رسائل في الانتقام 1- المشكلة


اتركوهم لله، جئت لأغير وما جئت لأنتقم.

Leave them for god,
I am coming to change only,
I am not coming to revenge.
#مهاتما_غاندي

رسائل في الانتقام

1.     المشكلة

المشكلة التي نعاني منها جميعا بأننا وبصورة طبيعية نحب الانتقام وأنا لست شاذا عنكم فأنا أيضا أحب الانتقام. ولعلمكم فقد مسني الظلم كثيرا وكنت أزداد نقمة على الظالمين وهي حالة طبيعية ولا أظنكم تتعجبون منها. لكنني حينما درست أحوال الأنبياء وأردت التعرف على السر في تعيينهم سماويا رسلا من الله تعالى خالق الكون المهيب إلى المدركين من عبيده في أرضنا فإنني شاهدت الفرق بيني بل بيننا وبينهم. إنهم يكرهون الانتقام ويحبون نشر الهدى بين الناس ويحبون الناس حبا غير عادي. أظن بأن رسول الله كان يحب الذين حضروا زمانه ومكانه أكثر من حب الآباء لأبنائهم. قال تعالى في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6). والآية تبين للقارئ تأثر رسولنا نفسيا لصالح المسيحيين. واللغويون متفقون تقريبا على معنى بخع وأكتفي بالراغب في المفردات:

البخع: قتل النفس غما، قال تعالى: {فلعلك باخع نفسك}[الكهف/6] حث على ترك التأسف، نحو: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}[فاطر/8].  انتهى النقل.

فالرسول الأمين يتألم من رفض قومه لدعوته لأنه يعلم نتائج رفضهم ولكن الله تعالى لا يهتم بما يهتم به رسله. إنهم بشر متواضعون ويحبون بني جنسهم ولا يهتمون بكسب الملك والسلطة. ولنعلم  الفرق بين اهتمامات ربنا وبين مشاعر رسله نقرأ بداية الكهف ونقارن بينها وبين الآية السادسة أعلاه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا ِلآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا (5).

وحتى نعرف المزيد من السورة اسمحوا لي أن أستعرض باختصار موقعها في القرآن الكريم. هي ضمن مجموعة سور بدأت بالإسراء التي تتحدث عن بني إسرائيل ثم الكهف التي تتحدث عن المسيحيين ثم مريم التي توضح لنا حقيقة رسول الله عيسى إلى بني إسرائيل الذين آمنوا به وسميناهم في ما بعد بالمسيحيين وتنتهي المجموعة بسورة طه التي تتحدث عن رسول الله موسى إلى بني إسرائيل الذين عرفوا باليهود. وبعد هذه السلسلة الطيبة من السور فإنه تعالى يوضح لنا معنى النبوة عن طريق بيان أمثلة من الأنبياء في سورة الأنبياء. فالسور الخمسة جميعها مرتبطة بالأنبياء وبأتباع الأنبياء.

الأنبياء صفوة طيبة خيرة تحب الإنسان وتحب معه كل خلق الله. إنهم جميعا مظاهر رحمة الله تعالى ولكن الله الرحيم لا يمكن أن يعمم الرحمة دائما على كل العصاة فهو سبحانه مهتم بالعدالة قبل كل شيء. ولذلك تعجبت من قول أخي الكريم الطبيب سلامه بأن الله تعالى أمرنا بإنزال العقوبة والانتقام وأنا ما رأيت شيئا من ذلك النوع من الأوامر في الكتاب الكريم. لقد عهد الله تعالى على نفسه أن ينتقم من الظالمين واكتفى الرسل بذلك ولم يأمر الله تعالى رسله بالانتقام حسب ظني. قال تعالى في سورة إبراهيم: فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47). لكنه تعالى اكتفى بالإذن بالعقاب.

وكل ما ذكره ربنا من عذاب دنيوي ضد بعض أقوام الرسل فهو منه سبحانه وليس من الرسل عليهم السلام. وإذا قرأنا عن نوح بأنه اشتكى من قومه وطلب إزالتهم فإنه صبر عليهم 950 سنة وهو صبر بشري غير معهود لدى غير نوح كما أظن. ثم إنه عليه السلام خاف على المؤمنين فخاطب ربه كما في سورة نوح: وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فَاجِرًا كَفَّارًا (27).

ويمكن لنا ملاحظة أن ما فعله الله تعالى بقوم نبينا كان منه سبحانه وليس بطلب من رسوله عليه السلام؛ نراه جليا في ما يلي من سورة التوبة: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15). فالذي يريد إنزال العذاب هو الله تعالى ولكنه يريد ذلك على يد عبيده المؤمنين. ويمكن لنا فهم السبب لو أمعنا في التالي:

1. الذين يحضرون الرسالات فإنهم يرون الحق مشفوعا بالمظاهر الإعجازية التي تؤكد لهم حقيقة الدعوة وبأنها من الله تعالى. فالذين كذبوا منهم فهم كافرون بالحقيقة وليسوا جاهلين لأنهم يرون ما لا يراه غيرهم من آيات الله تعالى. فحكمهم واضح وهم أصحاب النار ولا معنى لتركهم بسلام بل يقدر الله تعالى إزالتهم عادة. هذا ما فعله مع أقوام الرسل الذين أكملوا دعواتهم وكفر بهم من كفر من قومهم.

2. لم يعذب الله قوم إبراهيم لأن الدعوة لم تتكامل لديهم ولم يظهر حقيقة كفرهم فتركهم ربهم ليختبرهم ربهم بصورة عادية في غياب رسولهم إبراهيم عليه السلام.

3. لم ينزل الله العذاب على فرعون موسى وقومه لأنهم كانوا مختلطين مع عامة الناس. لكنه تعالى قدر لموسى عليه السلام أن يهرب فتبعهم فرعون و جنوده دون عامة الشعب ولذلك أغرقهم الله تعالى بأنهم لم يكونوا مختلطين مع الناس العاديين. وبقي منهم عالم البلاط الفرعوني قارون فلم يتركه ربه حيا بل أنزل عليه عقوبة الهلاك خسفا كزملائه من قوم فرعون. ولا ننس بأن قارون كان من بني إسرائيل.

4. كان مشركو مكة مختلطين مع مسلمي مكة ولذلك قدر الله تعالى للكافرين أن يُعذَّبوا كأفراد على يد المؤمنين وقدر للمؤمنين أن يروا من كل فرد منهم ما يؤكد لهم مشاركته في التآمر ضد الذين آمنوا بالله ورسوله. وهكذا أنزل الله تعالى عذاب الدنيا على كل الذين كفروا برسله.

لكن الرسل غير نوح الذي خاف على المؤمنين من قومه، فهم لم يطلبوا العذاب. وحينما قدر سبحانه أن يعذب قوم لوط وهم الفينيقيون كما أحتمل، تألم إبراهيم فحكى الله تعالى القصة في سورة هود: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَىيُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76). لكن علينا أن نعرف بأن عذاب الله في الدنيا خاص بأصحاب الرسل ولا يحق لأحد غير الله تعالى أن يأمر بها.

وأما دعاء لوط فهو عليه السلام دعا بأن ينصره الله على قومه فقط ولم يدع بهلاكهم ولنستمع إلى الحكاية مرة أخرى من سورة العنكبوت: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33). ولعلنا نعلم بأن الله تعالى كان يمهد كما أظن لنزول التوراة على بني إسرائيل فكان من الضروري أن يزيل خطر اندثار العوائل بسبب انتشار ارتباط الرجال بالرجال والنساء بالنساء وتوقف الإنجاب. كما أنه تعالى ذكر في نفس سورة العنكبوت قصة قوم شعيب لأن انتشار تنقيص المكيال والميزان كان يشكل خطرا كبيرا على بني إسرائيل أيضا. يريد الله تعالى كما أظن أن يختبر البشرية بالعائلة كما فعله مع أبناء إسحق وأن يختبرها بالقوانين كما فعلها مع أبناء إسماعيل. ولذلك أزال مخاطر اندثار العوائل كما أزال مخاطر انتشار الظلم التجاري في عائلة اهتمت بالمال وبالتجارة. والعلم عند المولى عز وجل.

والآن نأتي إلى التشريع فلا يُعقل ألا يسمح الله تعالى بالعقاب ولكنه يحب لعبيده الصبر والدعاء إلى ربهم ليكفيهم شر أعدائهم. بالطبع أن من حق الناس أن يستفيدوا من تشريعات السماء وينزلوا العقاب على من ظلمهم ردعا و درءً للتكرار. وأنا أظن بأن السبب هو أن من خير البشر ألا يتعلموا على القسوة فتنتشر بينهم الرحمة والحب والحنان ليعيشوا بسلام وأمان. والله تعالى يمن على أهل مكة بأنه خلصهم من حب الانتقام بقوله الكريم في سورة آل عمران:وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104).

نلاحظ من الآيتين الكريمتين بأن الله ورسوله بفضل عدم التسريع في الانتقام حول أمة يحارب بعضها البعض إلى أمة يحب بعضها البعض.

لقد ربى رسولنا المؤمنين من صحابته على حب البشر حتى أضحوا يحبون أعداءهم وقد شهد لهم ربهم بذلك في سورة آل عمران: هَا أَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119). ولنا فيما فعله رسولنا بمن ظلموه يوم فتح مكة بأنه عفا عنهم وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. كما أنه عليه السلام أعطى الأمان فور الدخول لمن دخل بيته أو دخل دار أبي سفيان أو دخل المسجد. ثم إنه عليه السلام طلب مفاتيح الكعبة وبعد أن نظفها من الأصنام أعادها إلى نفس الشخص المشرك واعتبره من ذلك اليوم وكيلا عن الحكومة الجديدة لحراسة الكعبة وحفظ المسجد. هذا ما بعض نقله المؤرخون من معاملة رسولنا بعد الفتح.

فالرسل لا ينتقمون أبدا. ولكن المسلمين الذين انتقموا بل ظلموا الذين لم يظلموهم واعتدوا على من لم يعتد عليهم باسم الفتوحات الإسلامية فهم لم يسيروا على منهج الرسل. وليت شعري أرى بعض غير المسلمين يتبعون الرسل. بل أرى بعض غير المؤمنين بالرسل وهم يتبعون الرسل أكثر من الذين يدعون بأنهم أتباع رسل الله. هذا غاندي الهندوسي الذي انتصر على الحكام المرتزقة الذين حكموا الهند بتخويل من الحكومة البريطانية فإنه لم ينتقم منهم بعد الانتصار. وسمعت بأنهم استفسروا عن حكمه في رجال الأمن الذين قاموا بتعذيب أتباعه فقال لهم: اتركوهم لله، جئت لأغير وما جئت لأنتقم. Leave them for god, I am coming to change only, I am not coming to revenge.

وحينما انتصرنا على الشاه الفارسي وكنت مع الثوار فإنني أحببت أن نترك الظالمين لله وهذا ما قاله الخميني في البداية. لم يأذن بإعدام أحد بداية ولكن بعض المتشددين من الثوار أقنعوه بعد عدة محاولات ليسمح بالإعدام. كان ذلك خطأ كبيرا ارتكبه الخميني واضطروا فيما بعد أن ينشروا الرعب بين الناس لأن الكثيرين أرادوا أن يعيدوا الكرة عليهم فينتقموا منهم، وهكذا خسرت الثورة الكثير من رجالها وخسر الشعب الكثير من أفرادها.

وكنت أتمنى أن ينتبه الإخوان المسلمون بعد أن سيطروا على الحكم في مصر عن طريق الديمقراطية والانتخابات وليس عن طريق الخلافة المشؤومة التي دعا إليها المرحوم حسن البنا. لكنهم استسلموا لضغوط بعض المجرمين من السلفيين الداعين إلى الكراهية والانتقام فخسروا السلطة. وها أنتم في مصر تعانون من ردات الفعل ولا أحد غير الله تعالى يعلم نهاية المواجهات الدموية.

ومما لا ريب فيه هو أن الله تعالى لا يحب لنا الانتقام بل يحب لنا الصبر وأن نترك الانتقام لله تعالى وحده. لكنه تعالى لا يمكن أن يمنع من القصاص لمن يريد أن يقتص ممن ظلمه. فلننظر إلى الذين آمنوا برسوله وكان من بينهم من هو مطلوب للدم. قال تعالى في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179). نعرف من الآية الأولى بأن المقصود هم الذين قتلوا قبل الإسلام وذلك لقوله الكريم في نهاية الآية: ذلك تخفيف من ربكم؛ وقوله تعالى بعدها: فمن اعتدى بعد ذلك. فالله تعالى كتب القصاص على القاتلين ولكنه قال: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف. بمعنى أن يكتفوا بالدية ويتركوا القصاص لله تعالى مع أن في القصاص حياة لهم. لا يمكن أن يتخلى الله تعالى عن العدالة ولكنه يفضل أن نترك تحقيق العدالة لربنا ولا نستعجل بالعقاب في الدنيا. كل ذلك لأن الانتقام من شأن العزيز الذي لا يُغلب عز اسمه، وليس من شأن البشر الذي قد يُغلب.

ولقد راجعت كل موارد القصاص الدنيوي تقريبا فما رأيت بأن هناك تشجيعا للاقتصاص بل هناك الكثير من العوائق التي تحول دون الوصول إلى الحقيقة فيضطر القاضي لأن يتخلى عن العقاب إذ تُدرء الحدود بالشبهات. وقريبا سمعنا بأن أمريكيا سُجن عقودا ليقضي عقوبة المؤبد بتهمة القتل العمد ولكنه في النهاية كسب القضية وخرج من السجن. كان الرجل إنسانا طيبا حيث أن القاضية سألته عن التعويض الذي يطالب به نتيجة خطأ المحكمة فقال: لا أريد شيئا إلا أن يعيدوا النظر في القانون الذي يسجن الأبرياء. اهتزت أمريكا لتلك الكلمة فكان ردة فعل القاضية أن نزلت من المنصة وذهبت إليه وعانقته معتذرا ومكبرا نفسيته الطيبة. كما أن الرئيس أوباما زاره ليتعشى معه وقامت زوجة الرئيس بإعداد الطعام في البيت الأبيض فذهبت الأسرة الحاكمة إلى بيت ذلك المتهم البريئ مع قدر الأكل.

هذه هي واقع التحقيقات البشرية ولذلك فمن الأفضل عقليا أن نترك الأمر لله تعالى ونصبر. لكنني لا أدعو أبدا إلى ترك الإرهابيين يفعلون ما يشاؤون. هناك آيات كثيرة تدعو إلى قتلهم ولكن حينما يراهم الناس مستعدين للجريمة. أما الجرائم الأخرى مثل الزنا وبقية أنواع الفاحشة فلا يمكن أن ننفذ حكم الله تعالى إلا إذا قام اثنان بممارسة الفاحشة في الشارع العام وهو شبه محال. وأما ما ذكره السلف وأفتى به الخلف من عقاب وحدود ضد الذين يتركون الصلاة أو يفطرون جهارا في رمضان أو يُظهرون الشرك في العقيدة وما شابه ذلك فهم غير صادقين. إنهم يتدخلون في شؤون الربوبية وأظن بأنهم سوف يلقون من ربهم ما لم يكونوا يحتسبون.

أنا لا ألعب بالألفاظ ولا أجيز المساس باللغة العربية ولكن لا أرى إمكانية تحقيق العدالة السماوية كما نعرفها من القرآن، فيما عدا إعدام القتلة والإرهابيين. فمثلا جزاء السارق فهو فعلا بتر اليدين ولكن كيف نقطع اليدين ونساعد السارق أن يعيش إذ لا يجوز لنا إعدامه؟ فلو قطعنا يدي السارق فإن على الجهة التي تقضي وتنفذ الحكم أن يستأجر شخصين يتناوبان على مساعدة السارق المقطوع يداه والعاجز عن الحياة الطبيعية ليعيش بصورة طبيعية! إن تكاليف ذلك على المجتمع أكثر بكثير من أن نخفف العقاب على السارق ولا نقطع يديه ونتحمل تبعات قيامه مرة أخرى بالسرقة.

فالانتقام ليس مطلوبا والعقاب لمن يمس الأبدان أو يمس الحياة الاقتصادية موضح في القرآن وتنفيذ غالبية أنواع العقاب غير متاح إلا قليلا وبعضها تستتبع الكثير من المصروفات غير الضرورية للمجتمع. هذا ما أراه بعد قيامي بالتحقيقات وليس لدي أي مانع من أن أغير رأيي بمجرد أن يطلعني أحد على أحكام قرآنية تؤكد خطإي.

أشكر سيادة الأخ الطبيب محمد سلامه على سعيه لنشر الفضيلة ولنشر أحكام الله تعالى وأشكر كل من يستمع إلي والشكر المضاعف لمن يهديني ويحولي جهلي إلى علم.

أحمد المُهري

27/3/2017 

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

Advertisements

المؤمنة كاترين 20- جلسة الاثنين 2- تعدد الزوجات


المؤمنة كاترين

المقطع العشرون

جلسة الإثنين (2)

ماري:

كانت لدي إشكالات كثيرة عن الإسلام ولكنني الآن أشعر بأنني يجب أن اسأل لأتعرف على حقيقة الإسلام فالإشكالات هي من جهلنا بحقيقة هذا الدين السماوي العظيم وليس في الدين.

علوي:

الإشكال في الأحاديث والسيرة الكاذبة التي نسبوها إلى الرسول الأمين عليه السلام وبحركة شيطانية مريبة أقنعوا المسلمين بأن القرآن كتاب نشيد وترنيمات أنزلها الله تعالى لنستمتع بتلك الأناشيد ولكن الأحكام والتشريعات فهي في الكتب الفقهية التي تستمد من كتب الحديث وإن شاءت فستأخذ بالقرآن أيضا عند الضرورة!! لقد ضيعونا وضيعوا كل أهلنا وعلينا أن نعيد النظر في فهمنا لما أنزله الله تعالى علينا ليهدينا سبيله ويعلمنا صراطه المستقيم.

محمود:

لقد اهتموا بإسقاط قيمة العقل الذي ينمو ويتطور بتطور الزمان فتقدم غيرُنا علينا وبقينا في ضلالنا القديم. لا أحد يفكر والكل يقلد غيره والغير يقلد سلفه والسلف يقلد الحكومات العباسية التي كتبت تلك الكتب وفندت ما تشاء باسم أعز إنسان عندنا عليه السلام. ينتخبون البرلمانات ويفرضون عليها أحكام السيرة والحديث والفقه الأسود المقبور. نحن نحتاج إلى جامعات تدرس التشريعات القرآنية المحضة وحدها وما بقي من حاجاتنا التشريعية تحولها إلى برلماناتنا لتشرع لنا. يجب إعفاء كل رجال الدين من مناصبهم ومن يريد منهم أن يلتحق بالركب الحضاري ويترك السلفية الحمقاء فأهلا به وسهلا. يجب أن يسير الناس جميعا بملابس غير مميزة حتى نتمكن من التميز بين من يعلم ومن لا يعلم بدون التهيب من الملابس والألقاب الزائفة.

لم يتخذ الأنبياء المكرمون ملابس تخصهم ولم يتخذوا لأنفسهم ألقابا تعظمهم وتكبرهم. لم يسمح الله تعالى للصحابة أن يكنوا الرسول بالكنية بل يكتفوا بوصفه رسولا. قال تعالى في سورة الأحزاب: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43). لا تقولوا أبا القاسم بل قولوا رسول الله أو خاتم النبيين. استمعوا إلى الرسول فهو يقدم لكم رسالة ربكم، ولكن اذكروا وسبحوا الله فقط واعلموا أن الذي يعلمكم ويخرجكم من الظلمات إلى النور هو الله وملائكته.

كاترين:

السندويتشات حاضرة فكافحوا الجوع بطعام بسيط. ثم عودوا للنقاش.

دخلوا غرفة الأكل فرأوا بأن هناك سندويتشات فعلا ولكنها متعددة الأنواع ومحاطة بأنواع من الخضار الطازجة والمطبوخة ولم تخل المائدة من بعض أنواع الفطائر والمعجنات والفول والفلافل وبعض الحلويات. كل ذلك يعني بأن كاترين لما ترض بالبسيط من الأكل.

