المؤمنة كاترين -27 – مفاجأة ماري والمسارات الفكرية


المؤمنة كاترين

المقطع السابع والعشرون

مفاجأة لماري

وفي المساء بينما كانت ماري تعد حقيبتها للسفر فإذا بالتلفون يرن وتتحدث معه أخته من فرنسا:

الأخت ميشيل:

ماري؛ إن رئيس عملك المسيو دوجاردن يبحث عنك. فاتصلي معه فورا.

اتصلت ماري بـ دو جاردن:

ماري:

إيمانيويل؛ أنا ماري.

دو جاردن:

أريد أن أسافر إلى الكويت يوم الخميس وأريدك هناك لأنك الوحيدة التي تجيد العربية في دائرتي.

شعرت ماري بأن الله تعالى هيأ لها أن تحضر زواج كاترين مع علوي.

ماري:

إيمانيويل، أنا الآن في الكويت وقد حجزت للسفر غدا فما العمل؟

دي جاردن:

أجلي سفرك واطلبي غرفتين أخريين لي وللمسيو لا فرانس فنحن سنكون هناك. ومن الآن سيكون مصاريف سفرك على حساب الشركة. نحن بانتظار التوقيع على عقد مبايعة كبيرة وسنبقى أسبوعا في الكويت.

ماري:

سأفعل وأبعث لك بفاكس تؤكد الحجز.

دي جاردن:

 a bientôt ,merciشكرا، إلى أن نلتقي.

ماري:

je vous empri  (أرجوك أو عفوا) a bientôt(إلى أن نلتقي قريبا).

اتصلت ماري بكاترين وأبلغتها المفاجأة السارة ففرحت كاترين كثيرا.

كاترين:

الحمد لله على نعمائه. أنت يا ماري أكثر من صديقة لي فأنا بعيدة عن أقاربي وأنت عوضتيني هذه الأيام. لن أنساك وأتمنى أن تبقى علاقاتنا الودية قائمة إلى الأبد.

ماري:

أنا فرحانة أكثر منك لأنني سوف أحضر كل حفلاتك. الحمد لله تعالى.

ذهبت ماري إلى طاولة استقبال المسافرين في الفندق وطلبت غرفتين لأسبوع ابتداء من يوم الخميس القادم كما طلبت تمديد إقامتها حتى عودة القادمين الجديدين من الكويت. تمت الموافقة على طلبها ووقعت على تعهد الدفع باعتبار بطاقتها المصرفية الموجودة تفاصيلها في إدارة الفندق. أبلغت دي جاردن بالفاكس. ثم اتصلت مرة أخرى بكاترين لتتفق معها على جلسة مقبلة مع الجماعة. لكن كاترين أصرت أن تأتي إلى بيتها لتتحدث إليها لأنها مشتاقة جدا لرؤيتها. وافقت ماري واتجهت نحو بيت كاترين. استقبلتها كاترين وكأنها لم ترها فترة طويلة.

ماري:

أنا ما جئت من الخارج بل لا زلت مقيما عندكم.

كاترين:

لكنني أشعر بالكثير من المنة لله تعالى بأن استجاب دعائي لتبقي بيننا أياما أخر.

ماري قبَّلت كاترين بكل حرارة قائلة:

لا أدري أينا أكثر سرورا. لكنني أعرف نفسي في غاية السرور بأن الله تعالى وفقني لأرافقك في أجمل أيامك دون أن أنفق شيئا من جيبي الذي يبدو غير قادر على دفع النفقات الباهضة للفندق طيلة هذا الوقت.

كاترين:

كنت أفكر كثيرا في أن الله تعالى كريم فلو دعوته بما لا يخالف حكمته وسياسته وأراد أن يستجيب فإنه يغمرك بما لم تفكر فيه من النعيم. وها هو ربي غمرني بنعمة لم أكن لأفكر فيها. لا أنا ولا أنت فكرنا في هذه المفاجأة الطيبة لإقامتك المجانية في الكويت. حقا إنه سبحانه ذو فضل على العالمين وحقا أنه يعطيك أكثر مما تطلب ودون حساب ودون أن تعرف مصدر نعمه. فهو وحده يستحق الحمد وهو وحده يستحق أن نخضع له حبا وطاعة وشكرا.

ماري:

سوف نقوم بالتجهيزات ليوم الفرح معا ولكنني متعطشة للمزيد من الجلسات. ألا ليتك توافقين على أن نجتمع في أقرب وقت مع علوي والعم محمود.

كاترين:

على الرحب والسعة. سوف أدعوهما غدا للعشاء في بيتي.

ماري:

بيتك طبعا خير من بيتي ولكني أنا الذي أدعوهم.

كاترين:

أنت ضيفتنا وعلينا أن نخدمك بكل حب وود. وكما قالوا:

يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا      نحن الضيوف وأنت رب المنزل

ماري:

يهمني أن أراكم وأجلس معكم لأستفيد من إقامتي المجانية في الكويت. أنا اعتبرتها بركات من السماء أتتني فعلي أن أستغلها لكسب العلم ولخدمة خلق الرحمن.

وفي اليوم التالي دعت كاترين حبيبها علوي وأستاذها العم محمود التمار للعشاء في بيتها وبحضور ماري. تعجب علوي من أن ماري لا زالت في الكويت ولكنه فرح كثيرا حينما سمع حكايتها من كاترين. صرح لكاترين بأنه كان يتمنى من كل قلبه أن تبقى ماري أياما أخر في الكويت فهي لبقة وطيبة ومؤمنة صالحة ويمكنها أن تساعدنا في الكثير من المسائل كما أننا نستفيد من علمها وخبرتها.

كاترين:

كانت لك ما تريد. أتمنى لك كل ما تريد وأن أكون ممن تريد.

علوي:

أنتِ فعلا منتهى أملي وأتمنى أن أكون وفيا معك وأن يمنحنا الله تعالى كل ما نصبو إليه في الحياة المشتركة. وأظن بأن زيد ولبيد سوف يكونان فرحين مبتهجين حينما نكون معا.

كاترين:

شكرا حبيبي. وهل ترى من الصالح أن ندعو بقية الأصدقاء في البنك؟

علوي:

شيء جميل ولكن لكل منهم ظروفه وارتباطاته فأظن بأن من الخير أن نختصر الجلسة وندعوهم في مناسبة أخرى.

كاترين:

كما تشاء.

اتفق كاترين مع ماري أن يتواجدا ساعة عودة كاترين من العمل ليعدا الأكل. لكن كاترين رأت بأن ماري جاءت أيضا محملة بأكياس المشتريات.

كاترين:

كان الاتفاق على أن نذهب سوية إلى السوق.

ماري:

أنا ليس لي عمل وأنت تعبانة ولذلك فكرت بأن أخلصك من بعض المسؤولية.

دخلتا المنزل وأعدتا العشاء بانتظار الضيوف: العم محمود وعلوي وزيد ولبيد.

اجتمع الطيبون في منزل كاترين

ماري:

طبعا أنا الذي أبدأ لأنني أكثركم كلاما وأقلكم علما وأحوجكم للمزيد من المعلومات.

علوي:

لا أظن بأنكِ أقلنا علما ولكن ابدئي فنحن نحب أن نسمع منك كما نحب أن نسمع إجابات العم محمود التمار رعاكما الله تعالى.

ماري:

أولا أحمد الله تعالى أن هيأ لي لأكون معكم عشرة أيام أخر تقريبا فهي فرصة ذهبية لي وأستبعد أن يكون هناك في فرنسا تجمع مشابه ألتحق به لأستزيد من المعلومات القرآنية. واسمحوا لي بأن أدعوكم للاستمرار في مثل هذه الجلسات ولو بشكل شهري أو أسبوعي وبدون تكاليف كبيرة لعلكم توضحوا لغيركم حقائق كتاب السماء لعلهم يتفكرون. لقد أورثكم جدودكم مفاهيم خاطئة عن هذا الدين القويم مما يجعل كل مسلم متفتح الذهن مسؤولا أمام ربه وأمام قومه وأهله ليكتشف أخطاء التراث المنحرف ويبين لغيره. ألا تشعرون بأن هذه رسالتكم وأنتم على اطلاع واسع بحقائق القرآن الكريم؟

محمود:

أنت يا ماري عملاقة في تحريك الفكر ونشر الثقافة والعلم فلقد فتحت علي أفقا أوسع مما كنت عليه. كنت أظن بأن أفكر لنفسي ولا فائدة في التحدث إلى الغير. كنت أتخيل بأنني وحيد بين قومي ولا أحد يسمع لي فلِم السعي والجد لبيان ما أعلم لمن لا يريد أن يعلم. لكني اليوم مع كبر سني أشعر بالنشاط للمزيد من التفكير وللمزيد من النشر والتوزيع لألا تبقى تحقيقاتي حكرا علي ولأصححها وأعثر على ما خفي علي بالمشاركة الفكرية مع أناس يستعملون عقلهم مثلي بل أكثر مني. فمثلا ما كنت أدري بأن كاترين الحبيبة تعرف القرآن لهذا الحد وما كنت أفكر بأن فتاة فرنسية مثل ماري العزيزة تهتم بديني وبكتابي بل وبربي. أشعر اليوم بأن هناك الكثير ممن يحبون الله تعالى ويحبون تصحيح المفاهيم التي ورثوها ولكن علينا أن نبحث عنهم ونستعين بهم ليساعدونا في تغيير الفهم العام لدى أمتنا. حتى زملاء علوي وكاترين في البنك على اطلاع جيد بالتراث وعلى استعداد لتصحيح تلك المفاهيم التي تنطوي على أسس صحيحة ولكن بتفاسير باطلة. قد يكونوا متأثرين بأفكار علوي وكاترين وقد يكونوا بأنفسهم شاعرين بخطأ التراث ولا فرق بين المسلم وغير المسلم منهم.

نحن لا نتحدث عن إيمان الناس ولا معنى لذلك. إن كل فرد يبني علاقاته مع ربه بالطريقة التي يراها مناسبة له وإن ربه هو الذي يساعده فليس صحيحا أن نتجسس على ما في قلوب الناس. لكن رسالتنا كما أظن أن ننشر العلم والمعرفة بالقدر المتاح لنا حتى لا يسألنا ربنا عن تقاعسنا في نشر ما علَّمنا من فضله. لقد ملأ المتخلفون فكريا أوقات أهلنا بالكثير من الأعمال غير المجدية. يكفيك أن تدخل مساجد المسلمين أو كنائس المسيحيين واليهود لتراهم مشغولين بتكرار جمل ومقاطع قديمة لا جدوى منها. هناك الأدعية الصغيرة والمتوسطة والطويلة وهناك الترانيم والأشعار والتعابير التي تملأ أوقات الناس فلا يبقى لهم وقت للتفكير. إخواننا من رجال الدين في كل الطوائف الدينية السماوية وغير السماوية يكررون ما قاله سلفهم وكأن الله تعالى أغلق عليهم أبواب التطور الفكري.

أظن بأن الشياطين يتطورون معنا فكريا والفرق بينهم وبيننا أن أباهم وزعيمهم إبليس لا زال حيا وقد وعده الله تعالى أن يبقيه حيا حتى يوم الوقت المعلوم. ولذلك فهو يعلم أفكار من سبق ويمهد لتضليل من حضر ومن لحق. والله تعالى خوفنا كثيرا منه لأنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم. وليس لنا إلا أن نحاربهم بالفكر والعقل وبنشر مفاهيم الفضيلة.

علوي:

لننتقل من الإعلام إلى المفاهيم فأنا بانتظار أسئلة ماري الموحية والعميقة.

كاترين:

وأنا كذلك.

ماري:

أنا كامرأة أشعر بأن هناك فرقا كبيرا بين المسارات الفكرية للرجال والمسارات الفكرية للنساء. أشعر وتشعرون معي بأن هناك فروقا فسيولوجية ضرورية ليقوم كل من الجنسين بواجبات تخص كلا منهما حتى يتكاثر الناس ويبقى النسل البشري ولكنني أراهم في النهاية مكلفين بتكاليف سماوية مشابهة فما السبب في مغايرة المسارات الفكرية لدى كل جنس؟

محمود:

هناك بالطبع مسارات فكرية متعددة بين البشر ولكنني لا أظن بأن هناك مسارات فكرية متغايرة بين الرجل والمرأة. المسارات الفكرية تؤثر كثيرا في الحياة الاجتماعية فلو كان هناك تغاير طبيعي بين الجنسين لما تمكنا من التعايش مع بعض. نرى مثلا بأن الذي يؤمن بالله تعالى فهو لو أراد التمسك بعقيدته فهو غير قادر على التعايش مع الملحد. ولكن المرأة المهندسة تعيش بكل سهولة مع الرجل الطبيب؛ والرجل التاجر يعيش بكل سهولة مع المرأة السياسية أو معلمة الفيزياء. ذلك لأن المسارات الفكرية بينهما لا ترتبط بالجنس ولا بالمهنة ولا بالقيمة المتعارفة للعمل. فلطالما عاشت امرأة تكسب ضعف زوجها معه وبكل سهولة وتشاركا في المصروفات دون الشعور بالحرج. قد يكون زوجها أكثر منها علما من حيث القيمة العلمية ولكنها امتهنت مهنة تدر عوائد أكبر من زوجها.

فلو لم يكن لديكم تعليق على هذه المقدمة فاسمحوا لي بأن نتحدث عن المسارات الفكرية عامة بين البشر.

ماري:

بالنسبة لي من الصعب أن أعلق على ما تفضلتم به لأنني لا زلت أفكر في المغايرة بين مساري الرجل والمرأة ولذلك أفضل أن تتحدثوا عن المسارات الفكرية العامة بين البشر لعلي أصل إلى حل لما في ذهني وبانتظار رأي كاترين وعلوي.

كاترين وعلوي:

استمرا في نقاشكما ونحن نستمع الآن.

محمود:

المسار الفكري تابع للتطور العام ولنوع ارتباط كل فرد بالتطور العام برأيي المتواضع. بمعنى أن الله تعالى بتحريكه البشرية إلى الأمام هو الذي يعين المسارات الفكرية. ونحن لو نساير التطور العام فنحن بمختلف المهن والأفكار والديانات التي نؤمن بها سوف نسير صاعدين سلم التطور في مساراتها المختلفة. فالذي يحدد المسار الفكري ليس هو الجنس ولا المهنة بل هو التطور الفكري العام بين البشرية جمعاء. فليس بمقدور الصحابي الذي عاش مع رسول الله أن يعيش مع أي منا في عصرنا هذا. ذلك لأن مساره الفكري متأخر عنا خمسة عشر قرنا.

وأما المسارات الفكرية التابعة للجنس أو للمهن أو للعقائد أو لأنماط الحياة فهي متكافئة نوعا ما لو أن السائرين فيها أرادوا مسايرة بعضهم البعض ولم يروموا التكبر والتعالي والظلم. يمكن للياباني أو الصيني أن يعيش مع الآري أو العربي كما يمكن للقوي بدنيا أن يعيش مع الضعيف بدنيا وكما يمكن للذي ورث مالا كبيرا مع الذي يعيش على كسبه اليومي. كلما يحتاجونه لتسهيل المعاشرة هو الثقافة العامة أو ما يسمى بالعَلمانية. العَلمانية هي أساس التعايش بين الأفراد في كل دورة زمنية بغض النظر عن الجنس أو اللون أو القوة البدنية أو حتى العلم والمعرفة والدين. بمعنى أن كل إنسان عليه أن ينظر إلى التطور المعرفي العام بين البشر ويواطن نفسه عليها. فنحن اليوم نفكر في السيارات والطائرات وما على غرارهما للتنقل وللنقل وكنا من قبل نفكر في الجمال والحصن والحمير. فلو أراد أحد أن يفرض على نفسه أو على غيره ركوب الخيل والبغال والحمير في عصر البواخر والسيارات والصواريخ فهو غير مساير للعلمانية وسيعيش حياة شاذة غير مسايرة للتطور. تعلمون بأن الإنسان يجب أن يصعد بصورة مستمرة لأن الكائنات في حال صعود مستمر. العَلمانية بمعناها العام تفرض علينا أن ننظر إلى الحياة من واقعها الفعلي والحالي لنسايرها ونواطن أنفسنا ونربي أولادنا عليها. ولذلك فهي تنطوي على أسلم أساليب الحكم والمشاركة الشعبية في الحكم.

