اللباس والطعام في القرآن- عن الحجاب والطعام


بسم الله الرحمن الرحيم

حديثنا اليوم حول اللباس والطعام في الإسلام. ونبدأ باللباس. لا نقصد باللباس كل ما يلبسه الناس بمختلف أجناسهم فهي ليست شأنا قرآنيا والله تعالى خيرنا بحق في شؤوننا الشخصية والحضارية. لكنه سبحانه شرع بعض الأوامر التي تساعدنا على صيانة أنفسنا وعوائلنا وأممنا في الدنيا وتجلب لنا الرضوان في الآخرة. فليس في القرآن أي حديث عن اللحية والملابس الطويلة والقصيرة ولبس الذهب والفضة وكل توابعها والتي يتعرض لها الفقه الإسلامي وكذلك المحرفات اليهودية. لم يأمر الله تعالى أنثى بأن تلبس الجلابيب أو الخمر أو الثياب بل كانوا يلبسونها ولكن الله تعالى أمر المسلمين بأن يستفيدوا من نفس الملابس للمزيد من الصيانة والوقاية.

ثم إنني أنا لست من دعاة خلع الحجاب بل أنا من الذين يشجعون الحجاب الإسلامي للأخوات الكريمات ولكن ليس من حقي ولا من حق غيري أن نقول بأن الله تعالى أوجب شيئا لم يذكره سبحانه في القرآن بصراحة ووضوح. ولنكن واقعيين فإننا كمسلمين نؤمن برسالة نبينا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام الذي احتضن كتابا واحدا اسمه القرآن وكل المسلمين وهكذا الذين عاصروا الرسالة المجيدة من اليهود والنصارى معترفون بأن هذا القرآن هو قرآنهم. لم يخلف الرسول أي كتاب آخر ولم يكن له ولصحابته أي كتب أخرى عدا القرآن المصون الباقي والتوراة والإنجيل الذين تعرضا للتحريف. كل الأحاديث  والروايات كتبت فيما بعد ومرت جميعها على حكومات العباسيين المهتمة بالأحاديث لتوطيد كيانها. لم يتعهد الله بصيانة أي كتاب غير القرآن وليس بيدنا أي كتاب ولو ادعاء بتأليف الرسول أو أي من صحابته أو أي من الخلفاء الراشدين أو أي من التابعين.

فكلما يُنسب إلى الله تعالى خارج القرآن باطل ومردود ولا عبرة به عند المحققين من المسلمين.

لكننا في نفس الوقت نعيش على سنن غير واردة في القرآن ولا يمكننا التخلي عنها مثل:

كيفية الصلوات اليومية وبقية الصلوات الواجبة والمستحبة.

الكفن والدفن للموتى.

ذبح الحيوانات بقصد التذكية لتكون صالحة شرعا للأكل.

رمي الجمار في الحج. وبعض السنن الصغيرة مثل:

الدفن في مقابر المسلمين؛

الختان للذكور فقط؛

طقوس الزواج من الخطبة والنكاح والزفاف مع ما يصاحبها من تقديم الأكل والحلويات وغير ذلك كإعلان لتشكيل أسرة جديدة.

الوصية قبل الموت. ووو

لكن الخلافات المذهبية التي بدأت خلافات سياسية ثم اشتدت وتفاقمت وتحولت إلى نصوص دينية تفيد تقسيم المسلمين إلى شيعة وسنة وكل منها إلى مذاهب صغيرة مختلفة؛ هذه الخلافات صاحبتها أحكام وتشريعات خاصة بها لتميزها عن غيرها. هذه الخلافات مرفوضة من أساسها قرآنيا وباطلة ولا يجوز الالتزام بها إطلاقا لو كنا نعتقد بالقرآن الكريم لكنها موجودة. كل أصحاب المذاهب يسعون لأن ينسبوا تشريعاتهم الموسعة إلى الرسول أو إلى ذريته ويوصلونها إلى الله تعالى معتبرينها وحيا ثانيا خارج وحي القرآن. معاذ الله.

ولذلك لا يمكننا كمسلمين نحب الله تعالى ورسله الكرام وكتبه السماوية الشريفة أن نتبع ما يقوله أصحاب المذاهب؛ كما لا يمكننا أن ننسب السنن الموروثة إلى هذه الكتب والزبر البشرية غير المرتبطة بالوحي. فمن حقنا أن نصلح السنن لو رأيناها تخالف القرآن لنعيدها إلى أصولها.

Vector – arab family with placard, muslim people, saudi cartoon man and woman. Muslim family with sign.

سنة الحجاب:

ولننظر الآن إلى سنة الحجاب المنتشرة بين المسلمين بأشكال مختلفة:

1. النقاب الكامل بحيث لا يرى أحد أي شيء من جسم المرأة أو حجم جسمها وبعض المتشددين يسعون ألا يذكروا أسماء الفتيات والنساء بل يشيرون إليها بالكنى أو يختلقون أوصافا لهن.

2. تغطية وجه الأنثى من ساعة ميلادها حتى موتها بحيث لا يراها أبوها وإخوانها وزوجها! و ليت شعري كيف تتزوجن؟؟

3. الحجاب المعروف اليوم بالحجاب الإسلامي وهو تغطية الشعر وبقية البدن عدا الوجه والكفين.

4. الحجاب الإسلامي المصغر الداعي إلى وضع لفافة على الرأس فقط وترك الوجه والرقبة واليدين وحتى الساقين أحيانا مكشوفة بارزة.

فليست هناك سنة واضحة متوارثة من أيام الرسل المكرمين في الواقع بل الأمر خلافي بكل معنى الكلمة. وكل هذه الأنواع من الحجاب موجودة لدى اليهود وبعض المسيحيين مما يدل على أنها كانت معروفة بين أصحاب الديانات السماوية برمتها وكلها مختلفة وغير متفق عليها.

لكننا كمسلمين ننظر إلى التاريخ الإسلامي على ما ينطوي عليه من مفتريات لنجد بأن الرسول عليه السلام عاش مع الصحابة الرجال والصحابيات وكلهم يروون عنه. ولم يكن للرسول سماعات ولا أجهزة تلفاز بل جلسوا معا أمامه في مجلس واحد. كان الأمر كذلك برواية المؤرخين أيام الخلافة الراشدة وأيام بني أمية ولكن بني العباس فصلوا بين الرجال والنساء في مجالسهم.

والتاريخ المسيحي يذكر بأن المسيح تحدث إلى الجنسين معا ونرى عمليا بأن مسألة صعود المسيح عليه الصلاة والسلام إلى السماء بعد دفنه منسوبة إلى امرأة وليس إلى رجل كما يعتقد به المسيحيون.

ولا يذكر اليهود المتشددون أي تاريخ لديهم بأن موسى فرق في مجالسه بين النساء والرجال بقدر معلوماتي المتواضعة.

ولننظر الآن إلى الطقوس الدينية:

إن أهمها هي الحج بالنسبة للأديان الثلاثة فنرى بأن الجميع يزورون القدس والكعبة وحائط المبكى دون تفريق بين الجنسين. المسلمون والمسلمات يختلطون تماما في الطواف والسعي والصلاة في المسجد الحرام ولا يفرقون بين الجنسين ولا يهتمون بأن تقف النساء خلف الرجال. كل المذاهب المختلقة بشريا تحرم تغطية الوجه للمرأة. وكلهم يقولون بأن أهل مكة كانوا يفرقون في الطواف بين الجنسين فيطوف الرجال في النهار وتطوف النساء في الليل ولكن الرسول منع من ذلك وأمر بأن يطوف الرجال والنساء معا ولا تغطي امرأة وجهها.

فمن أين أتى النقاب؟ ليس النقاب إسلاميا ولا مسيحيا ولا يهوديا.

إنه عادة بابلية ومجوسية للتفريق بين الحرائر والإماء ولا ارتباط لهذه العادة السيئة بالأديان السماوية.

ولننظر إلى القرآن لنختصر الطريق:

قال تعالى في سورة الأحزاب: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل ِلأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59) لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاّ قَلِيلاً (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (62)

فلننظر بدقة إلى الآيات التي سبقت ولحقت آية الحجاب لنراها تتحدث عن توجيه البهتان إلى بعض المؤمنات من قبل المنافقين وبأن حكم الحجاب نزل لحماية المؤمنات من مثل هذه التهم. لا تأمر الآية بإضافة أي لباس إلى المرأة بل تأمر بالاستفادة من جلابيبهن ليدنينها عليهن. والسبب في ذلك هو أن يُعرفن بالشرف والفضيلة فلا يتعرضن للأذى.

ثم لننظر إلى السبب الداعي إلى أن يأمر النبي وليس الرسول أزواجه وبناته بأن يدنين عليهن من جلابيبهن. ألا يعني ذلك بأن بعض أزواج النبي على الأقل وبعض بناته لم تفعلن ذلك من قبل؟ ومن هن بنات النبي؟ أنا شخصيا لم أر في القرآن أي بنات للرسول عدا فاطمة كما أنه عليه السلام لم ينجب ذكورا. قال تعالى في سورة الأحزاب: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40). ولو كانت الآية آية حجاب فإنهن لم يكن محجبات.

ثم ما معنى يدنين عليهن من جلابيبهن؟ لنقرأ آية الحجاب الثانية لعلنا نعرف المعنى:

قال سبحانه في سورة النور:

قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31).

لنمعن النظر في الآيتين:

1. هناك أمر للمؤمنين والمؤمنات معا بأن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم. فكما أن المرأة مسؤولة عن غض البصر حماية للفروج فإن الرجل مسؤول أيضا دون تفريق بينهما. الغض يعني تخفيض النظر أو الصوت. فليس هناك منع كامل من النظر ولكن هناك منع من التعمق في البصر حماية للفروج. فمعناها بأن النظر غير المؤدي إلى الشهوات مباح ولكن النظر المصاحب للشهوات محرم على المؤمن وعلى المؤمنة على السواء. والآية تأمر كلا منهما أن يغضا الطرف حماية لفرجه وليس حماية لفرج الآخر. ولم يذكر القرآن الكريم عقابا لمن يخالف هذا الأمر فهو أمر إرشادي أكثر من يكون أمرا تشريعيا.

فما معنى الفرج: الفرج كما يقولون هو الشق بين شيئين وكني بنفس الكلمة عن السوأة حسب تعبيرهم فاستعمل الله تعالى الفرج للعضوين التناسليين للذكر والأنثى.

ولكنني أظن غير ذلك. وظني لا يغير المعنى ولكنني أظن بأن كلا العضوين فرجان ولكن العضو الذكري مقفول على باطنه وهو الجزء الحساس والعضو الأنثوي مصنوع على الأصل ولذلك اكتشفوا اليوم بإمكانية تحويل الجنس إلى جنس آخر دون إيجاد عضو الإنجاب أو الرحم وكذلك مستلزمات الرضاعة لدى المرأة. فاستعمال الفرج في القرآن للعضوين قد يكون استعمالا مقصودا وابتدائيا لعلم الله تعالى بهذه الحقيقة فهو قد يكون بمثابة إعجاز قرآني في الزمن الغابر.

فيعني بأن على المؤمن ألا يسعى لتحريك شهوته بالنظر إلى المؤمنة وعلى المؤمنة مثل ذلك. فقولهم بأن على النساء ألا يحركن شهوات الرجال غير وارد في هاتين الآيتين. لكن العقل يحكم بذلك لأن تحريك شهوة الفرج مشترك بينهما لكن التأكيد على حماية النفس أكثر من التأكيد على حماية الغير. فمن حمى نفسه من طغيان الشهوة فإنه يحمي الطرف الآخر أيضا فيتحقق الحكم العقلي بهاتين الآيتين الكريمتين.

2. يضيف الله تعالى حكما آخر على حكم غض البصر للمؤمنات وهو: ولا يبدين زينتهن. فما هي الزينة أولا؟ إن الزينة مشروحة في آخر الآية الكريمة وهو: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن. والزينة الخفية التي تظهر بضرب الرجل هي الخلخال الذي يطوق الساق. نعرف من المقطع من الآية الكريمة بأن الحديث عن المؤمنة التي تخفي سيقانها فنعرف بأن إظهار السيقان غير مسموح. فليست الزينة بدنية ولكنها الحلي والمجوهرات التي تزين البدن.

3. نحن نعرف من آية سورة النساء بأن العم والخال مَحرمان للمرأة ولكنهما غير مذكورين في الآية الكريمة؛ كما نعرف بأن العبد غير محرم مع المرأة ولكنه من المسموح له بأن يتعرف على زينة مخدومته. ونعرف من سورة يوسف بأن علاقة الشهوة بين العبد ومولاته غير مصانة بل هي قابلة للظهور بقوة كما حصل من زوج العزيز بالنسبة ليوسف. مع ملاحظة هذه المسائل يضطرب موضوع الحجاب من هذا المقطع من الآية على الأقل. فبداية الآية عن الحجاب ولكن عدم إظهار الزينة ليس مرتبطا بالحجاب. والتفسير المعقول لهذا المقطع الكبير من الآية الكريمة هو أن الله تعالى يريد المحافظة على النساء من اللصوص الذين يطمعون في سرقة زينة النساء فقد تصاحب السرقة اعتداء على شرفهن أيضا. ولذلك يفقد العم والخال أهمية درايتهما بما تملك المرأة من زينة لسبب آخر وليس لبيان المحرمية. لكن الله تعالى سمح للمرأة ألا تخفي زينتها عن صديقاتها بقوله نسائهن وكذلك عن خدمها لأنهم يعرفون ما تملك سيدتهم من زينة ولا خطر عليها من ناحيتهم. وأما العم والخال فقد يكونا فقيرين ويريدان أن يطلبا يد الفتاة الغنية لأحد أولادهما فالله تعالى يحب ذلك كما يبدو لي ولكن لا يحب أن تبدي الفتاة الغنية زينتها لهما فيخجلا أو يتباطئا في طلب الزواج. بالطبع هذا مجرد احتمال.

4. وأما ما ظهر من الزينة المذكور في بداية المقطع الكبير من الآية فهي القطع الذهبية الصغيرة التي تتحلى بها النساء كالخواتم والأسورة التي لا تنطوي على المزيد من الذهب وغير ذلك.

