أو قدرات معنوية أخرى. والفرق بينهما من حيث المصداق بدون قيد هو أن الرزق هو عين الإضافة المادية أو المعنوية ولكن الطعام هو نفسها بإضافة إمكانية استزادة المستفيد منه بالطاقة والقوة. ولذلك لا يمكن إطلاق الطعام على المجوهرات أو المأكولات التي لا تحمل قيمة غذائية ولكن الرزق يشملها جميعا. بالطبع أن العطاء أوسع من الرزق لأنه يشمل الحب والغفران وما في حكمهما أيضا.         نهاية الهامش 14.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف ايها الصديق 13 – امرأة العزيز 4


Shepherds are looking what has happened in Bethlehem.

تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 13 – امرأة العزيز 4

متابعة لما حدث في لقاء النسوة بيوسف حين وصفن يوسف :

وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)

النسوة لم يصفن الملَاك بالعفة بل وصفنه بالكرم. ذلك يعني أنهن وصفن يوسف بأنه كثير العطاء ولا ينتظر شيئا من أحد كالملائكة التي تعطينا وتساعدنا بأمر الله تعالى دون أن تنتظر منا شيئا.

انتهى بيان تأثير يوسف في ضيفات امرأة العزيز وحان دورها لتجني الثمرات. وحينما نحقق في مقولتها هنا نشعر بأنها حينما واجهت يوسف بكل شدة أمام زوجها بعد أن فتح يوسف الباب له، إنما كانت تقول ليوسف بأنه هو الذي خالفها فهو مقصر وليست هي. ثم إنها هي التي مُنيت باللوم الشديد من زوجها كما مُنيت قبل ذلك بالرد القاسي لطلبها من فتاها فتريد أن تستعيد كرامتها التي حطمها يوسف أيضا. ولذلك سمعن منها أنها،

قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ ﴿32﴾

 بدأت بإعادة اللوم عليهن بأنهن خلال ساعة وقعن في حب يوسف فكيف بها وهي تعيش معه سنوات طويلة؟.

لقد تمكنت المرأة العاقلة من إشراك عدد من نساء النبلاء معها في حب يوسف وفي الخضوع لعلمه وأخلاقه وفضائله ومكرماته.

إنهن جميعا شعرن بأنه أكبر من أزواجهن وهذه المقولة عند نساء محدودات الأخلاق ومحدودات الكرامة تعني بأنهن يدعونه ليقابلن عطاءه ولطفه بعطاء من أجسادهن.

تلتزم الغانيات عادة بتفضيل أزواجهن على كل الرجال كما يقوم بعض الرجال أيضا بتفضيل زوجاتهن على بقية السيدات.

هذا يعني بأن اولئك الأزواج من الرجال ونسائهم لا يطمعون في الارتباط بأحد غير شركائهم في الحياة الزوجية. وهذا القول منهن دليل على أنهن سقطن على أعتاب يوسف يطلبن المزيد منه.

ثم أرادت امرأة العزيز أن تستعيد كرامتها من يوسف ولو شئنا سمينا ما تقوم به انتقاما من يوسف.

لقد زال الخوف من قلبها في تلك الجلسة بأن يوسف استجاب لأمرها وجلس في مجلس يخلو من الرجال سواه وأظهر قدراته لكبار نسوة المدينة في غياب أزواجهن.

لسان مقالها ليوسف بأنك لم تستنكف عن الجلوس بين هؤلاء النسوة في جلسة استراحة نسائية ولسان مقالها لهن بأنكن جميعا فضلتم يوسف على البشر بمن فيهم أزواجكن. فاعلموا بأني أنا أيضا قمت بما قمتن به لا أكثر ولكنه أهانني.

أنا الذي راودته عن نفسه فعلا كما فعلتن دون أن ترين منه أي تجاوب وراء إظهار شخصيته المعرفية الكبيرة وإبراز خصائله الكريمة. لكنه استعصم على أنني صارحته بكل حب وإخلاص فأنا أهدده أمامكن بأنه لو لم يستجب لي فسوف أبعثه إلى السجن وأقوم بتحقيره على الرغم مما له من احترام كبير في هذا القصر.

وكلمة استعصم مشتقة من عصم بمعنى مسك. والمقصود بأن يوسف يحتاج إلى أنثى مثلي وليس هناك حب أو غنى أو عجز أو كره لي يمنعه من أن يستجيب لي.

لقد صارحتهن بأن يوسف أيضا يميل إلي ولكنه ضغط على رغباته النفسية فأمسك عن التمتع بجسدي. لم توضح امرأة العزيز السبب في إمساك يوسف نفسه ولعلها لم تعرف ذلك. من الصعب جدا أن نقرأ تفكير امرأة العزيز وتحليلها أسباب امتناع يوسف ولكننا نشعر بأن يوسف كان يلمع بينهن بعظم الشخصية وبكبرياء النفس الأبية.

لقد قال يوسف لها في الغرفة المغلقة عليهما بأنه يخاف ربه وغير مستعد أن يفرط بما أكرمه به ربه مقابل إرضاء شهواته حينما قال:

 معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون.

بل قال يوسف أكثر من ذلك. قال بأنه مغرم بحب ربه فليس في قلبه أي مجال ليحل إنسان محل ربه الذي غمره بكرمه ولطفه. والواقع أن تلك الجمل الثلاث القصيرة التي صدرت من يوسف في وقت لا يمكن معه أن يظن أحد شيئا عدا أنه عليه السلام ترجم أعماق قلبه باللغة البشرية وبأنه أراد من صميم قلبه أن تفهم سيدة القصر بأنه يكرمها ويحترمها ويحبها حبا بريئا ولكنه يجب ربه ويخاف من غضبه.