ثم نأتي إلى مسألة الأديان والعقائد. فلو كان الدين عبارة عن علاقة بين المرء وربه فقط دون التعرض لأساليب الحياة فإن تلك العلاقة لا تحتاج إلى مسايرة التطور كثيرا وهي علاقة بائسة شاذة برأيي المتواضع. لكن الدين ولا سيما الدين الإسلامي ينطوي على أعمال اجتماعية كبيرة مثل صلاة الجماعة والحج وإظهار العقيدة والتربية والتعليم والكثير من الواجبات التي نراها مدونة في القرآن الكريم؛ فإن مثل هذا الدين لا ينحصر في علاقة الإنسان بربه بل يتعدى ذلك إلى تعامل كل فرد مع غيره بل تعامله مع نفسه أيضا. فالله تعالى يأمر بالتفكير والتعقل في القرآن فلا يجوز للمسلم أن يقتنع باستنتاجات غيره بل عليه بنفسه أن يفكر.

قال تعالى في سورة محمد: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24). يقول سبحانه ذلك لمن حضر رسالة رسولنا عليه السلام ورسولُنا حاضر بينهم. لا يقول لهم ربهم بأن يتبعوا فهم رسولهم بل بأن يتدبروا بأنفسهم. هذا أمر سماوي بالتفكر الشخصي. فلو فكر الناس في كل شيء فإنهم سوف لن يتخلفوا عن ركب الحضارة والرقي الذي يتولاه ربنا جل جلاله. وأما التقاعس عن التفكير فلن ينتج إلا الخسارة والخذلان في الدنيا ولعل في الآخرة أيضا. فاتباع الدين بحاجة إلى التدبر والتفكر وذلك يعني بأن الفهم العام يتطور مع تطور الإنسان ولا يجوز البقاء على فهم الغير ولا التبعية للسلف.

وأرجو أن نفرق بين العلم والثقافة والحضارة وبين الخلوص والاستعداد للتضحية. فنحن لا يسعنا أن نطيع نوحا وإبراهيم وموسى في علمهم أو ثقافتهم وحضارتهم ولكن بإمكاننا أن نتبعهم في إخلاصهم واستعدادهم للتضحية في سبيل الحقيقة وفي سبيل كشف الحقيقة ودراستها بما يتناسب مع قوة الفهم العام وقوة العقل العام لدينا.

ومما يدل دلالة واضحة بأن مساراتنا الفكرية ليست تابعة للجنس ولا للوطن ولا للغة ولا للقومية هو جلساتنا التي بدأناها قبل أسبوع أو أكثر قليلا ولا زلنا نسعى لأن نستمر عليها ونحن مجموعة مؤلفة من عدد صغير من الأشخاص من عدة مستويات علمية ومن مختلف الأعمار ومن عدة أوطان ومن الجنسين الذكر والأنثى. الزمان يؤثر في المسارات باعتبار سلم التطور العام وليس باعتبار الزمان نفسه. فسلم التطور قبل ألف عام كان مغايرا لنفس السلم اليوم. كان ممكنا أن يتواجد نفس الفكرة المعاصرة قبل آلاف السنين ولكنها ما وجدت؛ ليس باعتبار الزمان بل باعتبار حاجة الإنسان إلى المزيد من التجارب ليتمكن من استيعاب المدركات الدقيقة والعميقة. تجربة ابن سينا لم تكن كافية لاستيعاب الحركات الإلكترونية وتجربة أبي بكر لم تكن كافية لاستيعاب التجارة الدولية وتجربة سليمان لم تكن كافية لاستيعاب صناعة الصواريخ. لكننا نرى نوحا باعتبار عمره الطويل تمكن من استيعاب مسألة التطور وهي أعظم مسألة في المدرسة الفكرية العامة. لقد تحدث نوح عن التطور وتحدث عن الإعلام وكأنه من مواليد قرننا. كل ذلك بفضل العمر الطويل والاستمرار في التفكير الذي وفقه الله تعالى فيه.

نستخلص من هذا البحث المختصر بأن الجنس لا يؤثر في المسارات الفكرية ولكن الخبرة والتجارب ومسايرة الحركة التطورية تؤثر في المسار الفكري إضافة إلى نوع المدرسة التي يهتم بها الفرد. فالفيزيائي له مسار فكري مغاير قليلا للطبيب وهما مغايران للمهندس وهم مغايرون للعامل العادي.

ماري:

هناك بحث جدي بين بعض المحققين حول المدارس العلمية والفلسفية كما أن بعضهم فرق بين المدرسة الكلامية والمدرسة الفلسفية فظن ذلك البعض بأن لكل منهما مدرسته الخاصة ولذلك ظنوا بأن المسارات الفكرية ترتبط بالعلم والفلسفة والكلام. أنا لست موافقا معهم كثيرا لأن المسار الفكري يتأثر بعدة عوامل من أهمها حاجة المجتمع والفرد وكذلك انتفاع الفرد والمجتمع من المسار. فنرى بأن المجتمع الزراعي يفكر دائما في توسيع الزراعة كما يفكر في وسائل الرعي وتكاثر الحيوان لأن ذلك المجتمع يعيش على الزراعة ولكن نفس المجتمع يسير في المعرفة الدينية سيرا مشابها لسير المجتمع الصناعي والتجاري والخدَمي. ولا فرق بين ذكورهم وإناثهم ولذلك فإن أعضاء المجتمع الزراعي زراعيون ذكورا وإناثا شبابا وشيوخا بل وأطفالا. بالتأكيد أن هناك مسارا فكريا أثر فيهم فاختاروا الزراعة وتوابعها على أي عمل آخر. لكن ذلك المسار لا يمنع الغير من اتباعهم ومسايرتهم كما لا يمنعهم من الانتقال إلى مسار فكري آخر.

إلا أنني أرى بأن نساءهم ليسوا مثل رجالهم تماما في سيرهم داخل مساراتهم المختلفة. فأرى بأن المرأة التي تعمل بالزراعة غير الرجل المزارع. فالمرأة المزارعة تهتم بالأناقة وبالزهور والرجل يهتم بزراعة الحبوب وبالغلة التي يجنيها في نهاية الفصل الزراعي. وهكذا التي تعمل في حقل الفلسفة فإن الرجل الفيلسوف يفكر غالبا في كيفية الكسب المادي من علمه والمرأة تفكر في كيفية التعمق في ذلك العلم.

محمود:

لكن الرجل الذي لا يعيل أحدا فهو مشابه للمرأة في الاهتمام بالتعمق والأنثى التي تربي أيتاما إذا ما فقدت زوجها فهي تهتم بما يدر عليها علمها من مال. فالاختلاف ليس في المسار ولا في الذي يسير في كل مسار ولا في جنسه ولكن الاختلاف في الشعور بالحاجة والمسؤولية لدى كل منهم. وإن شئنا قلنا بأن الاختلاف تابع للحالة التي تلح على الفرد بأن يعالجها وليس تابعا لشيء آخر كما أظن.

ماري:

قد تكون مصيبا، لكنني أحتاج إلى أن أعمل فكري أكثر من هذه اللحظات.

اتفق الجمع بأن يتفرقوا بانتظار يوم آخر تدعوهم فيها كاترين بالتوافق مع الجميع.

يتبع: المسارات الفكرية.

أحمد المُهري

13/7/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

الإعلانات

المؤمنة كاترين 26- بني اسرائيل


المؤمنة كاترين

المقطع السادس والعشرون

زواج مرفوض

أعجب الحاضرون بأخلاق ماري وعلمها وأدبها وحسن خصالها بحيث لم يتمكنوا من إخفاء مشاعرهم تجاهها. يبدو بأنهم جميعا فكروا في السعي لإبقاء ماري معهم في الكويت لإحياء الجلسات العلمية التي بدأت بها في بيت كاترين. لقد أحبوها من كل قلوبهم وشعروا بأنهم بحاجة إلى مثلها لتنشر بينهم الحب والفضيلة وكل معاني الإحسان والطيب.

ساترين:

لا أدري كيف يتيح لنا أن نبقى على صلة مع الحبيبة ماري. لقد أحببتها من كل قلبي وأشعر بأنني محتاجة إلى علمها وأدبها لأتعلم منها ولأقلدها في الفهم والعمل.

كاترين:

أظن بأنني مشتاقة أكثر منك يا ساترين. أنت رأيت جانبا من جوانبها المشرقة وأنا رأيت أكثر من جانب. لكن علينا بأن نعلم بأن لكل إنسان ظروفه واهتماماته فهل نحن لا زلنا في البيوت التي ولدنا فيها مع آبائنا الذين أحبونا وساعدونا حتى أوصلونا إلى العلم والمعرفة ثم تركناهم مضطرين لنستمر في معترك الحياة بقوة وبيسر؟

توم:

أشعر بأن جلستنا هذه تشع الخير والبركات وأشعر بأن العم محمود وزميلنا علوي وزميلتنا العزيزة كاترين إضافة إلى العزيزة ماري هم بناة هذه الجلسة الخيرة. ولكنني مع شعوري المماثل لشعور ساترين أرى بأن غياب ماري يُحدث شرخا في تجمعنا اليوم. بمعنى أننا قد نجتمع كثيرا ولكن بدون أن نستمتع بأسئلة ماري ونستعين بحسن فهمها وسعة مدركاتها.

فريجا:

منذ اللحظات الأولى هذه الليلة وأنا أفكر في أن نسعى لتزويج ماري في الكويت لأنني أحببتها منذ البداية. فبالزواج سوف نبقيها بيننا وسوف نراها كثيرا ونستمتع بمرافقتها ومحادثتها.

ماري:

أشكركم جميعا وأشعر بأنني بسفري عنكم سوف أحمل معي ذكريات لا تُنسى وصديقات وأصدقاء لا يفارقوني في خيالي وفي أعماق قلبي النفسي. وأقول للعزيزة فريجا:

ليس الزواج أن يتقدم فتى لفتاة لا يعرفها يطلب يدها لأنه معجب بها أو كلاهما معجبان ببعضهما البعض. ذلك زواج غير ناجح وغير صحيح. ما قمت بما قمت به بين علوي وكاترين إلا بعد أن اطلعت على الزمالة الطويلة في العمل بينهما وعلى احترام كل منهما للآخر وعلى الحرمات التي يهتم بها كل منهما مع صاحبه. قرأت حكاية طويلة بين علوي وكاترين خلال التحدث إليهما في لقاءات قليلة ورأيت بأن هناك نقصا بينهما يمكن تلافيه بكل سهولة ولذلك وبعد تفكير طويل وطلب الخير من الله تعالى أقدمت على تقديم كل منهما للآخر. كانت العملية ناجحة لأنها تمت بعد دراسة كافية وبعد أن أمضيت وقتا كافيا لمعرفة أسرار الحياة الخفية لدى كل منهما. فهذا بإذن الله تعالى زواج موفق؛ ولكن ما تتفضلون به لا يمكن أن نسميه زواجا.

الزواج إخواني وأخواتي لا يعني إشباع الشهوات الجنسية كما يتصورها عامة الشباب. إنه التزامات مالية وعاطفية واتفاق كبير بين نفسية كل من الزوجين واستعداد متقابل للتضحية في سبيل الشريك وعلى رأسها التقوى من الله تعالى. إن كلا منهما خلق مملوك لربنا وعلى كل واحد أن يحب خلق الرحمن ويحترمه ويضحي في سبيله. أما سمعتم عن المسيح عليه السلام كيف كان مستعدا للتضحية في سبيل البشرية وهكذا بقية رسل الله تعالى الذين أحبوا الناس جميعا وساعدوهم جميعا ولم يفرقوا بين من يتبع دعوتهم أو لا يتبع. لعل بعضكم اطلع على القرآن الكريم حيث يخاطب الرسول محمد عليه السلام في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6). باخع نفسك يعني مؤذ نفسك.

كان النبي يتألم من أن المسيحيين لا يؤمنون بالدعوة السماوية الجديدة وذلك ما سيؤدي إلى آثار خطيرة في علاقاتهم مع ربهم وفي مستقبل الحياة الأبدية بالنسبة لهم. وكان كذلك بالنسبة لكل أهل الكتاب بمن فيهم اليهود. قال تعالى في سورة الشعراء: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3). ولعلكم سمعتم اهتمامه الكبير بالمشركين.

إن رسل الله تعالى أحبوا البشر جميعا وضحوا في سبيلهم ولذلك آمنوا بهم ولولا ذلك لما آمن بهم أحد. لقد ترك أصحابهم دين آبائهم واتبعوا الرسل لأن الرسل أحبوهم وأشعروهم بقلوبهم النقية المليئة بالمحبة والصدق والخلوص لكل إنسان باعتبار إنسانيته لا باعتبار قرابته ودينه.

والله تعالى في القرآن الكريم يعبر عن مسألتين فقط بالميثاق الغليظ. هما ميثاق الله تعالى مع النبيين وميثاق المرأة مع زوجها. قال تعالى في سورة الأحزاب: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (7). وقال سبحانه في سورة النساء: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21).

العم محمود:

يا أخت ماري. أجدت وأحسنت فأنت فتاة مثالية حقا. فأرجوك ألا تعاتبيني لو أكملت الميثاق الغليظ بميثاق ثالث في الكتاب الكريم. قال تعالى في نفس سورة النساء: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (154). ذلك هو الميثاق العظيم مع بني إسرائيل وهو ميثاق معروف لدى كل أهل الكتاب وموضح في الكتاب المقدس أيضا. لكن الله تعالى كما أظن يتحدث في الآية الكريمة عن ميثاق التوراة مع بني إسرائيل والعلم عنده سبحانه.

ماري:

شكرا، يا عم بل أنا أشكرك على كل ما تعلمته منك. أنت بيننا لتصحح أخطاءنا، عفوا، أخطائي ولا سيما فيما يخص كتاب الله تعالى.

كاترين: 

نحن كلنا تلاميذ في مدرسة الحياة ومن هو أكثر علما في موضوع فإنه يفيض على غيره من علمه والعم محمود مرحب به دائما ليصحح أخطاءنا.

الحاضرون والحاضرات:

صحيح.

كاترين:

كلنا حريصون على أن نرى ماري بيننا أكثر من سفرة صدفة وكلنا نحبها ولكنني أشعر في أعماقي بأنها قد تبقى بيننا أكثر مما تظن هي بنفسها. لا أدري هل هي مسألة خيال أو مسألة حب وإكرام وعلاقة قلبية لا تقاس بمقاييسنا المعتادة. أم هي تمنيات كبيرة كبرت في قلبي حتى أصبحت أشعر بأنها حقيقة. لا أدري ولا أريد لها إلا الخير ويهمني مصالحها ولكننا سنرى مكانها خاليا بيننا لو تمكننا من التجمع. العم محمود إنسان لا يمكن أن أستغني عنه في الجلسات الدينية ولكن في الحقيقة بأن ماري هي التي تمكنت من إقناع العم محمود للمشاركة معنا.

محمود:

فعلا على الرغم من أنني أشعر بالسعادة بأن لي جارة طيبة هي كاترين. لكن لماري تأثير غريب في الإقناع وفي إخراجي من البيت وأنا في سن أحتاج معه إلى الراحة. أدعو لماري ولكم جميعا من كل قلبي أن يوفقها الله تعالى وإياكم لما فيه سعادتكم.

ماري:

هل لنا أن نختم جلستنا التي أتعبنا فيها العم محمود بسؤال أخير لتكون خاتمة جلستنا مفيدة لنا جميعا.

محمود:

بالطبع، ممكن.

ماري:

عن إذن الإخوة والأخوات فإنهم لم يسألوا ولذلك سمحت لنفسي بأن أسأل؛ سؤال أتمنى أن يلقى موافقتهم جميعا. هناك اهتمام غريب في القرآن الكريم ببني إسرائيل. الاهتمام كما أرى ليس دينيا وليس باعتبارهم أو باعتبار أكثرهم يهودا يتبعون التوراة. كما أننا لا نجد نفس الاهتمام بالمسيحيين الذين يتبعون التوراة إضافة إلى كتاب الله تعالى المحدث بعدها وهو الإنجيل. فما السبب؟

فريجا:

أظن بأن الموضوع مهم جدا بالنسبة لي أنا لأنني فلسطينية وأعاني أنا وأهلي من بطش بني إسرائيل.