العم محمود التمار:

لم تف كاترين بوعدها. لقد أكلنا كثيرا قبل أيام ولا زلنا نعاني من التخمة وإذا بمجموعة جديدة من طيبات الطعام ستأخذ طريقها إلى أبداننا. من الخير لكم أن تأتوني في بيتي فأنا لن أتعب ولن أخسر بل أقدم لكم التمر واللبن وقليلا من الخبز.

كاترين:

مادامت هناك نساء مشتركات في الجلسة فهن أحق بالضيافة من الرجال. أنا ذهبت مع ماري بالأمس إلى الجمعية التعاونية فما تجدونه اليوم هي من اقتراح ماري. والمرة القادمة ستكون كل شيء من اقتراحي. ومن يدري فلعلي لا أتجاوز الخبز والتمر واللبن.

ماري:

لكنك رفضتي أن أقترب من الصندوق فكل ما نراه من حسابك إلا أنك أخذتني معك مصاحبة لا مستشارة ولا مضيفة.

كاترين:

في النهاية فإنك ضيفتنا جميعا.

محمود:

كاترين تقول عمليا من حق النساء الضيافة ومن حقها هي من بين النساء الانفراد بالضيافة لأن الفتاة الثانية مسافرة. في النهاية كاترين تدفع وتطبخ وتهيئ المنزل وتتحمل النفقات ونحن نأكل ونشرب فقط. هذا ليس من الإنصاف.

ماري:

أنا مسافرة يوم السبت وستكون الجلسة القادمة يوم الجمعة في بيت كاترين لو توافقون. كاترين تنتظرني بعد ظهر الخميس في الساعة الخامسة بعد أن تعود من العمل لنذهب مباشرة إلى السوق.

كاترين:

أنا أتأخر أحيانا فانتظريني لو تأخرت.

ماري:

موافقة. فهل العم وعلوي موافقان.

محمود وعلوي:

نعم موافقان.

ماري:

هيا نعود إلى غرفة الجلوس لنكمل النقاش رجاء.

كاترين:

يبدو لي بأن لدى ماري أسئلة أخرى.

ماري:

نعم. في الواقع يؤرقني كثيرا مسألة الزواج بأربع. إنكم تعلمون بأن حساب الاحتمالات يرشدنا إلى أن عدد النساء في الأرض مساو لعدد الرجال فحينما يتزوج شخص أكثر من امرأة فإنه يحرم رجلا من الزواج وحينما يتزوج الثالثة والرابعة بمالِه فإنه يحرم ثلاثة آخرين من الزواج. والمشكلة أن الأثرياء وفي أي سن كانوا يبحثون عن الفتيات الصغيرات. إنهم عمليا لا يتزوجون بل يشترون الفتيات من أهلهن للمتعة فقط ولكن يسمونها الزواج ليقولوا بأنهم عملوا بالقرآن.

كاترين:

لو نقرأ الآية التي تسمح بالزواج من أربع سنرى في بدايتها شرطا خاصا ولكن رجال الدين وأصحاب الثروات يقرؤون الآية الكريمة من الجملة الثانية بل يكتفون بوسط الآية. قال تعالى في سورة النساء:وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (3). فهم يتركون البداية وهي جملة شرطية ويتحدثون عن جواب الشرط ثم هناك بعد جملة الجواب جملة شرطية أخرى وفي نهاية الآية يذكر الله تعالى سببا للحكم. نسمع من أصحاب الشهوات يثبتون الموضوع حسب مزاجهم هكذا. قال تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع!

لا أحد يعترض عليهم ولا أحد يسعى لفهم الموضوع. صار الزواج من أربع مباحا باعتبار جملة من آية قرآنية وهي جواب لشرط لا يعبؤون به!

علوي:

أظن بأن الموضوع أكبر من الوقت الذي لدينا فأتمنى لو نترك المناقشات ونعطي الفرصة للعم محمود ليفيض علينا من علمه اختصارا للوقت.

محمود:

كاترين منتبهة لمشكل أمتنا التي تستند إلى الخيال وتسميه حكم الله تعالى. لا أحد يفكر بأن الله سبحانه وملائكته ليسوا ذكورا ولا إناثا فلماذا يعطي ربنا كل هذه الحقوق للرجال ويجعل النساء بشرا من الدرجة الثانية؟ هذه مقدمة بسيطة لا تحتاجون معها إلى آية بل يكفيكم التفكير حتى لا ترفضوها. فلو كان الاستنتاج صحيحا فعلينا بأن نناقش كل الآيات الكريمة التي أعطت حقوقا إضافية للذكور واحدة واحدة لنكتشف المعاني ونعرف كيف خدعنا المفسرون والمحدثون رضي الله عنهم أجمعين وغفر لنا ولهم.

الآية بصدد أن تحل مشكلة اجتماعية تحصل أحيانا. الحروب هي السبب الرئيسي لظهور تلك المشكلة. وهناك أسباب بسيطة أخرى أيضا. لنعرف معنى اليتيم بداية. اليتيم تعني الذي يعيش منفردا مع حاجته إلى من يعيله ويرعاه. ولذلك يطلقون صفة اليتيم على الإنسان الذي مات أبوه وعلى البهيمة التي ماتت أمها. كما يصفون بعض الأحجار الكريمة التي لا مثيل لها بالحجر اليتيم. يعنون به أن تلك الحجرة فريدة لا مثيل لها فهو كاليتيم الذي يعيش فريدا ليس من يعيله ويداريه. والإنسان الذي فقد أباه أو أبواه ولكنه كبير قادر على إدارة نفسه فلا يُقال له يتيم.

فالآية تتحدث عن اللائي يعشن فريدات لا زوج لهن ولا يعشن في بيوت أهلهن. إنهن في خطر من كل جانب فقد يقتلهن الفقر وقد يُعتدى عليهن وقد يبعن أنفسهن مقابل الغذاء أو عموم المال لمسيس حاجتهن. فعلى الأمة المؤمنة أن تسعى لحمايتهن. ولكن الله تعالى يحب عبيده ويكره بأن يمن بشر على بشر. ولذلك يأمر أمرا إرشاديا بالزواج معهن فيقول عز من قائل: فانكحوا ما طاب لكم من النساء. بمعنى أن من حقك أن تختار ما تطيب لك منهن. وأما قوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع. ومعناها اثنتين اثنتين، ثلاثة ثلاثة، أربعة أربعة. معنى التثنية برأيي المتواضع هو أن القادرين على استيفاء الشروط للزواج مع الثانية يتزوجون الثانية فإذا لم تبق نساء تعشن وحدهن انتهت المشكلة وإذا بقيت هناك مزيد من اليتيمات، يحق للمقتدرين أن يتزوجوا الثالثة. وهذا معنى ثُلاث أو ثلاثة ثلاثة. يعني كل واحد يتزوج الثالثة فقط. وهكذا بالنسبة للرابعة. وأما الشرط المهم الآخر. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة. قالوا بأن المقصود هو أن يعدل بين نساءه فإن خاف ألا يعدل فيكتفي بواحدة. وهذا خطأ فاحش.

ذلك لأن الله تعالى في نفس السورة يؤكد عدم قدرة الرجال على أن يعدلوا بين النساء. قال تعالى: وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (129). فكيف يمكن أن يؤكد سبحانه بأنهم عاجزون عن مراعاة العدالة بين النساء حتى لو حرصوا عليها ولكنه في آية أخرى يقول بأنهم قادرون؟ إذن هناك معنى آخر. فنلاحظ بأنه سبحانه لم يقل في آية تعدد الزوجات: وإن خفتم ألا تعدلوا بين النساء. ذلك قول الفقهاء وليس قول الله تعالى. إذن يقصد العدالة بينه وبين زوجته الأولى التي تعيش معه. هذا يعني بأن العدالة تحتم عليه أن يأخذ موافقة زوجته التي هي شريكة حياته. إنه يريد مساعدة امرأة يتيمة فلا يجوز له أن يؤذي زوجته. بمعنى أن الرجل يجب أن يراعي حقوق زوجته فلو كان المقصود المساعدة فهي تشاركها في المساعدة ولو شعرت بالحيف فهو غير منصف لو تزوج بالثانية. وهكذا حينما تقتضي الضرورةُ الاجتماعية الزواجَ بالثالثة والرابعة.

ثم إنه سبحانه يقول في نفس الآية بأن الزواج بالمملوكة باليمين أيضا لا يجوز عند ما يكون الشخص متزوجا بامرأة حرة. فلم يقل سبحانه: وما ملكت أيمانكم؛ بل قال: أو ما ملكت أيمانكم. كل ذلك لأنه سبحانه يعلم بأن عدد النساء متساو مع الرجال إلا في حالات شاذة. فمن حق الشخص أن يتزوج سواء كانت الزوجة حرة أو مملوكة. وحتى في آية زواج المملوكات فإنه تعالى يكره الزواج مع المملوكة. ولذلك حرمه بصورة عادية، ولكنه سبحانه أباحه فقط لمن يخشى العنت. قال تعالى في نفس سورة النساء: وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (25).

فيقول العزيز الحكيم في بداية الآية بأن الحكم التالي هو لمن لا يقوى ماليا على التزوج مع الحرة. بمعنى أنك لو أردت الزواج مع أَمَة فعليك بأن تشتريها وتحررها ثم تتزوج معها لتشعر هي بالحرية وتنجب لك أولادا أقوياء يرضعون من ثدي امرأة لا تشعر بأنها دون مستوى الأخريات. ويؤكد سبحانه في نهاية الآية الكريمة: ذلك لمن خشي العنت منكم. بمعنى أن هذا الحكم والإباحة ليس عاما بل يخص الذي يخشى على نفسه المشقة وصعوبة مكافحة شهواته. ولذلك ختم الآية بقوله الكريم: وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم. يعني سبحانه كما أظن بأن الله تعالى قد يغفر له ذنوبه ليستحق الرحمة فيرحمه ويكرمه بما يقويه على تحمل الشدة أو على الزواج من حرة أو على دفع قيمة المملوكة ليتزوج بها حرة لا مملوكة.

ماري:

سبحان الله؛ كيف لعبوا في تشريعات جميلة رحيمة تسعى لمساعدة الناس ولمساعدة الأمة برمتها وبدَّلوها بتشريعات كاذبة ذكورية لا تعطي للمرأة أي حق؟ أنا أشكر الله تعالى على أن قدر لي التعرف على كاترين الحبيبة في سفرتي هذه فسأعود إلى فرنسا وأكون مدافعة عن قوانين الإسلام لا معارضة لها. لقد عشنا في سبات عميق ظانين بأن الدين يعنى ما نسمعه من تجار الدين. والواقع بأن الدين السماوي يجب أن نسعى لنفهمه ونترك الاستعانة بمن وضعوا أنفسهم وكلاء على الأمة زورا وظلما. أشكرك يا عم محمود من أعماق قلبي.

محمود:

لقد علمني ربي فمن واجبي أن أعلم غيري وإلا أكون مذنبا. فهم القرآن ميسور لمن يريد أن يخدم عبيد الرحمن ومن يريد التجارة فلا أظن بأنه سوف ينال فهما صحيحا لكتاب السماء.

ثم قامت كاترين لتقص عليهم قصة تعرُّفها على العم محمود وتفسير أم سحيم بأنه الخضر وسيل النذورات عليها وقيامها بفتح حساب بنكي لمساعدة المعوزين بذلك المال.

ضحك الجميع ولكن ماري لم تكتف بذلك بل استحدثت سؤالا جديدا.

ماري:

ومن هو الخضر يا عم محمود؟

محمود:

إنه برأيي شخصية خرافية اختلقها أصحاب المصالح ليخدعوا بها البسطاء لا يمكن أن يكون هناك شخص يقوم بما ينسبونه إلى الخضر والله تعالى لا يتحدث عنه في كتابه. ما يقولونه عن الخضر غيب لا يمكن لأحد أن يفهمه غير الله تعالى. وبما أنه سبحانه لم يتحدث عنه فهم يكذبون. دعني أصارحكم بأن كل غيب سمعتموه من أحد فاطلبوا منه أن يريكم آية تصرح بذلك وإلا فهو إما مفتر كذاب أو ناقل للكذب.

كاترين:

وما ذا تقول للإصابة بالعين فهي مسألة غيبية صحيحة وهي غير مصرح بها في القرآن الكريم.

محمود:

ذلك كذب آخر. كيف يمكن أن يضع الله تعالى القدرة على إيذاء الآخرين في عيون البشر؟

كاترين:

إذن فما معنى سورة الفلق حيث نعوذ بالله فيها من شر حاسد إذا حسد؟

محمود:

الحاسد قد يقوم بالتآمر على الأفراد فشره ليس في عينه بل في مكره وسعيه للتفرقة والفساد وخلق التهم أو السعي لاستعمال القوة ضد أحد يكرهه. لا توجد أية إشارة في القرآن الكريم إلى الإصابة بعين الحاسد. هناك الكثيرون يكذبون على السذج فيتراءى لهم بأنهم مصابون بالعين لأنهم تشاءموا فاستولت عليهم الظنون وبالأحرى استولى عليهم الشياطين يوسوسون في قلوبهم. إن وجود قوة قادرة على إيذاء الآخرين من العين لهو أمر غيبي ونحتاج إلى مصدر سماوي موثوق لنتقبله. إن مصدرنا نحن المسلمين هو القرآن بلا منازع.

ماري:

ما رأي العم محمود في نقص عقل النساء المشهور بين الديانات الثلاث.

محمود:

لا يوجد في القرآن شيء من هذا النوع بل هناك ما يفند ذلك. فمثلا قال تعالى في سورة يوسف على لسان العزيز المصري ولكن القرآن لم يفنده: فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28). الكيد العظيم دليل على العقل المتفتح الكبير. إن الله تعالى ينسب الكيد إلى نفسه في سورة الطارق: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16). ولو نقرأ آيات الزواج في سورة النساء لنراه سبحانه يؤكد على أن المتزوجة يجب ألا تكون سفيهة. قال تعالى في النساء: وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4) وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (5). كيف يقول ربنا بأن علينا أن نؤتي النساء صدقاتهن بمعنى نسلم الصداق بيدهن وهن ناقصات العقل؟ ثم يؤكد سبحانه في الآية التالية عدم جواز أن نقدم المال للسفهاء. هذا يدل على أمرين:

هما عدم جواز الزواج مع فتاة لم تبلغ كامل البلوغ لتصير قادرة على امتلاك المال؛

والأمر الثاني هو أن المرأة تصل حد العقل الكامل إذ لا يجوز أن نسلم المال بيد السفيه. والسفيه يعني ناقص العقل أو ناقصة العقل.

علوي:

وما تقول في قول الإمام علي بن أبي طالب في الخطبة 80 بعد فراغه من حرب الجمل: معاشر الناس إن النساء نواقص الإيمان نواقص الحظوظ نواقص العقول؟

محمود:

بالطبع أن الخطبة موجودة في نهج البلاغة ولكن نهج البلاغة ليس بصحة القرآن. إنه أصح من كتب الحديث كما أظن لأن المرحوم الشريف الرضي لم يجمعه على أساس ديني بل على أساس البلاغة. لكن الفاصلة بينه وبين الإمام طويلة جدا. ولو نراجع عقولنا نرى الكلام غير معقول. كان علي بن أبي طالب زوجا لفاطمة بنت رسول الله عليهم السلام، فكيف يسمح لنفسه بأن يصف النساء وفاطمة منهم بأنهم نواقص الإيمان؟ فهل كانت فاطمة عليها السلام ناقصة الإيمان، ناقصة العقل وناقصة الحظ أو الحظوظ؟ إنهم يفترون على الإمام علي، والشريف لم ينتبه لذلك. هذا فيما إذا كان الشريف قد ذكر الجملة فعلا في نهج البلاغة. فالفاصلة بينه وبيننا كبيرة أيضا تتجاوز الألف سنة قبل ظهور المطابع.

على أن غير القرآن ليس حجة علينا أخي علوي.

انفض الجمع بعد ذلك على أن يجلسوا جلسة أخيرة بمشاركة ماري يوم الجمعة القادم.

يتبع: الجلسة الأخيرة بحضور ماري

أحمد المُهري

18/5/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

يوسف أيها الصديق ح 21 – القضاء والقدر


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 21 – القضاء والقدر

ولكن أكثر الناس لا يعلمون:

كلمة  (الناس) تشمل عامة الناس وخاصتهم. فالناس لا تعني العامة بدون الخاصة ولذلك فكلمة الناس تشمل كل المجموعات البشرية بعلمائها وعمالها وتجارها وكذلك ملوكها ورعاياها أو ناشطيها وكسالاها أو نسائها ورجالها أو كبارها وصغارها . 25

وبعد أن أدى يوسف رسالته وأكمل دعوته إلى النجاة من الضلال كأخ لهما عزيز عليه ما يراه فيهما من ضلال واضح وابتعاد عما وراء الطبيعة جل جلاله وجهل بحقيقة الربوبية و الألوهية بدأ بالكشف عما يراه مناسبا من تفسيره الصحيح للمنامين. قال يوسف:

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿41﴾.

قال في بيان تأويله لما رآه الأول منهما بأنه يسقي ربه خمرا. لكنه خاطبهما معا بقوله أما أحدكما ليخفف على الثاني الخبر المفجع عن موته صلبا احتمالا.

إنه أيضا اعتبر المنامين مكملين لبعضهما ولكنه كان أكثر دقة من صاحبيه بالضرورة.

من الواضح أن الأول كان يظن في حلمه تفسيرا أكثر إيرادا له و إذا به سيعود احتمالا إلى نفس عمله الأول. لا يمكن أن يسقي الملك وهو الرجل الأول في أعظم دولة في الارض، الخمرَ إن لم يكن ذو خبرة بالسقاية.

لعله استاء كثيرا حينما خيب السجين الذي يتجلى منه العلم والإيمان ظنه في تفسير حلمه فاضطرب أمله في المستقبل احتمالا. إنه لا يعرف بعد ما سيحل بصديقه صاحب الرؤيا الثانية.

وبعد ذلك وضح يوسف رأيه في الرؤيا الثانية مخاطبا إياهما بلفظ الغائب أيضا. قال لهما بأن الآخر دون أن ينظر إليه احتمالا، فيُصلب فتأكل الطير من رأسه.

كان كلا مناميهما لا يحملان نتيجة إيجابية لهما. فالأول يسقي غيره الخمر لا نفسه والثاني لا يقوم بأي عمل بل يرى طيورا تأكل من الخبز الذي يحمله فوق رأسه. فليس هناك في المنام أي إشارة إلى أن أيا منهما يكسب شيئا، والثاني يتناقص ما يحمله على رأسه.

ولا يمكن للطير أن تأكل من رأس الإنسان إلا إذا كان ميتا لأنه يخاف الاقتراب من البشر.

هذان هما المنامان وقد فسرهما يوسف تفسيرا غير الذي ظناه برأيي والعلم عند الله تعالى.

وأما الأمر الذي فيه يستفتيان وهو اتفاق رؤية شخصين لمنامين أحدهما شراب والآخر طعام، فإن يوسف يضمر شيئا آخر لا يريد أن يوضحه لهما وهو توافق دخوله هو السجن معهما ورؤيتهما لمنامين يوحيان إليه بما يخصه هو دونهما.

رأى يوسف بأن الواقعة ليست صدفة بل مقصودة يريد ربه أن يبعث له برسالة مؤداها أن خلاصه من السجن سيكون على يد هذا السجين بعد أن يستعيد شيئا من حريته.

إنهما فتيان وهذا يعني بأنهما عبدان ولكن العبودية ليست سجنا يمنع عنهما التحرك إلا أن منزلهما الجديد مسور بجدران لا يمكنهما اختراقها.

