اشكالات القبنجي- 14 الحقائق واحدة والطريق المستقيم إلى الله تعالى واحد:


اشكالات القبنجي- 14

الحقائق واحدة والطريق المستقيم إلى الله تعالى واحد:

هناك جدل لدى بعض الأوساط بأن الحقائق ليست في ماهياتها واحدة بل أراد الله تعالى لها أن تكون كذلك. ولقد ناقشني ابني وهو يعرف الرياضيات ذات مرة بأن 2+2= 4 لأن الله تعالى أراد ذلك. قلت له وهل يمكن أن يكون الناتج 5 أو 3 لو أراد الله تعالى ذلك. قال وما ضير ذلك؟ قلت يعني بأننا دمى لا يمكننا أن ندرك شيئا إلا بالتلقين. فالله يلقننا بأن الناتج 4 فنتقبلها ولو لقننا بأنه عدد آخر قبلناه. وإلا فإن الناتج في الحقيقة لا يمكن أن يتغير أبدا.

والواقع أننا بشر مدركون يمكننا تمييز الخطأ من الصواب ولا يمكن لأحد أن يخدعنا لو استعملنا عقولنا وتركنا التقليد. وربنا الكريم يعرف بأنه لا يفارق الحقيقة ولا يقول غير الحق ولذلك وبكل حرية يدعو محبيه من عبيده أن يقرؤوا ويطلعوا على كل قول فيتبعوا أحسنه. قال تعالى في سورة الزمر:

وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (18).

وحينما يقول سبحانه بأن القرآن هو أحسن الحديث فهو ليس من باب التعالي والكبرياء ولكن من باب الحقيقة الممكن لنا فهمها واكتشافها. نحن نسعى لأن نكتشف ونتصيد الخطأ في القرآن فلم نفلح فعلا وليس من منطلق حبنا لربنا العظيم ولا من جراء خوفنا منه سبحانه. إنه لا يحب الذين يقبلون كلامه خوفا دون أن يطمئنوا إلى صحته بعقولهم. ولذلك يأمرنا بالتدبر والتعقل وبالاستماع إلى الغير ثم اختيار الصحيح بعقولنا.

والذين يظنون بأن الطرق إلى الله تعالى في حقيقتها متغايرة وهناك مجموعة من الطرق وكل منها صراط مستقيم لنفسها كما يدعيه أخونا الفاضل الدكتور سروش فهو غير مستدل برأيي. أظن بأن سروش والكثير من كبار علماء الأديان والفلسفة لم يعرفوا الله تعالى إلا قليلا. حينما أقرأ كتب الفلسفة وتقارير الشيخ المطهري لفلسفة الطباطبائي مفسر الميزان أشعر بأنه على دراية كبيرة في التحليلات الفلسفية. ولكني حينما أقرأ بيانه للمعراج وهو فرية لا أساس لها فعلا أتراجع إلى الوراء. فهل لله مكان يُزار فيه؟ أم هل الله يصلي كما نقله الطباطبائي دون أن يرد عليه ودون أن يعتبره كلاماً في غاية الحمق والجهل؟ إنه فوق ذلك يعتبر للبشر تدخلا في شؤون الربوبية ويدا في التقديرات أو التحولات الكونية. معاذ الله.

أليس هذا دليلا واضحا على أن الطباطبائي ومن اتبعه من تلاميذه لا يؤمنون بأن الله تعالى نور السماوات والأرض أو لا يعرفون معنى الجملة العظيمة؟ إنه – رحمه الله – كان يجهل فعلا بأن الله تعالى يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده. وحينما نقرأ تحليل الطباطبائي لعصا موسى التي تحولت إلى ثعبان عدة مرات وبلعت أجساما أكبر منها بكثير، يصيبنا الإحباط في أن يأتي يومٌ يتعلم فيه الإخوة معنى الألوهية.

إنه يظن بأن الله تعالى أوقف الزمان في عودة العصا إلى إصالتها النباتية ثم أخذ مسيرة أخرى نحو الحيوانية والسير في طريق الثعابين. فكأنها مرت بكل المراحل التطورية الرجعية ثم التقدمية التي تحتاج إلى مئات الملايين من السنين في لمح البصر. إنه فعلا يجهل بأن الزمان جزء لا يمكن فكه عن الأبعاد الثلاثة أبدا. حتى الملائكة تحتاج إلى الزمان. والله تعالى قادر على كل شيء ممكن ولكن المستحيل بطبيعته مستحيل وليس ممكنا في ذاته حتى ننسب الضعف إلى الله تعالى في عدم حصول التغيير في ذات ذلك الشيء. معاذ الله.

إن قصة العصا بسيطة جدا وهي أن موسى قد حمل في كيانه طاقة إلهية حينما دخل في طور سيناء لحظات تشعشع تجليات الله تعالى فغُمر بتلك الطاقة بتقدير رب العالمين بصورة جزئية بسيطة طبعا. وقد أرى – فعل ماض من رأى والفاعل له هو موسى- فرعونَ ذلك حينما أخرج يده من جيبه فرآها فرعون ومَلأُهُ بيضاءَ من غير سوء بعكس حالتها الأولى. فعل موسى ذلك ليقول لفرعون أن الذي يقوم بالحركات هو موسى بكيانه الشخصي وليس للعصا أي دور عدا ما يرونها بعيونهم. هكذا تراءى لهم ولكن موسى هو الذي أحرق كل ما صنعته السحرة بأمر الله تعالى وبالطاقة المهيبة التي كان منطويا عليها وليس بأفعى حيواني كما تراءى للطباطبائي.

وقد ناقش صديق بريطاني مسيحي ذات يوم في نهايات الألفية الثانية بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض فعلا في ستة أيام من أيامنا. قلت له هل أنت مصر على هذا الرأي؟ قال ولم لا. إن الله قادر على ما يريد. قلت له بأنك تعلم بأن الأجسام لو سارت بسرعة الضوء فإنها تفقد خاصيتها المادية وتتحول إلى طاقة وطول الكون اليوم يتأرجح بين 10 إلى 12 ألف مليون (بليون) سنة ضوئية. فكيف توفق بين هذه الحقائق وبين الأيام الستة التي لا تتجاوز 124 ساعة؟ نحن لا ننكر قدرة الله تعالى ولكن ننكر قدرة المادة أن تتجاوب مع إرادة الله تعالى في أن تصل إلى ما وصلت إليه خلال 124 ساعة. تلك أيام باعتبار آخر وليس أياما مثل أيامنا. وأطوال تلك الأيام بلايين السنين وليست كلها متماثلة من حيث الزمان.

إن الإخوة لا يقرؤون ما بين السطور فعلا ولكنهم ينظرون إلى النتائج ويسعون لفهم الأبعاد كلها من النتائج وهو عمل غير علمي أو أنه على الأقل غير موصل للحقيقة.

نعم إن النتائج  تمثل حافزا قويا للتفكير والتدبير وليست بظاهرها دليلا يتضمن كل مراحل الصناعة والتطوير. فلو ننظر إلى الإنسان مليون سنة فإن فهمَنا عنه لا يتجاوز صفاته الظاهرية وأعماله التي يأتي بها. ولكننا لو أردنا معرفة مراحله التطورية فإن الطريق مختلفة.

قال تعالى في سورة العنكبوت:

أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20).

فلا يمكن للإنسان أن يتعرف على الحالات التطورية قبل أن يسير في الأرض فيطلع على آثار التطور في البر والبحر وتحت التراب وفي أعماق المحيطات. هذا ما فعله الغربيون ونساه المسلمون فعرفوا التطور وهو أهم مسألة لكشف لغز الكون ولغز بداية الخلق في الواقع. ومنه يمكننا أن نعرف قليلا عن كيفية النشأة الثانية بأمر الله تعالى.

فليس هناك إمكانية نفي الزمان والله تعالى يؤكد عليه في العنكبوت ولكن عليه بأن يترك تراثه ويفكر في تطور الخلق ماديا ليعرف الأسرار. فالإخوة في الواقع لم يدركوا حقيقة الألوهية إلا قليلا جدا لا يكفي ليدرؤوا عن عقولهم الأساطير ويميزوا بين الإفك والصدق.