محمود:

أنا لا أحب أن أتطرق كثيرا للقضية الفلسطينية من واقع القرآن الكريم. كما أظن بأن هناك حلا قرآنيا لو صدق ظني فإنه الحل الذي سوف يُفرض يوما على الفريقين المتحاربين في أرض فلسطين. يكفينا اليوم أن نقول بأن اليهود يظلمون أهلينا ومن حقهم أن يدافعوا عن أنفسهم وأن يستعيدوا الأرض التي اغتصبها منهم الإسرائيليون ظلما وعدوانا.

لكنني سوف أرد على سؤال ماري فقط. وفي البداية دعني أقول لكم بأن بني إسرائيل يجب أن يبقوا حتى نهاية الحياة في هذا الكوكب كما أحتمل. قال تعالى في سورة الأعراف: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (167). ألا تدل الآية الكريمة بأنهم باقون حتى يوم القيامة ليسوموهم سوء العذاب؟ فلو زالوا فلا معنى بأن يسلط الله تعالى على بني إسرائيل من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة. ولهذا السبب أرجو ألا يفكر أحد في رمي بني إسرائيل بالبحر.

ويقول سبحانه في سورة الإسراء: فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104). فهناك وعد لهم من يوم أن أغرق الله تعالى فرعون وقومه في اليم بأن يعودوا إلى الأرض لفائف. يعني على شكل جماعات من كل مكان. والأرض هي الأرض المقدسة وليست مصر. ذلك لأنهم كانوا في مصر ويريد فرعون أن يبقيهم في مصر ولكن موسى كان يريد أن ينتقل بهم إلى أرض أخرى قريبة من الأرض المقدسة. وهم فعلا قد عبروا البحر إلى الجانب الآخر ثم عاد البحر إلى الحالة العادية كما كان وأزيل اليبس الذي أوجدته العصا في الظاهر. وكل الحكايات بعد ذلك تتحدث عن أن المؤمنين انتقلوا مع موسى خارج مصر. الذين بقوا في مصر من بني إسرائيل هم الذين كانوا في خدمة القصور الفرعونية، وهم الذين ورثوا جنات الفراعنة لفترة طبعا. هم كما أظن يمثلون غير المؤمنين من بني إسرائيل.

وما نراه اليوم هو أنهم جاؤوا لفيفا من كل مكان وسكنوا قريبا من القدس. لو كان المسجد الأقصى هو نفس المسجد الموجود في القدس وأنا أحتمل ذلك فإن الفلسطينيين سوف يبقون في القدس الشرقية وهي القدس الأصلية حتى لو تمكن اليهود من إبعادهم اليوم. قال تعالى في نفس سورة الإسراء: إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ ِلأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (7). هذا باختصار بعض أحوالهم.

والآن نسعى لنفهم السر في اهتمام رب العالمين ببني إسرائيل. كلنا نعلم بأنها هي أقدم أسرة بشرية في الأرض عمرها أكثر من أربعة آلاف عام منذ أيام إسرائيل عليه السلام. ولننظر إلى حكاية أخرى من القرآن الكريم لنعرف بعض السر في هذه العائلة الكبيرة. قال تعالى في سورة المائدة بعد بيان حكاية ولدي آدم الذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما فقتله الأخ الآخر: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32). ما هو ارتباط بني إسرائيل بولدي آدم؟ الحقيقة أن التشريع المرسل إليهم هو أول تشريع سماوي كامل إلى الجن والإنس. وكل الحكايات من موسى ومن بعده من الأنبياء تتحدث عن بني إسرائيل باعتبارهم الأسري وليس باعتبارهم يهوداً. وللمزيد من العلم فإن هناك أمرا علميا آخر لا يسعنا بحثه وباختصار فهو أن القيامة لا تقام على أساس ما فعله الناس فقط بل على أساس ما فعلوه مع ملاحظة أحوالهم ومشاكلهم وقدراتهم التطورية وارتباطهم بالكتب السماوية كما أن الله تعالى سوف يطبقهم على بعضهم البعض ويسمي تلك العملية بالشهادة في القرآن الكريم. الشهادة هناك بمعنى النموذج في عرفنا الحديث، والعلم عند المولى عز اسمه.

السؤال ليس عن موضوع بسيط وأنا أسعى لتبسيط الجواب ما أمكن فلا تلوموني.

الحاضرون بقيادة ماري:

نحن متشوقون لمعرفة الحقيقة القرآنية ولا لوم عليكم حضرة العم.

محمود:

قال تعالى بعد بيان حقيقة بقائهم حتى يوم القيامة في سورة الأعراف: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174). لنلاحظ واو العطف قبل الآيات الكريمة فهي معطوفة على حكاية بقاء بني إسرائيل تقريبا. الحديث في هذه الآيات لبيان أن الأسر التي نراها لا ترث كل شيء من آبائها بل هناك فصل طبيعي بين الأب وابنه من البداية أي من قبل أن تتم المواقعة بين الأبوين. والسبب في ذلك ليمنع سبحانه من القول بأننا ورثنا الشرك من آبائنا.

فهناك اهتمام سماوي كبير لبيان أن الأبوة والبنوة الطبيعية الضرورية في هذا الكوكب لا تؤثران في حقيقة الإنسان. ولذلك نرى بأن الله تعالى أقام اختبارين عظيمين متشابهين في هذا الكوكب: أحدهما اختبار أسري واسع لبني إسرائيل وإنزال التوراة عليهم والآخر اختبار غير أسري على أساس القوانين والتشريعات فقط للأمة الإسلامية وإنزال القرآن عليهم بدون الاهتمام بأسرهم. هذان اختباران أسري وغير أسري لمشاهدة تأثر الأمم بالأسر والفرق بينها وبين تأثرهم بالقوانين والعقود.

أظن بأن الله تعالى سوف يثبت للأمم بأن الاختبار غير الأسري كان أكثر توفيقا من الاختبار الأسري ولذلك فإن الأبناء لم يرثوا عقائد الآباء وإنما ورثوا بعض الصفات الطيبة من آبائهم. والعلم عند المولى.

ماري:

ليس الموضوع سهلا قابلا للاستيعاب في جلسة واحدة ولكنني مقتنعة الآن بأن هناك حكمة عظيمة لتكوين الأسرة الإسرائيلية من سلالة إبراهيم وتكوين أسر من نفس إبراهيم غير مهتمة بالأسرة إلا قليلا ولكنها مهتمة بالقوانين السماوية.

يبدو بأن القيامة ليست قيامة بسيطة كما يتصورها الكثيرون فهي قيامة شديدة التعقيد ولا يشعر بها إلا الذين يفكرون في سياسات رب العالمين جل جلاله. ولكن بقي في ذهني سؤال بسيط أتمنى أني يكون جوابه بسيطا أيضا.

محمود:

تفضلي يا ماري.

ماري:

أين الذين يسومون الفلسطينيين سوء العذاب اليوم بعد حكاية الهولوكوست المؤلمة؟

محمود:

هل ترين بأنهم يعيشون الهناء وهم حريصون أشد الحرص على الحياة الدنيا وفي كل ساعة يتوقعون هجوما فلسطينيا عليهم؟ إنهم معذبون فعلا ولا يشعرون بالأمان على الرغم من أنهم يملكون الكثير من المقومات الصناعية والتجارية والزراعية والعسكرية.

ماري:

شكرا يا عم محمود.

الجميع:

شكرا يا عم محمود وشكرا يا ماري وشكرا يا كاترين ونتمنى لك ولعلوي حياة سعيدة طيبة بجوار بعضكما البعض.

يتبع: مفاجأة سارة لماري!

أحمد المُهري

6/7/2019

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/


المؤمنة كاترين 25- زواج بغير المسلمين


المؤمنة كاترين

المقطع الخامس والعشرون

زواج غير مرتقب

وفي اليوم التالي دعت كاترين بعض زميلاتها وزملائها إلى منزلها لحضور حفلة مختصرة لعقد القران. فوجئوا جميعا بالخبر لكنها مفاجأة سارة في حقيقتها.

ساترين:

منذ مدة طويلة أشعر بأن هناك شيئا ما يدور في الخفاء بين علوي وكاترين. وحاولت مرارا أن أستكشف الخبر ولكن كاترين في كل مرة تتحدث عن مسائل أخرى وكأنها تكره الحديث عن العلاقات الغرامية بينها وبين رئيسها.

توم:

قلت لكم بأن كاترين أسلمت حينما لبست الحجاب وذلك إكراما لعلوي.

فريجا:

كنت أظن بأن الظاهر يكشف عن الباطن. ولكنني كنت مخطئة. وكنت أظن بأنني متفرسة قادرة على كشف الحقيقة من النظر إلى الوجوه والاستماع إلى أحاديث الناس ولكن ما أراه اليوم غير ما كنت أفكر فيه. على كل حال فأنا فرحانة جدا بهذا الخبر السار وأتمنى لكاترين وعلوي مستقبلا مشرقا مليئا بالحبور.

سارا:

أكمل فريجا؛ وأتمنى لنفسي ما تمنيته لزميلتي!

ضحك الحاضرون والحاضرات وابتهجوا وتمنوا للعروسين كل خير.

كاترين:

هل تعلمون بأنني فكرت في الحب قبل أيام فقط. وأن مسألة الزواج عرضتها صديقتي الجديدة ماري التي جاءت قبل أسابيع من فرنسا للسياحة في الكويت والسباحة في البحار الحارة. لا أنا ولا علوي تحدثنا عن هذا الأمر قبل الليلة الماضية. لعلكم لا تقبلون ذلك، ولكنكم سترون ماري الليلة وتطلعون على قدرتها الغريبة على فهم نفسيات الآخرين وشجاعتها الفائقة على الربط بين الفتيان والفتيات وبكل يسر. كما ستشعرون بطيب نفسها وواقعية ما تفعله وحبها العميق للإنسان وأخيرا إنسانيتها الفواحة العبقة. كل ما تسمعونه اليوم عني هو فعل ساعة من ساعات ماري التي تحب أن تجلب السعادة للآخرين وكأنها تستمتع بأن ترى البشر في نعيم. إنها تؤمن بأن الحياة الطيبة هي أن تشاهد نفسك عضوا في مجتمع كبير اسمه مجتمع الإنسانية وليست الأنانية المفرطة إلا ضربا من الجنون التي تؤدي أخيرا إلى انهيار الرباط البشري الذي شرعه الله تعالى بين أبناء آدم.

تعجب الحاضرون من ماري ومن حقيقة الزواج الجديد أكثر من تعجبهم من الحب بين علوي وكاترين. كل منهم أعد نفسه ووعدها بأن ترى ماري وتطلع على تلك اللباقة والكياسة والمحبة الإنسانية التي سمعوها عنها من زميلتهم كاترين.

ثم جاء علوي وذهبوا جميعا لتقديم التحية والتبريكات والتمنيات بمناسبة ارتباطه الزوجي المرتقب مع زميلتهم كاترين. لم يروا من علوي إلا الخجل والحياء ممزوجا بقليل من التبسم وشكر خافت لهم جميعا.

خرجت كاترين من البنك متفقة مع ماري لإعداد طعام للمدعوين وتم ذلك وحضر الضيوف تباعا في الموعد. وبعد الاستقرار في مقاعدهم داخل شقة كاترين بدأت ساترين بتوجيه السؤال التالي إلى كاترين.

ساترين:

عزيزتي كاترين أرجوك أن تسمحي لي بتوجيه هذا السؤال المحرج قليلا إليك لأنني أحب أن أزداد معرفة بزملائي وزميلاتي لأتعلم فقط.

كاترين:

أنت حرة وكذلك الباقون أحرار في الاستفسار عن كل ما تريدونه حولي وبدون أي شعور بالانحراج.

ساترين:

شكرا والسؤال هو هل أنت لا زلت مسيحية وتتزوجين مع مسلم أم أنك أسلمت يوم أن لبستِ الحجاب.

كاترين:

طبعا ليس للحجاب أي علاقة بديني. فأنا حتى هذه اللحظة لا أؤمن بالحجاب ولكنني ألبسه لأحمل إشارة “كلا” لمن تسول له نفسه التحرش بي فقط. وأما اعتناق الدين الإسلامي فأنا منذ مدة طويلة أشعر بأن المسيحية الحقيقية هي عين الدين الإسلامي وأن الرسول محمدا هو مكمل لشريعة المسيح كما كان المسيح مكملا لشريعة موسى عليهم جميعا سلام ربنا. ولذلك شعرت ذات يوم بأنني قد أكون مقصرا مع ربي إن بقيت رافضة لذكر محدث أنزله علينا بعد وفاة المسيح بعدة قرون فقط والقرآن بيننا منذ أكثر من 14 قرنا. ولذلك أسلمت شاعرة بأنني لا زلت مسيحية وبأن المسيح لو كان حاضرا لكان هو من السابقين في الإسلام.

والإسلام لا يعني التسليم لبشر إطلاقا بل يعني التسليم لله تعالى وهو روح الشريعة المسيحية الحقة.

ساترين:

في أي مسجد شهدت الشهادتين؟

كاترين:

الإسلام وكل الأديان ولا سيما الأديان السماوية الثلاث المعروفة تمثل علاقة كل إنسان بربه وليس لأحد أي دخل في علاقتي مع ربي. لو كان الرسول محمد حاضرا لذهبت إليه لإعلان إسلامي لعلي أضيف على أنصار الإسلام يوم ضعفه شخصا واحدا وليس ليكون ديني مقبولا. أما الذين يذهبون إلى المساجد ليسلموا ويظنون بأن الشهادة أمام شخص معروف برجل الدين ضروري لإشهار الإسلام فهم يجهلون حقيقة دين الله تعالى مع الأسف. وكان ذلك قبل أن أفكر في أي ارتباط عاطفي مع علوي. لكنني كنت أخفي إسلامي إكراما لأسرتي حتى يحين وقته. وهكذا ماري مسلمة منذ أمد وكانت تخفي التزامها الجديد بدين محمد عليه السلام ولكنها اضطرت لإظهار إسلامها قبل أيام لأخينا الكريم محمود التمار.

ساترين:

يهمني أن أعرف بأن الزواج بين المسلم والمسيحي ذكرا أو أنثى جائز في دين الإسلام وهل هناك فرق بين الجنسين في هذا الخصوص. بمعنى أن هل هناك سماح للرجال بالزواج من المسيحيات وعدم سماح للمسيحيين بالزواج من المسلمات كما نسمع من بعض رجال الدين؟

كاترين:

أظن بأن العم محمود هو خير من يمكنه الرد على استفهامك بكل تفصيل وأتمنى بأن يكون راضيا للرد؛ وبما أن البحث قد يطول فاسمحي لي بأن أستأذن من الحاضرين أيضا رأيهم بهذا الخصوص.

الجمع:

موضوع مهم قد يفيدنا جميعا.

محمود:

بكل سرور. دعونا نناقش الموضوع عمليا ثم قرآنيا. ذلك لأنني أرى بأن تشريعات السماء جاءت لتعلمنا كيفية التجاوب مع ما خلقه الله تعالى في الطبيعة فمن الضروري أن يراعي التشريع ضروراتنا الاجتماعية والأسرية في نفس الوقت. أنتم جميعا تعملون في دائرة بنكية واحدة فلو تفكرون في مناقشاتكم مع بعض من حيث المواضيع والآداب والرفض والقبول وتقارنوا بينها وبين محاوراتكم مع من لا يعمل معكم لتروا فرقا كبيرا بين ما يدور بينكم في الحالتين. فأنتم هنا لا تتحدثون عن الاعتمادات المستندية بصورة تخصصية لأن هناك شخصا غير متخصص بينكم ولو اضطررتم للحديث فأنتم ستسعون إلى عدم استعمال المصطلحات البنكية المرتبطة بعملكم. فلو أنكم لم تراعوا هذه المسألة فسأكون مضطرا لأخرج أو أقوم بعمل آخر مثل قراءة جريدة. فالتوافق اللغوي والتقارب المهني ضروري بين الذين يريدون بناء حياة مشتركة متداخلة بالضرورة.