كان هذا المنام كافيا ليشعر يوسف بأنه ليس بتلك العظمة التي يشعر بها. إن حفيد إبراهيم وإسحاق وابن يعقوب أرسله بنو أبيه إلى غيابت الجب واستغلته السيارة بضاعة وباعوه فعلا، ثم أصبح عبدا لدى سيدة قصر العزيز ثم أدخل السجن وهو يشعر الآن بأن نجاته ستكون على يد عبد ضعيف! إن صانع بني إسرائيل يعاني من نقاط ضعف نفسية ولا يمكنه أن يستلم النبوة قبل أن يمر بعلاج قاس ليشفى من مرض الخيلاء الذي أصيب به. أين ذلك العلم الكبير الذي ينطوي عليه ليمنع عنه الكبرياء ويعيد إليه رشده؟

هذه هي طبيعة بني إسرائيل فهم دائما يسمون أنفسهم بني إسرائيل ولا يقولون بأننا أهل الأوطان التي ينتسب إليها غيرهم من القرون والأمم البشرية. لقد مات إسرائيل قبل أربعة آلاف سنة ولا زالوا يفتخرون بأنهم أبناؤه.

ولو تسأل من تعلّم منهم، عن الإيمان والصدق فسيقول لك بأنهما وحدهما من معايير الفوز أمام الله تعالى ولكنه لا يمكن أن يتصور بأنه هو أيضا مطالب بهما للفوز أمام الله .إنه يتخيل بأنه مميز عن غيره لأنه من بني إسرائيل الذي أصبح في ذمة الله منذ قرون وينسى بأنه عبد لله الحي القيوم وحري به أن يفتخر بربه لا بجده الأعلى الذي لا حراك فيه ولا صوت له.

لننظر إلى يوسف كيف ينطق بما هو صحيح ويمارس ما هو غلط. إنه يعلم بأن الصدفة ليست صدفة إلا من خلال كوننا لا نعرف أسباب توافق الأسباب فنظن بأنها وقعت صدفة. فلو لم يكن يوسف يتذكر منامه ويوفق بينه وبين منامي صاحبيه في السجن لقال في وصف الأمر الذي فيه يستفتيان بأنه من قضاء الله تعالى. وتعني هذه الجملة بأن ما حصل لهما أكثر من القدر.

نحن نسمي تصادم سيارتين صدفة لأنها يمكن أن تكون كذلك باعتبار أن السيارات التي تسير في الشوارع تتجاوز الملايين فيمكن أن تصطدم اثنتان بالصدفة. لكننا لا يمكن أن نتحدث بهذه الطريقة عن الرؤى التي هي قليلة.

في السجن ثلاثة أشخاص وقد رأى اثنان منهما منامين في وقت واحد وهما فعلا يكملان بعضهما البعض فالأمر أكثر من صدفة حتى في المنطق غير العلمي البعيد عن معرفة إدارة الخالق العزيز لكل حركات الكون ومَن فيه.

نحن اليوم بعدهم بآلاف السنيين لا نرى قصة شبيهة برؤيا هذين السجينين فكيف ننسب أمرهما إلى الصدفة.

ولذلك قال يوسف بكل ثقة أن أمرهما تابع لقضاء الله تعالى بمعنى أنه تجاوز التقدير فأصبحت النتيجة التي ينتظرها يوسف من هذا التوافق محتوما وهو نجاته على يد ذلك الفتى السجين.

لكن قول يوسف ذلك لا يعني بأن كلا المنامين سيتحققان. إنه نظر إلى القضية من زاويته هو وليس من زاويتهما حينما قال قضي الأمر فاحتمالات المفسرين ليست في محلها لنقع في مأزق علم يوسف للغيب الذي لا يتفق مع العقل إذ أن الغيب خاص بالله تعالى . 26

( هامش 25 :   بالطبع أن هناك بعض الناس يعلمون ولكن أكثرهم لا يعلمون فكيف نعرف أفراد هذين القسمين من حيث العلم والجهل؟ ولنعلم أن حكاية الآية الكريمة لا تمثل الأصول والكليات العلمية الكبرى التي تحيط بكل الحقائق بل حكايتُها حكاية المفاهيم العامة الأساسية التي يمكن لكل إنسان أن يعلمها ولكنه لا يعلمها.

فلو كان المقصود هو الحقائق العلمية لكان ممكنا أن يقطع أي جدل بأن يقول: ولكن أكثر العلماء لا يعلمون. ذلك لوجود بعض المجموعات البشرية التي لا تخضع لغير الله تعالى وهي تضم العلماء والحكماء والعمال والتجار والمهنيين والعسكر والضعفاء والشباب والشيوخ جميعا وكل أصناف البشر تقريبا كما كان عليه صحابة موسى وعيسى ومحمد. فبين الصحابة أناس عاديون من حيث العلم والشهرة والذكاء ولكنهم لم يكونوا ليعبدوا غير الله تعالى في حضور الرسول إلا أن ينكشف أمرهم.

فالذين يقعون ضمن أكثر الناس وهم الذين لا يعلمون، فإن كل مجموعة منهم تمثل شريحة كاملة من الأمة. هذه الشريحة تمثل العلماء والموجهين والملوك وكبار المدراء والعسكريين وأصحاب المصانع والمتاجر والقوى العاملة وكذلك الرياضيين والحرفيين والمذيعين والطباخين وغيرهم من مكملات الأمة بدون الرسول. نقول ذلك لأن الأمة في القرآن تعني هذه المجموعة المتكاملة مع الرسول وإلا فهي قرن وليست أمة.

فالتعبير القرآني هذا في مثل هذه الآية لا يمكن أن يُطلق على الجاهلين من مجموعة متكاملة بل على كل المجموعة.

إن الحديث يدور مدار التصرفات العادية كالصلاة والصيام الصحيحة أو غير الصحيحة فلم يقل الله تعالى ولكن أكثر الناس لا يتعلمون ولم يقل لا يفهمون بل قال لا يعلمون. وحديث يوسف مع اثنين من خدم القصور وهم عامة الناس العاديين. فالعلم المناسب لهم هو مجرد فهم ألا يخضع لغير الله تعالى ويعبد الله وحده. هذا علم سهل المنال ولكن الذين نراهم لا يعلمون هذا العلم فهم لا يريدون أن يعلموا بل يريدون أن لا يخرجوا من مستنقع التراث النتن الذي أصبح ماؤه غورا ولم تظهر إلا شوائبه العفنة.   نهاية الهامش 25.)

( هامش 26: ليس في الآية أية إشارة إلى أن الله تعالى أوحى إلى يوسف وليس مسألة إعدام الشخص الثاني ذي أهمية بالنسبة ليوسف ليؤكد لهما بأنه سيُعدم. الدليل الوحيد لنا بالنسبة لموت الثاني هو قوله تعالى عن السجين الأول بأنه الذي نجا منهما فعلا فهو يعني بأن الثاني لم ينج. وحتى نعرف معنى القضاء وكيفيته لا بد أن  نقوم ببحث بسيط فيما يلي:

قضاء الله تعالى:

نستشهد بآيتين من سورة البقرة بداية لفتح باب موضوع القضاء. قال تعالى في سورة البقرة:

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (117).

وقال تعالى في سورة المائدة:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64).

الآية الأولى توضح إرادة رب العالمين القوية القاهرة التي غيرت المسيرة النظامية لخلق الإنسان إلى مسيرة غير عادية لخلق المسيح بإرادة جازمة مقضية سوف تحصل وقد حصلت فعلا وجاء المسيح.

وأما الثانية فهي للرد على ما قاله اليهود بأن الله تعالى يعمل ضمن نظام شمولي لا يمكن إيقافه فكيف يتأتى له سبحانه أن يغير نمطا طبيعيا بمعنى العادة لا بمعنى قوانين الطبيعة.

هناك قوانين إلهية سار عليها اليهود فكسبوا ما كسبوا حتى وقع جل المال اليوم بأيديهم فكيف لله تعالى أن يوقف المسيرة العادية فيمنح أشخاصا آخرين خلافا لإرادة أصحاب المال إن كان حديثهم عن المال؟ فيرد عليهم سبحانه بأن يداه مبسوطتان.

هذا يعني بأن القوانين التي نسير عليها والتي أقرها الله تعالى نفسه لا يمكن أن تحول دون أن يقدر الله تعالى أمرا آخر لتحقيق نتائج معاكسة للعادة التي يسير عليها البشر. وكيف يكون ذلك؟ فنحتاج إلى بحث آخر هو البحث عن القدر لنتعرف على مجالات قضاء الله تعالى. وسوف نسعى لاختصار بحث القدر جهد الإمكان فيما يلي.

القدر:

لننظر إلى تدبيرات الإنسان نفسه وإلى كيفية تعامله مع الإمكانات المتاحة، فسنرى البشر بعكس الحيوانات يسعون لكسب الثروة والغنى ولجمع الأموال وما أمكن من الثمرات وكذلك المواد المختلفة للبناء والصناعة والكساء والخدمات العامة.

وبمجرد ما أن يفتح العاقل الحصيف عينيه على الحياة سيشعر بأنه يحتاج إلى أن يسعى لكسب المزيد من المقومات وإلى تخزينها بصورة صحيحة ليستفيد منها عند الحاجة. ذلك لأنه كبشر مدرك يشعر بأن الحياة لا تسير وفق نمط واحد فهناك الفقر والمرض والمزيد من الأولاد والأعداء والشهوات وبقية الضروريات والمرافق العامة والخاصة، وهذه الامور كلها سوف تضغط عليه بشكل أو بآخر فيجب أن يكون مستعدا للمواجهة بأعلى درجات الاستعداد وبأقل قدر من التعب والخسارة.

من هذا المنطلق أوجد الإنسان لنفسه قوانين علمية انتهت إلى التنبؤ بالحاجات المستقبلية وإلى وضع الأهداف لكل مرفق من مرافق الحياة ووضع المناهج المختلفة للوصول إلى تلك الأهداف بأقل التكاليف والخسائر.

وبما أن الطبيعة وحركاتها ليست بيد الإنسان فإنه من واقع خبراته وخبرات كل الذين مضوا والذين يعيشون في مختلف أماكن الأرض، يتوسع في الاستعداد للمواجهة مع الضغوط الطبيعية التي تفوق قدرته. وقد وضع البشر لتلك المواجهة المزيد من الإعدادات الضرورية أو الاحتمالية ولو كان الاحتمال ضئيلا، ومع ذلك فإنه يسعى لكسب المزيد من الأمان مستفيدا مما أوتي من قوة وإمكانات.

ولننتقل الآن بأفكارنا وعقولنا إلى خالق الكون وإلى قرار رب لعالمين بأن يبدأ بالخلق. يكفينا ما ذكره لنا في القرآن الكريم من تدبيرات مهد لها العزيز الحكيم قبل أن يبدأ بالخلق. أراد سبحانه أن يخلق كائنات مدركة تستفيد من نعمه المادية فيكرمها باستحقاق تمشيا مع قانون العدالة الذي يهتم سبحانه به.

هؤلاء يمكنهم أن يتعرفوا كثيرا على الله تعالى الذي كان موجودا دون أن يكون هناك من يعرفه. والذين فكروا في أنه تعالى لا يمكن أن نتصوره بدون تصور الخلق لأن الخالقية من معاني الذات القدسية فيكون الخالق ناقصا بلا خلق، ولذلك فالخلق مساوق للخالق وقديم مثله ولكنه في رتبة تالية باعتبار الإمكان، فهم مخطئون. لعل الفلاسفة المشائين وعلى رأسهم المعلم أرسطو في مقدمة هؤلاء العلماء والمفكرين.

لكنهم أخطأوا لأننا بكل بساطة نرى بأن الله تعالى كان قادرا على أن يوجدنا قبل آلاف السنين ولكنه تأخر في تحقيق فعلية قدرته تلك. ذلك يعني بأنه سبحانه لا يقوم بتفعيل كل قدراته بصورة دائمة ويكتفي بأن يكون خالقا لهذه الجزئيات بالقوة. إنه خلاق بالقوة ولكنه يخلق بالفعل ضمن نظام زمني مبرمج. وقد أقر سبحانه ذلك في سورة الرحمن:

 يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29).

فتغيير شأنه سبحانه بأن يُفعِّل بعض ما هو قادر عليه متى ما شاء أو أراد. ذلك يعني أن شأن خلقه يتغير في الواقع وليس شأنه سبحانه الذي لا يطرأ عليه أي تغيير. ولكن تغيير شأن الخلق منوط بتغيير إرادة الله تعالى بالنسبة لخلقه وليس ذلك مؤثرا في الذات القدسية إطلاقا.

مدبر عظيم بقدرات تفوق الخيال لا يمكن أن يخلق شيئا دون أن يدبر كل ما يمكن أن يطرأ عليه من تبديلات باعتبار إمكانية كل الخلق طبعا. ولو أراد الجبار العظيم أن يمنح بعض خلقه الإرادة فإنه يفسح لنفسه المجال للمواجهة مع ما يقوم به ذلك المختار غير الحكيم والفقير المحتاج إلى المزيد من المقومات فيما إذا سمحت له نفسه بالظلم الفاحش المؤثر في نظام ربه.

كما أنه سبحانه يقدر له ولغيره كل ما يحتاجون إليه للاستمرار في الحياة والعيش. لنضرب مثلا للأمر الثاني قبل الأول. قال تعالى في سورة المؤمنون:

 وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18).

أنظر إلى الآية الكريمة التي توضح تدبير ربك قبل أن يخلقك. لقد وضع مجموعة كبيرة من طرق التفاعلات الكونية لخلق السماوات والأرض ليتيح لربها اختيار ما يريده لتفعيل كل نوع من أنواع خلقه.

ثم إنه سبحانه لم يكن غافلا عن البشر الضعيف والحيوانات التي سيحتاج الإنسان إليها وكذلك النباتات وبقية حوائج هذا الخلق المستهدف فقدر لها مقدارا معقولا من المياه لتتحرك مع الغازات التي انفصلت عن الشمس حين خلق الأرض. فصنع الله تعالى الأرض من الغازات المختلفة مع المياه المقدرة لحياة الخلق النباتي ثم الحيواني.

لم يكن المدبر العظيم غافلا عن الخلق من قبل خلق الأرض. بالطبع أن هناك تدبيرات سابقة حين خلق الشمس لا نحتاج لذكرها هنا ولكنها مذكورة في الكتاب السماوي العظيم.

والآن لنمعن أكثر في تدبير الحي القيوم المذكور أعلاه. لقد ترك سبحانه المجال مفتوحا لنفسه لمنع الماء عن خلقه إن شاء. فقال عز من قائل في نهاية الآية:

 وإنا على ذهاب به لقادرون.

إنه لتدبير مهيب وفي منتهى الدقة جل جلاله.

لنفكر كيف يواجه رب العالمين عبيده الذين ينشطون بفعالية ضد نظامه والذين يمكن أن يؤثروا في برنامجه لمستقبل الإنسان. لنعد إلى الوراء، إلى ما قبل أربعة آلاف سنة.

هناك توسعت الملاحة البحرية فتعرفت طبقة من كبار تجار البحار -ولعلهم الفينيقيون- على طريقة خطيرة من التمتع الجنسي الذي يقطع السبيل على تكاثر البشر. ذلك هو إتيان المثيل، وقبل أن يتمكن البشر من السيطرة على كل مشاكله.

كان يجب فعل شيء من قبل القدوس ويقطع دابر هذه الفئة الخطيرة التي يتنقل أفرادها عن طريق البحر إلى كل مكان فينتشر هذا الانحراف النفسي في كل المعمورة.

لننظر إلى النظام الألوهي كيف يتعامل مع كل القضايا وكيف يُعدُّ الكثير من الإمكانات للمواجهة مع مختلف الاحتمالات منذ خلق الأرض.

يريد الله تعالى أن يقضي على هذه الفئة الخطيرة التي أسرفت في اتباع الشياطين حتى تركت الارتباط مع الجنس الآخر بالكامل.

لقد تعرفت أيضا نساؤهم على نسائهم فأصبح الرجال في واد والنساء في واد آخر. أرسل إليهم لوط ليتزوج من بينهم فيصير عضوا في ذلك المجتمع الفاسد. بدأ لوط مباشرة بعد استلام النبوة بمزاولة مهام الرسالة. لعلنا نفكر في أنه استلم الرسالة مباشرة بعد التعرف على العلم النبوي للضرورة الوقتية. بقي سنوات بل عقود ينصحهم حتى كبرت بناته ووصلن سن الزواج.

لا نريد أن نتوسع في قصة لوط وقومه ولا نريد أن نتعدى المزيد. وصلت النصائح أو موعد الوعظ إلى نهايته وبدأ موعد العقاب بالاقتراب. العقاب يجب أن يكون شاملا بحيث يقضي على كل الفئة الخطيرة ليُزالوا عن بكرة أبيهم فلا تنتشر عاداتهم بين الباقين ويصيروا عبرة لغيرهم.

جاءت الملائكة بهيئات بشرية تتراءى لقوم لوط بصورة شبان. هرع أقارب زوجة لوط احتمالا إلى منزل لوط طلبا للشبان القادمين وهم لا يعلمون ما ينتظرهم. أخذتهم الملائكة بالجرم المشهود وأخبروا لوط وأولاده برسالة ربهم وأمروهم بالخروج في منتصف الليل دون أن يهتموا بغيرهم فهم المؤمنون وحدهم في ذلك البلد.

كانت الأعاصير الشديدة بانتظارهم في السماء. لقد قدر الله تعالى أن تكون العواصف مصحوبة بالصيحات الشديدة وحملت العواصف بحجارة صغيرة حادة مقدرة من الله تعالى في مكان ما من الأرض. هذا ما تنبؤنا به الآيات التالية: قال تعالى في سورة الذاريات:

 لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34).

وقال سبحانه في سورة هود:

فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83).

المسومة يعني المعدة سابقا والمُعْلَمة لغرض خاص. لننظر إلى ما حصل.

لقد كان هناك بالقرب من قرية قوم لوط حجارة مناسبة لتدميرهم معروفة لدى رب العالمين. إنه سبحانه حين خلق الأرض دبر في كل مكان منها إمكانات لكل ما يريده في المستقبل سواء للمكافأة أو للعقاب. لقد قدر منذ البداية الكثير من هذه الإمكانات في الكرة الأرضية بحيث يستفيد مما يريد متى ما يريد.

لكنه سبحانه قضى على قوم لوط بتلك الحجارة المقدرة سابقا لمثل هذه الامور. لقد قدر سبحانه أماكن كثيرة داخل المحيطات للتسونامي ولكننا كبشر انتبهنا بعد فوات الأوان بأن البشرية نسيت أن تركب أجهزة إنذار مبكر في المحيط الهندي.

وليس بالإمكان فعلا أن نوقف كل ما يضرنا فالكرة مليئة بما لا نعرفه مما هي مسومة عند ربنا للمسرفين. كل هذه الاستعدادات مقدرة ولا يحتاج الله تعالى أن يقدر كل حركات الناس منذ بداية الخلق كما يتراءى للبعض. 

إنه سبحانه يريد أن يمنح الاختيار الحقيقي لكل البشر فلا يمكن أن يقدر كل حركاتنا منذ بداية الخلق ولا منذ بداية خلقنا. لو فعل سبحانه ذلك ارتبك أو بطل الاختيار وتعذر اختبارنا وهو تعالى لا يريد ذلك.      نهاية الهامش 26.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

اشكالات القبنجي 12-استحالة النظر إلى الظروف المعاصرة للتنزيل:


اشكالات القبنجي 12-استحالة النظر إلى الظروف المعاصرة للتنزيل:

ومهما يكن من أمر فإن النظر إلى الظروف المكانية والزمانية لنزول القرآن غير ممكنة عمليا. ذلك لعدم وجود أية مدونة عربية أو غير عربية كتبت أيام الرسالة المجيدة. يبدو بأن القرآن الكريم هو المدونة الوحيدة التي وصلتنا في عصرنا هذا. ولو أردنا أن ننظر إلى القرآن في زمانه ومكانه فلا نملك كتابا مصانا يهدينا إليه فكيف نقوم بهذا النظر؟

لقد تمكن القرآن المشهور وهو ما عرف فيما بعد بقراءة حفص عن عاصم أن يبقى طيلة القرون الخمسة عشر دون تغيير. يطبع المسلمون سنويا عشرات الملايين بل مئات الملايين من هذه النسخة المباركة ولكننا لم نر أي كتاب يدعي بأنه كان معاصرا للقرآن فكيف ننظر إلى القرآن في ظروفه الزمكانية؟ لقد بدأ المسلمون عمليا كتابة التاريخ بعد أكثر من قرن من وفاة الرسول الأمين فما جدوى تلك الادعاءات باسم التاريخ الإسلامي؟ لو ينظر العاقل الحصيف إلى اهتمام المسلمين اليوم بالأحاديث والسيرة والتاريخ الذي كان مفقودا تماما لأكثر من قرن بعد الرسالة المحمدية ثم بدأ المسلمون في الكتابة، فسوف يرفض كل مدوناتنا عدا القرآن.

