في استقبال رمضان 3/3- الترحيب برمضان


في استقبال رمضان 3/3- الترحيب برمضان

Ramadan mubarak Greeting card, invitation for muslim community. Kadir Gecesi Vector illustration in mono line style.


الترحيب برمضان 2018
بسم الله الرحمن الرحيم
نحن نعيش سنوات مضنية ولقد بدل بعض المسلمين أمان البعض الآخر خوفا وغناهم فقرا وسلامتهم مرضا وحياتهم موتا بالقتل والتعذيب. القتلة مسلمون والمقتولون مسلمون أيضا. أليست هذه مصيبة نترقب يوم الخلاص منها؟ إن الكثير من أهلنا وأتباع ديننا وقرآننا ناموا جائعين طيلة السنوات العجاف التي حاربهم فيها مسلمون مثلهم. والكثير منهم اكتفى بوجبة فقيرة يومية واحدة فقط. كيف نواسيهم وكيف نقنع أنفسنا بأننا إخوان لهم؟ أليس موقفنا مخز يوم الحساب أمام ربهم؟ أظن بأن كل من يفكر من المسلمين سيعرف بعض السر في آيات الصيام.
قال تعالى في سورة البقرة: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185). أظن بأننا جميعا نشعر بأن صيام شهر نواسي فيه إخواننا وأخواتنا في اليمن وسوريا والعراق وبقية الدول المبتلاة بالحروب هو وسيلة مناسبة لتقديم الشكر لربنا ولانتظار الرضوان منه تعالى.
هناك نقص في إنسانية البشر والله تعالى راغب تشريعيا في تكميل ذلك النقص. هو ليس نقصا في الخَلق بل هو نقص في تطور القلوب النفسية. إن قلوبنا بفضل الله تعالى معدَّة لأدق المعالجات العلمية ومهيأة لاستماع كل بحث منطقي ولاتباع الأحسن والأفضل. لكننا نحن نجعل قلوبنا قاسية ترفض الغير وتقتنع بما لديها من مناهج وأساليب قديمة لمعالجة القضايا. قد تكون بعض المناهج القلبية لدينا خاطئة فعلينا بأن نفتح آذاننا النفسية لكل دعوة إصلاحية لنصحح أخطائنا. الأخطاء النفسية تدمر حياة الإنسان وتهوي بالبشر إلى أسحق منحدرات الجهل والعمى. تستعد النفس الإنسانية للظلم والقسوة على الغير فترى أحيانا في قتل أخيه الإنسان وسحقه وتعذيبه وسيلة للتقرب إلى خالق البشر!!
يجب تزكية النفس بصورة إرادية من صاحب النفس ولا يمكن تزكيتها بالجبر ولا بالسير في درب العادات والتقاليد. نحتاج إلى أن نقسو على أنفسنا بصورة محدودة لنعرف معنى القسوة ونحتاج إلى أن نفرض على أنفسنا تحمل المشقة والتعب لزمن غير طويل لعلنا نتذوق مرارة المظلومين والمعذبين في أرض الله تعالى. ليتصور كل واحد منا نفسه بأنه لو لم يمر بالطفولة فسوف لا يشعر بضعف الأطفال وحاجتهم إلى العناية الشديدة، ولو لم يجع فلن يعرف معنى المجاعة وندرة المأكل والمشرب وحاجة الفقراء إلى رحمة الأغنياء، ولو لم يمسك نفسه عن ممارسة اللذائذ الجنسية فكيف يشعر بالذين لم يسعفهم الحظ لاتخاذ شركاء الحياة. هذه الصفات المكتسبة تقوم بها عملية الصيام فتضفي على نفوسنا التزكية وتعيدها إلى طبيعتها الحسنة التي خلقها الله عليها نفساً شاعرة حساسة سعيدة تكره الشقاء لها ولغيرها كما تحب السعادة لها ولغيرها.