5. والآن نعود مرة أخرى إلى المقطع الكبير من الآية بعد انتهاء الأمر بغض البصر لنراها مؤلفة من جملتين مختلفتين. فالنهي من إبداء الزينة مكررة يبدأ بموضوع كامل ثم تبدأ جملة أخرى حول عدم إبداء الزينة. الجملة الثانية اقتصادية والجملة الأولى ليست اقتصادية في الواقع. إن تلك الجملة هي التي تمثل حقيقة الحجاب الواجب وهو واجب على كل المؤمنات سواء كن حرائر أم إماء. هي هذه فلنقرأها مرة أخرى ونفكر فيها: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. هكذا فرق الله تعالى بين المؤمن والمؤمنة في وجوب حماية الفروج بإضافة هذه الجملة الكريمة في الآية المباركة. فيجوز إظهار بعض الزينة التي هي فوق الجيوب وهي الزينة المضافة إلى الوجه ولكن الجيوب غير مسموحة. فما هي الجيوب؟

الجيب والجوب متقاربان في المعنى وهو الخرق ولكنهم استعملوا الجوب لقطع الصخور ولقطع الكلام جوابا واستعملوا الجيب لخرق في القميص ليدخلوا فيه الرأس. وأما الجيوب المتعارفة بيننا فهي لم تكن مستعملة يوم نزول القرآن احتمالا. وبما أن النساء كن ولازلن مهتمات بتضخيم الشعر أحيانا كسمة من سمات الجمال وكن يستعملن الدهون والزيوت المعطرة ولذلك كن يكبرن جيوب القمصان ليدخل الرأس في القميص دون أن يمس الشعر. ولا ننس بأن الخيوط المطاطية والأزرة لم تكن متوفرة آنذاك. ولو كان الله تعالى يريد إخفاء الشعر لأمرهن بأن يقلصن من فتحات الجيوب لكنه سبحانه لم يفعل ذلك، كما أنه سبحانه لم يأمر بإضافة قماش أو منديل لتغطية الصدر بل قال: وليضربن بخمرهن على جيوبهن. بمعنى أنه سبحانه علَّمهن أن يضربن وهو مثل يرمين طرفا من أطراف خمرهن على جيوب القمصان حتى يخفين الصدور لأنها أكثر الأعضاء إثارة للجنس الآخر.

فقولهم بأن الخمار يمثل غطاء الرأس لهو قول سخيف فهل يُعقل أن نتصور بأن النساء كن يغطين شعورهن ولكنهن يفتحن صدورهن؟ لو فعلت أنثى ذلك لقلنا بأنها تدعو إلى الفاحشة وتريد أن تتنكر حتى لا يتعرف عليها أهلها وهذا الأمر غير وارد في أمة مسلمة تحتضن أعظم كتاب في الأرض وتحتضن خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام. فالخمار ليس غطاء الرأس وسبب تسميته بالخمار هو باعتبار أن الخمر يُسكر فهو لباس جميل يسكر الجنس الآخر وقد يكون هو المرط أو الجلباب أو أن يكن ملابس مشابهة لها ذيول.

والآن نرجع إلى الآية الأولى التي تركناها من سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل ِلأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59).  فالجلباب كالخمار لباس كن يلبسنه وله ذيول أيضا ولكن الجلباب احتمالا يغطي قسما من الصدر ولعلهن كن يلبسنه حينما يصنعن شعورهن على شكل ضفائر دون نفش فقال سبحانه بأن يدنين من هذا الجلباب شيئا إلى أبدانهن ولم يتحدث عن الجيوب. فالجلباب أيضا ينطوي على ذيول قد يغطي المتن وتنزيلُه باتجاه الصدر يساعد على تغطية الصدور فيختفي عضو الجاذبية في الصدر. هذا كل الحجاب في القرآن ولم يذكر الله تعالى أي عقاب لمن لا يعمل بالحجاب فكل ما يقولونه من عقاب دنيوي أو أخروي فهو كلام بشري لا ارتباط له بالقرآن الكريم ولو نسبوه إلى الله تعالى اعتبرناه فرية وكذبا على الله العظيم جل جلاله.

وفي الختام أعود فأكرر رأيي بأن تلتزم الأخوات المكرمات بالحجاب لسبب آخر وهو ليس سببا شرعيا ولا دينيا ولكنه اجتماعي. واسمحوا لي أن أشق ذلك السبب شقين:

الشق الأول: أن الحجاب أصبح علامة المرأة المسلمة الملتزمة كما أنه علامة المرأة اليهودية والمسيحية الملتزمة فكيف يروق لأخواتنا المكرمات أن يرين المسيحيات واليهوديات المؤمنات يرتدين الحجاب المعقول وهو تغطية الرأس وإظهار الوجه وقسما من اليدين ولكنهن يتمثلن بغير الملتزمات؟

الشق الثاني: هو أن الله تعالى أمر رسوله بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ومدح أهل مكة بأنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف كما قال في سورة آل عمران: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110).  والمعروف اليوم بين نساء المسلمين أن يرتدين هذا الحجاب البسيط الذي لا يخالف أمر الله تعالى بأن يتعاون الناس مع بعض وبأن يسير الجنسان جنبا إلى جنب كما هو في مركزنا الأساسي في مهبط الوحي الختامي مكة. ومن المؤكد أن النقاب وما شابهه يفصل المرأة عن الرجل وقد يكون محرما لأسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا.

وأما الطعام:

و مقصودنا من الطعام هو اللحوم المحللة وطريقة تذكيتها. سوف لا نتحدث كثيرا عن المحللات وسوف نركز على التذكية ونبين معنى أمر الله تعالى بأن نذكر اسم الله عليها بكل تفصيل بإذن الله تعالى.

وقبل البدء يجب أن نعرف قليلا عن المدلولات اللفظية لأننا نعرف القرآن أو مفاهيم القرآن عن طريق اللغة والألفاظ والجمل المستعملة لبيان الأحكام والمفاهيم التي يريد الله تعالى أن يوصلها إلينا.

فالقرآن يصرح بأنه منزل بلسان الرسول الأمين وأهله. قال تعالى بالنسبة لكل الرسل في سورة إبراهيم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4).

وقال سبحانه في سورة مريم بالنسبة لرسولنا الكريم: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (97).

وقال سبحانه في سورة الزخرف بأن القرآن له ولقومه: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44). كما أكد سبحانه في الآية الكريمة بأن رسولنا وقومه سوف يُسألون عن هذا القرآن وعن استمساكهم بالقرآن. والذي نلمسه مما وصل إلينا هو أن المسلمين لم يخلفوا كتابا غير هذا القرآن وبأن كل ما كتب بعد الرسول يعود تاريخها إلى ما بعد وفاة آخر صحابي ممن عاشوا مع رسول الله. فالوحي هو هذا القرآن وليس غيره وهو ثابت لدى جميع المسلمين ولدى جميع المؤرخين من غير المسلمين أيضا.

وأما اللسان فهو ما نطق به الذين احتاجوا إلى التواصل مع بعضهم البعض من قديم الزمان. كانت هذه الحاجة موجودة لدى الحيوانات والإنسان ولكنها ليست بدرجة واحدة. فالحيوانات تأكل وتشرب الموجود ولا تقوم بأية معالجة مثل الطبخ والتخمير والعصر والتبخير وغير ذلك. كما أنها لا تضحك ولا تقتني الملابس ولا تبني البيوت ولا تقيم المصانع ولا تستعمل المراكب ولا تقوم بالتسويق ولا تمارس أي نوع من أنواع المبادلات التجارية.

وأما الإنسان وباعتبار النفس الإنسانية يحمل القوة على خلق اللغة ولكنه يسعى للاستعانة بقدراته عند ظهور الحاجة. وقد ظهرت الحاجة بالتكاثر وانطلقت الألسن بما نسميه اليوم اللغات وانتهى الأمر. جاء القرآن من بعدهم واستعمل لسانا عربيا متكاملا لبيان ما يريد الله تعالى أن يبلغه لعبيده وهو لسان أهل مكة. استعمل القرآن لسانا موجودا فلا يمكن لنا أن نخترع قواعد لاستكشاف معاني سواء على أساس الأصوات أو على أساس المناهج اللفظية الأخرى. كلها مناهج جميلة وبديعة ولكنها لا يمكن أن تخدمنا لفهم كلام منزل من قبل أن نتطور في استحداث كلمات ومعاني جديدة. كلما نفعله لو وافقت عليه الأمم البشرية فهو يفيد المستقبل ولا يمكن أن يمثل الماضي.

أما بعد هذه المقدمة القصيرة نأتي إلى مفهوم التذكية الواردة في القرآن مرة واحدة فقط ونقرأ الآية الكريمة من سورة المائدة:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ِلأِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3).

ذكى يعني شعل وذكّى يعني أشعل. لم يأت أحد بشاهد عربي من شعر أو نثر ليعطي معنى آخر. لكن أرباب اللغة قالوا بأن العرب استعملوا الجذر لبيان شدة الذكاء كقولهم: فلان شعلة نار، بمعنى شديد أو حاد الذكاء. كما وصفوا الشيخ مذكيا باعتبار تجاربه ورياضاته.

وقال ابن فارس في مقاييس اللغة:

الذال والكاف والحرف المعتلّ أصلٌ واحد مطّردٌ منقاس يدلُّ على حِدَّةٍ [في] الشَّيء ونفاذٍ. يقال للشَّمس “ذُكاءُ” لأنَّها تذكو كما تذكو النّار. والصُّبح: ابنُ ذُكاءَ، لأنّه من ضوئها. ومن الباب ذكَّيتُ الذَبيحة أُذكّيها، وذكّيت النّار أذكّيها، وذَكَوْتُهَا أذْكُوها.   انتهى قول ابن فارس.

ولعمري لم يقولوا كيف صار حدة النار أو شعلة النار بمعنى ذبح الحيوان؟ لم يدروا ولا أدري. لقد استعملها العرب بمعنى شدة الرائحة فكأن العبير يشتعل لكن ليس بيدنا أي دليل على أنهم استعملوا الجذر لذبح الحيوان أو لما يقارن الذبح.

وكلي ظن بأن أول من وظف الجذر بمعنى ذبح الحيوان المعد للأكل أو ما يقارن الذبح ليصير الحيوان حلالا هو القرآن الكريم.

وجاء من بعد القرآن من أيد القرآن. ذكر ابن منظور في لسان العرب:

والذَّكاءُ في الفَهْمِ: أَن يكون فَهْماً تامّاً سريع القَبُولِ. ابن الأَنباري في ذَكاءِ الفَهْمِ والذَّبْحِ: إنه التَّمامُ، وإنّهما ممدودانِ.   انتهى قول ابن منظور.

إن ما قاله ابن الأنباري رحمه الله تعالى لا يزيدني إلا ضحكا. ذكاء الفهم وذكاء الذبح؛ إنها محاولة يائسة بائسة وليست محاولة صائبة برأيي والعلم عند المولى جل وعلا.

وقالوا بأنهم لو وصلوا إلى الحيوان المقتول بسبب آخر غير الذبح وبه رمق أو حسب تعبيرهم الخاطئ روح ثم قطعوا أوداجه صار حلالا.

لا أظن بأننا يمكن أن نستنتج هذا المعنى من شبه جملة: إلا ما ذكيتم. ولو قال أحد بأن التذكية تعني إشعال النار في الحيوان الميت لكان أصح من قول المفسرين ولكنه بالتأكيد ليس صحيحا. فليس لإشعال النار في الميتة أثرا لتحليل الحيوان؛ ولو فرضنا بأن إشعال النار في الحيوان هو لإحراق الحيوانات الميكروبية الضارة فلا فرق حينئذ بين الحيوان الذي هو في طريق الموت بسبب غير الذبح والحيوان المذبوح.

فالتذكية مرتبطة بأمر بعيد عن بدن الحيوان وهي شبيهة بالذكاء بمعنى الفطنة المشتعلة أو حدة الذهن. لا يكفي بأن ترى الحيوان في غمرات الموت ثم تقطع أوداجه برأيي ولكن يجب أن تقطع الرقبةَ والحيوانُ بكامل شعوره بمعنى أن أسباب الموت المذكورة في الآية لم تكن قد أثرت في إحساس الحيوان بالحياة وفي الدفاع عن نفسه.

وما يقوله العلماء بأن الإدراك مرتبط بالتفاعلات الكيماوية في بعض أعضاء البدن لا يزيدني إلا ضحكا أيضا. إن كل ذي وجدان يشعر بأن الحيوانات كلها حتى التي ليس لها مخ مثلنا كالحشرات فإنها تتميز عن النبات بوجود مركزية حاكمة في كيانها مما يَفقدها الأشجار والنباتات برمتها. فلا تشعر الشجرة بأننا قطعنا أغصانها ولا تدافع عن نفسها ولكن الذبابة تشعر وتدافع عن نفسها. فللذبابة شيء شبيه بالنفس ولكنه ضعيف يكفي لإشعار الذبابة بوحدة كيانها وبأن كل أعضائها تُدار بتلك الطاقة المركزية تماما كالنفس المدركة لدى الإنسان.

والتذكية برأيي تعني تحريك النفس الحيوانية الشاعرة بأمر مرتبط بذكر اسم الله تعالى عليها، فلننتقل إلى هذه المسألة.

قال سبحانه في بداية نفس الآية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ. فما معنى أُهلَّ بداية؟

أُهلَّ هو المبني للمجهول من أَهلَّ وهو في الأصل بمعنى رفع الصوت حين رؤية الهلال. ثم استعملوا الفعل لكل أمر مهم أو مفاجئ مطلوب يستقبلونه بالنداء والصوت. قال يزيد لعنه الله تعالى حينما قدموا له رأس الحسين عليه السلام في أشعاره السخيفة التي يرجو فيها أن يكون أسلافه حاضرين ليروا حفيدهم الفاسد الطاغي كيف انتقم لهم من بني هاشم:

لأهلوا واستهلوا فرحا      ثم قالوا يا يزيد لا تشل

شلت يداه في النار. وهو يعني بأنهم سوف يهلهلون بأصواتهم فرحا بالانتقام من قتلى بدر. والإهلال بالله تعالى على الحيوان يعني قول لا إله إلا الله أو ما في حكمه عليه. والعرب تستعمل هذه الكلمات المختصرة لبيان بعض الجمل المعروفة:

حوقل أو تحولق: قال لا حول ولا قوة إلا بالله.

بسمل أو تبسمل: قال بسم الله الرحمن الرحيم.

حي: قال حيهل كما نقول في حي على الصلاة وتعني حيهل على الصلاة.

أهل أو استهل: قال لا إله إلا الله.

والمقصود من الإهلال هو الاستبشار بأمر كما عرفناه من شعر يزيد. فحينما يسوقون الحيوان للذبح بقصد الأكل فإنهم يستبشرون به ويقولون أمرا يدل على الشكر أو إظهار الفرح. فالإهلال بالحيوان كان مرسوما ولكن الله تعالى منع أي إهلال لغير الله تعالى. فلا يجوز أن نهل على الحيوان حتى باسم رسول الله عليه السلام. ليس هناك في الأرض من يقوى على دفع قيمة هذه الحيوانات التي مر على تطويرها مئات الملايين من السنين ولكننا ندفع قيمة التنازل عنها فقط والمالك الحقيقي هو الله تعالى الذي طورها بقصد أن تكون غذاء لنا فعلينا بأن نشكره سبحانه ولا نذبح الحيوان باسم غير الله تعالى. وهذا برأيي غير التسمية الواجبة عند الذبح أو النحر.

قال تعالى في سورة الحج: وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28). هذا هو الإهلال بالحيوان وليس كل الحجيج يذبحون ولكنهم جميعا يذكرون اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. هناك بين الحجيج فقراء يأتون إلى الحج ليأكلوا مما يذبحه الأغنياء.