ثم نلاحظ الالتزام بالتشريعات. فالإنسان الذي لا يؤمن بتشريع أو لا يلتزم به فهو بالطبع غير جدير بأن يوثق به ثقة كاملة. لا يمكن للوجدان وحده أن يردع الإنسان من عمل السوء ومن الظلم عند الحاجة بل يعوزه الإيمان برصد غيبي يراه ويراقبه حتى يتقوى نفسيا ويتشجع لإظهار تمسكه بمعتقداته وتمسكه بالعمل بها بدقة. وكيف يمكن للمرء أن يلتزم بفكرة لا يؤمن بها؟ وكيف يمكن لشخصين يؤمنان بفكرتين مختلفتين ليعيشا بوئام كامل؟ كيف يمكن لك أن تعيش مع شريك يؤمن بأن رسولك كذاب افترى على الله تعالى وادعى رسالة لا يحملها؟ إنه في قلبه يلعن الكذابين والمفترين فهو أو هي قد يلعن من تؤمن برسالته ليقنع نفسه بأنه على حق. لولا ذلك لعاش مع ضمير يؤنبه لأنه يؤمن برسالة جديدة دون أن يلتزم بها. لو أن اليهودي تقبَّل المسيح عليه السلام ولم يتهمه بالكذب فعليه بأن يتنصر ويترك دينه وإلا فهو مخالف لوجدانه ولا يمكن الاعتماد عليه. وهكذا المسلم والمسيحي. يمكن لهما أن يحملا علاقة تجارية أو صداقة أو سفرا أو مرحا أو زمالة مهنية مشتركة باعتبار أن كل ذلك موقوت يوميا وفصليا. فقد ينفصلان في أية لحظة ولا توجد أية مشكلة.

لكن الزوجين الصادقين يعلمان بأن الزواج رباط وثيق في غاية الأهمية وهناك نتاج مشترك في غالب الأحيان والنتاج يعتمد على أفكار وعقائد الأبوين ليبني لنفسه مستقبلا يعتمد على الصدق والصحة والأمان. المسلم يؤمن برسالة المسيح ولكنه ممنوع من أن يخالط المسيحيين في كل شيء. فلا يجوز له أن يأكل من بعض أكلات المسيحيين ويجب عليه أن يطمئن بأن ما يأكله من اللحوم مباحة عند ربه وإلا فهو آثم.

وأما قرآنيا.

قال تعالى في سورة البقرة: وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221). قد يقول أحد بأن المقصود من المشركين هم الذين كانوا متواجدين في بدايات الإسلام وهم لم يكونوا مؤمنين بالرسل البشريين وكانوا يعبدون الأصنام باعتبارها تقربهم إلى الله تعالى. لكنه سبحانه وضح سبب المنع في آخر الآية الكريمة بأن المشركين يدعون إلى النار ولذلك منع من الزواج معهم. قال تعالى في سورة التوبة: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31). فاعتبر المسيحيين واليهود مشركين عمليا لأنهم يعبدون غير الله تعالى مع الله فيخضعون لأحبارهم ورهبانهم ورسلهم وهو شرك بالله تعالى.

وقال سبحانه في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51). بالطبع أننا ندعو إلى التسامح وكسب الأصدقاء واحترام كل الناس بأنهم بشر مثلنا ولكننا لا يجوز أن نتخذ من غير ديننا أولياء. فما معنى نتخذهم أولياء؟ قال تعالى في سورة الممتحنة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (1). ليس اليهود والنصارى أعداء للمسلمين ولكنهم أعداء لله تعالى إن كانوا فعلا على علم برسالات السماء. آية الممتحنة تتناول الذين حضروا رسالة خاتم النبيين وجحدوا بها فاعتبرهم الله تعالى أعداء له. ذلك لأنهم علموا بأن محمدا يحمل رسالة السماء ثم جحدوا برسالة الله تعالى فهم رفضوا الله في الواقع. والعداوة مع الله تعالى ليست مشابهة للعداوات التي نسمع عنها هنا وهناك. العداوة مع الله تعالى تعني رفض دعوة الله تعالى لك إن علمت به. هناك تُعتبر عدوا لله تعالى لأنك قابلت نعمته بالكفر بدلا من الخضوع والشكر. فعلى المؤمن ألا يوالي عدو الله تعالى.

لنجمع هذه الآية مع آيات أخرى في نفس سورة الممتحنة: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10). فالتعامل معهم في حدود التجارة ومصادقتهم والسلام عليهم واحترامهم وإكرامهم مكارم إنسانية طيبة يجب أن يتحلى بها المسلمون ولكن الحديث فعلا عن الزواج مع الذين كفروا. والذين كفروا كما عرفنا من بداية سورة الممتحنة هم الذين رفضوا القرآن وجحدوا به (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ).

فإن لم يكونوا في حرب معنا فنحن نحسن إليهم ونحترمهم ولكن الزواج معهم لا يجوز. الزواج هو أجلى أنواع الولاية. قال تعالى في سورة الأنفال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71). لنعلم بأن الزواج عند الله مسألة مهمة جدا وميثاقه ميثاق غليظ بينهما. وقال سبحانه في سورة الروم: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21). فالإنسان ذكرا أو أنثى يسكن ويرتاح نفسيا إلى زوجه بإذن الله تعالى والله تعالى جعل بينهم المودة والرحمة. فالمودة بين الزوجين تتعارض مع أن يعتقد أحدهما بأن الرسول الذي يدين به زوجه كذاب مفتر على الله تعالى. فلو كان غير المسلم ذكرا أو أنثى ملتزما بدينه فسوف يشمئز من صاحبه وهو يخاطب المسيح عليه السلام بالرب والمخلص. كما أن الآخر يشمئز من أن يسمع صاحبه يشهد كل يوم عدة مرات بأن محمدا رسول الله في حين أنه يعتبر ذلك أمرا باطلا!!

ماري:

وما تقول يا عم محمود في الآية التالية من سورة المائدة: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5).

محمود:

وهل أحكام الله تعالى وتشريعاته التي أنزلها على رسوله محمد مختلف مع ما أنزله على من سبق؟ قال تعالى في سورة فصلت: مَا يُقَالُ لَكَ إِلاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43). تشريعات السماء طبيعية تلائم الطبيعة فلا يمكن أن تكون مختلفة مع بعضها البعض. فمثلا لا يمكن أن يحرم الله ارتباط المثليين للمسلمين ويحلها على من سبق. فلماذا يقول سبحانه: اليوم أحل لكم الطيبات؟ الطيبات كانت وستبقى حلالا إلى يوم القيامة.

ومن جانب آخر فإن الله تعالى حرم الخنزير في نفس سورة المائدة وفي آيتين قبلها ثم يأتي ويقول بأن طعام أهل الكتاب حل لنا والمسيحيون منهم يأكلون لحم الخنزير!! فهل يجوز للمسلم بناء على الآية الكريمة أن يأكل لحم الخنزير في بيوت المسيحيين باعتبار أنه تعالى يصرح في الآية بأن طعامهم حل لصحابة الرسول؟ ثم ما معنى قوله تعالى فيها: وطعامكم حل لهم؟ فهل اليهود بعد هذه الآية أكلوا لحم الجمل مثلا؟

ماري:

فعلا غريب أمر هذه الآية!! كنت أستدل بها على جواز الزواج بين المسلم وبين المسيحي واليهودي وما انتبهت إلى الطعام فهو فعلا غير ممكن وهو جزء من الآية! لو قلنا ذلك فنحن نعني بأن القرآن الكريم يناقض نفسه؛ فما معنى الآية إذن يا عم؟

محمود:

الآية لا تتحدث عن تشريع فلن تجد مشرعا يبدأ قانونه بكلمة: اليوم. اللهم إلا القوانين المؤقتة مثل قوانين الحروب في الإسلام مثلا. فالإسلام لا يجيز إشعال أي حرب بدون إذن مسبق من الله تعالى وينتهي الإذن بانتهاء الحرب. أو حكم تحريم شحوم الأنعام على اليهود حيث يصرح سبحانه بأن الحكم كان عقابيا مؤقتا. لكن تشريع الزواج لا يمكن أن يكون مؤقتا. ولو نلاحظ الجملة الكريمة الأولى: اليوم أحل لكم الطيبات؛ فهل الطيبات كانت محرمة عليهم قبل ذلك اليوم؟

ولو نمد طرفنا إلى الآية السابقة لها حيث يقول سبحانه: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4). فقد وضح سبحانه بأن الطيبات أحلت لهم فلماذا يكرر في الآية التي تليها نفس الكلام. إنه تكرار غير ضروري. ولذلك نقول بأن الآية التالية لها والتي استندت عليها ماري ليست آية تشريعية وإنما هي آية تبين ما منَّ الله تعالى به على الذين آمنوا من أهل مكة من الذين سبق لهم الشرك بأنهم في ذلك اليوم بفضل الإسلام أصبحوا إخوانا للمسلمين الذين سبق لهم أن كانوا أهل كتاب سماوي وهم اليهود والنصارى. ولا ننس بأن إطلاق صفة “أهل الكتاب” على الذين آمنوا بالله وبرسله قبل المشركين يمثل تشريفا وتكريما لأهل الكتاب. لقد سبق لهم الإيمان الكامل بالله تعالى ولا سيما أتباع المسيح منهم حيث تقبلوا الدين السماوي المحدث فمن حقهم أن يفتخروا بما كانوا عليه.

لكن الإسلام الذي بدأ بالمشركين باعتبار أن الرسول كان منهم نَسبيا فهو الذي وحد صفوفهم وجعل المشركين إخوانا مع أهل الكتاب بعد أن كانوا دون مستواهم. كان أهل الكتاب يبتعدون عن أكل ذبائح المشركين لأنهم كانوا يذبحون على النصب ولا يهتمون بذكر اسم الله عليها كما كانوا لا يتزوجون من المشركين لأنهم مشركون رافضون للأديان السماوية. لكنهم اليوم أصبحوا إخوانا باعتبار أن أهل الكتاب بصورة عامة آمنوا بالإسلام. فالمسيحيون من أهل الكتاب الذين آمنوا تركوا أكل لحم الخنزير كما أن اليهود من أهل الكتاب لم يحرموا الجمل بعد أن أسلموا. هكذا أصبحوا إخوانا يتزوجون مع بعض ويأكلون من طعام بعضهم البعض.

فالتحليل في الآية أمر غير تشريعي مشابه لقوله تعالى قبل الآيتين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2). فشعائر الله تعالى يجب أن تبقى محرمة ولا يجوز حلها. بمعنى يجب أن يبقى احترامها محفوظا لدى الناس فعليهم ألا يستهينوا بها. فلو قلنا بأن لا تحلوا هو بمعنى الحلال والحرام فيجب أن يكون نفيه إثباتا. بمعنى أن على الناس أن يحرموا شعائر الله تعالى. فيعني قولهم بأن الإتيان بالشعائر محرم عليهم. ولكن المقصود غير ذلك. إن عليهم أن يحافظوا على شعائر الله فالاستهانة بها وعدم الإتيان بها عند الضرورة محرم. وهكذا آية تحليل الطيبات المقيدة باليوم فهي تعني بأن الطيبات أصبحت متاحة لهم في ذلك اليوم كما أن الزواج مع أهل الكتاب الذين أسلموا أصبح متاحا.

وأما الذين بقوا رافضين الدخول في الإسلام فهم لم يكونوا ليأكلوا الجمل ولم يكونوا ليأكلوا ذبائح أهل مكة من غير دينهم. فاليهود لا زالوا كذلك. لكننا لو نفسر الآية بأنها غير تشريعية بل يمنُّ الله بها على من كانوا مشركين فالمقصود من أهل الكتاب هم الذين آمنوا بالإسلام منهم لكانت المعاني صحيحة. لقد تغيرت عقائد الذين كانوا يهوداً وأصبحوا يأكلون من ذبائحهم ويتزاوجون معهم. هذا معنى الآية بإذن الله تعالى.

ماري:

شكرا يا عم محمود. لقد كنت في ضلال إثر قبولي للمعنى الشائع دون أن أفكر فيها بنفسي.

محمود:

كلامك صحيح يا ماري. على كل إنسان أن يرفض تقليد غيره ولا سيما الذين سبقونا من الطيبين. إنهم دون مستوانا ونحن بفضل الله تعالى أكثر تطورا منهم فعلمنا أوسع من علمهم وعلينا أن نفكر بأنفسنا. قال تعالى في بداية سورة الأعراف: المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3). القرآن منزل على رسولنا عليه السلام ولكنه ليس له لوحده بل له ولمن آمن برسالته. على الذين آمنوا أن يتبعوا القرآن الكريم ولا يتبعوا الأشخاص. لا يتبعون محمدا عليه السلام إلا في رسالته ولذلك لم يقم المسلمون الأوائل بكتابة أحاديث الرسول ويُقال بأنه عليه السلام منع من تدوين أحاديثه. إنها فهم بشري لا يفيد من بعده. ولعله لا يفيد المؤمنين الذين كانوا يعيشون أيام الرسول في الصين مثلا.

وقال تعالى في سورة محمد: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24). قاله سبحانه لمن حضروا رسالة السماء بأن من واجبهم أن يتدبروا القرآن بأنفسهم ولم يقل بأن من واجبهم بأن يتبعوا فهم أخيهم محمد عليه السلام. بالطبع أننا نتبع فهم نبينا للصلاة كما أنه هو عليه السلام كان يتبع فهم إبراهيم عليه السلام للصلاة. الصلاة بأصلها تشريع ولكنها في طريقة الإتيان بها سنة عملية إبراهيمية. إنها سنة بدأت بإبراهيم ولا نجد في دعوات الأنبياء السابقين على إبراهيم أي أمر بالصلاة. ولذلك لا نرى أي تعارض أو تناقض في قوله تعالى التالي في سورة فصلت مع أن فريضة الصلاة لم تكن معروفة بين من سبق: مَا يُقَالُ لَكَ إِلاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43).

أصل الصلاة واجب على كل من سبق ولكن صلواتنا التقليدية لم تكن معلومة من قبل ولذلك لم يذكر الله تعالى لنا كيفيتها في القرآن. والعلم عند المولى.

يتبع: زواج مرفوض

أحمد المُهري

29/6/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

المؤنة كاترين 24- عن الزواج والصداق والمهر


المؤمنة كاترين

المقطع الرابع والعشرون

ماري تفاتحهم بمسألة عاطفية ممتعة

ماري:

شكرا يا عم محمود. أتعبتك كثيرا واسمح لي بأن أعرض مسألة يهمني إنجازها قبل أن أسافر. فأنا أشعر بأن الخجل يمنع بعض الناس من أن يتولوا بعض الأمور ولعل من واجب أصدقائهم وأهلهم أن يتحدثوا نيابة عنهم.

فتح علوي وكاترين عينيهما لمقولة ماري. بالطبع أن كاترين كانت تعرف أكثر من علوي ما تقصده ماري. لكن العم محمود كان في غفلة كاملة عما تقصده ماري.

محمود:

تفضلي يا ماري.

ماري:

تعلم يا عم محمود بأن علوي فقد زوجته رحمها الله تعالى وله ولدان منها وهما صغيران يحتاجان إلى عناية الأمومة. وأنا أرى بأن كاترين فتاة طيبة مؤمنة وهي كبيرة نسبيا ولم تتزوج وهي تحب علوي وتحب ولديها. ولذلك أرى بأن من صالح الطرفين أن يرتبطا برباط الزوجية فأراهما متكافئين طيبين وأرى كل شروط الزواج متوفرة. كلاهما يعملان معا وهما في العمل راضيان من بعضهما البعض ولا معنى لأن يعيشا عازبين. فما رأيك يا عم محمود؟

محمود:

مقترح طيب ونظرة إيمانية رائعة فلا أرى أنا أيضا أي مانع يحول دون زواجهما. كما شعرت بأن ولدي علوي يحبان كاترين ويخاطبانها خطاب الأمومة. وخير البر عاجله. دعنا نكمل المسألة في هذه الجلسة. فلنستمع إلى رأيهما أولا.

سكت علوي وسكتت كاترين وشعرا بأنهما فقدا الشجاعة ليبوحا بما يدور في قلبيهما. خيم السكوت على الجميع لعدة دقائق. ثم رفعت ماري رأسها لتخاطب علوي.

ماري:

أخي علوي هل ترى في اقتراحي صوابا أم لا؟

علوي:

بالتأكيد أنك صائبة. ولكن لا أدري كيف تتم العملية ولا أدري رأي كاترين. إنها زميلة طيبة وأمينة وأنا أشعر بأنها تقطع عني تعبا مضنيا في العمل. بمعنى أنني أشعر فعلا بالحاجة إليها لضمان الصحة في معاملاتنا البنكية الخطيرة. لكنك تعرضين علينا مسألة أخرى أكبر من العمل. لم نتحدث أبدا من قبل وما فكرت في الموضوع ولذلك لا أعلم شيئا إطلاقا عن رأي كاترين.

كاترين:

تهم بالكلام ولكن الخجل يمنعها، فتسكت.