إن الطرق الكثيرة ليست طرقا مستقيمة بمعنى خلوها من الزوائد ولكنها موصلة بعد جهد وتعب إلى الحقيقة إلا أنها ليست كافية للتمتع بكل ما يمكن للسالك من مزايا الحقيقة. إنه يصرف وقتا أكثر من وقت التطورات ليصل إلى الحق فيصل إليه وقد حان موعد فهمٍ أكبرَ له. دعنا نتصور الذين أرادوا معرفة الله تعالى قبل 15 قرنا ففكروا بأن البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام تدل على المسير فلا يمكن تصور الكون بلا إله ونحن نرى الكون كوجود فعلي.

والواقع أن الكون يحتاج إلى تفجير كبير لإدراك بدايته ولو لم نصل إلى التفجير لا يمكن لنا الوصول إلى الله تعالى. إن نظرة البدوي نظرة سطحية بسيطة لا تلائم تطور الإنسان وتقدمه الفكري ويمكن الرد عليه ولكنك لو وصلت للتفجير المناسب لصنع الكون فإنك تغلق أبواب الرد عليك. ذلك لأن التفجير الضخم المهيب يمكنه أن يصنع كل ما نراه قبل أن يزول الوقت وتفقد المادة حرارتها وقدرتها على التفاعل مع نفسها. قال تعالى في سورة إبراهيم:

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (10).

وفاطر السماوات يعني مفجرها والتفجير في الحقيقة لا يمكن أن يتم في مادة مهما كانت صغيرة بل في شيء آخر لا مجال لذكره هنا في الواقع. لا نريد أن نخرج من الموضوع.

إن الله تعالى هو الذي يمد الكائنات بالطاقة وأنت عليك بأن تخلص نفسك وتتحرك باتجاه تلك الطاقة الوحيدة التي تمدك بكل شيء وهو قريب منك ولكنك أنت بعيد عنه بشوائبك واضطرابك النفسي وكثرة جهلك. فعليك بأن تخلص نفسك بتعقل وباتجاه ذلك النور لا باتجاه المخلوقات حتى تصل إلى ذلك النور المُمدّ فتتمسك بالصراط المستقيم الواحد غير المتعدد. هناك يقصر الطريق إلى الحق ولذلك يسمى تلك الطريق مستقيما. لكن بقية الطرق ليست قصيرة لأنها ليست مستقيمة بل تنطوي على اعوجاجات كثيرة تبعدك عن الحقيقة وقد لا توصلك إليها.

لكن المعروفين بأنهم أهل العلم يخلطون بين الطريق والوسيلة. وإذا تخلصوا من هذا المأزق فإنهم يخلطون بين الطريق المستقيم الموصل إلى الحق وبين الطرق البعيدة الملتوية التي قد توصلك إلى الحقيقة نسبيا ولكن بجهد وعناء كبيرين. ولا يمكن أن تأمن العثرات إن لم تسلك الطريق أو الصراط المستقيم.

وأظن بأن الكثير من الإخوة لا يدركون الهدف من سلوك الصراط المستقيم. أقول ذلك لأني أرى كثيرا منهم أو أغلب مشاهير العلم في الأديان الثلاثة يظنون بأن لله تعالى مكانا يزار فيه مثل فرية المعراج الحمقاء أو فرية البنوة لله تعالى. معاذ الله. فيظنون بأن المرء يجب أن يسير في طريق فيزيائي نحو الله تعالى. ولذلك فإنهم يتخذون الطرق الفيزيائية الأقل وعورة مثل الطرق إلى البَشر ولو إلى قبورهم. إنهم لا يدركون بأن مجرد التوجه إلى البشر في طريقك إلى الله تعالى يبعدك تماما عن الله مهما كان الذين تلتفت إليهم طيبين مؤمنين أو أنبياء مرسلين أو ملائكة مقربين. ولعل الكثيرين يجهلون معنى الذهاب إلى الله تعالى أو العودة والرجوع إليه. هذه مسائل عميقة لا يمكن بحثها هنا ولكني باختصار شديد أقول لهم ما يلي:

1.   المقصود من السلوك إلى الله تعالى هو معرفته في حدود الإمكان ولا شيء غيره. حتى الملائكة لا يطمعون في غير المزيد من التعرف على القدوس العظيم جلّ شأنه. ليس بمقدور أي ممكن أن يعرف الله تماما إذ أن المعرفة الكاملة تحتاج إلى الإحاطة بالشيء ولو علميا أو فكريا ويتعذر ذلك للمخلوقين بالنسبة للواجب الأحد. فالحقيقة بأن الأنبياء والملائكة والأرواح القدسية لم ولن يعرفوا حقيقة الله تعالى ولكنهم جميعا يسلكون سبيل المعرفة. والله تعالى حقيقة مجردة عن التركيب فكيف نسلك إليه طرقا متعددة. إنه مثل أصل الحساب وهو الجمع والطرح، بأنك لو أخطأت خطأ بسيطا في طريقه فإن النتيجة لا يمكن أن تكون صحيحة. وهو أدق بكثير من الحساب في الواقع فأشبه شيء به هو الطاقة أو النور حسب تعبيره سبحانه. ولكنه نور في غاية الرقة فهو أرق من أي إشعاع نتصوره ولذلك فهو بنوره مع كل شيء ويرى كل شيء ويسمع كل صوت ويشعر بكل همسة قلبية أو ما هو أخفى من الهمسة. لا فرق في ذلك بين ما نراه طيبا طاهرا أو مكروها قذرا. إنه سبحانه نور رقيق لا يمكن أن يتأثر بأي شيء غيره. وكل ما يريده الله تعالى من الخلق المدرك هو أن يُعرف جل وعلا ولو قليلا.

2.   وأما المقصود من العودة إليه فباعتبار أنه خلقنا بيده، بمعنى النور المباشر أو الطاقة المباشرة منه تعالى والتي أرسلها الله تعالى عن طريق الروح القدس إلى أم آدم ليخلق له نفسا بشرية. فحواء ونحن جميعا فيما عدا المسيح مخلوقون من تلك الطاقة. ثم أرسلنا سبحانه إلى عالم الحرية ليختبرنا ثم يعيدنا إليه بأن يسلب منا الإرادة فنصير عمليا غير مختارين كالملائكة. ولكننا باعتبار مرورنا بالاختبار وعدم توفقنا للانفراد بعبادته فإننا نكون غير خالصين. وحينما نعود إليه بمعنى فقداننا للإرادة فإننا سنكون تاركين كل وسائل التعديل والتصحيح في حياتنا الإختبارية فلا يمكننا بأية حيلة أن نصحح أخطاءنا. ليس لنا آنذاك إلا أن ننتظر حكم الله تعالى وحده فينا فإما العذاب وإما المغفرة إن كنا نستحق المغفرة.

3.   الطاقة الربوبية تجذب سالكيها ولا يمكن أن يكون هناك مجموعة مختلفة من الطرق وكلها متصفة بالصراط المستقيم كما صرح به الأخ الفاضل سروش. إن كل شيء وقع في طريق معرفة الله تعالى فهو يتأثر شيئا فشيئا بنور الله تعالى وينجذب باتجاهه ولا يمكن أن ينجذب لشيء آخر إلا إذا لم يستوف شروط السير إلى القدوس جل وعلا.

4.   إن كل كائن مدرك يتخذ لنفسه وسيلة للوصول إلى الله تعالى فالوسائل مختلفة ومتباينة ولكن الطريق المستقيم واحد. ذلك حسب تعبيرنا الدارج سيارات مختلفة بسرعات متباينة تسير في شارع واحد.

5.   إن تباين المذاهب والأديان لا يؤثر في الصراط المستقيم ولا يعدده. الله الذي أنزل أحسن الحديث يرفض مختلف المذاهب فعلا. قال تعالى في سورة الروم: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(32). فحقيقة الدعوة إلى الله تعالى هو الدعوة إلى دين واحد هو التسليم لله وحده، بغض النظر عن وسائل النقل. ويحدد الله تعالى وحدة دينه مشيرا إلى توجه المحتاج حين الشدة، فهو لا يتوجه إلى غير الله تعالى. هذه هي الطريق الطبيعية، فيكمل الله الآيات المذكورة هكذا: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34)فالصراط المختار هو الطريق الوحيدة إلى الله تعالى وهو نفس الطريق التي تسلكها عند الاضطرار وعندما تقفل عليك كل أبواب النجاة. هناك تعرف الله تعالى فاعرفه واسْعَ لمعرفته حينما تكون آمنا (غير مضطر) لتعرفه سبحانه معرفة علمية. فنحن مع الأخ سروش حينما يرفض قول أصحاب وأتباع المذاهب بإبطال غيرهم وتثبيت أنفسهم. نحن أيضا نرفض قولهم ولكن ذلك لا يعني بأن كل الطرق موصلة. أو أن الحقيقة أكثر من واحدة إن كنا نقصد الله تعالى حينما نطلق كلمة الحقيقة.