 والجمل الثلاث خليط فعلا بالحب والخوف بالنسبة للذات القدسية المهابة جل جلاله. هو حال الأنبياء فعلا. قال تعالى في سورة الأنبياء:

 فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90).

كل الأنبياء وكل المؤمنين الصالحين يخافونه ويطمعون فيه، جلَّ الحميد المجيد. ويا له من حميد مجيد.

ولعل امرأة العزيز وباعتبار ضعف إيمانها بالله تعالى كانت تنتظر من يوسف أن يعصي ربه ثم يستغفره كما يفعل عامة الناس. ولعلها كانت تفضل شهواتها على حرمة ربها. ولعلها فقدت عقلها ووعيها أمام أنانيتها وشعورها غير المنطقي بالكبرياء فهددت يوسف الطيب الوديع العالم المؤمن الذي لا يسرف على نفسه أبدا بالسجن.

لقد وقعت المرأة الذكية في ضلال حقيقي وابتعدت كثيرا عن المنطق كما ابتعدت عن ربها الذي أكرمها بكل ما بيدها من ترف وغضارة عيش.

كان عليها أن تقول بأنها أرادت من يوسف أن يستجيب لها باعتبار أنها دعته للمتعة وليس للعنت، ولكنها تحترم اهتمام يوسف بربه وتعتبر ذلك حسنا آخر من محاسن يوسف.

أما تهديدها بالسجن فهو منتهى الأنانية ودليل على الضياع في الهوى وعلى فقدان مستمسكات الشرف والوقار.

المهم أنها استأسدت على نساء المدينة بعد أن أوقعتهن في حب يوسف وخدعتهن ليظهرن هذا الحب أمامها وبمرأى بعضهن البعض فأخمدت أصواتهن ولذلك باحت بالكثير مما يجول في خواطرها دون حذر. من الطبيعي أن يسكتن كلهن عنها بعد أن تلاشى كيدهن وتجلى كيد امرأة العزيز في تلك الجلسة.

لكن يوسف النبي العزيز ازداد خوفا وهلعا إثر ازدياد العاشقات من النساء الغانيات اللاتي لا يمكن له أن يستجيب لشهواتهن باعتبار الحرمة الشرعية والحرمة الخُلُقية والإنسانية.

ولذلك توجه إلى سيد الكائنات ملتمسا رحمته بربوبيته المرنة المحببة إلى قلوب المؤمنين فارتفعت زفرات قلبه إلى السماء وهو جالس بين المتنافسات بالحب والقدرة والمغمورات بحب الدنيا وبدون صوت أو لغة ولكن بقلب مملوء بالخوف والرعب من الله تعالى فـــ

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴿33﴾

وإن أجمل شيء بين العبد وربه أن يعترف المرء بضعفه أمام سيده ومولاه ليستدر رحمته. فيوسف بشر وشاب وليس هناك امرأة تستجيب لصبابة شبابه وتخفف من هيجان الشهوات في قلبه فتكون لباسا له وسترا على نزواته الطبيعية.

يوسف يعرف بأن ربه يعرف عنه ذلك فرأى بأن أحلى وأكمل الدعاء أن يفرغ قلبه لرب العالمين ويعترف أمامه بانهيار قدراته.

واللطيف في دعاء يوسف وتوجهه إلى ربه هو أنه لم يتحدث عن الضغوط البدنية والنفسية الأخرى عليه بل تقبلها بقوله العاطفي المثير للرحمة:

رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه.

والغريب أنه استعمل كل ذكائه وعبقريته حينما توجه إلى ربه فلم يصر على السجن كما يفعله بعض السذج ولم يعين لربه كيفية النجاة بل أراد أن يبدي لربه بأن السجن الذي يخوفونه به أحب إليه مما يبعده عن رحمة ربه ويدخله في زمرة الآثمين.

ثم وبعد إظهاره للرضا بأي حكم يحكمه ربه حتى السجن فإنه طلب ما يريده بلسان غريب أيضا. لم يقل اصرف عني كيدهن، ليبتعد عن صيغة الأمر بل دعا بصيغة الضعف والحاجة وبأن كل قدراته أشرفت على الانهيار وكل رصيده قارب على النفاد فلو أن ربه لم يسعفه بشحنة روحانية ليصرف عنه كيدهن فإن الضغوط الجنسية سوف تُقطِّع يديه وتدمر كبرياءه فينهار ويصبح أسيرا بين أيديهن.

فذكر لربه ضعفه وطلب منه بكل خضوع أن يصرف عنه مكائد النسوة الطامعات فيه دون أن يحدد كيفية ذلك. لكنه عليه السلام بدأ بذكر أن السجن مقبول لديه ليعترف بحقيقة أن قيود الحرية أحب إليه من انفلات الشهوات ومن الانغماس في الملذات.

لقد ترك يوسف الأمر كله لله تعالى ربه ولم يعين أي طريق محبب للخروج من المأزق.

هذه هي صيغة الدعاء المؤدبة التي يقدمها المؤمن لسيد الكائنات جل جلاله.

على العاقل ألا يُعلِّم ربه بل يعرض عليه مشكلته ويطلب منه سبحانه المساعدة للخروج من الأزمة بالشكل الذي يراه الله تعالى نفسه فيكون دعاؤه مزيجا من التماس الخلاص ومن الرضا بما يقدره الرحمن الرحيم عز اسمه.

و صبا: يعني ترك حرمته وتنازل عن كبرياء الأدب ومراسيم الارتباط المعقول بين البشر وتمثل بفعل الصبيان الذين لا يجدون لما تشتاقه نفوسهم وازعا ولا مانعا.