ولنعرف معنى ذكر اسم الله على ما رزقنا من بهيمة الأنعام:

لاحظت أن فقهاء الشيعة يذكرون نوعا خاصا من التكبير يوم عيد الأضحى وهذا التكبير لا علاقة له بذبح الحيوان، فيقولون: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر على ما هدانا والشكر له على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الأنعام.

أظن بأن هذا هو المقصود من آية سورة الحج لكل من يدخل مكة أو يصلي صلاة عيد الأضحى في بلده بأن يتذكر خلق الأنعام الثلاثة الصغيرة، البقر والمعز والضأن في مكة ويشكر الله تعالى عليها. ولذلك لم يقل سبحانه ليذكروا اسم الله عليها بل قال ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.

ولنعد إلى الآية الأصلية مرة أخرى لنقرأها متلوة بآيات أخرى موضحة فالأولى وهي في سورة المائدة كما ذكرت: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ِلأِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3).

وأما الآيات الموضحة لذكر اسم الله تعالى فنعود إلى سورة الحج ونقرأ كل هذه الآيات:

لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34)

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40).

لنلاحظ الآية الأخيرة فهل ذكر اسم الله في الكنائس والمساجد والبيع والصلوات تعني شيئا غير أن نأتي باسم الله تعالى فيها بصوت مسموع؟ وهل هناك من يقوم بعمل غير هذا في أماكن العبادة؟ لاحظوا بأن الآيات متتالية وهي في سورة واحدة.

والآن لنتحدث بكل صراحة عن الأمر الذي حدا بالإخوة المكرمين أن يدعونا إلى هذا البيت البديع وهذه الأسرة الكريمة لنتحدث عن موضوع الطعام. أنا شخصيا أحب كل الناس بلا استثناء بغض النظر عن الدين والمذهب ولكنني أكره القتلة وأتمنى موتهم حتى لو كانوا مسلمين أو كانوا من أقرب الناس إلي. كما أحب كل أعضاء المودة وهي الجمعية التي أسسها الإخوة وتشرفت بالعضوية فيها بلا استثناء لأنهم جميعا اجتمعوا لفهم القرآن كما أحترم آراء أفرادهم فردا فردا.

ولذلك فأنا هنا لا أنتقد شخصا بعينه ولكن من حقي بل من واجبي أن أنتقد الفكر وفي هذه المسألة بالذات فإن ذلك الأخ الكريم هو الذي انتقد كل اليهود وكل المسلمين وكل الرسل الذين أتوا مع موسى حتى خاتم النبيين وانتقدني أنا أيضا. فأنا هنا لست منتقدا ولكنني أرد على انتقاده فقط. لا يوجد في الأرض كتاب ولا قصة ولا تمثيلية قديمة أو حديثة حتى يومنا هذا ولا صور ولا قصص تقول بأن اليهود أو المسلمين قتلوا الحيوانات لأجل الأكل بدون الجهر باسم الله تعالى عليها. إنه بالنسبة لي أول من قال وبنى أساس بحثه على تفسير خاص به للألفاظ التالية فقال:

الذكر: هو استدعاء الأمر من مكان الحفظ.

الاسم: هو الرمز القادر على ربط وتفعيل العناصر المكونة للاسم حتى يكون فاعلا.

الله: هو القانون المسيِّر لهذا الكون.

وكتبت ردا مختصرا عليه وردا مفصلا. نشرت المختصر واستفسرت عن من يطلب المفصل فلم يطلب أحد ذلك فاكتفيت بالمختصر ولا زال الرد المفصل محفوظا عندي لمن شاء أن يطلبه مني فأتشرف بإرساله إليه. واسمحوا لي في أن أقرأ عليكم الرد المختصر مشفوعا ببعض البيان إن كان لدينا وقت:

الذكر: هو استدعاء الأمر من مكان الحفظ.

الاسم: هو الرمز القادر على ربط وتفعيل العناصر المكونة للاسم حتى يكون فاعلا.

الله: هو القانون المسيِّر لهذا الكون.

كيف يثبت أخي قصي بأن الله تعالى قصد هذه المعاني؟ إن الأخ قصي لم يتحدث أبدا عن إثبات هذه التعاريف من واقع القرآن ولا من واقع اللغة العربية. أو يثبت بأن ما قاله اللغويون في هذه المفردات مغاير لفهم الذين أنزل عليهم القرآن في البلد الحرام ويثرب. ثم إن كل التعاريف الثلاث مغاير لفهم الذين قرأنا عنهم من الماضين والحاضرين. هل هناك مسلم يقول بأن الله هو القانون؟ نحن المسلمون وكذلك إخواننا اليهود والمسيحيون نؤمن بأن الله تعالى هو شيء ليس كمثله شيء وهو وراء القانون وليس هو القانون. لو قلنا بأن الله هو القانون فقد نفينا وجود واجب مهيمن على كل المخلوقات بل أثبتنا بأن كل الحركات عبارة عن تفاعلات طبيعية مع بعضها البعض ضمن قانون الطبيعة مثلا. هذا التعريف الذي تفضل به الأخ قصي لله تعالى هو تعريف فلاسفة عصر التنوير في أوروبا الذين أرادوا إثبات عدم حاجة الكون إلى الله تعالى باعتبار أن قوانين الطبيعة تقي الكون وتتفاعل كل الكائنات مع بعضها البعض دون الحاجة إلى مدبر. 

ولو قلنا ذلك فما معنى اهتمام الزميل الفاضل بالقرآن وهو كتاب ينطوي على جمل ومقاطع لا يمكن أن ننسبها إلى الطبيعة بل هناك إله مهيمن وراء هذا الكتاب.

وهكذا تعريفه للذكر فهو غير منسجم مع أبسط فهم لبعض الآيات. فمثلا قوله تعالى في سورة البقرة: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ (152). فهل الله تعالى يستدعي أمرا من مكان الحفظ حينما يذكرنا وهل هناك مكان للحفظ في كيان الله تعالى؟ معاذ الله. إن كل أمر حاضر أمامه ولا يحتاج إلى أي استدعاء.

وأما بيانه للاسم؛ فإن نفس البيان يشتمل على دور باطل برأي المناطقة. لو كان للاسم عناصر مكونة غير حروفه فكيف يكون نفس الاسم قادرا على ربط وتفعيل العناصر المكونة لنفسه؟ سيكون معنى تعريف الزميل هو: الاسم رمز لتفعيل عناصر الاسم الذي هو رمز لتفعيل عناصر الاسم الذي هو رمز لتفعيل عناصر الاسم الذي هو رمز…. إلى ما لا نهاية. أو ببيان أكثر سهولة: الاسم رمز للاسم الذي هو رمز للاسم…. أليس هكذا تعلمنا حينما درسنا المنطق أم أننا نريد أن نرفض المنطق؟

وأما أصل الموضوع فإنكم تطرقتم لموضوع لا يختلف اثنان على أنه من أحكم المواضيع القرآنية. لعلك تقبل بأن آخر حكم أنزل على المسلمين هو حكم الذبائح وأن آخر حكم في التوراة هو حكم الذبائح أيضا. لعلكم لاحظتم بأن الله تعالى اعتبر بيان ذلك الحكم إكمالا للدين وإتماما للنعمة. فهل من حقنا أن نأتي بمعنى جديد للمحكمات التي سار عليها سلفنا؟ هل يجوز لنا القول بأن كل المسلمين لم يعرفوا معنى آية محكمة مثل آية الذبائح؟ هل لم يعر ف الرسول محمد عليه الصلاة والسلام معنى الآية الكريمة وهو الذي أمره ربه ليبين القرآن لقومه؟ إنه قام بالذبح وقام أهله وصحابته بالذبح مع ذكر اسم الله (بسم الله، الله أكبر أو ما يشابههما) بطريقة نرى اليوم كل المسلمين بمختلف طوائفهم يأتون بها فكيف يمكن أن نقول بأنهم جميعا أخطأوا؟

أخي الكريم: إنك تعرضت لسنة عملية سار عليها كل المؤمنين بالكتب السماوية على الأقل. سار عليه الذين هادوا قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة (ذكر اسم الله مع عملية الذبح) والذين قالوا إنا نصارى والذين آمنوا بالقرآن. ولو نمعن في الكتاب الكريم فسنرى بأن إبراهيم قام بنفس الطريقة فذِكر اسم الله تعالى باللسان هو سنة إبراهيمية وليست سنة محمدية. بمعنى أن تاريخ الذبح مع ذكر اسم الله تعالى يعود إلى حوالي أربعة آلاف وخمسمائة عام.

اسمح لي أن أوجه إليك سؤالا آخر مع مقدمة بسيطة. إنني أعرفك منذ فترة طويلة بأنك إنسان مؤمن موحد تؤمن بالله تعالى ولذلك تسعى لفهم كتاب الله وبيانه. لو لم تكن مؤمنا بالله لما اهتممت بالقرآن العظيم. ثم إنني أقبل بأن كلمة “الله” هو اسم للخالق العظيم جل جلاله باعتبار أنه أخضع كل شيء لنفسه. هذا الإخضاع ليس إخضاعا جبريا لكل كائن بل هو إخضاع باعتبار قوانين الألوهية التي تسير الكون. ولكن ليس الله هو القانون طبعا. 

فسؤالي هو: هل القوانين الصحية المرتبطة بسلامة الحيوان ومناسبته لاستهلاك البشر وما يتبعها من قواعد التخزين أو حضور المستهلكين القادرين على التمتع بأكل لحومها من قوانين الألوهية؟ قلتم بأن الله تعالى (والعياذ بالله) هو القانون المسير لهذا الكون، فما هو ارتباط قانون تسيير الكون بقواعد السلامة البشرية أو الحيوانية التي فسرتم بها ذكر اسم الله على الحيوان؟

نحن لا نعرف قوانين الألوهية ولكن يمكن لنا القول بأن قانون الجاذبية مثلا هو من قوانين الألوهية. ذلك بأن هذا القانون يُفرض على كل السيارات أن تسير في فلك معين تجنبا للاصطدام، فهو بالتأكيد يساعد الأفلاك على الخضوع لأمر الله تعالى في تسيير الكون. لكن قوانين السلامة لا ارتباط لها إطلاقا بقوانين الألوهية القاضية بإخضاع خلق الله تعالى لله.

ثم إن قوانين السلامة التي تفضلتم بها غير موضحة في القرآن كتفصيل للذكر والقرآن مفصلة بمحكماته دون شك. وقوانين السلامة مغايرة من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن أمة إلى أمة، فهل يأمر الله تعالى الناس أن ينفذوا قانونا غير واضح ويهددهم بالعذاب إن لم يفعلوا؟

وأخيرا ألستم فسرتم الذبح في محاضرتكم السابقة حول إبراهيم وإسماعيل بأنه يعني الإتعاب فكيف قلتم هنا بأن الذبح يعني إماتة الحيوان؟ سيكون جوابك كما أظن بأن فعل ذَبَحَ يعني طيفا واسعا من المعاني ابتداء من الإتعاب وانتهاء بالإماتة. هذا ما سمعناه منك سابقا، فلو كان هذا فعلا جوابك، فكيف تميز بين موارد ذكر الذبح في كتاب الله تعالى؟ هذا النوع من التعاريف يعني بأن كل شخص يمكنه أن يفسر كتاب الله تعالى كما يريد بأن ينتخب من الطيف ما يشاء من معاني ويلزقها ببعضها البعض. ولو نراجع السياق فما هو فائدة المنهج اللفظي الترتيلي الذي تدعون إليه إذن؟

أليس المنهج اللفظي يعني فيما يعني بأن نأتي بمعنى واحد لكل كلمة حتى يسهل علينا فهم القرآن كما قاله عالم النيلي الذي أحيا هذه الفكرة بعد ابن جني وابن فارس؟ لقد ذكرتم مرارا إصراركم على تبني هذا المنهج.

لا أريد الإطالة عليكم وعلى القراء الكرام وأرجو منكم التكرم بإعادة النظر في تلك المحاضرة. كما أنني أعتذر من الإخوة الذين طلبوا مني إبداء رأيي بأنني اختصرت الرد ولم أتطرق للرد على كل مقطع من مقاطع المحاضرة الجميلة. أكتفي بهذا ولو أرادوا مني التفصيل فإني على استعداد لذلك.

والسلام على أخي قصي وعلى جميع الإخوة والأخوات الذين يطلعون على هذا.

الطعام 2 :

كلمة الطعام في القرآن غير مخصصة للذبائح ولا لما نأكل وهكذا الرزق. ولكن حينما يتحدث القرآن عن الطعام الحلال والحرام فهو لا يقصد الحبوب وما ينبت من الأرض بل يقصد الحيوانات. وأما الطيور والأسماك فهي غير موضحة في القرآن الكريم ولكنها موضحة في كتاب سماوي آخر.

قال سبحانه في سورة آل عمران:

كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93).

وقال في سورة المائدة:

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5).

وقال تعالى في بداية المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1).

وقال سبحانه في سورة الأنعام:

وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (142) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ (146).

قال تعالى في سورة آل عمران على لسان المسيح:

وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50).  فمعناها بأنه عليه السلام أحل بعض ما حرم عليهم وهو شحوم الأنعام وأبقى بقية ما حرم عليهم حراما كما كان. نقول بأنها الشحوم لأن الله تعالى ذكر ما حرمه وما أحله في الآية 146 من سورة الأنعام وهي كل ذي ظفر إضافة إلى الشحوم وأردف سبحانه بأن السبب في تحريم الشحوم هو عصيانهم فهو سبب عقابي مؤقت وليس سببا طبيعيا دائما. وباعتبار الآيات التالية من سورة المائدة فإن المسلمين مأمورون بالعلم بالتوراة والإنجيل والقرآن معا.

قال سبحانه في المائدة: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ (66) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68).

فالقرآن ليس ناسخا للتوراة بل مصدق للتوراة والإنجيل ولكنه ناسخ لبعض آيات التوراة فقط. ولمن يريد المزيد فإن سفري اللاويين والعدد في التوراة الفعلية التي هي جزء من الكتاب المقدس المعروف؛ فإن ذين السفرين يذكران الطيور والأسماك المحللة بالاسم وبرأيي فإننا كمسلمين علينا العلم بما في السفرين المذكورين وترك ما كتبه المحدثون وما أفتى به الفقهاء إذ لا ضمان لصحة ما قالوا. لكننا لو عملنا بالتوراة فإننا نحتمل بأن الله تعالى قد صان بعض المسائل في التوراة التي تم تحريف بعض مقاطعها ولذلك لم يوضحهما في القرآن. لكنه سبحانه ذكر الأنعام فقط باعتبار أن اليهود قد غيروا التوراة في ذلك المقطع وحرموا الجمل لأن أباهم يعقوب كان يكره أكل لحم الجمل كما يبدو. ولا يخفى بأن كُتّابَ التوراة والإنجيل المحرفتين كلهم تقريبا من بني إسرائيل. فمنهم من آمن بالمسيح ومنهم من لم يؤمن لكن الذين حرفوا الأناجيل هم النصارى من بني إسرائيل. هناك شك في واحد منهم بأنه من أنطاكية وأظن بأنه مرقس فهو كما يظن البعض من أصل وثني وليس من أصل يهودي.

