نظرية ظهور العلم 31 -آباء الحضارة


نظرية ظهور العلم 31 -آباء الحضارة 

كانت أول مرة أسمع فيها هذا التعبير هي عندما كنت في مكتبي في جامعة ماليزيا للعلوم في جزيرة بنانج السحرية.  جنة الله في أرضه.  يشير الماليزيون إلى جامعة ماليزيا للعلوم على أنها “الجامعة في الحديقة” لأنها, ببساطة, جامعة في حديقة.  حديقة كبيرة جميلة خضراء بها بحيرات, وحيوانات, ومطاعم,  وورود, وأشجار, وكلية العلوم الإنسانية, وطيور, وكلية العلوم, وفندق, وسكن الطلبة, ونخيل, وكلية التربية, ومسجد الملك خالد, وسكن عائلات طلبة الدراسات العليا, وزهور.  مذهلة.

كنت أجلس في المكتب مع هذه الطالبة العبقرية نتحدث عن أشياء كثيرة عندما فاجأتني بحديثها عن العرب.  قالت إنها لا تشعر بالراحة لما يفعله الملايو عندما يتصرفون وكأنهم عرب.  يتحدثون دوما عن كيف نشأت الحضارة في بلاد المسلمين, وكيف كان العرب هم آباء الحضارة, أي كيف كان المسلمون هم الذين اخترعوا الحضارة.   يعلقون صور علماء العرب في كل مكان, ويشعرون بالفخر لأن المسلمين هم الذين أنتجوا كل هذا العلم وكل هذه الحضارة.  الفكرة هنا هي أنهم يتصرفون كما لو كانوا يقولون إن المسلمين هم الذين صنعوا الحضارة, وحيث إن الملايو مسلمون, إذن, فالملايو قد صنعوا الحضارة.    الاستنتاج هنا استنتاج خاطئ لأن المقدمات خاطئة.  لم يصنع المسلمون الحضارة وإنما صنعها العرب.  حقا العرب مسلمون وحقا الملايو مسلمون, إلا أن الملايو لم يصنعوا الحضارة.  الحضارة صنعها العرب, والعرب فقط, وهذا أمر لا يخص الملايو.  الملايو لم يصنعوا الحضارة.

لا بد من الاعتراف بأن الأمر, بهذا الشكل, كان جديدًا بالنسبة لي.  فأنا معتاد على النظرة العربية للحضارة العربية والتي بها “ولع” بالإنجازات الحضارية المذهلة التي قمنا بها, كما أنني معتاد على النظرة الأوربية إلى الحضارة العربية التي ترى أننا أسهمنا إسهامات كبرى في صنع الحضارة في بداية التاريخ ثم دخلنا في مرحلة جمود طويلة منذ بداية التاريخ أيضا.   إلا أني لم أكن معتادًا أبدًا على هذه النظرة إلينا على أننا شعب يفخر شعب آخر بمشاركته في شيء.   كان الجديد في الأمر هو ذلك الشعور بأن هناك شعبا كاملا ينظر بكل فخر إلى ما قام به العرب آباء الحضارة ويسعده أن يقف بجوارهم على أنهم هم أيضا آباء الحضارة.

كانت نظرة الطالبة أن ما يقوم به الملايو هو شيء لا يليق بالملايو.  الملايو شعب طيب, متسامح, راقٍ لا يليق به أن “يترفع” على الشعوب المحيطة به.   كما لا يليق به أن ينسب إلى نفسه ما لا ينتسب إليه.  أيضا, لم يحدث.  لم يحدث أن كان الملايو من صناع الحضارة.  مسلمون نعم, ولكن ليسوا من صناع الحضارة.  الحضارة من صنع صناع الحضارة, من صنع العرب.  الملايو مسلمون إلا أنهم ليسوا عربا.  الأهم من كل ذلك أن على الملايو “كمسلمين” أن يكونوا دوما في جانب الحق, وليس من الحق أنهم كانوا يوما من آباء الحضارة. 

وللحق, فنحن, ونحن فقط, آباء الحضارة.  و”نحن” هنا تشير إلى كل من عاش ويعيش في منطقة الهلال الخصيب من فرس, وسومريين, وأكاديين, وآشوريين, وبابليين, وعموريين, وحيثيين, وأراميين, وفينقيين, وكنعانيين, وعبرانيين, وفينقيين, ومصريين, ونوبيين.   كلنا, كل من عاش في هذه المنطقة من جبال زاغروس شرقا إلى الصحراء اللوبية غربا.  كل أولئك الناس الذين اخترعوا الزراعة, والكتابة, والحضارة.  إلا أن هناك بضعة أشياء علينا نحن أيضا أن ندركها.

