مناقشات حول الشورى والإمامة ‏ واخرى


مناقشات حول الشورى والإمامة ‏
دارت بيني وبين بعض الإخوة الكرام في الشهر الماضي مناقشات لا بأس بها حول الشورى ‏والإمامة ومسائل أخرى جانبية. تركت الاستمرار وقته لأنني كنت مشغولا جدا وعاجزا عن أن ‏أقرأ بعض الردود المطولة ولا سيما ما بعثه أخي أحمد الكاتب حفظه الله تعالى. ‏
يبدو بأن هناك كمٌّ كبير من المسائل ونحتاج إلى أن نناقشها جميعا. لكن أوقاتكم الشريفة ‏ووقتي القليل لا تسمح بمناقشة كل صغيرة وكبيرة. ولذلك فسوف أختار واعذروني في اختياري. ‏وسوف أرقم المواضيع. واسمحوا لي بأن أقول بصورة عامة بأننا نريد مناقشة المسائل حسب فهمنا ‏ولا يهمنا فهم سلفنا. فلا عبرة عندي وعند كل محقق فيما قاله فلان وفلان مهما كبروا في قلوبنا. ‏
‏1. ‏
موضوع رأيي في كنتم خير أمة أخرجت للناس. قال تعالى في سورة الجاثية: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي ‏إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16). بنو إسرائيل من ‏بداية تواجدهم كانوا مجموعة مؤمنة وفاسقة مع بعض وقد لاحظنا بأن عشرة من أولاد يعقوب ‏الثلاثة عشر الذكور أرادوا أن يقتلوا أخاهم يوسف. وهكذا بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى وبعد ‏أن أنجاهم الله تعالى من ظلم فرعون أرادوا أن يعبدوا غير الله ثم عبدوا العجل. فكيف فضلهم الله ‏على العالمين؟ وفضلهم في أي أمر؟ والتفضيل كان قبل أن تأتيهم التوراة. قال تعالى في سورة ‏الأعراف: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ‏الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137) وَجَاوَزْنَا ‏بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ ‏إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ ‏إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140). فضلهم على العالمين وهم يطلبون إلها غير الله ولم تنزل التوراة ‏بعد؟ ‏
هناك صفة طيبة لديهم وهو الصبر وعلى أساسه ميزهم الله تعالى على قوم فرعون ونقلهم ‏إلى أماكن أخرى هي قراهم القديمة احتمالا وأنزل عليهم التوراة. فهم مختارون لاستلام التوراة ولهم ‏مزايا. وحين تشريف موسى باستلام التوراة كاملة من ربنا العظيم أخبره ربه بأن قومه عبدوا ‏العجل. لاحظوا بأن سبحانه اختار قوما لينزل عليهم التوراة وهم يعبدون العجل! قال تعالى في ‏سورة الدخان: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ‏‏(31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32). ‏
والآن نأتي لنعرف السبب في اختيار ربنا أهل مكة لينزل عليهم القرآن. هناك فضيلة لديهم ‏خاصة بهم مشابه لفضيلة بني إسرائيل. ليس بنو إسرائيل أفضل من في الأرض فلو كان كذلك فهو ‏يعني بأن المجرم نتنياهو أفضل من خاتم النبيين لأن الأول من بني إسرائيل والثاني ليس منهم. هذا ما ‏تقوله الآية الكريمة من سورة آل عمران بالنسبة لأهل مكة الخير: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ ‏بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ‏الْفَاسِقُونَ (110). كنتم تعني كنتم فيما مضى واستدلالاتكم بأن كان لا تعني ذلك مردودة ولو ‏تريدوني أن أرد عليها واحدة واحدة فأنا قادر على ذلك والحمد لله ولكننا نريد الاختصار لنصل ‏إلى نتيجة. ‏
دعنا نفكر في كيفية اختيار ربنا لأهل مكة لينزل عليهم القرآن من واقع الآية الكريمة: ‏
ألف: ‏
كان أهل مكة يتعاملون مع الناس جميعا بغض النظر عن دينهم بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن ‏المنكر. كان مكة مزارا عاما للناس وكان أهل مكة يستقبلون الناس جميعا ويسقونهم ويعمرون ‏المسجد الحرام ويساعدون الزائرين. كانوا يقرون الضيوف ويحترمون الحقوق وكان يزعجهم أن يروا ‏أحدا منهم يظلم شخصا ولو كان غريبا. ولكم في حلف الفضول خير شاهد على ذلك. فهم ‏يتعاملون مع الناس بما هو معروف بينهم بالحسنى ويمنعون أهلهم عما يُكره الناس وهو المنكر. ‏
ب: ‏
كانوا يؤمنون بالله وهو الشرط الأول في الواقع لبعث الرسل. والله تعالى لم يرسل رسلا إلى ‏الفرس لأن إيمانهم بالله بعيد عن الحقيقة ولا إلى الصينيين لأنهم أبعد من الفرس ولا إلى الهند لأنهم ‏جميعا فاقدون للشرط الأساسي. ‏
فاختار سبحانه أهل مكة من بين كل البشر وهم “الناس في خير أمة أخرجت للناس” ‏لاستلام القرآن الكريم. واسمحوا لي لأضيف إلى ذلك ما كان معروفا آنذاك ولذلك لم يذكره القرآن. ‏إنه اهتمام أهل مكة باللغة العربية وإقامتهم لأسواق الشعر على أن أصل الشعراء من اليمن لكن أهل ‏مكة يضيِّفون الجميع ويقيمون لهم أسواقهم حرصا منهم على توحيد لغة التفاهم بين الناس. وهو مهم ‏أيضا لنشر القرآن الكريم. هناك صفات أخرى لدى أهل مكة تميزهم على غيرهم من البشر بغض ‏النظر عن دينهم وشركهم في العبادة وغيرها من صفاتهم السيئة التي جاء الرسول ليصلحها وقد وفقه ‏الله تعالى أكثر من بقية الرسل برأيي كما قرأتم عن أصحاب بقية الرسل. قارنوهم بأصحاب رسولنا ‏لتجدوا بأن رسولنا كان أقل الرسل تعبا وإيذاء من أصحابه وأكثرهم حظا في تجميع المؤمنين ‏برسالته. وما سمعناه من سلفنا بأنه عليه السلام قال ما أوذي نبي مثل ما أوذيت محض الكذب. ‏ليس من حقه أن يقول ذلك فهو لا يعلم ما حل بالرسل بل هو من حق الله تعالى؛ وهو عليه السلام لم ‏يقل ذلك قطعا ويقينا. وهذا مثل قولنا الأحمق بأنه سيد الرسل أو بأنه خير خلق الله. معاذ الله من ‏الكذب ومن التحدث باسم الله تعالى. كلها من حقوق الله سبحانه ونحن نفتري على الله الكذب في ‏ذلك. ‏
‏2. ‏
السابقون الأولون. استند الأخ ماجد المولى على الآية التالية من سورة التوبة لإثبات وجوب ‏اتباع السابقين الأولين: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ ‏عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100). هذه ‏الآية معطوفة على سابقتها وهي: وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ‏اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (99). لا يوجد أي أمر ‏باتباعهم أنفسهم في الآيتين. إنهما تتحدثان عن أنهم من المشمولين برحمة الله تعالى فقط ولا يذكر ‏ربنا بأنهم من أهل الجنة لأن ذلك سابق لأوانه وحكم يحكم به الله تعالى يوم القيامة فلا يوجد مبشر ‏بالجنة من الأحياء حين نزول القرآن وما يقولونه كذب أيضا مع الأسف. ‏
الذين اتبعوهم بإحسان وليس بصورة عامة تتحدث عن أمر حصل وليس عن أمر يحصل. ‏إذا تريدون إنكار المفاهيم النحوية فأظن بأنكم تحتاجون إلى أن تكتبوا نحوا جديدا لنطبقه على ‏تفسير جديد للقرآن. فافعلوا ذلك ثم ناقشوا غيركم. الجملة خبرية وليست أمرية إخواني الكرماء ‏حفظكم الله تعالى. ‏
هناك حديث غير صحيح آخر معروف بيننا بأن الرسول عليه السلام قال: أصحابي ‏كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. وهناك حديث الثقلين عند الشيعة بأن الرسول ترك الثقلين كتاب الله ‏وعترته. أقوله لهم جميعا: هاتوا آية قرآنية تجيز للرسول أن يعين لنا مراجع بشريين ثم اكذبوا بعده ‏وعينوا من تشاؤون مراجع لنا. ‏
إنه من السخافة الواضحة أن يأمرنا رسول الله بأن نتبع بشرا ونكون من الفائزين بثواب الله ‏تعالى. وهل الله لا يعلم كيف يعلمنا حتى يعين لنا العترةُ أو الصحابة أو السابقون ما يرونه صحيحا ‏والله يكافؤنا الجنة؟ فكأنه سبحانه ينفذ ما يريده البشر!!‏
القرآن وحده وليس غيره هو أمر الله وهو الذي يدخلنا الجنة أو النار. قال تعالى في سورة ‏الزخرف: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ ‏تُسْأَلُونَ (44). ليس بيد الرسول أي أمر وأي حق عدا القرآن. هناك آيتان في سورة النساء تمنعه ‏من حق الفتوى الملزمة أيضا فإذا استفتاه قومه فإنه ينتظر فتوى ربه. ثم يوضح الله تعالى له بأن هذا ‏هو نظامه مع الذين سبق أن يتبعوا آيات ربهم فقط فيكمل تعالى الموضوع: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ‏مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي ‏رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ (47). ويذكر ربنا السبب في ذلك ‏وهو أن الذي تتبعونه وتطيعونه فأنتم تعبدونه لأن الطاعة من مظاهر العبادة. إنه سبحانه الرحمن ولا ‏رحمة تضاهي رحمته ولا هدى مثل هداه. ‏
‏3. ‏
موضوع ما صح من أحاديث النبي. نحن نتبع القرآن الكريم باعتبار إيماننا بأنه كتاب الله تعالى ‏ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فهل لأحد أن يصحح القرآن؟ لو مس أحد القرآن ‏فسيدخل النار طبعا. والذين أرادوا اللعب بالقرآن اخترعوا لأنفسهم استحداثات مثل التفريق بين ‏المكي والمدني في الحكم ومثل الناسخ والمنسوخ. بالطبع أنهم كذبوا دون ريب وارتكبوا أعظم إثم في ‏كتاب الله تعالى. أين قال ربنا بأن هناك آيات قرآنية منسوخة. لو كان القرآن عاجزا عن أن يتماسك ‏‏23 سنة واحتاج إلى تبديل ونسخ فأنى لنا بعد 15 قرنا أن نتبعه؟ يستندون إلى الآية التالية من ‏سورة البقرة للاستدلال على لعبهم: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ ‏عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106). وقد وضح ربنا قبلها بأنه في صدد الرد على أهل الكتاب وليس في ‏صدد تصحيح القرآن حيث قال عز من قائل: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن ‏يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105). وحينما ‏نبحث في القرآن لنجد الآية المنسوخة من التوراة لا نجد إلا حكما توراتيا واحدا وهو حكم تحريم ‏شحوم الأنعام. وقد وضح سبحانه لنا بأن ذلك لم يكن تشريعا بل كان حكما عقابيا مؤقتا ضد بني ‏إسرائيل ثم أمر سبحانه المسيح بأن يحلل ذلك. ‏
قال تعالى في سورة الأنعام: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ‏شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ ‏‏(146). فالله تعالى أبقى تحريم ذوي الأظفار ووضح بأن تحريم الشحوم كانت جزاء بغيهم ولم يكن ‏حكما تشريعيا. وقال سبحانه في سورة آل عمران على لسان المسيح عليه السلام: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ ‏يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50). ‏وكما يبدو بأن اليهود لم يتقبلوا ذلك بل اعترضوا على لحم الجمل الذي أحله الله تعالى تصريحا في ‏القرآن. فرد عليهم ربنا في سورة آل عمران: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى ‏نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93). ما يعني بأن يعقوب كان ‏يكره الجمل فحرمه على نفسه واتبعه أبناؤه. ونحن نعرف بأن بني إسرائيل كانوا مهتمين جدا بأبيهم ‏يعقوب ولذلك اهتموا بأسرتهم وكونوا أسرة بني إسرائيل. ‏
ثم حرم بعد ذلك أي اعتراض على القرآن كما أظن بقوله الكريم بعدها: فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ ‏الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94). يعني بذلك أنهم كان من حقهم أن يستفسروا عن ‏تلك المسائل التي كانت غامضة عليهم ولا توجد مسألة غامضة أخرى والعلم عند المولى عز اسمه. ‏
إن سلفنا مع الأسف تشبثوا بما استحدثوه من قوانين إجرامية ليلعبوا في القرآن الكريم إرضاء ‏لحكامهم المجرمين من بني أمية فما بعد مثل الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني وأسباب النزول. أنا ‏أظن بأن أكثر اللعب وقع أيام بني العباس الفاسقين الذين أرادوا تثبيت سلطانهم بأنهم يتبعون أوامر ‏الرسول التي وضعوها بأنفسهم ونسبوها إلى الرسول. إنهم هم الذين أوجدوا مدرسة الحديث ‏الفاسدة التي انتهت إلى بعض الشباب الفرس في نيسابور ليكتبوا لنا الصحاح. ‏
حينما يقولون الصحاح يعني بأننا نتبعهم ولا نتبع الرسول. لا يجوز لأحد أن يصحح كلام ‏الرسول وليس لأحد أن يمس الوحي لأن الرسول لا يتحدث من تلقاء نفسه بل ينقل رسالة ربه فقط ‏وهذا معنى الرسول. نحن لا نعرف محمد بن إسماعيل ولا نعرف مسلم بن الحجاج ولا الكليني ولا ‏الطوسي ولم نرهم ولم نر غيرهم. لكننا نعرف رسول الله عليه السلام باعتبار إيماننا بالقرآن الذي ‏صرح باسمه ومكانه كما نعرف بأن السابقين الأولين من المهاجرين بلا استثناء أناس محترمون نحبهم ‏لأن الله تعالى مدحهم ولم يستثن أحدا منهم. أمر الله تعالى المهاجرين والأنصار وإيانا بأن نتبع رسول ‏الله ولم يأمرنا بأن نتبع السابقين. رسول الله يتحدث عن الله تعالى ولذلك يجب طاعته وليس ‏للسابقين ولا للخلفاء الراشدين منهم ولا للأئمة الإثني عشر أي ارتباط بوحي السماء. نحن أكثر علما ‏وأكثر تطورا منهم فكيف نطيعهم؟ بل نطيع عقولنا بعد أن نطيع القرآن الكريم وكفى. ‏
‏4. ‏
موضوع اللغة العربية. لا شك فيه بأن القرآن نزل بلغة عربية واضحة لا يحتاج الذين حضروا ‏تنزيله إلى أية قواعد وأصول بلاغية لفهم القرآن. لكن الذي حصل بأنهم يوم نزول القرآن كانوا يمثلون ‏أساس العربية وكان كل من يزور بلادهم يسعى ليتحدث مثلهم. لكنهم أيام الفتوحات اختلطوا ‏بالقوميات الأخرى التي كانت أكثر منهم حضارة وأكبر عددا فتأثروا بلغاتهم ولهجاتهم فتغيرت ‏المفاهيم اللغوية لديهم. كما أنهم تركوا بعض الكلمات وأدخلوا كلمات جديدة على لغتهم الأم. هناك ‏كلمات قليلة طبعا ما وجدت لها مثيلا في ما ورثناه من لغة العرب ولاحظت بأن بعض المفسرين ‏انتبهوا أيضا وقد فسرتها يومها على السياق فقط. ‏
وهناك قصة أو قصص كتبوها حول بداية صناعة النحو. وأبرزها أن مجموعة من المؤمنين ‏أيام الخليفة علي بن أبي طالب كانوا يشيعون جنازة ميت وهناك مر بهم شخص فسأل أبا الأسود ‏الدؤلي: من المتوفِّي؟ فقال أبو الأسود: الله جل جلاله. ذهل السائل ثم بينوا له بأن سؤاله كان عن ‏فاعل الوفاة والميت مفعول الوفاة. كان عليه بأن يقول: من المتوفَّى؟ ‏