وما نسمعه من المؤرخين هو ما نقلوه من الأخبار من كتاب كتبه شخص باسم محمد بن إسحاق وهو الذي جمع الأحاديث وكتب السيرة والتاريخ. ويُقال بأنه بدأ بالكتابة بعد أكثر من قرن من وفاة الرسول وقد ضاع كتابه ولكن المؤرخين الذين جاءوا بعده ينقلون عنه!

كان الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ينفق عليه فلا يمكن الاستناد لا إلى شخصه ولا إلى ما نقله ولا إلى ما نقل عنه. وفي النهاية نرى كل المراجع التاريخية تعود إليه فهل يمكن تسمية هذا مرجعا تاريخيا صحيحا؟!

وأما كتب الحديث المشهورة عند السنة فيعود تاريخ كتاب المسند للإمام أحمد بن حنبل الى القرن الثاني الهجري وعاصره الإمام مالك في الموطأ. وقد ارتبط كلاهما بأبي جعفر المنصور وأما الإمام مالك فقد أكمل كتابه أيام هارون الرشيد وأشهره وأمر بالعمل به الرشيد نفسه. وأما الشيعة فقد أراحوا أنفسهم واعتبروا كل ما نسب إلى الأئمة صحيحا لا إشكال فيه. لكن ليس بين يدينا كتاب شيعي من تأليفات عصر الإمامين الباقر والصادق بل كتبت فيما بعد. ولعل كل كتب الحديث المشهورة دونت في القرون الثالث والرابع والخامس الهجري حينما ظهرت السنة والشيعة كمذهبين مختلفين.

فهل من العقل والحكمة أن نحكم على كتاب عظيم مثل القرآن بكتب مختلفة دونت بعد نزوله بأكثر من قرن؟

ما نقوله عن تلك الأيام الخوالي لا يتعدى الظنون والتخرصات التي لا يمكن الاستناد إليها. الطريق الوحيدة التي يمكن أن نصل بها إلى عصر الرسالة المجيدة هو ما ذكره القرآن نفسه من حوادث تاريخية لا غير. وتبدو عملية التوفيق بين قصة قرآنية واحدة مع ما هو مدون في كتب التفسير والحديث والتاريخ والسيرة مستحيلا. فكيف يمكننا الاعتماد على هذه الكتب لفهم القرآن في ظروفه المكانية والزمانية؟ إنه ادعاء لا يمكن تحقيقه وهدف يستحيل بلوغه مع الأسف.

ويقول صديقنا المحب للدكتور سروش أو الموالي له بأنه ينظر إلى كتب التاريخ المختلفة من مختلف القوميات ليقف على حقيقة ما حصل. ثم يستشهد بقصص كتبها غربي حول تاريخ احتلال الإسكندر المقدوني لإيران. لكنه لم يأت ولن يتمكن من الإتيان بتاريخ مخالف لأيام الرسول كما لا يمكن أن يأت بتاريخ موافق دونت أيامه. كل الغربيين يتحدثون عن الرسول من واقع تاريخ الطبري وأمثاله وليس من منطلق تواريخ كتبوها هم بأنفسهم. فلو كان استدلاله صحيحا فإنه لا ينطبق عمليا على العصر الرسالي لحبيبنا المصطفى عليه السلام. بالطبع أنني أرفض نظريته أيضا ولكن لا داعي لمناقشتها مع غياب المصداق.

يتبع ….