علينا, أولاً, أن ندرك أن المسألة ليست مسألة بيولوجيا على الإطلاق.  لم نخترع الحضارة لأننا “أذكى” شعوب الكون وإنما لأن “الظروف الموضوعية لنشوء الحضارة” توفرت في منطقتنا.  من يخترع الزراعة أولا يخترع الحضارة ثانيا.  لم تكن السيدة الفاضلة التي اخترعت الزراعة “عبقرية” ولا من جنس غير جنس البشر.  لماذا حدث ذلك في المساحة ما بين جبال زاغروس والبحر الأبيض المتوسط؟  لا أعلم, والسؤال وجيه, وجدير بالبحث, إلا أني أعلم أن المسألة ليست مسألة بيولوجيا.   فكرة أن الطفل المصري أذكى طفل في العالم فكرة خاطئة, ووهمية, والأهم من كل ذلك غير أخلاقية.  لا يليق بنا كقوم يؤمنون بالله أن نكذب أو أن نتناقل خرافات.  لا يليق.

علينا, ثانيا, أن ندرك – بوضوح تام – الشروط الموضوعية اللازمة لنشوء الحضارة ولاستمرار الحضارة.  لكي تنشأ الحضارة لا بد أن “تستقر” في مكان ما, ولا بد أن “تزرع” ولا بد من أن “تحمي” زرعك.  بدون زراعة لا أكل, وبدون أكل لا حضارة.  بدون حماية لا أكل أيضا, وبالتالي لا حضارة كذلك.  المسألة بسيطة من أبسط ما يكون.  لا حضارة بدون زراعة وحماية.  هذه هي سنة الله في خلقه. 

هناك جملة هامة للغاية في الأجزاء المأخوذة من ويكيبيديا في المقال السابق تتعلق بما نناقشه من أهمية “الحماية”.   تقول هذه الجملة:

“The brief resurgence of a “Babylonian” identity in the 7th to 6th centuries BC was accompanied by a number of important cultural developments.”

وهو ما يعني باللغة العربية أن:

“صاحب ظهور الهوية “البابلية” لفترة قصيرة من القرن السابع قبل الميلاد إلى القرن السادس عدد من التطورات الثقافية الهامة.”

قامت بابل, بالاشتراك مع عدد ضخم من شعوب الشرق القديم, بالقضاء على آشور والتخلص منها إلى الأبد وذلك في أواخر القرن السابع قبل الميلاد – في  عام 605 تحديدًا – وبذا أصبحت أكبر قوة عسكرية في بلاد الرافدين.  انكسرت الجيوش الإمبراطورية البابلية أمام الجيوش الإمبراطورية الفارسية وفقدت بابل استقلالها إلى الأبد عام 539.   خلال تلك الفترة القصيرة من عام 605 قبل الميلاد إلى عام 539 قبل الميلاد (أي خلال ما لا يزيد عن 65 عاما) ظهرت “الهوية البابلية” وصاحب ظهورها عدد من “التطورات الثقافية الهامة”.

القضية واضحة وضوح الشمس.   تظهر الحضارة عندما يكون المجتمع حرًا مستقلا وتختفي عندما يقع تحت الاحتلال.  حقيقة الأمر, القضية واضحة تمامًا ولا تحتاج إلى شرح إلا أنني سوف أستمر في الشرح لأننا في مصر لا نراها ولا نريد أن نراها.

يستحيل أن يقوم شعب بالاستيلاء على أرض شعب آخر من أجل العمل على مساعدة هذا الشعب المغلوب على أمره على الترقي في مدارج الحضارة والترقي.  الفكرة هزلية.  يستحيل أن يقبل مجتمع أن تسيل دماء أبنائه من أجل مساعدة أبناء مجتمع آخر على الترقي في مدارج الحضارة والترقي.   تخيل مجتمعًا يضحي بأرواح أبنائه ويقتل أبناء مجتمع آخر من أجل مساعدتهم على الترقي في مدارج الحضارة والترقي!  لا بد أن تكون مضطربًا عقليًا كي تقبل هذا الكلام.   لم يأتِ الغرب إلى العراق من أجل مساعدة العراقيين على الترقي في مدارج الحضارة والترقي.  لم يستولِ  الأوربيون على أراضي الفلسطينيين من أجل مساعدة الفلسطينيين على الترقي  في مدارج الحضارة والترقي, وقطعا لم تستولِ بريطانيا العظمى على قارة أمريكا الشمالية من أجل مساعدة الهنود الحمر ولا الاسكيمو على الترقي في مدارج الحضارة والترقي.  كما لم تستولِ على أوستراليا ونيوزيلندا من أجل مساعدة سكان أوستراليا الأصليين ولا الماوري. لم يستولِ المصريون هم الآخرون على النوبة من أجل نشر الحضارة, وقطعا لم يذهبوا إلى الشام من أجل العمل على مساعدة الشوام على الترقي في مدارج الحضارة والترقي.  المسألة سرقة.  لم يحدث في تاريخ الكون أن قام شعب “باستباحة” أرض شعب آخر من أجل مساعدته على الترقي في مدارج الحضارة والترقي. 