نقلوا الحكاية للإمام فخاف عليه السلام على فهم المسلمين للقرآن مستقبلا بعد اختلاطهم بغير ‏العرب وأمر أبا الأسود بأن يكتب أصول النحو. ويقال بأنه قال لأبي الأسود: كل فاعل مرفوع، كل ‏مفعول منصوب ووو. ثم قال له أنح هذا النحو. وضع هذا العلم المهم لنا نحن المختلطون بالأعاجم. ‏وجاء بعد أبي الأسود علماء كبار مؤمنون نحتمل فيهم الصلاح والاهتمام بكتاب ربنا الذي هو ‏أساس كل مفاهيمنا؛ فطوروا هذا العلم وأضافوا إليه الصرف والمعاني والبيان والبديع وعلم اللغة ‏وغيرها ليساعدونا على فهم القرآن. ‏
وبالطبع لو رأينا جملة سماوية تخالف النحو فنحن نخطئ النحو. لكنني لعلمكم ما رأيت حتى ‏يومنا هذا مع اهتمامي الكبير بالقرآن أية جملة تخالف القواعد التي وضعها سلفنا العالم بالعربية. لكن ‏علينا بأن نعرف المعاني قبل أن ننتقد القرآن أو نرفض النحو. قولوا لي أي اختلاف فلعلي أفيدكم أو ‏تفيدونني ولا تتحدثوا بصورة عامة في موضوع أساسي للمفسرين. فقول أخي الكريم بأن العرب ‏عرفوا القرآن بدون قواعد النحو صحيح ولكن أين تفسير أولئك العرب؟ إنهم لم يخلفوا كتبا لنتعرف ‏على فهمهم. لقد وضعوا علم النحو قبل أن يبدأوا بالتدوين فبدأ الكُتاب يكتبون وأمامهم النحو علما ‏موجودا في صدورهم. فهل لي أو للأخ حمادة اليوم أن نخطئ النحو؟ أظن بأن ذلك غير منصف. ‏ولعلم الأخ حمادة فإن كبار أئمة النحو هم من السنة وهناك القليل ممن نحتمل بأنهم كانوا شيعة من ‏بينهم. أولئك فعلا علماء أخي العزيز فكيف ترفض سعي عشرات الأئمة وتتقبل فهم أخينا ‏الفارسي محمد بن إسماعيل الذي لم يكن نحويا ولا إمام لغة ولا هم يحزنون. ونحن نشك بأن صحيح ‏البخاري الذي بين يدينا هو نفس الكتاب الذي كتبه البخاري أو كتبوه باسم البخاري. يكفينا أن ‏نعرف بأن المغول دخلوا بغداد وأحرقوا المكتبات بما فيها مكتبة دار الحكمة التي احتوت على أربعة ‏ملايين كتاب مخطوط! أغلب الظن بأن المسلمين أعادوا كتابة بعض الكتب من الذاكرة. ‏
فما بين يدينا نقل من الصدور عن كاتب نقل من الصدور عن الصدور عن الصدور!! ‏مصيبة يا إخواني. ‏
‏5. ‏
الفعل كان: كان في العربية فعل لازم لا يحتاج إلى التعدية في أساسه. كان يعني تكون من ‏الكينونة وهي تعني الوجود أو الصيرورة كقول الشاعر: ‏
إذا كانَ الشِّتاءُ فأَدْفئُوني فإنَّ الشَّيْخَ يُهْرِمُه الشِّتاءُ
فلا نجد في قوله خبرا بل الشتاء فاعلُ كان الكامل اللازم. وكقولنا: كان الله تعالى ولم يكن ‏شيء معه. فكان الله جملة كاملة بفعل وفاعل لأن الفعل كامل وليس ناقصا فلا يحتاج إلى خبر ولا ‏نحتاج إلى تقدير خبر كما فعل البعض. وأما كان المعروفة بالناقصة وهي الأشهر طبعا فهي لا تعني ‏الكينونة بل تعني الإخبار بحال خاص مذكور في خبر كان فتقول كان زيد متكئا على سرير. هذا ‏إخبار وليس إنشاء. ‏
وأما الفعل الماضي فهو في واقعه ليس بمعنى الأمر الذي مضى كما هو شائع بل بمعنى الأمر ‏المحتوم ومنه جاءت كلمة الإمضاء بمعنى التأكيد والحتمية فهو يمضي يعني يؤكد حصول أمر أو حصول ‏تعهد أو عقد. وهكذا نرى بأن كتاب العدل لا يرضون بأن يستعملوا غير الماضي للعقود لتثبيت ‏الإبرام وهكذا التعهدات فالفعل حينذاك إنشائي وليس إخباريا. وهو كذلك في اللغات الأخرى ولعل ‏في جميع اللغات. وإن من حق الله تعالى وحده أن يستعمل هذا الفعل للزمن الماضي أو المستقبل كما ‏يشاء لأن ما يخبر به الله تعالى سواء في أمر مضى أو أمر سيقع فهو محتوم لأن المتغيرات كلها بيده ‏سبحانه. فقوله مثلا في سورة الأنبياء: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ ‏نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104). فهو سبحانه بدأ بالفعل المضارع بداية حتى لا يضيع المستمع ‏ثم أكد بأنه كان فاعلا بنفس المعنى ولكن مع قيد التثبيت والتأكيد في الحصول مستقبلا. لكننا نحن ‏البشر لا يجوز لنا ذلك لأننا لا نملك المتغيرات. ولذلك لا نستعمل الفعل الماضي إلا للأمر الذي وقع ‏كشهادة منا على ذلك. ولا ننس بأن المضارع تعني المشابه للاسم. فأصل كنا فاعلين هو كنا نفعل ‏ولكنه تعالى أتى بالاسم وهو أصل المضارع للمزيد من التأكيد لأن الاسم أكثر حتمية من الفعل. ‏
وهو سبحانه عادة ما يستعمل الماضي بمعناه الأصلي مع سبق فعل المضارع حتى لا نضيع. ‏فقوله تعالى حكاية عن فرعون يوم القيامة كما في سورة هود: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا ‏أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)؛ فهو لا يعني بأن ‏فرعونا قد قام بعمله فعلا فالقيامة لم تقم بعد. ولكنه سبحانه للتأكيد على وقوعه استعمل الفعل ‏الماضي مع تقديم المضارع: يقدم قومه؛ حتى لا نضيع. والعلم عند مولانا عز وجل. ‏
وما تشبث به المفسرون الكرام لتغيير معنى كنتم خير أمة إلى الفعلية فكل سعيهم مرفوض ‏برأيي المتواضع. ولقد حذا أرباب اللغة حذوهم لأن هناك نوعا من الجزمية بأن العرب وكذلك ‏صحابة خاتم النبيين هم خير الناس وهو خطأ جسيم. لا توجد في القرآن قومية خير من بقية ‏القوميات ولا توجد فضيلة مطلقة للصحابة. قال تعالى في سورة النحل: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا ‏مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ ‏لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي ‏مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93). الأيمان هو العهود والمواثيق الموجودة بين الأمم والدخل ‏تعني الفساد والدعوة بالنَّسب. هناك الكثير من اللوم وبعض اللعن لبعض الصحابة. كل المنافقين كانوا ‏من صحابته عليه السلام وكلهم ملعونون. والشهادة بأي نوع من الإحسان لا يمكن أن تكون شهادة ‏مستقبلية لأن الناس مختارون في الدنيا فكم من مؤمن ترك إيمانه وكفر وكم من كافر جعل الكفر وراء ‏ظهره واستقبل الإيمان خير استقبال. ‏
‏6. ‏
والعترة كلمة تشمل كل الأولاد والأحفاد على الأقل. وكم من العترة النبوية فاسقون وكم منهم ‏فجار وكم منهم كفروا وكم منهم ظلموا وقتلوا فصاروا من أصحاب النار؟ وأما السنة التي أوجبوها ‏على لسان الرسول زورا فكان لزاما أن نرى الله تعالى يصون تلك السنة الواجبة والله لم يفعل مع أنه ‏قادر على ذلك. فلماذا لم يفعل ربنا ليخرجنا من التيه فلا نحتاج إلى إخواننا شباب نيسابور بالنسبة ‏للسنة وغيرهم من أبناء فارس مثل الكليني والطوسي وابن بابويه القمي بالنسبة للشيعة؟ هل نحن ‏فاسقون حتى يتركنا ربنا في التيه أم نحن مؤمنون متمسكون باتباع الله تعالى ورسوله الأمين؟ وكيف ‏عاش سلفنا قبل أن يظهر شيوخ نيسابور أو شيوخ قم وطوس والري؟ ‏
‏7. ‏
والواقع أن ليس للرسول سنة قولية إطلاقا وله سنة عملية صانها الله تعالى. إنها في واقعها ‏سنن أبينا إبراهيم إلا أن رسولنا أضاف آيات وسور القرآن الكريم بدل الأذكار الإبراهيمية القديمة ‏باعتبار ظهور الوحي القرآني العظيم على يده الشريفة سلام الله عليه وعلى أبيه إبراهيم وعلى رسلنا ‏الكرام جميعا فنحن نؤمن بهم ولا نفرق بين أحد من رسل ربنا المتعالي. ‏
قال تعالى في سورة الحاقة: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40). وهذا هو رسولنا البشري وليس الروح ‏القدس لأنه هو الذي اتهمه المشركون بالشاعر والتعلم من الكهنة لقوله تعالى بعدها: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ ‏شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43). فهذا ‏القرآن هو قوله الذي أنزله عليه ربه ولا شيء غيره. وقال سبحانه في سورة الأعراف: كِتَابٌ أُنزِلَ ‏إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ‏مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3). فالقرآن هو قول الرسول وحرام علينا اتباع غير القرآن لأنه ‏سبحانه منع من ذلك. هكذا نكون مسلمين وبغير هذا نكون سنة وشيعة بمعنى أننا نكون مسلمين ‏بالاسم فقط ولسنا مسلمين في الحقيقة. ‏
‏8. ‏
المذهبية: لقد حرم الله تعالى علينا التمذهب في سورة الروم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ ‏اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ ‏إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا ‏لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32). وواقع هذه الأحزاب أنها مفرقة بين المسلمين إلا إذا اعتبرناها أحزابا اجتماعية ‏بعيدة عن الدين فأنت سني باعتبار أسرتك وأنا شيعي باعتبار أسرتي ولكنني أنا وأنت ندين ‏بالإسلام دين محمد والمؤمنين من صحابته الكرام. الإسلام هو دين الله تعالى وهو الدين الذين أمر ‏بالعدل والإحسان. لاحظوا بأن القرآن الكريم يخلو من أي أمر بالقتل إلا قتل القاتل بناء على طلب ‏ولي المقتول فقط. كل أوامر القتال وكذلك القتل وقتية للرسول لأنه تعالى لم يسمح للرسول أبدا بأن ‏يعلن أي حرب بدون إذنه. اقرأوا القرآن واحكموا بأنفسكم. ولذلك فكل الغزوات المنسوبة إلى ‏الرسول مفتريات وأكاذيب. لم يغز الرسول أحدا بل حارب حروبا دفاعية بأمر من الله في القرآن ولم ‏يجهز جيشا لفتح الروم حسب ادعاء السنة والشيعة. ‏
قال تعالى في سورة محمد: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ ‏فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20). ‏فالقتال وقتي ينزل في سور وليس في آيات مثل سورة التوبة وسورة الأنفال وغيرهما. ‏
كما أن كل أنواع الارتباط الجنسي محرم عدا الزواج وهو حكم كامل في القرآن ويتبعه الألفة ‏والمحبة والميراث. وبقية أحكام الزواج التي يذكرها فقهاء الشيعة والسنة هي كلها زنا ومحرمة. يخلو ‏القرآن من المتعة ومن زواج المسيار وبقية المحرمات لكن الفقهاء هم وعاظ السلاطين والأثرياء مع ‏الأسف وأكثرهم أتباع الشهوات. قال تعالى في سورة المؤمنون: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاّ ‏عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7). ‏وقال مثلها في سورة المعارج. ‏
أتحدى أي ملحد أو غير ملحد أن يأتيني بآية قرآنية مخالفة للعقل والمنطق. لكن البخاري ‏يتحدث عن زنا القردة ورجمهم ويتحدث عن الرجم وهو حكم يهودي إجرامي لا أثر له في القرآن ‏وهكذا كتب الشيعة. يتحدثون عن التفخيذ مع الطفلة وعن مضاجعة الوداع وعن أن المرأة المريضة ‏لا تستحق العلاج على حساب زوجها وغيرها من أحكام غير إنسانية وأحكام إباحية وأحكام ‏فاسدة. هكذا يصححون أقوالا كاذبة نسبها الوضاعون لرسولنا الصادق الأمين عليه السلام. ‏البخاري بنفسه يقول بأن أكثر من 98% من الأحاديث التي حفظها كاذبة وأقل من 2% منها ‏صادقة. فنحن نتبع البخاري إذن ولا نتبع رسول الله كما ندعي! ‏
أرسلوا إلي أي إشكال على القرآن وسوف أوضح لكم بإذن الله تعالى. وأنا أرسل لكم طيه ‏‏20 إشكالا على القرآن حاولوا أن تجدوا حلا لها من كتب الحديث السنية والشيعية ومن كتب ‏التفسير السنية والشيعية. ذلك لتعلموا بأن هذه الكتب لا علاقة لها بالقرآن وبالنتيجة لا علاقة لها ‏بدين محمد والسابقين وبقية مؤمني الصحابة والتابعين. إنهم يدعون إلى دين جديد دنيوي لم ينزل الله ‏تعالى به من سلطان. ولو تسألوا كل زملائي في جلساتنا التفسيرية فسيردون على الإشكالات ‏العشرين بإذن الله تعالى. ‏
‏9. ‏
ديننا دين المحبة والصدق والمنطق وليس دين السيف. السيف دين المجرمين والعتاة وكل من ‏شهر السيف على الناس فهو مجرم وهو من أهل النار وكل الفتوحات بربرية غير إسلامية. ذلك دين ‏المجرمين من بني أمية وبني العباس والفاطميين ودين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وبقية السفاكين ‏ودين الأحزاب التي صنعتها إسرائيل وأمريكا في أيامنا هذا ليشوهوا سمعة الإسلام ويقنعوا الطيبين من ‏البشر بأن الإسلام دين السيف والقتل. فمحمدنا يا إخوان غير محمدهم وكتابنا السماوي غير كتابهم ‏وإسلامنا غير إسلامهم. ‏
لو كان الله تعالى يريد لنا أن نتبع الأحاديث لأمر رسولنا بأن يشجع قومه لتدوين أحاديثه. ‏والحال أن المؤرخين يقولون بأنه عليه السلام منع من كتابة أحاديثه. وقرأت في أحد الكتب حكاية ‏الخليفة أبي بكر رضي الله عنه حينما حضرته الوفاة وكان قد احتفظ ب 500 حديث لنفسه. ‏يُقال بأنه استشار بعض الصحابة واستشار ابنته السيدة عائشة رضي الله عنهم جميعا فأشاروا ‏عليه بأن يحفظها لمن بعده. لكنه قال بأنه استخار الله تعالى فتراءى له بأن يحرقها حتى لا تزاحم ‏القرآن. فأحرقها ولم يبق لنا نموذجا حيا نثق به من كلمات حبيبنا وحبيبهم محمد عليه السلام. ‏
كان رسولنا يحب المشركين والمسيحيين واليهود ويتألم لهم ويسعى من كل قلبه أن يهديهم حتى ‏يتوقوا عذاب جهنم. قال تعالى في سورة القصص: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ‏وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56). أليس هم المشركون؟ وقال تعالى في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ‏عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6). أليس هم النصارى الذين قالوا اتخذ الله ولدا ‏ورسولنا يؤذي نفسه أسفا عليهم؟ وهكذا كان المؤمنون من الصحابة. قال تعالى في سورة آل ‏عمران: هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ ‏عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119). وقال تعالى في الآية 31 ‏من سورة الرعد: …أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا… مما تدل على أن ‏المؤمنين كانوا مهتمين بأن ينجوا المشركين من تبعات الشرك. هذا هو الإسلام وأولئك هم المسلمون ‏حقا، رضي الله عنهم ورضوا عنه. ‏
‏10. ‏
الآية التي يستشهد بها بعض الإخوة لتثبيت الأحاديث وهي في سورة الحشر: وَمَا آتَاكُمُ ‏الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا. هي مقطع من آية وهي ليست للأحاديث بل هي لتوزيع المال. ‏هاكم الجملة الكريمة كاملة ضمن آيتها مع آيات قبلها وبعدها. وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ ‏عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَّا أَفَاء اللَّهُ ‏عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً ‏بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) ‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8). لو نقطع الآيات تقطيعا فسنكسب الإثم أولا ثم نخسر المعنى دون ريب. ‏اقرأوا الآيات وفكروا منصفين فهل هي للأحاديث أم لغنيمة خاصة من الغنائم؟ ‏