أحمد المُهري

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

مناقشات حول الشورى والإمامة ‏ واخرى


مناقشات حول الشورى والإمامة ‏
دارت بيني وبين بعض الإخوة الكرام في الشهر الماضي مناقشات لا بأس بها حول الشورى ‏والإمامة ومسائل أخرى جانبية. تركت الاستمرار وقته لأنني كنت مشغولا جدا وعاجزا عن أن ‏أقرأ بعض الردود المطولة ولا سيما ما بعثه أخي أحمد الكاتب حفظه الله تعالى. ‏
يبدو بأن هناك كمٌّ كبير من المسائل ونحتاج إلى أن نناقشها جميعا. لكن أوقاتكم الشريفة ‏ووقتي القليل لا تسمح بمناقشة كل صغيرة وكبيرة. ولذلك فسوف أختار واعذروني في اختياري. ‏وسوف أرقم المواضيع. واسمحوا لي بأن أقول بصورة عامة بأننا نريد مناقشة المسائل حسب فهمنا ‏ولا يهمنا فهم سلفنا. فلا عبرة عندي وعند كل محقق فيما قاله فلان وفلان مهما كبروا في قلوبنا. ‏
‏1. ‏
موضوع رأيي في كنتم خير أمة أخرجت للناس. قال تعالى في سورة الجاثية: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي ‏إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16). بنو إسرائيل من ‏بداية تواجدهم كانوا مجموعة مؤمنة وفاسقة مع بعض وقد لاحظنا بأن عشرة من أولاد يعقوب ‏الثلاثة عشر الذكور أرادوا أن يقتلوا أخاهم يوسف. وهكذا بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى وبعد ‏أن أنجاهم الله تعالى من ظلم فرعون أرادوا أن يعبدوا غير الله ثم عبدوا العجل. فكيف فضلهم الله ‏على العالمين؟ وفضلهم في أي أمر؟ والتفضيل كان قبل أن تأتيهم التوراة. قال تعالى في سورة ‏الأعراف: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ‏الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137) وَجَاوَزْنَا ‏بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ ‏إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ ‏إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140). فضلهم على العالمين وهم يطلبون إلها غير الله ولم تنزل التوراة ‏بعد؟ ‏
هناك صفة طيبة لديهم وهو الصبر وعلى أساسه ميزهم الله تعالى على قوم فرعون ونقلهم ‏إلى أماكن أخرى هي قراهم القديمة احتمالا وأنزل عليهم التوراة. فهم مختارون لاستلام التوراة ولهم ‏مزايا. وحين تشريف موسى باستلام التوراة كاملة من ربنا العظيم أخبره ربه بأن قومه عبدوا ‏العجل. لاحظوا بأن سبحانه اختار قوما لينزل عليهم التوراة وهم يعبدون العجل! قال تعالى في ‏سورة الدخان: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ‏‏(31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32). ‏
والآن نأتي لنعرف السبب في اختيار ربنا أهل مكة لينزل عليهم القرآن. هناك فضيلة لديهم ‏خاصة بهم مشابه لفضيلة بني إسرائيل. ليس بنو إسرائيل أفضل من في الأرض فلو كان كذلك فهو ‏يعني بأن المجرم نتنياهو أفضل من خاتم النبيين لأن الأول من بني إسرائيل والثاني ليس منهم. هذا ما ‏تقوله الآية الكريمة من سورة آل عمران بالنسبة لأهل مكة الخير: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ ‏بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ‏الْفَاسِقُونَ (110). كنتم تعني كنتم فيما مضى واستدلالاتكم بأن كان لا تعني ذلك مردودة ولو ‏تريدوني أن أرد عليها واحدة واحدة فأنا قادر على ذلك والحمد لله ولكننا نريد الاختصار لنصل ‏إلى نتيجة. ‏
دعنا نفكر في كيفية اختيار ربنا لأهل مكة لينزل عليهم القرآن من واقع الآية الكريمة: ‏
ألف: ‏
كان أهل مكة يتعاملون مع الناس جميعا بغض النظر عن دينهم بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن ‏المنكر. كان مكة مزارا عاما للناس وكان أهل مكة يستقبلون الناس جميعا ويسقونهم ويعمرون ‏المسجد الحرام ويساعدون الزائرين. كانوا يقرون الضيوف ويحترمون الحقوق وكان يزعجهم أن يروا ‏أحدا منهم يظلم شخصا ولو كان غريبا. ولكم في حلف الفضول خير شاهد على ذلك. فهم ‏يتعاملون مع الناس بما هو معروف بينهم بالحسنى ويمنعون أهلهم عما يُكره الناس وهو المنكر. ‏
ب: ‏
كانوا يؤمنون بالله وهو الشرط الأول في الواقع لبعث الرسل. والله تعالى لم يرسل رسلا إلى ‏الفرس لأن إيمانهم بالله بعيد عن الحقيقة ولا إلى الصينيين لأنهم أبعد من الفرس ولا إلى الهند لأنهم ‏جميعا فاقدون للشرط الأساسي. ‏
فاختار سبحانه أهل مكة من بين كل البشر وهم “الناس في خير أمة أخرجت للناس” ‏لاستلام القرآن الكريم. واسمحوا لي لأضيف إلى ذلك ما كان معروفا آنذاك ولذلك لم يذكره القرآن. ‏إنه اهتمام أهل مكة باللغة العربية وإقامتهم لأسواق الشعر على أن أصل الشعراء من اليمن لكن أهل ‏مكة يضيِّفون الجميع ويقيمون لهم أسواقهم حرصا منهم على توحيد لغة التفاهم بين الناس. وهو مهم ‏أيضا لنشر القرآن الكريم. هناك صفات أخرى لدى أهل مكة تميزهم على غيرهم من البشر بغض ‏النظر عن دينهم وشركهم في العبادة وغيرها من صفاتهم السيئة التي جاء الرسول ليصلحها وقد وفقه ‏الله تعالى أكثر من بقية الرسل برأيي كما قرأتم عن أصحاب بقية الرسل. قارنوهم بأصحاب رسولنا ‏لتجدوا بأن رسولنا كان أقل الرسل تعبا وإيذاء من أصحابه وأكثرهم حظا في تجميع المؤمنين ‏برسالته. وما سمعناه من سلفنا بأنه عليه السلام قال ما أوذي نبي مثل ما أوذيت محض الكذب. ‏ليس من حقه أن يقول ذلك فهو لا يعلم ما حل بالرسل بل هو من حق الله تعالى؛ وهو عليه السلام لم ‏يقل ذلك قطعا ويقينا. وهذا مثل قولنا الأحمق بأنه سيد الرسل أو بأنه خير خلق الله. معاذ الله من ‏الكذب ومن التحدث باسم الله تعالى. كلها من حقوق الله سبحانه ونحن نفتري على الله الكذب في ‏ذلك. ‏
‏2. ‏
السابقون الأولون. استند الأخ ماجد المولى على الآية التالية من سورة التوبة لإثبات وجوب ‏اتباع السابقين الأولين: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ ‏عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100). هذه ‏الآية معطوفة على سابقتها وهي: وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ‏اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (99). لا يوجد أي أمر ‏باتباعهم أنفسهم في الآيتين. إنهما تتحدثان عن أنهم من المشمولين برحمة الله تعالى فقط ولا يذكر ‏ربنا بأنهم من أهل الجنة لأن ذلك سابق لأوانه وحكم يحكم به الله تعالى يوم القيامة فلا يوجد مبشر ‏بالجنة من الأحياء حين نزول القرآن وما يقولونه كذب أيضا مع الأسف. ‏
الذين اتبعوهم بإحسان وليس بصورة عامة تتحدث عن أمر حصل وليس عن أمر يحصل. ‏إذا تريدون إنكار المفاهيم النحوية فأظن بأنكم تحتاجون إلى أن تكتبوا نحوا جديدا لنطبقه على ‏تفسير جديد للقرآن. فافعلوا ذلك ثم ناقشوا غيركم. الجملة خبرية وليست أمرية إخواني الكرماء ‏حفظكم الله تعالى. ‏
هناك حديث غير صحيح آخر معروف بيننا بأن الرسول عليه السلام قال: أصحابي ‏كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. وهناك حديث الثقلين عند الشيعة بأن الرسول ترك الثقلين كتاب الله ‏وعترته. أقوله لهم جميعا: هاتوا آية قرآنية تجيز للرسول أن يعين لنا مراجع بشريين ثم اكذبوا بعده ‏وعينوا من تشاؤون مراجع لنا. ‏
إنه من السخافة الواضحة أن يأمرنا رسول الله بأن نتبع بشرا ونكون من الفائزين بثواب الله ‏تعالى. وهل الله لا يعلم كيف يعلمنا حتى يعين لنا العترةُ أو الصحابة أو السابقون ما يرونه صحيحا ‏والله يكافؤنا الجنة؟ فكأنه سبحانه ينفذ ما يريده البشر!!‏
القرآن وحده وليس غيره هو أمر الله وهو الذي يدخلنا الجنة أو النار. قال تعالى في سورة ‏الزخرف: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ ‏تُسْأَلُونَ (44). ليس بيد الرسول أي أمر وأي حق عدا القرآن. هناك آيتان في سورة النساء تمنعه ‏من حق الفتوى الملزمة أيضا فإذا استفتاه قومه فإنه ينتظر فتوى ربه. ثم يوضح الله تعالى له بأن هذا ‏هو نظامه مع الذين سبق أن يتبعوا آيات ربهم فقط فيكمل تعالى الموضوع: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ‏مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي ‏رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ (47). ويذكر ربنا السبب في ذلك ‏وهو أن الذي تتبعونه وتطيعونه فأنتم تعبدونه لأن الطاعة من مظاهر العبادة. إنه سبحانه الرحمن ولا ‏رحمة تضاهي رحمته ولا هدى مثل هداه. ‏
‏3. ‏
موضوع ما صح من أحاديث النبي. نحن نتبع القرآن الكريم باعتبار إيماننا بأنه كتاب الله تعالى ‏ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فهل لأحد أن يصحح القرآن؟ لو مس أحد القرآن ‏فسيدخل النار طبعا. والذين أرادوا اللعب بالقرآن اخترعوا لأنفسهم استحداثات مثل التفريق بين ‏المكي والمدني في الحكم ومثل الناسخ والمنسوخ. بالطبع أنهم كذبوا دون ريب وارتكبوا أعظم إثم في ‏كتاب الله تعالى. أين قال ربنا بأن هناك آيات قرآنية منسوخة. لو كان القرآن عاجزا عن أن يتماسك ‏‏23 سنة واحتاج إلى تبديل ونسخ فأنى لنا بعد 15 قرنا أن نتبعه؟ يستندون إلى الآية التالية من ‏سورة البقرة للاستدلال على لعبهم: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ ‏عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106). وقد وضح ربنا قبلها بأنه في صدد الرد على أهل الكتاب وليس في ‏صدد تصحيح القرآن حيث قال عز من قائل: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن ‏يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105). وحينما ‏نبحث في القرآن لنجد الآية المنسوخة من التوراة لا نجد إلا حكما توراتيا واحدا وهو حكم تحريم ‏شحوم الأنعام. وقد وضح سبحانه لنا بأن ذلك لم يكن تشريعا بل كان حكما عقابيا مؤقتا ضد بني ‏إسرائيل ثم أمر سبحانه المسيح بأن يحلل ذلك. ‏
قال تعالى في سورة الأنعام: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ‏شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ ‏‏(146). فالله تعالى أبقى تحريم ذوي الأظفار ووضح بأن تحريم الشحوم كانت جزاء بغيهم ولم يكن ‏حكما تشريعيا. وقال سبحانه في سورة آل عمران على لسان المسيح عليه السلام: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ ‏يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50). ‏وكما يبدو بأن اليهود لم يتقبلوا ذلك بل اعترضوا على لحم الجمل الذي أحله الله تعالى تصريحا في ‏القرآن. فرد عليهم ربنا في سورة آل عمران: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى ‏نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93). ما يعني بأن يعقوب كان ‏يكره الجمل فحرمه على نفسه واتبعه أبناؤه. ونحن نعرف بأن بني إسرائيل كانوا مهتمين جدا بأبيهم ‏يعقوب ولذلك اهتموا بأسرتهم وكونوا أسرة بني إسرائيل. ‏
ثم حرم بعد ذلك أي اعتراض على القرآن كما أظن بقوله الكريم بعدها: فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ ‏الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94). يعني بذلك أنهم كان من حقهم أن يستفسروا عن ‏تلك المسائل التي كانت غامضة عليهم ولا توجد مسألة غامضة أخرى والعلم عند المولى عز اسمه. ‏
إن سلفنا مع الأسف تشبثوا بما استحدثوه من قوانين إجرامية ليلعبوا في القرآن الكريم إرضاء ‏لحكامهم المجرمين من بني أمية فما بعد مثل الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني وأسباب النزول. أنا ‏أظن بأن أكثر اللعب وقع أيام بني العباس الفاسقين الذين أرادوا تثبيت سلطانهم بأنهم يتبعون أوامر ‏الرسول التي وضعوها بأنفسهم ونسبوها إلى الرسول. إنهم هم الذين أوجدوا مدرسة الحديث ‏الفاسدة التي انتهت إلى بعض الشباب الفرس في نيسابور ليكتبوا لنا الصحاح. ‏
حينما يقولون الصحاح يعني بأننا نتبعهم ولا نتبع الرسول. لا يجوز لأحد أن يصحح كلام ‏الرسول وليس لأحد أن يمس الوحي لأن الرسول لا يتحدث من تلقاء نفسه بل ينقل رسالة ربه فقط ‏وهذا معنى الرسول. نحن لا نعرف محمد بن إسماعيل ولا نعرف مسلم بن الحجاج ولا الكليني ولا ‏الطوسي ولم نرهم ولم نر غيرهم. لكننا نعرف رسول الله عليه السلام باعتبار إيماننا بالقرآن الذي ‏صرح باسمه ومكانه كما نعرف بأن السابقين الأولين من المهاجرين بلا استثناء أناس محترمون نحبهم ‏لأن الله تعالى مدحهم ولم يستثن أحدا منهم. أمر الله تعالى المهاجرين والأنصار وإيانا بأن نتبع رسول ‏الله ولم يأمرنا بأن نتبع السابقين. رسول الله يتحدث عن الله تعالى ولذلك يجب طاعته وليس ‏للسابقين ولا للخلفاء الراشدين منهم ولا للأئمة الإثني عشر أي ارتباط بوحي السماء. نحن أكثر علما ‏وأكثر تطورا منهم فكيف نطيعهم؟ بل نطيع عقولنا بعد أن نطيع القرآن الكريم وكفى. ‏
‏4. ‏
موضوع اللغة العربية. لا شك فيه بأن القرآن نزل بلغة عربية واضحة لا يحتاج الذين حضروا ‏تنزيله إلى أية قواعد وأصول بلاغية لفهم القرآن. لكن الذي حصل بأنهم يوم نزول القرآن كانوا يمثلون ‏أساس العربية وكان كل من يزور بلادهم يسعى ليتحدث مثلهم. لكنهم أيام الفتوحات اختلطوا ‏بالقوميات الأخرى التي كانت أكثر منهم حضارة وأكبر عددا فتأثروا بلغاتهم ولهجاتهم فتغيرت ‏المفاهيم اللغوية لديهم. كما أنهم تركوا بعض الكلمات وأدخلوا كلمات جديدة على لغتهم الأم. هناك ‏كلمات قليلة طبعا ما وجدت لها مثيلا في ما ورثناه من لغة العرب ولاحظت بأن بعض المفسرين ‏انتبهوا أيضا وقد فسرتها يومها على السياق فقط. ‏
وهناك قصة أو قصص كتبوها حول بداية صناعة النحو. وأبرزها أن مجموعة من المؤمنين ‏أيام الخليفة علي بن أبي طالب كانوا يشيعون جنازة ميت وهناك مر بهم شخص فسأل أبا الأسود ‏الدؤلي: من المتوفِّي؟ فقال أبو الأسود: الله جل جلاله. ذهل السائل ثم بينوا له بأن سؤاله كان عن ‏فاعل الوفاة والميت مفعول الوفاة. كان عليه بأن يقول: من المتوفَّى؟ ‏
نقلوا الحكاية للإمام فخاف عليه السلام على فهم المسلمين للقرآن مستقبلا بعد اختلاطهم بغير ‏العرب وأمر أبا الأسود بأن يكتب أصول النحو. ويقال بأنه قال لأبي الأسود: كل فاعل مرفوع، كل ‏مفعول منصوب ووو. ثم قال له أنح هذا النحو. وضع هذا العلم المهم لنا نحن المختلطون بالأعاجم. ‏وجاء بعد أبي الأسود علماء كبار مؤمنون نحتمل فيهم الصلاح والاهتمام بكتاب ربنا الذي هو ‏أساس كل مفاهيمنا؛ فطوروا هذا العلم وأضافوا إليه الصرف والمعاني والبيان والبديع وعلم اللغة ‏وغيرها ليساعدونا على فهم القرآن. ‏
وبالطبع لو رأينا جملة سماوية تخالف النحو فنحن نخطئ النحو. لكنني لعلمكم ما رأيت حتى ‏يومنا هذا مع اهتمامي الكبير بالقرآن أية جملة تخالف القواعد التي وضعها سلفنا العالم بالعربية. لكن ‏علينا بأن نعرف المعاني قبل أن ننتقد القرآن أو نرفض النحو. قولوا لي أي اختلاف فلعلي أفيدكم أو ‏تفيدونني ولا تتحدثوا بصورة عامة في موضوع أساسي للمفسرين. فقول أخي الكريم بأن العرب ‏عرفوا القرآن بدون قواعد النحو صحيح ولكن أين تفسير أولئك العرب؟ إنهم لم يخلفوا كتبا لنتعرف ‏على فهمهم. لقد وضعوا علم النحو قبل أن يبدأوا بالتدوين فبدأ الكُتاب يكتبون وأمامهم النحو علما ‏موجودا في صدورهم. فهل لي أو للأخ حمادة اليوم أن نخطئ النحو؟ أظن بأن ذلك غير منصف. ‏ولعلم الأخ حمادة فإن كبار أئمة النحو هم من السنة وهناك القليل ممن نحتمل بأنهم كانوا شيعة من ‏بينهم. أولئك فعلا علماء أخي العزيز فكيف ترفض سعي عشرات الأئمة وتتقبل فهم أخينا ‏الفارسي محمد بن إسماعيل الذي لم يكن نحويا ولا إمام لغة ولا هم يحزنون. ونحن نشك بأن صحيح ‏البخاري الذي بين يدينا هو نفس الكتاب الذي كتبه البخاري أو كتبوه باسم البخاري. يكفينا أن ‏نعرف بأن المغول دخلوا بغداد وأحرقوا المكتبات بما فيها مكتبة دار الحكمة التي احتوت على أربعة ‏ملايين كتاب مخطوط! أغلب الظن بأن المسلمين أعادوا كتابة بعض الكتب من الذاكرة. ‏
فما بين يدينا نقل من الصدور عن كاتب نقل من الصدور عن الصدور عن الصدور!! ‏مصيبة يا إخواني. ‏
‏5. ‏
الفعل كان: كان في العربية فعل لازم لا يحتاج إلى التعدية في أساسه. كان يعني تكون من ‏الكينونة وهي تعني الوجود أو الصيرورة كقول الشاعر: ‏
إذا كانَ الشِّتاءُ فأَدْفئُوني فإنَّ الشَّيْخَ يُهْرِمُه الشِّتاءُ
فلا نجد في قوله خبرا بل الشتاء فاعلُ كان الكامل اللازم. وكقولنا: كان الله تعالى ولم يكن ‏شيء معه. فكان الله جملة كاملة بفعل وفاعل لأن الفعل كامل وليس ناقصا فلا يحتاج إلى خبر ولا ‏نحتاج إلى تقدير خبر كما فعل البعض. وأما كان المعروفة بالناقصة وهي الأشهر طبعا فهي لا تعني ‏الكينونة بل تعني الإخبار بحال خاص مذكور في خبر كان فتقول كان زيد متكئا على سرير. هذا ‏إخبار وليس إنشاء. ‏
وأما الفعل الماضي فهو في واقعه ليس بمعنى الأمر الذي مضى كما هو شائع بل بمعنى الأمر ‏المحتوم ومنه جاءت كلمة الإمضاء بمعنى التأكيد والحتمية فهو يمضي يعني يؤكد حصول أمر أو حصول ‏تعهد أو عقد. وهكذا نرى بأن كتاب العدل لا يرضون بأن يستعملوا غير الماضي للعقود لتثبيت ‏الإبرام وهكذا التعهدات فالفعل حينذاك إنشائي وليس إخباريا. وهو كذلك في اللغات الأخرى ولعل ‏في جميع اللغات. وإن من حق الله تعالى وحده أن يستعمل هذا الفعل للزمن الماضي أو المستقبل كما ‏يشاء لأن ما يخبر به الله تعالى سواء في أمر مضى أو أمر سيقع فهو محتوم لأن المتغيرات كلها بيده ‏سبحانه. فقوله مثلا في سورة الأنبياء: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ ‏نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104). فهو سبحانه بدأ بالفعل المضارع بداية حتى لا يضيع المستمع ‏ثم أكد بأنه كان فاعلا بنفس المعنى ولكن مع قيد التثبيت والتأكيد في الحصول مستقبلا. لكننا نحن ‏البشر لا يجوز لنا ذلك لأننا لا نملك المتغيرات. ولذلك لا نستعمل الفعل الماضي إلا للأمر الذي وقع ‏كشهادة منا على ذلك. ولا ننس بأن المضارع تعني المشابه للاسم. فأصل كنا فاعلين هو كنا نفعل ‏ولكنه تعالى أتى بالاسم وهو أصل المضارع للمزيد من التأكيد لأن الاسم أكثر حتمية من الفعل. ‏
وهو سبحانه عادة ما يستعمل الماضي بمعناه الأصلي مع سبق فعل المضارع حتى لا نضيع. ‏فقوله تعالى حكاية عن فرعون يوم القيامة كما في سورة هود: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا ‏أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)؛ فهو لا يعني بأن ‏فرعونا قد قام بعمله فعلا فالقيامة لم تقم بعد. ولكنه سبحانه للتأكيد على وقوعه استعمل الفعل ‏الماضي مع تقديم المضارع: يقدم قومه؛ حتى لا نضيع. والعلم عند مولانا عز وجل. ‏
وما تشبث به المفسرون الكرام لتغيير معنى كنتم خير أمة إلى الفعلية فكل سعيهم مرفوض ‏برأيي المتواضع. ولقد حذا أرباب اللغة حذوهم لأن هناك نوعا من الجزمية بأن العرب وكذلك ‏صحابة خاتم النبيين هم خير الناس وهو خطأ جسيم. لا توجد في القرآن قومية خير من بقية ‏القوميات ولا توجد فضيلة مطلقة للصحابة. قال تعالى في سورة النحل: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا ‏مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ ‏لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي ‏مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93). الأيمان هو العهود والمواثيق الموجودة بين الأمم والدخل ‏تعني الفساد والدعوة بالنَّسب. هناك الكثير من اللوم وبعض اللعن لبعض الصحابة. كل المنافقين كانوا ‏من صحابته عليه السلام وكلهم ملعونون. والشهادة بأي نوع من الإحسان لا يمكن أن تكون شهادة ‏مستقبلية لأن الناس مختارون في الدنيا فكم من مؤمن ترك إيمانه وكفر وكم من كافر جعل الكفر وراء ‏ظهره واستقبل الإيمان خير استقبال. ‏
‏6. ‏
والعترة كلمة تشمل كل الأولاد والأحفاد على الأقل. وكم من العترة النبوية فاسقون وكم منهم ‏فجار وكم منهم كفروا وكم منهم ظلموا وقتلوا فصاروا من أصحاب النار؟ وأما السنة التي أوجبوها ‏على لسان الرسول زورا فكان لزاما أن نرى الله تعالى يصون تلك السنة الواجبة والله لم يفعل مع أنه ‏قادر على ذلك. فلماذا لم يفعل ربنا ليخرجنا من التيه فلا نحتاج إلى إخواننا شباب نيسابور بالنسبة ‏للسنة وغيرهم من أبناء فارس مثل الكليني والطوسي وابن بابويه القمي بالنسبة للشيعة؟ هل نحن ‏فاسقون حتى يتركنا ربنا في التيه أم نحن مؤمنون متمسكون باتباع الله تعالى ورسوله الأمين؟ وكيف ‏عاش سلفنا قبل أن يظهر شيوخ نيسابور أو شيوخ قم وطوس والري؟ ‏
‏7. ‏
والواقع أن ليس للرسول سنة قولية إطلاقا وله سنة عملية صانها الله تعالى. إنها في واقعها ‏سنن أبينا إبراهيم إلا أن رسولنا أضاف آيات وسور القرآن الكريم بدل الأذكار الإبراهيمية القديمة ‏باعتبار ظهور الوحي القرآني العظيم على يده الشريفة سلام الله عليه وعلى أبيه إبراهيم وعلى رسلنا ‏الكرام جميعا فنحن نؤمن بهم ولا نفرق بين أحد من رسل ربنا المتعالي. ‏
قال تعالى في سورة الحاقة: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40). وهذا هو رسولنا البشري وليس الروح ‏القدس لأنه هو الذي اتهمه المشركون بالشاعر والتعلم من الكهنة لقوله تعالى بعدها: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ ‏شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43). فهذا ‏القرآن هو قوله الذي أنزله عليه ربه ولا شيء غيره. وقال سبحانه في سورة الأعراف: كِتَابٌ أُنزِلَ ‏إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ‏مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3). فالقرآن هو قول الرسول وحرام علينا اتباع غير القرآن لأنه ‏سبحانه منع من ذلك. هكذا نكون مسلمين وبغير هذا نكون سنة وشيعة بمعنى أننا نكون مسلمين ‏بالاسم فقط ولسنا مسلمين في الحقيقة. ‏
‏8. ‏
المذهبية: لقد حرم الله تعالى علينا التمذهب في سورة الروم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ ‏اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ ‏إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا ‏لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32). وواقع هذه الأحزاب أنها مفرقة بين المسلمين إلا إذا اعتبرناها أحزابا اجتماعية ‏بعيدة عن الدين فأنت سني باعتبار أسرتك وأنا شيعي باعتبار أسرتي ولكنني أنا وأنت ندين ‏بالإسلام دين محمد والمؤمنين من صحابته الكرام. الإسلام هو دين الله تعالى وهو الدين الذين أمر ‏بالعدل والإحسان. لاحظوا بأن القرآن الكريم يخلو من أي أمر بالقتل إلا قتل القاتل بناء على طلب ‏ولي المقتول فقط. كل أوامر القتال وكذلك القتل وقتية للرسول لأنه تعالى لم يسمح للرسول أبدا بأن ‏يعلن أي حرب بدون إذنه. اقرأوا القرآن واحكموا بأنفسكم. ولذلك فكل الغزوات المنسوبة إلى ‏الرسول مفتريات وأكاذيب. لم يغز الرسول أحدا بل حارب حروبا دفاعية بأمر من الله في القرآن ولم ‏يجهز جيشا لفتح الروم حسب ادعاء السنة والشيعة. ‏
قال تعالى في سورة محمد: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ ‏فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20). ‏فالقتال وقتي ينزل في سور وليس في آيات مثل سورة التوبة وسورة الأنفال وغيرهما. ‏
كما أن كل أنواع الارتباط الجنسي محرم عدا الزواج وهو حكم كامل في القرآن ويتبعه الألفة ‏والمحبة والميراث. وبقية أحكام الزواج التي يذكرها فقهاء الشيعة والسنة هي كلها زنا ومحرمة. يخلو ‏القرآن من المتعة ومن زواج المسيار وبقية المحرمات لكن الفقهاء هم وعاظ السلاطين والأثرياء مع ‏الأسف وأكثرهم أتباع الشهوات. قال تعالى في سورة المؤمنون: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاّ ‏عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7). ‏وقال مثلها في سورة المعارج. ‏
أتحدى أي ملحد أو غير ملحد أن يأتيني بآية قرآنية مخالفة للعقل والمنطق. لكن البخاري ‏يتحدث عن زنا القردة ورجمهم ويتحدث عن الرجم وهو حكم يهودي إجرامي لا أثر له في القرآن ‏وهكذا كتب الشيعة. يتحدثون عن التفخيذ مع الطفلة وعن مضاجعة الوداع وعن أن المرأة المريضة ‏لا تستحق العلاج على حساب زوجها وغيرها من أحكام غير إنسانية وأحكام إباحية وأحكام ‏فاسدة. هكذا يصححون أقوالا كاذبة نسبها الوضاعون لرسولنا الصادق الأمين عليه السلام. ‏البخاري بنفسه يقول بأن أكثر من 98% من الأحاديث التي حفظها كاذبة وأقل من 2% منها ‏صادقة. فنحن نتبع البخاري إذن ولا نتبع رسول الله كما ندعي! ‏
أرسلوا إلي أي إشكال على القرآن وسوف أوضح لكم بإذن الله تعالى. وأنا أرسل لكم طيه ‏‏20 إشكالا على القرآن حاولوا أن تجدوا حلا لها من كتب الحديث السنية والشيعية ومن كتب ‏التفسير السنية والشيعية. ذلك لتعلموا بأن هذه الكتب لا علاقة لها بالقرآن وبالنتيجة لا علاقة لها ‏بدين محمد والسابقين وبقية مؤمني الصحابة والتابعين. إنهم يدعون إلى دين جديد دنيوي لم ينزل الله ‏تعالى به من سلطان. ولو تسألوا كل زملائي في جلساتنا التفسيرية فسيردون على الإشكالات ‏العشرين بإذن الله تعالى. ‏
‏9. ‏
ديننا دين المحبة والصدق والمنطق وليس دين السيف. السيف دين المجرمين والعتاة وكل من ‏شهر السيف على الناس فهو مجرم وهو من أهل النار وكل الفتوحات بربرية غير إسلامية. ذلك دين ‏المجرمين من بني أمية وبني العباس والفاطميين ودين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وبقية السفاكين ‏ودين الأحزاب التي صنعتها إسرائيل وأمريكا في أيامنا هذا ليشوهوا سمعة الإسلام ويقنعوا الطيبين من ‏البشر بأن الإسلام دين السيف والقتل. فمحمدنا يا إخوان غير محمدهم وكتابنا السماوي غير كتابهم ‏وإسلامنا غير إسلامهم. ‏
لو كان الله تعالى يريد لنا أن نتبع الأحاديث لأمر رسولنا بأن يشجع قومه لتدوين أحاديثه. ‏والحال أن المؤرخين يقولون بأنه عليه السلام منع من كتابة أحاديثه. وقرأت في أحد الكتب حكاية ‏الخليفة أبي بكر رضي الله عنه حينما حضرته الوفاة وكان قد احتفظ ب 500 حديث لنفسه. ‏يُقال بأنه استشار بعض الصحابة واستشار ابنته السيدة عائشة رضي الله عنهم جميعا فأشاروا ‏عليه بأن يحفظها لمن بعده. لكنه قال بأنه استخار الله تعالى فتراءى له بأن يحرقها حتى لا تزاحم ‏القرآن. فأحرقها ولم يبق لنا نموذجا حيا نثق به من كلمات حبيبنا وحبيبهم محمد عليه السلام. ‏
كان رسولنا يحب المشركين والمسيحيين واليهود ويتألم لهم ويسعى من كل قلبه أن يهديهم حتى ‏يتوقوا عذاب جهنم. قال تعالى في سورة القصص: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ‏وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56). أليس هم المشركون؟ وقال تعالى في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ‏عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6). أليس هم النصارى الذين قالوا اتخذ الله ولدا ‏ورسولنا يؤذي نفسه أسفا عليهم؟ وهكذا كان المؤمنون من الصحابة. قال تعالى في سورة آل ‏عمران: هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ ‏عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119). وقال تعالى في الآية 31 ‏من سورة الرعد: …أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا… مما تدل على أن ‏المؤمنين كانوا مهتمين بأن ينجوا المشركين من تبعات الشرك. هذا هو الإسلام وأولئك هم المسلمون ‏حقا، رضي الله عنهم ورضوا عنه. ‏
‏10. ‏
الآية التي يستشهد بها بعض الإخوة لتثبيت الأحاديث وهي في سورة الحشر: وَمَا آتَاكُمُ ‏الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا. هي مقطع من آية وهي ليست للأحاديث بل هي لتوزيع المال. ‏هاكم الجملة الكريمة كاملة ضمن آيتها مع آيات قبلها وبعدها. وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ ‏عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَّا أَفَاء اللَّهُ ‏عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً ‏بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) ‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8). لو نقطع الآيات تقطيعا فسنكسب الإثم أولا ثم نخسر المعنى دون ريب. ‏اقرأوا الآيات وفكروا منصفين فهل هي للأحاديث أم لغنيمة خاصة من الغنائم؟ ‏