ولنعلم بأن مثل هذا الاعتراف عيب على الإنسان حتى أمام أقرب الناس إليه ولكنه جميل أمام الله تعالى العالم بالسرائر. فكأن يوسف يقول لربه بأنه يعلم بأن ربه يعلم حقيقته ولكنه يرضى ولا يشعر بأي حرج من أن ينظر إليه ربه ويكتشف مكنون قلبه ويطلع على عمق ضعفه. إنه ربه ومالكه ومن حقه أن يطلع على كل شيء عنده.

لا بل إن لحن القول لدى يوسف يدل على أنه يشعر بحاجته إلى أن يطلع ربه على كل أسراره فهو ضعيف يحتاج إلى عناية ربه ولن تتأتى العناية الصحيحة دون العلم بكل الخفيات فيوسف يشعر بالمتعة أن يراه ربه ولذلك سعى وسيسعى ألا يأتي بما لا يتناسب مع وجوده في مرأى الرحمن جل جلاله.

وماذا ننتظر من رب رحيم وحكيم وسميع وعليم إلا أن نسمع منه سبحانه:

فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿34﴾

لنفتح عيوننا قليلا وندقق بأن الله تعالى يؤكد هنا بأنه سميع عليم. ذلك يعني بأنه سبحانه يعرف ما يحتاج إليه عبده يوسف ويعلم كل القضية فلماذا يستجيب للعبد؟ ثم لماذا لم يقم الله تعالى بدفع الكيد عنه ما دام يسمع ويعلم؟ إنه يساعد كثيرا دون أن نطلب منه ولكنه يزداد رحمة لنا حينما نشكره. قال تعالى في سورة إبراهيم:

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7).

ولو نحلل دعاء يوسف فهو كله تعبير عن الرضا والشكر لله تعالى ولذلك خصه الله تعالى بمساعدة خاصة وليست عامة. إنه يساعد المرء حينما يقع في مأزق بدني أو مالي أو أي ضغط نفسي ولكنه يُبقي عادة كل عوامل الاختبار مفتوحة فعالة لأنه سبحانه يريد أن يختبرنا.

فالذي فعله هنا هو أنه أزال عن يوسف كل أسباب الاختبار واعتبره كمن أدى امتحانه قبل انتهاء أسئلة الاختبار.

إن الأمر الطبيعي في هذه الدنيا هي أن يسقط الأفراد في مثل هذه الاختبارات النفسية لتتجلى حقيقة النفوس ومدى قدرتها على الصمود أمام الشهوات ومدى استعدادها للتضحية في سبيل الله تعالى.

لقد قاوم يوسف مُنزَلَقا فرديا خطيرا بينه وبين امرأة حسناء تحكمه وتأمره بالانقياد لشهواتها ونسيان كل المبادئ. ثم قاوم دعوة جماعية للمزيد من التمتع الجنسي ثم شعر بالانهيار فدعا ربه شاكرا معترفا بالضعف ومقدرا رحمته في أن نجاه من امرأة العزيز كما نجاه ذلك اليوم أيضا ولكنه عليه السلام يرجو ربه أن يوقف هذا الاختبار ولا مانع لديه مما يهددنه به.

والغريب بأن الذي يقاوم أول مرة ضد أمر ما فهو أجدر بأن يقاوم في المرات القادمة مادام في نفس العمر وفي نفس القدرات النفسية التي ينطوي عليها قبل انقضاء ذلك المقطع السِّني والدخول في مقطع سني آخر. لكن يوسف لا يريد المخاطرة على حساب خسارة الإيمان والحب العميق للرحمان وعلى حساب أن تطغى عليه الشهوة فتحل المتعة البدنية محل المتعة النفسية الرفيعة بالتناجي مع خالق الكون العظيم جل جلاله.

ثم إن يوسف اعترف ضمنيا بعلمه وبأنه نال قسطا كبيرا من رحمة الله التعليمية فلا يريد أن ينخرط في سلك الجاهلين فيخسر بعض علمه. إنه يشعر بأنه ينظر ببرهان ربه كما فعل في المواجهة مع استعراض سيدة قصر العزيز لمفاتنها. هذا البرهان هو جزء من العلم الذي أكرمه به ربه فلا يريد أن يخسره. ولذلك أرفق دعاءه بسبب وجيه ومنطقي. إنه سبحانه يحب الشاكرين وكمال الشكر لنعمة العلم أن يسعى المتعلم لحراسة مكارم ربه العلمية عليه. إنه سبب رائع لمثل هذا  النوع من الدعاء فسلام على يوسف.

ولذلك استجاب الله دعاء يوسف بما يتناسب مع صيانة علمه ومنحه المزيد. إن يوسف بحاجة إلى أن يبقى مع الحاكمين ليزداد علما بتأويل الأحاديث و لئلا يبتعد عن ثقافة العصر ليستفيد منها في دعوته إياهم إلى الله تعالى.

وإذا كان موسى قد ابتعد عن قصور الملوك فإنه استعان بربه ليرسل معه أخاه هارون الذي بقي في مصر وكان على علم كامل بالتطورات التي تمت خلال العقد الذي غاب فيه موسى.

وليس ليوسف أخ مرتبط بقصور الملوك ليساعده مثلا مستقبلا حينما يعود إلى القصور لأداء مهمته. فمن الضروري أن يبقى معهم لئلا يخسر تأويل الأحاديث. ولذلك نرى بأن استجابة الدعاء كانت بالموافقة على سجن يوسف في سجن خاص بالطبع.

لقد رأت امرأة العزيز وزوجها كيف تحولا لا شعوريا إلى مدافعين عن يوسف الذي اشترياه من مصر. دافع عنه العزيز ضد زوجته ودافعت هي عنه بشق قميصه من الخلف وهي تؤمن بعبقريتها كثيرا.