لن تجدوا في القرآن الكريم آية واحدة تدعونا لاتباع غير القرآن بل لن تجدوا في القرآن آية ‏واحدة تتحدث عن إنسان يؤتي العلم إيتاء. نحن البشر يمكننا أن نؤتي المال والحب وما على غرار ‏ذلك لكن إيتاء العلم خاص بالله تعالى. ذلك لأن إيتاء العلم يعني طبع المعلومة العلمية في الصدر ‏النفسي لتبقى مع الإنسان ولا سلطة لأحد بمن فيهم الشخص نفسه على ما في الصدور بل على كافة ‏مكونات النفس من قلب وفؤاد وصدر. كل العلم في القرآن منسوب إلى الله تعالى بما فيها بعض ‏المعلومات البسيطة. فمثلا تعليم كلاب الصيد وهو مسألة جد بسيطة ولكن الله تعالى ينسبها إلى ‏نفسه. قال تعالى في سورة المائدة: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ ‏مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ ‏الْحِسَابِ (4). كلما يفعله المعلمون أنبياء وغير أنبياء هو أنهم ينقلون معلوماتهم إلى من يستمع إليهم ‏والذي يقوم بالإيتاء ويعني إيصال العلم إلى النفس هو الله تعالى وليس الرسول. والآية تتحدث عن ‏الإيتاء والأحاديث مسائل علمية فأنى للرسول أن يؤتيها أحدا؟ ‏
‏11. ‏
غلبت الروم. قال تعالى في سورة الروم: الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ ‏غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ ‏مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6). تلك هي ‏الحكاية المختلف عليها من القرآن الكريم. يقول المفسرون بأن المسلمين تألموا من انتصار الفرس ‏المشركين على الروم المؤمنين بالمسيحية. بالطبع أن الروم كانوا مجرمين عتاة دخلوا نينوى ليستولوا على ‏بلاد الفرس. بالنسبة للمسلمين فإن كلتا الدولتين ظالمتان مجرمتان ولا علاقة لأي منهما بتعليمات ‏السماء. ويقولون بأن الله تعالى وعدهم بأن الروم المسيحيين سيغلبون الفرس في بضع سنين ويومئذ ‏يفرح المؤمنون بنصر الله. فهل يفرح المؤمنون بأن ينتصر الروم الغزاة على الفرس؟ وهل هناك وعد من ‏الله تعالى لينصر غزاة الروم؟ إنهم غزاة ولو انتصروا فسوف يغزون العرب أيضا. إنهم فاسقون لا ‏يمكن أن ينصرهم الله تعالى. على المسلمين أن يفرحوا بأن الفرس طردوا الرومان من نينوى ليتخلصوا ‏من شر عتاة غربيين لن يرحموا أحدا لو دخلوا المنطقة. لو دخل الروم بلاد فارس واحتلوها ‏لأصبحت فارس أقوى بكثير من يوم دخلها المسلمون وأصبحت عصية على جيش خالد. ‏
وأما التاريخ فيقول التاريخ الفارسي وكذلك التاريخ غير الإسلامي احتمالا بأن الروم هجموا ‏على الفرس عام 622 ميلادية أي قبل وفاة الرسول عليه السلام بعشر سنوات ثم هُزموا على يد ‏الفرس وفروا. ثم أعادوا الكرة بعد أن توفى قائد جيش الفرس عام 627 ميلادية وتغلبوا على ‏الفرس. وفي عام 628 أدركت الحكومتان الرومية والفارسية بأنهما منهكتان وتقبل الفرس شروط ‏الصلح مع الروم وانتهت حروب الروم مع الفرس. ولو نريد تطبيق التفسير المعروف على القصة ‏الحقيقية فإنه بصورة كلية تنطبق فعلا ولكن الآيات تقول شيئا آخر. ‏
برأيي أنهم لم يعرفوا ما يقوله القرآن فتشبثوا بأقاويل غير صحيحة ليقولوا فسرنا الآيات. ‏فلننظر إلى الآيات الكريمة ولكن بعد أن نقرأ نهاية السورة السابقة العنكبوت: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ‏آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ ‏كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ‏وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69). الآية 67 تتحدث عن حرب الروم مع الفرس عام 622 ومكان ‏الحرب كان في مصر وتركيا كما يبدو. في تلك الحرب هُزمت الروم على يد الفرس. ‏
وفي سورة الروم أشار سبحانه إلى نفس الحرب كما يبدو وبأن الروم قد غُلبت. ثم أعاد ‏الروميون الكرة على الفرس عام 627 وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بالفرس في حرب نينوى. لعل الآيات ‏الكريمة في السورتين تشير إلى هزيمة الروم عام 622 ثم هزيمة الفرس عام 627. ‏
ولعل من يسأل عن السبب في أنه سبحانه فصل بين المسألتين في سورتين متتاليتين. ليعلم بأن ‏كل سورة قرآنية تتحدث عن موضوع خاص وهناك سور متتالية تتحدث عن موضوع واحد بحالات ‏مختلفة. السور التي تبدأ بـ ألم فهي تتحدث عن فوائد التمسك بالله وباللقاء معه سبحانه. السورتان ‏الأوليان تتحدثان بصورة عامة عن تزكية النفس لغرض كسب الرضوان والجنان في الآخرة والفرق بين ‏البقرة وآل عمران هو أن الأولى تتناول المسائل والتشريعات والثانية تعطينا النماذج من أنبياء السلف ‏ومن الصحابة الذين ساعدوا في إقامة الكيان الإسلامي بمكة لتكون مدينة خاصة بالدعوة إلى ‏الإسلام. وأما السور المتوسطة التي تبدأ بنفس الفواتح فهي تتناول الفوائد الدنيوية أكثر من الفوائد ‏الأخروية للتمسك بالله تعالى وباللقاء معه. والفرق بين سورتي العنكبوت والروم هو أن الأولى جاءت لبيان ‏المكاسب الدنيوية السريعة مع بيان مقتضب للمكاسب الأخروية ولكن الروم تتحدث عن المكاسب الدنيوية ‏المستقبلية. نعرف ذلك بملاحظة الآية الثالثة والآية الرابعة والسابعة و39 و47 والآية الأخيرة من سورة الروم ‏الكريمة. ‏
لكن مقولة المفسرين بأن الله تعالى نصر الروم على الفرس لا تنسجم مع واقع القرآن الكريم ‏الذي يدعو إلى الإسلام ويرفض المجوسية والمسيحية معا. لا يمكن أن ينصر الله تعالى المسيحيين ‏الغزاة على الفرس الغزاة. يفرح المؤمنون بنصر أنفسهم ولن يفرحوا بنصر أي من الفرس والروم على ‏بعضهم البعض ولا سيما أن هزيمة الروم كانت مفيدة لهم وهزيمة الفرس كانت ضارة لهم. لكن ‏الضعف الذي انتاب الدولتين كان مفيدا للمسلمين فيما بعد طبعا. ‏
فالجملة الكريمة “وهم من بعد غلبهم سيغلبون” لا يمكن أن تشير إلى الروم بل تشير إلى ‏المسلمين الذين كانوا ضعفاء في بداية الهجرة إلى المدينة المنورة وقبل أن يأذن الله تعالى لهم بالدفاع ‏المسلح. قال تعالى في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) ‏الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ ‏صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) ‏الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ‏‏(41). الانتصار في آيات الحج هو نفس الانتصار في آيات الروم كما يبدو لي. هناك كان الانتصار ‏وعدا وهنا اقترب الوعد الحق ليصير الانتصار حقيقة. ‏
يريد الله تعالى بنصره للمؤمنين أن يُبقي كل أماكن العبادة قائمة لكل من يريد أن يعبد الخالق ‏الرؤوف بطريقته دون أن يمسها أحد بسوء. هكذا أراد ربنا تشريعا وبمساعدات أولية أن يؤكد ‏عدم الإكراه في الدين. كما أن المتتبع يمكنه أن يلاحظ بأنه سبحانه في بداية سورة الحج يتحدث عن ‏أن الذي يمكنه أن يفصل بين مختلف أتباع الديانات هو الله تعالى وحده وليس غيره. كان رسولنا ‏عليه السلام يستقبل أتباع كل الديانات السماوية وغير السماوية في المسجد الحرام وفي مسجده ‏بالمدينة ويدعوهم إلى تصحيح عقائدهم بربهم ساعيا إلى إقناعهم بصحة سماوية الدين الجديد. لولا ‏ذلك لما تمكن من أن ينقل معلوماته السماوية إلى مختلف متبعي الأديان والعقائد السماوية وغيرها ‏ليجعلهم يفكروا ويختاروا الدين الذي يرونه صحيحا من تلقاء أنفسهم مستهدفا الرضوان والجنان له ‏ولهم عليه السلام. ‏
أما ما نراه اليوم من منع غير المسلمين من الدخول في مكة فهو عمل غير صحيح وغير ‏مشروع لأن أفضل مكان لنا لجذب غير المسلمين هو مكة المكرمة. أصحاب القرار في الحكومات ‏وبهذا العمل غير الصحيح يقفون أمام انتشار الإسلام كما يريده الله تعالى وعليهم بأن يتركوا هذه ‏السياسة المتوارثة من الظالمين. كم هو جميل بأن يعيش الكل آمنين في بلد الأمان مكة ونرى في كل ‏عام أفرادا منحرفين دينيا وهم بأنفسهم يشعرون بتفوق ديننا على عقائدهم فيدخلون دين الله ‏أفواجا. إلى الله المشتكى. ‏
والخلاصة بأن الذين وعد الله تعالى بأن ينصرهم بقوة ليسوا هم الغزاة الروم بل هم المسلمون. ‏لاحظوا الفرق بين الموضوعين: غلبت الروم؛ وهم من بعد غلبهم سيغلبون. الروم مع قوتهم ‏وإمكاناتهم أصابهم الفشل والمسلمون مع ضعفهم سوف ينصرهم الله تعالى على أعدائهم في بضع ‏سنين. وقد نصر الله تعالى المسلمين وفتحوا مكة كما وعدهم ربهم. وليبس صحيحا أن نهتم بما ‏توصل إليه سلفنا الذين نرى الكثير من الأخطاء لديهم بل الصحيح أن نفكر ونستمد العون من الله ‏تعالى لنأتي ببيان أصح من فهم السلف. ‏
‏12. ‏
تفسير الأخ الكريم ماجد المولى للجملة الكريمة “وأمرهم شورى بينهم” ليس باطلا برأيي ‏وليس مخالفا كثيرا مع رأيي المتواضع. إنه حمل الآية ما لم تحمله ولكنه أتى بنتيجة طيبة في نهايتها ولا ‏أحب أن أدخل في سجال علمي معه في هذا الموضوع الذي أقبل نتيجته. لكنني وحتى لا أكون ‏مجحفا بحق الجملة السماوية الكريمة من آية من سورة الشورى، أكتفي بأن أنقل الآيات ليقرأها من يريد ‏بإمعان ويتعرف على المعنى الحقيقي للجملة الكريمة. سأضع خطا تحت الجملة الكريمة وبعض ما ‏قبلها وبعض ما بعدها وأذكر القارئ الكريم بأن يفكر في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة التي تكثر الإشارة ‏إليها في القرآن الكريم ثم يتعرف على معنى “وأمرهم شورى بينهم” المتوسطة بين الصلاة والإنفاق. ‏قال تعالى في سورة الشورى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) ‏وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ‏الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ‏‏(40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ‏وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ‏‏(43). ‏
‏13. ‏
قول أخي ماجد المولى التالي: ‏
والله بعلمه الأزلي يعلم بما سيختاره العباد بحرية إرادتهم الممنوحة لهم.. ويعلم مصيرهم ‏الذي سيؤولون إليه نتيجة اختيارهم هذه. فهل لديكم شك في علم الله هذا؟!!! انتهى النقل. ‏
ليس لدي شك بل أنا على يقين من خطأ ما تفضلتم به. هناك بحث ونقاش طويل لعل أخي ‏الأستاذ الدكتور أحمد مبارك بشير ينشره مستقبلا. لكنني باختصار أطلب من سيادته ألاّ ينسب ‏شيئا لم يقل به الله تعالى إليه سبحانه. هات آية قرآنية يقول الله تعالى ذلك وسوف أقوم بتخطئة ‏نفسي. وللعلم فهناك آية قرآنية في سورة الحديد لنقرأها معا: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي ‏أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22). هل تاريخ الإذن في الآية الكريمة ‏يعود إلى العلم الأزلي أم إلى لحظات قبل أن يبرأها الله تعالى. لو علم الله تعالى أمرا بعلمه الأزلي فإن ‏العبد ليس حرا ولا معنى للاختيار ولا معنى للحياة الدنيا برمتها أخي الكريم. هذا من أخطاء ‏السلف سنة وشيعة مع الأسف. سلفنا قالوا بأن التناقض مستحيل ولكنهم أتوا بالمتناقضات دون ‏أن يشعروا. ‏
قالوا بأن علم الله تعالى عين ذاته فإذا علم أمرا لا يمكن تصور عدم حصوله وأنا العبد مختار ‏بأن أعمل أو لا أعمل. أليست الجملتان متناقضتين أخي العزيز؟ هل قال الله تعالى بأنه كان يعلم ما ‏سنأتي به أم قال ليعلم؟ وكمثال ننظر إلى سورة سبإ: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلاّ فَرِيقًا ‏مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إلاّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ ‏عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21). أنا كأخ صغير لكم فخور بكم إخواني أنكم تحبون الله تعالى وتكرهون ‏أن تنسبوا إليه الجهل. لكن الله تعالى لم يقل بأن العلم بما سيفعله المختارون هو علم في حقيقته بل هو ‏محال إخواني. الله تعالى يعلم الممكن وقادر على أن يعمل الممكن لكن المستحيل فهو بحد ذاته ‏مستحيل ولا علاقة له بالقدرة والضعف ولا بالعلم والجهل. مثاله مثال الخالق الثاني فهو في حد ذاته ‏مستحيل ولا نقول بأن الله تعالى غير قادر على أن يخلق خالقا آخر؛ بل نقول بأن خلق خالق آخر ‏مستحيل لأنه حينذاك يكون مخلوقا لا خالقا. ‏
ومن الطريف أن أخي الكريم ماجد المولى ذكر آية من سورة النجم كشاهد على علم الله ‏تعالى المسبق بأفعال العباد وهي: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ‏هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ‏‏(32). أين قال الله تعالى في الآية بأنه كان يعلم بنا من الأزل؟ هو يعلم حقيقتنا حينما نكون أجنة في ‏بطون أمهاتنا. وهو أعلم بنا حينما أنشأنا من الأرض. متى أنشأني من الأرض؟ أنشأني حين ارتباط ‏الحيوان المنوي لوالدي مع البويضة في رحم أمي والحيمن والبويضة هما من الأرض. حقيقتنا التكوينية ‏إخواني مغاير لأعمالنا التي نقوم بها فيما بعد باختيارنا. حقيقتنا التكوينية تشير إلى قدراتنا الخَلقية. ‏هذا العلم ضروري للخالق. إنه به يقدر التقسيم الجغرافي لعبيده في الأرض. على أساس هذا العلم ‏يقدر للناس أن ينتقلوا من بلد إلى بلد ليوزع الأطباء والمهندسين وبقية العلماء والعمال وهكذا الذكور ‏والإناث في الأرض لتوزيع المهن والإمكانات في كل أرجاء المعمورة. ‏
ويترك باقي الأمر للأنظمة البشرية. فمثلا إذا رأى ربنا بأن القادرين على دراسة الطب ‏تكاثروا في بلد وتناقصوا في بلد آخر فهو سبحانه يقدر لبعضهم أن ينتقل إلى البلد الآخر حتى لا ‏يُحرم البلد الثاني من الأطباء ثم يترك توزيع المهن العلمية للأنظمة. وهو سبحانه لو لم يفعل ذلك فلعلنا ‏نرى بلدا كبيرا لا ينطوي على من يمكن أن يصير طبيا وعلماء الطب من ضرورات المجتمعات ‏الكبيرة. ‏
وهذا هو معنى قوله تعالى في سورة الرعد: اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا ‏تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9). لم يقل سبحان ما ستحمل ‏كل أنثى بل ما تحمل فعلا. وقال سبحانه في سورة الذاريات: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا (2) ‏فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4). الذاريات كما أظن تشير إلى ما يعرف بالسدم وعلى إثرها ‏تُصنع المجرات وهي الحاملات وقرا. ومن بعدها تُخلق النجوم أو الشموس والشمس هي الجارية ‏حتى في اللغة. ومنها تُخلق الكواكب الصلبة وهي الأراضي. وقد سماها سبحانه بالمقسمات بأمره ‏سبحانه. هذه ضرورة صناعة الكواكب الأرضية المسكونة في مختلف أرجاء الكون. وهو سبحانه ‏الذي يعلم كل ما يمكن علمه ليقوم بالتوزيع الدقيق للإمكانات الطبيعية والبشرية في كواكبه البليونية. ‏