إذا كان الكلام المبين أعلاه صحيحا, وللحق فهو صحيح, فإن هناك تبعات لهذه الصحة.  سوف أذكر منها ما يتعلق فقط بما نحن بصدده, أي ما يتعلق بتاريخ الشرق القديم.  يعني ذلك أن له تبعات أخرى إلا أن لها علاقة بفترات أخرى من تاريخ الهلال الخصيب.   هذه التبعات هي كالتالي:

1.    أن الإسهام الحضاري السومري في صنع الحضارة الإنسانية قد توقف منذ عام 2270 قبل الميلاد, و 

2.    أن الإسهام الحضاري الآشوري في صنع الحضارة الإنسانية قد توقف منذ عام 605 قبل الميلاد, و

3.    أن الإسهام الحضاري البابلي في صنع الحضارة الإنسانية قد توقف منذ عام 539 قبل الميلاد, و

4.    أن الإسهام الحضاري المصري في صنع الحضارة الإنسانية قد توقف منذ عام 525 قبل الميلاد.

سقطت عواصم الشرق القديم أمام الجيوش الإمبراطورية الفارسية وسقطت معها مصانع الحضارة.  لا نعرف عن رقيمة واحدة صدرت بالسومرية بعد عام 2270 قبل الميلاد.  ولا عن رقيمة واحدة صدرت بالأكادية أو الآرامية عن آشور بعد عام 605 قبل الميلاد, أو عن بابل بعد عام 539 قبل الميلاد.    لا نعرف كذلك عن بردية واحدة صدرت عن طيبة بعد عام 525 قبل الميلاد.  كان ما حدث وكأنه “بروفة” لما سيحدث بعد.   لم يخرج محمد الثاني عشر من غرناطة بمفرده عندما سقطت الجيوش الإمبراطورية العربية أمام الجيوش الإمبراطورية القسطلية والأراجونية وإنما خرج معه كل شيء.   لا نعرف عن “ورقة” صدرت عن غرناطة – أو حتى عن كامل الأندلس – بعد عصر الثاني من يناير عام 1495.   عندما يسقط الإمبراطور يسقط كل شيء.   

يجيب الكلام أعلاه على أسئلة كان قد أثارها الأخ العزيز الأستاذ عزت هلال في رده على رسالة كان قد بعثها إليه الأستاذ الدكتور عبد الفتاح السيد بخصوص مسلسل مقالات ظهور العلم.  يقول أستاذنا الكبير في رده الذي نشره على دائرة حوار الفقه الاسلامي:

“أخي العزيز الدكتور عبد الفتاح السيد,

هذا بالضبط ما أطلبه, المراجع العلمية أو البرهان على صحتها.   وبالطبع تحديد نطاق البحث. إن كان يقصد بالعرب سكان نجد والحجاز فلا خلاف أنهم لم يضيفوا إلى العلم الطبيعي أو الإنساني حرفا.   بل وللأسف الشديد لم يساهم المصريون في المعرفة البشرية في قطاع العلوم الطبيعية والإنسانية شيئا منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام تقريبا.  لماذا؟  نحن بالفعل نحتاج إلى بحوث جادة للإجابة على هذا السؤال.  لماذا توقف العلم في مصر وانسحب طوال هذه المدة الطويلة؟   وكيف نتحول إلى منتجين للعلم؟   هل الطريق الوحيد لذلك هو الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية؟   أو تسليم قيادة أمورنا إليها؟   أو هجرنا للغة العربية واستبدالها بلغة العلم؟ الإنجليزية مثلا؟   هل مشكلتنا في انتمائنا للثقافة العربية الضحلة الغير مثمرة؟   وظيفة العلم ليس فقط اكتشاف المشكلة بل البحث عن حلول لحلها.   إذا كان البحث يكتفي بالتقرير بوجود مشكلة فهو لا يتعدى عرض/ اقتراح/ طلب لمشروع بحثي.”   انتهى كلام سيادته

