نظرية ظهور العلم 39 – المرحلة الحدسية


نظرية ظهور العلم 39 – المرحلة الحدسية

مركزية الذات

يعجز الكائن البشري في هذه المرحلة عن إدراك أنه “كائن مستقل” يختلف عن الكائنات الأخرى حوله.  يظهر ذلك بوضوح تام في عجز الكائن البشري عن إدراك أن الآخر له وجهة نظر مختلفة.  يظهر ذلك, مرة أخرى, بصورة واضحة تماما في أن الكائن البشري في هذه المرحلة يتصرف كما لو أن الآخرين يعرفون ما يعرفه, ويرون ما يراه, ويشعرون بما يشعر به.    يظهر ذلك عندما يلعب الأطفال في هذه المرحلة (تمتد المرحلة الثانية من لحظة نطق الطفل بكلمة ماما إلى لحظة إدراك الطفل أن الآخر يمكن أن ينظر إلى نفس الشيء ولكن من زاوية مختلفة وبالتالي يرى شيئًا مختلفا) الاستغماية, وهي اللعبة التي يقوم فيها الطفل بإغلاق عينية حتى يعطي الأطفال الآخرين الفرصة في الاختباء ويبدأ في العد من واحد إلى عشرة وبعد ذلك يفتح عينيه ويبدأ في البحث عن الأطفال في الأماكن التي يحتمل أن يكونوا قد اختبأوا فيها.  العادي في هذا العمر (من سنتين إلى خمس) أن تجد طفلا جالسا في مكانه لم يفعل شيئا من أجل أن يختبيء أكثر من أنه أغمض عينيه.    الفكرة هنا أن الطفل يتصرف على أساس أنه طالما هو لا يراك فأنت لا تراه. 

تظهر مركزية الذات كذلك في تجربة بسيطة يقوم بها الباحثون في علم النفس الإدراكي.  يجهز الباحث مائدة يجلس على طرف منها طفل, على حين يجلس على الطرف الآخر طفل آخر.  يضع الباحث في منتصف الطاولة كتابًا به صورة كلب من ناحية وصورة قطة من الناحية الأخرى, بحيث إذا نظر إليه الطفل الجالس على اليمين رأى صورة كلب, أما إذا نظر إليه الطفل الجالس على اليسار وجد صورة قطة.  يذهب الباحث إلى الطفل الجالس على اليمين ويبدأ في سؤاله عن الصورة التي يراها, وبالتالي ينطلق الطفل في الحديث عن الكلب الأسود الكبير الموجود في الصورة أمامه.  ينتقل الباحث إلى الطفل الجالس على اليسار ويبدأ في سؤاله بدوره, وهنا ينطلق الطفل في الحديث عن القطة البيضاء, الصغيرة, الجميلة التي يراها أمامه.  هنا يقترب الباحث من الطفل ويسأله بصوت منخفض عن رأيه فيما يخبرهم به الطفل الجالس على اليمين.  ما موضوع الكلب الأسود هذا؟  يرد الطفل دوما (تقريبا) بأن الطفل الآخر مجرد طفل كذاب.  ها هي الصورة أمامك يا عمو,  قطة بيضاء.  في هذه المرحلة, إذن, ما أراه أنا يراه الآخرون.  أنا أرى قطة بيضاء, إذن الكل يرى قطة بيضاء.  أنا ألعب استغماية.  أنا أغمضت عيني فأنا لا أرى أحدًا, إذن لا أحد يراني.    من الضروري الانتباه هنا إلى أنه على الرغم من أن هذه الظاهرة تعود إلى عجز الطفل عن إدراك أنه كائن “مستقل” وأن ما يراه هو لا بد أن يكون مختلفا عما يراه الآخرون, وأن ما يعرفه هو لا بد أن يكون مختلفا كذلك عما يعرفه الآخرون, إلا أن سلوك الطفل (يبدو) وكأنه يتصرف على أساس أنه هو مركز الكون.  ما يراه هو يراه الآخرون, وما لا يراه هو لا يراه الآخرون. 

يظهر أثر مركزية الذات في نظرة الطفل كذلك إلى الأشياء المحيطة به.  إذا كان الطفل يتصرف على أساس أن ما يراه هو يراه الآخرون, وما لا يراه هو لا يراه الآخرون, وأن ما يعرفه هو يعرفه الآخرون, وما لا يعرف هو لا يعرفه الآخرون, فإن من الطبيعي للغاية أنه إذا كان الطفل يشعر فالأشياء تشعر, وإذا كان الطفل يقصد فالأشياء تقصد.  أي باختصار, إذا كان الطفل طفلا فكل الأشياء أطفال مثله.   يظهر هذا في تعامل الطفل مع العالم حوله, كما يظهر في تفسير الطفل للأشياء حوله.