وهناك مناقشات طويلة في مركز تطوير الفقه الإسلامي وفي تجمع المودة وفي جلساتنا القرآنية ‏حول علم الله المسبق بأفعال العباد. لقد اختصرتها في مقال نشر في المركز وسوف أرفقه بهذه ‏الرقيمة المتواضعة لعله يفيدكم. ‏
‏14. ‏
مسألة التاريخ. ليس لدينا أي تاريخ مدون من أيام الرسول ولا أيام الخلفاء الراشدين. ‏أعطوني عنوان ذلك الكتاب فلعلي أرى شيئا كان خافيا علي. التاريخ الذي كتبه الطبري وابن ‏خلكان والمسعودي وابن الأثير وغيرهم وأهمها في الواقع هو تاريخ الطبري. الطبري يبدأ تاريخه من ‏خلق آدم ويتحدث عن قصص آدم وأولاده وقصص الملوك ومن كان في عهدهم. من أين أتى الطبري ‏بتاريخ آدم؟ هل كان هناك مؤرخون آنذاك أم أنه مع احترامي له ينقل لنا مفتريات اليهود. فهل يمكن ‏أن نثق بشخص يتحدث عما لا يد له فيه؟ يقول البعض بأن رسولنا نقل قصص أنبياء السلف. ‏هاتوا آية واحدة تقول بأن هناك وحيا خاصا له عليه السلام ينبؤه عن أخبار إخوانه الأنبياء. ‏
قال تعالى في سورة يوسف: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن ‏كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3). وقال سبحانه في سورة هود: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ ‏عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا ‏إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49). وقصة نوح عليه ‏السلام موجودة في التوراة ولكن الله تعالى يؤكد عدم علم الرسول وعلم قومه ومنهم اليهود بقصة نوح. ‏ذلك لأن التفاصيل المذكورة في سورة هود زائدة على التفاصيل الموجودة في التوراة الأصلية كما يبدو ‏والله يفند كلها. وقال تعالى في سورة آل عمران: ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ ‏يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44). حكاية مريم ليست قديمة جدا بل ‏حدثت قبل ستة قرون فقط والرسول لا يعلمها لأنه لم يكن موجودا. فمن أين أتى الرسول عليه ‏السلام بحكايات السابقين أم أن مؤرخينا نقلوا لنا المفتريات فقط. ‏
وأما حكاية التاريخ الإسلامي. فلدينا مرجع واحد فقط وهو غير موجود بين أيدينا. يدعي ‏مؤرخونا ومنهم الطبري بأنهم اطلعوا على ذلك المرجع المفقود من المكتبة العربية. كاتب ذلك المرجع ‏هو محمد بن إسحاق. ومن هو محمد بن إسحاق؟ إسحاق أبوه من سبي العراق ويحتملون بأنه كان ‏من اليهود الذين أسلموا أيام الخليفة عمر رضي الله عنه. خلف إسحاق ولدا معروفا بالذكاء واسمه ‏محمد. يقول بن إسحاق بأنه أدرك نهايات حكم الإمام علي عليه السلام لكنه كان صغيرا. هذا ‏الشخص كان معروفا بين الناس أيام الخليفة المجرم أبي جعفر المنصور وكان له مجالس يحضره الناس ‏ليقص عليهم قصص الماضين بمن فيها حكايات نبينا. علم به المنصور وطلب منه أن يكتب تاريخ ‏الرسول وسيرته لتثبيت ما سمعه في مكتبة بني العباس وتعهد بأن يعطيه كل مصاريفه. فهو موظف ‏السلطة العباسية المأمور بكتابة التاريخ. سوف يكتب تاريخا يفيد بني العباس طبعا كما سيكتب ‏سيرة تفيدهم ولذلك أنفقوا عليه. مات ابن إسحاق ومات المنصور ومن بعدهم وفُقد تاريخ ابن ‏إسحاق وسيرته النبوية. ‏
في القرن الرابع الهجري ادعى شخص لا أذكر اسمه وهو من نجد بأنه عثر على السيرة النبوية ‏لابن إسحاق ويمكن أن تكون السيرة التي تطبع في زماننا هي نفس السيرة التي ادعاها ذلك النجدي. ‏أما التاريخ فهو مفقود تماما. الطبري مؤرخ تاريخ آدم يدعي بأنه ينقل من ابن إسحاق. وهكذا بقية ‏المؤرخين. ومن هو ابن إسحاق هذا؟ هل يمكن الاعتماد على تاريخ كتبه شخص بعيد عن ‏الصحابة وليس من أهلهم ولا من أهل التابعين وكتابه مفقود والذي أنفق عليه المنصور الدوانيقي؟ ‏هذا هو تاريخنا وهذه هي سيرتنا المكتوبة ناهيك عن بقية الأحاديث المعنعنة. عن أي تاريخ ‏تتحدثون؟ افتحوا عيونكم واتركوا هذه الكتب المضللة وعودوا إلى كتاب ربكم. ‏
‏15. ‏
موضوع المسكين واليتيم والأسير في سورة الإنسان الذي وضحته كشاهد. تشبث الأخ ‏ماجد المولى بتفسير السلف وبأنه المعقول. قلت حينما استشهدت بالآية بأنهم نقلوا حكاية خاصة ‏تعرفونها وفي النهاية وضعوا الإمام عليا وفضة الخادمة في مقام واحد عند ربهم وهذا لا يمكن أن ‏يكون صحيحا. لكن هذا الإشكال كما يبدو لم يقنع الأخ المولى بخطإ سلفنا. فإليكم إشكالات ‏أخرى على تفسيرهم: ‏
ألف: ‏
من الواضح بأن الآيات تتحدث بصورة عامة ولا تحكي قصة خاصة لنا. هل أتى على ‏الإنسان؛ إنا خلقنا الإنسان؛ إنا هديناه السبيل؛ إنا أعتدنا للكافرين؛ إن الأبرار. فالحديث عن ‏الإنسان وبأنه بعد أن يهديه ربه إلى طريقين يختار إحداهما وليس عن أشخاص معينين. ‏
ب: ‏
لكن الذي حصل هو أن المفسرين لم يتمكنوا من تعميم آية: ويطعمون الطعام على حبه ‏مسكينا ويتيما وأسيرا. لو كانت آية عامة فعليه حسب قواعدهم النحوية أن يقول سبحانه: ‏ويطعمون الطعام على حبه المساكين والأيتام والأسرى؛ أو يقول: المسكين واليتيم والأسير. لكنه ‏سبحانه قال يطعمون مسكينا. هذا يعني بأن الحكاية ليست عامة بل هو حكاية أشخاص قاموا ‏بعمل محبوب عند الله تعالى فأنزل بشأنهم آيات أو سورة ليصيروا مثلا لغيرهم. ‏
ج: ‏
وعلى الفرض الذي افترضوه فإن عليا وفاطمة والحسنان وفضة الخادمة في درجة واحدة في ‏الجنة وهي ليست من الدرجات العليا. فهناك الذهب مقدم على الفضة والذهب غير مذكور في ‏الآيات الكريمة. ‏
د: ‏
لم يعد الله تعالى أحدا بعينه بالجنة قبل موته. ذلك يعني بأن هذا الشخص انتهى اختباره ‏وصار بقاؤه في الدنيا بغير سبب عقلاني. إن الدنيا دار مصائب فلا يناسب الرحمن أن يصيب أهل ‏الجنة في الدنيا لكنه سبحانه يقوم بالابتلاء ليمحص القلوب وليميز المحسن من المسيء وليتعين درجات ‏المتقين وكذلك درجات الفاسقين. ولقد سمعنا الكثير عن المصائب التي أصابت سبطي الرسول ‏عليهم السلام بعد وفاة جدهم. ‏
هاء: ‏
الأسير يعني المسجون في سجون الدولة باعتباره أسير حرب فكيف جاز للدولة التي يرأسها ‏رسول الله عليه السلام أن يترك الأسرى يشحذون في الشوارع طالبين الطعام من أهل الخير؟ لو كانت ‏الدولة عاجزة عن إطعام الأسرى فعليه أن تطلق سراحهم فورا. على أن سير أسير الحرب في ‏الشوارع يخرجه أصولا من الأسر. ‏
و: ‏
كيف سمح الإمام علي عليه السلام لنفسه بأن يعطي طعام طفلين صغيرين صائمين للمسكين ‏واليتيم والأسير؟ هذا عمل محرم قطعيا. كان بإمكانه أن يعطي رغيفا للمسكين مثلا ويوزع الأرغفة ‏الأربعة بينه وبين فاطمة والحسنين وفضة رضي الله عنهم جميعا. ‏
ز: ‏
تزوج الإمام علي عليه السلام في المدينة حينما كان المسلمون في حالة جيدة والحكاية التي ‏اختلقوها يجب أن نفترض حصولها في نهايات حياة الرسول حيث كانوا في حالة مالية جيدة بعد أن ‏استرجعوا أموالهم من المكيين وبعد أن كسبوا أموالا كثيرة في حروبهم الدفاعية ضد أعدائهم. ‏فكيف نتصور صهر الرسول الأمين وبعد أن أنعم الله على المسلمين بالمغانم الكثيرة وهو يحتاج إلى أن ‏يقترض من شمعون اليهودي ما يشبعه وأهله ثلاث إفطارات دون سحور؟ ‏
ح: ‏
كان عمر الحسين عليه السلام حين وفاة جده الرسول عليه السلام أربع سنوات فلو فرضنا ‏بأن الحكاية وقعت في آخر حياة الرسول فكيف جاز لأبيه أن يسمح لابنه الطفل بالصيام أصلا وبلا ‏سحور؟ ‏
ط: ‏
هل يعرف الطفل الصغير أن يقوم بنذر الصوم وهل يجوز له الصيام وهل يجوز لأبويه أن ينذرا ‏الصوم للأطفال. ‏
والخلاصة أن الحكاية التي نقلوها لا يمكن أن ننسبها إلا إلى المفتريات ونرمي بها بعيدا عن ‏تاريخ رسولنا الأمين وأهل بيته عليهم السلام. وأما ما قلته في تفسير الآية فهي السبيل الوحيد ‏للخروج من مأزق الحكاية غير الصحيحة. فكرت كثيرا في الموضوع وحاولت بأن أستعمل النصب ‏بنزع الخافض فلم أجد حلا. ليس لي إلا القول بأن المسكين واليتيم والأسير حال للمتبرع بالطعام ولو ‏خالفت بعض قواعد النحويين. أكون شاكرا لمن يحل لي المشكلة ويهديني إلى تفسير أصح مما ظننته؛ ‏إلا أن تفسير المفسرين خطأ دون ريب. بالطبع أنني اختصرت الموضوع الذي أخذ مني قسما كبيراً ‏من محاضرة علمية غير قصيرة. وأما ظنون أخي المولى حفظه الله تعالى وإيانا فهي غير دقيقة مع ‏الأسف. ‏
‏17. ‏
وأما ما كتبه أخونا محسن الفهد فهو كلام صحيح وإشكاله في محله. أنا لا أؤمن إطلاقا بأن ‏الله تعالى عين لنا 12 إماما. وأعتبر حديث الثقلين إخبارا بالغيب لو فسرناه بالأئمة؛ والرسولُ عليه ‏السلام لا يعلم الغيب. ولو اعتبرنا الثقلين هما الكتاب والسنة فهو ضلال أيضا كما انتبه الأخ الكريم. ‏ذلك لأن كتاب الله تعالى موجود ومصان ولكن أين السنة المكتوبة فهي مثل العترة المزعومة؟ ‏مشكلتنا أخي الكريم بأننا لا نجد أي مؤرخ أو محدث يدعي بأن هناك كتابا خلفه الرسول عليه ‏السلام أو الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم. حتى النسل الأول من التابعين من بعد الصحابة ‏لم يخلفوا كتبا. ‏
أنا أعتبر الشيعة والسنة حزبين اجتماعيين لا بأس بهما لو أبعدناهما عن شريعة الرحمن عز ‏اسمه. على الشيعة والسنة أن يتركوا كل كتبهم التي كتبها سلفهم ويعودوا جميعا إلى كتاب الله تعالى ‏الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لعلهم يفوزوا برضوان ربهم. لقد حرم الله ‏تعالى علينا التحزب في الدين في سورة الروم: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ ‏أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ ‏لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا ‏تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32). ‏
فأنا شيعي جغرافي ولست شيعيا مؤمنا بالإمامة الإلهية التي ما أنزل الله بها من سلطان. ‏الأئمة الأحد عشر أناس عاديون عاشوا حياة لا بأس بها وليس لهم أي دور في تثقيفي عدا قليلا مما ‏ورثناه من بعضهم من حكم طيبة. أما الإمام الثاني عشر فهو مجرد وهم لا وجود له وقد تفرغ أخي ‏الكريم الشيخ أحمد الكاتب حفظه الله تعالى بدراسة الموضوع تاريخيا وهو مستعد ليرد على كل من ‏يستشكل عليه. والقرآن الكريم لم يذكر أي شيء عن الأئمة أو عن الإمام المهدي أو عن أن الله تعالى ‏يسبق يوم القيامة في الدنيا بأن يفرض الهدى على الناس عن طريق المهدي. ‏
قال تعالى في سورة الأنبياء: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ ‏مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47). وجدير بأن نقرأ مجموعة الآيات كاملة لنعلم ‏منها مسائل أخرى وهي: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ (45) وَلَئِن ‏مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا ‏تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ ‏الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ ‏مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (50). نعلم منها بأن وحي السماء لنا هو هذا القرآن وهو ذكر ‏مبارك، وبأن رسولنا أنذر قومه بهذا القرآن فلا نشعر بفقدان الرسول إلا عاطفيا. الرسول بقوله ‏موجود بيننا وهو الكتاب الذي أنذر به عليه السلام. ولعل سر البركة أو الزيادة هو ما نراه في القرآن ‏من دلائل واضحة على تشريعاته وهي التي قلما نجد مثلها في التوراة التي بين يدينا بغض النظر عن أن ‏اليهود ولعل بعض النصارى حرفوا الكلم عن مواضعه. وأظن بأن القرآن هو الرسول الحي الموجود ‏بيننا باعتبار الدلائل الموجودة بين صفحاته لأننا أكثر تطورا من سلفنا الذين سبقوا رسولنا البشري، ‏وكذلك الذين عاشوا في زمن الرسالة المجيدة. ‏
‏18. ‏
علم النحو العربي: ولا تنسوا إخواني بأن النحو منسوب في أساسه إلى الإمام علي بن أبي ‏طالب عليه السلام الذي قال كما نقلوا لنا والعهدة عليهم: الكلام كله ثلاثة أشياء اسم وفعل ‏وحرف؛ كل فاعل وما شابهه مرفوع وكل مفعول وما شابهه منصوب وما دونهما مجرور. ويقول ‏البعض بأنه عليه السلام تحدث عن المعرفة والنكرة وعن وجوه الإعراب بأنها الرفع والنصب والجر ‏والجزم. وكما يقولون بأنه قالها لأبي الأسود وأمره بأن يضع قواعد النحو حماية للغة القرآن من ‏الضياع. وتلاهما مجموعة كبيرة من كبار علماء المسلمين الذين أكملوا النحو في مدرسة البصرة ‏الكبرى وقسما منها في الكوفة. ويقول البعض بأن علم النحو بدأ من عهد الخليفة الراشد عمر ‏رضي الله عنه وهو الذي أوصى أبا الأسود ولكن عليا عليه السلام ساعده بوضع الأسس. وغير ‏ذلك من الأخبار التي تدل على أن النحو هو أول علم عربي في مدارس المسلمين. فليس من السهل ‏تجاهل النحو لمن يريد أن يعرف القرآن الكريم. ‏
‏19. ‏
وأخيرا نأتي إلى ما كتبه أخي الفاضل أحمد الكاتب. وبغض النظر عن أنني أعتبره من ‏أصدق إخواني فإني بدون ملاحظة الصداقة والصدق استمتعت بما كتبه فضيلته. لعل لدي ‏ملاحظات بسيطة أكره أن أذكرها هنا. لقد كتب الموضوع بدقة فاحصة فله الشكر على ما كتب. ‏
وجدير بالذكر أنني لا أعرف شخصيات الذين شاركوني في الكتابة عدا الشيخ الكاتب فأنا ‏أعتذر من كل من ظن بأنني ما اتفقت معه. أنا لا أتحدث عن الأشخاص فكلهم محترمون عندي ‏ولكنني أناقش المواضيع فقط. ‏
وهكذا نأتي إلى ختام هذه الرسالة الطويلة. ولا أدري كيف نجمعها في كتيب بسيط ‏وننشرها لتفيد الباحثين. والمجال طبعا مفتوح للإخوة المشاركين الذين ذكرتهم بالاسم أو نسيت أن ‏أذكرهم ليستمروا في المناقشة ولا سيما الرد علي كما يشاؤون لعلنا نصل في النهاية إلى بعض ‏التوافق. لكنني أوصي الإخوة بألا يكرروا ما قالوه لو كنت قد علقت عليها بالرد؛ إلا إن كان لديهم ‏دليل واضح على خطأي حتى لا يذهب وقتنا سدى. ‏
هدانا الله جميعا إلى طريق الصواب ورحم الله تعالى سلفنا وغفر لهم ولنا. رمضان كريم ‏وكل عام وأنتم بخير. ‏
أحمد المُهري ‏
‏12/5/2019 ‏

