بين إدارة الفراغ وصناعة الدولة

بين إدارة الفراغ وصناعة الدولة
مرحبتين،
تابعت اللقاء الإعلامي لرئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، يوم أمس 12 أغسطس، والذي حاول من خلاله تقديم قراءة لموقف مجلس القيادة وتوجهاته في التعامل مع عدد من الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية. (ويعتبر انجاز ان اتابع هكذا لقاءات لان جزء كبير منها يحمل مدلول صعب #هبل_تايم) ، وعموما و بعيدًا عن الاصطفاف، فإن أكثر ما يعنيني في مثل هذه اللقاءات ليس فقط ما تقوله السلطة عن موقفها السياسي، بل سؤال أكثر :
كيف تعمل الدولة اليوم؟
فالاعتراف الدولي والمرجعيات السياسية والتحالفات عوامل مهمة، لكنها لا تتحول إلى دولة فاعلة. وبين الخطاب السياسي ونظام التشغيل اليومي توجد، في تقديري، فجوة لا تزال بحاجة إلى معالجة، فالمشكلة أن إدارة جانب من المرحلة تبدو أحياناً كثيرة كما لو أنها تنتظر الحل السياسي الشامل أو العودة إلى صنعاء ، أو استعادة الظروف المثالية التي تسمح للدولة بأن تعمل من جديد، وخطورة الانتظار ليست في الوقت الذي يضيع فقط، بل في أن تتحول السلطة تدريجياً إلى طرف يدير الأحداث وردود الأفعال بدل أن يبني واقعاً جديداً على الأرض،
وهنا تبرز الفجوة الاقتصادية، فالإصلاحات المالية وضبط الموارد وتوريد الإيرادات إلى البنك المركزي ضرورية، ولا يمكن بناء دولة في ظل تعدد الحسابات والجبايات وتسرب المال العام، لكن الانضباط المالي وحده لا يصنع اقتصاداً، فإذا لم يرتبط بخلق قيمة جديدة، وتحسين الخدمات، وتحريك الاستثمار والإنتاج، فإن الدولة قد تنجح في جمع موارد اقتصاد ضعيف دون أن تنجح في توسيع ذلك الاقتصاد.
وقد شددت التوجهات الحكومية الأخيرة بالفعل على توريد الإيرادات إلى البنك المركزي وإغلاق الحسابات خارجه، بالتوازي مع إعلان إصلاحات مالية واقتصادية أوسع، والتحدي الحقيقي، في رأيي، هو تحويل هذين المسارين إلى برنامج واحد يربط الانضباط المالي بالتنمية والنمو والخدمات،
وهنا أعود إلى مفهوم “الدولة التنموية البراغماتية” الذي حاولت طرحه في عدد من أوراقي الشهرية في مجلة الرابطة الاقتصادية،
فالمرحلة الراهنة لا تحتمل انتظار الدولة المثالية، لكنها تستطيع بناء دولة تعمل،
تعمل عندما تنتظم الكهرباء والمياه، وتصبح الطرق آمنة، وتدار الموانئ والمطارات بكفاءة، وتتحرك التجارة دون عوائق، وتستثمر الأصول بدل تجميدها، وتدار الموارد بشفافية، وتفتح فرص العمل والاستثمار أمام القطاع الخاص،
وتعمل عندما تبدأ الدولة في معالجة الملفات الأعمق، من إصلاح المؤسسات إلى العدالة الانتقالية وجبر الضرر، بدل تركها تتراكم حتى تصبح وقوداً لأزمة قادمة، وحرب جديدة تستعد لتبدأ،
فالمواطن لا يحتاج إلى قراءة البرنامج الحكومي حتى يعرف أن الدولة تعمل،
هو يشعر بها عندما تصل إليه الخدمة،
والقطاع الخاص لا يحتاج إلى خطاب طويل عن الاستثمار إذا كان الطريق غير آمن، والكهرباء غير مستقرة، والميناء بطيئاً، والقرار موزعاً بين جهات متعددة،
بالتالي فالإنجاز الاقتصادي والخدمي ليس ملفاً ثانوياً مؤجلاً إلى ما بعد التسوية السياسية، بل أحد أهم أدوات صناعة الشرعية والاستقرار،
في المقابل، فإن أي سلطة (في صنعاء أو عدن) تستطيع أن تنتظم أكثر في التخطيط واتخاذ القرار ومتابعة التنفيذ، ستكسب مساحة أكبر من القدرة على إدارة واقعها، بصرف النظر عن موقفنا السياسي منها أو تقييمنا لعدالة سياساتها،
وهذه نقطة ينبغي أن نتعامل معها بواقعية:
وجود الاعتراف السياسي لا يعوض ضعف القدرة التنفيذية، كما أن القدرة التنفيذية لا تمنح وحدها المشروعية السياسية،
الدولة تحتاج الاثنين معاً.