وحتى نعرف بأننا نصوم فعلا صوما بأمر الله تعالى أم نمسك عن الشهوات بلا صيام رباني فإننا ننظر إلى نفوسنا حين الصيام لنراها تحن على الآخرين وتحب البشر وتعطف على الضعفاء أم العكس. أليس معقولا أن نفتح عيوننا قليلا لنرى الله تعالى يساعد ويعطف ويرأف بكل البشر. يساعد معتنقي كل الأديان كما يساعد الذين يكفرون به أيضا. قال تعالى في سورة الزخرف: وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35). وقال في سورة يس: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون (30). فيجب أن نكون مؤمنين بالله تعالى الذي يتحسر على عباده ويحب أن يمنح الكافرين به معارج وبيوتا مزخرفة في الدنيا لأنهم محرومون من آخرته باعتبار نظامه. لو نؤمن بالله تعالى فنحن نحب كل البشر. هناك يفيدنا الصوم وهناك تتزكى نفوسنا وهناك ترق نفوسنا لعبيد ربنا ولا تقسو.
أما الذين يصلون ويصومون ويصبون القنابل على رؤوس الأبرياء فاسمحوا لي بأن أقول بأنهم ليسوا مسلمين إسلاما كاملا. الذي لم يسلم من بطشه البشر فهو ليس مسلما متبعا لكتاب الله تعالى دون ريب. وليسوا نصارى وليسوا من الذين هادوا.
كتب الله تعالى علينا الصيام لعلنا نشكر. فليس الصيام لوحده عاملا للشكر ولكن الصيام عامل مساعد ليتوفق كل إنسان بأن يشكر ربه. سوف نشعر بالنعم حينما نجوع ونعطش. وهكذا النعم الدنيوية الأخرى. الشعور بالنعمة مقدمة أساسية لفهم قيمة النعمة ولفهم صعوبة وقسوة الحرمان فيشكر المنعَم ربه المنعِم من كل قلبه. لكن هناك الكثير من الصائمين لا يشكرون بحق ولذلك قال سبحانه: ولعلكم تشكرون. فلننظر كيف يمكننا معرفة العامل الأساسي بل العامل الوحيد لنعم الله تعالى. نحتاج إلى علم ومعرفة ودراية بالأمور. نحتاج إلى أن ندرس بداية الخلق وبداية التكوين لنعرف كيفية تطور الكائنات لتصل إلى الحد البديع الذي نراها عليه. لنلاحظ الآيات التالية لعلنا نتعلم الشكر.
قال تعالى في سورة العنكبوت: إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (22). الآية الأولى توضح كيفية الوصول إلى مرحلة الشكر الحقيقي لله وحده وهي على مراحل:
1. أن نعلم بأن الخضوع يجب أن يكون لله وحده لا لغيره كائنا من كان ذلك الغير. نحن نخضع لمن نحتاج إليه ولا نحتاج إلى غير الله تعالى. قال تعالى في نفس آيات الصيام في البقرة: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186). نرشد إذا ما عرفنا بأن الله تعالى قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه ونؤمن به وحده. ولو اضطررنا للخضوع للظالم فلا يكن خضوعنا من أعماق القلب بل ندعو في صميم قلوبنا ليخلصنا الله تعالى من شر الظالمين. قال تعالى في سورة إبراهيم: رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37). نحتاج إلى أن نرى بأن الرزاق هو الله تعالى بداية قبل أن نفكر. فلندع ربنا ليرينا نعمه.
2. صحيح بأننا نرى أرزاقنا بيد عبيد الله تعالى أحيانا ولكن علينا بأن نبتغي عند الله الرزق. تعبير “عند الله ” في القرآن يعني الشعور بفقدان الإرادة. يفقد الضعيف إرادته أمام القوي كما يفقد الجندي إرادته أمام قائد الجيش ويفقد حاضروا مجالس الملوك إرادتهم أمام الملك. فيجب أن نشعر بأن كل شيء في الوجود فاقد لأي ملك ولأية قوة أمام الله تعالى. فإذا تمكنا من أن نشعر أنفسنا بأننا في واقعنا تحت قيادة الله تعالى فسنشعر بفقدان الإرادة ونقع تحت رحمة الله تعالى المباشرة.