لن تجدوا في القرآن الكريم آية واحدة تدعونا لاتباع غير القرآن بل لن تجدوا في القرآن آية ‏واحدة تتحدث عن إنسان يؤتي العلم إيتاء. نحن البشر يمكننا أن نؤتي المال والحب وما على غرار ‏ذلك لكن إيتاء العلم خاص بالله تعالى. ذلك لأن إيتاء العلم يعني طبع المعلومة العلمية في الصدر ‏النفسي لتبقى مع الإنسان ولا سلطة لأحد بمن فيهم الشخص نفسه على ما في الصدور بل على كافة ‏مكونات النفس من قلب وفؤاد وصدر. كل العلم في القرآن منسوب إلى الله تعالى بما فيها بعض ‏المعلومات البسيطة. فمثلا تعليم كلاب الصيد وهو مسألة جد بسيطة ولكن الله تعالى ينسبها إلى ‏نفسه. قال تعالى في سورة المائدة: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ ‏مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ ‏الْحِسَابِ (4). كلما يفعله المعلمون أنبياء وغير أنبياء هو أنهم ينقلون معلوماتهم إلى من يستمع إليهم ‏والذي يقوم بالإيتاء ويعني إيصال العلم إلى النفس هو الله تعالى وليس الرسول. والآية تتحدث عن ‏الإيتاء والأحاديث مسائل علمية فأنى للرسول أن يؤتيها أحدا؟ ‏
‏11. ‏
غلبت الروم. قال تعالى في سورة الروم: الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ ‏غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ ‏مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6). تلك هي ‏الحكاية المختلف عليها من القرآن الكريم. يقول المفسرون بأن المسلمين تألموا من انتصار الفرس ‏المشركين على الروم المؤمنين بالمسيحية. بالطبع أن الروم كانوا مجرمين عتاة دخلوا نينوى ليستولوا على ‏بلاد الفرس. بالنسبة للمسلمين فإن كلتا الدولتين ظالمتان مجرمتان ولا علاقة لأي منهما بتعليمات ‏السماء. ويقولون بأن الله تعالى وعدهم بأن الروم المسيحيين سيغلبون الفرس في بضع سنين ويومئذ ‏يفرح المؤمنون بنصر الله. فهل يفرح المؤمنون بأن ينتصر الروم الغزاة على الفرس؟ وهل هناك وعد من ‏الله تعالى لينصر غزاة الروم؟ إنهم غزاة ولو انتصروا فسوف يغزون العرب أيضا. إنهم فاسقون لا ‏يمكن أن ينصرهم الله تعالى. على المسلمين أن يفرحوا بأن الفرس طردوا الرومان من نينوى ليتخلصوا ‏من شر عتاة غربيين لن يرحموا أحدا لو دخلوا المنطقة. لو دخل الروم بلاد فارس واحتلوها ‏لأصبحت فارس أقوى بكثير من يوم دخلها المسلمون وأصبحت عصية على جيش خالد. ‏
وأما التاريخ فيقول التاريخ الفارسي وكذلك التاريخ غير الإسلامي احتمالا بأن الروم هجموا ‏على الفرس عام 622 ميلادية أي قبل وفاة الرسول عليه السلام بعشر سنوات ثم هُزموا على يد ‏الفرس وفروا. ثم أعادوا الكرة بعد أن توفى قائد جيش الفرس عام 627 ميلادية وتغلبوا على ‏الفرس. وفي عام 628 أدركت الحكومتان الرومية والفارسية بأنهما منهكتان وتقبل الفرس شروط ‏الصلح مع الروم وانتهت حروب الروم مع الفرس. ولو نريد تطبيق التفسير المعروف على القصة ‏الحقيقية فإنه بصورة كلية تنطبق فعلا ولكن الآيات تقول شيئا آخر. ‏
برأيي أنهم لم يعرفوا ما يقوله القرآن فتشبثوا بأقاويل غير صحيحة ليقولوا فسرنا الآيات. ‏فلننظر إلى الآيات الكريمة ولكن بعد أن نقرأ نهاية السورة السابقة العنكبوت: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ‏آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ ‏كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ‏وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69). الآية 67 تتحدث عن حرب الروم مع الفرس عام 622 ومكان ‏الحرب كان في مصر وتركيا كما يبدو. في تلك الحرب هُزمت الروم على يد الفرس. ‏
وفي سورة الروم أشار سبحانه إلى نفس الحرب كما يبدو وبأن الروم قد غُلبت. ثم أعاد ‏الروميون الكرة على الفرس عام 627 وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بالفرس في حرب نينوى. لعل الآيات ‏الكريمة في السورتين تشير إلى هزيمة الروم عام 622 ثم هزيمة الفرس عام 627. ‏
ولعل من يسأل عن السبب في أنه سبحانه فصل بين المسألتين في سورتين متتاليتين. ليعلم بأن ‏كل سورة قرآنية تتحدث عن موضوع خاص وهناك سور متتالية تتحدث عن موضوع واحد بحالات ‏مختلفة. السور التي تبدأ بـ ألم فهي تتحدث عن فوائد التمسك بالله وباللقاء معه سبحانه. السورتان ‏الأوليان تتحدثان بصورة عامة عن تزكية النفس لغرض كسب الرضوان والجنان في الآخرة والفرق بين ‏البقرة وآل عمران هو أن الأولى تتناول المسائل والتشريعات والثانية تعطينا النماذج من أنبياء السلف ‏ومن الصحابة الذين ساعدوا في إقامة الكيان الإسلامي بمكة لتكون مدينة خاصة بالدعوة إلى ‏الإسلام. وأما السور المتوسطة التي تبدأ بنفس الفواتح فهي تتناول الفوائد الدنيوية أكثر من الفوائد ‏الأخروية للتمسك بالله تعالى وباللقاء معه. والفرق بين سورتي العنكبوت والروم هو أن الأولى جاءت لبيان ‏المكاسب الدنيوية السريعة مع بيان مقتضب للمكاسب الأخروية ولكن الروم تتحدث عن المكاسب الدنيوية ‏المستقبلية. نعرف ذلك بملاحظة الآية الثالثة والآية الرابعة والسابعة و39 و47 والآية الأخيرة من سورة الروم ‏الكريمة. ‏
لكن مقولة المفسرين بأن الله تعالى نصر الروم على الفرس لا تنسجم مع واقع القرآن الكريم ‏الذي يدعو إلى الإسلام ويرفض المجوسية والمسيحية معا. لا يمكن أن ينصر الله تعالى المسيحيين ‏الغزاة على الفرس الغزاة. يفرح المؤمنون بنصر أنفسهم ولن يفرحوا بنصر أي من الفرس والروم على ‏بعضهم البعض ولا سيما أن هزيمة الروم كانت مفيدة لهم وهزيمة الفرس كانت ضارة لهم. لكن ‏الضعف الذي انتاب الدولتين كان مفيدا للمسلمين فيما بعد طبعا. ‏
فالجملة الكريمة “وهم من بعد غلبهم سيغلبون” لا يمكن أن تشير إلى الروم بل تشير إلى ‏المسلمين الذين كانوا ضعفاء في بداية الهجرة إلى المدينة المنورة وقبل أن يأذن الله تعالى لهم بالدفاع ‏المسلح. قال تعالى في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) ‏الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ ‏صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) ‏الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ‏‏(41). الانتصار في آيات الحج هو نفس الانتصار في آيات الروم كما يبدو لي. هناك كان الانتصار ‏وعدا وهنا اقترب الوعد الحق ليصير الانتصار حقيقة. ‏
يريد الله تعالى بنصره للمؤمنين أن يُبقي كل أماكن العبادة قائمة لكل من يريد أن يعبد الخالق ‏الرؤوف بطريقته دون أن يمسها أحد بسوء. هكذا أراد ربنا تشريعا وبمساعدات أولية أن يؤكد ‏عدم الإكراه في الدين. كما أن المتتبع يمكنه أن يلاحظ بأنه سبحانه في بداية سورة الحج يتحدث عن ‏أن الذي يمكنه أن يفصل بين مختلف أتباع الديانات هو الله تعالى وحده وليس غيره. كان رسولنا ‏عليه السلام يستقبل أتباع كل الديانات السماوية وغير السماوية في المسجد الحرام وفي مسجده ‏بالمدينة ويدعوهم إلى تصحيح عقائدهم بربهم ساعيا إلى إقناعهم بصحة سماوية الدين الجديد. لولا ‏ذلك لما تمكن من أن ينقل معلوماته السماوية إلى مختلف متبعي الأديان والعقائد السماوية وغيرها ‏ليجعلهم يفكروا ويختاروا الدين الذي يرونه صحيحا من تلقاء أنفسهم مستهدفا الرضوان والجنان له ‏ولهم عليه السلام. ‏
أما ما نراه اليوم من منع غير المسلمين من الدخول في مكة فهو عمل غير صحيح وغير ‏مشروع لأن أفضل مكان لنا لجذب غير المسلمين هو مكة المكرمة. أصحاب القرار في الحكومات ‏وبهذا العمل غير الصحيح يقفون أمام انتشار الإسلام كما يريده الله تعالى وعليهم بأن يتركوا هذه ‏السياسة المتوارثة من الظالمين. كم هو جميل بأن يعيش الكل آمنين في بلد الأمان مكة ونرى في كل ‏عام أفرادا منحرفين دينيا وهم بأنفسهم يشعرون بتفوق ديننا على عقائدهم فيدخلون دين الله ‏أفواجا. إلى الله المشتكى. ‏
والخلاصة بأن الذين وعد الله تعالى بأن ينصرهم بقوة ليسوا هم الغزاة الروم بل هم المسلمون. ‏لاحظوا الفرق بين الموضوعين: غلبت الروم؛ وهم من بعد غلبهم سيغلبون. الروم مع قوتهم ‏وإمكاناتهم أصابهم الفشل والمسلمون مع ضعفهم سوف ينصرهم الله تعالى على أعدائهم في بضع ‏سنين. وقد نصر الله تعالى المسلمين وفتحوا مكة كما وعدهم ربهم. وليبس صحيحا أن نهتم بما ‏توصل إليه سلفنا الذين نرى الكثير من الأخطاء لديهم بل الصحيح أن نفكر ونستمد العون من الله ‏تعالى لنأتي ببيان أصح من فهم السلف. ‏
‏12. ‏
تفسير الأخ الكريم ماجد المولى للجملة الكريمة “وأمرهم شورى بينهم” ليس باطلا برأيي ‏وليس مخالفا كثيرا مع رأيي المتواضع. إنه حمل الآية ما لم تحمله ولكنه أتى بنتيجة طيبة في نهايتها ولا ‏أحب أن أدخل في سجال علمي معه في هذا الموضوع الذي أقبل نتيجته. لكنني وحتى لا أكون ‏مجحفا بحق الجملة السماوية الكريمة من آية من سورة الشورى، أكتفي بأن أنقل الآيات ليقرأها من يريد ‏بإمعان ويتعرف على المعنى الحقيقي للجملة الكريمة. سأضع خطا تحت الجملة الكريمة وبعض ما ‏قبلها وبعض ما بعدها وأذكر القارئ الكريم بأن يفكر في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة التي تكثر الإشارة ‏إليها في القرآن الكريم ثم يتعرف على معنى “وأمرهم شورى بينهم” المتوسطة بين الصلاة والإنفاق. ‏قال تعالى في سورة الشورى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) ‏وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ‏الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ‏‏(40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ‏وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ‏‏(43). ‏
‏13. ‏
قول أخي ماجد المولى التالي: ‏
والله بعلمه الأزلي يعلم بما سيختاره العباد بحرية إرادتهم الممنوحة لهم.. ويعلم مصيرهم ‏الذي سيؤولون إليه نتيجة اختيارهم هذه. فهل لديكم شك في علم الله هذا؟!!! انتهى النقل. ‏
ليس لدي شك بل أنا على يقين من خطأ ما تفضلتم به. هناك بحث ونقاش طويل لعل أخي ‏الأستاذ الدكتور أحمد مبارك بشير ينشره مستقبلا. لكنني باختصار أطلب من سيادته ألاّ ينسب ‏شيئا لم يقل به الله تعالى إليه سبحانه. هات آية قرآنية يقول الله تعالى ذلك وسوف أقوم بتخطئة ‏نفسي. وللعلم فهناك آية قرآنية في سورة الحديد لنقرأها معا: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي ‏أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22). هل تاريخ الإذن في الآية الكريمة ‏يعود إلى العلم الأزلي أم إلى لحظات قبل أن يبرأها الله تعالى. لو علم الله تعالى أمرا بعلمه الأزلي فإن ‏العبد ليس حرا ولا معنى للاختيار ولا معنى للحياة الدنيا برمتها أخي الكريم. هذا من أخطاء ‏السلف سنة وشيعة مع الأسف. سلفنا قالوا بأن التناقض مستحيل ولكنهم أتوا بالمتناقضات دون ‏أن يشعروا. ‏
قالوا بأن علم الله تعالى عين ذاته فإذا علم أمرا لا يمكن تصور عدم حصوله وأنا العبد مختار ‏بأن أعمل أو لا أعمل. أليست الجملتان متناقضتين أخي العزيز؟ هل قال الله تعالى بأنه كان يعلم ما ‏سنأتي به أم قال ليعلم؟ وكمثال ننظر إلى سورة سبإ: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلاّ فَرِيقًا ‏مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إلاّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ ‏عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21). أنا كأخ صغير لكم فخور بكم إخواني أنكم تحبون الله تعالى وتكرهون ‏أن تنسبوا إليه الجهل. لكن الله تعالى لم يقل بأن العلم بما سيفعله المختارون هو علم في حقيقته بل هو ‏محال إخواني. الله تعالى يعلم الممكن وقادر على أن يعمل الممكن لكن المستحيل فهو بحد ذاته ‏مستحيل ولا علاقة له بالقدرة والضعف ولا بالعلم والجهل. مثاله مثال الخالق الثاني فهو في حد ذاته ‏مستحيل ولا نقول بأن الله تعالى غير قادر على أن يخلق خالقا آخر؛ بل نقول بأن خلق خالق آخر ‏مستحيل لأنه حينذاك يكون مخلوقا لا خالقا. ‏
ومن الطريف أن أخي الكريم ماجد المولى ذكر آية من سورة النجم كشاهد على علم الله ‏تعالى المسبق بأفعال العباد وهي: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ‏هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ‏‏(32). أين قال الله تعالى في الآية بأنه كان يعلم بنا من الأزل؟ هو يعلم حقيقتنا حينما نكون أجنة في ‏بطون أمهاتنا. وهو أعلم بنا حينما أنشأنا من الأرض. متى أنشأني من الأرض؟ أنشأني حين ارتباط ‏الحيوان المنوي لوالدي مع البويضة في رحم أمي والحيمن والبويضة هما من الأرض. حقيقتنا التكوينية ‏إخواني مغاير لأعمالنا التي نقوم بها فيما بعد باختيارنا. حقيقتنا التكوينية تشير إلى قدراتنا الخَلقية. ‏هذا العلم ضروري للخالق. إنه به يقدر التقسيم الجغرافي لعبيده في الأرض. على أساس هذا العلم ‏يقدر للناس أن ينتقلوا من بلد إلى بلد ليوزع الأطباء والمهندسين وبقية العلماء والعمال وهكذا الذكور ‏والإناث في الأرض لتوزيع المهن والإمكانات في كل أرجاء المعمورة. ‏
ويترك باقي الأمر للأنظمة البشرية. فمثلا إذا رأى ربنا بأن القادرين على دراسة الطب ‏تكاثروا في بلد وتناقصوا في بلد آخر فهو سبحانه يقدر لبعضهم أن ينتقل إلى البلد الآخر حتى لا ‏يُحرم البلد الثاني من الأطباء ثم يترك توزيع المهن العلمية للأنظمة. وهو سبحانه لو لم يفعل ذلك فلعلنا ‏نرى بلدا كبيرا لا ينطوي على من يمكن أن يصير طبيا وعلماء الطب من ضرورات المجتمعات ‏الكبيرة. ‏
وهذا هو معنى قوله تعالى في سورة الرعد: اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا ‏تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9). لم يقل سبحان ما ستحمل ‏كل أنثى بل ما تحمل فعلا. وقال سبحانه في سورة الذاريات: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا (2) ‏فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4). الذاريات كما أظن تشير إلى ما يعرف بالسدم وعلى إثرها ‏تُصنع المجرات وهي الحاملات وقرا. ومن بعدها تُخلق النجوم أو الشموس والشمس هي الجارية ‏حتى في اللغة. ومنها تُخلق الكواكب الصلبة وهي الأراضي. وقد سماها سبحانه بالمقسمات بأمره ‏سبحانه. هذه ضرورة صناعة الكواكب الأرضية المسكونة في مختلف أرجاء الكون. وهو سبحانه ‏الذي يعلم كل ما يمكن علمه ليقوم بالتوزيع الدقيق للإمكانات الطبيعية والبشرية في كواكبه البليونية. ‏
وهناك مناقشات طويلة في مركز تطوير الفقه الإسلامي وفي تجمع المودة وفي جلساتنا القرآنية ‏حول علم الله المسبق بأفعال العباد. لقد اختصرتها في مقال نشر في المركز وسوف أرفقه بهذه ‏الرقيمة المتواضعة لعله يفيدكم. ‏
‏14. ‏
مسألة التاريخ. ليس لدينا أي تاريخ مدون من أيام الرسول ولا أيام الخلفاء الراشدين. ‏أعطوني عنوان ذلك الكتاب فلعلي أرى شيئا كان خافيا علي. التاريخ الذي كتبه الطبري وابن ‏خلكان والمسعودي وابن الأثير وغيرهم وأهمها في الواقع هو تاريخ الطبري. الطبري يبدأ تاريخه من ‏خلق آدم ويتحدث عن قصص آدم وأولاده وقصص الملوك ومن كان في عهدهم. من أين أتى الطبري ‏بتاريخ آدم؟ هل كان هناك مؤرخون آنذاك أم أنه مع احترامي له ينقل لنا مفتريات اليهود. فهل يمكن ‏أن نثق بشخص يتحدث عما لا يد له فيه؟ يقول البعض بأن رسولنا نقل قصص أنبياء السلف. ‏هاتوا آية واحدة تقول بأن هناك وحيا خاصا له عليه السلام ينبؤه عن أخبار إخوانه الأنبياء. ‏
قال تعالى في سورة يوسف: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن ‏كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3). وقال سبحانه في سورة هود: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ ‏عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا ‏إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49). وقصة نوح عليه ‏السلام موجودة في التوراة ولكن الله تعالى يؤكد عدم علم الرسول وعلم قومه ومنهم اليهود بقصة نوح. ‏ذلك لأن التفاصيل المذكورة في سورة هود زائدة على التفاصيل الموجودة في التوراة الأصلية كما يبدو ‏والله يفند كلها. وقال تعالى في سورة آل عمران: ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ ‏يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44). حكاية مريم ليست قديمة جدا بل ‏حدثت قبل ستة قرون فقط والرسول لا يعلمها لأنه لم يكن موجودا. فمن أين أتى الرسول عليه ‏السلام بحكايات السابقين أم أن مؤرخينا نقلوا لنا المفتريات فقط. ‏
وأما حكاية التاريخ الإسلامي. فلدينا مرجع واحد فقط وهو غير موجود بين أيدينا. يدعي ‏مؤرخونا ومنهم الطبري بأنهم اطلعوا على ذلك المرجع المفقود من المكتبة العربية. كاتب ذلك المرجع ‏هو محمد بن إسحاق. ومن هو محمد بن إسحاق؟ إسحاق أبوه من سبي العراق ويحتملون بأنه كان ‏من اليهود الذين أسلموا أيام الخليفة عمر رضي الله عنه. خلف إسحاق ولدا معروفا بالذكاء واسمه ‏محمد. يقول بن إسحاق بأنه أدرك نهايات حكم الإمام علي عليه السلام لكنه كان صغيرا. هذا ‏الشخص كان معروفا بين الناس أيام الخليفة المجرم أبي جعفر المنصور وكان له مجالس يحضره الناس ‏ليقص عليهم قصص الماضين بمن فيها حكايات نبينا. علم به المنصور وطلب منه أن يكتب تاريخ ‏الرسول وسيرته لتثبيت ما سمعه في مكتبة بني العباس وتعهد بأن يعطيه كل مصاريفه. فهو موظف ‏السلطة العباسية المأمور بكتابة التاريخ. سوف يكتب تاريخا يفيد بني العباس طبعا كما سيكتب ‏سيرة تفيدهم ولذلك أنفقوا عليه. مات ابن إسحاق ومات المنصور ومن بعدهم وفُقد تاريخ ابن ‏إسحاق وسيرته النبوية. ‏
في القرن الرابع الهجري ادعى شخص لا أذكر اسمه وهو من نجد بأنه عثر على السيرة النبوية ‏لابن إسحاق ويمكن أن تكون السيرة التي تطبع في زماننا هي نفس السيرة التي ادعاها ذلك النجدي. ‏أما التاريخ فهو مفقود تماما. الطبري مؤرخ تاريخ آدم يدعي بأنه ينقل من ابن إسحاق. وهكذا بقية ‏المؤرخين. ومن هو ابن إسحاق هذا؟ هل يمكن الاعتماد على تاريخ كتبه شخص بعيد عن ‏الصحابة وليس من أهلهم ولا من أهل التابعين وكتابه مفقود والذي أنفق عليه المنصور الدوانيقي؟ ‏هذا هو تاريخنا وهذه هي سيرتنا المكتوبة ناهيك عن بقية الأحاديث المعنعنة. عن أي تاريخ ‏تتحدثون؟ افتحوا عيونكم واتركوا هذه الكتب المضللة وعودوا إلى كتاب ربكم. ‏
‏15. ‏
موضوع المسكين واليتيم والأسير في سورة الإنسان الذي وضحته كشاهد. تشبث الأخ ‏ماجد المولى بتفسير السلف وبأنه المعقول. قلت حينما استشهدت بالآية بأنهم نقلوا حكاية خاصة ‏تعرفونها وفي النهاية وضعوا الإمام عليا وفضة الخادمة في مقام واحد عند ربهم وهذا لا يمكن أن ‏يكون صحيحا. لكن هذا الإشكال كما يبدو لم يقنع الأخ المولى بخطإ سلفنا. فإليكم إشكالات ‏أخرى على تفسيرهم: ‏
ألف: ‏
من الواضح بأن الآيات تتحدث بصورة عامة ولا تحكي قصة خاصة لنا. هل أتى على ‏الإنسان؛ إنا خلقنا الإنسان؛ إنا هديناه السبيل؛ إنا أعتدنا للكافرين؛ إن الأبرار. فالحديث عن ‏الإنسان وبأنه بعد أن يهديه ربه إلى طريقين يختار إحداهما وليس عن أشخاص معينين. ‏
ب: ‏
لكن الذي حصل هو أن المفسرين لم يتمكنوا من تعميم آية: ويطعمون الطعام على حبه ‏مسكينا ويتيما وأسيرا. لو كانت آية عامة فعليه حسب قواعدهم النحوية أن يقول سبحانه: ‏ويطعمون الطعام على حبه المساكين والأيتام والأسرى؛ أو يقول: المسكين واليتيم والأسير. لكنه ‏سبحانه قال يطعمون مسكينا. هذا يعني بأن الحكاية ليست عامة بل هو حكاية أشخاص قاموا ‏بعمل محبوب عند الله تعالى فأنزل بشأنهم آيات أو سورة ليصيروا مثلا لغيرهم. ‏
ج: ‏
وعلى الفرض الذي افترضوه فإن عليا وفاطمة والحسنان وفضة الخادمة في درجة واحدة في ‏الجنة وهي ليست من الدرجات العليا. فهناك الذهب مقدم على الفضة والذهب غير مذكور في ‏الآيات الكريمة. ‏
د: ‏
لم يعد الله تعالى أحدا بعينه بالجنة قبل موته. ذلك يعني بأن هذا الشخص انتهى اختباره ‏وصار بقاؤه في الدنيا بغير سبب عقلاني. إن الدنيا دار مصائب فلا يناسب الرحمن أن يصيب أهل ‏الجنة في الدنيا لكنه سبحانه يقوم بالابتلاء ليمحص القلوب وليميز المحسن من المسيء وليتعين درجات ‏المتقين وكذلك درجات الفاسقين. ولقد سمعنا الكثير عن المصائب التي أصابت سبطي الرسول ‏عليهم السلام بعد وفاة جدهم. ‏
هاء: ‏
الأسير يعني المسجون في سجون الدولة باعتباره أسير حرب فكيف جاز للدولة التي يرأسها ‏رسول الله عليه السلام أن يترك الأسرى يشحذون في الشوارع طالبين الطعام من أهل الخير؟ لو كانت ‏الدولة عاجزة عن إطعام الأسرى فعليه أن تطلق سراحهم فورا. على أن سير أسير الحرب في ‏الشوارع يخرجه أصولا من الأسر. ‏
و: ‏
كيف سمح الإمام علي عليه السلام لنفسه بأن يعطي طعام طفلين صغيرين صائمين للمسكين ‏واليتيم والأسير؟ هذا عمل محرم قطعيا. كان بإمكانه أن يعطي رغيفا للمسكين مثلا ويوزع الأرغفة ‏الأربعة بينه وبين فاطمة والحسنين وفضة رضي الله عنهم جميعا. ‏
ز: ‏
تزوج الإمام علي عليه السلام في المدينة حينما كان المسلمون في حالة جيدة والحكاية التي ‏اختلقوها يجب أن نفترض حصولها في نهايات حياة الرسول حيث كانوا في حالة مالية جيدة بعد أن ‏استرجعوا أموالهم من المكيين وبعد أن كسبوا أموالا كثيرة في حروبهم الدفاعية ضد أعدائهم. ‏فكيف نتصور صهر الرسول الأمين وبعد أن أنعم الله على المسلمين بالمغانم الكثيرة وهو يحتاج إلى أن ‏يقترض من شمعون اليهودي ما يشبعه وأهله ثلاث إفطارات دون سحور؟ ‏
ح: ‏
كان عمر الحسين عليه السلام حين وفاة جده الرسول عليه السلام أربع سنوات فلو فرضنا ‏بأن الحكاية وقعت في آخر حياة الرسول فكيف جاز لأبيه أن يسمح لابنه الطفل بالصيام أصلا وبلا ‏سحور؟ ‏
ط: ‏
هل يعرف الطفل الصغير أن يقوم بنذر الصوم وهل يجوز له الصيام وهل يجوز لأبويه أن ينذرا ‏الصوم للأطفال. ‏
والخلاصة أن الحكاية التي نقلوها لا يمكن أن ننسبها إلا إلى المفتريات ونرمي بها بعيدا عن ‏تاريخ رسولنا الأمين وأهل بيته عليهم السلام. وأما ما قلته في تفسير الآية فهي السبيل الوحيد ‏للخروج من مأزق الحكاية غير الصحيحة. فكرت كثيرا في الموضوع وحاولت بأن أستعمل النصب ‏بنزع الخافض فلم أجد حلا. ليس لي إلا القول بأن المسكين واليتيم والأسير حال للمتبرع بالطعام ولو ‏خالفت بعض قواعد النحويين. أكون شاكرا لمن يحل لي المشكلة ويهديني إلى تفسير أصح مما ظننته؛ ‏إلا أن تفسير المفسرين خطأ دون ريب. بالطبع أنني اختصرت الموضوع الذي أخذ مني قسما كبيراً ‏من محاضرة علمية غير قصيرة. وأما ظنون أخي المولى حفظه الله تعالى وإيانا فهي غير دقيقة مع ‏الأسف. ‏
‏17. ‏
وأما ما كتبه أخونا محسن الفهد فهو كلام صحيح وإشكاله في محله. أنا لا أؤمن إطلاقا بأن ‏الله تعالى عين لنا 12 إماما. وأعتبر حديث الثقلين إخبارا بالغيب لو فسرناه بالأئمة؛ والرسولُ عليه ‏السلام لا يعلم الغيب. ولو اعتبرنا الثقلين هما الكتاب والسنة فهو ضلال أيضا كما انتبه الأخ الكريم. ‏ذلك لأن كتاب الله تعالى موجود ومصان ولكن أين السنة المكتوبة فهي مثل العترة المزعومة؟ ‏مشكلتنا أخي الكريم بأننا لا نجد أي مؤرخ أو محدث يدعي بأن هناك كتابا خلفه الرسول عليه ‏السلام أو الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم. حتى النسل الأول من التابعين من بعد الصحابة ‏لم يخلفوا كتبا. ‏
أنا أعتبر الشيعة والسنة حزبين اجتماعيين لا بأس بهما لو أبعدناهما عن شريعة الرحمن عز ‏اسمه. على الشيعة والسنة أن يتركوا كل كتبهم التي كتبها سلفهم ويعودوا جميعا إلى كتاب الله تعالى ‏الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لعلهم يفوزوا برضوان ربهم. لقد حرم الله ‏تعالى علينا التحزب في الدين في سورة الروم: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ ‏أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ ‏لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا ‏تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32). ‏
فأنا شيعي جغرافي ولست شيعيا مؤمنا بالإمامة الإلهية التي ما أنزل الله بها من سلطان. ‏الأئمة الأحد عشر أناس عاديون عاشوا حياة لا بأس بها وليس لهم أي دور في تثقيفي عدا قليلا مما ‏ورثناه من بعضهم من حكم طيبة. أما الإمام الثاني عشر فهو مجرد وهم لا وجود له وقد تفرغ أخي ‏الكريم الشيخ أحمد الكاتب حفظه الله تعالى بدراسة الموضوع تاريخيا وهو مستعد ليرد على كل من ‏يستشكل عليه. والقرآن الكريم لم يذكر أي شيء عن الأئمة أو عن الإمام المهدي أو عن أن الله تعالى ‏يسبق يوم القيامة في الدنيا بأن يفرض الهدى على الناس عن طريق المهدي. ‏
قال تعالى في سورة الأنبياء: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ ‏مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47). وجدير بأن نقرأ مجموعة الآيات كاملة لنعلم ‏منها مسائل أخرى وهي: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ (45) وَلَئِن ‏مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا ‏تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ ‏الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ ‏مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (50). نعلم منها بأن وحي السماء لنا هو هذا القرآن وهو ذكر ‏مبارك، وبأن رسولنا أنذر قومه بهذا القرآن فلا نشعر بفقدان الرسول إلا عاطفيا. الرسول بقوله ‏موجود بيننا وهو الكتاب الذي أنذر به عليه السلام. ولعل سر البركة أو الزيادة هو ما نراه في القرآن ‏من دلائل واضحة على تشريعاته وهي التي قلما نجد مثلها في التوراة التي بين يدينا بغض النظر عن أن ‏اليهود ولعل بعض النصارى حرفوا الكلم عن مواضعه. وأظن بأن القرآن هو الرسول الحي الموجود ‏بيننا باعتبار الدلائل الموجودة بين صفحاته لأننا أكثر تطورا من سلفنا الذين سبقوا رسولنا البشري، ‏وكذلك الذين عاشوا في زمن الرسالة المجيدة. ‏
‏18. ‏
علم النحو العربي: ولا تنسوا إخواني بأن النحو منسوب في أساسه إلى الإمام علي بن أبي ‏طالب عليه السلام الذي قال كما نقلوا لنا والعهدة عليهم: الكلام كله ثلاثة أشياء اسم وفعل ‏وحرف؛ كل فاعل وما شابهه مرفوع وكل مفعول وما شابهه منصوب وما دونهما مجرور. ويقول ‏البعض بأنه عليه السلام تحدث عن المعرفة والنكرة وعن وجوه الإعراب بأنها الرفع والنصب والجر ‏والجزم. وكما يقولون بأنه قالها لأبي الأسود وأمره بأن يضع قواعد النحو حماية للغة القرآن من ‏الضياع. وتلاهما مجموعة كبيرة من كبار علماء المسلمين الذين أكملوا النحو في مدرسة البصرة ‏الكبرى وقسما منها في الكوفة. ويقول البعض بأن علم النحو بدأ من عهد الخليفة الراشد عمر ‏رضي الله عنه وهو الذي أوصى أبا الأسود ولكن عليا عليه السلام ساعده بوضع الأسس. وغير ‏ذلك من الأخبار التي تدل على أن النحو هو أول علم عربي في مدارس المسلمين. فليس من السهل ‏تجاهل النحو لمن يريد أن يعرف القرآن الكريم. ‏
‏19. ‏
وأخيرا نأتي إلى ما كتبه أخي الفاضل أحمد الكاتب. وبغض النظر عن أنني أعتبره من ‏أصدق إخواني فإني بدون ملاحظة الصداقة والصدق استمتعت بما كتبه فضيلته. لعل لدي ‏ملاحظات بسيطة أكره أن أذكرها هنا. لقد كتب الموضوع بدقة فاحصة فله الشكر على ما كتب. ‏
وجدير بالذكر أنني لا أعرف شخصيات الذين شاركوني في الكتابة عدا الشيخ الكاتب فأنا ‏أعتذر من كل من ظن بأنني ما اتفقت معه. أنا لا أتحدث عن الأشخاص فكلهم محترمون عندي ‏ولكنني أناقش المواضيع فقط. ‏
وهكذا نأتي إلى ختام هذه الرسالة الطويلة. ولا أدري كيف نجمعها في كتيب بسيط ‏وننشرها لتفيد الباحثين. والمجال طبعا مفتوح للإخوة المشاركين الذين ذكرتهم بالاسم أو نسيت أن ‏أذكرهم ليستمروا في المناقشة ولا سيما الرد علي كما يشاؤون لعلنا نصل في النهاية إلى بعض ‏التوافق. لكنني أوصي الإخوة بألا يكرروا ما قالوه لو كنت قد علقت عليها بالرد؛ إلا إن كان لديهم ‏دليل واضح على خطأي حتى لا يذهب وقتنا سدى. ‏
هدانا الله جميعا إلى طريق الصواب ورحم الله تعالى سلفنا وغفر لهم ولنا. رمضان كريم ‏وكل عام وأنتم بخير. ‏
أحمد المُهري ‏
‏12/5/2019 ‏