والسلام على من اطلع على هذا ورحمة الله وبركاته.

أحمد المُهري

14/6/2014

المقالة تمثل مختصر المحاضرة التي ألقيتها في بيت الدكتور محمد التويج لبيان الطعام واللباس في القرآن الكريم.

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/pg/Islamijurisprudenc

الإعلانات

اردوغان والعروسان


لست مع أوردوغان ولكن الحق يجب أن يقال
لدي إشكالات كثيرة على سياسة أوردوغان ولا سيما تعامله غير العادل مع المشكلة ‏السورية. لكن حضوره حفل زفاف فتاة ممثلة من أصل تركي مع فتى آخر من أصل تركي عمل طيب ‏ومناسب لمن كتب على نفسه حماية الأتراك في العالم. وهل تظنون إخواني وأخواتي بأن مجالس ‏رسولنا الحبيب كان مثل مجالس السعودية وإيران وطالبان حيث يفصلون النساء عن الرجال؟ لا ‏أظن ذلك. حتى فرض الحجاب على من يريد اللقاء مع معمم أو أي رجل دين مسلم غير صحيح ‏برأيي المتواضع. يجب أن يعيش الناس كما يريدون ثم تقديم النصح لهم بطرق حضارية إذا لمسنا ‏تأثرهم بالنصح. لكن علينا أن نجالسهم ونواسيهم ونعاملهم معاملة حسنة لأننا في النهاية بشر. كان ‏أنبياؤنا جادين في تقديم كل حب وتعاون مع كل الناس. أما سمعتم بأن هند بنت عتبة التي حاربت ‏رسول الله أقبلت إليه بعد فتح مكة تسلم عليه؟ فهل تظنون بأنها لبست الحجاب حينما صافحت ‏رسول الله كما ينقل المؤرخون؟ لا أظن ذلك أبدا. نظرتُ بكل احترام إلى مشهد عقد القران بين ‏الشابين من أصول تركية وإكرام الرئيس أوردوغان وزوجته الفاضلة لهما وشعرت بأنه عمل صحيح ‏ومفيد ومشكور عليه. الشابان لبسا ما يعجبهما والسيدة أمينة أوردوغان لبست ما يعجبها. ‏وكلاهما صافحا العروسين وهو صحيح برأيي ولا إشكال فيه. يجب تحبيب القلوب وجذب الناس ‏ولا يجوز الظهور بأي مظهر من مظاهر الكراهية. ‏
قال تعالى في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل ِلأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ ‏عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59). لو نفرض ‏بأن زوجات النبي عليه السلام كلهن كن لابسات الحجاب الإسلامي المعروف بيننا اليوم وهكذا ابنته ‏الوحيدة فاطمة رضي الله عنها وعن أمهاتها. لو كان كذلك فلا معنى لأن يأمره الله تعالى بأن يقول ‏لزوجاته وبناته ونساء المؤمنين بأن يدنين عليهم من جلابيبهن. الجلابيب جمع الجلباب وهي ملابس ‏زينة بها ذيول وما شاهدتها من الجلابيب خلال السني الأولى من عمري في بلدي الكويت كانت ‏ملابس مزينة بها ذيول وهي لم تغط الشعر ولا الصدر. كانوا يسمونها الدراعة في الكويت. هذه ‏الجلابيب ما كانت تغطي الصدر ولا سيما بأننا لا نظن بأن الأزرار أو الخيوط المطاطية أو الوسائل ‏الأخرى لغلق جيوب الصدر كانت موجودة أيام الرسالة المجيدة. علمهن الله تعالى عن طريق رسوله ‏بأن يغطين صدورهن بوضع أحد ذيول الجلباب عليه حتى لا يكون الصدر سببا لإثارة الآخرين. ‏
حاولت كثيرا أن أجد في القرآن الكريم ما يوجب تغطية شعر المرأة فما وجدت فعلا. ‏لكنني أوصي أخواتي المؤمنات بأن يستمررن في اقتناء الحجاب الإسلامي المعروف حماية لهن من ‏كيد الماكرين من الرجال؛ إلا أنني أرجو أن يعلم الجميع بأن عدم الاهتمام بالحجاب لا يستوجب أي ‏عقاب أو مساءلة أخروية برأيي المتواضع. لم أجد في كتاب الله تعالى عقابا لمن لا تلبس الحجاب. ‏ولذلك مع اختلافي مع سياسة الأخ رجب طيب أوردوغان ولكنني أحييه فيما فعله تجاه العروسين ‏من أصل تركي. ‏
أحمد المُهري ‏
‏8/6/2019 ‏

#تطوير_الفقه_الاسلامي
http://www.bbc.com/arabic/sports-48565050‎

المؤمنة كاترين 19- جلسة الاثنين ( الحجاب والربا )


المؤمنة كاترين

المقطع التاسع عشر

جلسة الإثنين (1)

خرجت كاترين بعد ظهر الأحد إلى الجمعية التعاونية لشراء بعض المواد لتحضير عشاء بسيط ليوم غد كما اتفقوا عليه. رأت في الطريق صديقتها الفرنسية الجديدة ماري. لكن ماري تفاجأت بحجاب كاترين.

ماري:

أهلا كاترين. هل اتفقت مع علوي؟

كاترين:

أهلا ماري. أريد أن أشتري بعض مستلزمات العشاء البسيط كما طلبتم وأكون شاكرا لو تساعديني على الانتخاب.

ماري:

هيا، أنا معكِ، لكنك لم تردي على سؤالي.

كاترين:

ألم نتفق معا أن نلتقي في بيتنا مساء غد؟ فالاتفاق تم في حضورك وفي حضور العم محمود.

ماري:

سؤالي عن اتفاق آخر بينكما وحدكما وليس عما اتفقنا عليه جميعا.

كاترين:

ماري، من الخير لنا أن نترك المسائل لله تعالى فلو كان هناك نصيب فإنه سبحانه سوف يقدر ذلك وإلا فنحن مطيعون لربنا.

ماري:

علينا السعي يا كاترين والله تعالى يوفق الذين يسعون ولا أظن بأنه يوفق الذين يكتفون بما في قلوبهم.

كاترين:

نحن نحب أن نساعد علوي وأنا أحبه من كل قلبي ولكن يجب أن نترك الأمر له ليطلب وليس لي.

ماري:

إذن أنا الذي سوف أصرح واترك الأمر لي.

كاترين:

أنت حرة.

اختار الفتاتان بعض الخبز وقليلا من الجبن والفلافل والحمص والخضروات وعادا إلى بيت كاترين بعد أن دعت كاترين صديقتها لتتعشى معها.

جاء يوم الإثنين واجتمع الجميع في الساعة التي حددوها في شقة كاترين. لم يتفاجأ العم محمود بحجاب كاترين ولكن ماري لم تلزم الصمت.

ماري:

يا عم محمود، هل أوجب الله تعالى الحجاب على النساء؟

محمود:

 كلا.

تفاجأ علوي وكاترين وماري بالجواب الغريب للعم محمود. ثم نظروا جميعا إلى ماري لتكمل استفساراتها فهي لا تخجل من السؤال.

ماري:

يا عم محمود، إذن فما هذه الضجة الكبيرة لدى المسلمين بوجوب الحجاب وهذا التسابق الغريب على اختيار ما ازداد غطاء وسترا من الحجب؟ حتى أن نساء السعودية المعروفة بالعقيدة الوهابية وكذلك نساء اليمن وأفغانستان وبعض نساء الشيعة وغيرهم يظنون بأن الحجاب دليل الإسلام وبأن من لا تتحجب فهي فاسقة.

محمود:

هذا أيضا مثل تسابقهم على تنجيس كل شيء بحيث أنهم كتبوا كتبا مفصلة عن النجاسات وكتبا أقل تفصيلا عن المطهرات. القرآن هو كتابهم الذي لا يتحدث أبدا عن النجاسات. والواقع أن الحجاب وخاصة حجاب الوجه جاءنا من اليهود وليس من الإسلام في شيء.

كاترين:

فما قولكم في الآية التالية من سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل ِلأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59).

محمود:

يا ليتك قرأت لنا الآية مع آية قبلها حيث يقول سبحانه: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58). هناك حديث دار بين الصحابة الكرام حول إحدى المؤمنات في حكاية معروفة بينهم باسم حديث الإفك والحديث مأخوذ من سورة النور. ولعل هناك قضايا مشابهة فأراد ربنا أن يعلم الرسول نصيحة مفيدة للمؤمنات ليأمن تعرضهن للتهم. والجلباب لباس زينة لا زال معروفا بين عرب الخليج بأسماء أخرى. فمثلا في الكويت يسمونه الدراعة. هي لباس زينة كانت النساء يلبسنه وله ذيول مما يرفع ثمنه. نرى حكاية الجلباب أو الخمار أو المِرط بكثرة في أشعار العرب. وحتى نعرف معنى يدنين عليهن حري بنا أن نقرأ آية أخرى تشرح الموضوع.

قال تعالى في سورة النور: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31).

لهذه الآية شقان منفصلان في الواقع فلنفصل بينهما.

الشق الأول: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. هذه هي آية الحجاب في الواقع. فبعد أن أمر الله تعالى المؤمنين قبلها ليغضوا من أبصارهم فإنه سبحانه أمر المؤمنات أيضا ولكنه أضاف: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. وقبل أن نشرح المقطع الكريم يطيب لي أن أنبه جميع الحاضرين والغائبين بأنه سبحانه لم يعين أي عقاب دنيوي أو أخروي لترك الحجاب. فلا سبيل على من لا تلبس الحجاب قطعا. عدم إبداء الزينة مشروح بعدها بتفصيل فليختصر بحثنا حول: وليضربن بخمرهن على جيوبهن. الجيب تعني فتحة القميص. فيوم نزل القرآن الكريم لم يكن هناك أزرار ولا نايلونات مطاطة. وكانت النساء مهتمات بالضفائر وبتصفيف الشعر. ولذلك كن يوسعن فتحات القمصان حتى لا تتأثر ديكورات الشعر لديهن. لكن المشكلة أن الجيوب الكبيرة كانت لا تغطي الصدر فيبرز مفاتنهن بصورة جلية للناظرين. فعلَّمهم ربهم بأن يغطين صدورهن بذيل من ذيول خمرهن أو جلابيبهن. ذلك خير لهن حتى لا يُدعون إلى الفاحشة من قبل ضعاف النفوس أو الشباب الطائش.

ليس هناك أي ذكر لتغطية الشعر في القرآن الكريم. ثم إن الآية التي قرأتها كاترين تأمر الرسول الأمين بأن يقول لأزواجه وبناته. ألا تعني ذلك بأن بعض أزواجه وابنته الوحيدة فاطمة ما كن ملتزمات بالحجاب قبل نزول الآية الكريمة؟ لو كن ملتزمات به لكان أمر الله تعالى غير مناسب والعياذ بالله. هل يجوز لأحد أن ينصح من عطر بدنه بأن يعطر بدنه؟ أو ينصح من طهر وجهه أن يطهر وجهه؟ أو أن ينصح من يلبس الحجاب أن يلبس الحجاب؟

ثم نأتي للمقطع الثاني من الآية الكريمة: …وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31). لنبدأ بفهم معنى الزينة المذكورة ثلاث مرات في آية واحدة. يقولون بأن الزينة تعني الوجه والشعر باعتبار محاسن الوجه وجمال الشعر. لكنه سبحانه قد وضح الزينة في آخر الآية الكريمة بقوله الكريم: … وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ…. كلهم يعلمون ويقولون بأن المقصود من هذا المقطع هو الحجل أو الخلخال التي تتخذها النساء كزينة لسيقانهن. فأمرهن الله تعالى ألا يضربن بأرجلهن لئلا يعلم أحد بأنهن لابسات الخلخال. تعني نهاية الآية الكريمة بأن على المرأة التي غطت سيقانها بالملابس الطويلة ألا تضرب برجليها على الأرض ليعلم الغير ما أخفته من زينتها. فالمقصود من الزينة هو ما أضيفت إلى البدن وليس البدن نفسه.

وإذا كانت الآية تتحدث عن الحجاب فما معنى أن يأمر التي غطت زينتها ألا تضرب برجلها على الأرض. إذن هناك مسألة أخرى غير الحجاب. ثم إنه سبحانه ذكر محارم المرأة ولم يذكر الأخوال والأعمام وهم من محارمها. ثم إنه تعالى سمح للتابعين وهم رجال غرباء يخدمونها بأن تبدي زينتها أمامهم. وسمح لنسائهن أيضا. وهل هناك منع للنساء ألا يرين زينة أمثالهن من النساء حتى يسمح سبحانه فقط لنسائهن. إذن هذا المقطع من الآية لا تتحدث عن الحجاب إطلاقا.

على هذا الأساس أرى من الضروري أن نقرأ آية بعدها لنرى المقصود من آية منع المرأة من إظهار الزينة: وَأَنكِحُوا الأيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32). فالحديث في واقعه عن النكاح وليس عن الحجاب. وعدم إبداء الزينة لحماية الفتاة الغنية من إمكاناتها المالية ومجوهراتها حتى لا يطمع اللصوص. أما السبب في عدم ذكر الأعمام والأخوال الذين هم محارم لها فهو باعتبار أن الفتاة لو كانت صاحبة ثروة فقد يكون عمها أو خالها فقيرا ولكنه يطمع أن يناسب ابنة أخيه ويطلبها لابنه. فإظهار زينتها قد يؤلم العم أو الخال الفقير أولا. ثم إن الفقر لا يجب أن يحول دون أن تتزوج المؤمنة مع من يناسبها في غير المال. وأما التابعون فهم يخدمونها وعلى علم بكل إمكاناتها، وكذلك صديقاتها من النساء اللاتي يعلمن كل شيء عنها فلا بأس بأن تظهر أمامهن بزينتها.

نعود مرة أخرى إلى بداية الآية الكريمة لنقرأ أول بيان للزينة حيث أننا علمنا بأن الزينة مذكورة ثلاث مرات في الآية: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ…. قلنا بأن المقطع الأول يوضح الحجاب طبعا ويوضح قبل بيان حدود الحجاب الموصى به أمرا إرشاديا بعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها. قالوا أيضا بأن ما ظهر منها يعني الوجه والكفين بلا دليل من الآية نفسها لكنهم استندوا إلى أحاديثهم التي كتبوها بأيديهم ونسبوها إلى رسول الله عليه السلام. فلو اتبعنا فهمهم فنحن متبعون إياهم ولسنا مؤتمرين بأمر الله تعالى في التنزيل القويم. يسمح الله تعالى ظهور الزينة من الحلي والمجوهرات والمشروحة في آخر الآية الكريمة حد ما يظهر منها عادة. هو بعض الزينة الخفيفة على الوجه والأذنين ولعل القليل من الأسورة. لكن الزينة الثقيلة التي يقيدن بها أقدامهن فهي غير مسموح للظهور خوفا عليها من طمع اللصوص. هناك مقدار كبير من الذهب مستعمل في الخلخال يتجاوز عدة أضعاف ما تزين به المرأة وجهها وأذنيها بل مع يديها أيضا. هذا ما نفهمه من آيات الله تعالى.