6.   عندما يأمر الله تعالى الناس بمن فيهم الأنبياء أنفسهم أن يتأسوا بهدى الأنبياء عامة فهو يقصد فعلا الصراط المستقيم ويوضحه. ذلك هو طريق التوحيد الحقيقي وطريق الدعوة إلى الله تعالى وحده لا إلى أي ممكن بمن فيهم الدعوة إلى أشخاص الأنبياء. لنقرأ بدقة هذه الآيات من سورة الجن:وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22). فالذي يقول أحيوا أمرنا فهو ليس من الله في شيء ولا يدعو إلى الله تعالى. لا يمكن أن يجتمع الله تعالى مع أي شيء آخر. وحينما يأمرنا الله تعالى بأن نطيع الله ورسوله فإن ذلك باعتبار أن طاعة الرسول هي طاعة لله تعالى وليست طاعة لشخص النبي. ذلك لأن الله تعالى يحيط بالنبي ويهيمن على قوله سالبا منه الإرادة حينما يريد إبلاغ رسالة ربه فيكون حينها رسولا. سيكون الله تعالى في تلك الحالة حائلا بين شخص النبي وقلبه. هي حالة خاصة للأنبياء وحدهم دون غيرهم. ولو كانت مشتركة بين خاتم النبيين مثلا وبين أشخاص بقوا بعد وفاته فهو يعني بأن النبوة لم تنته. هذا كما قال الفاضل سروش رفضٌ صارخٌ للخاتمية. هو كلام صحيح فعلا. جزى الله تعالى أخينا سروش خيرا على مقولته تلك.

7.   فطريق الأنبياء التي يأمرنا الله تعالى باتباعها لا تمثل أعمال الأنبياء ولا نسكهم. إنها تمثل التوجه القلبي للأنبياء نحو الرحمان وحده لا شريك له فقط. نقلدهم فيها باعتبار ألا طريق غيرها إلى الأحد الصمد. تلك الطريق تُنسيك شخصيتك وأبوتك وبنوتك وصداقتك مع غير الله تعالى وتُعلِّمك كيف تركز كل اهتمامك على القدوس وحده لا شريك له. هي ليست طريق الأديان والمذاهب وليست طريق العلماء بل هي طريق الرسالات السماوية. إن الرسل جميعا كانوا يسعون لتخليص قومهم من شوائب الشرك بالله فقط ولذلك لم نجد أي رسول أرسله الله تعالى إلى قوم لا يؤمنون بالله تعالى. إنما أرسلهم إلى أقوام يخضعون لغير الله تعالى في عباداتهم. سواء منهم قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح أو قوم شعيب أو قوم موسى. حتى قوم لوط وإبراهيم – حينما كان في العراق- فهم كانوا جميعا مؤمنين بالله. فالأنبياء جاؤوا ليقولوا للمؤمنين بالله تعالى: أليس الله بكاف عبده؟ فلماذا تخافون من دونه؟ هذا هو الصراط المستقيم وهو طريق واحدة.

8.   إن الكثيرين يتحدثون عن النسك ووسائل الانتقال إلى الله تعالى أو إلى معرفة الله تعالى ويظنون بأنها هي الصراط المستقيم. وهي متعددة بالطبع ولكنها ليست المقصودة بالصراط المستقيم. ولذلك يحدد الله تعالى الصراط في سورة الحمد بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم وهم الأنبياء في الواقع الذين أكرمهم بالعلم والمعرفة. ويتبعهم الصديقون والشهداء والصالحون من غير الأنبياء بعد أن تعلموا من النبيين أو ساروا في طريقهم التوحيدي.

9.   استدل البعض بالآية التالية من سورة المؤمنون: وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74). ليقول بأن الله تعالى لم يقل الصراط المستقيم بل استعمل لفظ النكرة. لكنه سبحانه في الآية التالية اعتبره طريقا واحدا حينما قال بأن نتيجة عدم الإيمان بالآخرة هي الانحراف عن الصراط. كان عليه أن يقول للنبي: عن صراطك لناكبون، حتى يصح كلام الأخ سروش.

لذلك أرجو من الإخوة إعادة النظر في أفكارهم تلك إن رأوا في حديثي رشدا.

.. يتبع ….

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

الإعلانات

اشكالات القبنجي 14- المتشابهات في القرآن


اشكالات القبنجي 14-

المتشابهات في القرآن:

يتحلّى الكتاب الكريم بالكثير من المسائل الكونية والمسائل العلمية التي تتحدث عن أعماق النفس أو أعماق البدن مما لم يكن ممكنا فهمها للذين أنزل عليهم بمن فيهم الرسول الأمين نفسه. فمثلا يقول سبحانه في سورة الأعلى:

وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى (5).

يعني أن الله تعالى هو الذي طور الخلايا في الأرض حتى صارت نباتا ملأ المكان فسماها المرعى إشارة إلى كثافته وسعته. ثم جعله الله تعالى غثاء وهو يعني الأجوف الفارغ وجعله أحوى بمعنى الأسود. دعنا نعيش عصر الرسالة وننظر إلى الآيتين فسنقول بأنهما لا تنبئان عن أية نعمة أو مزية يمدح الله تعالى بها نفسه، على أنهما فعلاً في مقام المدح والمنة على الخلق بأنه سبحانه فعَلَ لهم شيئا يفيدهم. ولم نقرأ أي تفسير قديم يشير إلى مسألة طبيعية تدل على هذا الموضوع وتنطوي على فائدة للبشر. وأظن بأن هاتين الآيتين من الموارد التي قال الرسول فيها بأنه يتقبلها لمجرد أنها منزلة من الله تعالى لأنه من الراسخين في العلم. قال تعالى في سورة آل عمران:

هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ؛ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (7).

ولذلك نراه عليه السلام وبعض خواص الصحابة يدعون ربهم بعد ذلك أن يصون قلوبهم من الفساد والشك في الدين بعد أن منحهم الهدى:

 رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9).

كيف يمكن للواقع الزماني والمكاني أن يفسر الآية وهي في معناها صحيحة كما سأبينه الآن بإذن الله تعالى؟:

 هناك عصران نباتيان في الكرة الأرضية. العصر النباتي الأول امتلأت الأرض به بالأعشاب الطويلة والأشجار الكثيفة غير المتينة احتمالا وانتشرت فيها الحيوانات الضخمة التي عاشت فترة طويلة على تلك الأعشاب وتكاثرت عليها. كل تلك الأعشاب مع حيواناتها تأثرت بعامل طبيعي قاس فماتت الحيوانات واحترقت النباتات جميعها. لقد أضحت الأشجار كلها جوفاء سوداء بعد الفناء والزوال وطمرت تحت الأرض ليستخرجها البشر فيما بعد كوقود باسم الفحم الحجري.

كما أن الحيوانات تحولت إلى زيوت تفاعلت مع حرارة باطن الأرض لتتحول إلى النفط. فالله تعالى أخرج ذلك المرعى البدائي ثم دمره لتدبير الوقود للبشر الذين سيخلقهم في العصر النباتي الثاني الذي نعيش تحت ظلاله اليوم.

لقد عرفنا معنى هذه الآية المتشابهة فيما بعد ولم يكن للعصر النبوي أي دور في فهمها حتى ننظر إليها في ظروفها الزمانية والمكانية. واليوم نرى بأن الموضوع صحيح ولا إشكال فيه علميا ولكن الرسول وصحابته لم يحملوا معلومات تساعدهم على معرفتها.

هذا باعتبار التطور العلمي اليوم ولعل الذي يأتي بعدنا يعرف من بعضها معاني أعمق مما عرفناه فسيكون هو مصيبا أكثر منا. ذلك لأن القرآن ليس محصورا في الظروف الزمانية والمكانية باعتبار أن يد البشر لم تشارك في كتابته بل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، جل جلاله.