إذا حدث وأن اصطدم الطفل بجدار أثناء جريه من مكان إلى آخر, فإن على “ماما” أن تضرب الجدار لأن الجدار “وِحِش” ومؤذٍ لأنه كان “يقصد” الاصطدام بـ”أحمد”.  الجدار “وِحِش”.   إذا حدث أن انهار جسر أثناء مرور أشخاص فوقه, فإن ذلك لم يحدث لأن الجسر متهالك, أو لخطأ في التصميم, وإنما لأن الجسر “شرير” يقصد إيذاء الناس.  إذا حدث وأن سقطت أمطار فإن ذلك لم يحدث نتيجة اصطدام تيار من الهواء البارد بكتلة من الهواء تحمل بخار ماء, وإنما لأن السحابة “الطيبة” أرادت أن تروي النباتات “العطشانة” أو لمجرد مضايقة “أحمد” أو إسعاد “أحمد”.    وقصة طويلة ملخصها أن الطفل لا يعيش معنا في هذا العالم “الميت” الذي لا توجد به حيوانات مثلنا (حتى الآن) تقصد ما تفعل, وإنما يعيش في عالم ينبض بالحياة, عالم تحول فيه كل شيء إلى طفل مثله.  عالم من الأطفال.

لا يكف الطفل عن التصرف على أساس هذه الفكرة إلا بعد آلاف الاصطدامات مع الأطفال الآخرين وهي الاصطدامات التي تدفعه إلى إدراك أن هناك أطفالا آخرين في هذا العالم لهم وجهات نظر أخرى, ورغبات أخرى, وأنه لا بد أن يأخذ هذا الأمر في الاعتبار وإلا تحولت حياته إلى سلسلة لا تنتهي من الاصطدامات.  عندما يحدث ذلك.  عندما يدرك الطفل أن هناك أطفالا أخرى, لها وجهات نظر أخرى, وأن وجهة نظرة ليست وجهة النظر الصحيحة الوحيدة على حين أن كل الأطفال الآخرين كذابون, يكون ذلك إعلاما بانتهاء المرحلة الثانية, وأن الطفل قد دخل المرحلة الثالثة.  مرحلة العمليات العينية.2/2- النظرة الجزئية

المقصود بالنظرة الجزئية هنا هو عجز الطفل عند النظر في أي موضوع عن أخذ أكثر من جانب واحد من جوانب الموضوع.  جانب واحد فقط من جوانب أي موضوع يكفي للحكم على كامل الموضوع ولتذهب كافة الجوانب الأخرى من الموضوع إلى الجحيم.  يظهر ذلك بصورة واضحة تماما في مسلسل تجارب نقل الماء من إناء إلى إناء.  يأتي الباحث بإناء من الزجاج الشفاف يمتاز باتساع قاعدته وقصر جوانبه.  يملأ هذا الإناء “ببعض” الماء.  يعرض الباحث هذا الإناء بالماء الذي يملأه على الأطفال.  يقوم الباحث بعد ذلك بإخراج إناء زجاجي شفاف آخر وإن كان يمتاز هذه المرة بضيق قاعدته وطول جوانبه.  يقوم الباحث بسكب الماء من الإناء القصير إلى الإناء الطويل.  يمتليء الإناء الطويل إلى قمته بالماء.  يسأل الباحث الأطفال عما إذا كان الماء قد زاد, أم نقص, أم بقي على حاله.  يجيب كل الأطفال بلا تردد بأنه قد زاد.  يعيد الباحث سكب الماء في الإناء القصير ويعيد السؤال.  تأتي الإجابة من الأطفال هذه المرة بأنه قد زاد.  وهكذا زاد ونقص, ونقص وزاد بدون أي مشكلة على الإطلاق.  والسبب هنا هو تلك النظرة الجزئية التي لم تأخذ في الاعتبار إلا بعدًا واحدًا فقط هو بعد “الطول” – طول الإناء –  مع تجاهل بعد العرض – عرض قاعدة الإناء – تماما.    مرة أخرى, لا يبدأ الطفل في التخلص من هذه النظرة الجزئية وأخذ كل أبعاد الموضوع في الاعتبار إلا مع دخوله المرحلة الثالثة, مرحلة العمليات العينية.2/3- سيطرة الحس