لكنني أصارحكم بأن من خير المسلمات أن يلبسن الحجاب الخفيف المتعارف على رؤوسهن باعتبار العرف لا باعتبار الشرع. جرى العرف بينهن في كل الكرة الأرضية بأن المسلمة الملتزمة تغطي شعرها فمن صالحها أن تحافظ على ما ترغبه بقية أخواتها المؤمنات إرضاء لهن وطلبا لصداقتهن فقط.

كاترين:

إذن لا أحتاج إلى الالتزام بالحجاب فأخلعه هنا ولو شئت سألبس الحجاب في أي مكان خفت على نفسي من الأذى.

محمود:

صحيح تماما.

خلعت كاترين حجابها في المجلس ولا سيما أنها لا تريد أن تحرم علوي من النظر إلى شعرها استكمالا لجمالها وبهائها. كما أنها لا تريد أن تحرج ماري التي بقيت بلا حجاب حتى تلك اللحظة.

ماري:

يا عم محمود أرى بأن الكثير من المسلمين يتحاشون أن يأكل الذكور والإناث معا على مائدة واحدة. فهل هناك وصايا قرآنية بذلك؟

محمود:

هناك وصية قرآنية بعكس ذلك. قال تعالى في سورة النور: لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (61). تنطوي الآية الكريمة على إذن للأكل في بيوت الأصدقاء. ثم تختتم الآية بعدم وجود مانع ليأكلوا جميعا أو أشتاتا. فهناك تفضيل للأكل جميعا باعتبار أن الله قدم ذلك على الأكل أشتاتا. والأشتات تعني بأن يأكل الذكور معا والإناث معا دون الجمع كما يبدو. إنها مسموحة فقط وليست واجبة.

كاترين:

أين المسلمون من قرآنهم؟ هذا القرآن لم يمنع الناس من مسايرة الطبيعة. ولنكمل جلستنا السابقة حول الربا لو تسمحون.

الجمع: 

موافقون.

كاترين:

كنت طوال الأيام الماضية أفكر فيما قاله العم محمود التمار وفي اقتراح علوي بنشر الموضوع. ولكن بحكم عملي أرى بأن العالم المعاصر غير مستعد للمثاليات فيجب إيجاد حلول أخرى. ولذلك اسمحوا لي بأن أسأل العم محمود عن حكم الربا في القرآن الكريم.

محمود:

المشكلة أن هناك دعاية قوية بين الناس ضد ما يسمونه بالفوائد حيث أدخلوا في عقول الناس بأن الفوائد يعني الربا والربا محرم. لعل البنوك الغربية كانت وراء القصة لأن المسلمين وقبل ظهور البنوك المعروفة بالبنوك اللاربوية كانوا يودعون بعض أموالهم في البنوك الأجنبية معتبرين الأجانب كفارا غير ذميين فيجوز أن يأخذوا من أموالهم! كانوا فرحين بذلك وكانت البنوك الغربية تستفيد من تلك الإيداعات مقابل فوائد بسيطة تقدمها للزبائن. في الواقع كانوا يساعدون الغرب بأموالهم ولا يساعدون أنفسهم بذلك.

لم يحرم الله تعالى الربا بصورة مطلقة بل حرمه إذا طالب صاحب المال أضعافا مضاعفة. قال تعالى في سورة البقرة: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275). وقال سبحانه بعدها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279).

وقال تعالى في سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130).

فحينما نقرأ الآيات أعلاه معا نفهم منها بأن الله تعالى:

1. حرم الربا الزائد على قيمة رأس المال. بمعنى أن لكل شخص الحق في الحفاظ على القيمة الشرائية للنقدية التي بحوزته. فيجوز له أن يضيف سعر التضخم على ما قدمه من دين للمدينين حتى يحتفظ بالقيمة الشرائية لأمواله. أليس ظلما أن تقدم مالا لأحد يتجر فيه يوم كنت قادرا على أن تشتري كيلو اللحم بعشرة جنيهات وبعد سنة تسترجع نفس المال دون أية إضافة في حين أن كيلو اللحم قد أصبح 11 جنيها. سوف تخسر حقيقة 10 بالمائة من قيمة النقدية التي كانت بحوزتك.

2. هذه الإضافة هي الربا المسموح ولذلك حرم الله تعالى الربا أضعافا مضاعفة. بمعنى أنه تعالى حرم على الدائن أن يطالب المدين بربا أكثر من سعر التضخم الذي كان من حقه ليحتفظ برأسماله. هذا هو الحرام.

3. يحق لكل مؤسسة أو شخص يقدم خدمات للناس أن يُطالبهم بأجرة على عمله. هناك مؤسسات تبيع الخدمات على الناس مقابل أجور ومن حقهم ذلك. فلو كان هناك بنك متوسط بين صاحب المال وبين المقترض فمن حق البنك أن يطلب نسبة معقولة تضاف إلى سعر التضخم ليغطي بها مصاريفه وليحقق بعض الربح لمؤسسته المصرفية. لكن على النظام أو الحكومة أن تمنع من الربا الفاحش لأنه يدمر الناس ويسوق النقدية إلى جيوب فئة قليلةٍ ظالمةً عامةَ أهل السوق.

أعني بأن البنوك الربوية في حقيقتها أكثر إنصافا من البنوك اللاربوية التي تجني أرباحا إجرامية من الناس باسم الإسلام. في حالة البنوك العادية فإن المستدين مدين بقيمة السلفة مضافا إليها سعر التضخم مع نسبة بسيطة لتغطية مصاريف البنك مع ربح معقول. البنوك المركزية تتحكم في نسبة الفائدة ولا يمكن للبنوك أن تتجاوز ذلك السعر ولو فعلوا فإن من حق المدينين أن يلجؤوا إلى القضاء ويستعيدوا الفرق منهن. لكن البنوك اللا ربوية فهي تبيع وتشتري ولا يمكن للقضاء أن يتدخل في شؤونهم. ثم إن البيع الذي يتحدثون عنه لم يتحصل شرعا. ذلك لأن البيع يعني أن تبيع مما تملكه ولا معنى لبيع ما لا تملكه. لم يذهب البنك الإسلامي لشراء البيت أو الأرض أو البضاعة إلا بعد أن يبيع ذلك على طالب القرض ثم يتعامل مع صاحب المال ليشتريه منه. هذا حرام قطعا لأنه ليس بيعا بل هو الربا الفاحش بعينه.

كاترين:

يعني بأننا في البنوك العادية أقل ظلما من البنوك اللاربوية الإسلامية؟

محمود:

بالطبع.

كاترين:

حقا بأن القرآن يدعو إلى دين قويم يساير طبيعة الحياة الإنسانية ولا يخالفها إلا عند الضرورة القصوى.

محمود:

بل لا يخالفها أبدا. الشريعة السماوية هي شريعة الطبيعة لأنها صادرة ممن هو مالك حقيقي لكل ما في الطبيعة من موجودات، كما أنه سبحانه خلق الكون على أساس القوانين الطبيعية. قال تعالى في سورة الحجر: وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ (19). وقال سبحانه في سورة الرحمن: وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7). وحينما نمد الطرف إلى أية زاوية من زوايا الكون نراها مبنية على أسس وقواعد محسوبة بدقة ولذلك فإننا قادرون على أن نحسب الحركات الفلكية بدقة الجزء من الثانية ونفهم زمان بعض الحركات الكونية المتعارفة مثل الخسوف والكسوف وحركات الفصول والشروق والغروب بدقة الجزء من الثانية. هذا يعني بأن كل قوانين الطبيعة محسوبة حين الخلق.

يتبع: جلسة الإثنين (2)

أحمد المُهري

11/5/2019

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

المؤمنة كاترين – 18- حجاب عند الحاجة 2


المؤمنة كاترين 

المقطع الثامن عشر 

حجاب عند الحاجة (2) 

كانت كاترين منهمكة في تصحيح الاعتمادات المستندية وإذا بسارا وساترين تدخلان عليها لتخبرانها بما حصل بينهما وبين علوي. وقفت كاترين إكبارا لعلوي وأبلغتهما بأن بينهم وبين التعرف على أعماق علوي بون شاسع.

كاترين:

لا غرو فعلوي مجموعة من الشخصيات الفذة تحت كساء واحد. إنني أحبه من كل قلبي وأتمنى أن أبقى تحت قيادته ما دمت أعمل فهو رئيسي الذي أتباهى به وأعتز، كما أتلذذ وأستقل مصاحبته ومزاملته فيا ليت ساعات العمل في البنك تطول أكثر مما هي عليها.

ساترين:

بالله عليك يا كاترين هل لعلوي دور في اقتنائك الحجاب هذا الصباح وهل أنت مصرّة على اتخاذها زيا دائما؟

كاترين:

لا يا ساترين فعلوي ما أشار علي شيئا قط بشأن الحجاب ولعل أول مرة أتحدث معه في هذا الموضوع هو هذا الصباح حيث تكلمنا دون تحريك اللسان. كلما في الأمر أنني لاحظت بأن الحجاب وقاية للمرأة ودرع حصين تدخل الرعب في قلوب المستهترين والطائشين الذين لا يعرفون قيمة للإنسان إذا ما هاجت شهواتهم وانبرت غرائزهم الحيوانية. عزمت بعد أن مررت على حكم الحجاب في الاسلام وأنا في سيارة الفكر. كان ذلك في الأمس حيث توجهت بعد الاقتناع إلى السوق لشراء ما يرضي ضميري ويعذرني أمام الديان إذا ما وقفنا في مجلس قضائه وحكمه يوم الحساب.

كبرت كاترين في عيني سارا وساترين وارتفع شأنها لديهما وعادتا إلى بقية الزملاء والزميلات لتحدثانهم في نهاية الدوام بقصة المدرسة الفكرية التي صنعتها كاترين لنفسها وكيف تطيعها غير عابئة بما يلقى عليها من الآخرين، ذكرتا لهم عمق إيمان كاترين بعلوي وهو إيمان فكري واضح لا دخل له بمغريات الحب والهوى الشهواني فهي على كل حال مهتمة بالحقيقة تدور معها أينما دارت ولا ترضى بغير فكرها الشخصي عبّارة تغوص بها في أعماق الواقعيات والمعنويات المحضة.

توم:

كلما تقولانه صحيح ولكن الحب الشهواني تعني الكثير لدينا فأنا مسيحي ألتقي يوميا بأعداد من شبابنا وشاباتنا وهم يتحدثون في العلوم والفلسفة لكن الهوى تملك قلوبهم وتعصر أوردتهم وهم متعطشون إلى لحظة من الأنس والمدام. سترون أن كاترين تحب علوي وهو يحبها وسينكشف الأمر غدا. سيتزوجان على الأقل إن لم يكونا اليوم في صبابة خفية. وإنني أرجوكما أن تتركا العاطفة حينما تتحدثان عن الحقائق. إن كاترين اليوم برأيي ضمنت زوج المستقبل فهي ليست بحاجة إلى أن تُظهر جمالها وتسرح شعرها ولذلك لبست الحجاب. إنها تعرف بأن حبيبها تحب الحجاب فلبسته.

ساترين:

يحسب الممطور أن الكل تحت المطر، توم يتحدث عن نفسه وعمن في شاكلته من المراهقين والمراهقات، لكن علوي وكاترين يغوصان في خضم الوجدانيات السرمدية الباقية ولا يعبآن بالمقولات الفضولية الحمقاء. هب أنهما تزوجا يوما فهو اقتران كفو بكفو آخر. ليس ذلك إلا امتثالا لإرادة ربنا الحكيم الذي اختار أنبياءه كلهم من الازواج ما عدا المسيح الذي أراد له أن يكون آية تدل على ملكوته فوق السير الطبيعي والعادي.

توم:

لست عارفا بالدين ولكن المسيح هو أقرب الناس إلى الله وهو سيد الانبياء وسيد البشر جميعا بل هو خالق الكون نيابة عن الله.

ساترين:

-وهي تضحك بسخرية- رضيع تلعب به السيدة مريم عاريا وتغسله من الدرن مثل سائر الأطفال، كان خالقا للكون قبل بلايين السنين. كان المسيح عليه السلام مثل بقية الأنبياء طفلا ضعيفا ولما كبر أتى ببعض ما يصعب علينا الاتيان به بأمر الله تعالى ليكون دليلا على نبوته، لكنه بشر مخلوق مات كما يقول المسلمون أو قتل كما يدعيه المسيحيون واندرج مع بقية الأنبياء الذين هم أكثر من بلايين البلايين في أراضي الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى داخل الأنظمة الشمسية المحيطة ببلايين البلايين من النجوم في واسع الفضاء. سيعود المسيح وسيعود الأنبياء أمام المحكمة الإلهية. شأنه شأن سائر الناس. هذا الكون كان قبل المسيح ببلايين السنين وسيبقى بعد وفاته بلايين من السنين -كما يدعيه العلماء- قبل أن يندك في بعضها البعض ثم ينشئ الله سبحانه النشأة الآخرة وتقام القيامة. أنى لإنسان من اللحم والعظم أن يخلق الشمس يا توم؟

ثم إن آدم هو أبونا وأبو المسيح وقد أخطأ قبل أن يأتي إلى الأرض ثم تاب وعفا الله عنه فلماذا تخصونه بهذا الهجوم الظالم. إنه أكل من شجرة منع منه فحسب وهناك بين البشر من يفعل القبائح وأنتم تسكتون عنه إلا أباكم آدم الذي لم ينج من سبابكم وشتمكم إلى يوم القيامة.

توم:

آدم قد سبب لنا المشاكل بتسببه للطرد من الجنة فنحن اليوم ضعفاء بسببه وقد أتينا إلى هذه الأرض محفوفين بالمصاعب والشدائد.

ساترين:

-وهي تضحك باستهزاء- من أية جنة طرد آدم يا توم؟

توم:

من الجنة التي وعد الله الطيبين من البشر أن يدخلوها بعد أن يحيوا من جديد.

ساترين:

يعني أن جنات النعيم كانت موجودة منذ خلق آدم؟ فأين كانت؟

توم:

في هذه الأرض، في جبال لبنان واسمها “عدن” وسوف يبدل الله هذه الأرض جنة بعد سنوات فيبقى الطيبون فيها أحياء إلى الأبد ويحيي الله المحسنين الذين ماتوا ليعيشوا فيها بسلام وأمان إلى الأبد.

ساترين:

هذه الأرض لها عمر ينتهي وإن بقي البشر فيها لما بعد اثني عشر ألف سنة من اليوم فإن الحياة ستكون صعبة بسبب انحراف الأرض من تحت نجمة القطب Polaris إلى تحت نجمة فيغاVega في حركتها المخروطية التي تطول 28000 سنة وبسبب انحراف الأرض أكثر من 23,4 درجة بالنسبة لسطح دورانها في حركتها الميلانية التي تتكامل مرة كل 40000 سنة. هذه الحركة التي تحرف الأرض ما بين 21,8 إلى 24,4 من سطح فلكها الدوراني حول سطح الثقل فيها. إثر الحركة المخروطية كان محور أرضنا باتجاه نجمة ثوبان أو الثعبان Thuban قبل5000 سنة وفي بدايات انحرافها باتجاه ثوبان قبل حوالي عشرة آلاف سنة فإن الأرض كانت مغطاة بالجليد.