 #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

Advertisements

احتمالات الاخطاء النحوية


لأعتذر قبل البدء بالبيان. أرسل إلي أحد إخواني الكرماء أظنه الشيخ أحمد الكاتب قبل أكثر من عشر سنوات مقالة كتبتها سيدة فاضلة اسمها أمل عبد الله حول إشكالاتها النحوية على القرآن الكريم. بدأت بالرد عليها في حين أنني كنت مريضا مرضا صعب العلاج. ثم توقفت عن الكتابة كلية وطالت السيطرة على المرض الذي لا زلت أعاني منه ولكنه تحت السيطرة بحمد الله تعالى. هناك عدة مقالات نسيت إكمالها في ما بعد حتى تذكرت قبل أيام تلك المقالة وبحثت عنها فوجدتها ناقصة فعلا. فأعتذر من الذي أرسلها إلي وكذلك من الأخت الفاضلة كاتبة المقال أو المقالات إذ أنني أرد عليها في وقت قد لا يكون فيه جدوى لهم. على كل حال أنشرها لعلها يفيد من اطلع على مقالات الأخت أمل عبد الله. وهي هذه وترون في آخرها نص مقالات الأخت الكريمة.

احتمالات أخطاء القرآن النحوية

كثيرا ما نسمع عن الأخطاء النحوية في القرآن ونرى المؤمنين يردون على الذين يستشكلون بردود لا تتناسب مع شأن القدوس جل جلاله الذي أنزل هذا الكتاب العظيم ووعد بصيانته. إنني أعطي الحق لمن يشك في القرآن ولكنه وقبل أن يأخذ طريقه إلى الإلحاد مثلا فهو يسعى لمناقشة الموضوع مع الذين لهم بعض العلم. وأرجو من الجميع ألا يتوجهوا إلى أصحاب الإعلانات والألقاب والملابس الضخمة الذين يستفيدون من القرآن الكريم فهم الذين سببوا لنا مشكلة الشك الجدي في كتاب لا يمكن أن نتصور الخطأ فيه وإلا فهو عمل بشري لا يمكن الاعتماد عليه وليس لنا أن نركن إليه ونحن في طريقنا إلى المجهول الغامض الذي يفوق العقل والتصور وهو الوقوف أمام سيد الكائنات جل جلاله. ولو كان القرآن خطأ والعياذ بالله فإن من حق الناس أن يشكوا في الله تعالى وفي يوم الحساب أيضا. لكنه ليس كذلك.

وإننا قبل الخوض في هذا الموضوع الجاد كمؤمنين بالخالق العظيم علينا أن نفصل فصلا كاملا بين القرآن وبين أية مقولة أخرى فهي جميعها من صنع البشر. حتى الكتاب المقدس الذي استند إليه المفسرون الكرام لتكميل القصص القرآنية مثلا فهو كتاب بشري بشهادة الكنيسة نفسها. ونرى أسماء المؤلفين مرفقة بالكتاب عادة والكثير من الكتب الأصلية فيها مسماة باسم الذين كتبوها. حتى التوراة المضمونة في الكتاب المقدس وهي الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم فهم يقولون بأن النبي الأمين موسى عليه السلام قد كتبها. فذلك الكتاب باعتراف الذين ينادون باسمه ليس منزلا بإصحاحاته وجمله من العزيز الحكيم. إنما يظنون بأن الكاتبين قد استوحوا المسائل من الله تعالى ثم حولوها إلى كتب بلغاتهم وبأساليب كتابتهم. إنك ترى كتاب حزقيل واضح البيان جميل التركيب ومميزا عن بقية الكتب من حيث الإبداع البلاغي مثلا كما ترى المزامير تعبيرا واضحا عن الخيال الإنساني وهلم جرا.

وأما تفاسير المسلمين للقرآن فهي ليست ملزمة للكتاب المنزل وقد تكون خاطئة كما أنها فعلا كذلك. ولعل من الخير لنا أن نكتفي بهذا التقديم البسيط ونتولى معا قراءة بعض الآيات التي تحتوي على أخطاء نحوية كما تتراءى للقارئ في البداية ولكن علينا فعلا أن ننفصل مرة أخرى عن أمرين آخرين:

هما كل المعاني التي ترسخت في أذهاننا كموروثات ذهنية بنينا عليها الكثير من عقائدنا وعباداتنا ونتقبل أنها قد تكون خاطئة أيضا.

والأمر الثاني هو أن القرآن منزل قبل كتابة النحو واللغة فلا يمكن إلزامه بالنحو في الواقع بل يمكن تخطئة أئمة النحو فيما كتبوه وسعوا سعيا كبيرا للتوفيق بين قواعدهم الموضوعة وبين الجمل القرآنية. وإنني لم أر فيما نشروه من أخطاء نحوية وصلتني وحطت عليها ناظرتي أية اختلافات نحوية من هذا النوع ولكني بنفسي وأنا من الذين يمعنون في الكتاب العظيم ولا يعتمدون أبدا على غيره لفهم معناه، فإني بنفسي في محاضراتي ذكرت بعض تلك الاختلافات وأوعزت الإشكال إلى أئمة النحو وسوف تُكتب جميعها في التفسير بإذن الله تعالى. لكنني هنا أعلق فقط على الأخت أمل عبد الله  ولنبدأ:

قالت الأخت الفاضلة أمل عبد الله فيما نُشرت باسمها يوم 3/9/2007 وقد وصلتني قبل أيام عن طريق أحد إخواني المتتبعين بأنها تركت الطرق الروتينية وخرجت على البنيان المعروف باسم رجال الدين أو الفقهاء أو المفسرين حسب تعبيري طبعا؛ فأخذت الأخت طريق الإلحاد لتتخلص من الوصايات والتعقيدات التي ينسبونها إلى الله تعالى بزعمهم. إنني بداية أكبر فيها هذه الشجاعة وأدعو الجميع بأن يتخلصوا من هذه الوصايات ويأخذوا سبيل البحث العلمي بكل راحة. لا أريد أن أدافع عن القرآن الكريم فلو كان القرآن بحاجة إلى دفاع أمثالي فهو ليس كتاب الله تعالى. إنني أدافع عن نفسي وعن الشجعان الذين خرجوا على هذه العمارات الكرتونية التي لا تنطوي على علم كبير ليكونوا على نور إذا أخذوا طريق الإلحاد لا سمح الله. هناك فهم أحسن حالا من المقلدين دون شك أمام ربهم يوم الحساب. ذلك لأن الله تعالى لم يدع إلى التقليد ولا إلى التبعية بل دعا إلى التدبر والتفكر حتى بالنسبة للذين عاصروا الرسول الأمين محمد بن عبد الله عليه السلام. قال تعالى في سورة ص: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (29). فلم يقل لنبيه ليقلدوك فيه بل قال له ليتدبروا بأنفسهم آيات الكتاب.

وقال سبحانه بتفصيل أكبر في سورة النساء: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (81) أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83). فالرسول مأمور ببيان الأوامر الوقتية في الواقع أكثر من بيان التماسك العلمي في القرآن. هناك الذين يتدبرون القرآن وهم قادرون بأنفسهم أن يُلاحظوا عدم وجود الاختلاف في آيات الكتاب الكريم. ذلك بأن كل أمة ومجموعة بل كل فئة علمية حتى في أيام الرسول نفسه فهم على نوع مغاير من العلم مع محمد بن عبد الله عليه السلام؛ والقرآن يجب أن يبرز لهم جميعا بأنه كتاب متماسك لا ينطوي على أي اختلاف. ولذلك فإني أكبر الذين يشككون في القرآن لو فعلوا ما فعلوه بحسن نية ولا أواجههم إلا بما أوتيت من العلم لعلي أكون عونا لهم في فهم القرآن.

إشكالها الأول

رفع المعطوف على المنصوب 
جاء في ( سورة المائدة 5: 69) : ” إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ ” . وكان يجب أن ينصب المعطوف على اسم إن فيقول: والصابئين في كما فعل هذا ورد فى البقرة 2: 62 والحج 22: 17 

قال تعالى في سورة المائدة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69). ولكنه سبحانه قال في البقرة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62). وقال سبحانه في الحج: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17).

بالطبع أن الذي ذكر الموضوع ثلاث مرات وأصاب مرتين منها نحويا – كما تراءى للأخت – فهو يعرف بأن المعطوف تابع لا يجوز تغيير آخره إلا إن لم يكن معطوفا. فدعنا نفكر في معاني الآيات الثلاث لنميز بين المعطوف وغير المعطوف.

فآية الحج تتحدث عن عدم تمكن غير الله تعالى من الفصل يوم الحساب بين الناس وهم يحملون عقائد مختلفة ومتباينة وكل أمة مأخوذة بما آمنت به وما تعقلته وليس بغير ذلك. فكيف للبشر أن يفصلوا بين اليهود والنصارى والمسلمين والصابئين والمشركين والمجوس؟ ذلك لأن سورة الحج جاءت لرفض الشفاعة الأسطورية الكاذبة بالدرجة الأولى والتي آمن بها اليهود بوحي من الشيطان ثم اتبعهم النصارى والمسلمون. وقد أثبت الله تعالى لليهود حينما كانوا محتضنين نبيهم موسى بأنه لن يتشفع لهم. أثبت لهم مرتين إحداهما يوم عبدوا العجل ليكون العجلُ رمزا مشيرا إلى رسولهم موسى حتى يعود إليهم موسى أو يبقوا على عبادتهم معتبرين موسى وسيطا بينهم وبين الله وهو شرك بالطبع إذ لا وسيط بين العبد وربه في منطق الرحمن سبحانه وتعالى. هنالك تخلى عنهم موسى كما في سورة الأعراف: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151). ومرة أخرى حينما استنكف بنو إسرائيل عن محاربة أهل القدس -ولعلهم الفلسطينيون القدامى- ليحرر القدس منهم حيث قال موسى كما في سورة المائدة: قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25). فكل الذين في آية الحج معطوفون على بعضهم البعض لأنهم في موقف واحد. كلهم عاجزون عن الفصل بين الناس يوم القيامة.

وأما آية سورة البقرة فهي تتحدث عن اهتمام بني إسرائيل بأسرتهم وبأن الله تعالى فضلهم على العالمين ويعترف الله تعالى لهم بذلك ولكنه سبحانه يؤكد لهم بأن التفضيلات الدنيوية لا شأن لها في الآخرة ولا يفرق الله تعالى هناك بين إنسان وإنسان إلا بالتقوى. فقد ذكر سبحانه حالهم في بدايات السورة هكذا: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49). ونلاحظ أنه سبحانه بدأ مباشرة بعد أن وضح لهم عدله ورفضه لأية شفاعة يوم القيامة بأن تفضيلهم في الدنيا لم يكن تفضيلا شاملا بل فضل عليهم الفراعنة حيث ساموهم سوء العذاب. فلو كان التفضيل شاملا لما جعلهم تحت رحمة المصريين الأقباط. في هذه السورة يعطف الله تعالى الأقوام على بعضهم البعض ليؤكد عدم اهتمام الله تعالى بالأسر وبالتفضيلات الدنيوية وعدم تفريقه بين الناس يوم القيامة باعتبار مذاهبهم الدنيوية التي انتقلت إليهم عن طريق التحزب والوراثة لا غير بل إنه سبحانه سوف يهتم بالتقوى والإيمان به وباليوم الآخر فقط باعتبار أنهما حقيقتان لا يمكن للعقل أن يرفضهما.

وأما آية المائدة فإن السورة تتحدث عن العقود المبرمة بين الله تعالى وبين خلقه. وهذه العقود والمواثيق قد تكون طبيعية كما هي في التفريق بين وحدتي الجينات الحاملات لكروموزومات تنطوي على المجموعة الأنثوية من المجموعة التي تنطوي على كروموزومات الجنس الذكري. وقد تكون تشريعية مثل الكتب التي ينزلها الخالق العزيز على مجموعة بشرية في زمان ومكان محددين ليأخذ منهم النماذج ثم يطبق عليهم بقية البشر تحقيقا للقسط الذي وعدنا به يوم القيامة. بالطبع أن هذه المواثيق تكون ملهمة لمن أراد أن يعرف تشريع السماء أيضا. وليس في الكوكب الأرضي أكثر من تشريعين كاملين هما تشريع التوراة وتشريع القرآن. هذان الميثاقان أرسلهما الله تعالى تشريعا للأمتين المعروفتين أيام موسى ومحمد عليهما السلام ثم وافق عليهما بالوكالة عن الأمتين تكوينا باعتباره وكيلا على كل شيء لأنه يملك كل شيء جل جلاله. ويُعتبر هذان التشريعان ملزمين لهما كما يُعتبر تشريعات الملوك العاديين ملزمة لأممهم وكذلك عقودهم التي يبرمونها مع الأجانب ملزمة لشعوبهم أيضا. ووكالتهم عن الأمة أضعف بكثير من وكالة الله تعالى عن الأمة وهو سبحانه قد تولى خلقهم ومنحهم الحياة وتولى رزقهم وتعليمهم وتطويرهم ورعايتهم.