 #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

المؤمنة كاترين 19- جلسة الاثنين ( الحجاب والربا )


المؤمنة كاترين

المقطع التاسع عشر

جلسة الإثنين (1)

خرجت كاترين بعد ظهر الأحد إلى الجمعية التعاونية لشراء بعض المواد لتحضير عشاء بسيط ليوم غد كما اتفقوا عليه. رأت في الطريق صديقتها الفرنسية الجديدة ماري. لكن ماري تفاجأت بحجاب كاترين.

ماري:

أهلا كاترين. هل اتفقت مع علوي؟

كاترين:

أهلا ماري. أريد أن أشتري بعض مستلزمات العشاء البسيط كما طلبتم وأكون شاكرا لو تساعديني على الانتخاب.

ماري:

هيا، أنا معكِ، لكنك لم تردي على سؤالي.

كاترين:

ألم نتفق معا أن نلتقي في بيتنا مساء غد؟ فالاتفاق تم في حضورك وفي حضور العم محمود.

ماري:

سؤالي عن اتفاق آخر بينكما وحدكما وليس عما اتفقنا عليه جميعا.

كاترين:

ماري، من الخير لنا أن نترك المسائل لله تعالى فلو كان هناك نصيب فإنه سبحانه سوف يقدر ذلك وإلا فنحن مطيعون لربنا.

ماري:

علينا السعي يا كاترين والله تعالى يوفق الذين يسعون ولا أظن بأنه يوفق الذين يكتفون بما في قلوبهم.

كاترين:

نحن نحب أن نساعد علوي وأنا أحبه من كل قلبي ولكن يجب أن نترك الأمر له ليطلب وليس لي.

ماري:

إذن أنا الذي سوف أصرح واترك الأمر لي.

كاترين:

أنت حرة.

اختار الفتاتان بعض الخبز وقليلا من الجبن والفلافل والحمص والخضروات وعادا إلى بيت كاترين بعد أن دعت كاترين صديقتها لتتعشى معها.

جاء يوم الإثنين واجتمع الجميع في الساعة التي حددوها في شقة كاترين. لم يتفاجأ العم محمود بحجاب كاترين ولكن ماري لم تلزم الصمت.

ماري:

يا عم محمود، هل أوجب الله تعالى الحجاب على النساء؟

محمود:

 كلا.

تفاجأ علوي وكاترين وماري بالجواب الغريب للعم محمود. ثم نظروا جميعا إلى ماري لتكمل استفساراتها فهي لا تخجل من السؤال.

ماري:

يا عم محمود، إذن فما هذه الضجة الكبيرة لدى المسلمين بوجوب الحجاب وهذا التسابق الغريب على اختيار ما ازداد غطاء وسترا من الحجب؟ حتى أن نساء السعودية المعروفة بالعقيدة الوهابية وكذلك نساء اليمن وأفغانستان وبعض نساء الشيعة وغيرهم يظنون بأن الحجاب دليل الإسلام وبأن من لا تتحجب فهي فاسقة.

محمود:

هذا أيضا مثل تسابقهم على تنجيس كل شيء بحيث أنهم كتبوا كتبا مفصلة عن النجاسات وكتبا أقل تفصيلا عن المطهرات. القرآن هو كتابهم الذي لا يتحدث أبدا عن النجاسات. والواقع أن الحجاب وخاصة حجاب الوجه جاءنا من اليهود وليس من الإسلام في شيء.

كاترين:

فما قولكم في الآية التالية من سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل ِلأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59).

محمود:

يا ليتك قرأت لنا الآية مع آية قبلها حيث يقول سبحانه: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58). هناك حديث دار بين الصحابة الكرام حول إحدى المؤمنات في حكاية معروفة بينهم باسم حديث الإفك والحديث مأخوذ من سورة النور. ولعل هناك قضايا مشابهة فأراد ربنا أن يعلم الرسول نصيحة مفيدة للمؤمنات ليأمن تعرضهن للتهم. والجلباب لباس زينة لا زال معروفا بين عرب الخليج بأسماء أخرى. فمثلا في الكويت يسمونه الدراعة. هي لباس زينة كانت النساء يلبسنه وله ذيول مما يرفع ثمنه. نرى حكاية الجلباب أو الخمار أو المِرط بكثرة في أشعار العرب. وحتى نعرف معنى يدنين عليهن حري بنا أن نقرأ آية أخرى تشرح الموضوع.

قال تعالى في سورة النور: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31).

لهذه الآية شقان منفصلان في الواقع فلنفصل بينهما.

الشق الأول: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. هذه هي آية الحجاب في الواقع. فبعد أن أمر الله تعالى المؤمنين قبلها ليغضوا من أبصارهم فإنه سبحانه أمر المؤمنات أيضا ولكنه أضاف: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. وقبل أن نشرح المقطع الكريم يطيب لي أن أنبه جميع الحاضرين والغائبين بأنه سبحانه لم يعين أي عقاب دنيوي أو أخروي لترك الحجاب. فلا سبيل على من لا تلبس الحجاب قطعا. عدم إبداء الزينة مشروح بعدها بتفصيل فليختصر بحثنا حول: وليضربن بخمرهن على جيوبهن. الجيب تعني فتحة القميص. فيوم نزل القرآن الكريم لم يكن هناك أزرار ولا نايلونات مطاطة. وكانت النساء مهتمات بالضفائر وبتصفيف الشعر. ولذلك كن يوسعن فتحات القمصان حتى لا تتأثر ديكورات الشعر لديهن. لكن المشكلة أن الجيوب الكبيرة كانت لا تغطي الصدر فيبرز مفاتنهن بصورة جلية للناظرين. فعلَّمهم ربهم بأن يغطين صدورهن بذيل من ذيول خمرهن أو جلابيبهن. ذلك خير لهن حتى لا يُدعون إلى الفاحشة من قبل ضعاف النفوس أو الشباب الطائش.

ليس هناك أي ذكر لتغطية الشعر في القرآن الكريم. ثم إن الآية التي قرأتها كاترين تأمر الرسول الأمين بأن يقول لأزواجه وبناته. ألا تعني ذلك بأن بعض أزواجه وابنته الوحيدة فاطمة ما كن ملتزمات بالحجاب قبل نزول الآية الكريمة؟ لو كن ملتزمات به لكان أمر الله تعالى غير مناسب والعياذ بالله. هل يجوز لأحد أن ينصح من عطر بدنه بأن يعطر بدنه؟ أو ينصح من طهر وجهه أن يطهر وجهه؟ أو أن ينصح من يلبس الحجاب أن يلبس الحجاب؟

ثم نأتي للمقطع الثاني من الآية الكريمة: …وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31). لنبدأ بفهم معنى الزينة المذكورة ثلاث مرات في آية واحدة. يقولون بأن الزينة تعني الوجه والشعر باعتبار محاسن الوجه وجمال الشعر. لكنه سبحانه قد وضح الزينة في آخر الآية الكريمة بقوله الكريم: … وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ…. كلهم يعلمون ويقولون بأن المقصود من هذا المقطع هو الحجل أو الخلخال التي تتخذها النساء كزينة لسيقانهن. فأمرهن الله تعالى ألا يضربن بأرجلهن لئلا يعلم أحد بأنهن لابسات الخلخال. تعني نهاية الآية الكريمة بأن على المرأة التي غطت سيقانها بالملابس الطويلة ألا تضرب برجليها على الأرض ليعلم الغير ما أخفته من زينتها. فالمقصود من الزينة هو ما أضيفت إلى البدن وليس البدن نفسه.

وإذا كانت الآية تتحدث عن الحجاب فما معنى أن يأمر التي غطت زينتها ألا تضرب برجلها على الأرض. إذن هناك مسألة أخرى غير الحجاب. ثم إنه سبحانه ذكر محارم المرأة ولم يذكر الأخوال والأعمام وهم من محارمها. ثم إنه تعالى سمح للتابعين وهم رجال غرباء يخدمونها بأن تبدي زينتها أمامهم. وسمح لنسائهن أيضا. وهل هناك منع للنساء ألا يرين زينة أمثالهن من النساء حتى يسمح سبحانه فقط لنسائهن. إذن هذا المقطع من الآية لا تتحدث عن الحجاب إطلاقا.