ونحن دائما على استعداد لإظهار جهلنا لموضوع قرآني إن استعصى علينا فهمه ولا نرى في قلوبنا أي مانع من إظهار ذلك. وقد حصل لي شخصيا في نفس آية الأعلى أعلاه أن قلت لزملائي بأنني أجهل معنى الآية وأثبتت لهم بأن أقوال علماء التفسير غير معقولة فنترك تفسير الآية للوقت الذي يُظهر الله تعالى فيه معناها. لكنني في الأسبوع الذي يلي التفسير تفطنت للمسألة فوضحت لزملائي المعنى بفضل الله تعالى ومَنِّه علي وعليهم والحمد له وحده.

يتبع …

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

اشكالات القبنجي 13- تساهل المفسرين في تفسير القرآن


اشكالات القبنجي -13 

تساهل المفسرين في تفسير القرآن:

ليس غريبا أن نرى القرآن الذي بين أيدينا كتابا معتما على غالبية أو كل علماء التفسير في أكثر مفاهيمه. إنها مصيبة كبيرة ولكنها موجودة يتعذر إنكارها. ولعل السبب الأساسي هو أن علماء التفسير لم ينتبهوا إلى أن القرآن يدعو الجميع ليتدبروا آياته بأنفسهم لكنهم رجعوا إلى الوراء لينظروا إلى السلف. إن كل إنسان ينظر إلى ما يقرؤه ويفهم منه بعض الشيء. والذي يقرأ كتاب ربه فهو يسعى لتطبيق مفاهيم ذلك الكتاب على نفسه وعلى بقية الناس ثم يكتب بعضُهم فهمَه ودرايته. والذي هو غريب عنه زمانيا أو مكانيا أو زمكانيا فإنه لو لم يتفقه بنفسه بل نَقَل لقومه ما فهِمَه غيرُه فسوف يبتعد قليلا عن الكتاب وهلم جرا حتى ينقلب السلام عندهم حربا والعدل في نظرهم ظلما وحب الناس حسب فهمهم كرها وما إلى ذلك من مفاهيم تتعارض مع أهداف كتاب الله تعالى. والشياطين يوحون ويزينون ويخوفون أحيانا.

يأمر الله تعالى جميع الناس بمن فيهم صحابة رسول الله أن يتدبروا آيات ربهم ولكن الشياطين يوحون إلى المحدثين أن يحذروا الناس من التدبر ومن تفسير القرآن بالرأي وإلا أكبهم الله على مناخيرهم في النار. معاذ الله، وانظر أنى يؤفكون؟ و لذلك ترى المفسر يسعى لعدم تغيير النقل السخيف بل يؤلف تعابير جديدة فقط. سعيت أن أفهم شيئا من تفسير كبير لكاتب معروف لدى أهل مصر وينعتونه رحمه الله تعالى بعملاق الفكر؛ وهو فعلا بديع في أسلوبه، فلم أجد أي فهم معاصر للآيات الكريمة. اللهم إلا سعيه لتأويل الأحاديث السخيفة في تفسير القرآن إلى أوامر بالحرب والتغيير القسري والغزوات البربرية والحكم المستبد. ذلك لأنه يؤمن بالثورة وبالتغيير بالقوة. تلكم تفاسيرنا!

والإخوة المحققون ينظرون إلى الكتاب العظيم من نظارات أولئك المفسرين مع الأسف ويحكمون على القرآن بأخطاء الذين عُرِفوا بفهم القرآن في حين أنهم لم يفهموه مع الأسف. فمثلاً، قرأت ما كتبه كبار المفسرين حول تفسير فواتح بعض السور وقد سودوا صفحات كثيرة لاستكشاف معانيها فلم يفلحوا بتّا. كان أغلبهم ساعيا للعثور على كلمات مشتركة تبدأ بتلك الأحرف ولا تنطوي السور على كلمات مشابهة تجمع كل حروف الفواتح. في حين أنها مفاتيح للسورة وليست فواتح فقط. فكيف يمكن أن نحكم على القرآن بمثل هكذا تفاسير ناقصة وغريبة؟ ثم يقول بعض المحققين بأننا ننظر إلى القرآن في قوقعة عصره وعصور التابعين فنراه كتابا ناقصا لا يمكن أن يكون منزلا من الله تعالى! وحتى يرضوننا نحن الذين نحب القرآن يقولون بأنه ليس من الله تعالى ولكنه كتاب إلهي كتبه محمد! معاذ الله.

يتبع …

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

اشكالات القبنجي 12-استحالة النظر إلى الظروف المعاصرة للتنزيل:


اشكالات القبنجي 12-استحالة النظر إلى الظروف المعاصرة للتنزيل:

ومهما يكن من أمر فإن النظر إلى الظروف المكانية والزمانية لنزول القرآن غير ممكنة عمليا. ذلك لعدم وجود أية مدونة عربية أو غير عربية كتبت أيام الرسالة المجيدة. يبدو بأن القرآن الكريم هو المدونة الوحيدة التي وصلتنا في عصرنا هذا. ولو أردنا أن ننظر إلى القرآن في زمانه ومكانه فلا نملك كتابا مصانا يهدينا إليه فكيف نقوم بهذا النظر؟

لقد تمكن القرآن المشهور وهو ما عرف فيما بعد بقراءة حفص عن عاصم أن يبقى طيلة القرون الخمسة عشر دون تغيير. يطبع المسلمون سنويا عشرات الملايين بل مئات الملايين من هذه النسخة المباركة ولكننا لم نر أي كتاب يدعي بأنه كان معاصرا للقرآن فكيف ننظر إلى القرآن في ظروفه الزمكانية؟ لقد بدأ المسلمون عمليا كتابة التاريخ بعد أكثر من قرن من وفاة الرسول الأمين فما جدوى تلك الادعاءات باسم التاريخ الإسلامي؟ لو ينظر العاقل الحصيف إلى اهتمام المسلمين اليوم بالأحاديث والسيرة والتاريخ الذي كان مفقودا تماما لأكثر من قرن بعد الرسالة المحمدية ثم بدأ المسلمون في الكتابة، فسوف يرفض كل مدوناتنا عدا القرآن.

وما نسمعه من المؤرخين هو ما نقلوه من الأخبار من كتاب كتبه شخص باسم محمد بن إسحاق وهو الذي جمع الأحاديث وكتب السيرة والتاريخ. ويُقال بأنه بدأ بالكتابة بعد أكثر من قرن من وفاة الرسول وقد ضاع كتابه ولكن المؤرخين الذين جاءوا بعده ينقلون عنه!

كان الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ينفق عليه فلا يمكن الاستناد لا إلى شخصه ولا إلى ما نقله ولا إلى ما نقل عنه. وفي النهاية نرى كل المراجع التاريخية تعود إليه فهل يمكن تسمية هذا مرجعا تاريخيا صحيحا؟!

وأما كتب الحديث المشهورة عند السنة فيعود تاريخ كتاب المسند للإمام أحمد بن حنبل الى القرن الثاني الهجري وعاصره الإمام مالك في الموطأ. وقد ارتبط كلاهما بأبي جعفر المنصور وأما الإمام مالك فقد أكمل كتابه أيام هارون الرشيد وأشهره وأمر بالعمل به الرشيد نفسه. وأما الشيعة فقد أراحوا أنفسهم واعتبروا كل ما نسب إلى الأئمة صحيحا لا إشكال فيه. لكن ليس بين يدينا كتاب شيعي من تأليفات عصر الإمامين الباقر والصادق بل كتبت فيما بعد. ولعل كل كتب الحديث المشهورة دونت في القرون الثالث والرابع والخامس الهجري حينما ظهرت السنة والشيعة كمذهبين مختلفين.

فهل من العقل والحكمة أن نحكم على كتاب عظيم مثل القرآن بكتب مختلفة دونت بعد نزوله بأكثر من قرن؟

ما نقوله عن تلك الأيام الخوالي لا يتعدى الظنون والتخرصات التي لا يمكن الاستناد إليها. الطريق الوحيدة التي يمكن أن نصل بها إلى عصر الرسالة المجيدة هو ما ذكره القرآن نفسه من حوادث تاريخية لا غير. وتبدو عملية التوفيق بين قصة قرآنية واحدة مع ما هو مدون في كتب التفسير والحديث والتاريخ والسيرة مستحيلا. فكيف يمكننا الاعتماد على هذه الكتب لفهم القرآن في ظروفه المكانية والزمانية؟ إنه ادعاء لا يمكن تحقيقه وهدف يستحيل بلوغه مع الأسف.