تثير رسالة الزميل العزيز الأستاذ عزت هلال عددًا ضخمًا من الأسئلة الهامة التي يتوجب الرد عليها, إلا أني لن أتناول هنا إلا “السؤال الوحيد” الذي يعرض له هذا المقال.  أعد الأستاذ عزت بالرد على بقية الأسئلة فيما يأتي من العمر, إن كان في العمر بقية.  وعليه,

يشير الأستاذ عزت هلال إلى أنه “للأسف الشديد لم يساهم المصريون في المعرفة البشرية في قطاع العلوم الطبيعية والإنسانية شيئا منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام تقريبا.”  يتساءل سيادته عن السبب في ذلك قائلاً  “لماذا؟  نحن بالفعل نحتاج إلى بحوث جادة للإجابة على هذا السؤال.  لماذا توقف العلم في مصر وانسحب طوال هذه المدة الطويلة؟”    يجيب هذا المقال – بمنتهى الوضوح – على هذا السؤال الذي أثاره الأستاذ عزت هلال.  المستعمرات لا تصنع حضارة.   ودعك من موضوع “الإسهام في تقدم المعرفة البشرية في قطاع العلوم الطبيعية والإنسانية”. 

موضوع الإسهام في تقدم المعرفة البشرية في قطاع العلوم الطبيعية والإنسانية موضوع آخر. نحن نتحدث عن “صنع الحضارة” لا عن “صنع العلم”.  صنع الآزتك والمايا (الهنود الحمر) حضارة عظيمة إلا أنهم لم يصنعوا علما.  صنع الصينيون حضارة مبهرة إلا أنهم لم يصنعوا علما.  لا يمكن لمن شاهد سور الصين العظيم, “معجزة العالم القديم”, وشاهد مدن الصين, وأكل طعام الصين, وتذوق حلوى الصين, وشرب شاي الصين, ولبس حرير الصين, وضرب ببارود الصين, وكتب على ورق الصين, وأمسك بخزف الصين, وقرأ حِكم الصين, وأساطير الصين.  لا يمكن لمن فعل ذلك ألا يقر بعظمة الحضارة الصينية.  يستحيل.  لا أعرف أحدًا, مع ذلك, حدثنا يوما عن “الإسهام الصيني في تقدم المعرفة البشرية في قطاع العلوم الطبيعية والإنسانية.”   لا أعرف كتابًا واحدًا في أي قطاع من قطاعات العلوم الطبيعية والإنسانية صدر عن الصين عندما كانت اليونان وفارس تصنعان العلم.    العلم قصة أخرى.

عندما ظهر خليفة الله على أرض الله ظهر ومعه ثقافته.  احتاج خليفة الله إلى مئة ألف عام إلى أن اخترع الزراعة.  حدث ذلك عام اثنى عشر ألف قبل الميلاد (أو أربعة عشر ألف).    احتاج خليفة الله إلى عشرة آلاف عام من الزراعة لكي يخترع الحضارة/الكتابة.  تم اختراع الكتابة/الحضارة عام 3500 قبل الميلاد تقريبا.  اقتصر استعمال الكتابة على تدوين أعداد الأوز والبط الداخلة إلى مخزن الرجل العظيم والخارجة منه, وقوائم البضائع, وصكوك المعاملات التجارية.  احتاج الإنسان إلى ألف عام (كما تظهر الرقيمات السومرية) لكي يستخدم الإنسان هذا الاختراع الجديد في “كتابة كل شيء”.  هنا كانت بداية الحضارة.    هنا كانت بداية “التراكم المعرفي”.  حدث هذا عام 2500 قبل الميلاد تقريبا.  احتاج الإنسان إلى 2000 عام من التراكم المعرفي حتى حدث الانفجار الكبير وظهر العلم.  حدث ذلك عام 600 قبل الميلاد تقريبا.  أي حدث في نفس اللحظة التي خرجت فيها آشور وبابل وطيبة من صنع العلم.  هذا هو السبب في أن العلم ظهر في أثينا وجنديسابور.  تم إغلاق مصانع الحضارة في آشور, ثم في بابل, ثم في طيبة في نفس اللحظة التي كانت فيها أثينا وجنديسابور يفتتحان مصانع العلم.   نحن آباء الحضارة, أما العلم فقصة أخرى.

يتبع…. 

كمال شاهين

#نظرية_ظهور_العلم

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s