على هذا الأساس أرى من الضروري أن نقرأ آية بعدها لنرى المقصود من آية منع المرأة من إظهار الزينة: وَأَنكِحُوا الأيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32). فالحديث في واقعه عن النكاح وليس عن الحجاب. وعدم إبداء الزينة لحماية الفتاة الغنية من إمكاناتها المالية ومجوهراتها حتى لا يطمع اللصوص. أما السبب في عدم ذكر الأعمام والأخوال الذين هم محارم لها فهو باعتبار أن الفتاة لو كانت صاحبة ثروة فقد يكون عمها أو خالها فقيرا ولكنه يطمع أن يناسب ابنة أخيه ويطلبها لابنه. فإظهار زينتها قد يؤلم العم أو الخال الفقير أولا. ثم إن الفقر لا يجب أن يحول دون أن تتزوج المؤمنة مع من يناسبها في غير المال. وأما التابعون فهم يخدمونها وعلى علم بكل إمكاناتها، وكذلك صديقاتها من النساء اللاتي يعلمن كل شيء عنها فلا بأس بأن تظهر أمامهن بزينتها.

نعود مرة أخرى إلى بداية الآية الكريمة لنقرأ أول بيان للزينة حيث أننا علمنا بأن الزينة مذكورة ثلاث مرات في الآية: وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ…. قلنا بأن المقطع الأول يوضح الحجاب طبعا ويوضح قبل بيان حدود الحجاب الموصى به أمرا إرشاديا بعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها. قالوا أيضا بأن ما ظهر منها يعني الوجه والكفين بلا دليل من الآية نفسها لكنهم استندوا إلى أحاديثهم التي كتبوها بأيديهم ونسبوها إلى رسول الله عليه السلام. فلو اتبعنا فهمهم فنحن متبعون إياهم ولسنا مؤتمرين بأمر الله تعالى في التنزيل القويم. يسمح الله تعالى ظهور الزينة من الحلي والمجوهرات والمشروحة في آخر الآية الكريمة حد ما يظهر منها عادة. هو بعض الزينة الخفيفة على الوجه والأذنين ولعل القليل من الأسورة. لكن الزينة الثقيلة التي يقيدن بها أقدامهن فهي غير مسموح للظهور خوفا عليها من طمع اللصوص. هناك مقدار كبير من الذهب مستعمل في الخلخال يتجاوز عدة أضعاف ما تزين به المرأة وجهها وأذنيها بل مع يديها أيضا. هذا ما نفهمه من آيات الله تعالى.

لكنني أصارحكم بأن من خير المسلمات أن يلبسن الحجاب الخفيف المتعارف على رؤوسهن باعتبار العرف لا باعتبار الشرع. جرى العرف بينهن في كل الكرة الأرضية بأن المسلمة الملتزمة تغطي شعرها فمن صالحها أن تحافظ على ما ترغبه بقية أخواتها المؤمنات إرضاء لهن وطلبا لصداقتهن فقط.

كاترين:

إذن لا أحتاج إلى الالتزام بالحجاب فأخلعه هنا ولو شئت سألبس الحجاب في أي مكان خفت على نفسي من الأذى.

محمود:

صحيح تماما.

خلعت كاترين حجابها في المجلس ولا سيما أنها لا تريد أن تحرم علوي من النظر إلى شعرها استكمالا لجمالها وبهائها. كما أنها لا تريد أن تحرج ماري التي بقيت بلا حجاب حتى تلك اللحظة.

ماري:

يا عم محمود أرى بأن الكثير من المسلمين يتحاشون أن يأكل الذكور والإناث معا على مائدة واحدة. فهل هناك وصايا قرآنية بذلك؟

محمود:

هناك وصية قرآنية بعكس ذلك. قال تعالى في سورة النور: لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (61). تنطوي الآية الكريمة على إذن للأكل في بيوت الأصدقاء. ثم تختتم الآية بعدم وجود مانع ليأكلوا جميعا أو أشتاتا. فهناك تفضيل للأكل جميعا باعتبار أن الله قدم ذلك على الأكل أشتاتا. والأشتات تعني بأن يأكل الذكور معا والإناث معا دون الجمع كما يبدو. إنها مسموحة فقط وليست واجبة.

كاترين:

أين المسلمون من قرآنهم؟ هذا القرآن لم يمنع الناس من مسايرة الطبيعة. ولنكمل جلستنا السابقة حول الربا لو تسمحون.

الجمع: 

موافقون.

كاترين:

كنت طوال الأيام الماضية أفكر فيما قاله العم محمود التمار وفي اقتراح علوي بنشر الموضوع. ولكن بحكم عملي أرى بأن العالم المعاصر غير مستعد للمثاليات فيجب إيجاد حلول أخرى. ولذلك اسمحوا لي بأن أسأل العم محمود عن حكم الربا في القرآن الكريم.

محمود:

المشكلة أن هناك دعاية قوية بين الناس ضد ما يسمونه بالفوائد حيث أدخلوا في عقول الناس بأن الفوائد يعني الربا والربا محرم. لعل البنوك الغربية كانت وراء القصة لأن المسلمين وقبل ظهور البنوك المعروفة بالبنوك اللاربوية كانوا يودعون بعض أموالهم في البنوك الأجنبية معتبرين الأجانب كفارا غير ذميين فيجوز أن يأخذوا من أموالهم! كانوا فرحين بذلك وكانت البنوك الغربية تستفيد من تلك الإيداعات مقابل فوائد بسيطة تقدمها للزبائن. في الواقع كانوا يساعدون الغرب بأموالهم ولا يساعدون أنفسهم بذلك.

لم يحرم الله تعالى الربا بصورة مطلقة بل حرمه إذا طالب صاحب المال أضعافا مضاعفة. قال تعالى في سورة البقرة: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275). وقال سبحانه بعدها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279).

وقال تعالى في سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130).

فحينما نقرأ الآيات أعلاه معا نفهم منها بأن الله تعالى:

1. حرم الربا الزائد على قيمة رأس المال. بمعنى أن لكل شخص الحق في الحفاظ على القيمة الشرائية للنقدية التي بحوزته. فيجوز له أن يضيف سعر التضخم على ما قدمه من دين للمدينين حتى يحتفظ بالقيمة الشرائية لأمواله. أليس ظلما أن تقدم مالا لأحد يتجر فيه يوم كنت قادرا على أن تشتري كيلو اللحم بعشرة جنيهات وبعد سنة تسترجع نفس المال دون أية إضافة في حين أن كيلو اللحم قد أصبح 11 جنيها. سوف تخسر حقيقة 10 بالمائة من قيمة النقدية التي كانت بحوزتك.

2. هذه الإضافة هي الربا المسموح ولذلك حرم الله تعالى الربا أضعافا مضاعفة. بمعنى أنه تعالى حرم على الدائن أن يطالب المدين بربا أكثر من سعر التضخم الذي كان من حقه ليحتفظ برأسماله. هذا هو الحرام.

3. يحق لكل مؤسسة أو شخص يقدم خدمات للناس أن يُطالبهم بأجرة على عمله. هناك مؤسسات تبيع الخدمات على الناس مقابل أجور ومن حقهم ذلك. فلو كان هناك بنك متوسط بين صاحب المال وبين المقترض فمن حق البنك أن يطلب نسبة معقولة تضاف إلى سعر التضخم ليغطي بها مصاريفه وليحقق بعض الربح لمؤسسته المصرفية. لكن على النظام أو الحكومة أن تمنع من الربا الفاحش لأنه يدمر الناس ويسوق النقدية إلى جيوب فئة قليلةٍ ظالمةً عامةَ أهل السوق.

أعني بأن البنوك الربوية في حقيقتها أكثر إنصافا من البنوك اللاربوية التي تجني أرباحا إجرامية من الناس باسم الإسلام. في حالة البنوك العادية فإن المستدين مدين بقيمة السلفة مضافا إليها سعر التضخم مع نسبة بسيطة لتغطية مصاريف البنك مع ربح معقول. البنوك المركزية تتحكم في نسبة الفائدة ولا يمكن للبنوك أن تتجاوز ذلك السعر ولو فعلوا فإن من حق المدينين أن يلجؤوا إلى القضاء ويستعيدوا الفرق منهن. لكن البنوك اللا ربوية فهي تبيع وتشتري ولا يمكن للقضاء أن يتدخل في شؤونهم. ثم إن البيع الذي يتحدثون عنه لم يتحصل شرعا. ذلك لأن البيع يعني أن تبيع مما تملكه ولا معنى لبيع ما لا تملكه. لم يذهب البنك الإسلامي لشراء البيت أو الأرض أو البضاعة إلا بعد أن يبيع ذلك على طالب القرض ثم يتعامل مع صاحب المال ليشتريه منه. هذا حرام قطعا لأنه ليس بيعا بل هو الربا الفاحش بعينه.

كاترين:

يعني بأننا في البنوك العادية أقل ظلما من البنوك اللاربوية الإسلامية؟

محمود:

بالطبع.

كاترين:

حقا بأن القرآن يدعو إلى دين قويم يساير طبيعة الحياة الإنسانية ولا يخالفها إلا عند الضرورة القصوى.

محمود:

بل لا يخالفها أبدا. الشريعة السماوية هي شريعة الطبيعة لأنها صادرة ممن هو مالك حقيقي لكل ما في الطبيعة من موجودات، كما أنه سبحانه خلق الكون على أساس القوانين الطبيعية. قال تعالى في سورة الحجر: وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ (19). وقال سبحانه في سورة الرحمن: وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7). وحينما نمد الطرف إلى أية زاوية من زوايا الكون نراها مبنية على أسس وقواعد محسوبة بدقة ولذلك فإننا قادرون على أن نحسب الحركات الفلكية بدقة الجزء من الثانية ونفهم زمان بعض الحركات الكونية المتعارفة مثل الخسوف والكسوف وحركات الفصول والشروق والغروب بدقة الجزء من الثانية. هذا يعني بأن كل قوانين الطبيعة محسوبة حين الخلق.

يتبع: جلسة الإثنين (2)

أحمد المُهري

11/5/2019

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

يوسف أيها الصديق ح 20 – الدين القيم والصراط المستقيم


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 20 – الدين القيم والصراط المستقيم

وحتى يعطي يوسف لصاحبيه المعنى الدقيق لأسباب الخضوع الاختياري فإنه أردف قائلا:

ذلك الدين القيم.

وحتى نعرف المعنى الدقيق للدين القيم فإننا سنحاول معرفة صفة القيم بداية فنمر على كل الآيات التي ذكر الله تعالى فيها تلك الصفة وهي ثمان آيات مع هذه الآية. هي الأنعام 161 والتوبة 36 والكهف 2 والروم 30، 43 والبينة 3 و5.وسنجد ان ملخص المعنى الذي تدور حوله عبارة “الدين القيم” هو الدين التوحيدي الخالص من الشرك .24 

إذن يمكننا أن نوضح معنى كلام يوسف بأن عدم الشرك بأي شكل هو الدين القيم الموصل إلى الله تعالى والذي ينهج من يسير فيه طريقا مستقيما لا عوج فيه. ولنحلل كلام يوسف على ضوء ما عرفنا من معنى تقريبي للدين القيم. تقول الآية من سورة يوسف:

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40).

عدم الخضوع لغير الله تعالى هو الدين القيم ولازمه الخضوع لله تعالى. فلا نكتفي بعدم عبادة الغير بل نعبده لأنه سبحانه جدير بأن يُعبد وعبادته دليل على سلامة نفوسنا وبيان لانصياعنا النفسي للحقيقة المطلقة.

فالدين هنا هو الأصل الأساسي الذي يجب أن نراعيه في كل مناهجنا وهو عدم الشرك بالله تعالى والخضوع له. فكل مناهجنا توضع على أساس اتباع قوانين الألوهية التي لا مناص منها حقيقة ومن يخالفها يخسر الدنيا كما يخسر الآخرة.

( هامش 24:   عند تحليل هذه القضية نجد التالي:

آيتا سورة الروم وردتا بعد ذكر دقة الله تعالى في صناعة مخلوقاته فأمر نبيه باعتباره أسوة حسنة لصحابته أن يوجه وجهه طرف نظام الكون الدقيق والخالي من العيوب ساعيا لاستعمال قوة الإرادة عنده في مسايرة كل النظام الشمولي الدقيق فلا يخالف نظام الألوهية وينجو من المساءلة يوم الحساب.

ذلك ليعلمنا بأن الإسلام هو دين الطبيعة المرشد لنا نحو كيفية السير مع بقية الكائنات التي هي خاضعة بطبيعتها لربها لنخضع بإرادتنا للذات القدسية فنكسب رضاه سبحانه. وهما:

 فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43).

وقد منعنا الله تعالى في الآيات الوسطى أن نكون من أتباع المذاهب الدينية واعتبر من ابتدعوها مشركين لأنهم فرقوا دين الله تعالى وهو واحد لا يمكن تفريقه لأنه منبثق من الواحد الذي خلق الكون المهيب ليستمر في الحياة والبقاء والعطاء طيلة بلايين السنين دون أن ينهار  إلا ضمن شروط نظامه وقوانينه الطبيعية.

وأمره في كلتا الآيتين للنبي باعتباره أقدر من غيره على أن يكون أسوة حسنة لصحابته والآيات الاستدلالية موجهة لجميع الناس. وقد ضرب الله تعالى بالربا مثلا ليذكرنا بأننا لا نملك ما بأيدينا، فعلينا أن نطيع ربنا المالك إن أردنا كسب رضوانه. وإلا فنحن الخاسرون.

وفي كل الآيات يمنع من إشراك أي مخلوق في الخضوع له باعتبار أن الخلق عاجز وجاهل بحقائق الأشياء كائنا من كانوا. فلا يستحق أحد أن يُخضَع له حبا وشكرا وطاعة غير القدوس وحده. وطاعة رسوله عبادة له في الواقع باعتبار أن الرسول ساعي بريد لا يملك شيئا ولا يدعو لنفسه أبدا بل هو قانت لربه. عليه وعلى جميع رسل ربنا الصلاة والسلام.

وعلى أساس ما تقدم فان الله تعالى لا يفوض من صلاحياته شيئا إلى بعض عباده إطلاقا إذ لا ولاية تكوينية لأحد في هذا الكون إلا لله وحده.

وهناك آيتان تتحدثان عن القرآن الكريم وأنه هو أو سوره كتب قيمة. الأولى ما افتتح به سورة الكهف:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2).

 فـ (القيم) هناك وصف للقرآن باعتباره نذيراً ومن شأن النذير أن يكون دقيقا وواضحا حتى يتمكن المنذَرون من اتباعه لينجوا من تبعات الإنذار من ربهم. إذ أن (القيم) في مستهل الآية الثانية يعني المستقيم الخالي من أي اعوجاج. والثانية في سورة البينة هكذا:

 لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4).

فالبينة في الآيات الأربعة تدل على كتب السماء وتفرق أهل الكتاب ليس نتيجة لنزول البينة ولكن الله تعالى بصدد بيان المسؤولية التي تكون بعد استلام الإنذار، لا سيما الإنذار الكتابي.

وإن تفرقهم بعد نزول الكتب إثم واضح سيُسألون عنه. فالله تعالى يريد أن يبلغنا بأن كتبه واضحة تدعو إلى صراط مستقيم غير ذي عوج لتكون حجة علينا يوم الحساب العظيم أمام وجهه الكريم. والقرآن هو رسالة من الله تعالى.

ثم نفكر في آية سورة التوبة:

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36).

إنها تعتبر نظام الأشهر الاثني عشر لتكميل السنة أو تقسيمها مسألة طبيعية تتناسب مع خلق السماوات والأرض. إن الله تعالى وضع هذه الحقيقة في برنامج الخلق يوم بدأ التكوين الأساسي لخلق الكرات الغازية المهيمنة والممتدة وخلق الكرات الصلبة المعدة لاستضافة خلقه.

كما أنه اعتبر في نظامه حاجة كل إنسان إلى أربعة أشهر من الراحة عن كل حرب وخصام حتى لا يفقد توازنه بين النفس والجسم. وأوصى الصحابة ألا يبدأوا بقتال المشركين ويميزوا بينهم فيقاتلوا الذين يقاتلونهم دون غيرهم. ذلك طلبا للمزيد من السلام وابتعادا عن الحروب جهد الإمكان.

هكذا يستقيم دينهم ويتخلص من تدخل الأهواء والرغبات الشخصية والانتقامية ليكون كل شيء خالصا لوجه الله تعالى. بقيت آيتان هما آية الأنعام:

قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165) 

وهي أول آية في القرآن انطوت على مفهوم الدين القيم مشروحا بكل وضوح، والآية تعقب الأمثال الطيبة لتلك الحقيقة القرآنية. والآية التالية وهي في سورة البينة وهي تمثل آخر آية تتحدث عن الدين القيم:

وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5).

ونلاحظ أن الحديث تكميل لما سبق ونقلناه وقرأناه معا عن أهل الكتاب فهم أُمروا بالعبادة المخلصة لله تعالى. أمروا بأن يخلصوا دينهم لله وحده ولا يلتفتوا إلى الناس أبدا وهو معنى الحنيف الذي يميل عن الناس. فكل إنسان يجب أن يشق طريقه بنفسه إلى الله تعالى بما يتناسب مع إمكاناته ومعلوماته تاركا أمته وتراثه والخلق أجمعين وراء ظهره.

لقد أرسل الله تعالى كتبا إلى الناس لئلا يكون لهم حجة بعد أن جاءتهم رسلهم بكتبهم من ربهم. وأما إضافة الدين إلى (القيمة) فهي تحتاج فعلا إلى موضوع لتكون وصفا له. فلا يمكن أن تكون (القيمة) وصفا للدين لأن الصفة من التوابع ولم تتكامل شروط التبعية في الجملة. وقد ظن البعض أن الحديث في الآيات عن الأمة الإسلامية فهي المقصودة ويصير المعنى كما قالوا: دين الأمة القيمة.

ولا أدري كيف تكون الأمة قيمة على دينها؟. وفي نظري أن (القيمة) هنا تعود إلى الكتب المذكورة في الآية الثالثة وهي كتب القرآن. فالقرآن يمثل مجموعة من الكتب التي تدل كل منها على الاستقامة وعدم الاعوجاج في كتاب السماء. فهي تعني دين الكتب القيمة. فكل الكتب القديمة والحديثة تأمر الناس بأن يتركوا الشرك ويعودوا إلى ربهم ويخلصوا عملهم له ولا يشركوا بربهم أحدا من خلقه سواء كانوا رسلا وأنبياء أو ملائكة أو غيرهم.

وملة إبراهيم هي الملة التي يعود إليها كل من جاء بعده من الأنبياء والناس لأنه ضرب أعلى مثل للاستعداد للتضحية في سبيل ربه فترك كل شيء لأجل الله تعالى. ولذلك فهو متبوع كل الأنبياء وكلهم بمن فيهم نبينا يفتخرون بأنهم أتباع إبراهيم.

من هذا البحث المختصر يمكننا معرفة الدين القيم بأنه هو عين الصراط المستقيم من حيث المصداق وانهما يختلفان من حيث المفهوم فقط. فالصراط المستقيم التشريعي للخلق يشير إلى السبيل الموصل حقيقة إلى الله تعالى ليقع المؤمن ضمن الحركة العامة الجبرية للممكنات ولكن باختياره ليكسب الجزاء ويستحق الرضوان. ولكن المفهوم مختلف، حيث أن الدين هو القانون الثابت الذي لا يتغير، والطريق أو الصراط هو المنهج وهو ثابت لا تتغير أصوله باعتبار استقامته أيضا. فالمنهج أو الطريق الصحيح يجب أن يكون موصلا للهدف الذي ينشده الدين أو الدستور الأساسي. فدين المؤمنين هو ألا يشركوا في أهدافهم إضافة إلى تطلعاتهم، وطريقُهم هو العبادة المخلصة لربهم وعدم الشرك به في كل أفعالهم وأفكارهم.

إن ملة إبراهيم هو التفسير الفعلي لمنهج العبادة التي توصلنا إلى الرضوان. فالكون يسير ضمن نظام قيم لا خلل فيه ولا عوج والكتب السماوية أنزلها ربها متناسبة ومتناسقة مع كل الكون ليساعدنا على اتباع قوانينه الطبيعية في الطبيعة، والدين القيم هو التشريع الذي يوصل متبعيه حتما إلى مسايرة كل النظام الكوني الذي نسميه نظام الألوهية الشامل حتى لا يخسروا ولا يضيعوا ولا يدخلوا النار.     نهاية الهامش 24.)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com