ولم تكتف بذلك بل حاولت إغراء نساء المدينة بعظمة يوسف بعد أن أمرته بالجلوس بينهن ولكنه كبر في أعينهن ولم يعبأ بمظاهر الدعوة للمصادقة معه.

لقد أجبر يوسف سيدة القصر أن تعترف أمام نساء الوزراء بأنها هي التي دعته للمواقعة وبأن يوسف هو الذي امتنع عنها. لقد اضطرت المرأة أن تفعل ذلك حتى تُسكت النسوة عن مداولة قصة غرامها من جانب واحد مع يوسف. لقد خرجت القصة إلى نساء الوزراء على الرغم من محاولة العزيز تغطيتها بكل قوة:

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴿35﴾

من الصعب التكهن بمن هم الذين بدا لهم سَجن يوسف ولكن مما لا شك فيه أن العزيز وامرأته كانا فيمن بدا لهم ذلك. وليس مقبولا أن يبعث العزيز الذي أحب يوسف من أول ساعة ودافع عنه حتى ضد زوجته وأصر على أن تستغفر امرأته وتستمر في إكرام يوسف، من الصعب القول بأن العزيز سجن يوسف ليعذبه. لقد سجنوه ليمسحوا العار عن أسرتهم فقط وليس لأمر آخر. لقد أرادوا إبعاده أياما ثم إعادته إليهم لأنهم قد تعودوا عليه ولا يمكنهم الاستغناء عنه. ليس بين أفرادهم أحد يشابه يوسف في العلم والفهم والإدراك. إنه هو الذي استولى على عقل ملكهم فيما بعد في عملية واحدة صدرت منه فكيف بالذين عاش يوسف بينهم ورأوا منه الكثير من المكرمات والافكار النيرة وحسن الخصال؟ إنهم اضطروا لإبعاده عن قصرهم أياما أو أشهر ولم يفعلوا ذلك بنية العقاب.

لنتصور نبيا من أنبياء الله الكرام يعيش معنا عدة سنوات فكيف يتأتى لنا أن نبعده عن أعيننا بأيدينا؟ أضف إلى ذلك الشعور العاطفي الذي انتاب امرأة العزيز تجاه يوسف!

فمن غير السهل أن نفهم ما كان يدور في أعماق امرأة العزيز التي كانت مصرة على حبها ليوسف ولم تقتنع بغير الارتباط العاطفي البدني معه.

ولكن من السهل أن نفهم ما انطوت عليه نفس يوسف من أفكار وهو ينتقل إلى السجن. كان يوسف يعيش في متعة غامرة مسيطرة على مشاعره لأنه هو الذي طلب السجن من ربه ضمنيا فتحققت رغبته واستجيب دعاؤه.

فالرابح هنا هو يوسف أيضا والخاسر هم العزيز وامرأته وأهل القصر ونسوة المدينة وكل الذين تعرفوا على حدة ذكاء يوسف وحسن أدبه وتعمقه في المسائل وتحليلاته العلمية والفكرية الممتعة.

 لقد خسروا فعلا وربح يوسف بحق. إنهم رأوا آيات براءة يوسف ورأوا علامات قوته وارتباطه بربه وكيف قدر الله تعالى ليوسف أن يدخل العزيزُ بيته في أخطر لحظات امرأته وهي تعيش سكرة الشهوات وتسعى لإطفاء غليلها بالاعتداء على يوسف وإجباره بالممارسة المشينة معها.

إنهم مذنبون ويوسف هو الذي وقاه ربه مكرهم. هذا هو معنى نصر الله تعالى. سنعرف قبل أن ندخل قصر فرعون مصر مع أخينا يوسف المزيد من اهتمامات النبي العظيم عليه السلام.

وبما أن السجن خاص بالشخصيات السياسية وليس سجنا مظلما كما تصوره البعض فإن دعاء يوسف لربه لم ينتج السجن الحقيقي المتعب له. وبالعكس فإنه استحب هذا السجن ليريح نفسه الطيبة الشريفة من دعوات الفاحشة التي انطلقت باتجاهه من نسوة مصر الجميلات.

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

يوسف ايها الصديق 12- امرأة العزيز 2


Shepherds are looking what has happened in Bethlehem.

تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 12 – امرأة العزيز 3

المراودة عن النفس:

راود أحدٌ أحداً يعني أراد شيئا منه فقام بعمل ليقوم الشخص المقابل بنفس العمل طوعا فيشتركان في الإرادة.

ذلك لأن المراودة من باب المفاعلة وهي رغبة الطرفين في إنجاز عمل أو في التفاعل مع بعضهما كالمحاربة والمقاتلة.

وراوده عن نفسه يعني بأنه أراد ولكن الطرف المقابل لم يرد فأراد فرض الرغبة في نفسه ليريد هو أيضا على الرغم من عدم رغبته.

وقد استعمل التعبير ست مرات في سورة يوسف وسنشرحها هنا باختصار:

1.      وراودته … عن نفسه: يعني أنها سعت بإظهار مفاتنها ليقع في حبها فيقع عليها على الرغم من أنه لا يُظهر أي رغبة في ذلك ابتداء.

2.      راودتني عن نفسي: يعني أنها أرادت أن تغويني وتستولي على نفسي بالرغم من رفضي.

3.      تراود فتاها عن نفسه: يعني أنها تسعى لإقناع فتاها أن يبادلها الحب ولذلك أردفن: قد شغفها حبا.

4.      ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه: يعني هل رأيتم من يوسف ميلا للغرام فسعت كل واحدة منكن لتطلبه وتجذبه إلى نفسها.