ثم إن البشر ليس معدا للحياة الأبدية يا توم. إن الله خلق هذا الكون بنجومها -شموسها- وأراضيها لتدور دورة معينة إلى أجل معلوم ثم تموت وتنتهي وخلق الفضاء في حالة اتساع مستمر فالمجرات بنجومها تبتعد عن بعضها البعض شيئا فشيئا حتى تفقد الجاذبية مداها في الكواكب فتنهار الكون وتتحطم وتندك في بعضها البعض ليعود الخلق إلى ما كان عليه قبل الانفجار الكوني. ولعل ربنا أن يبعدها عن بعضها البعض قبل الموعد الطبيعي ليدكها دكة واحدة. كل هذه المسائل العلمية مذكورة في القرآن الكريم ويمكنك التعرف على آياتها عن طريق كاترين التي علمتني بعض ذلك. بعد ذلك يعيد الله الخلق مرة أخرى في نشأتها الثانية بشكل يؤهلها للبقاء الأبدي ويعيد خلق الانسان للحياة الباقية. بالتأكيد سوف نحمل أبدانا -غير ما نحن عليها اليوم- قادرة على البقاء إلى الأبد.

دعني أقول لك يا توم بأن خلق السماوات والأرض ليس أمرا هينا يتم بنفخة كما تراءى للذين كتبوا الأناجيل غير المنزلة من الله تعالى والتي بيدكم الآن. إن الله سبحانه لا يمكن أن يمسه التعب ولم يتعب فعلا في خلقها ولكن خلقها تمت وتطورت في أدوار زمانية في منتهى الطول. لعل كلا منها بلايين السنين من سني الأرض. ذلك لن يتأتى لأحد غير الله أن يحدثه ثم خلق البشر من السماوات والأرض وخلق الأنبياء من البشر ولكنكم بتشجيع من الذين يعيشون على اسم المسيح عليه السلام تغلون في دينكم وعقائدكم التي لا تحمل أساسا علميا. إن الكنيسة المسيحية قتلت أو سجنت بعض كبار العلماء في القرون الوسطى لأنهم اكتشفوا خطأ الكتاب المقدس في ادعائه وسعيه لإثبات مركزية الأرض في الكون وأنها أكبر وأهم كوكب. لقد غالى الكتاب في البشر حينما ذكر بأن الله خلق البشر مشابها لذاته!

يعني أن الله -والعياذ به- ذو عينين وشفتين وأذنين ويدين مثل البشر. ثم كتب حزقيل في الكتاب المقدس بأن الله زاره عدة مرات وكان مشابها للبشر، كان روحا، كان فوقه نور وأسفله نار، كان جالسا على شيء مثل العرش…

إن حزقيل يهذر في الواقع ولا يدري ماذا يقول في تعريف الوجود الذي نسجه فكره وسماه “يهوه” خالق الكون. حزقيل يصف الملائكة الذين يحملون الله حينما زاره الله في بيته بأن لكل منهم أربعة وجوه: وجه إنسان ووجه أسد في اليمين ووجه نسر ووجه ثور في اليسار!! مثل هذا الكتاب مثل الجاهل الذي يفرط أو يفرّط. هكذا يفرط الكتاب المقدس في مدح السيد المسيح ويفرّط في هجو أبينا آدم.

توم:

وما هي جنات عدن يا ساترين؟

ساترين:

عدن في اللغة العربية معناه الاقامة والاستيطان وجنات عدن مثل جنات الخلد وبمعنى واحد تقريبا وهي التي وعد الله عباده المؤمنين وهي لم تخلق بعد.

توم:

كيف تستدلين على قولك هذا؟

ساترين:

لماذا يخلق الله الجنة ولم يأت أوان الدخول فيها؟ لا معنى لخلق الجنة وإحيائها والناس لا زالوا في اختبار. البشر الذين في الأرض يمرون بامتحان منذ آلاف السنين وهناك بشر في الكواكب الأخرى قبلنا وبعدنا ومعنا. ثم إن هذه الكواكب غير قابلة للبقاء الأبدي وسيخلق الله من رفات هذا الكون عالما آخر معدا للبقاء الأبدي وأجساما أخرى للطيبين بل للبشر جميعا ومثلهم للجن معدةً للبقاء الأبدي. سوف لن يكون هناك زوال واضمحلال أو تناقص. لا يشيب الانسان في العالم الآخر وهو عالم الحياة كما لا يمرض ولا يموت.

توم:

وهل في القرآن ما يؤيدك يا ساترين؟

ساترين:

بالطبع ولكني أفضل أن نسأل كاترين فهي ملمة بهذه المسائل.

تخرج كاترين من غرفتها وقد مضى نصف ساعة على الدوام الرسمي كعادتها كل يوم فترى الموظفين والموظفات متجمعين يتحدثون وسط الباحة الداخلية للبنك المدني. ظنت كاترين بأن الدوام لم ينته فنظرت إلى ساعتها مرة أخرى ثم إلى ساعة البنك حتى أيقنت بانتهاء الدوام ثم ذهبت باتجاه الجمع لتحيي الحاضرين وتستكشف أخبارهم.

كاترين:

مرحبا يا شباب البنك وشابّاته.

الحاضرون:

أهلا وسهلا.

توم:

كاترين … هل نذرتي العفة؟

كاترين:

معاذ الله أن أنذر ما يخالف الطبيعة التي خلقنا الله عليها. نحن بشر، ولدنا ويجب علينا أن نستعد للتوليد متى ما سنح لنا. بغير هذا سينتهي الوجود البشري أو يتقلص. لماذا لا يكون للطيبين دور في تكاثر البشر وهو سنة الله في خلقه.

توم:

إذن كيف نذرت العذراء مريم العفة يا كاترين؟

كاترين:

العذراء مريم لم تنذر العفة بالمعنى المتداول بيننا نحن المسيحيين الذين نناقض أنفسنا إذ نعتقد بأن مريم كانت متزوجة من يوسف النجار وأنجبت أخوين لعيسى لكن عيسى لم يكن من نطفة رجل. العذراء مريم نذرتها أمها لله فأودعتها المعبد وكفلها زكريا. العذراء مريم عفت وحفظت شرفها كما تفعل النساء الشريفات وليس في القرآن أو الكتاب المقدس ما يوحي برفض مريم للزواج رفضا كاملا بعكس ما تفعله ناذرات العفة لدينا. العفة الحقيقية بأن تحفظ المرأة نفسها من الفوضى الجنسية كما يحفظ الرجل العفيف نفسه من النهم الحيواني، ولا معنى للعفة عن الزواج الذي أمر به الله ورسله. لكن السيدة مريم عليها السلام ما كانت تبغي الزواج إلا أنها تحب أن تكون أما. أظن بأن هذا ما كان الله تعالى يريده. إنه سبحانه أراد أن يخلق طفلا لامرأة طيبة تحب أن تكون مثل بقية النساء ولكنها لا تحب أو تستحي من الزواج. كان ضروريا أن تكون مريم محبة للأطفال وإلا كان منحها طفلا غير حكيم. هناك الكثير من البنات يستحين أو لا يبغين الجنس لأسباب غير واضحة لنا.

توم:

وكيف تثبتين ما قلتيه بشأن السيدة من القرآن الكريم؟

كاترين:

قال تعالى في سورة مريم: قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) إلى أن يقول القدوس بعدها: فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26). بغيا هنا لا يمكن أن تعني البغاء المعروفة لأنها قالت بأن لم يمسسها بشر؛ فالكلمة تعني بأنها لم تكن طالبة الزواج من بغى بمعنى طلب. وقوله تعالى في الآية 26: وقري عينا؛ تفيد بأنها كانت تحب أن يكون لها طفل. بمعنى أنها تحب أن تكون أما ولكنها لا تبغي الزواج؛ وهذا ما أراده الله تعالى الذي يريد امرأة ليثبت سبحانه بها أن المرأة قادرة على الإنجاب بدون أن تمر بالمراحل الجنسية المعروفة كما أظن. ولنكن واقعيين فلا جنس في الجنة إذ لا تكاثر هناك؛ ولذلك كانت مريم العظيمة عليها السلام نموذجا رائعا للحياة الفردوسية وكذلك نموذجا قويا للحياة الدنيوية.

فما هو سر أخواتنا في الكنائس؟

كاترين:

إنهن مضللات. هل هن أفضل من أمهات إسحاق ويعقوب وموسى ومريم اللائي تزوجن وأنجبن؟ بل لا فضل لمن يخالف قانون الطبيعة الذي وضعه الله تعالى أو تقبله وسيّر به سماواته وأراضيه.

يسكت توم ويحدق الأرضَ بعينيه كأنه في دوار وذهول.

ساترين:

كيف تستدلين يا كاترين بآية قرآنية في إثبات أن النشأة الآخرة ستقام على رفات هذا الكون؟

كاترين:

في سورة ق: “أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد“.

ساترين:

وهل من آية تذكر عدم توفير الطاقة من الشمس في العالم الثاني؟

كاترين:

يقول ربنا في سورة الإنسان: مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (13)، وفي سورة الزمر: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69). فقد يدل ذلك على عدم توفر السطوع المباشر للشمس. إلا أنها بالطبع ستكون موجودة. لكنني أظن بأن هناك أقمارا تحيط بالأرض المستقبلية لتحول دون أن تسطع الشمس علينا مباشرة. قال تعالى في سورة المدثر: كَلاّ وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34). فقد تعني الآيات الكريمة بأن القمر سيكون سببا لزوال الليل وبقاء الأرض بحالة الصباح الجميلة دائما وأبدا. وقال تعالى في سورة الصافات: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ (177). بمعنى أن العذاب حينما يحل في الآخرة على المجرمين فإن صباحهم يسوء. هذا يعني بأن لا ليل في المستقبل بل كله صباح.

ساترين:

وكيف نعرف بأن الجنة والنار غير مخلوقتين بعد؟

كاترين:

تريدين أن تعرفي ذلك من القرآن؟

ساترين:

بالطبع.

كاترين:

انظري إلى سورة العنكبوت: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20). ويقول تعالى في سورة الروم: اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11).

ساترين:

المفسرون يقولون بان إعادة الخلق يعني أن الله يخلق ويخلق.

كاترين:

ليس هذا معنى خاطئا ولكنه ليس معنى دقيقا وكاملا للآيات الكريمة. إن إعادة الخلق يمكن أن تعني عودة الكون إلى مكانه أو وضعه قبل الانفجار الكوني وهو ما يحتمله بعض العلماء ويسمونه الانهيار الكوني. إنني واثقة من الانهيار الكوني لقوله تعالى في سورة الأنبياء: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104).

        إعادة الخلق هنا يعني انطواء السماء كطي السجل للكتب. نحن اليوم بمساعدة الاكتشافات العلمية نعرف بأن النجوم حينما تنتهي طاقاتها تتكور وتتحول إلى مادة متماسكة لا حراك فيها وفي أجزائها وإلكتروناتها. يقدر بعض العلماء وزن سنتيمتر مكعب من تلك المادة بمئات الآلاف من الأطنان! قد تكون هي المادة التي انفجرت قبل بلايين السنين وانتثرت إثرها النجوم في الفضاء وستعود هذه المواد في انهيار كوني إلى حالتها الأولى ليخلق الله منها النشأة الآخرة. بالتأكيد أن يوم الفزع الأكبر والذي أحتمله يوم الانهيار الكوني ليس هو يوم القيامة. لكنه مقدمة للقيامة ولذلك تُصبِّر الملائكةُ الطيبين وهم في حالة نفسية طبعا، وتطمئنهم بأن هذا هو مقدمة يومكم الذي توعدون. مما لا شك فيه بأن اختيار البشر ينتهي قبل ذلك اليوم فلا يبقى حكم إلا لله وحده وهو من معاني القيامة. هو اليوم الذي ينتهي فيه حكم الظالمين وينتهي فيه دور الشياطين ويقوم الناس لرب العالمين، لكنه يوم طويل يصعب علينا احتساب طول ذلك اليوم بل يستحيل.

ساترين:

ما معنى بدأ الخلق؟ هل هو الانفجار الكوني؟

كاترين:

يتحدث القرآن في هذه الآيات عن البدء الذي يمكن أن يصل إليه البشر         لقوله “أو لم ير” أو “ألم تروا” وما شابه ذلك. البداية التي يؤكدها كثير من الفيزيائيين هي الانفجار الكوني. وبعض المحققين الإسلاميين يظنون بأن الله تعالى قام بتفجير نوري مهيب دون أن تكون هناك مادة لأن المادة مهما كانت صغيرة فهي بحاجة إلى مكان وإلى حرارة شديدة تفجرها؛ فلا مكان قبل ذلك التفجير ولا حرارة في الفيزياء المنظور أو المعلوم لدى البشر. قد يكون من الصعب التفكير بأن يصل الإنسان إلى اكتشاف حقيقة التفجير الأول، كما وصل إلى الانفجار الكوني وأرخ له بعقله ولكن قد يأتي اليوم الذي يؤكد فيه العلماء الانهيار الكوني بل يوقتونه.

ساترين:

لماذا لا يفصل الله سبحانه بين مقاطع هذا اليوم فيسمي كلا منها يوما ليسهل علينا فهمه؟

كاترين:

لا جدوى في ذلك. إن الله تعالى يتحدث عن المقاطع الزمنية بأيامه الخاصة أحيانا وبأيامنا نحن أحيانا أخر. فيوم كان ولم يكن هناك خلق، ويوم خلق الكائنات وملأ السماوات والأرض بالموجودات العاقلة يعتبرهما يومين فقط. يقول الله في سورة الرحمن: يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29). العناية هنا في أفهام الناس بأن هناك يوم كان الله تعالى فيه وحيدا ثم خلق فتغير شأنه من حيث أنه كان وحيدا لا يُسأل ولا يُدعى -بضم الياء- ثم خلق والخلق كله محتاج إلى الله يسأله ويلح عليه فصار الله تعالى يُسأل ويُدعى -بضم الياء-. أراد الله تعالى أن يعطينا المعنى لتغيير الشأن دون إعلامنا بزمان ومدة كل حالة. لا يمكن للبشر أن يدرك زمان الشأن الأول حيث أنه بلا بداية فالشأن الأول غير محدد بالزمان كما أن الشأن الثاني أيضا غير محاط بالزمان لأن الخلق أتوا ليبقوا ويخلدوا فلا نهاية لهذا اليوم الثاني. ولذلك سماهما الله تعالى باليوم دون تحديد معناه كما أظن.

وبما أن المنطق البشري الذي أرسل القرآن الكريم بلغته عاجز عن إدراك حقيقة الأزل والأبد فإن الله تعالى يكتفي بذكر كلمة “يوم” ليفصل بينهما فالأول فترة زمنية لا بداية لها والثاني فترة زمنية لا نهاية لها وكل منهما يوم. يوم غير ممكن التحديد بآلة الزمان.