أما في الجانب العسكري والأمني، فالحماية وتجنب التصعيد لا يعنيان انتظار الخطر،
تعطل إمدادات الغاز القادمة من مأرب بسبب التقطعات المتكررة، وما يترتب على ذلك من أزمات في المحافظات، هذا مثال بسيط،
لكنه يدل على أن أمن الطريق ليس ملفاً عسكرياً فقط، إنه أمن اقتصادي ومعيشي يمس حياة ملايين الناس، وقد وثقت الجهات الرسمية تأثير تلك التقطعات على وصول إمدادات الغاز إلى عدن ومحافظات أخرى، والأمر ذاته ينطبق على الحاجة إلى مزيد من توحيد هياكل القيادة العسكرية والأمنية، وتأمين المنافذ وخطوط الإمداد، وبناء قدرة مؤسسية للردع والاستجابة، بحيث لا تبقى الدولة منتظرة حدوث المشكلة لكي تبدأ في إدارتها،
فالأمن الحقيقي ليس كثرة السلاح،
الأمن هو تقليل احتمالية وقوع الضرر قبل أن يقع،
ومن المؤسف إنسانياً ، أن تتحول بعض الإجراءات المتخذة في سياق الصراع أو “المواجهة” إلى عبء إضافي على المواطن، سواء كان يعيش في المناطق التي تديرها الحكومة المعترف بها دولياً أو في المناطق الخاضعة لسلطة صنعاء،
فالإنسان اليمني لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة ضغط بين السلطات،
وصيانة الموقف السياسي لا تكون بمضاعفة الأزمة المعيشية على المواطن الموجود في الطرف الآخر، بل بقدرة كل طرف يدعي تمثيل الدولة أو المجتمع على تقديم نموذج أكثر مسؤولية تجاه الناس،
وهناك ملف أصعب لا يمكن تجنبه طويلاً:
الخلافات والقضايا السياسية داخل المناطق والمكونات الشرعية،
القضية الجنوبية موجودة،
والقضية الحضرمية موجودة، ولتهامة وغيرها من المناطق قضايا ومظالم وتطلعات لا تختفي بمجرد تأجيل الحديث عنها،
ولا يعني وضع هذه الملفات على الطاولة القبول المسبق بكل طرح يقدم باسمها، ولكنه يعني الاعتراف بأنها قضايا سياسية تحتاج إلى مسارات معلنة للحوار والمعالجة، بدل تركها في المنطقة الرمادية حتى تنفجر عند كل تحول سياسي،
وهنا تصبح العدالة الانتقالية وجبر الضرر جزءاً من صناعة الدولة، لا ملفاً حقوقياً يوضع في نهاية جدول الأعمال،
لأن المجتمع الذي لا يجد مساراً مؤسسياً لمعالجة مظالمه يبحث عن مسارات أخرى، والدولة التي تؤجل الاعتراف بالضرر لا تلغي الضرر، بل تؤجل مواجهته،
وهذا يعيدنا إلى المشكلة الأعمق:
هل ندير المرحلة بالأشخاص أم بالنظام؟
التجربة اليمنية أرهقتها فكرة البحث عن “الشخص المنقذ”
أو زعيم قوي ، أو قائد قوي ، أو رئيس قوي، أو محافظ قوي، أو قائد قوي، أو وزير يستطيع أن يحل وحده مشكلات مؤسسة ضعيفة،
الدول لا تبنى بهذه الطريقة،
فالشخص الجيد قيمة مهمة، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يبني نظاماً يستطيع العمل بعد مغادرته، وفريق عمل يعمل في دعمه لصناعة القرار ،
ولهذا فإن الانتقال المطلوب ليس من شخصية سياسية إلى أخرى، ولا من محاصصة إلى محاصصة أكثر أناقة، وإنما من هندسة السلطة بين الأشخاص إلى هندسة المؤسسات والمسؤوليات والنتائج،
لقد حان الوقت، في تقديري، للانتقال من دور “المدافع المنتظر” إلى دور “الباني المبادر”،
ولا يعني ذلك مغامرات عسكرية أو قرارات انفعالية أو تجاوز الواقع السياسي،
بل العكس، فالمبادرة اليوم قد تكون قراراً صغيراً يصلح طريقاً،
أو نظاماً يمنع الجباية غير القانونية،
أو عقداً يحسن الكهرباء،
أو إصلاحاً يفتح الميناء أمام التجارة بكفاءة أكبر،
أو مساراً مهنياً ينقل شاباً من الانتظار إلى العمل،
أو سجلاً يحفظ حق مواطن تضرر من الحرب،
هذه القرارات الصغيرة، عندما تترابط داخل رؤية واحدة، هي التي تصنع الدولة،
طرحت هذا المفهوم “نظام التشغيل المؤقت للدولة” في الورقة المنشورة في العدد 54 من مجلة الرابطة الاقتصادية، خلاصتها، بأن:
لا تنتظر المرحلة الانتقالية حل كل قضايا اليمن حتى تبدأ بالعمل، بل أن تدير الممكن اليوم، وتحمي المؤسسات، وتحسن الخدمات، وتبني الثقة، وتترك للدولة القادمة مؤسسات أقوى بلا مشكلات أكبر،
فلم يعد الخطاب، مهما كان منظماً ومقنعاً، كافياً وحده،
الاختبار الحقيقي أبسط:
ماذا تغير في حياة الناس صباح اليوم التالي؟
هناك فقط تتحول الشرعية من مفهوم سياسي إلى ممارسة،
وتتحول السلطة من إدارة للفراغ إلى صناعة للدولة.
مودتي،
وأصلح الله بالكم،
أحمد مبارك بشير
13/08/2026