5.      أنا راودته عن نفسه: مثل المعنى الأول.

6.      سنراود عنه أباه: سوف نسعى لإقناع أبينا أن يقبل بما نريده على الرغم من تمسكه بإبقاء أخينا عنده.

7.      وحتى تتم الفائدة ويتبلور المعنى فإن في القرآن آية آخرة تستعمل نفس التعبير وهي في سورة القمر حول قوم لوط:

وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37).

يعني بأنهم أرادوا من لوط أن لا يمنعهم دفاعا عن ضيفه. إنه كان يريد أن يمنعهم وأرادوا منه أن يقاوم إرادته بإرادة أخرى للسماح لهم بما يريدون فعله في ضيفه. والعلم عند الله تعالى.

إذن كان هناك مكر نسائي ضد امرأة العزيز،

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴿31﴾

لم تمض أيام طويلة على تداول الخبر بين زميلاتها المترصدات لمثله من الاخبار منذ أمد حتى عاد الخبر إلى امرأة العزيز مزودا بتعليقات الزميلات.

اهتمت امرأة العزيز بنجوات الخدم والصديقات المخلصات وكل من يمكن أن يتحدث عن هذه القضية التي تصدرت مجالس الخواص من حاشية الملك حتى وصلت إلى الملك عن طريق زوجته وبناته أو النساء المرتبطات به كائنا من كانوا.

بالطبع أن مثل هذه الأخبار لا تؤثر أبدا في اهتمام الملك بوزرائه ممن يُشاع عنهم شيء من هذا القبيل ولن يقلص من اعتماد النظام عليهم ولا يقلل من منازلهم الوظيفية .12

(هامش 12 : ذلك لأن كل المرتبطين بالسلطة بمن فيهم الملوك ولو كانوا من الحكومات المعروفة بالدينية فإنهم مغمورون على الأغلب بالإجرام وبالزنا وبالقتل ولنا في الآية التالية خير مونس لقلوبنا إن كنا مؤمنين نتحاشى هذه القبائح الظالمة التي تزيد العصاة إثما. إنها من سورة الفرقان التي هي فرقان حقا:

وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68).

أنظر بأن هذه القبائح كلها مترابطة ببعضها البعض، قتل النفس والزنا ودعوة غير الله مع الله تعالى.

ولو نفتح عيوننا قليلا لنرى القتلة تحت أي لباس كانوا وبأية ذريعة اقترفوا القتل فإنهم يأتون بالزنا بكل وقاحة ويبررونه كما أنهم يشركون بالله المفتين والملوك وغيرهم ممن يوجبون على أنفسهم طاعتهم.          نهاية الهامش 12.)

فلما استكملت امرأة العزيز ما يمكنها من تحريات حول الإشاعة فكرت في أن تعد لهن مجلسا ترفيهيا ليشعرن بالراحة وبأنها لا تعرف شيئا عما أخفوه عنها حول يوسف.

أدركت المرأة العبقرية عدم إمكانية الإنكار فقد ترسخت القضية في أذهان الزميلات فعليها الآن أن تثبت لهن بأنها على حق في ما فعلت. فعليها أن تبرهن لهن بصورة عملية بأن ليوسف ميزات كبيرة تفوق زوجها ولذلك رضيت بأن تخونه لتتقرب من قلب يوسف.

لم تر المرأة أية ضرورة لتبوح بكل أسرارها وراء العملية ولعلها استغلت الفرصة لتبدي لهم عدم اهتمامها بمشكلة عدم الإنجاب التي تكاد تستولي على عقلها كأنثى تعرف اهتمام الزوج بالإنجاب وتعرف بأن الأنثى هي المتهمة بالقصور عادة. ولذلك فكرت في دعوتهن لجلسة طويلة نسبيا وهادئة بعيدة عن الشكليات والرسميات ليأخذن راحتهن ويشعرن بالطمأنينة وبأنها لا تعرف شيئا عما شاع بينهن من قصتها.

وارتأت أيضا أن تذكر لكل واحدة منهن إعجابها بشخصيتها وبأهمية أسرتها وبما تنطوي عليه من اهتمام بالشرف وبالأمانة. ذلك لتفرح كل واحدة منهن بأن في يدها شهادة من امرأة العزيز بشرفها وشرف أسرتها فتخلو يدها من أن تكيل لهن التهم ولذلك لا يشعرن بضرورة التستر على ما في قلوبهن ويزددن طمأنينة وسلاما منها.

ثم فكرت في ضرورة إظهار علم يوسف وعلو أخلاقه وفضائله النفسية. فرأت بأن لسان الحال هنا أوسع بيانا من لسان المقال. ولذلك أعدت الجلسة النسائية بشكل يمكن ليوسف أن يحضرها بكل راحة لتبدي لهن عظمة شخصيته.

هذا يعني بأن الجلسة يجب أن تخلو من التحدث عن الأزواج وعن ارتباطاتهن وسيطرتهن عليهم وحبهم لهن حد الغرام كما تفعل النساء عادة. فعليها بأن تجعل الحديث يدور مدار المعلومات العلمية وإدراك الحقائق والتوسع الذهني. هكذا ستظهر شخصية يوسف وينكشف السر الكامن في تلك الشخصية المهابة التي تملك بدن يوسف.

هناك تشعر كل واحدة منهن بضرورة إرضاء يوسف بإرضاء شهواته كشاب في مقتبل العمر لعلهن يملكن ركنا من أركان قلب هذا الإنسان العظيم. ثم تبوح لهن بأنها هي التي راودته عن نفسه.

