الزنى والنسب

الزنى والنسب

يخلط رجال المذاهب الدينية اليهود والمسيحيين والمسلمين بين الزنا المحرم في تشريعاتهم وبين نسب الأولاد. لا شك في أن الزنى عمل محرم في كل الأديان السماوية ولكن هل الولد للزواج أم للأب والأم الطبيعيين؟ لنضرب مثلا قبل أن نخوض في الموضوع خوضا تشريعيا. لنفرض أسرة تعيش على السرقة فالرجل لا يعمل ولكنه يسرق من حلال الناس ويطعم أهله بالمال الحرام. هل المال الحرام في المأكل والملبس والمسكن يؤثر في نسب ابنه إليه؟ ليس هناك من يفتي بأن الابن ليس ابنه على أن الولد تربى في بطن أمه وبعد الولادة بأموال الناس ولم يترب بأموال أبيه لكنه ابن أبيه وابن أمه. والسبب هو أن بنوته لهما أمر طبيعي تابع لجينات أبويه التي اجتمعت وبنت له بدنا اشتركت فيه مقومات الأبوين.

هذا من حيث الطبيعة. والله تعالى هو طبعا مالك كل ما في ا لطبيعة وخالقها وهو الذي يعمل بالقوانين الطبيعية ولا يخالفها إلا نادرا وفي قضايا خاصة لهدف خارج عن النظام السائد في الكون.

وبغض النظر عما في التوراة والإنجيل السماويين الذين نشك في صحة ما هو بين يدينا باسم العهدين القديم والجديد فإن القرآن بالنسبة لنا نحن المسلمين هو المعيار الصحيح لمعرفة تشريع الرحمن عز اسمه. قال تعالى في سورة الأحزاب: مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5).

القلب الذي ينتسب إلى كل واحد منا هو قلبه الطبيعي الذي تكون من حركة طبيعية بين أب كل واحد منا وأمه. خلق الله تعالى لكل منا قلبا واحدا منتسبا إليهما باعتبار حركة الطبيعة وليس باعتبارات أخرى. فلو زنى رجل بامرأة وأنتجا ولدا فإن الذي ينتج قلب الولد الجديد هو طبيعة جينات قلبيهما وليس اعتبارات القلبين. لو كان للاعتبارات أهمية في النسب لكان ممكنا أن يكون للشخص قلبان أحدهما ميراث أبيه والآخر ميراث أمه وهو غير ممكن. ذلك لأن البدن واحد يحتاج إلى قلب واحد. ومن نتائج هذا القانون الطبيعي:

1. لا يمكن أن تكون الزوجة أما لأحد لأن الأم هي التي تولدك وتشترك في صناعة بدنك فلا يجوز لأحد أن يتزوج مع نفسه. فما قالته بعض العرب قبل الإسلام لإثبات الطلاق غير صحيح وباطل ولا يتم به الطلاق.

2. إذا تبنى أحد طفلا ولد من جينات شخص آخر فإن هذا الطفل سيبقى في الحياة الدنيا ابنا لأبيه الذي ولَّده ولا يمكن أن يتحول إلى ابن للذي تبناه. ذلك لأن ذلك التبني مخالف لسنة الطبيعة التي هي الأساس في كل التشريعات السماوية. التشريع السماوي لا يمكن أن يخالف الطبيعة لأن الله تعالى خلق كل الكائنات على أساس قوانين الطبيعة التي تُعتبر قوانين الله تعالى في واقعها سواء بالعمل بها أو بوضعها. وتبعات ذلك أن هذا الطفل لن يرث الذي تبناه لكنه يرث الذي نقل جيناته إلى رحم أمه بصورة طبيعية.

3. الأقوال الشفهية بأي شكل كانت لا تؤثر في الحقائق الطبيعية. فليس القضاء وليس النظام وليس العقود قادرة على تغيير طبائع الأشياء. لا فرق بين الإنسان والحيوان والنبات فكل النتائج تابعة لأصولها الطبيعية فلا يمكن أن تغير حقيقة نخلة بالعقود ولا يمكن أن تقول هذه البقرة من نتاج بقرة غير أبويها لأنك غذيتها من حليب بقرة أخرى أو اشتريت أما آخر لها أو أية حركة خارج نظام الطبيعة.