فهو سبحانه وفي هذا المجال يؤكد على اليهود والمسلمين عدم جدوى احتضانهم للتوراة والقرآن يوم القيامة بل العبرة كل العبرة بالتقوى والإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر وعمل الصالحات ليكون العمل تأكيدا على خوفهم الحقيقي من ربهم ومن اللقاء به. كل ذلك للتأكيد على عدالة السماء. فالذين آمنوا وهو تعبير قرآني عن المسلمين الأوائل إن جاء مطلقا، والذين هادوا وهو تعبير قرآني عن بني إسرائيل حين نزول التوراة عليهم؛ هما المقصودان في آية المائدة وليس الباقين. لكنه سبحانه أضاف الباقين إليهم ليقول بأن المواثيق الكاملة أو عدم وجود ميثاق تشريعي لا يمكن أن يؤثر إيجابيا يوم الحساب لصالح من أرسلت إليهم المواثيق. فالواو في”والصابئون” ليس واو عطف بل هو واو استئناف. ومعناها بإذن الله تعالى هو: إن الذين آمنوا والذين هادوا (من آمن بالله…) وهكذا الصابئون والنصارى (من آمن بالله…). ولكنه سبحانه اختصر باعتبار أن رفع الصابئين واضح لعدم وجود العلة في آخره كالنصارى المعتلة الآخر أو الموصول بالذي كالذين هادوا. والسبب في تقديمه الصابئين على النصارى هو أن عناية السورة الكريمة هو في رد النصارى باعتبار شدة غلوهم في نبيهم واعتبارهم إياه شريكا حقيقيا مع الله في منطقهم الثالوثي. بالطبع أن المسيحيين الذين أتوا فيما بعد مثل شهداء اليهوه ورفضوا الثالوث فهم غير مقصودين في الآية لغيابهم الزماني.

وقد ذكر ابن هشام في مغني اللبيب مثالين لواو الاستئناف هما نهاية الآية 282 من سورة البقرة: … وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ وكذلك الشعر التالي:

على الحكم المأتيّ يوما إذا قضى        قضيتَه أن لا يجورَ ويقصدُ.

وأنا أعتبر واو الاستئناف متضمنا معنى العطف أيضا ولعل النحاة أو بعضهم يوافقني في ذلك ولكنه ليس من التوابع اللفظية. فقد عطف الله تعالى إكرامه للناس بالتعليم، على أمره إياهم بالتقوى في الحقيقة. ذلك لأنه سبحانه يُعلِّم الذين اتقوا ولا يُعلِّم الذين لا يتقون طرقَ كسب الرضوان. كما أنه سبحانه في آية المائدة يعطف الصابئين والنصارى على المسلمين واليهود في مسألة إقامة القسط يوم القيامة ولكنهم غير معطوفين عليهم في استلام التشريع الكامل. واستلام التشريع الكامل يمكن أن يكون سببا للشعور بالأفضلية ولكن المسيحيين الذين استلموا تشريعا ناقصا فهم يغلون في نبيهم أضعاف غلو اليهود في موسى كما أن المسلمين الذين غلوا فيما بعد في نبيهم فإن غلوهم لم يصل إلى غلو المسيحيين في المسيح عليه السلام. ويمكن للأخت أن تقرأ السورة بعد بياني هذا وتطمئن من صحة كلامي والعلم عند الله تعالى.

الإشكال الثاني

نصب الفاعل
جاء في ( سورة البقرة 2: 124): ” لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ” . وكان يجب أن يرفع الفاعل فيقول: الظالمون .

قال تعالى في سورة البقرة: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124). فكلمة “الظالمين “حسب رأيها فاعل للنيل ويجب أن تكون مرفوعة. والحقيقة أن الإخوة المفسرين الكرام لم يعرفوا معنى الآية مع الأسف. لقد ظنوا بأن إبراهيم سأل ربه أن يعطي عهد الإمامة لذريته والحال أنه سأل ربه أن يجعل ذريته ضمن الناس الذين يؤمهم فقال له الله تعالى بأن إمامة إبراهيم عهد إلهي لا يمكن أن يصل إلى الظالمين. فكل من لم يظلم من ذريته فهو نائل عهد الله وهو مستفيد من إمامة إبراهيم وليس غيرهم. فالظالمين هنا مفعول للنَّيل وليس فاعلا للنيل. ومعنى الجملة لا يصل عهدي إلى الظالمين.

فأما تفسيري لنال بمعنى وصل هو قوله تعالى في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94). فتناله أيديكم تعني تصله ايديكم. وهكذا فإن لا ينال عهدي الظالمين يعني لا يصل عهدي الظالمين. فالظالمين مفعول للنيل وليس فاعلا.

وأما ادعائي بأن المقصود هو أن يكون المرء مستفيدا من إمامة إبراهيم هو قوله تعالى في سورة آل عمران: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68). فإبراهيم وحده هو إمام الناس الذين أتوا بعده بمن فيهم الأنبياء. وهو إمامة تشريعية غير تكوينية ولا يوجد في القرآن إمامة تكوينية وهو محض خيال لدى الذين يؤمنون بها.

ومحمد بن عبد الله هو تابع لإبراهيم ويستحق ذلك لأنه ترك عبادة الأصنام في حين كان أفراد عشيرته يعبدونها قبل الإسلام وكثير منهم بعده أيضا. وقد وضح الله تعالى متعلَّق إمامة إبراهيم بعد الآية بأن أمره بتطهير مكة وبنائها كمدينة تستضيف الزائرين من الناس جميعا بغض النظر عن كونهم مؤمنين أو فاسقين. ومكة بيت الله تعالى لا باعتبار العبادة فيها بل باعتبار أنها ورشة عمل رب العالمين. إنه سبحانه طيلة مئات الملايين من السنين خلق وطوَّر فيها الأنعام الثلاثة المشتركةِ حليَّتُها بين اليهود والمسلمين، وخلق فيها الإنسان الأول. والله تعالى يخلق عادة عن طريق التطور لا غير فيأخذ وقتا طويلا. وهو الطريق المناسب لشأنه عز اسمه ولكن الإخوة المفسرين اليوم لا زالوا يقلدون الذين مضوا وهم أقل من هؤلاء علما دون شك.

الإشكال الثالث

تذكير خبر الاسم المؤنث

جاء في (سورة الأعراف 7: 56 ) : ” إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ” . وكان يجب أن يتبع خبر إن اسمها في التأنيث فيقول : قريبة .

قال تعالى في سورة الأعراف: وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56). هذا إشكال غريب صدوره ممن درست النحو فقريب صيغة مبالغة على وزن فعيل وهو وفعول يشتركان في التذكير والتأنيث. بمعنى أن الصيغتين يمكن استعمالهما للمذكر والمؤنث معا بدون الحاجة لإضافة علامة التأنيث.

الإشكال الرابع

تأنيث العدد وجمع المعدود

جاء في ( سورة الأعراف 7: 160): ” وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ” . وكان يجب أن يذكر العدد ويأتي بمفرد المعدود فيقول: اثني عشر سبطاً .

قال تعالى في سورة الأعراف: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160). فكان يجب أن يُذكّر العدد ويأتي بمفرد المعدود فيقول: اثني عشر سبطا. كما قالته الأخت الفاضلة أمل.

والحق أن أسباطا هنا ليس تميزا للعدد بل المقدر هو أمة بغض النظر عن تناسلهم الأسري. وقد أشار إليهم سبحانه في نفس الآية حينما استنتج بعد ضرب العصا بأن كل أناس قد علموا مشربهم. والمسألة واضحة بأن الله تعالى يخالف بني إسرائيل في الاهتمام بأولاد يعقوب وكأنهم زهرة الأرض. إنهم يسمون أنفسهم الأسباط باعتبارهم أولاد يعقوب والله يسميهم الأمم باعتبارهم كتلة من الناس اتفق أن كانوا أولاد عم أيضا. والله تعالى يريد أن يستفيد أيضا من بعض المزايا اليهودية لينصح الآخرين بألا يفوتهم هذه المزايا الطيبة ولكن عليهم بألا يختالوا على غيرهم. كقوله تعالى في سورة النساء: يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26). والسنن هي سنن اليهود في اختيار الزوج ألا يكون عبدا أو أَمَة. ذلك لأنه سبحانه قبل الآية منع المسلمين من الزواج بالإماء قبل أن يتمكنوا من إعادة الحرية إليهن. ولعل السبب هو أن الأم تمثل العنصر الأساسي للنسل وأهميتها أكثر بكثير من الأب فشعورها بعدم التساوي مع زوجها يؤثر تأثيرا بالغا في تطور النسل، ولا يمكن تجربة التطورات الجينية بسهولة ولكن الله تعالى علَّم المسلمين إلا أنهم مع الأسف اتبعوا شهواتهم ولم يستمعوا إلى إرشادات ربهم.

وقد أشار إليهم مرة أخرى بعد عدة آيات بقوله الكريم: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168). فالتميز في الآية 160 مقدر وهو الأمة. وأصل الجملة احتمالا: وقطعناهم اثنتي عشرة أمة إذ جعلنا كل سبط منهم أمة. إنه سبحانه يذكر قصة تحويلهم إلى أمم وقبولهم لذلك بأنهم تفرقوا في المشارب وهذا يدل على تفككهم الأسري الذي يتبجحون بعكسه أمام الغير. ولكنه سبحانه ينسبهم إلى إسرائيل في أماكن كثيرة كاسم علم يجمعهم ويدل على اهتمامهم بإسرائيل عليه السلام. هو ضرب من المديح كما أنه ضرب من الاحتجاج عليهم بأنهم مع احتفاظهم ببعض أصول التماسك الأسري ولكنهم في الواقع أنانيون في أنفسهم يفضل كل منهم نفسه على الآخرين. فيصير ذما يوضح عقدهم النفسية أيضا. ثم إن الله تعالى لا يمانع أن ينسب أمة أو أمما من البشر إلى أنبيائه الكرام كما ينسب أصحاب النبي وأكثرهم من بني إسماعيل إلى إبراهيم وإسماعيل. ذلك تشجيع لعبيده أن يتأسوا ببعض مزايا آبائهم ولا يتباطئوا في اتباع إيجابياتهم المفيدة. والخلاصة أن أسباطا سوف يكون بعد كل هذا بدلا عن الأمة التي هي تميز العدد وأما أمما فهي بدل عن أسباطا حيث أن الأممية حلت محل السبطية في الواقع فهو بدل الكل من الكل حقيقة. هذان البدلان يوضحان لنا التميز المقصود وهما المقصودان في الحكم والعلم عند الله تعالى.

الإشكال الخامس

جمع الضمير العائد على المثنى

جاء في ( سورة الحج 22: 19) : ” هذا نِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ “. وكان يجب أن يثنّي الضمير العائد على المثنّى فيقول : خصمان اختصما في ربهما

قال تعالى في سورة الحج: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19). والمفروض أن يقول اختصما حسب رأي الأخت أمل.

فلو نعود إلى ما سبقتها من آيات نرى بأن الله تعالى وزع الذين يؤمنون بالله على عدة أصناف وبين لنا بأن الخصام بينهم جميعا حول الله تعالى وليس حول الأنبياء وغير الأنبياء. ثم إنه سبحانه يريد أن يوضح مكان كل مجموعة منهم في الحياة الأبدية فإنه قسمهم إلى كافر وغير كافر. ذلك لأن العبرة هناك بمن يجحد الحقيقة وليس بمن انحدر من أصول مؤمنة أو غير مؤمنة في مقابل الذي يقبل الحقيقة وهما الكافر والمؤمن. وكل مجموعة منهم يمثل فريقا في مقابل الفريق الآخر. إن هدف السورة أن يعزو كل أنواع العداء بين الناس حول الدين إليه سبحانه. ذلك بأن كل مجموعة يشرك من يحبه بربه بشكل من الأشكال. فالخصام حول الله في الواقع وليس حول الأنبياء ولا حول أصحاب المذاهب. والمقصود من كل ذلك أن يتخلصوا من النار بسهولة وأن يدخلوا الجنة من الباب الخلفي كما عبر به أحد إخواني المؤمنين. فهذان يعود إلى الفريقين الجاحد للحقيقة والخاضع للحقيقة. وأما الاختصام فهو بين أفرادهم في الواقع فأصحاب الفريقين بأفرادهم اختصموا مع بعضهم البعض. بالطبع أن فهم الآية يحتاج إلى مقدمات كثيرة غير مألوفة للناس العاديين ولا مجال لذكر كل شيء في هذا المختصر.

الإشكال السادس

أتى باسم الموصول العائد على الجمع مفرداً 

جاء في ( سورة التوبة 9: 69 ) : ” وَخُضْتُمْ كَالذِي خَاضُوا “. وكان يجب أن يجمع اسم الموصول العائد على ضمير الجمع فيقول: خضتم كالذين خاضوا 

ذكرت الأخت المحترمة مقطعا من الآية التالية من سورة التوبة وعلقت عليه بأنه كان يجب أن يجمع اسم الموصول العائد على ضمير الجمع فيقول: خضتم كالذين خاضوا.

بالطبع تلك مسألة بسيطة جدا وهي أن المقصود ليسوا هم بل عملهم. فقال سبحانه بما معناه خضتم كخوضهم. فجملة خاضوا مؤولة بمصدر.

الإشكال السابع

جزم الفعل المعطوف على المنصوب
جاء في ( سورة المنافقون 63: 10 ) : ” وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِين ” َ وكان يجب أن ينصب الفعل المعطوف على المنصوب فأَصدق وأَكون

ليس كذلك أختنا الفاضلة. أليس معنى الجملة هي: إن أخرتنِ أصدَّقْ وأكنْ. هي جملة شرطية ولكن الشخص يريد أن يؤكد على ما سيقوم به إن أخره الله تعالى وهو أن يتصدق. فيقول ذاكرا نتيجة تأجيل موته بأنه سوف يتصدق جزما فنتيجة التصدق أن يكون من الصالحين. ولذلك عطف أكن على محل أصدَّق وهو الجزم باعتبار أن محله جواب الشرط.

الإشكال الثامن

 جعل الضمير العائد على المفرد جمعاً
جاء في ( سورة البقرة 2: 17 ) : ” مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ” . وكان يجب أن يجعل الضمير العائد على المفرد مفرداً فيقول: استوقد… ذهب الله بنوره .

قال تعالى: فلما أضاءت ما حوله بمعنى فلما أضاءت النار ما حول الذي استوقد النار. والذين هم حول الذي استوقد النار هم زملاؤه المنافقون الذين قال عنهم الله تعالى: مثلهم. فهم استفادوا من النور فأذهب الله تعالى عنهم النور الذي استفادوا منه. إنه نور الله تعالى باعتبار ملكه ونورهم باعتبار أنهم هم المستفيدون وليس الله تعالى. هذا مثل قوله تعالى في سورة الشعراء على لسان فرعون: قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27). فموسى رسول الله تعالى ولكنه رسولهم باعتبار أنه مرسل إليهم.

الإشكال التاسع

نصب المعطوف على المرفوع
بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالمُؤْمِنُونَ
جاء في ( سورة النساء 4: 162 ) : ” لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ  بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ” . وكان يجب أن يرفع المعطوف على المرفوع فيقول : والمقيمون الصلاة .