ويقول صديقنا المحب للدكتور سروش أو الموالي له بأنه ينظر إلى كتب التاريخ المختلفة من مختلف القوميات ليقف على حقيقة ما حصل. ثم يستشهد بقصص كتبها غربي حول تاريخ احتلال الإسكندر المقدوني لإيران. لكنه لم يأت ولن يتمكن من الإتيان بتاريخ مخالف لأيام الرسول كما لا يمكن أن يأت بتاريخ موافق دونت أيامه. كل الغربيين يتحدثون عن الرسول من واقع تاريخ الطبري وأمثاله وليس من منطلق تواريخ كتبوها هم بأنفسهم. فلو كان استدلاله صحيحا فإنه لا ينطبق عمليا على العصر الرسالي لحبيبنا المصطفى عليه السلام. بالطبع أنني أرفض نظريته أيضا ولكن لا داعي لمناقشتها مع غياب المصداق.

يتبع ….

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

اشكالات القبنجي 11-القرآن في قوقعة الزمان والمكان


اشكالات القبتجي 11- 

القرآن في قوقعة الزمان والمكان

هذه المقولة هي ما صرح صديقي الجديد بذلك وفحوى ما أشار إليه القبنجي والأستاذ سروش أيضا.

من الطبيعي أن كل شخص يكتب كتابا فإنه ينقل لغيره أفكاره الشخصية وتحليلاته للموضوع الذي يشرحه. إنه يرى بقلبه حقائق ترتبط بمرئياته ومعايناته ومسموعاته ومدركاته في الغالب. بالطبع أن هناك مسائل أخرى وراء ما نرى ونسمع ولا داعي لمناقشتها هنا. والأنبياء لا ينفصلون عن البشر في أنهم يتأثرون بالزمان والمكان بدليل أنهم ولدوا ثم ماتوا. إنهم تزوجوا وأنجبوا وقرءوا وكتبوا ودرسوا. إنهم كانوا يخطئون فيستغفرون. هنالك يغفر لهم ربهم أو يعاقبهم كما فعل بالكثيرين منهم بناء على القرآن الكريم. ثم نحلل أعمالهم التي ذكرها القرآن فنراهم يخضعون للتطور الفكري والعلمي؛ والتطورُ بكل أنواعه يتأثر بالزمان والمكان.

إن خطأ الكثيرين يكمن في أنهم ينظرون إلى قول النبي نظرهم إلى كلام الله تعالى فيوهمون العامة من الناس بأن النبي لا يمكن أن يخطئ حتى خارج الوحي. وحينما نقرأ القرآن نجد بأن أقرب الناس إلى الأنبياء من الصحابة والأهل لم يكونوا ليذعنوا لأوامر أنبيائهم بل كانوا يتجاهرون بالمخالفة من منطلق المعرفة وليس من منطلق العزة بالنفس. كانوا يطيعون الأنبياء في تفسيرهم للوحي ولكنهم يخالفونهم في تفسيرهم للأحداث حتى بعد أن يبايعوهم بالإمارة مثلا. فنحن هنا لا نتحدث عن المولعين بالأحاديث والتاريخ والسيرة ومن جاراهم. إنني أكتب عن القرآن فحسب وأرد على من يدعي ضد هذا الكتاب أو ضد ربي جل جلاله. ليس للأحاديث أية أهمية عندي ولا أؤمن بها. إنني أحب رسول الله عليه السلام وكل الرسل الإلهيين عليهم جميعا سلام الله تعالى. وأعتقد بأن الذي يعاديهم لا يستحق الجنة ولكن حبهم ليس من موجبات دخول الجنة، والعلم عند الله تعالى.

لكن الأخ القبنجي وصديقي الجديد والكثير من المعترضين على القرآن بمن فيهم الملحدون يخلطون بين الحديث والقرآن. إنهم ينظرون إلى القرآن من نافذة تفاسيره ولا يفكرون فيه بأنفسهم ولا يسعون لفهم رسالته بغض النظر عن أقوال المفسرين الكرام. إنني على ثقة بأن الذي خلقني حكيم عليم وقد أعطاني الفكر والعقل والعلم فلا يمكن أن يتركني سدى. ولا يمكن أن لا يكون له مرجع يمكنني الرجوع إليه. ولو رجعت إلى أصحاب العمائم والألقاب الكبيرة والادعاءات الكبيرة فإنهم سيضلونني لأنهم ببساطة غير متفقين فيما بينهم على أمر.

إن لكل مجموعة من الناس الواقعين تحت لواء مذهبي أو ديني رجالا يقودونهم بكل الوسائل غير العلمية التي ذكرتها هنا. فأين أذهب؟ ثم إنهم يجهلون أكثر المسائل القرآنية المرتبطة بالعلم والفكر. ما أقول لمن يظنّ بأننا كبشر يمكن أن نرجع إلى بشر مثلنا بدون أن يكون قد أوحي إليه أو نعود إلى كتب خطتها أيدي الناس أو نقول بأن القرآن كتاب منقول لنا مثل كتاب البخاري أو الكافي؟ فأنا أتحدث فقط عن القرآن ولا أؤمن به باعتباره كتابا منقولا عن طريق الناس. وسوف أناقش بعد قليل مسألة القرآن باختصار من عدة زوايا لنعلم بأنه كتاب الله تعالى وليس لمحمد القدرة على فهمه بالكامل فضلا عن الإتيان بمثله.

الزمان والمكان بالنسبة للقرآن:

من الواضح أن هناك زمانا نزل فيه القرآن ثم توقف كما أن أماكن النزول محصورة في الحجاز كما يقولون. لكن الحقائق العامة موجودة ويمكن الوصول إليها ولا يمكن إنكارها. يستحيل إنكار وجودنا كما يستحيل إنكار ماهياتنا فنحن موجودون ونحن حقيقة لنا أجسام وعقول. كل هذا يحتاج إلى الزمان والمكان ولكن فهم الحقيقة لا يحتاج إلى الزمان والمكان بل إنهما يزاحمان الفهم. فلو نظرنا إلى الزنا في أي زمان أو مكان ملاحظين مسألة النفور والقبح فقط فسوف نشعر بالتفاوت الكبير بين الناس في الأزمنة والأمكنة وتحت تأثير الأديان والنظم الاجتماعية. لكن حقيقة أن الزنا يربك تشكيل الأسرة ويعرض الأمة لخطر الزوال والقصور الفكري أمر غير قابل للإنكار. هذه الحقيقة تابعة لطبيعة الإنسان والمجتمع الإنساني الذي يسير وفق إرادة خالقه ولا دخل للزمكان فيها.  

إن كل قوم يتأثرون بالظروف الطبيعية التي يعيشون فيها ليختاروا مطعمهم ولكن لا شك في أن بعض الأطعمة ضارة وبعضها مفيدة تساعد البدن الإنساني على البقاء وتساعد الفكر على كسب النشاط. ليس هناك اختلاف زمكاني في هذه الحقيقة ولكن يصعب فهمها والكشف عنها يتولاها أهل العلم في كل مكان وتبقى استنتاجاتهم عرضة للمناقشة والجدل لتكون في مكان ما بين الرفض والقبول.

لا يتحدث القرآن عن كيفية الزواج واختيار الشريك إلا في حدود النصح والوعظ ولكنه يتحدث عن لزوم الزواج والابتعاد عن الزنا. يترك القرآن كل المسائل الجانبية لبرلمانات الأمم ولا يعطي فيها رأيه حتى لا يؤثر في شعور الناس بالحرية وحتى لا يوقف تطورهم الفكري ليتناسب الحكم مع الزمكان.

يتناول القرآن موضوع الطعام الحيواني باعتبار أن الإنسان يريد أن يقتل حيوانا ويريق دما فيحتاج إلى إذن من الله تعالى ثم إنه يمكن أن يتناول طعاما حيوانيا يضر ببدنه ضررا بليغا لا تظهر آثاره بسرعة أو أنّه قد يؤدي الى ضرر في نشوئه التطوري ورقيه وتقدم مسيرته التطورية إلى الأمام.