 قامت المرأة التي علَّمت يوسفَ تأويلَ الأحاديث عمليا بإظهار تفوقها عليهن وبأن تلميذها أكبر بكثير من زوجها ولذلك السبب أرادت أن تستولي على قلبه بإرضاء شهواته.

وأرادت في نفس الوقت بأن توضح لهن مدى كرامة يوسف وترفعه عن أن يطلب الجنس من خادمات القصر الجميلات الحسناوات والشابات. فهو في عطش آخر يسعى من خلاله للتفوق على رغبات النفس بالاستئناس بعلمه وبخالقه العظيم.

هكذا يشعرن بأن يوسف ليس إنسانا عاديا فيسقطن في غرامه وحبه. هناك تتحول النساء اللائمات بعد أن يتورطن بحب يوسف إلى نساء مدافعات عنها.

لابد للرجال أن يعلموا بأن الجنس ليس دائما مسيطرا على المرأة ولكنها تستعمل الجنس لإرضاء الرجل لما له من دور كبير في إرغام الرجال للطاعة لهن والاستماع إليهن. إنها بالطبع تستمتع بالجنس ولكنها ليست ضعيفة أمام نزواتها بقدر ضعف الرجل.

والذين تناولوا قصة يوسف وأشبعوها بالجنس وظنوا بأن النساء قمن بتقطيع أيديهن فيزيائيا إثر انبهارهن بجمال شكل يوسف قد وقعوا في خطأٍ  كبير بظني.

وحينما نمعن في تدبير المرأة لمثل تلك الجلسة العلمية الفاخرة نشعر بأنها لم تكن طالبة هوى رخيصة حينما أعدت تلك الحادثة الكبرى لاستمالة قلب يوسف. إنها دبرت لأمر كبير فعلا كما قلنا ولكن الذي دمر تدبيرها الكبير هو الله تعالى الذي أراد أن يكمل فضله على عبده المخلَص يوسف وليس يوسف نفسه.

ذلك لأن الله تعالى يعرف بأنه هو سبحانه الذي أدخل يوسف في هذه الورطة الكبرى لتزكية قلبه ونفسه  إعدادا له للرسالة من ربه فهو سبحانه أجدر من يوسف نفسه لأن ينجيه في اللحظة الحاسمة.

ولهذا السبب سماه العبد المخلَص ليشعرنا بأنه سبحانه كان معه يساعده على أن يتحمل تبعات تلك الدعوة الأنثوية القارعة على كل ما ينطوي عليه يوسف من قوة جهادية لمحاربة الشهوات النفسية.

حتى العزيز نفسه قد وقع في اختبار أكبر من قابليته ولكننا يجب أن نعرف بأنه إنسان طيب لا تتأثر إنسانيته بما صدر منه كثيرا ولكنه ليس بسعة قلب يوسف.

علينا أن نعرف بأن المقارنة بين إنسان مبتلى بالملك مع إنسان مثله مرشح للرسالة العظمى ومبتلى بالعبودية للعزيز ليس أمرا سهلا.

يكفي جميع أبطال القصة سواء العزيز أو امراته بأن الله تعالى ربى عبده يوسف في بيتهم وبأنهم نالوا شرف إكرام نبي عظيم قدر الله تعالى له أن يكمل بناء أمة لها شأنها في تاريخ البشرية وهي أمة بني إسرائيل.

إنه هو السبب في تزكية نفوس إخوانه وفي إثبات أنهم مع ما ظهر منهم من قسوة فإنهم في النهاية لم يكونوا كافرين بربهم بل انساقوا وراء وساوس الشياطين.

لكن الله تعالى في مقام المقايسة بين يوسف النبي وبين ملوك مصر وحواشيهم. إن رسالته الكبيرة هنا هي دفعُنا نحن لأن نميز بين أصحاب العلم وأصحاب الملابس والألقاب؛ أن لا نغتر بما نراه من ظاهر الشخصية فلا نطيعهم لأنهم تمكنوا من تسنم الذروة العليا بمكرهم بل نمعن ونفكر في كل شيء.

هذه السورة دخلت غرف النوم ودخلت غرف الجلوس والاستراحة الملكية وستدخل قصر فرعون كما دخلت بيوت الأنبياء ونقلت لنا صورا عن ساكنيها وما يدور فيها ودخلت سجون الذين لا يملكون سجنا فيلقوا أعداءهم في الآبار المظلمة وستدخل سجون البيوت الكبرى وقصور كبار رجالات الدولة.

هذه السورة لم تكتف بالظاهر بل دخلت قلوب الأنبياء وأبنائهم كما دخلت قلوب الحكام وقلوب زوجاتهم وستدخل قلوب الملوك أنفسهم وقلوب المسجونين والمحتاجين.

إنها سورة غريبة تعلمنا بألا نغلو في البشر ولا نغتر بالدعايات والألقاب ولا نثق في غير ربنا الرؤوف الرحيم سبحانه وتعالى.

سنرى فيها بأن الأهل والأقربين والأبعدين والأصدقاء والمغرمين بنا يتركوننا للحوادث حينما يرون الخطر محدقا بهم ولن يضحوا في سبيلنا إن كانوا عقلاء. أما المجانين فلا داعي لأن نتحدث عنهم.

وقبل الدخول في الجلسة الهامة التي يختصرها الله تعالى بآية صغيرة نسبيا وكبيرة في المعاني، من الأفضل أن نمر سريعا على شرح لغوي مختصر لبعض تعابير الآية:

سمعت بمكرهن: ولازمه أن يصدر منهن مكر وأن يسعين لإخفائه عنها. وقد حصل الاثنان. مكرنَ لأنهن لم يقلن بأن يوسف أراد الاعتداء على سيدته ولكن قُلنَ العكس وسعين لإخفاء ما قلنه عنها لأنها هي التي سمعت ولسن هن اللاتي قلن لها.