ماري:

هيا كاترين ردي علينا. نحن بانتظار رأيك.

كاترين تقول في نفسها، كم هي طيبة ماري فيا ليتني تعرفت عليها من قبل. وبما أن كاترين تجيد الفرنسية إجادة تامة وتكلم ماري بلغتها فالتفاهم اللغوي الدقيق بينهما منح كاترين علاقة قلبية بماري. وأخيراً جمعت كاترين شجاعتها لتقول.

كاترين:

علوي يعرف كم أنا أحبه وأحب ولديه فلو ارتبطنا زوجيا أم لم نرتبط فأنا وعلوي نكمل بعضنا البعض. ولذلك فهو الذي يقرر وأنا الذي أنفذ تماما كما نفعل في العمل.

ماري:

نعتبر هذه موافقة من كاترين ونقوم الآن بالإجراءات. هل أنت يا علوي موافق مع اقتراحي وكم تريد أن تدفع مهرا لزوجتك. ولا بد أن تعرف بأن الله تعالى يسميه صداقا بمعنى قيمة الصداقة. ولا بد أن تعرف بأن السبب في تحملك أنت قيمة الصداقة معها هو لأنها بصورة طبيعية تحمل إمكانات لا تحملها أنت كرجل. فهي التي تصنع الإنسان وهي التي ترضعه وليدا. ولذلك فأنت الذي تدفع قيمة الصداقة مع إنسان أكثر إمكانات منك. قال تعالى في سورة النساء: وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4). وأطلب من العم محمود التمار أن يشرح لنا الآية الكريمة.

محمود:

بيان الآية الكريمة يأخذ وقتا طويلا فهل أنتم موافقون؟

الجمع:

موافقون.

الواو في بداية الآية عطف على وانكحوا فهو أمر إلهي للرجال الراغبين في الزواج من النساء سواء كن حرائر أو ما ملكت أيمانهم (الإماء). والغريب أن الله تعالى يأمر الرجال بدفع المهور فريضة منه سبحانه ولكنه يبيح للنساء أن يعيدوا ما شاءوا من ذلك إلى أزواجهن واستحب سبحانه ذلك للرجل بدليل قوله الكريم: فكلوه هنيئا مريئا. لذلك نكون أمام عدة مسائل في هذا الصدد:

أولا:

إنه سبحانه اعتبر الصداق صداقا وهي تعني أجرة الصداقة أو المخاللة كما قالت ماري. وواقع الأمر أن الصداقة مشتركة بينهما وهما معا يستفيدان منها فلماذا يأمر الرجل بدفع بدل الصداقة ولا يأمر المرأة بدفع شيء؟ واقع العرف بأن الرجل والمرأة يتبادلان الهدايا وأن أهليهما يتبادلون الهدايا والمطاعم والحفلات. والله تعالى لا يخالف هذا العرف حينما يبيح للمرأة أن تهب زوجها بعض مهرها بصورة مستحبة كما يُستفاد من الآية الكريمة ولكنه يغير تسميات العرف بالفرض على الرجل والمستحب للمرأة. فبالطبع هناك أمر ما كان خافيا على المجتمعات القديمة التي استلمت الوحي وقد قصده الله تعالى كما أحتمل حين نزول هذه الآية الكريمة.

ثانيا:

إنه سبحانه أمر بأن تكون أجرة الصداقة هذه نحلة لا يمكن العود إليها أبدا إلا إذا اتفق الزوجان على فسخ عقد الزواج بينهما. فالنحلة تعني ما ينتحلها المعطى له فهو يمتلكها بمجرد البذل على سبيل النحلة. هي تماما مثل بذل الأبوين أو الجدين لولدهما والذي لا يمكن فسخه بعد البذل ولو باللسان كما هو متعارف بين الناس والفقه التقليدي يتقبله أيضا. وقد أباح سبحانه استعادة نصف ما دُفع إذا اتفقا على الطلاق قبل المعاشرة وفق نظام العرف. قال سبحانه في سورة البقرة:

لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴿236﴾ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿237﴾.

وبالنظر الفاحص إلى الآيتين يتبين تماما زيف أنواع الزواج المطلوب للمتعة العابرة مثل المتعة والمسيار والوناسة وغير ذلك من المخترعات البشرية التي لا تألفها شريعة الرحمن جل جلاله. ويعزو سبحانه أمره الكريم بقيام الرجل بدفع نصف ما فرضه على نفسه للمرأة التي لم يمسسها باعتبار الفضل بينهما. ونحن نعرف فضل الرجل باعتبار الدفع ولكننا نجهل فضل المرأة.

ثالثا:

أمر الرجال بأن يؤتوا الصدقات للنساء وهي تعني إيصال الصدقة إلى يد المرأة ووضعها تحت تصرفها الفعلي حتى يصدق إيتاؤها. وحتى نعرف معنى الإيتاء قرآنيا على الأقل، يجدر بنا أن نراجع كل الآيات التي وردت بها فعل أتى بصيغة الإفعال لنرى بأن العليم الخبير لا ينسب إيتاء العلم لغير القدوس سبحانه ولكنه ينسب الماديات لغيره. ذلك بأنه هو وحده القادر على إيتاء العلم إلى نفس المتعلم ولكن المعلم يلقي العلم على المتعلم بغض النظر عن أنه يتعلم أو لا يتعلم. فالإيتاء في الحقيقة معناها الإيصال الحقيقي السهل بدون خوف أو حذر أو ضغط أو حياء أو أي نوع من الشدة لتكون العطاء هنيئا مريئا من البداية. مثل هذا العطاء لو أعيد إلى المعطي فهو هنيء مريء أيضا.

رابعا:

اعتبر الصداق فريضة حقيقية على الرجل لصالح المرأة حينما قال صدقاتهن. وكأنه حق من حقوقهن ولم يرفضه الفقه الذكوري السائد بل اعتبره من شروط تحقق الزواج. لكن الفقه الذكوري اعتبر الصداق دليلا على سيادة الرجل وأما الأمة الإسلامية على الغالب سمت الزواج مِلكة بهذا الاعتبار احتمالا. وعلى أساس أن الرجل يتملك المرأة والمرأة أسيرة أو عبدة تحت الرجل؛ كما اعتبر الناس وخاصة العرب إعطاء المرأة مالا للرجل عيبا ونقصا تأباه نفوس الرجال. وترى الكثيرين يأبون أخذ المال من أهل المرأة أيضا. لكنهم لا يأبون أخذ أي شيء عنوة وغصبا حتى من زوجاتهم! فما فعله القرآن الكريم يدل دلالة واضحة بأن الصداقة التي يتأملها الزوجان هي فضل من المرأة على الرجل ومن حقها أخذ أجر على قبولها مصادقة الزوج الذي تنوي أن تعيش معه. ولا غرو بأن نرى آخذ المال أرفع من الدافع. هذا هو طبيعي فالمَلِك يأخذ المال من عامة الرعايا ويدفع لمن يفيده منهم ومرجع التقليد والمفتي يأخذان المال ممن يعتبرانهم دون مستواهما وأصحاب الملايين الذين يبيعون الخدمات والبضائع يأخذون الأموال ممن هم فقراء معوزون دون مستواهم المالي والاجتماعي والطبيب الغني يأخذ المال من المريض والفقير وهلم جرا.

خامسا:

يدفع الرجل المال فريضة من الله تعالى مقابل قبول المرأة الزواج بينهما ويلتزم أيضا بدفع كل النفقات ما داما في قيد الزوجية. فما يدفعه طيلة فترة الحياة الزوجية فرض لا يحتاج معه أن يكون من طِيب نفس لزاما، ولكن المرأة إن أرادت أن تدفع شيئا لزوجها فيلزم أن يكون الدفع من طيب نفس. هذا تماما مثل إعادة المَلِك بعض الضرائب على شعبه فهو يتم من طيب نفس الملك ولا يمكن أن يكون فرضا عليه حسب الأعراف البشرية السائدة. هكذا يكون فضل المرأة على الرجل حين الدفع أكثر من فضل الرجل على المرأة حين الدفع.

سادسا:

لم يقل الله تعالى للمرأة أن تأخذ الصداق وتأكلها هنيئا مريئا ولكنه قال ذلك للرجل. والحال أن الرجل يصرف ما بيده من مال على بيته وزوجته أكثر مما يصرفه على نفسه بعكس المرأة التي قد لا تصرف المال المأخوذ من زوجها إلا على زينتها أو أهلها أو صديقاتها مثلا. وهكذا يؤكد فضل المرأة على الرجل لو أنفقت عليه ولو أنها هي التي ستأكل من ذلك الإنفاق في النهاية إذ أن من واجب الرجل أن يأتي بالنفقة فليس الدفع من مسؤوليات المرأة. إنها قدمت نفسها لزوجها وهذا لا تعني أنها باعت نفسها بل تعني بأن تمتع الرجل من المرأة عادة أكثر من تمتع المرأة من الرجل في واقع الأمر. هذه المسألة صعب فهمها على البشر ولكن الله تعالى هو الذي يفهمها بكل دقة ونحن نفهم ذلك من التعمق في كلمات رب العالمين سبحانه وتعالى. ذلك لأن الله تعالى عادل وليس له قرابة أو خصوصية مع المرأة لكنه يتبع نظامه العادل السليم والمتقن ويتبع ما كتبه سبحانه على نفسه من الرحمة لعبيده.

والتمتع في أصل مفهومه ليس في الجنس الذي يمثل قدرا ضئيلا جدا من حقائق الحياة الزوجية. ألا نرى بأن الرجال مع حاجتهم الفيزيائية الشديدة إلى الجنس فهم قد يتركون زوجاتهم الشابات والجميلات وحتى المتعلمات أحيانا لأن أخلاقهن وصفاتهن الأخرى لا تناسبهم. إن الرجل في واقع الأمر يبحث عمن يشاركه همومه وآماله وتطلعاته. إنه يريد الجنس ليتخلص من الضغوط الطبيعية التي تتعالى داخل كيانه الفيزيائي مثلا ولا يحب أن يرى أو يسمع من شريكته ما يزيد من همومه المالية والاجتماعية. لكن المرأة تُشبع أحاسيسها المشابهة بما يخلق الله تعالى في جوفها من أطفال وبما تعمل في العناية بهم وتعليمهم وتربيتهم وغير ذلك. فصحيح أن المرأة هي التي إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق كما قال الشاعر العربي، ولكن الزوج هو المستفيد الأكبر من هذه الأسرة الصغيرة التي تبدأ بهما. وهو المستفيد الأكبر من نتاج تلك الأسرة فعليه أن يبادر بإرضاء شريكته في بدايات الزواج لتسير المشاركة الجديدة بسهولة ويسر مع أقل المشاكل. عليه بأن يتقبل بأنه هو المستمتع وأن المرأة هي التي تتعب وهي صاحبة الحق الأكبر سواء في البداية أو عند حمل وتربية النتاج التكاثري. فالرجل يأكل مكرمة المرأة هنيئا مريئا فعلا والمرأة تنتظرها الكثير من الصعوبات والبلايا التي تتطلب المزيد من التضحيات في سبيل المملكة الجديدة.

سابعا:

حينما نقرأ الآية التالية لها وهي الآية الخامسة، نشعر بأن المرأة التي ترضى بإعادة بعض ما آتاها زوجها من فريضة الصداق من طيب نفسها فهي تعترف ضمنيا بأن زوجها ليس سفيها وبأنه قادر على إدارة البيت ماليا وبأنه جدير بتدبير المستقبل فلا تقع المملكة الصغيرة في مهب الرياح المالية العاتية. فعلى الزوج الرزين أن يقدر ذلك ويحتفظ لها بالمزيد من الحب والاحترام وهذا ما يريده الله تعالى بربوبيته لتنمو التجمع الحادث بيسر وسهولة ودون نزاع وخصام ومشاكسة حول الحقوق. وهكذا نرى كيف يحقق الله تعالى ما وعده من جعل المودة والرحمة بينهما. كما نرى المشاركة الفعالة والمؤثرة بالقوة من المرأة في تعميق أواصر المحبة والشوق بين بعضهما البعض فنتمنى ذلك لجميع الأزواج في بدايات زواجهم. وعلى هذا الأساس المتين يتم بناء عش الزوجية وليس على أساس الشهوات والوناسة والمتعة والمسيار وبقية أنواع الارتباط غير الشرعي بين الرجال الوقحين والنساء الضحايا. والله تعالى يرفضها جميعا بقوله الكريم في سورة المعارج:

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿29﴾ إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿30﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿31﴾. وقال سبحانه مثل ذلك في سورة المؤمنون أيضا.

ثامنا:

إذا اكتفى الله تعالى لتشريع هذا العمل من المرأة بتشجيعها وتهنئة زوجها بأنه قد فاز برضا الزوجة فإنه يعني بأنه هو سبحانه موافق مع قرار المرأة ولا يعطيها أية نصيحة بأن تتروى في قرارها قبل البذل. يدل هذا الأمر على أن المرأة لن تأخذ قرارا مثل هذا إلا بعد أن تطمئن بزوجها وبأن الحب الذي تكون بينهما ذو أصول وجذور متأصلة لا تقبل الهزال. ألا نراه سبحانه ينصح الناس في قراراتهم أن تكون عقلانية مستندة إلى المعلومات الدقيقة كما وعظ سبحانه المؤمنين الجدد في سورة الحجرات:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿6﴾.

أو يقول سبحانه لنبينا في سورة التوبة: عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿43﴾.

فالله تعالى لا يوافق على أعمال الناس إن لم تكن صحيحة؟ وهذه مكرمة أخرى للمرأة. أتمنى أن تتعرف النساء على مدى اهتمام ربهن بهن فلا يعتريهن الظنون بأنهن مظلومات تشريعيا ولا يلمن غير أنظمتهن ومجتمعاتهن على الظلم ويلمن أنفسهن على السكوت الطويل على ما يصيبهن من أذى دون أن يتعرفن على كتاب ربهن فيعرفن حقوقهن ويبدأن بالمطالبة بقوة بالعمل بالقرآن.

تاسعا:

نسب الطِّيب مباشرة إليهن ثم ميزه بالنفس بأن الطيب طيب نفسي وليس طيبا بدنيا. ففيه زخم تشجيعي كبير بأنها طيبة إن دفعت مالها إلى زوجها ثم إن نفسها طيبة بأن رضت بدفع هذا المال عن طيب خاطر.

عاشرا:

لم يذكر الدفع والبذل بل اكتفى بذكر الطيب (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا) ليزكي العطاء من أية منة أو توقعات سوى المحبة والود الخالص التي تُشكر عليهما.

حادي عشر:

لم يذكر سبحانه الوجوه الشرعية لكسب المال من قبل الزوج الذي دفع الفريضة أولا فلم يعلق الهناء بأن يكون المال كامل الحلية والطيب مثلا. فكأن تلك الفريضة حينما تصل إلى يد الزوجة فإن الشكوك والشبهات تتلاشى وتصبح طيبة بأنها تمتلك ذلك المال بأمر الله تعالى. فأحد وجوه الهناء هو أن يشعر الزوج بأنه يأخذ مالا مغسولا من الدرن ولو أنه لم يكن محتاطا في كسب ذلك المال بادئ ذي بدء.

ثاني عشر:

وأخيرا فإن السر في أنه سبحانه أشار إلى الصدقات في الآية 4 من سورة النساء بأنها كلمة مؤنثة كالعادة، لكنه تعالى أشار بعدها في نفس الآية إلى نفس الصدقات بضمير المذكر (فإن طبن لكم عن شيء منه) هو أن الصدقة حينما تنتقل بلفظ الإيتاء إلى المرأة فهي تتحول إلى مال مملوك لها وليس مهرا أو صداقا. ولذلك فالهاء في منه يعود إلى مال المرأة وليس إلى صدقاتها لتكون عطاؤها من مالها وليس من مال زوجها أو من عطاء زوجها. والحمد لله وليحيا القرآن الكريم وليخسأ الذين يحاربون كتاب الله تعالى.

ماري:

شكرا عم محمود وبعد هذا التفصيل الجميل لآية كريمة لا يتجاوز سطرا واحدا فهل لكما أن تكملا المسألة هنا كما اقترح العم محمود التمار حفظه الله تعالى. المطلوب من أحدكما أن يتحدث عن مبلغ الصداق الآن والبقية علينا.

علوي:

أترك الأمر لكاترين فأنا أحب أن أكون طائعا في هذه المسألة بالذات.