الآية كما في سورة النساء متحدثة عن أهل الكتاب: لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162). هناك اختلاف كبير بين المفسرين من النحاة وعلماء اللغة حول إعراب هذه الآية. ولي رأي مغاير معهم. فباختصار أقول:

إن حالة المؤمنين في كل ما يأتون به فردي عدا حالتهم في الصلاة فهي حالة جمعية وليست فردية. والحالة غير التوجه الذي يجب أن يكون فرديا بين المؤمن وخالقه ليكسب رضوان ربه. فكل مصل له حالة جمعية وتوجه فردي كما أن كل الآخرين لهم حالة جمعية وتوجه فردي إلى الله تعالى. فيكون الشكل الكامل للآية إعرابيا هكذا: الواو الأولى للبيان طبعا، وأصلها: والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، والواو قبل المقيمين واو عطف على المفاهيم لا على المصاديق. ويكون شكل الجملة: والذين يقفون مع المقيمين الصلاة؛ فالمقيمين مجرور وليس منصوبا. والذين يؤتون الزكاة والذين يؤمنون بالله وباليوم الآخر…

ولنعلم الفرق بين الجملتين: الذين يقفون مع مقيمي الصلاة والذين يقفون مع المقيمين الصلاة. فالأولى تشمل كل من يقيم الصلاة والثانية خاصة تقتصر على الذين أقاموا الصلاة مع رسول الله محمد خاتم النبيين. فـ أل قبل المقيمين للتعريف.

الإشكال العاشر

نصب المضاف إليه

جاء في (سورة هود 11: 10 ) :” وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ” . وكان يجب أن يجرَّ المضاف إليه فيقول: بعد ضراءِ

ضراء نحويا مضاف إليه فعلا ولكنها ممنوعة من الصرف باعتبار ألف التأنيث.

الإشكال الحادي عشر


 
أتى بجمع كثرة حيث أريد القلة

جاء في (سورة البقرة 2:) 80 : “ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ” . وكان يجب أن يجمعها جمع قلة حيث أنهم أراد القلة فيقول: أياماً معدودات

الإشكال الثاني عشر

أتى بجمع قلة حيث أريد الكثرة

جاء في ( سورة البقرة 2: 183 و184 ) : ” كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَات ” . وكان يجب أن يجمعها جمع كثرة حيث أن المراد جمع كثرة عدته 30 يوماً فيقول: أياماً معدودة.

أوزان جمع القلة والكثرة ليست أوزانا عربية قديمة وإنما هي أوزان احتمالية ظنها النحاة وقالوا بأنها تكون كذلك على الأكثر. فهي ليست قاعدة نحوية. ولعل الأستاذة الفاضلة تعرف بأن النحو بصدد إصلاح أواخر الكلم وليس بصدد وضع الأعداد القياسية.

الإشكال الثالث عشر

الحوار المتمدن – العدد: 2028 – 2007 / 9 / 4

عزيزي القارئ، لنتابع سلسلة الأخطاء النحوية في القرآن، ولكن قبل أن أوضحها يوجد لي اسئلة بحاجة إلى أجوبة عقلانية، إذا كان القرآن قد دون في اللوح المحفوظ منذ آلاف السنين قبل مجيء الرسالة الإسلامية وقبل مجيء النبي محمد لماذا لم ينتبه الله لتلك الأخطاء ولم يصححها قبل أن ينزلها في قرآنه؟! وكيف يخطئ الله في اللغة وهو العالم بكل شيء؟ وكيف يقولون أن الله يعلم بالغيب وهو لم يعرف أن القرآن يحوي أخطاء كثيرة؟إن الأخطاء الحاصلة في القرآن تجعلنا نقف عند نقطة في غاية الأهمية وهي أن هذا الكتاب لم يكن تحت رقابة إلهية! وإلا فلماذا وجدت تلك الهفوات إذا كان القرآن تحت الرعاية الإلهية وتحت وصايته الخاصة؟ 

لم يقل الله تعالى بأن القرآن المنزل على الرسول محمد عليه السلام هو في اللوح المحفوظ قبل آلاف السنين. اقوال المفسرين ليست حجة على القرآن فهم بشر يكتبون ما يبدو لهم. واللوح في اللغة العربية يعني ما يُكتب فيه كما يقول علماء اللغة. وأما تعليقات السيدة الفاضلة فمن حقها لأنها ظنت فعلا بأن القرآن ينطوي على أخطاء. نتمنى من ربنا أن يغفر لنا جميعا.

الإشكال الرابع عشر

جمع اسم علم حيث يجب إفراده
جاء في : ” سورة الصافات 37: 123-132 ” : ” وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ… سَلاَمٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ … إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِين ” . فلماذا قال إلياسين بالجمع عن إلياس المفرد؟ فمن الخطالغوياً تغيير اسم العلَم حباً في السجع المتكلَّفوجاء في (سورة التين 95: 1-3 ) : ” وَالتِّينِ وَالزَيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِين “ِ . فلماذا قال سينين بالجمع عن سيناء؟ فمن الخط الغوياً تغيير اسم العلَم حباً في السجع المتكلف

أظن بأن الكاتبة العزيزة بحاجة إلى أن يراجع الشعر والنثر العربي القديم ثم يتحدث عن السجع المتكلف. ونحن لا نعرف المقصود من إلياسين في الواقع لأننا لا نعرف الرسول إلياس عليه السلام. ولكن هذا ليس إشكالا علميا. وأما طور سينين فهو غير طور سيناء. طور سيناء هو الجبل الذي كلم الله تعالى فيه موسى عليه السلام. وطور سينين كما نحتمل هو المكان المسور بالعنب احتمالا حيث نقل الله تعالى آدم وحواء إليها ليبعدهما عن الحيوانات الموجودة في مسقط رأسهما مكة. المقصود ألا يطلعا على الحركات الجنسية قبل أن ينضجا. والعلم عند المولى عز اسمه.

الإشكال الخامس عشر

أتى باسم الفاعل بدل المصدر 
جاء في (سورة البقرة 2: 17 )  ” لَيْسَ َالبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ“. والصواب أن يُقال: ولكن البر أن تؤمنوا بالله لأن البر هو الإيمان لا المؤمن. 

الآية عامة تشمل معنى البر ومصاديقه ولذلك اهتم ربنا بأن ننظر إلى ما يقوم به المؤمنون الصادقون من أعمال خيرية فهم نماذج لغيرهم أيضا. فهناك مقدر في الآية وهي (بِرُّ). بمعنى ولكن البر بر من آمن بالله. ودأب القرآن الاختصار لأن العرب في الماضي كانوا يختصرون ولذلك اكتفى بقوله أن تؤمنوا. وهناك مسألة أخرى وهي أن البر عند الله تعالى لا يقتصر على العقيدة والإيمان بل يجب أن يقترن بالعمل أيضا. فالآية بالشكل الذي نراه أكثر عمقا من الشكل الذي تصورته الأخت الكريمة كما أحتمل.

الإشكال السادس عشر

نصب المعطوف على المرفوع
جاء في (سورة البقرة 2: 177): ” وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ “. وكان يجب أن يرفع المعطوف على المرفوع فيقول: والموفون… والصابرون

أظن بأن الأخت الفاضلة لم تسع جاهدة لفهم معنى هذه الآية التي يصعب فهمها فعلا. ولذلك أتت بإشكال غير وارد برأيي المتواضع. العرب كانوا يغيرون حركة آخر الكلمة حين المدح أو الذم أو حينما يريدون المزيد من التأكيد. هناك صناديد عربية حضروا الرسالة المجيدة ورأوا وسمعوا هذه الآيات ولم يعترضوا كما أن هناك مسيحيون غير موافقين مع سماوية القرآن وقد كتبوا كتبا نحوية واستشهدوا بالقرآن الكريم ولم يعترضوا. الصابرين مفتوحة لبيان المزيد من المدح لهم. وهناك في ميراثنا الشعري ما يشابه ذلك وأقدم شعرا مماثلا نقله الطبرسي للفراء:

إلى الملِك القَرْمِ وابن الهِمام      وليثَ الكتيبةِ في المُزدَحَم

وذا الرَّأي حين تَغُمُّ الأمور        بذاتِ الصَّليلِ وذاتِ اللُّجُم

فنصب ليثَ الكتيبة وذا الرَّأي على المدح. وحتى لا يظن أحدٌ الخطأ فإن الهِمام بالكسر هو جمع الهُمام بمعنى الشجاع.

وهذا الشعر لذي الرمة:

لقد حملت قيسُ بن عَيلانَ حربَها        على مُستقِلٍّ للنوائبِ والحَربِ

أخاها إذا كانت غِضاباً سما لها         على كلِّ حالٍ من ذَلولٍ ومن صعبِ

فنصب الشاعر أخاها على المدح.

وهناك نصب على الذم كقوله تعالى: وامرأتُه حمّالةَ الحطب. وقال البعض بأن حمالةَ منصوب على الفعل. أو قوله تعالى في سورة الأحزاب: لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاّ قَلِيلاً (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (61). فملعونين منصوب على الذم كما يقول الكثير من النحاة. وهناك أشعار عربية أيضا منصوبة على الذم مثل شعر عروة بن الورد:

سقوني الخمر ثم تكنفوني     عداةَ الله من كذب وزور

فأظن بأن الأخت الفاضلة لم تلاحظ كل فروع النحو العربي بدقة أو لم تطلع على فقه النحو. 

الإشكال السابع عشر

وضع الفعل المضارع بدل الماضي

جاء في : ” سورة آل عمران 3: 59) : ” إنّ مثَل عيسى عند الله كمثَل آدمَ خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون ” . وكان يجب أن يعتبر المقام الذي يقتضي صيغة الماضي لا المضارع فيقول :قال له كن فكان .

ليس الأمر كذلك. كن فيكون بمعنى أن الله تعالى حينما يأمر بحصول أمر فإن أمره سبحانه يجعل المأمور يبدأ بالتجاوب. فأمره سريع ولكن تجاوب المأمور تابع لنظام الطبيعة. فهل كان خلق آدم عبارة عن كلمة قالها الله تعالى فجاء آدم إلى الوجود، أم أن خلق أول إنسان مر على مراحل تطورية كبيرة خلال مئات الملايين من السنين؟ وذلك مشار إليه في القرآن أيضا. قال تعالى في سورة السجدة: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (9). فالآيات الكريمة تشير إلى أن الله تعالى أراد أن يطور نبتة من البداية لتصير إنسانا في النهاية فهو سبحانه بدأ خلق الإنسان من طين ولم يخلقه فورا من طين.

الإشكال الثامن عشر

لم يأت بجواب لمّا 
جاء في ( سورة يوسف 12: 15 ) : ” فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ” . فأين جواب لمّا؟ ولو حذف الواو التي قبل أوحينا لاستقام المعنى 

هناك في الشعر العربي الكثير مما يكون جواب لما فيه مقدرا مثل شعري امرئ القيس هاذين:

فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى     بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل

هصرت بفودي رأسها فتمايلت     علي هضيم الكشح ريّا المخلخل

غالبية شارحي المعلقات لا يعتبرون الشعر الثاني جوابا لـ فلما. ولا داعي لذكر السبب هنا فسوف يطول وتملون. إنهم يعتبرون جواب لما مقدرا، تقديره طاب حالنا أو استقر بنا المقام أو أمنا عيون الناس وما شابه ذلك.

وأما آية يوسف فلا يمكن أن يكون وأوحينا إليه جوابا لـ فلما ذهبوا به؛ إذ لا علاقة للوحي بحكاية ذهاب الإخوة بيوسف وإجماعهم على جعله في غيابة الجب. والواقع أن الإشكال أكبر مما جاء في بالها. فاسمحوا لي بأن أوضح الموضوع وباختصار شديد.

حتى نقرأ الآية بتحليل واضح ننظر إليها هكذا:

فلما ذهبوا به

ولما أجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب

ولما أوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا.

الجواب المقدر هو كما أظن والعلم عند المولى: علم يوسف بأن حلمه بدأ يتحقق وما حصل هو مقدمات تحقق الحلم. لو لم نقدر الجواب فإن القضايا الثلاث تبقى بلا فائدة. لو لم يكن هناك جواب مقدر غير موجود في الجملة لقال سبحانه مخبرا:

ذهبوا به

وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب

وأوحينا إليه لتنبأنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون.

لكن الله تعالى عادة ما لا يُخبرنا بشيء لا جدوى منه إلا لتكميل القصة مثلا كما يفعل كتاب الروايات. والقصة على كل حال ناقصة روائيا لأن تكميل القصة أكثر من ذلك يُخرج القرآن من حالته السماوية ويتحول إلى كتاب روائي. وقد يكون فائدة ذكر الوقائع الثلاث هي أن يبلغنا سبحانه بأن يوسف على أنه وأباه فسرا الرؤيا ولكنه لم يكن ليعرف متى تبدأ فعلية ما احتملاه. بتلك الحكايات الثلاث علم يوسف بأن تفسيرهما كان صحيحا وبأن المسيرة بدأت فعلا.

الإشكال التاسع عشر

أتى بتركيب يؤدي إلى اضطراب المعنى
جاء في (سورة الفتح 48: 8 و9 ) : ” إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيرا لتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ” . وهنا ترى اضطراباً في المعنى بسبب الالتفات من خطاب محمد إلى خطاب غيره. ولأن الضمير المنصوب في قوله تعزّروه وتوقروه عائد على الرسول المذكور آخراً وفي قوله تسبحوه عائد على اسم الجلالة المذكور أولاً. هذا ما يقتضيه المعنى. وليس في اللفظ ما يعينه تعييناً يزيل اللبس. فإن كان القول تعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً عائداً على الرسول يكون كفراً، لأن التسبيح لله فقط. وإن كان القول تعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً عائداً على الله يكون كفراً، لأنه تعالى لا يحتاج لمن يعزره ويقويه!!

كلا، أختنا الكريمة وزملاؤها الكرام. كلامكم بأن الله تعالى لا يحتاج إلى من يعزره ويقويه صحيح ولكن المقصود ليس ذلك. المقصود من هذه النشأة العظيمة أن يختبر الله تعالى الكائنات المدركة المختارة في كل أرجاء الكون. ليس لحاجة منه إلى الخلق ولا إلى عبادة الخلق. لكن هذا شأن الله تعالى أن يعبده بعض الكائنات ليفيض عليهم من كرمه باستحقاق. والعبادة بمعنى إظهار مظاهر العبادة مثل الطاعة والحب والشكر باختيار وليس بإجبار. فالملائكة لا تعبد الله تعالى لأن كل ما تفعله ناجم عن طبيعتها وليس عن إرادة تريدها واختيار تختاره. لكن الملائكة لا تستنكف عن عبادة الله تعالى لو أن الله منحها الاختيار والإرادة كما منحنا. ولذلك سمى عبادتنا له وهي الخضوع الاختياري بلاء واختبارا في الحياة الدنيا. ولكننا حينما نموت فإن مؤمننا وكافرنا سوف يخضع لله تعالى جبرا كما هو عليه الملائكة المكرمون وكما هو عليه الكون كله بكراته الغازية والصلبة وبهوائه وفضائه وكل ما هنالك من مادة في الكون المهيب.

وأما فهمنا للآية فإنه تعالى خاطب الرسول بالجملة الأولى وخاطب الرسول ومن كان حاضرا وقته بالجملة الثانية. فيكون المعنى هكذا:

إنا أرسلناك يا محمد شاهدا ومبشرا ونذيرا.

لتؤمنوا أنت وقومك بالله ورسوله وتعزروا الله وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا.

وقد وضح سبحانه بعدها بأن الذين يبايعون الرسول فهم يبايعون الله ولا يبايعون شخص محمد. فلنقرأ الآيات الثلاث كما ظهر في القرآن: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10).