ثم إنها هي التي استنتجت أنهن مكرن بها وليس اللائي ذكرن لها القصص. ذلك لأن السمع في القرآن يعني الوعي عن طريق السمع وليس مجرد وصول الأمواج الصوتية الى الأُذُن.

أرسلت إليهن: يعني أرسلت إليهن رسلها تدعوهن برفق واحترام. لأن الرَّسْل معناه الانبعاث بالرفق والتُّؤَدَة.

وأعتدت لهن متكأ: يعني هيأت لهن مجلسا يجلسن فيه مرتاحات لجلسة استراحة طويلة نسبيا وبعيدة عن الرسميات. والمتكأ يعني المكان أو الفراش الذي يستند الإنسان ببدنه أو بقسم من بدنه عليه للراحة.

وآتت كل واحدة منهن سكينا: هذا التعبير في السرد الروائي لا يعني أن يعطي بيد كل واحدة سكينا فيزيائية. هذه السورة تستعير الجمل لتوصل المفاهيم بشكل روائي إلى قلوبنا وكما قلت في بداية القصة فإننا كبشر نحتاج إلى إعمال الفكر والخيال لتصوير المواقف كلها ولتدبر جزئياتها ثم الحكم بما يمليه علينا العقل.

إن امرأة العزيز بحاجة ماسة إلى أن تثيرهن واحدة واحدة ضدها لتحصل لهن الطمأنينة بأن كل واحدة منهن تحمل الحربة الضرورية ضدها فلا يبخلن بإظهار ما يجول في خواطرهن بكل راحة.

إنها قدمت لكل واحدة منهن ترحيبا حارا يتضمن وصف الضيف ووصف أسرته بالشرف وبالأمانة وعدم الخيانة في حال أنها هي المتهمة بالخيانة.

هناك سيشعرن أولا بأنها تعترف لهن ضمنيا بما فعلت ولكنها تمدحهن حتى يكفينها شرهن وشر الدعايات المضادة لها.

هذا بالإضافة إلى أن صيغة الدعوة كانت صيغة مرنة لطيفة أدخلت في أنفسهن الشعور باعتراف امرأة العزيز بالذنب وبأنها لا تريد الإنكار بل تطلب منهن أن يساعدنها بتركها وشأنها وكتمان أمرها.

وقالت اخرج عليهن: يجب أن نفرق بين الخروج عليهن والدخول عليهن. لقد فسروا الجملة عمليا بالدخول عليهن. وبأنها أمرت يوسف بأن يخرج من مخبأِه إليهن ليروا وجهه الجميل وجاذبيته القوية للإناث الكامنة في وجهه.

كما ظنوا بأن النسوة قطعن أيديهن تقطيعا فيزيائيا برؤية واحدة. لم نسمع بمثل هذا أبدا في قضايا الغرام. لو كانت المسألة كما ظنوا فكان لزاما أن تقطع امرأة العزيز يديها عدة مرات كل يوم!!

كل ذلك من وحي الشيطان الذي يوحي دائما للناس بالغلو في المسائل حينما يتعذر عليه صرف الناس عما لا يريده.

والواقع أن الخروج عليهن يعني إظهار نفسه ومكنونات شخصيته لهن. إنها تريد أن توحي إليهن بأن يوسف يفوق زوجها ويفوق أزواجهن شخصية وعلما. ولا تنطوي الجملة على أي وصف للبدن بل تقتصر على السعي لإظهار الحقيقة العلمية لدى الشخص المنوه عنه.

فلما رأينه: كان قد مر على وجود يوسف حتى ذلك اليوم في بيت العزيز عدة سنوات. لم يكن يوسف في سجن مغلق الأبواب فهو واحد من أبناء القصر وكان على مرأى ومسمع من أصدقاء وصديقات القصر.

ولا أدري كيف ظن بعض المفسرين بأنه كان خفيا عن أنظار الناس حتى ذلك اليوم أو هكذا نستوحي من تفسيراتهم.

ولم يكن يوسف فتاة حتى يغيروا شكلها بالماكياج والأصباغ والمساحيق المعطرة كما يفعلون في الأعراس. أولئك النسوة كن يعشن في أحضان العلم والحضارة ويهتم أهل العلم بالقدرات العلمية ويستمتعون بما يرونه في أحد من حلٍّ للألغاز العلمية والفكرية. لقد نسي الإخوة بأن يوسف نبي والنبي مميز بالعلم لا بجمال الوجه.

ولم يذكر القرآن الكريم أي شيء عن جمال يوسف.

اعتقد بان ما يقال حول يوسف ناجم عن أحاديث غير قابلة للوثوق بها نسبت الى الرسول بينما القرآن الكريم يشير إلى أن معرفة الرسول بيوسف لا تزيد عن معرفتنا نحن به لأننا جميعا نستند إلى القرآن الكريم للتعرف على يوسف.

لقد قال له الله تعالى في مقدمة هذه السورة بأنه هو الذي يقص عليه أحسن القصص بالقرآن وبأنه كان من قبله من الغافلين.

دعنا ننظر إلى هذه الآية الكريمة في سورة الأنعام :

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75).

فهل رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض بعينه أم ببصيرته؟

أو ننظر إلى هذه الآية من سورة الأنبياء:

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30).

 فهل يمكن أن يرى أحد ما حصل قبل بلايين السنين حينما كانت الأرض ملتصقة بالشمس أم يرى ذلك بفكره وعقله؟ فالنسوة رأين شخصية يوسف بحقيقتها العلمية والفكرية. تلك التي قال الله تعالى عنها قبل أن يذكر لنا قصة امرأة العزيز مباشرة:

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22).