نعم هناك مسائل زمكانية خاصة بعصر النبوة وهو عصر مهم جدا للأمة الإسلامية وكذلك لمحاسبات يوم القيامة باعتبارهم نماذج للحساب وليس للاقتداء بهم. لم يقل الله تعالى بأن الصحابة نماذج عملية لنا بل قال بأن الرسول أسوة حسنة لهم. إنهم يرونه ويعيشون معه فماذا لو اقتدوا به و بهداه؟ ونرى اليوم بأن الكثيرين يستشهدون بالآية المعروفة ليقولوا لنا بأن الرسول عليه السلام أسوة لنا فعلينا بأن نتبع الأحاديث المروية عنه لنتأسى به وننظر إلى سيرته لنسير مثله. وبما أن الأحاديث والسيرة غير مصونة من الله تعالى وخليط من الصدق والكذب فإنهم يدعوننا نحن الناس العاديين أن نتبعهم هم أصحاب العمائم والألقاب ليعينوا لنا الحديث الصحيح والسيرة الصحيحة!

سنكون عمليا أتباعا لهم ولسنا أتباعا للرسول. ولننظر ما الذي قاله ربنا سبحانه وهي في سورة الأحزاب:

يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الأحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً (20) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22).

إن الآيات تتحدث عن هجوم الأحزاب على المسلمين ويخاطب صحابة النبي بأنهم كان لهم خلال الحرب أسوة حسنة في رسول الله عليه السلام الذي ثبت ولم يهتز ولم يهرب من المواجهة. لو كان الرسول أسوة حسنة في كل شيء لكان من حقهم أن يتزوجوا تسع زوجات وأن يدعوا استلام الوحي من الله تعالى.

وحينما يأمر الله تعالى النبي وقومه بأن يتأسوا بإبراهيم فإنه يحدد المورد الذي يتأسون فيه بإبراهيم ومن معه. قال تعالى في سورة الممتحنة:

قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لاسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5).

ويمكن ملاحظة أن مورد التأسي بإبراهيم محدود في البراءة من المشركين بعد أن ثبت لديهم أنهم أعداء الله تعالى. ثم إنه سبحانه يستثني من التأسي، قول إبراهيم لأبيه بأنه سيدعو له.

ليس في القرآن أي أمر عام بأن نتأسى بالرسل فكيف بغيرهم؟ وللعلم، فإن التأسي بالأنبياء لا يماثل كونهم شهداء. التأسي لاتباع سيرتهم في الدنيا وهي كما قلت محدودة ولكنهم شهداء ليس للدنيا بل ليوم القيامة فقط وقد وضحتها مرارا وأشرت إليها في نفس هذا الموجز أيضا.

نعم، هناك مسائل خاصة بالرسول نفسه لأغراض اجتماعية تخص الدعوة إلى الله تعالى. كما أن في القرآن سورا وآيات محكمة للقتال تحت لواء الرسول وليس بشكل عام. لا ينطوي القرآن على أي إذن للرسول بأن يعلن الحرب ضد أيّ أحد وليس هناك أي إذن بالطبع لأي شخص آخر أن يعلن الحروب. وكل الغزوات التي يذكرونها خارج نطاق القرآن ما هي إلا أكاذيب وضعها الملوك الأمويون والعباسيون ليبرروا حروبهم الهجومية وفتوحاتهم البربرية الظالمة. وقد اتبعهم الفاطميون والعثمانيون في الإجرام والهجوم على البشر وسينالون العقاب الأليم من ربهم دون شك.

بين أيدينا الكثير من التشريعات المرتبطة بالأزمان والأمكنة وكلها غير قرآنية وغير ملزمة لأحد. إن من حق البرلمانات وما يعادلها بتفويض من أممهم أن يشرعوا لشعوبهم ما لم يروه واضحا في كتاب الله تعالى. إنها تشريعات قومية يلتزم بها الناس باعتبارهم قد صوّتوا لنوابهم ولزعمائهم فهو من باب التزام كل شخص باختياره ثم إلزام الأقليات التي تعيش مع الأكثرية بتشريعات الأكثرية وليس بتشريع سماوي ولا أمر إلهي. ولا ننس بأن الأقلية تتمتع بقوة الأكثرية وبالسلام الذي تحققه الأكثرية للأمة والوطن فهما في الواقع متوازنان في الحقوق والمكاسب.

يتبع ….

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي 


https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

اشكالات القبنجي 10- الحل لدى العرفاء


اشكالات القبنجي 10- الادعاء ان الحل لدى العرفاء 

ادعاؤه أن الحل لدى العرفاء

وبعد ذكر القبنجي لما سماها إشكالات على كتاب الله تعالى انتقل إلى مسألة ظنية أخرى لإثبات أن المبدأ العرفاني هو المبدأ الذي يمكن أن ينجينا ويحل كل هذه المشاكل. فقال ما معناه بأن القرآن هو فعلا كلام النبي ولكنه كلام إلهي بمعنى أن النبي كان يحمل في قلبه نورا إلهيا. بالطبع أنه توسع في كلامه أكثر من هذا ولكني أظنه أطنب، فلا أرد على قوله بأن في قلب كل إنسان إله صغير! لعله كان يقصد بأن كل إنسان يعرف قليلا عن الله تعالى فمعرفته لله تخلق في نفسه تصويرا عن الله تعالى. إنه بهذا التصوير يتحدث عن الحقائق متأثراً بتلك الصورة الخيالية عن الله تعالى. لعله قصد ذلك. إنني أحب أن أكون متفائلا حتى لا أصير فريسة للشياطين أو أصير مظهرا من مظاهر الشيطان والعياذ بالله.

بالطبع إنه أراد أن يصحح بعض ما قاله ضد عقائد المحيطين به وضد اهتمامات أهله وقومه وأمته من اعتماد على القرآن الكريم واعتقاد جازم بأنه كتاب الله تعالى. فلعله في قرارة نفسه لا يؤمن كثيرا بالله تعالى كبعض العرفاء. و العرفاء يجمعون بين المتناقضات دون أن يشعروا. لعلهم لا يؤمنون بالله تعالى ولكنهم يسايرون أقوامهم. ولذلك دعنا نكتفي بتحليل أقوال أخينا لنفهم ما أراد قوله لنا. ولندخل إلى صلب الموضوع تدريجيا:

1.   قال القبنجي بأن محمد بن عبد الله الذي نؤمن نحن المسلمون بأنه عبد لله تعالى ورسول منه إلى نفسه وإلينا ليكون للعالمين نذيرا؛ قال بأنه يحمل في قلبه نوراً إلهيا يخوله بأن يكتب أو يقول القرآن. ولذلك فلا مانع أن ينطوي الكتاب على بعض الأخطاء والهنات، معاذ الله. بالطبع أنه لم يوضح نتائج إيمانه بالنور المتواجد في قلب النبي ولكني أعرف بأن هذا الكلام يعني بأن محمدا كان ينطوي على إشعاع غيبي مرتبط مباشرة بالله تعالى. هذا النور أو الإشعاع يكشف أمام قلبه الغطاء عن بعض الحقائق المجهولة لدى عامة الناس فيتكلم صاحبه بما يتراءى لهم بأنه معجزة. هذه المعجزة تُعجز قومه في زمانه ومكانه ولا تُعجز غيرهم. لا أعرف كيف ينظر الأخ القبنجي إلى الله تعالى. ولكن لازم هذه العقيدة في رسول الله تعالى أن يتأثر النور الإلهي في قلبه بمجتمعه وأفكاره الشخصية فتختلط الحقائق لديه بالأفكار البشرية الناقصة فيقول ما يقول ناقصا ولكنه يتخذ شكلا خلابا لقومه. إن العرفاء في هذه الحالة إنّما يعتبرون دور النبوة دورا بشريا محضا خاصا بزمانها ومكانها.

دعني أقول لهم: لعلهم يجهلون بأن النور القوي يسيطر على الأنوار الضعيفة فلا يمكن للأنوار الضعيفة الشخصية أن تترفع على النور القوي، بل تخمد كلها أمام إشعاعاته. يمكننا أن نلمس ذلك وجدانا بملاحظة المسائل الموجودة في ذهننا من الصغر بجوار العلوم التي كسبناها فيما بعد فنرى بأن نفوسنا لا تتبع المعلومات القديمة بل تتركها وتتوجه نحو معارفنا ومعلوماتنا الحديثة التي قد تكون أصدق وأقوى من القديمة. فوجود النور الإلهي في قلب محمد يبعده عن مجتمعه القبلي ويبعد عنه أفكاره القرشية وغيرها ويجعله دقيقا جدا. فلا يمكن أن نتصور محمدا مع النور الإلهي المسيطر وهو يخطئ إلا إذا  اعتقدنا بأن الله تعالى يجهل بعض المسائل. معاذ الله.