يوم القيامة هو بالأحرى اليوم الذي ينتهي فيه الامتحان وتنتهي معه خلافة البشر لله سبحانه في الأرض وتنتهي بذلك الإرادة غير الربانية وتقفل أبواب الحكومات البشرية والجنية وتبدأ معه سلسلة الترتيبات الطبيعية للجزاء. هذه السلسلة تشمل تغيير الطابع المصرفي للطاقة التي تحرقها الشموس الفعلية حتى تنتهي بطابع أبدي بلا نهاية. فيقوم من يقوم لرب العالمين منذ اللحظة التي تنتهي فيها الحياة الدنيوية. تتكور الشموس -النجوم- وتندك المواد وتنطوي السماء بكاملها ثم يعيد الله الخلق لإنشاء الحياة الباقية الأبدية وبعد أن تتكامل الأرض الجديدة أو الأراضي الجديدة وتخلق الطاقة غير المتناهية والأبدية ينتشر البشر مرة أخرى في الأرض ويحاكمون ثم يساقون إلى الجنة مسرورين أو إلى النار والعياذ بالله بعد صدور أحكام الرحمن لكل فرد من عبيده.  فيوم القيامة وحدة زمنية سماها الله سبحانه باليوم دون تحديد زمانه لأنه لا ينتهي تفريقا بينه وبين اليوم الذي كان فيه حكم جزئي غير إلهي تبعا لقوة الإرادة التي منحها الله تعالى لبعض عباده حتى يختبرهم.

ساترين :

هل في القرآن ما يدل على تغيير السماوات والأرض؟

كاترين:

في سورة إبراهيم: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48).

سارا:

ألا تذهبون إلى بيوتكم قبل أن يمنعنا حرس البنك من البقاء هنا.

أحد الحرس:

لا مانع من بقائكم إن شئتم؟

كاترين:

شكرا يا عم مشعان ولكننا سنذهب. هيا بنا يا بنات ويا شباب لنذهب إلى بيوتنا فإن لأنفسنا علينا حقا أو لأبداننا بالأحرى.

انفض الجمع وخرجوا باتجاه بيوتهم.

يتبع

جلسة الإثنين (1)

أحمد المُهري

4/5/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

ادعموا صفحتكم بالنشر و المشاركة https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

المؤمنة كاترين 17- حجاب عند الحاجة


المؤمنة كاترين

المقطع السابع عشر

حجاب عند الحاجة (1)

Young muslim woman in hijab shocked face with thought bubble, pop art comics style vector

خرجت المسيحية الحسناء كاترين بحجاب إسلامي خارج العمارة التي تسكنها لتجذب عيون الجيران قبل أن تواجه زميلاتها في البنك. الكل يتطلع إليها بدهشة وازدراء أو إكبار ولكنها لا تهتم بهم وتتركهم في أفكارهم إلا أنها تقرأ المعاني والاهتمامات بغية المقارنة بين هذا اليوم واليوم الذي تعرف فيه بالمحجبة. وصلت البنك وقد أخفت تسريحتها تحت غطاء من القطن الملمع والمطرز وهي تخطو خطاه نحو مكتبها كالعادة. كانت النظرات تنبئ عن التفات الموظفين لكاترين والهمسات تدل على حدث جديد داخل البنك المدني. لم تقتصر حركات الأعين والألسن لدى زميلاتها وزملائها بل تعدت إلى المدراء والمسؤولين الكبار وإلى الحرس والبوابين والفراشين والمراسلين. حتى الزبائن المبكرون كانوا يصرفون وجوههم إلى كاترين وإلى حجابها البديع المبدع. قال من قال: لعلها مريضة فأجابت من أجابت أن الحجاب واضح البيان ساطع للعمد والقصد.

قالت أخرى:

لعلها أسلمت.

فأجاب زميلها:

ليس لدينا ما يشجعها على ترك دينها وكاترين مسيحية ملتزمة لا يمكن أن تدخل ديننا بهذه السرعة ودون أن نعلم عنها شيئا ثم هناك وقت طويل قبل أن تتعرف على الحجاب وهو حكم فرعي طالما تجاهلته المسلمات اللائي انحدرن من العوائل المتأصلة في الإسلام.

لم تلازم النظرات والهمسات أصحابها بل تعدتهم إلى كاترين نفسها فوجهت سارا -زميلتها في قسم الاعتمادات- السؤال التالي وهي تبتسم:

سارا:

هل طلب منك أن تتحجبي أولا؟

كاترين: (وهي تجمهر عليها هازّة رأسها حول أرنبة أنفها)

 من هو عائد الضمير المذكر يا مادموازل سارا؟!

سارا:

لابد لحسناء مثلك أن تتساهل يوما ما.

كاترين:

ولكني أحسست بالفارق الكبير بين أن أتقي الطامعين أو أدفعهم عن نفسي فلا يطمع الذي في قلبه مرض، وليس هناك من يملك قلبي،،، عفوا، من يحكمني ويأمرني.

ساترين:

يعني هناك من يملك قلبك ولكنه لا يحكمك يا كاترين؟؟

كاترين:

سكتت ولم تعلق

سارا:

هناك شيء ما يخفى علينا من أمرك يا كاترين.

كاترين:

وهناك أشياء كثيرة تخفى علينا من أمرك أيضا.

سارا:

نحن نحبك يا كاترين ومعجبات بك وبخصلك الندية المتراكمة كأنها روضة أكسوم رشت بماء الورد أو قنو نخلة أينعت حملها وطاب بريقها. أنت اليوم دخلت البنك وقد أخفيت قنديلا مضيئا تحت هذه المقطوعة من القماش الساتر فتقلص بريقك يا حسناء البنك المدني.

كاترين:

لكن جمال الوجه ومحاسن الشعر لدى الفتاة يدفع الرجال إلى الطمع أو يشعرهم الإخفاق والحرمان.

سارا:

معنى كلامك أن تستري محاسنك خوفا من الرجال أو رفقا بهم.

كاترين:

لا تتستري ولا تتبهرجي بل اقتصدي من جمالك حتى ينعم الناس بالراحة والاطمئنان. إن كثيرا من الأزواج يندفعون نحو الطلاق حينما يفتنون بحسناء أجمل من زوجاتهم وكثيرا من الفتيان يلاعبون الفتيات أو يغتصبونهن قبل أن يدخلوا القفص الزوجي بل وبعد ذلك. يجب وضع حد لهذه الفوضى والشغب الجنسي ويبدأ ذلك من النساء لا من الرجال.

سارا:

وكيف نتزوج إن اختفينا تحت السواتر والحجب؟ فمن يرغب فينا؟

كاترين:

الشعور بالحاجة الجنسية موجود بالفطرة ولكن التهييج الفوضوي من قبل الإناث يسبق الاعتداءات الجنسية والمشاكل العائلية والأمراض البدنية والتفسخ الاجتماعي والضعف في الكيان الإنساني الذي يبدأ تشكيله من الأفراد. الحجاب الصحيح يخفف من التهييج ويوازن بين الجاذبية والعفة. إن الكثير من الفتيان يفضلون المحجبة المعتدلة لأنها أكثر صونا للأعراض وأكثر   إشباعا لحاسة الحرص التي يمتاز بها الرجال الطيبون الذين يفضلون الانفراد بالتمتع من زوجاتهم. إن مثل هذه الأزواج أكثر قبولا لدى المرأة العاقلة التي تسعى لإشباع زوجها فلا ينتظر ابتسامة امرأة أخرى.

سارا:

ولكن النبي محمد تزوج بتسعة أزواج يا أخت المسيح.

كاترين:

النبي محمد تزوج بواحدة قضى معها غضاض شبابه فلما توفت تزوج بالعديد من النساء فلعله كان يبحث يائسا عن خديجة أخرى فلم تعثر عليها ثم إن علي بن أبي طالب تزوجت ببنت محمد من خديجة واقتنع بها حتى توفت فبات علي يتزوج واحدة تلو أخرى. هاتان المرأتان -خديجة وفاطمة- لم تجدا ضرة طيلة حياتهما وزوجاهما -محمد وعلي- فقداهما بعد انقضاء أجلهما.إنني كامرأة واثقة من أن محمدا لم يكن ليتزوج الثانية لو كانت خديجة في معيته.

سارا:

إن ما تقولينه حقيقة تاريخية ولكني أشك فيها لأن خديجة كانت أكبر من محمد سنا فكيف اكتفى بها في العشرينات والثلاثينات من لم يقتنع بثمانية أزواج بل تعدى إلى التاسعة وهو في الخمسينات؟

كاترين:

أنت في عتمة من التاريخ العربي يا سارا فمحمد كان من أسرة مرموقة جدا وقد قال كلمة واجه بها كل العرب حتى تألب عليه الأقصون والأدنون يلتمسون شرخا في حياته الماضية من قبل النبوة فلم يفلحوا. لو كان لمحمد ارتباط نسائي لاتضحت وتجلت. إنه أنظف إنسان في قومه وعشيرته وأنقى عربي مر على صفحة التاريخ. لست مبالغا إن قلت أنه أعظم إنسان قرأت عنه دون منافس. المسألة كما بينت ولكني أدعوك بأن تفكري قبل أن تتعثري مرة أخرى. إن خديجة هي حبيبة محمد والزواج منها كان على حب وأما بقية زوجاته فكان الزواج منهن تمتعا أو سياسة أو أمرا إلهيا أو شيئا آخر، لكنه كان رجلا عظيما قادرا على التحبب إليهن جميعا ومديرا قويا أبدى قدرته الإدارية في الاحتفاظ بتسعة نساء من بكر وثيبة، جارية وشابة وعوان، حرة وأمة، قرشيةوغير قرشية، عربية وقبطية، ثم إنه أنبتهن جميعا في غرف داخل بيت واحد. وبما أنه نبي يبتعد عن الظلم فقد انبرت عدالته في إقناع تسعة نساء مختلفات يؤمن به ويستضئن بنور علمه ويقتدين بخصاله وأفعاله. ولا أظن بأن أحدا منا قادر على أن يعرف أسرار ذلك البيت الزوجي العظيم لإنسان يندر أن نرى مثله في التاريخ عدا أنبياء الله تعالى الذين هم إخوانه دون ريب.

ساترين:

دقت الثامنة يا بنات، وبدأ الدوام.

توجه الموظفون إلى مقاعدهم كما ذهبت كاترين إلى غرفتها بجوار غرفة رئيسها علوي. فتحت الباب المتوسط كعادتها كل صباح لتسلم عليه وكان الجواب محفوفا بتبسم علوي ودهشته من حجاب مدققة الاعتمادات المسيحية. لفت الحجاب انتباه علوي لكنه لم يعلق شيئا، كأنه كان يفكر فيما يقول حيث أنه لم يكن لينتظر هذا التحول في فتاة لازالت غير مقتنعة بترك العقيدة المسيحية وملتزمة بها على الرغم من دفاعها عن الإسلام وعن النبي محمد. استأذنت كاترين للعودة إلى مكتبها حيث أن هناك اعتمادات متبقية من يوم أمس. ثم دخلت ساترين لتسلم على رئيسها علوي.

ساترين:

صباح الخير علوي

علوي:

صباح الخير ساترين

ساترين:

ألم تر شيئا جديدا يلفت انتباهك هذا الصباح

ضحك علوي قائلا:

تقصدين حجاب كاترين

ساترين:

طبعا ويا ليتك في قاعة البنك الرئيسية أول الصباح لتسمع مناقشتها مع سارا ودفاعها المخلص عن تزوج نبينا محمد بتسعة أزواج.

دخلت سارا مسلمة فأتبع علوي رده للسلام بقوله:

علوي:

وما هو مناقشاتك مع كاترين

سارا ذكرت له المحاورة بكاملها وبدقة

علوي:

أليس عيبا عليكما أن تسبقكما زميلتكما المسيحية في لبس الحجاب وأنتما تعلمان أن كاترين لا يمكن أن تأتي بشيء لم تقتنع به.

التفتت الفتاتان كل منهما إلى الأخرى وهما تتهامسان فانطلقت ساترين موجهة سؤالها إلى علوي.

ساترين:

لعل نصائحك ودردشتك في آخر الدوام هي التي أقنعت كاترين يا علوي.

علوي:

لم أتحدث حول الحجاب أبدا مع كاترين ولم تفاتحني به أبدا. كان حجابها مفاجئا لي وقد بتّ أفكر في هذا التغيير منذ اللحظة التي رأيتها فيها قبل ربع ساعة.

ساترين:

لكنك سررت بهذا التغيير؟

علوي:

بالطبع بعد أن ذكرتما لي النقاش واطمأننت أنها لبست الحجاب باعتقاد وإيمان.

ساترين:

يعني أنك تحب أن ترانا محجبتين أيضا.

علوي:

يا ليت

ساترين:

ألسنا أجمل تحت التسريحة يا علوي

علوي:

هل أنتما موظفات بنك أم عارضات للتسريحات؟

ساترين:

هل أنت تعكس سياسة البنك يا علوي؟

علوي:

كلا بالطبع، فأنا أتحدث إليكما كصديق لا يضمر لكما إلا الخير وطيب المستقبل.

سارا:

ألا ليت الباقين يقتدون بك وليتنا نقوى على محاربة أنفسنا واتباع عقولنا التي لا تخالفك يا علوي. كلما أسمع عنك في البنك هو الحب والاحترام والتقدير والإعجاب فأنت كبير في عيوننا وقلوبنا.

ساترين:

ما كنت أريد أن أبوح لك بما أكنه لك من ود وولاء فأنت معي ليس في البنك فحسب بل ومع أهلي في البيت. نحن نردد كلماتك وحكمك ولا نريد أن نخاطبك بغير لسان الفؤاد فأنت تـُعرف بالقلب فقط واللسان عاجز عن النطق بما تخفيه لك النفس واعذرني إن نطقت بما كنت أطرب به في نفسي كمثال وضاء للعبقرية والكمال وللأمانة والصدق، ذلك لأن سارا كشفت لك عن القليل مما تكنه لك في صميمها فكان سكوتي هنا نكرانا للجميل ومبعثا للريب يا من نفتخر بك وبالخدمة بين يديك.

تلعثم علوي من شدة الخجل وانحدرت رشحات العرق صبيبا من جبهته ووجهه حتى ابتل جيب دشداشته (قميصه)، لكنه رفع رأسه بصعوبة ليقدم لهما شكره،

علوي:

شكرا يا سارا وساترين، لا أحمل أهلية لهذه المحامد والممادح فأنا عبد ضعيف لا يدري ما يفعل به غدا، أرجو أن يغفر الله لي فلا يفضحني يوم يقوم الأشهاد كما أبتهل إليه أن يغفر لكما ويوفقكما وأهلكما لما فيه صلاحكم وخيركم وعزتكم.

خرجت سارا وساترين وهما تتلاومان أن فصحتا عما تخفيانه من احترام لذلك الرجل المتواضع والمثالي فأخجلتاه.