ماري:

لا يا علوي. كاترين لا تعرف قدرتك المالية وتجهل مدى استعدادك لدفع قيمة الصداقة كما أرادها الله تعالى ثم هي تخجل أن تتحدث عن المال لأني أقرأ في وجهها بأن المال عندها مسألة ثانوية ولكن الله تعالى أمر به فليس لنا إلا الطاعة.

علوي:

أنت يا كاترين أو العم محمود عينوا الصداق نيابة عنها.

ماري تطلب من كاترين أن تختلي بها لتستشيرها.

ماري:

قولي لي ما الذين ترينه من المهر.

كاترين:

أصارحك بأنني أحب علوي كثيرا ولا قيمة للمهر عندي ولو دفع لي مبلغا فسوف أعيده إليه أو أعيد القسم الأكبر منه إليه ليأكله هنيئا مريئا كما شاء ربنا الكريم.

تطلب ماري من كاترين أن تبقى في الغرفة الثانية وتذهب إلى غرفة الضيوف لتتحدث إلى علوي والعم محمود.

ماري تنقل لهما ما دار بينها وبين كاترين بالكامل قائلة بعده:

ما رأي علوي الآن؟

علوي:

أنا فعلا أحب كاترين كثيرا فهي أثمن شيء عندي ولا قيمة للمال وأعرف سجاياها الطيبة وأعرف بأنها ستعيد المال إلي أو قسما كبيرا منه وأعرف بأنها سوف تساعدني بمرتبها لو رأت عندي نقصا أو حاجة مالية. إنها تساعد الكثيرين فكيف لا تساعدني حتى لو لم يتم الزواج بيننا. ولا أدري كم أقول هنا فأرجو منكما أن تساعداني في ذلك.

تتوجه ماري إلى العم محمود طالبة رأيه باعتباره شيخا كبيرا في الكويت وتعرف العادات.

محمود:

هل تطلبون رأيي الشخصي أم تريدون مني أن أنقل لكم ما يفعله الناس في هذا الصدد؟

ماري:

نريد رأيك الشخصي فأنت تلاحظ كل المسائل وأنت خير من يساعدنا.

محمود:

وما رأي علوي؟

علوي:

كل ما يقوله العم فهو بالنسبة لي أمر أبوي لا يسعني إلا أن أقبله في حدود إمكاناتي طبعا.

محمود:

أنا أميل إلى المهور القليلة. كاترين لا تبيع نفسها على علوي بل تشاركها الحياة وهمومها فلا معنى لأن نطلب من علوي مالا كبيرا كأننا نبيع كاترين عليه. ولذلك أنا أعتقد بأن المهر لا يتجاوز ألف دينار كويتي نقدا بيدها. وأما المهر الغائب فأنا لا أظن بأنه مشروع. إن الله تعالى يأمر بإيتائها المهر قبل كل شيء فما معنى المقدم والمؤخر إلا أنهم ينوون تحميل عبئ كبير على الزوج المسكين. ولا ننس بأن المهر يجب أن يكون من المال الموجود فالمهر أو الصداق لا يعني الاستدانة بدين. ولا معنى لأن يتعهد الزوج بالدين في سبيل الزواج فيشعر طيلة الزواج بأن ذمته قد تقيدت بدين لزوجته فلا يشعر بالتنافس الكامل معها في كل شيء.

علوي:

لو كانت كاترين موافقة فأنا قادر على ذلك وموافق مسبقا. أعلم بأنني آخذ من جيبي الأيسر وأودعه جيبي الأيمن. وليسمح لي العم بأن أجعله ألفي دينار كويتي خوفا من أحاديث الناس.

تذهب ماري إلى كاترين لتنقل لها ما حصل.

كاترين:

يكفي الألف وما علينا من حديث الناس. أريد أن أكون عونا لعلوي ولا أريد أن أكون عبئا عليه.

ماري:

وهل لديك شروط أخرى.

كاترين:

نعم أريد أن يُضاف إلى عقد الزواج شرط بأنني وكيل عنها لتطليق نفسي لو أنني شعرت بأن ظلما أو حيفا حصل ضدي لا سمح الله تعالى.

تنقل ماري شرط كاترين ويوافق علوي وترتفع زغاريد ماري مستبشرة بأنها قامت وأكملت عملا أو أملا كبيرا كانت تفكر فيه من أول يوم رأت فيه علوي مع ولديه. لكن محمود نبههم إلى مسألة أخرى.

محمود:

برأيي لا يجوز الزواج بين المسلم وغير المسلم وسوف أشرح لكم ذلك في وقت آخر لأنني تعبان فهل كاترين موافقة على تقبل الإسلام.

ماري:

يا عم، كاترين مسلمة ورأيتها تصلي في سجادتها لكنها تتظاهر بأنها باقية على دينها القديم. وأنا أيضا مسلمة ولكنني أتظاهر فقط بالمسيحية. هل تتصورون بأن عاقلا يتعلم القرآن ذلك الكتاب العظيم ثم يرضى بأن لا يدخل في هذا الدين القويم. لكننا لسنا مسلمتين مثل غالبية المسلمين الذين ورثوا دينا طيبا من آبائهم وليسوا برأيي أهلا له. هناك مسألة الحجاب فلا أنا ولا كاترين نؤمن بالحجاب لكن كاترين لبست الحجاب لتتورع عن المغازلات البذيئة التي تتلقاها من بعض الشباب المتخلف أخلاقيا.

سُرَّ علوي بهذا الخبر الطيب كما فرح العم كثيرا.

وبهذه السهولة تمت الخطوبة وقرروا جلسة أخرى في اليوم الثاني لتبادل الهدايا وإجراء صيغة الزواج. ذلك لأن ماري مسافرة بعده وتحب أن تشترك في حفلة عقد القران. اتفقوا جميعا أن يتم العقد في بيت كاترين في الساعة السابعة من مساء غد.

يتبع: زواج غير مرتقب

أحمد المُهري

22/6/2019

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

المؤمنة كاترين 23- اهمية زكريا وميلاد المسيح


المؤمنة كاترين
المقطع الثالث والعشرون
أهمية زكريا في حكاية ميلاد المسيح

محمود:
برأيي المتواضع أن ربنا أراد أن يُظهر معجزة كبيرة لا يمكن لأحد أن يتهم فيها أحدا لتكون تلك المعجزة مقدمة لعمل كبير قادم. أنتم تعلمون بأن بني إسرائيل كغيرهم بل أكثر من غيرهم كانوا مهتمين بالمسائل الشرفية. والله تعالى يريد أن يمنح الفتاة الشابة مريم ابنا بلا أب. العملية تحتاج إلى مقدمات كبيرة لتسهيل فهم الموضوع وتقبُّله. عرفنا من القرآن الكريم بأن زكريا كانت تدعو ليمنحه ربه ولدا قبل أن يصير شيخا. وحينما بلغ الشيخوخة لم يفكر في أن يقدر ربه له ولزوجته التي شاخت مثله أن يأتيا بولد. إنه طلب من ربه وليا يرثه لا ولدا لأنه كان يائسا يأسا طبيعيا من التوليد.
قص لنا ربنا سبحانه و تعالى حكاية زكريا في سورة مريم كما يلي: كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9). فزكريا لم يطلب ولدا ذلك اليوم لأنه شيخ كبير وامرأته عاقر. بل طلب وليا يرثه. والمقصود ميراثه العلمي وزعامته على بني إسرائيل وليس ميراثا ماليا فهو لم يكن من أصحاب الثروات. وحينما أخبره ربه بأنه سوف يقدر له ولدا تعجب من ذلك ولم يخطر بباله أن يمنحه الله تعالى ولدا منه ومن زوجته.
ألا ترون بأن مسألة زكريا وزوجه غير قابلة لأي تهمة؟ امرأة عاقرة لا تلد وهي كبيرة في السن أتت بولد. فكيف يمكن اتهامها. ثم إن زكريا أبلغ الناس من قبل بصورة غير مباشرة بأن هناك معجزة قادمة. لنكمل قراءة القصة من نفس سورة مريم: قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12). طلب زكريا علامة من ربه لينبه قومه بأن هناك معجزة غريبة ستظهر قريبا. وحينما ظهر الطفل وخلال فترة وجيزة أظهر القدرة على فهم المسائل العلمية والحكم في القضايا المعرفية وهو أيضا معجزة بحد ذاتها.
ولو ننظر إلى حكاية زكريا ونقارن بها حكاية مريم علميا اليوم؛ سنجد بأن مسألة حمل مريم لولد بلا أب أهون بكثير من مسألة إحياء رحم ميت تقريبا لزوجة زكريا وإحياء خلايا أحادية قادرة على التوليد لزكريا. وهكذا إحياء قدرة الارتباط الجنسي لدى زكريا احتمالا. إنها غير ممكنة في نظام الطبيعة. هذه إمكانية سماوية فحسب. العلم اليوم قادر على توليد إنسان من امرأة بلا رجل ولكن المشكلة فقط في النفس الإنسانية وليس في البدن الإنساني.
ماري:
مرة أخرى أعتذر من فضولي الزائد. أحب أن أسأل العم محمود عن الدليل الوحيد الذي يذكره المشايخ حول وجوب العمل بالأحاديث النبوية. يذكرون لنا دائما هذه الآية الكريمة من سورة الحشر: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7).
محمود:
طبعا يقرؤون الآية ناقصة، والكاملة هي هذه: مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8). من الضروري أن نرفق بها الآية 8 لأنها تعين الحكم بالتوزيع كما يريده الله تعالى. فهل تجدون فيهما أي حديث عن أحاديث الرسول أم أنها تتحدث عن تقسيم الغنائم الحربية التي كسبوها. ولو نقرأ كل الآيات فسنجد بأنها تتحدث عن قضية واحدة وحكم خاص لا يمكن توسيعه ولا العمل به في غير تلك القضية. فلنتلوها كلها:
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ (2) وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (10).
لننظر الآن، لماذا لم يقل سبحانه ما آتاهم النبي أو رئيسهم أو صاحبهم أو محمد؟
لأن الموضوع ليس عاما ولا يوجد حكم مستقبلي. النبي يتحدث عن الأحكام العامة عادة ليعمل بها الحاضرون ويستفيد منها القادمون. لكن الموضوع كان يدور حول موضوع واحد أصدر الله تعالى فيه حكما خاصا لقضية واحدة. فهي رسالة خاصة غير سارية المفعول بعد الانتهاء من تنفيذها. بمعنى أن الله تعالى أراد أن يمنح المهاجرين كل ما غنموه من معركة لم يخضها المسلمون من المهاجرين والأنصار كالعادة، ولكن الله تعالى أدخل الرعب في قلوب الأعادي فخرجوا تاركين أموالهم وراءهم. هناك منح الله تعالى تلك الأموال للمهاجرين دون الأنصار. هو حكم واحد لقضية واحدة. حتى الأحكام المؤقتة أوسع من ذلك الحكم. فقد يكون الحكم المؤقت زمانيا محدودا بزمان يسري مفعوله طيلة تلك المدة مثل أحكام القتال المؤقتة بأزمان محددة مهما طالت. أو مكانيا يسري مفعول الحكم في ذلك المكان لفترة طويلة أو دائما، مثل حكم الحج الذي يسري في مكة إلى يوم انتهاء الحياة الإنسانية في هذا الكوكب.
لكن حكم الآيات 6-8 من سورة الحشر مرتبط بقضية واحدة فقط دون الإذن بالعمل به في القضايا المشابهة ولذلك اعتبرها الله تعالى رسالة خاصة وليس علما نبويا ولا حكما قضائيا عاما أو تعليمات إدارية، والعلم عند المولى.
لكن إخواننا الفقهاء وأصحاب الحديث فقراء لا يملكون دليلا سماويا على ادعاءاتهم السخيفة فيتشبثون بمقاطع رسالية لا تناسب طموحاتهم طبعا ولا تستجيب لما يريدونه من الآيات والجمل السماوية. لا تنطوي الآيات الكريمة على أية إشارة لقضاء الرسول أو فهمه للقرآن أو أي حكم يصدر منه عليه السلام. إنها تتحدث عن قضية واحدة فقط وقد حكم الله تعالى فيها للمهاجرين دون الأنصار وذكر السبب الداعي إلى ذلك إضافة إلى أنه سبحانه جاء بدليل قانوني لحكمه الكريم. وفي نفس الوقت لم يترك سبحانه الأنصار دون أن يمدحهم ويذكر أعمالهم الطيبة ويثني على مساعداتهم للرسول ولبقية المهاجرين ويعتبرهم من المفلحين.
أظن بأن أحسن وصف لي لكتب الحديث هو أوهام المحدثين. وأنا أستغرب من الذي يظن بأن أحاديث البخاري والكافي وبقية أحاديث السنة والشيعة قادرة على فهم المعنى الكامل للقرآن. وهل فسروا القرآن؟ كلا. وهل كشفوا الخبايا العلمية لكتاب الله تعالى؟ كلا. وهل أضافوا معلومة كوكبية دقيقة للحقائق الكونية المذكورة في القرآن؟ كلا. وهل حسبوا قطر الكون أو الفرق بين طول الكون وعرضه أو الشكل الهندسي للكون أو المسافة الدقيقة بيننا وبين الشمس؟ كلا. هل عرفوا معنى والشمس تجري لمستقر لها؟ كلا. هل فهموا الفرق بين الخلق وتسوية النفس والتعديل الجيني؟ كلا. قرأت كل هذه الكتب فلم أزدد علما ولم أزدد يقينا بالله تعالى وباللقاء مع الله؛ لكنني كلما أمعن في القرآن الكريم ازداد علما ومعرفة وأعرف المزيد عن اللقاء مع الله تعالى.
كاترين:
هل هناك فرق بين آتاكم الرسول وقال لكم الرسول؟
العم محمود:
بالطبع هناك فرق، بل فرق كبير. يمكن لنا في الواقع أن نؤتي غيرنا المال والحب والمساعدات العلمية وما شابه ذلك؛ ولكن لا يمكن لنا ولا لغيرنا أن نؤتي أحدا العلم. انطباع المعلومة العلمية في النفس الإنسانية يستلزم السيطرة على النفس والتصرف فيها ولذلك نرى الله تعالى في القرآن الكريم ينسب كل العلم إلى نفسه. إنه هو وحده الذي يؤتي العلم والذي يقوم بتنفيذ المهمة هو المَلَك وليس الرسول البشري.
اسمحوا لي بأن أكرر تلاوة الآيات التي لاحظناها في اجتماعنا الماضي من سورة الأحزاب: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43). لقد ذكر الله تعالى فيها رسوله البشري عليه السلام لكنه في النهاية قال بأنه سبحانه يصلي على الذين آمنوا وملائكتُه ولم يقل ورسوله. ذلك لأن عملية طبع العلم في النفس الإنسانية ليست في متناول يد البشر. تحتاج إلى إرادة سماوية وإلى ملائكة يقومون بتنفيذ المهمة. هكذا يخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم. وهذا ليس حكرا على المؤمنين.
قال تعالى في سورة البقرة: يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (269). فلا تخصيص للمسلمين أو المؤمنين بل من يشاء الله تعالى أن يعلمه الحكمة. لكن أولو الألباب من الذين أوتوا العلم فهم الذين يتذكرون ربهم إذا ما اكتسبوا علما وليس غيرهم. وقال تعالى في سورة المائدة: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4). فعِلمُ تعليم الطيور الجارحة للصيد ليس علما إسلاميا بل هو علم بشري عام لكل الناس ولكنه سبحانه ينسب العلم إلى نفسه. بمعنى أن كل الذين يستعملون الطيور الجارحة مع الكلاب للصيد فقد علمهم الله تعالى كيف يعلمون الحيوانات الطائرة والراكضة.
لا نرى في القرآن بقدر علمي المتواضع أية إشارة إلى إيتاء العلم من غير الله تعالى وملائكته. لكن الناس بمن فيهم الرسول يؤتون غيرهم المال والحب ويقدمون لهم معلوماتهم. الذي يطبع العلم في النفس هو الله تعالى والمنفذ هم الملائكة لا الرسل البشريون. هناك أسرار كثيرة في هذا الصدد يمكن لنا الانتباه إليها إذا فكرنا في القرآن ولاحظنا الآيات التي تتحدث عن الموضوع بدقة كاملة وبحرية شخصية بعيدة عن إملاءات التراث أو رجال الدين أو بقية المعلمين.
أما “القول” فإن القرآن ينسب القول أحيانا إلى الكائنات الجامدة. قال تعالى في سورة فصلت: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11). لقد عبَّر الله تعالى عن تجاوب السماء والأرض مع أمره بالقول. فجملة قال الرسول، لا تعني آتانا الرسول العلم أو اليقين أو الإدراك. إنها تعني بأن الرسول ألقى شيئا على مسامع الموجودين أمامه فقط. وكما أننا يمكن أن ننسب القول إلى الجمادات أو النباتات باعتبار لسان الحال فيمكن أن ننسب القول إلى أبداننا وجوارحنا بنفس الاعتبار. لكن الإيتاء تعني الإيصال الكامل مثل قوله تعالى في سورة النساء: وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4) وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (5).
إنها تعني بأن من الواجب أن نوصل المهر بيد المرأة مباشرة ولذلك قال سبحانه بعدها بأن لا نؤتي السفهاء أموالنا. فالآيتان تعنيان بأن المهر من حق الزوجة وليس من حق شخص آخر ويجب على الزوج أن يوصلها إلى يدها كما تعني بأن السفيهة غير قادرة على التصرف في مالها بأمر الله تعالى فلا يجوز الزواج مع السفيهة. بالطبع أن مثل ذلك الزواج يحتاج إلى فهم دقيق لمعنى السفيه ولو اعتبرنا السفاهة نسبية فعلينا بأن نضع حدا للسفاهة التي لا يمكن معها الزواج. طبعا هذه مسائل لا يمكن مناقشتها في هذه المجالس ويجوز للبرلمانات أن تناقشها كما أظن وأرى باعتبار أن البرلمان يمثل غالبية الأمة التي تعيش في مكان جغرافي معين.
يتبع:
ماري تفاتحهم بمسألة عاطفية ممتعة.
أحمد المُهري
15/6/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

المؤمنة كاترين -22- كيف يقضي اهل الجنة اوقاتهم


المؤمنة كاترين

المقطع الثاني والعشرون

كيف يقضون أوقاتهم في جنات النعيم  

أعجب الجميع بسمك الزبيدي وبطبخة ماري ولم يتركوا في المائدة بقية منها.