2.   النتيجة الحتمية لكلام القبنجي ذاك هو أن الله تعالى قد أخطأ وأثر في محمد وليس محمد بنفسه. ذلك لأن محمدا لم يُترك وشأنه بل غُزي بإشعاع قوي جدا هو إشعاع الربوبية التي تؤثر و لا تتأثر. هنالك يعني بأن الاعتقاد بخطإ القرآن يعادل الاعتقاد بخطإ الله تعالى والعياذ بالله. ولا يمكن أن يكون هناك إله يخطئ. فلازم الألوهية وهي تعني إخضاع الكائنات لنفسه، أن لا يأتي إلا بالصحيح السليم. إنه أساس الوجود فأن نتصور أي خطإ في أية جزئية من أفعاله يعني عدم التوازن في جانب من الخلق وبالتالي عدم القدرة على البقاء والاستمرار. مثاله مثال الخطأ في جزئية أولية من برنامج التشغيل أو برنامج الكتابة الأساسية أو برنامج الجمع والطرح في الكمبيوتر. إن أي إشكال ولو بسيط في ذلك يوقف عمل الكمبيوتر بالكامل لعدم تراكب الجزيئات العددية مع بعضها البعض.

3.   إن مقولة العرفاء التي تجمع بين الإنجيل الفعلي والتوراة الفعلية المليئة بالمسائل المرفوضة عقليا وأخلاقيا مثل نسبة الزنا إلى الأنبياء دون أن تتأثر ذواتهم بتلك الأفعال القبيحة فيبقون رسلا لله تعالى، وبين القرآن الذي عجزوا أن يأتوا بخطإ واحد فيه؛ لهو في عمقه تناقض واضح يجمع الشيء ونقيضه فيجمع العلم واللا علم. كما أنه تضاد أحيانا فيجمع الظلام مع النور والجهل مع العلم.

4.   إذا كان الأخ القبنجي وبقية الذين رأيتهم ممن يفكرون بنفس منهجيته يعتبرون كل الأديان صحيحة وكل الأفكار صحيحة وكل ادعاءات العلم صحيحة وكل ما نسمعه في النهاية صحيح، فلما ذا يتعبون أنفسهم للرد على مناوئيهم؟ لماذا أتعب الدكتور سروش نفسه مثلا ليكتب كتبا ومقالات تعلن بأن التشيع الفعلي يناقض الاعتقاد بختم النبوة. فإذا كان يعتقد بأنه هو صحيح وبأن الذي يؤمن بعكسه صحيح أيضا فما معنى الرد عليهم؟. وهكذا الأخ القبنجي، كان من الأفضل لهما أن يجمعا الناس على شربة مسكرة ودقة مطربة ورقصة مهيجة ليستمتع الحضور بما هو ممتع فعلا بغض النظر عن أنه معصية أم لا. والاهتمام بالعلم والبحث العلمي يصبح محض هجو لا داعي له سيّما في المسائل غير المادية أو المتافيزيقية. يقول القبنجي بأن القرآن أخطأ علميا وأخلاقيا وعقليا وبلاغيا ويأتي بالأمثلة عوضا عن الدلائل ثم يقول بأن نظرية العرفاء تصحح كل شيء فكل شيء صحيح والقرآن صحيح وما في الإنجيل صحيح وما قاله السلف صحيح مع اختلاف مذاهبهم ومشاربهم!

5.   أليس صحيحا أخينا القبنحي بأنك أتعبت نفسك لتقول بأن المتناقضان يجتمعان لو كنا عرفاء؛ وهو عند العقلاء جهل مطبق؟ أتمنى أن أكون مخطئا. اسمح لي أخي الكريم أن أقدم لك شيئا يمكن أن تسميه النصح. لو كنت تريد أن تكسب سمعة طيبة في مجتمعك فعليك بأن تتخذ لنفسك مذهبا معقولا لا يدعو إلى الهمجية. العرفاء كما رأيتهم وحاولت فهمهم يمثلون مجموعة من الأدباء والشعراء وهم أهل ضلال وغواية دون أن يعلموا بأنهم كذلك. إن جهلهم مركب مع الأسف ولا يمكن للعاقل أن يعتمد عليهم. كيف يمكن لعاقل أن يعتمد على قول أحد مشاهيرهم بأن المسجد والبار سيّان لا فرق بينهما؟ إن حقيقة المسجد هي الدعوة إلى محاربة الشهوات والبارات إنّما تقوم على تحريك الشهوات فكيف يجتمعان في صفّ واحد؟ نعم يجتمعان عند العرفاء لأنهم لا يملكون منطقا أو يظنون بأن المخاطبين أرانب لا تعرف شيئا وأنهم يتأثرون بشعر أحمق يغير عقيدتهم الصلبة في ربنا العظيم خالق السماوات والأرض ومنزل القرآن هدى للعالمين.

عفوا من هذا الكلام الشديد ولكني لا أقصد به إلا أن أقف وقفة صلبة ضد الدعوة إلى سلب العقل وسلب المعقولات. يفقد العقل دوره تماما إذا قبلنا المتناقضات واعترفنا بالمتضادات. هناك سوف لا نميز بين القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والله والعبد والخالق والمخلوق.

6.   ولو أنّك دققت أخي القبنجي في كلام العرفاء فسوف تراهم كذلك. هؤلاء العرفاء هم الذين أوحوا إلى القتلة أن يقتلوا الناس بحجة الدعوة إلى الذي خلق الناس. هم الذين أوحوا إلى أهل قطر كبير أن يكتبوا على قبر عمار بن ياسر: هذا قبر سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنه الذي قتله سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه!! هم الذين أوحوا إلى أهل علم مشهورين بالحضارة الوراثية أن يؤمنوا بأن الذين ماتوا من الطيبين فهم يطيرون في الجنان وفي نفس الوقت يقفون أمام قبورهم ويطلبون منهم المعونة والتوفيق. فهل هم في الجنان أم في القبور؟ وهل الموت هو عين الحياة؟ هم الذين أوحوا إلى أهل بلد طيب ثالث أن يستعملوا كل التكنولوجيا الغربية بجانب الدعوة لقتل الغربيين جميعا لأنهم مشركون. فلماذا يستفيدون من صناعاتهم ويعالجون مرضاهم في مصحاتهم؟ وأقول بأنهم يتحدثون من وحي العرفاء باعتبار أن كل الذين يعلمونهم يظنون بأنهم عرفاء وهم لا يعلمون إلا قليلا. هم تماما مثل الذين أشهروا أنفسهم بأنهم عرفاء وهم يحملون أدبا كبيرا وأخلاقا فاضلة وعلما حسنا باللغة والشعر لكنهم لا يعلمون كثيرا عن حقائق الوجود وعن الحقيقة المطلقة جل جلاله. مصيبتهم جميعا هي الظنّ بأنهم عُلماء وهو أمر لا يبدو بأن له أساس في الواقع .

7.   ولعل الأخ القبنجي وصديقي الجديد والأستاذ الفاضل سروش جميعا يقولون بأننا يجب أن ننظر إلى كل كتاب وكل دعوة في ظروفها الزمانية والمكانية. هذا كلام جدّ صحيح وينطبق على غالبية الكتب البشرية، بل على كل كتبهم. ولكن هل بمقدور ربّ العالمين إن كان هناك ربّ للعالمين أن ينزل كتابا لا ينحصر في الزمان والمكان؟ هذا ما سنناقشه في البحث المختصر القادم.

يتبع ….

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي 


https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

9 اشكالات القبنجي – إشكالات القبنجي العلمية 3


باء: من إشكالات القبنجي العلمية:

يقول القبنجي: يستنتج من يقرأ القرآن بأن كاتبه يعتقد بوجود شمس واحدة وقمر واحد في هذا الكون. ويأتي للاستدلال على ذلك بالآية التالية من سورة نوح : وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16). 

وأما إشكالي عليه فهو أننا حينما نقرأ الآيات في سياقها نرى بأن المقصود شيء آخر، فلنفعل، يقول تعالى:

مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16).