سنكون جميعا عند الله فاقدين لكل إرادة بعد الموت كما عليه الملائكة المقربون. فلنسع لنشعر بذلك في الدنيا لنكسب المزيد من عناية الرحمن.
3. أن نخضع لله وحده مسبحين. هذا هو معنى العبادة برأيي المتواضع. العبادة تعني التسبيح الاختياري بمحض الإرادة الشخصية دون الشعور بأي جبر لله تعالى. هذا مختصر معنى “واعبدوه” بإذن الله تعالى.
4. أن نقدم الشكر لمن شعرنا بفقدان الإرادة أمامه وبعد ذلك الشعور؛ ولا يفيد شكرا دون الشعور بفقدان القدرة على الإرادة.
5. أن نسعى لكسب اليقين بأننا راجعون إلى الله تعالى ولسنا كائنات تُمحى من الوجود. وليعلم الإخوة والأخوات بأن الإيمان بالله تعالى سهل ميسور على أن معرفته سبحانه في غاية التعقيد. ولكن الإيمان بالعودة إلى الله تعالى وهو أمر أسهل بكثير من معرفة الله ولكنه صعب الحصول. ذلك لأن الله تعالى حينما خلقنا أودع فينا القدرة على إدراك الله تعالى. إنه سبحانه يعلم استحالة وصول الكائنات إلى الله تعالى من تلقاء نفسها ولذلك يخلقنا على فطرة الله. قال تعالى في سورة الروم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31).
فمعرفة ذاته القدسية غير ممكنة ولكن الإيمان به فطري في متناول يد الجميع. لكننا ننوب إليه بأنفسنا. النوب والإنابة تعني تكرار العودة الاختيارية إلى الله تعالى. ذلك لأننا نحتاج إلى أن نزداد علما فنعود إلى ربنا بعلم وكل مرة نزداد علما فسنعود إليه بقوة أكبر من ذي قبل لأننا مع مرور الزمن نعرف المزيد عن الله تعالى فنزداد يقينا بالعودة إليه ونزداد علما بكيفية العودة إليه سبحانه.
يجب التفكير في بداية الخلق ولو بصورة تدريجية لنقف على مراحل التطور لمجوعة النعم التي نستفيد منها لمأكلنا وملبسنا ومسكننا ومتاحفنا ومراكبنا ومسراتنا ومعارفنا وآدابنا وأخلاقنا وكل شيء نتنعم به ونتلذذ بجواره. هناك سنعلم إلى حد ما قيمة نعم الله تعالى. لو نفكر بمرور ألفي مليون عام لتشكل النفط وأكثر من ذلك لتشكل الأحجار الكريمة وأقل بقليل لتشكل الأنعام الأربعة وهلم جرا. هكذا نعرف بأننا أعجز من أن نشتري دجاجة واحدة بقيمتها الحقيقية. فكيف بالإبل والبقر والغنم والضأن. فيجب أن نسير في الأرض ونفكر في سيرنا لنتعرف على بداية الخلق. هكذا نعرف قيمة ما فعله ربنا لنا قبل بلايين السنين، فنشكره بمعرفة جزئية على الأقل.
والصوم يحفزنا على المزيد من التفكر وعلى المزيد من التفكير فيما فعله القدوس لعبيده حتى نعرف بأننا لا نملك شيئا ولكننا نعيش على مائدة الرحمن وهو من فضله يُشعرنا بأننا نملك لندفع في سبيله فيفيض علينا من نعمه في الأبدية التي لا مناص منها.
أحمد المُهري
3/5/2018

#تطوير_الفقه_الاسلامي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s