العم محمود التمار:

لا تفكري يا ماري بأن الأكل كان قليلا ولكن مشكلة الكويتيين أنهم حين يرون السفرة مزينة بسمك الزبيدي فإنهم لا يأكلون حد الشبع بل يأكلون حد الضغط على البطون. يبدو بأن لهذا السمك اللذيذ تأثيرا عصبيا على مخزونات الذاكرة الإنسانية بحيث أنها تنسى أن تخبر صاحبها بأنه شبعان وعليه أن يترك الأكل.

كاترين:

لستم فريدين في هذه الصفة فأنا وماري أيضا أكلنا معكم ولم نفرغ حتى رأينا السمك تحولت إلى عظام. حتى القشور أكلناها. هي فعلا لذيذة. يبدو أن الكويتيين لهم خاصية مميزة للاختيار.

ماري:

فعلا ولذلك اختار علوي…..

عرف علوي ما تقصده ماري فتدلى رأسه إلى الأسفل خجلا كعادته. ولكن كاترين اكتفى بالتبسم المشعر بالمعنى.

العم محمود:

يختار الله تعالى ما يشاء لمن يشاء فنحن لا نرى في مشيئته غير الجمال والإبداع وما يوجب الشكر على الجميع.

الجميع رددوا ما قالته ماري:

الحمد لله والشكر لله ونحن نحب ربنا ونشعر بأنه سبحانه يضيء قلوبنا دائما وأبدا.

ماري:

من منكم يصف لي كيفية قضاء الوقت في الجنة؟ جنة بلا نوم، وأبدانٌ لا تحتاج إلى استراحة، وزمانٌ لا ينتهي! كيف سيقضي أهل الجنة أوقاتهم؟ ما هي النشاطات التي تشبع مشاعرهم وطموحاتهم النفسية الطبيعية؟ قالوا لنا بأنهم سيكونون مشغولين بالجنس بصورة جنونية كما سمعناها من خطباء المنابر ولا سيما خطباء صلاة الجمعة. وتقولون بأن لا جنس في الجنة. أضف إلى ذلك؛ لا مؤامرات، لا تنافس في السلطة، لا انشغال بالدفاع ولا بدفع اللصوص ولا بالمصارعات ولا ولا.

علوي:

ولا بنوك، ولا عملة صعبة ولا شراء ولا بيع ولا استملاك ولا مرافعات ولا قضاء ولا تربية أطفال ولا البحث عن شركاء الحياة ولا التفنن في حماية الأعراض ولا أمراض ولا مستشفيات ولا ملاجئ ولا دور رعاية ولا حوادث السيارات والطيارات والقطارات ولا غسل الموتى ولا حضور الجنائز عموما ولا بكاء ولا خوف ولا حذر ولا احتياطات ولا بحث عن وظيفة ولا شرطة ولا حرس ولا جنود ولا مستهترين ولا مجانين ولا غرق في البحر ولا زلازل ولا أعاصير ولا ربح ولا خسارة ولا حريق ولا سيول ولا خسف في الأرض ولا حروب ولا أخبار مزعجة ولا حاجة للإعلام ولا إعلام مزيف يملأ كل أسماعنا ولا كتب تحريضية ولا جماعات مسلحة ولا مجرمين ولا مستهترين ولا سقوط من الجبال ولا كل ما ينغص الإنسان ولا حاجة إلى أية إسعافات…

كاترين:

فعلا، هذه مسألة مهمة ونحتاج إلى أن نفهمها ونفهم تفاصيلها. نحن نثق في ربنا ونعلم أن أهل الفردوس سوف لا يملون من فردوس ربهم. قال تعالى في سورة الكهف: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (107) خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً (108). نثق في ربنا ونثق في الكتاب السماوي العظيم ولكن نريد أن نعرف كيفية ذلك لنزداد علما.

ماري:

يعني يا كاترين المسيحية الحافظة لقرآن المسلمين والتي تعتقد بأنه كتاب الله تعالى كيف حالك يوم الحساب؟ هل أنت فعلا مسيحية؟

كاترين:

أنت تعلمين بأننا جميعا ورثنا أدياننا من آبائنا ولم نتخذ المسيحية أو الإسلام دينا لأنفسنا. فنحن نحتاج إلى أن نجتاز مرحلة كبيرة قبل أن ندخل في الدين الصحيح. يجب أن نستيقن بأن المسيحية انتهى دورها وبأن الله تعالى فعلا أنزل القرآن ليحل محل الكتب السابقة. هناك الكثير من العقائد المعروفة بين المسلمين أنفسهم يحول دون أن تستعجل فتاة متعلمة مثلي ومثلك لترك دينها. المسلمون يقولون بأن الله تعالى أنزل التوراة وأمر بوجوب اتباعها ثم بعد قرون أنزل الإنجيل وأمر بوجوب الإيمان بالمسيح رسولا من عنده وتقبُّل التغييرات التي جاء به المسيح. لكنهم يقولون بأن الله تعالى اختار من بين أهل مكة محمدا للرسالة ومحمد لم يكن على دين موسى ولا دين عيسى. إنه كان على دين إبراهيم. أليس من الواجب على من يروم الحقيقة أن يأخذ بالدين الجديد الذي أنزله الله تعالى؟ فهم يتهمون رسولهم بأنه رفض الكتب السماوية المحدثة.

قال تعالى في سورة الشعراء: وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (6). الآيتان كما يبدو تشيران إلى الذين بقوا على دين المسيح ورفضوا القرآن وهو الذكر السماوي المحدث، والله تعالى يهددهم. تعني الآيتان في عمق معناهما بأن المؤمن هو الذي يتقبل كل ما أنزله الله تعالى ويدين به. فكيف برسوله يرفض ما أنزله الله تعالى على موسى وعيسى ويدين بدين إبراهيم المنقرض؟

العم محمود:

وقبل أن نتحدث عن مشاغل أهل الجنة، فإن إشكال كاترين أهم من فهم غيب مرتبط بالمستقبل. وجوابي عليه بسيط. من قال بأن محمدا عليه السلام لم يكن على دين المسيح عليه السلام؟ هل قال الله تعالى ذلك أم قاله المحدثون في كتبهم التي كتبوها بأيديهم ونسبوا ما فيها إلى الرسول؟ نحن لم نرهم ولا نعرفهم وليس في كتاب السماء إشارة إليهم فالعقل يحكم بعدم الاهتمام بهم وبأحاديثهم. أنا لا أشك بأن محمدا عليه السلام كان مسيحيا مؤمنا بالتوراة والإنجيل من قبل أن ينزل عليه وحي السماء. هناك مسيحيون مؤمنون في مكة ومنهم القس المسيحي أو النصراني المعروف ورقة بن نوفل. هناك مشكلة حتى في المرحوم ورقة. يقولون بأنه كان موحدا مؤمنا ولكن بعضهم يقول بأنه كان يهوديا والبعض الآخر يقول بأنه كان قسا مسيحيا. كيف يمكن أن يكون الشخص مؤمنا ويرفض دينا أنزله الله تعالى على عبده المسيح بن مريم؟ فالعقل يحكم بأنه كان مسيحيا وبأن خديجة كانت مسيحية وبأن الرسول محمد كان مسيحيا. لا يمكن أن يختار الله تعالى شخصا رافضا لدين أنبيائه ليمنحه النبوة.

الملل في الجنة

تابع محمود:

وأما موضوع الملل في الجنة. فمما لا شك فيه أن لا ملل هناك. ولكننا يمكن أن نفكر في الكثير مما نصبو إليه هنا إلا أننا لا نصل إليه لأن أعمارنا وإمكاناتنا وفرصنا لا تساعدنا. أنا شخصيا أحب أن أتعلم الرياضيات بكل أنواعها وأتعلم كل الطب وأتعلم كل الفروع الفيزيائية والكيميائية وكل الأديان. أحب أن أتعلم العلوم النفسية كلها وكذلك العلوم السياسية والاجتماعية. أحب أن أطلع على تاريخ السابقين كلهم بكل تفاصيلها فهي كلها ممتعة ومشوقة ويزيدني إعجابا بحركة التطور العظمى وكيفية إدارتها من قبل القدوس العظيم جل جلاله.

أحب أن أتعر ف على كل الفنون من موسيقى ورقص وأعمال يدوية ولاسيما صناعة السجاد والحياكة والضرب على النحاس وغيرها. أهوى الشعر ولو أنه غواية ولكنه ممتع وأحب أن أحفظ أشعار كل شعراء الأرض بكل اللغات البشرية. أحب أن أتعلم فنون الطبخ والديكور بمختلف فروعها وكذلك فنون التزيين والتلوين والرسوم والنحوت والتصوير والعمارة وكل التصميمات الهندسية والعمرانية. أشعر بأن كل ما أعلمه الآن بعد أن أمضيت عقودا في التعلم لا تساوي قطرة في محيط عظيم من المجهولات التي أعرف شيئا عن وجودها. بالطبع هناك مجهولات لا أعرف شيئا عنها ولا عن وجودها وسوف أفاجأ في الجنة لو غفر الله تعالى لي. كما سوف يفاجأ جدودنا حينما يعلموا في المستقبل بأن أبناءهم صنعوا الدراجات والسيارات والقطارات والطائرات والمناطيد والصواريخ والمصانع الكبرى والمستودعات الرقمية والهواتف الذكية والكمبيوترات المتطورة ووو.

قال تعالى في سورة مريم: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (63).

لعلكم تعلمون بأن الرزق في القرآن ليس مقتصرا على المأكولات والملبوسات كما يتصوره قليلو العلم. قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام في سورة هود: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88). فهل يحتجّ شعيب على قومه بأن الله تعالى منحه الطيبات من الأكل أم يحتج بعلمه؟ فالرزق بالنسبة لأهله هو العلم وليس الأكل. أو الرزق الذي كان يراه زكريا عند مريم عليهما السلام كما في سورة آل عمران: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37). هل كان يرى زكريا أكلا عند مريم في محراب الصلاة كما ظن قليلو العلم؟ هل المحراب مكان للأكل والشرب؟

لو كان الله تعالى ينزل الأكل على السيدة مريم فلماذا لم ينزل عليها الأكل ساعة الوضع وهي أحوج ما تكون إلى مائدة حارة، بل قال لها على لسان وليدها كما في سورة مريم: فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26). كانت مريم تعبانة من الوضع وليست لها قابلة تساعدها ولكن الله تعالى أمرها بأن تهز الشجرة حتى تساقط عليها الرطب ولم يرسل لها مائدة من السماء. مشكلة الذين يدعون العلم الديني أن الكثير منهم لا يفكر إلا قليلا ولذلك لا يمكنهم أن يفهموا كلام الخالق العظيم. لا يمكن أن نتصور الله تعالى يربينا تربية ضعيفة على الكسل فيبعث لنا موائد سماوية. حكاية المائدة السماوية التي سمعناها بدعاء المسيح لا تدل على أكثر من مرة واحدة في الحياة الإنسانية لغرض خاص.

إذن الرزق الذي تحدث عنه شعيب وتحدثت عنه زكريا بالنسبة لمريم هو الرزق العلمي وليس الرزق الطعامي. شعيب بعلمه يحتج على الناس لا بأكله وبمطعمه ومشربه. وهو رزق أهل الجنة. هل تتصورون بأن الطعام في الجنة محدود في الصباح والمساء (بكرة وعشيا)؟ هكذا يعيش السجناء ولكن الأكل بالنسبة لأهل الجنة متاح متى ما أرادوا. حتى قطوف أشجار الفواكه دانية عليهم وموائدهم ليست موقوتة بالصباح الباكر والعشاء المتأخر. فالبكرة تعني العلم الابتكاري والعشي تعني العلم الإتقاني. البكرة تشير إلى العلوم الأولية التي ينزلها الله تعالى على الذين يسعون لابتكار العلوم الجديدة. وأما العشي فمعناها اللغوي هو ضعف البصر أو ضعف صاحب العين واستعير بها هنا لبيان العلوم الثانوية باعتبار ضعفها أمام العلوم الابتكارية. تلك العلوم الثانوية موجودة ويحتاج الفرد أن يتقنها فقط كما نتعلم من الذين ابتكروا علوما قبلنا، والعلم عند المولى. وهكذا اللغات فهي ليست علوما ابتكارية نفكر فيها بل هي ما استعملته الطوائف البشرية من أصوات ذوات معنى للتفاهم فنحن نحفظها ولا نكتسبها بعقولنا. مثالها مثال قصص الماضين والتاريخ والجغرافيا بعض الشيء.

أضف إلى الرزق العلمي المتاح هناك فإن أهل الجنة سوف يتوقون باعتبار بشريتهم إلى زيارة الكواكب الأخرى البعيدة. إنهم في عالم البرزخ سوف يرتبطون بأهل الكواكب الأخرى ويتعرفون عليهم ولكن الله تعالى يفصل بينهم بعد خلق الكون الجديد ويجمع أهل كل كوكب في كوكبه وفي مجرته الجديدة. تصوروا بأن الزيارات الفضائية تأخذ سنوات طويلة وأنا أتحدث عن نفسي بأنني تواق إليها كثيرا. والخلاصة بأن لا مجال للخمول والكسل أو الحياة الرتيبة المتكررة بل كل ساكن فردوسي سيكون على أعلى درجات النشاط والحركة والتمتع بكل التسهيلات التي يمنحهم ربهم الرحمن الرحيم عز اسمه.

ماري:

اسمحوا لي بأن أسأل ولو أنني تجاوزت حقي في استغلال هذه الفرصة الثمينة. لكنني مسافر ولا أدري متى أجتمع بكم مرة أخرى فأعذروني. حينما كنت أدرس اللغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة Jean Moulin  في ليون، كنت أشعر بأن هناك اهتماما كبيراً لدى المدرسين والطلاب حول قصص السيدة العذراء لدى المسلمين. لم يتمكنوا من تفسير الرزق المرسل إلى مريم بالدقة التي سمعتها اليوم. بالطبع أنهم كانوا يستمدون المعلومات من كتب المسلمين. فيبدو لي بأن فهم الإسلام لدى المسلمين أنفسهم فهم ناقص وغير دقيق، بل غير منطبق مع المفاهيم الرفيعة المستوى التي نراها في القرآن الكريم بعد أن نتعمق في فهم القرآن. لا يمكن لنا أن نفهم القرآن لا بالتقليد ولا بالعودة إلى مفسري المسلمين ولا بالسؤال عن أساتذتهم بل نحتاج إلى أن نفكر بأنفسنا لنعرف مغزى كتاب السماء.