يقول نوح – وهو برأيي أعلم أنبياء الله تعالى في كوكبنا- مخاطبا قومه: كيف لا تشعرون بعظمة ربّ العالمين وكيف لا توقرونه على الأزمان التي قضاها لتأتوا أنتم وكواكبكم؟ ألم تروا بأنه قد خلق الكائنات كلها بما فيها البشر عن طريق التطور؟ ألم تفكروا في الأنظمة الشمسية التي لا يمكن عدها وهي كلها مماثلة مطابقة لبعضها البعض؟ وقد خلق الله تعالى كل واحدة منهن وهي تستضيء بنور الشمس وتستفيد من طاقة القمر.

وقبل أن أعطي بيانا أكثر للآيات الكريمة أمهلني أيها القارئ الكريم لأرفع عن ذهنك بعض الإشكالات التي قد تثور على ما ادعيتُه أعلاه، بإذن الله تعالى. فلعل ذلك يساعدك على فهم أفضل لحقائق القرآن ويساعدني على المضي قدما في توضيح الأمور دون إعاقة.

1.   لم يعش نوح في زمن التطور العلمي ولكن عمره الطويل وتفكره الدؤوب في خلق الله تعالى جعلاه يعرف الكثير من المسائل العلمية التي لم نر في القرآن أي أثر مماثل عنها لبقية أنبياء الله تعالى. ولعل السرّ في ذكر الله تعالى لعمر نوح الطويل وحده دون غيره هو أن ينبهنا لهذه الخاصية لديه.

2.   يُحتمل أن أعمار قومه كانت طويلة أيضا. نرى نوحا في نفس السورة الكريمة يئن من قدراتهم الإعلامية. لننظر بإمعان في هذه الآيات من نفس السورة: وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)فالمكر العظيم الذي أثر في دعوة نوح هو أنهم قدموا مجموعة من الآلهة الوسطاء بين الناس وربهم في مقابل نوح الذي لم يقدم أية واسطة بين الخلق والخالق. إنني شخصيا أشعر بهذه الحرب ضد القرآن اليوم وكل زملائي يعرفون ذلك. هذه حرب إعلامية جوفاء في حقيقتها ولكنها مؤثرة في قلوب العامة من البشر، مع الأسف.

3.  يمكنكم ملاحظة المواجهة الإعلامية لنوح نفسه ضدهم في الآيتين التاليتين من نفس السورة: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9).

4.   والدليل الآخر على طول أعمارهم هو أن نوح بعكس بقية الأنبياء كان يعدهم بطول العمر في دعوته. قال تعالى في نفس السورة: يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4). والأجل المسمى يعني الأجل الطبيعي الملازم لإمكانات المخلوق. وليكن واضحا لدى السامعين بأن التطور الفكري المحصور قبل حوالي 70 قرنا كان يتطلب المزيد من الزمان في الحياة الدنيا ليحل الفكر محل التطور الطبيعي. وبغير ذلك لا يكون أخذ النماذج ممكنا من أولئك البشر الأقدمين. وأخذ النماذج هو الغاية الحقيقية من بعث الأنبياء في أزمان متباعدة وأماكن محدودة وبين الذين كانوا يؤمنون بالله فقط. هذه النماذج أو الشواهد حسب تعبير القرآن من ضرورات الحساب يوم القيامة، والعلم عند الله تعالى.

5.   كانت الطبقة التي تحارب النبي العظيم قد توصلت إلى بعض الحقائق التي تحول دون أن تتمتع باستغلال إخوانهم من الرجال والنساء من المستضعفين من بني جلدتهم وتسخيرهم لخدمتهم. ولذلك كانوا يغمضون عيونهم ويجعل كل منهم أصابع يديه في أذنيه ليحول دون أن يتأثر قلبه بدعوة الرسول المخلصة. والثياب تعني القلب للعلم وليس الثوب كما ظن عامة المفسرين. لو وضع أحد إصبعين من يديه في أذنيه فلا يبقى له يد أخرى ليستغشي بها عينيه كما قالوا. بل إنهم أغمضوا عيونهم بأجفانهم وقفلوا أسماعهم بأصابعهم فكان ذلك سببا لتغطية قلوبهم. إنهم باعتبار طول أعمارهم وتفكيرهم الطويل لمحاربة نوح أصبحوا مستعدين للاستماع إلى الحقائق الغريبة التي لم يفهمها بقية الأنبياء احتمالا ولو أنهم أتوا بعدهم وبتطور عقلي أكبر منهم دون شك.

وبعد هذا التقديم البسيط يمكننا معرفة معنى الآية الكريمة التي استشهد بها أخونا القبنجي عن غير علم برأيي. لما ذكر نوح بأنهم خُلقوا أطوارا وهو لا يعني حالات وصفات فعلية مختلفة كما ظنّ بعض العلماء من سلفنا رحمهم الله تعالى وإيانا. بل يعني أنه سبحانه خلقهم في ماهياتهم متطورين من ماهية إلى ماهية أخرى. ولذلك بدأ الكلام بعده بكلمة: ألم تروا؟ وهي تعني بأنه عليه السلام استدل على صحة كلامه حول التطور البشري من كائن إلى كائن حتى صار إنسانا، بأنه أشار إلى مماثلة خلق الله تعالى للكواكب العظيمة بنفس الطريقة. وكلمة تروا لا تعني النظر بالعين بل غالبا ما تعني النظر بالفكر والعقل لا سيما في كتاب الله تعالى. أظن بأن القارئ الكريم يشعر بأن الله تعالى لم يبعث أي نبي بين أقوام لا يؤمنون بالله تعالى بل بعثهم جميعا في أمم يعرفون الله سبحانه ويؤمنون بأنه الخالق ولكنهم يشركون في العبادة فقط. كان على الأنبياء أن يُعَرِّفوا الذين عرفوا الله تعالى على المزيد من قدرات ربهم ليطمئنوا بأنه سبحانه قادر على أن يتواصل مع أفراد خلقه مع كثرة عدهم ولا يحتاج إلى من يساعده في ذلك كما أن خلقه لا يحتاجون إلى من يتوسط بينهم وبين الله تعالى ولا إلى من يدعو ربهم لصالحهم. هذه هي حقيقة الدعوات الإختبارية للأنبياء وليس غيرها.

وقد عرض نوح بعد ذلك كيفية تطور الإنسان بأنه خُلق من نبات أنبته الله تعالى في الأرض. ذلك لأن الحياة في هذا الكوكب وما يماثله من الكواكب تبدأ من النبات وبمساعدة الطاقة الشمسية والرطوبة لتحقق التركيب الضوئي. والشمس والقمر يساعدان الأرض على أن تقوم ببث الحياة بأمر الله تعالى. ولذلك أراد نوح أن يقول لهم بأن الخلق البشري المدرك أكبر بكثير مما تعرفونه فكل الكون مليء بالبشر وليس محصورا في أرضكم. وفي كل كوكب تتم نفس العمليات التطورية ثم يُعيد الله تعالى كل الكائنات المدركة إلى أراض مماثلة لأراضيهم الدنيوية ليخرجوا مرة أخرى مع نفوسهم بلا آباء ولا أمهات لإزالة الأنساب المؤثرة بطبيعتها في حياة المدركين. ولذلك أشار نوح إلى هذه الحقيقة: وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18).

ثم يستشهد العالم الكبير نوح بما فعله الله تعالى في الأرض لإعدادها لحياة البشر بالذات فقام بعمليات كبيرة لجعل الأرض الصخرية بطبيعتها منبسطة ممهدة للبشر. انتبهوا إخواني وأخواتي لقوله العلمي: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا (20). فحدود تمتعنا بالأرض منبسطة لا أكثر. ويشير نوح إلى حقيقة علمية أخرى أظنه كان على علم بها. تلك هي أن مدّ الأرض هو السبب في خلق الوديان والطرق. والفج تعني الشق بين الجبلين. كل ذلك تحقق بمد الأرض وقد وضّحه الله تعالى في عدة سور أخرى ليقول للناس: كيف تجعلون لله أندادا من خلقه الذين يعجزون بكل تأكيد عن القيام بما قام به الله تعالى تمهيدا لخلقهم بضعف بدني وقوة فكرية، وهما أمران متلازمان؟.

يتبع ….

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/