يتبع (حجاب عند الحاجة 2)

أحمد المُهري

 #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

المؤمنة كاترين 16- يوم غير ما مضى من الايام


المؤمنة كاترين

المقطع السادس عشر

يوم غير ما مضى من الأيام

أشرقت شمس الصباح في يوم السبت وكان علوي يغني معها وينظر إليها نظرة جديدة فهو اليوم غير وحيد بل قد ربط قلبه بمن يحبها وأشرق المستقبل مرة أخرى بعد أن ألمت به كارثة وفاة زوجته الطيبة سارة. كانت سارة زوجة مخلصة ومهذبة ومهتمة بزوجها، لكن سنة الحياة داهمت بيتها بطرفها الحاد فقطعت رباط ذلك البيت بفرض الموت عليها تقديرا من العزيز العليم. ليس للذين بقوا إلا الصبر ومواجهة الحياة ومتطلباتها من جديد. لا يمكن للإنسان أن يعيش على أحلام الموتى مهما آلمه الفراق فالزواج والإنجاب والحياة الاجتماعية سنن طبيعية تفرض نفسها على الإنسان بدوافع ذاتية موجودة لدى الناس ذكرانا وإناثا.

دخل علوي غرفة عمله وكأنه يدخل سجنا. إنه يفقد شيئا ويشعر بجبل من الهموم والغموم قد لف قلبه فأظلمت عليه الدنيا. إنه غير مرتاح وغير مستبشر ولا يدري ما السبب. وبينما هو في حيص بيص نفسه حتى دخلت عليه كاترين مسلمة قبل أن تدخل مكتبها، بعكس عادتها السابقة. كاترين كشفت الغمة عن قلب علوي وأحضرت معها بشاشة الدنيا وبهجتها لقلبه. شعر علوي بأنه أصبح مثل مدخني المورفين والسجاير بحاجة إلى التدخين قبل أن تنكشف عنه الهموم. لكنه يطلب ما يرضي ربه ويعين قلبه ويمتع أولاده.

أما المدخنون يطلبون ما يغضب ربهم بأنهم يلقون بأيديهم إلى التهلكة الفعلية ويجلبون السرطان والأمراض الأخرى إلى القلب والرئتين ويضرون أولادهم ويذمرون كل من يقترب منهم حتى بعد الانتهاء من التدخين. إن الرائحة الكريهة للسجائر تبقى ملازمة لمن ابتلي بها، كما أن حالة الاضطراب والرجفة توصم جبين متعاطي المخدرات. شعر علوي بقسوة الحب وثقله حينما قرر أن يرتدي ملامحه العادية لئلا يشعر أحد بما يدور في خلده. لم يكن ليقوى على إبعاد قسمات الغرام عن وجهه فاستعان بقلنسوة الحياء ليغطيها ويستعيد نشاطه اليومي المألوف فلا يشعرنّ به أحدا.

قاوم علوي قلبه بشجاعة لا نظير لها فلم يبد منه ما يريب، لكن كاترين كانت تقرأ كل همساته القلبية وتبادله الوجد والوجس حينما تختلي به. راقبت كاترين حبيبها ووقفت على قدرته المثالية لإخفاء صرخات الفؤاد عن كل غريب بل وكل أحد غيرها وتعجبت من سرعة التقلب لدى علوي. كل هذا وهما لم يستعملا اللسان بعد للتعبير عن هواجسهما الباطنية. أدركت كاترين في نفس الوقت خطر اختلاء الفتاة بمن يحمل قوة التمتع معها وادّكرت حكم الحجاب لدى الإسلام لتكبره وتنحني أمامه إجلالا لمن شرعه بعلم وتقدير دقيقين. “أليس الله بكاف عبده”: هذا ما رددته كاترين عدة مرات في نفسها وهي تختلي بعلوي في غرفة غير محكمة الإقفال بل الباب في متناول من يفتحه دون أي مانع.

قالت كاترين في نفسها: سبحانك اللهم في علمك بكل حقائق خلقك وفي لطفك بإرشادهم وتأديبهم وفرض الحقائق عليهم. اللهم إنك تكفي من اتبعك وتكفي من أرادك وتكفي من لم ير أمامه غيرك. إنك تكفيه تشريعا وتعليما وتأديبا وتهذيبا ونجاة من الهلكات، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم إني أرغب في إكمال ديني بالحياة مع علوي وليس لي نية إغرائه وإغوائه فلا تؤاخذني بما أتطرب من حضرته وكن ثالثنا إذا تثنينا فلا نعصيك ولا نخالف أمرك وارض عنا.

كانت كاترين مسيحية بدينها ومسلمة لله بعملها وبسلوكها. قلما نرى مسلما أو مسلمة تحمل أو يحمل هذا الأدب التشريعي وتراعي أو يراعي رغبة الخالق في تنظيم روابط الحياة الاجتماعية والشخصية. ليس الآلام إلا قرآنا من التشريعات والقوانين التي يجب الأخذ بها إذا أسلم الإنسان لربه، ولكن غالبية المسلمين ليسوا مسلمين لربهم بل هم مسلمون لمن سبقهم أو لمن علاهم في الفكر والذكاء. يريد الجميع أن يرضي نفسه وشهواته بتشريعات تبعد عنه الألم وكأن الله تعالى أراد أن يجعل الدنيا جنة للناس. إنه سبحانه يريد لنا أن نتألم ونصبر لأنه تكفل بأن يجزي الصابرين ولم يتكفل بأن يجزي المترفين. الشهوات موجودة ويجب مكافحتها إلا في حدود شريعة الله تعالى ولا يجوز سن تشريعات تبيح الإباحية كما نراها شائعة بين أتباع الديانات مع الأسف.

جلست كاترين في غرفتها بعد أن أتمت تدقيق الاعتمادات التي حُولت إلى مكتبها وكان الوقت يقارب الواحدة والنصف بعد الظهر. فكرت مليا في علاقتها الغرامية المستحدثة مع رئيسها واستعاذت بالله من أن يستولي الشيطان عليهما فيدليهما بغرور أو يزين لهما سبيلا غير مقبول لدى خالق الكون. تمنت من كل قلبها أن تتحقق المتعة التي أحبها الله تعالى لعباده بينهما واستعدت لأن تتحمل المرارة والصبر حتى يأتي أمر الله. فكرت في الفتيات والفتيان وهم في سني الصبا، كيف يمكن أن يعيشوا معا دون أن ينفث فيهم الشيطان ويوسوس في قلوبهم الرقيقة التي لم تتعلم الكف ولم تمارس العفة بعمق وقناعة؟ القناعة الذاتية لا تكفي لأن تحرس الإنسان فترة طويلة دون أن يتهاوى في منحدر الرذيلة.

استعادت كاترين عقدين من نضارة الشباب والآلام التي صبت عليها لتكافح هوى النفس وترد عروض الصداقة الهادفة التي كانت تتوالى على حسناء مثلها. قارنت قدرتها وإيمانها ببقية فتيات وفتيان البنك المدني وتحسست الفارق الكبير بينها وبينهم قائلة: معاذ الله كيف يمكن أن أتصور النظافة والقناعة بين هؤلاء الزملاء الذين لا يطيقون الكف عن السجائر التي ثبت ضررها لديهم. إن هناك خطأ كبيرا في تنظيم العلاقات بين الذكر والأنثى في الحياة العصرية، ويجب على المفكرين التنبه لها وتقنينها. كانت تظن فيما قبل أن الإسلام مبالغ في التحريض على إبعاد الجنسين عن الخلوات قبل أن يقترنا بالمعاهدة القانونية والدينية للتزاوج، لكنها اليوم تشعر بوضوح صحة تلك الآيات المحكمات التي تنظم العلاقات بين الطرفين على أساس الآداب والسلوك الحسن مع مراعاة الجاذبية الطبيعية بين المتغايرين جنسيا.

فكرت كاترين بأن هناك بعض المبالغة في التطبيق من قبل الذين يتظاهرون بالولاية على غيرهم وبالمعرفة لأحكام الشريعة. إن طريقتهم تؤدي إلى تذليل المرأة والنيل من مكانتها في المجتمع الإنساني، ولكن الإباحية التي تمنحها النظم الاجتماعية الحديثة تقابل ذلك التحفظ الزائد بالتفكك الخطير في العلاقات الأسرية التي هي أساس البنية الاجتماعية للكيان الإنساني. لقد اضطرت الدول التي أزالت الحجب بين أفرادها أن تشرع الروابط غير الشرعية حتى مع الجنس الموافق كيلا تواجه الخروج على القانون. إن غالبية الأطفال العصريين يولدون عن طريق العلاقات غير الشرعية بين الأخدان فمن يتعهد بحمايتهم؟ لم يكن لدى المشرعين بدّ من تشريع العلاقات الثنائية حتى يحموا أطفال الغد. إن قوانين الزواج في الغرب قاسية ومجال التمتع مفتوح فمن لشرارة الجنس المتقد ومن لشيطان الغرام الذي يوسوس بين الصدور دون حرج؟

والأشرس من كل ذلك أن الأسر في تلك الدول المتقدمة مضطرة لتشجيع الجنسين على الاتصال متحملة كل العواقب خوفا من أن يميل الفتيان والفتيات كل إلى جنسه فيشيع اللواط والسحاق ويقضى على تراثهم الأسري والاجتماعي العريق. إنهم مع كل ما يأتون به من إغراء جنسي فإن التحرك نحو الجنس المماثل في اطراد وتزايد والخوف من الانهيار يراود كل المحافظين ويشغل بالهم بصورة جدية. هذه هي نتيجة الإباحية وأن يرى الشاب بأن المتعة في متناول يديه بالطريقة التي يريدها دون أي تخوف أو حذر. تعمقت كاترين مليا في هذه الفتنة المتأججة وقالت في نفسها:

“يجب الدعوة إلى الله تعالى وإلى اتباع أحكامه بدقة قبل أن تنمحي الفضيلة وتزول على أثرها الإنسانية بأكملها. الإباحية كانت النتيجة الحتمية لقوانين الكنيسة التي لم تكن لتراعي الاعتدال طيلة تاريخها مع النهضة الصناعية. أثبتت الكنيسة أن أحكامها وتشريعاتها غير قادرة لتثبيت الزواج الشرعي بين معتنقي المسيحية بدليل التناقص المطرد لنسبة المتزوجين في الدول المتقدمة. لقد ناقضت المسيحية نفسها حينما ادعى بعض القديسين المسيحيين بأنهم ألهموا إباحة الكثير مما حرمته تشريعات موسى عليه السلام حتى باتت تشريعات التوراة أحكاما يهودية لا شأن لها بين أتباع المسيح عليه السلام”. بمعنى أن المسيحيين يقولون بأنهم يتبعون التوراة ولكنهم عمليا يتبعون شهواتهم أولا ثم يشرعون أعمالهم بأصحاب الألقاب والقلنسوات الدينية الذين يسعون لإرضاء أتباعهم خوفا من أن يخسروا ما تجود به أيديهم لبقاء الكنيسة وأرباب الكنائس.

شعرت كاترين بالضيق في نفسها وهي لا تدري لماذا هي مسيحية؟ لو كان دين المسيح موجودا فأين تشريعاته وأين كتبه؟ هل الكتاب المقدس واف لحاجات المجتمعات العصرية، وهل هو أكفأ من قرآن المسلمين؟ تمنت لو أنها كانت يهودية تهذب نفسها بتشريعات التوراة؟ ثم فكرت هل بإمكانها أن تعتنق دينا يؤمن باصطفاء بني إسرائيل وهي لم تنحدر من يعقوب عليه السلام؟ باتت اليهودية دينا عائليا وليس دينا لأهل الأرض. لو فكر اليهود لعادوا إلى القرآن الذي نادى بأن موسى نبي لكل البشر حتى ظهور المسيح. القرآن لا يحصر الرسول موسى في بني إسرائيل على الرغم من أن بني إسرائيل هم قوم موسى.

لقد بدأ موسى دعوته للفراعنة قبل أن يدعو قومه، فما معنى انكفاء الدعوة إلى دين موسى على بني إسرائيل دون غيرهم إلا قليلا؟ إن اليهودية اليوم أصبحت معادلة لبني إسرائيل وبما أن الناس كلهم عبيد رب واحد فأنى لليهود أن يدعوا الولاء لله تعالى وهم لا يعترفون بغير بني إسرائيل؟ كل هذه الهواجس تبعد كاترين من الإصرار على اتباع الكتاب المقدس وتقربه من دين الله شيئا فشيئا.

قالت كاترين في نفسها: أسلمت وجهي لله وسوف أبدأ العمل بما أراه صحيحا بتدرج لعلي أرضي السماء وفي هذا الطريق أستلهم منه تعالى أن يرشدني ويهديني سواء السبيل. سوف ألبس الحجاب من الغد. لعل التلبس به يرضي الله وما بالي بالناس. الحجاب ليس مخصصا للمسلمين بل هو زي كل المؤمنين بالله الذين عاصروا أنبياءه. الحجاب هو زي اليهود والمسيحيين وزي أتباع أبينا إبراهيم عليه السلام. هذا ما يشهد به تاريخنا ولا ضير في العمل به. كل راهباتنا يلبسن الحجاب فهل هن خير منا؟

وفي المساء اشترت كاترين عدة حجابات من السوق وتطلعت إلى اللاتي يلبسن الحجاب ناظرة إلى مختلف أشكال التحجب واختارت من بينها أكثرها عفة وأشملها سترا للشعر والصدر وجربتها عدة مرات في البيت وكأن يدا خفية تساعدها على شد الحجاب وتشجعها على الظهور المفاجئ غدا أمام زميلاتها غير المحجبات في البنك المدني. أحست بأن شيطانا يوسوس في صدرها ويحذرها من الإنصات لنداء العقل ولكنها قاومته ولعنته قائلة: إن الشيطان للإنسان عدو مبين.

لا زالت كاترين كغيرها من النساء تجهل حقيقة الحجاب وتجهل حكم الله تعالى في القرآن. لا زالت كاترين تظن بأن ما يأتي به المسلمون رجالا ونساء يمثل دين الله تعالى في القرآن الكريم. أصرت كاترين على الحجاب لأنها رأت بأن الحجاب ليس مقتصرا على المسلمات بل هو زي قديم ولا زال معمولا به لدى بعض اليهود وبعض المسيحيين ولا سيما راهبات الكنائس. كل اللائي يزرن البابا يلبسن غطاء الرأس.

مشكل معتنقي الأديان السماوية أن العادات والتقاليد لديهم حلت محل التشريعات المنزلة من السماء. هناك الكثير من العادات الطيبة ذات المظاهر الجميلة نسبيا وقد عمل بها المتدينون حتى أصبحت جزءا من التشريعات السماوية. هناك القليل جدا من المفكرين منتبهون إلى أن الكثير من أحكامنا ليست منزلة من السماء. ففي الحقيقة يحتاج كل معتنقي الديانات السماوية أن يعيدوا النظر في فهم أصولهم السماوية ونشرها حتى لو لم يعملوا بها.

يتبع (حجاب عند الحاجة -1-)

أحمد المُهري

20/4/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/