كنت أشعر كمسيحية تريد فهم الدين الإسلامي بأن بعض آيات القرآن لا تختلف كثيرا عن آيات الكتاب المقدس من حيث الوزن العلمي والمعرفي. لكنني كنت مخطئة. فعلا لا يمكن أن يتحدث الله تعالى عن رزق أهل الجنة بكرة وعشيا ويقصد به الأكل. والمشكلة بأنهم فسروا لنا كل الرزق في القرآن تقريبا بالطعام. كنت أفكر بأن إرسال الطعام لفتاة أُدخلت معبد الصلاة للعبادة والاستزادة من العلم وتعهدت أمها بمساعدتها في الأكل والشرب والملابس والمنام غير وارد؛ فهي لا تنتظر طعاما سماويا. ولماذا الطعام من السماء؟ هل رأيتم عاقلا منحه الله تعالى كل ما يحتاجه لحياة معتدلة وهو يدخل محراب الصلاة ليطلب من ربه دجاجات مشوية من السماء؟!!

هذه إهانة للسيدة العذراء ولرسول آخر هو زكريا. لكن لي سؤال حول زكريا. كان الله تعالى يريد إرسال رسول بلا أب إلى بني إسرائيل ليكون خاتم أنبياء بني إسرائيل. فما هو دور زكريا في القضية وما فائدة ذكر دعاء زكريا وتقدير ربنا أن يمنحه طفلا وهو شيخ كبير؟ ما فائدة ذلك، وأنا أعلم بأن القرآن الكريم ليس كتاب قصص بل يذكر القصص ليهدينا إلى مواضيع مهمة وراء حكايات من غبَر.

كاترين:

عفوا يا جماعة مع علمي بالبطون الممتلئة ولكن هل تحبون الحلوى أو الفواكه أو الشاي والقهوة؟

محمود:

أو كلها معا.

ضحك الحاضرون من خفة دم العم محمود التمار وكرروا ما قال ولكنهم أضافوا ولكن ليس الآن. لا زلنا نئن من التخمة فأمهلينا يا كاترين.

كاترين:

إذن لنغير الجو قليلا بالنظر قليلا إلى التلفاز أو الاستماع إلى موسيقى أو أغنية عذبة.

محمود:

جميل جدا ولكن أليس من الخير لنا أن نخرج معا إلى الشارع ونسير ربع ساعة لعلنا نتزود من الأوكسيجين المساعد للهضم كما نحرق قليلا من السعرات الحرارية في أبداننا.

وافق الجميع على اقتراح العم محمود التمار وخرجوا باتجاه الشارع بغية السير الهادئ والمفيد.

يتبع:

أهمية زكريا في حكاية ميلاد المسيح عليهما السلام

أحمد المُهري

1/6/2019

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

المؤمنة كاترين 21- جلسة الخميس و الحور العين


المؤمنة كاترين

المقطع الحادي والعشرون

جلسة الخميس

وبعد ظهر يوم الخميس خرجت ماري إلى سوق قريب من بيت كاترين واشترت الفواكه والخضار وعددا من اسماك الزبيدي مع بعض الخبز وذهبت إلى بيت كاترين. وقفت هناك محملة بالمشتريات بانتظارها. وصلت كاترين وأوقفت سيارتها لترى ماري مع أكياسها واقفة عند الباب.

كاترين:

مساء الخير ماري؛ ما هذه الأكياس؟

ماري:

مساء الخير كاترين. فكرت بأنك ستأتي تعبانة من العمل وتحتاجين إلى بعض الراحة بعد ظهر الخميس فسبقتك إلى السوق وأحضرت كل شيء فلندخل البيت ولا نحتاج إلى زيارة السوق أو الجمعية مرة أخرى.

كاترين:

قولي لي هل فكرت فعلا اليوم أم كنت قاصدة نفس الشيء ليلة الاتفاق؟

ماري:

وما ضير أن أفكر نفس الشيء في نفس الليلة التي اتفقنا فيها ولكني ما قلت لكم شيئا حتى لا تخالفيني؟ وحتى لا أكون كاذبة فإني قصدت آنذاك ما فعلته اليوم فعلا حينما كنت أطلب منك أن تنتظريني في الخامسة مساء أمام بيتك.

كاترين:

فكيف كذبتِ علي آنذاك؟

ماري:

ذلك لا يسمى كذبا. الكذب هو أن أقصد أمرا وأبوح بأمر آخر دون أن أقصد إخفاء الأمر الحقيقي بالكامل. كان الإخفاء مؤقتا لأنك تريدين أن تخسري من جيبك كل شيء وهذا ما لا أقبله ولا يقبله العم محمود ولا علوي. دعينا نسميه كذبة بيضة.

كاترين:

بل هي كذبة ويجب أن تستغفري ربك.

ماري:

أستغفر الله ربي دائما ولكنني لا أستغفره في إقدامي على عمل أظنه طيبا مفيدا لصديقة عزيزة علي. فهل يستغفر أحد على أنه قدم هدية لآخر أو على أنه صلى لله تعالى؟ نستغفر لذنوبنا وما أكثر ذنوبنا؟ هيا افتحي الباب لندخل وأقوم بغسل السمك وتتبيله قبل أن يخرب.

كاترين تفتح الباب وتقول:

أختي ماري؛ كنت أنوي أن أقدم أكلة تناسب توديعك وأنت أخجلتني.

ماري:

يعني أنكِ كذبت علينا حينما تحدثت بالعشاء الخفيف! أليس كذلك؟

ضحكت كاترين قائلة:

وتلك إذا كذبة بيضة مني.

وفي الموعد وصل علوي مع ولديه ووصل بعدهم العم محمود.

العم محمود:

أشم رائحة السمك الخفيف على المعدة. فعلا هي أكلة خفيفة ولكننا في الكويت نأكل السمك في النهار ونسعى لألا نأكل السمك في الليل.

ماري:

ما هو السبب؟

محمود:

بالطبع لا تفكري بأنني سوف أستنكف عن أكل السمك المفضل لدي. ولكن يقولون بأن السمك يحتوي على مقدار كبير من الفوسفور وهو عنصر يمكن أن يؤدي إلى رؤية الأحلام المزعجة. ولذلك يفضلون أكل السمك في النهار. لكننا سنأكل السمك الليلة ونتحدث بعدها كثيرا حتى تتوزع الفوسفور في البدن ولا تتركز في مكان واحد ليزعجنا.

كاترين:

ولعلمكم فإنكم اليوم مدعوون عند ماري وبما أنها مسافرة فقد اختارت بيتي وهو بيتها الثاني لتأتي بالسمك وتطبخ لكم.

ماري:

يا عم محمود، ما معنى الحور العين في جنات النعيم؟ هل هناك جنس في الجنة وهل هناك تكاثر في الفردوس؟

محمود:

لا يمكن أن يكون هناك تكاثر في الآخرة باعتبار أنها موسومة بالأبدية وهي الحيوان والحياة الخالية من الموت. فلو كان هناك تكاثر فإن الجنة سوف تمتلئ بعد فترة. ولولا الموت في أرضنا لما كان لدينا اليوم مكان نعيش فيه على سطح هذا الكوكب. وبما أن التكاثر معدوم فلا ضرورة للجنس طبعا. ولو تلاحظون فلا ذكر لغرف النوم في الجنة ولا ذكر للجنس ولا ذكر للإنجاب أخرويا في القرآن الكريم. كما أنكم لا تجدون أي ذكر للنساء في الجنة. هناك جنس واحد فقط. ولنذكر الأسباب المحتملة:

1. يبدأ الإنسان في الدنيا بعد فترة الطفولة حياة حيوانية يهتم فيها بالشهوات الجنسية. ثم تبدأ القوة الجنسية بالذبول حتى يصل المرء إلى عمر الشيخوخة فيكون الجنس قد تركه تماما إلا ما ندر. تلك هي علامات التطور النفسي لدى الإنسان. ولا يمكن أن يرضى ربنا بإعادتنا إلى عاداتنا الدنيوية الحيوانية بعد أن تطورنا وأصبحنا نفكر أكثر ونتعقل أكثر. سوف نكون بعد انقطاع الجنس أكثر فهما ومعرفة بالله تعالى وهو السبب لخلقنا.

2. تعلمون بأن الله تعالى خلقنا لنعبده فقال في سورة الذاريات: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (56). لعلكم تعرفون بأن العبادة تعني الخضوع الاختياري ولذلك لا نسمي خضوع الملائكة عبادة بل هو تسبيح فقط. فلو أنهم مُنحوا الإرادة فسوف لا يستنكفون عن عبادة الرحمن طبعا. لكن ربنا خلقهم لغرض آخر فلا يمكن أن يصيِّرهم أناسي يمشون في الأرض مطمئنين مثلنا. فالسر في خلقنا نحن والجن هو أن الله تعالى مهتم بأن تخضع الكائنات له باختيارهم وليس بالجبر. هذا الاختيار غير متوفر إلا عندنا وعند الجن في هذا الكوكب، ولا أعلم شيئا عن الكواكب الأخرى ولعلها مثل كوكبنا. خلقنا ربنا وإياهم لنخضع له باختيارنا فنقوم بالعبادة التي تناسب شأن القدوس العظيم. والعبادة تكون نظيفة طاهرة حينما يبتعد المرء عن الجنس. ألا ترون أن الله تعالى حرم الجنس عند الحج وعند الاعتكاف؟ والعبادة الحقيقية تكون بالمعرفة الدقيقة لله تعالى فالله تعالى يطورنا فكريا وعلميا ولا يطورنا جنسيا بعد أن تكاملت عقولنا وتجاربنا وذبلت مظاهر الجنس لدينا.

3. نرى بعيوننا بأن البشر يموتون في الدنيا ويتركون كل أعضائهم الجنسية طعمة لديدان الأرض. كانت الأعضاء ضرورية للتكاثر وبما أن التكاثر غير وارد وغير صحيح في الجنة فلا داعي لأن يخلق الله تعالى لنا أبدانا ذكرية وأبدانا أخرى أنثوية.

4. نحن ننتقل إلى العالم الآخر بنفوسنا وليس بأبداننا. النفوس ليست ذكرانا ولا إناثا. تعلمون بأن الجنسية لدينا تتم بعد التعديل الجيني في الخلية الأولى. بمعنى أن الخلية الأولى هي المسؤولة عن صناعة خلية ذكورية إن كان الكروموزوم الجنسي المنتقل من الأب على شكل الحرف ما قبل الأخير في الأبجدية الإنجليزية. وهي المسؤولة عن صناعة خلية أنثوية لو كان الكروموزوم الذكوري غير موجود ولكن هناك كروموزوم أنثوي بدلا عنه. والله تعالى يقول بأن النفس تُخلق قبل التعديل الجيني. قال تعالى في سورة الانفطار: يَا أَيُّهَا الإنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (8). التصوير وهو عملية التعديل الجيني يتم بعد التسوية والتسوية تعني خلق النفس لقوله تعالى في سورة الشمس: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7).

وقال سبحانه أيضا في سورة القيامة: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى (39). فالنطفة تتحول إلى علقة بعد ارتباطها بالبويضة فيتم خلق الإنسان الجديد ثم يسويه ربه بمعنى يعطيه النفس ثم يجعل منه الذكر والأنثى. إذن الجنسية متأخرة عن النفس فالنفس ليست ذكرا ولا أنثى. وبما أن ضرورة الجنس منتفية في الآخرة فلا معنى لأن يجعل الله تعالى أهل الجنة من الجنسين بل هم جنس واحد.

فالحور العين ليست للجنس. إنما هي كائنات فردوسية لم تر الدنيا ولا علم لها بالحياة الحيوانية الدنيوية. إنها كائنات جميلة فاتنة للتحدث معها ولمداعبتها وقضاء وقت طويل معها في البحث والمزاح والسفر والأكل ولكن لا جنس معها. نحن لا يسعنا هنا أن نعرف اللذة التي سوف يتنعم بها أهل الجنة مع الحور العين. كلما نعرف بأن لا لذة في أسافل الأعضاء هناك ونعلم بأنهم يتلذذون أكثر بكثير من اللذائذ الدنيوية المعروفة بيننا. وأهل الجنة جميعا جنس واحد نرى بأن القرآن يخاطبهم خطاب المذكر كما يتحدث عن الحور العين بضمير المؤنث ليفرق بينهما كما أظن والعلم عند المولى عز اسمه.

ماري:

يعني يا عم محمود سنكون جميعا هناك جنسا واحدا؟

محمود:

دون أدنى شك سنكون جنسا واحدا.

ماري:

إذن ما معنى قولهم بأن الرسول سوف يتزوج مع نفس زوجاته الدنيويات في الآخرة؟

محمود:

إنهم يجهلون الآخرة وليس بيدهم أية آية قرآنية تؤيدهم فهم يتحدثون عن الغيب من خارج القرآن الكريم فهو كذب. ليس لأحد أن يطلع على الغيب إلا الله تعالى ولو شاء أن يبلغنا لذكر ذلك في كتابه الكريم.

ماري:

وهل نقدم العشاء الآن باعتبار أنكم تحبون الجلوس أكثر بعد السمك في الليل؟

علوي ومحمود وزيد ولبيد معا:

نعم مع الشكر.

تتوجه كاترين وماري إلى المطبخ لإحضار العشاء معا. ما كانت ماري على علم بأن الكويتيين يحبون سمك الزبيدي كثيرا.

وصلت الأطباق وبدأوا بالعشاء.

قال علوي:

هذه السمكة الطيبة متوفرة في المحيط الهندي وما يحيط بالمحيط. ومشكلة الغربيين اليوم مع الزبيدي هو أن الله تعالى منح تلك الشعوب الفقيرة نسبيا مالا كافيا ليصرفوا كل صيد الزبيدي محليا. كان الناس في الغرب يتمتعون بالزبيدي المستورد من الهند وبنجلادش وباكستان ولكنها توقفت اليوم. هناك مقدار غير كبير من الزبيدي في مياه الخليج ولذلك فإن الكويتيين غير محرومين من سمكتهم المفضلة إلا من لم يملك المال منهم وهم نسبة كبيرة. وهذا السمك معروف لدى المتحدثين بالإنجليزية ب (Silver Pomfret) لكن الفرنسيين يعرفونه بـ (pomfret d’argent). وقد تزايد الطلب عليه كثيرا ولذلك قام بعض البلدان مثل فيتنام بتكثير السمك في أحواض خاصة ومع ذلك فإنهم عاجزون عن تلبية الطلب عليه.

كاترين:

كل علوي فسوف تخسر. ماري أخرجت السمك بصورة جيدة؛ بحيث لا أدري هل هي ماهرة في الطبخ أم السمك لذيذ جدا.

علوي:

قد يكون هناك تعاون بين السمكة وماري معا.

العم محمود:

لأكمل حديث علوي. فأنا أتمنى أن ندخل جميعا جنات النعيم بعد أن يغفر الله تعالى لنا؛ كما أتمنى أن يكون الزبيدي متوفرا في الجنة ولكن لا أدري من سيطبخ الزبيدي لنا هناك. هل طباخو الفردوس ماهرون في طبخ الزبيدي؟ أم سنحتاج إلى ماري ليعد السمك لنا في جنات الخلود.

ماري:

الجنة ليست فقط بمواردها بل بأطباقها اللذيذة أيضا. فهناك طباخون ماهرون دون أدنى شك. ولو فرضنا عدم وجودهم فيكفينا وجود المواد. أنا ماري الذي سوف أتحول إلى رجل اسمه مراد وكاترين ستتحول إلى رجل اسمه ابن كثير ولكننا لن نفقد ما تعلمناه في الدنيا من علم بما فيها علم الطبخ. لكن لا تفكروا بأننا لو دخلنا الجنة فسوف نعمل طباخين لديكم. هناك حياة أبدية لا تنتهي ولذلك سوف نعلمكم أو نعلم حور عينكم كيفية إخراج الزبيدي وأنواع تتبيل الزبيدي.

علوي:

ومن قال لكم بأن الحور العين سوف يطبخن هناك. هناك ولدان مخلدون ولعل هناك طباخون وصناعيون وطيارون وسائقون وربانو بواخر. المهم أن ندخل جنات النعيم والبقية سهلة.

يتبع: 

كيف يقضون أوقاتهم في جنات النعيم

أحمد المُهري

25/5/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/