يريد الله تعالى بكل قصة المرأة أن يرينا علمه وحكمه وبأنه يحكم بصورة عقلانية في المسائل. إن شكل القصة غرامي ولكن الحديث حول نبي عالم وليس عن شاب أصبح قبلة للغانيات المتزوجات. ولذلك قال سبحانه بعد أن رأينه:

أكبرنه: هل رأيتم أحدا يتحدث عن شاب جميل بأنه كبير أو بأن الذين رأوه يكبرونه؟ والواقع أنهن أكبرن علمه وذكاءه. رأين ثقافته الواسعة واطلاعه العميق بالقضايا السائدة وتحليلاته السياسية والعلمية. هذا يعني بأن يوسف جلس معهن ساعات حتى أُسقط في أيديهن ورأين أن امرأة العزيز كانت أمام جبل من الكبرياء العلمي والفكري ولذلك فضلته على زوجها وأرادت أن ترتبط به لعلها تكسب قلبه فيبقى بجوارها.

والذي خفي عنهن برأيي أنها أرادات أن تحمل من يوسف. علمن أن من حق امرأة العزيز أن تسقط أمام كبريائه.

ولو ندقق في الآية الكريمة فليس فيها أية إشارة إلى الغناء والموسيقى والرقص وكل أنواع الطرب. وليس بها أي حديث عن النعومة والجمال ولا عن الزينة والمجوهرات. إنهن فقط أكبرنه،

 وقطعن أيديهن: انهارت قواهن أمام كبرياء يوسف الذي ظنوه فتى امرأة العزيز قبل ذلك اليوم. لكنه اليوم رجل علمي وثقافي كبير وليس فتى زميلتهن فحسب. ونعبر عن اليد بالقوة. لقد ذكر الله تعالى اليد لنفسه أيضا باعتبار قوته وذكر لداود أيادي على أنه لا يملك أكثر من يدين عضويين في بدنه، لكنه ذو قدرات مختلفة.

حتى هذا المقطع لم نر فيه أي حديث عن الغرام، فلننتقل إلى بقية مقاطع الآية العظيمة:

وقلن حاش لله ما هذا بشرا: إنهن الآن يقمن بالمقايسة بينه وبين أزواجهن وأهليهن والملِك الذي يسودهم جميعهم.

إنهن رأينه أكبر من البشر. يجب ألا ننسى بأنهن نسوة الوزراء وليسوا بناتهم. إنهن نخبة فتيات مصر اللائي أصبحن زوجات كبار رجال مصر مركز العلم والثقافة البشرية المحترمة في كل الأرض آنذاك.

لقد وصلت امرأة العزيز إلى هدفها بأن تعترف اللاتي مدحتهن بأجمل الأوصاف بأن يوسف أكثر رفعة ممن لهن معهم ارتباط بالزواج .

وأما قولهن: حاش لله، فتعني سبحان الله. إنهن يؤمن بالله ويعتبرنه فوق الكائنات وخالقها وسيدها فحينما يكبرن أحدا يسبحن الله تعالى ليقلن بأن الله أكبر من أن نفضل عليه أحدا.

حاشا يعني بعيد عنه، والتسبيح يعني منزه عن مجانسة الخلق فمعناهما واحد. لكن التسبيح أجمل من حاش لله والاختصار لا يسمح لي بأن أشرح كل تعبير هنا فمعذرة من القارئ الكريم.

 إن هذا إلا ملك كريم: لقد نزهن الله تعالى فقط وارتفع يوسف في عيونهن فلم يبق إلا الملائكة ليشبهوا يوسف بهم.

هنا نحتاج إلى وقفة لنعرف عمق هذا التشبيه. ولنفتح عيوننا إلى توصيفهن للملَك بالكريم.

والكريم هو تعبير ربنا العظيم ولكنه سبحانه يترجم لنا بدقة ما قصدنه فيكفينا بأن نعرف معنى الكريم باللغة العربية.

لو كن عربيات لكان ممكنا أن نقول بأن الله تعالى ذكر عين كلامهن باعتبار أمانة النقل ولكنهن غير عرب فالله تعالى ترجم كلامهن ترجمة أمينة فعلينا فعلا أن نعرف المعنى بلغتنا.

سأضع معنى للكرم وأسعى لتطبيق بياني على بعض موارد ذكر الكرم في القرآن نفسه. الكرم يعني العطاء ماديا ومعنويا بسخاء دون انتظار التعويض  . 13

( هامش 13 :   قال تعالى في سورة النساء 31:

 إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً.

فأولئك المسرفون في الدنيا سيدخلون الجنة دخولا محترما لا يشعرون معه بأنهم لا يستحقونه. وقال سبحانه في سورة الأنفال 4:

أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.

فلهم رزق سخي دون أن يُطالَبوا بدفع الثمن. قال العزيز لامرأته أن تكرم مثوى يوسف كما في الآية 21 من هذه السورة. ذلك يعني أن تبالغ المرأة في احترام يوسف وإكرامه دون أن تنتظر منه عملا في المقابل أملا في مستقبل مشرق بجوار يوسف. قال تعالى في الإسراء:

 وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً.

فيقول الإبن لأبويه قولا جميلا فيه احترام وتوقير لهما دون انتظار الشكر والثناء منهما. وتطلق صفة الكريم على أزواج النبات والحجارة الكريمة والمقام يعني المنزل باعتبار أن كل هذه النعم تعطينا دون أن تنتظر منا شيئا. وحق الكرم هو عطاء الله تعالى الغني جل جلاله.    نهاية الهامش 13.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com