إن محمدا هو رسول الله تعالى إلى نفسه وإلى غيره. إن من واجبه أن يؤمن بأن محمدا رسول الله ويقول ذلك في الأذان والتشهد كما يقول غيره. ولا يمكننا أن نتصور بأن الذين يبايعون شخص محمد إنما يبايعون الله إلا إذا فصلنا بين شخص محمد وشخص رسول الله. بمعنى أن نعتبر حالة محمد حين استلام الوحي وإبلاغه مغايرة لحالته العادية. وبما أنه عليه السلام لم يكن سفيرا لله تعالى بل كان رسولا إلى قومه ولكنه كان يعمل بنفسه بالرسالة كما يعمل به المؤمنون من قومه. فيد الله تعالى فوق يدي محمد وقومه معا لو أنهم جميعا بايعوه على الرسالة. ولذلك كان محمد عليه السلام يصلي ويصوم ويحج ويدفع الزكاة مثل باقي الناس. قال تعالى في سورة الأنعام: قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (14) قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15).

الإشكال العشرون

نوَّن الممنوع من الصرف
جاء في ( سورة الإنسان 76: 15 ) : “وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ” بالتنوين مع أنها لا تُنّوَن لامتناعها عن الصرف؟ إنها على وزن مصابيح
وجاء في ( سورة الإنسان 76: 4 ) : “إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سَلاَسِلاً وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً ” . فلماذا قال سلاسلاً بالتنوين مع أنها لا تُنوَّن لامتناعها من الصرف؟ 

أظن بأن هناك إشكالا في النقل، فلم يقل ربنا قواريراً ولم يقل سبحانه سلاسلاً. بالطبع أنني ما اطلعت على كل طبعات القرآن الكريم في الكرة الأرضية ولكن القراءة المعروفة التي أشهرها الله تعالى احتمالا في الأرض ويُطبع منها عشرات بل مئات الملايين من النسخ سنويا وهو قراءة حفص عن عاصم لم نجد فيها التنوين. فمعذرة، أظن بأن هناك تسرعا من الإخوة والأخوات في النقل.

الإشكال الحادي والعشرون

تذكير خبر الاسم المؤنث 
جاء في ( سورة الشورى 42: 17 ) : ” اللهُ الذِي أَنْزَلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ وَالمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ” . فلماذا لم يتبع خبر لعل اسمها في التأنيث فيقول: قريبة؟

هذا الإشكال شبيه بالإشكال الثالث أعلاه ودعني أضيف هنا الأوزان النحوية التي يستوي فيها المذكر والمؤنث وهن صيغ المبالغة كما كتب بعض النحاة طبعا وهن:

فعول: صيغة مبالغة بمعنى فاعل.

فعيل: صيغة مبالغة بمعنى مفعول وتأتي أحيانا بمعنى فاعل.

مفعل ومفعلة: بكسر الميم وهما اسما آلة أيضا.

مفعال: بكسر الميم وهي اسم آلة أيضا.

فعّال؛ فَعول؛ فَعِل؛ فِعِّيل؛ فُعَلة؛ فاعول بالإضافة إلى أوزان قليلة أخرى. وأظن بأن مجمع اللغة العربية هي التي حددت صيغ المبالغة ولذلك نراها أكثر مما درسناها في الكتب النحوية القديمة.

كما أرجو من الأخت الكريمة الانتباه إلى أن الحروف المشبهة بالفعل لا علاقة لها بالتوابع. فليس من الضروري أن يتبع الخبر اسم إن وأخواتها. فلا نحتاج أن نعتبر الآية التالية من سورة النور خطأ والعياذ بالله: إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11). فلا ضرورة في أن نقول إن التي جاءت بالإفك لتتساوى مع العصبة أو نغير العصبة مثلا بكلمة فاسدون.

الإشكال الثاني والعشرون

أتى بتوضيح الواضح 
جاء في (سورة البقرة 2: 196) : ” فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَاِملَةٌ ” . فلماذا لم يقل تلك عشرة مع حذف كلمة كاملة تلافيا لإيضاح الواضح، لأنه من يظن العشرة تسعة؟

لنقرأ الآية بالكامل بداية وهي: وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)من الواضح أن الكفارة هنا هي عشرة أيام من الصيام بدلا عن الهدي. فلنفترض بأن شخصا أراد أن يصوم الأيام العشرة كلها في مكة فهو مصيب طبعا ولا إشكال في عمله. ولكن لو كان أهله بعيدين عن مكة أو هو مضطر للسفر مع القافلة أو لديه تذكرة طائرة فيجوز له أن يؤخر صيام سبعة أيام من العشرة حتى يصل إلى منزله أو إلى مكان آخر خارج مكة. هناك يجوز له التأخير لو كان يعيش أهله فعلا خارج منطقة المسجد الحرام. فلزم بأن يؤكد سبحانه بأن مثل ذلك الشخص يجوز له تأخير سبعة أيام من الصيام ويتقبل الله تعالى مجموع ذلك بدل صيام عشرة أيام في الحج.

الإشكال الثالث والعشرون

أتى بضمير فاعل مع وجود فاعل

جاء في ( سورة الأنبياء 21: 3 ) : “وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الذِينَ ظَلَمُوا ” . مع حذف ضمير الفاعل في أسرّوا لوجود الفاعل ظاهراً وهو الذين . 

من الضروري أن نقرأ الآيات الثلاث من بداية سورة الأنبياء لنتعرف على مراجع الضمائر: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلاّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (3).

السور القرآنية مترابطة والناس ليسوا جميعا في غفلة معرضين. فالحديث عن مجموعة من الناس وأظن بأنهم هم الذين ذكرهم الله تعالى في نهاية السورة السابقة طه. وتعلمون بأن لكل سورة خواصها والمواضيع الموجودة فيها تناسب أهداف السورة وخواصها. فالذين قالوا لولا أرسلت إلينا رسولا هاديا المذكورين في الآية 134 من سورة طه هم نفسهم المعرضون وهم نفسهم الذين وصفهم الله تعالى في الآيات الثلاث مع الآيتين الرابعة والخامسة من سورة الأنبياء.

فهم لاهية قلوبهم بمعنى أنهم يلعبون بقلوبهم حينما يحضرون مجلس رسول الله. إنهم يحضرون مجالس الرسول ليتصيدوا أخطاء ثم يُضللوا المغفلين. فالذين ظلموا مفعول لـ أسروا النجوى. هؤلاء هم رجال دين المشركين أو رجال دين مجموعات أخرى من مخالفي الرسالة المجيدة والعلم عند الله تعالى. فيمكن أن نقرأ مقطع الآية الثالثة المتنازع عليها هكذا: وأسر الذين كانت قلوبهم لاهية (فاعل)، الذين ظلموا (مفعول وهم غير الذين حضروا الرسالة لاهية قلوبهم). ما ذا قال المضللون للذين ظلموا:

هَلْ هَذَا إِلاّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ (5).

الإشكال الرابع والعشرون


الالتفات من المخاطب إلى الغائب قبل إتمام المعنى 
جاء في ( سورة يونس 10: 21 ) : ” حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ” . فلماذا التفت عن المخاطب إلى الغائب قبل تمام المعنى؟ والأصحّ أنيستمر على خطاب المخاطب

أختنا الفاضلة: هذه من فنون البلاغة طبعا ولا علاقة لها بالنحو. لقد ذكر علماء البلاغة وبعض المفسرين السبب في الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وهو كثير في كلام العرب وحتى في كلام الفرس والإنجليز بقدر علمي المتواضع. واسمحي لي بأن أذكر الآية الكريمة والتي بعدها ليتبين سبب الالتفات: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (23).

قالوا بأن السبب هنا هو أن الذين يدخلون الفلك هم كل الناس مؤمنين وفاسقين ولكن الذين ينسون الله تعالى إلا إذا أحيط بهم هم الفاسقون من الناس ولا سيما لو كانوا في البحر فإنهم يلوذون هناك بربهم. فالآيتان فيما تلا المقطع الأول من الآية 22 فإنهما تتحدثان عن الفاسقين دون المؤمنين. فكأنه تعالى يخاطب المؤمنين والفاسقين ليخبرهم جميعا عن أحوال الفاسقين. ولعله سبحانه يريد أن يوضح للجميع معايب الابتعاد عن الله تعالى عندما لا يشعر الإنسان الحاجة إلى ربه، معاذ الله.

الإشكال الخامس والعشرون

أتى بضمير المفرد للعائد على المثنى 
جاء في (سورة التوبة 9: 62 ) : ” وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ” . فلماذا لم يثنّ الضمير العائد على الاثنين اسم الجلالة ورسوله فيقول: أن يرضوهما.

لأن الرسول هنا ليس أصيلا بل هو ناقل لكلام ربه فقط. إن الله أحق أن نرضيه لأنه الذي يساعدنا والرسول أحق بأن نرضي الله تعالى أمامه لأنه سوف يشعر بأن رسالته أضحت مفيدة وبأنه عليه السلام بلغ هدفه. ولو قال سبحانه: يرضوهما؛ فسوف يعني بأن هناك فرق بين أمر الله وأمر رسوله. ولا فرق بينهما ولا سيما حينما يوزع الرسول بعض الغنائم المخصصة صرفها بأمر خاص من الله تعالى وهو مورد الآية كما أظن.

الإشكال السادس والعشرون

أتى باسم جمع بدل المثنى
جاء في ( سورة التحريم 66: 4 ) : ” إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ” . والخطاب (كما يقول البيضاوي). موجّه لحفصة وعائشة. فلماذا لم يقل صغا قلباكما بدل صغت قلوبكما إذ أنه ليس للاثنتين أكثر من قلبين؟

بالطبع إشكالكِ وارد ولا ألوم الذين لم يتمكنوا من فهم السبب. وأما الموجه إليهما الخطاب فأنا لا أعرف شيئا عنهما لأنهما غير مذكورين في القرآن.

النفس الإنسانية كما أعرفها من القرآن الكريم وليس من خارج القرآن عبارة عن ثلاثة كرات طاقوية (غير مادية). الكرة الأصلية تسمى القلب وهي في مركز النفس وهي التي تقوم بالمعالجات. مثالها مثال مركز الكمبيوتر المعرف بـ (CPU)وهي مختصر (Central Processing Unit). والكرة الثانية المحيطة بالقلب هي المعروفة بالفؤاد. وظيفة الفؤاد هي أن ينقل المعلومات من الصدر النفسي ومن الخارج إلى القلب النفسي ليساعد القلب بما يحتاج إليه من معلومات ليقوم بالمعالجات. وأما الصدر النفسي فهو كرة كبيرة تحيط بالفؤاد وه لا يقوم بعمل لكنه يحتفظ بالمعلومات التي تخزن فيها طيلة عمر الإنسان.

فنحن محرومون من الاتصال السريع متى ما شئنا بالصدر النفسي بل نتصل بخلايا المخ التي تحتفظ بكل مذكراتنا. الصدر النفسي أقوى بكثير من المخ وهو نفسه الذي يسميه البعض لا شعوريا بالحس السادس. هذا الحس السادس يمكنه أن يساعدك بالمعلومات التي تُمكِّنك من أخذ القرار السريع عند الحوادث. هناك محاسبات كثيرة لا يمكن للمخ أن يقوم بها بنفس سرعة النفس. هذه الكرات الثلاثة هي التي لا تموت أبدا وتبقى معنا إلى يوم القيامة وإلى الأبد. ولولاها لما كانت محاكمتنا ممكنة يوم الحساب. سنقول لربنا حينما يسألنا: لا نتذكر شيئا لأن معلوماتنا كانت مخزنة في خلايا المخ التي اندثرت واستحالت مادة أخرى وخسرت كل معلوماتها بعد الموت والتلاشي في القبور الدنيوية.

الآية الكريمة تشير إلى القلب والفؤاد معا فتصير المجموع أربعة. لقد سمت الفؤاد قلبا لأنها هي أيضا في وسط الصدر النفسي فهي في قلب الصدر كما أن القلب نفسه في قلب الفؤاد. وأما السبب في أنه تعالى قال: صغت قلوبكما ولم يقل صغت قلباكما بمعنى القلبين النفسيين لهما فقط فهو كما أظن بأن الفؤاد كرة حساسة جدا وهي التي تتأثر فتنقل المعلومات مع تأثراتها إلى القلب للمعالجة. لنلاحظ قوله تعالى في سورة القصص: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10). ذلك لأن حساسية الفؤاد أكثر بكثير من القلب والصدر فهو الذي يرتبط بكل مكان لجمع المعلومات. رأت أم موسى بأن فؤادها لا يبلغها أية معلومة ولذلك قال تعالى بعدها: وَقَالَتْ ِلأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11). فأرسلت ابنتها لتبحث عن موسى وتأتيها بخبر يريحها.

أو قوله تعالى في سورة النجم: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11). بعد أن نقل الله تعالى رسولنا إلى المسجد الأقصى ليوحي إليه وحيا مباشرا فيطمئن قلبه الشريف فإنه سبحانه ينقل لنا الحكاية بأن الذي رأى الآيات هو فؤاده وليس عضوا ماديا في كيانه. الفؤاد هو العضو النفسي المسؤول عن نقل المعلومات وهو في غاية الحساسية. فهو يسمع ويرى وينقل المعلومات والمعارف إلى القلب النفسي أو إلى الصدر. أو قوله تعالى في سورة هود: وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120). لأن العضو النفسي الذي يتأثر هو العضو الذي يرتبط بخارج النفس وبما في الصدر فهو شديد الحساسية ويحتاج إلى أن يطمئن ومعنى اطمئنان النفس هو اطمئنان الفؤاد ومن بعده القلب. والعلم عند الله تعالى.

الإشكال السابع والعشرون

خطـــــــــــأ آخر فى القرآن ” طفل أم أطفال ” 
سورة النور آية 31 ” وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ” 

تفسير الجلالين : “وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن” عما لا يحل لهن نظره “ويحفظن فروجهن” عما لا يحل لهن فعله بها “ولا يبدين” يظهرن “زينتهن إلا ما ظهر منها” وهو الوجهوالكفان فيجوز نظره لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد وجهين والثاني يحرم لأنه مظنة الفتنة ورجح حسما للباب “وليضربن بخمرهن على جيوبهن” أي يسترن الرءوس والأعناق والصدور بالمقانع “ولا يبدين زينتهن” الخفية وهي ما عدا الوجه والكفين “إلا لبعولتهن” جمع بعل : أي زوج “أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بنيأخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن” فيجوز لهم نظره إلا ما بين السرة والركبة فيحرم نظره لغير الأزواج وخرج بنسائهن الكافرات فلا يجوز للمسلمات الكشف لهن وشمل ما ملكت أيمانهن العبيد “أو التابعين” في فضول الطعام “غير” بالجر صفة والنصب استثناء “أولي الإربة” أصحاب الحاجة إلى النساء “من الرجال” بأن لم ينتشر ذكر كل “أو الطفل” بمعنى الأطفال “الذين لم يظهروا” يطلعوا “على عورات النساء” للجماع فيجوز أن يبدين لهم ما عدا ما بين السرة والركبة “ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن” من خلخال يتقعقع “وتوبوا إلى الله جميعاأيها المؤمنون” مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره “لعلكم تفلحون” تنجون من ذلك لقبول التوبة منه وفي الآية تغليب الذكور على الإناث 

أما آية سورة النور فهي واضحة ولكن أختنا الكريمة لم تنتبه فقط. قال تعالى ضمن الآية التي ذكرتها أختنا بالكامل:.. أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء... فما ملكت أيمانهن والتابعين البعيدين عن الشهوات النسائية مثل الخصيان وجنس الطفل بغض النظر عن العدد ولكن بشرط ألا يكونوا قد ظهروا على عورات النساء. هكذا يخرج بها ربنا الأطفال الذين مارسوا الشهوات في الطفولة بأي شكل وكذلك العبيد أو الخصيان أو أي رجل آخر شريطة أن لا يعرفوا شيئا عن عورات النساء. بمعنى أن الذين كانوا قادرين ثم أصابهم ما قطع شهواتهم ممنوعون من الاطلاع على زينة المرأة. والآية ليست عن الحجاب كما ظنوا بل الحجاب جزء بسيط منها ولا مجال لبيانها هنا.

مع أجمل التحيات للأخت أمل عبد الله ولكل زملائها ولكل من يطلع على هذا ومع الاعتذار المجدد عن نسياني القيام بالرد في وقته.

أحمد المُهري

28/3/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

.