لفهم هذه النقطة يلزم أن نفهم أولا أن هناك فرقًا بين الكون كما “نعرفه” والكون كما “نراه”.  يظهر الفرق بين الكون “كما نعرفه” والكون”كما نراه” عندما نقود السيارة في الطريق من مرسى مطروح إلى واحة سيوة عبر 300 كيلو وسط رمال صحراء مصر الغربية.  تمتد آلاف الأعمدة على امتداد الطريق تحمل أسلاك الهاتف من مرسى مطروح إلى سيوة.  إذا نظرت إلى أقرب واحد منها إليك لوجدته يرتفع إلى ما يقترب من ستة أمتار (تقريبًا –  مجرد تقدير شخصي) أما إذا نظرت إلى أبعد واحد منها, هناك عند خط الأفق, فسوف تجد أن طوله لا يزيد عن ستة سنتيمترات.  هذا هو العالم كما “يبدو” لنا.  هذا هو العالم كما نراه.  يبلغ طول أقرب عمود لنا ستة أمتار على حين يبلغ طول أبعد عمود عنا حوالي ستة سنتيمترات.  إلا أننا نعلم أن هذا هو العالم “كما يبدو” لنا.  هذا هو العالم  “كما نراه”. هذا ليس هو العالم “كما هو عليه”.  هذا ليس هو العالم الذي نعرفه.  نحن لا نعيش في عالم يبلغ فيه طول أقرب عمود لنا ستة أمتار على حين يبلغ طول أبعد عمود عنا ستة سنتيمترات.  هذا ليس هو العالم الذي نعيش فيه, هذا هو العالم الذي يعيش الأطفال فيه.  نحن نميز بين الصورة التي تعطيها لنا حواسنا عن العالم (العالم كما نراه أو العالم كما يبدو لنا) وبين العالم كما هو “حقًا” عليه, إلا أن الأطفال لا تميز.  الأطفال لها العالم الذي تراه فقط لأن هذا هو كل ما لديها.  نحن لدينا العالم الذي نراه والعالم الذي نعرفه.  الأطفال لا يوجد لديها سوى العالم الذي تراه فقط لأنه لا يوجد لديها العالم الذي تعرفه.

يظهر هذا الأمر بصورة واضحة تمام الوضوح إذا أتيت بكوب من الزجاج الشفاف وملأته إلى منتصفه بالماء.  ضع الكوب على مائدة بحيث يراه الأطفال بوضوح.  أمسك بقلم ثم ضعه في الكوب.  سوف “يظهر” القلم وكأنه مكسور.  اسأل الأطفال عما إذا كان القلم “سليما مستقيما” أم أنه مكسور.  سوف تأتيك الإجابة دائما (تقريبًا) بأنه مكسور.  حاول أن تتأكد مما إذا كانوا يقصدون “مكسور” فعلا أم أنهم يقصدون أنه فقط “يبدو” مكسورًا على حين أنه لا مكسور ولا يحزنون وأن المسألة مسألة “خداع بصري”.  وسوف تأتيك الإجابة بأنه “فعلا” مكسور.  إخرج القلم من الكوب وأعد سؤال الأطفال.  سوف تأتيك الإجابة, بدون تردد, بأنه “الآن” غير مكسور.  ضعه مرة أخرى. مكسور.  الأطفال لها “ما تراه”.  الأطفال لا يوجد عندها “ما تعرفه”.    مكسور, سليم, قصير, طويل.  لا توجد أي مشكلة.  لا توجد أي مشكلة على الإطلاق.  عندما تكون مستسلما للصورة التي تعطيها لك حواسك عن العالم.  عندما تكون هذه الصورة “الحسية” هي كل ما تملكه, فسيادتك لا توجد لديك أي مشكلة على الإطلاق في أي شيء.  أنت تعيش في عالم كل شيء فيه ممكن.  عالم أطفال المرحلة الثانية.

طبعًا, ليست هذه هي كل خصائص المرحلة الثانية, إلا أن هذه هي أهم خصائص المرحلة الثانية, وسوف نرى, إن شاء الله, أن كل الخصائص الأخرى مشتقة منها, سواء كان ذلك هو العجز عن إدراك التناقض, أو العجز عن تكوين المفاهيم, أو العجز عن التصنيف, أو العجزعن إعادة التصنيف, أو العجز عن التصريح بالقاعدة التي يقوم عليها التصنيف, أو العجز عن التحقق, أو الاستدلال, أو التعريف, أو الاستنتاج.  حقيقة الأمر, أو العجز عن أي شيء.  في المرحلة الثانية من مراحل نمو الإدراك أنت ليس لك إلا ما تخبرك به حواسك وحسب.  طويل, طويل, قصير قصير.  ولا شيء غير ذلك.  

يتبع… 

كمال شاهين

#نظرية_ظهور_العلم

#تطوير_الفقه_الاسلامي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s