4. لا يجوز أن تقول لأحد ابن الزنا لأنه لم يفعل شيئا. إن لكل إنسان أبوان وهو ابنهما سواء تزوج أبواه شرعا أو لم يتزوجا. ولو رأينا طفلا لقيطا لم نتمكن من التعرف على أبويه فهو أخ لنا في الدين أو مولى لنا في الإنسانية. يعني ذلك بأن الله تعالى العادل الحق لا يرضى أبدا بأن نوصم أحدا بما يؤثر في حياته الاجتماعية. لا يوجد شخص هو ابن زنى إنما هناك أشخاص هم أولاد آبائهم الذين زنوا ولم يراعوا الأصول الشرعية. فلا ذنب ولا تبعات للولد إنما الذنب للوالدين والله تعالى كفيل بأن يغفر لهما إن تابا وأصلحا. بمعنى أن زنا الوالدين أمر قابل للإصلاح فكيف يمكن أن يكون ذلك الأمر مؤثرا في حقيقة الطفل الذين نتج عن خطأ في مراعاة الأصول التشريعية؟

5. يخلو القرآن الكريم من أية آية أو إشارة إلى أن الميراث خاص بالذين ولدوا من الزواج بل قال سبحانه عكس ذلك في سورة النساء: لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (7). المهم هو الرجال والنساء وليس أولاد الزواج. الأبوان الذين ولدا الطفل فهما يورثانه أيضا ولا قيمة لما كتبه البشر وأفتوا به وقالوه في تغيير حكم الله تعالى. لم يسمح الله سبحانه لأحد بأن يفتي بمن في ذلك رسوله. قال تعالى في سورة النساء: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127). وقال سبحانه في نهاية سورة النساء: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176).

فالله تعالى منع رسوله من أن يفتي في الآيتين أعلاه ولم يسمح له في أي مكان آخر من القرآن بأن يفتي فكل فتاوى المفتين باطلة فاقدة لأية قيمة شرعية. من حق الناس أن يتعاقدوا ومن حقهم أن يعينوا بالتعاقد نواب برلمانيين يفتون لهم فيما لم يرد فيه فتوى في كتاب الله تعالى ولا دور للمراجع ومؤسسات الفتوى إلا في حدود النصيحة والموعظة اللتين لا نرى للمنع منهما جدوى.

إذن يجب التفريق بين الأصول الطبيعية وبين أعمال الناس. النسب أصل طبيعي سار في كل الكائنات التي تنتج من كائنات أخرى وأعمال الناس قد تكون موافقة للأصول الطبيعية أو مخالفة لها. وقد أرسل الله سبحانه تشريعا يحدد فيها حد التدخل في الكائنات الطبيعية ويحدد فيها العقود الضرورية. ومن تلك العقود عقد الزواج. هذا العقد ضروري لأن الزواج يستتبع تعهدات مالية كبيرة لا يمكن تحديدها بالأرقام. فإذا أوجب الله تعالى علينا في الآية 282 من سورة البقرة أن نكتب كل التعهدات وأن يكتب بيننا كاتب بالعدل وأن نقيم الشهود فكيف يمكن أن نتصور تحقق الزواج بدون كتابة وبدون شهود وبدون كاتب عدل؟ يجب تثبيت الالتزامات المالية بكل دقة وبالطريقة التي قال بها الله تعالى ولذلك فإن الزواج لا يمكن أن يصح بلا شهود وبلا شخص ثالث هو كاتب العدل. كما أن المهر واجب شرعا في القرآن فيجب تعيين المهر ويجب إيتاؤه الزوجة. الإيتاء تعني إيصاله إلى يدها وتمليكه إياها تمليكا لا يمكن الرجوع عنه. كما أن الطلاق أيضا ليس أمرا بسيطا يمكن أن يتم في جملة حمقاء يلفظها الزوج. هناك التزامات مالية كبيرة يجب بحثها وحلها وهناك حياة مستقبلية لهما يجب تداركها.

لا أدري هل يعرف أصحاب الفضيلة بأن من حق الزوجة المطلقة أن تبقى في بيتها الذي كانت تسكن فيه. قال تعالى في سورة الطلاق: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7). لازمة ذلك أن يخرج الزوج من البيت ويبحث عن بيت آخر وتبقى الزوجة في البيت. ولا يجوز له أن يتزوج لأن من حقهما أن يتراجعا فلا يجوز له أن يُضارَّ مطلقته قبل انتهاء المدة. معناها أن يأتي لها بضرة كما نعرفه من لغتنا العربية ومحاولات المفسرين فاشلة يمكن لي أن أردها جميعا بفضل من الله تعالى.

والخلاصة بأن الأصول الطبيعية هي الأساس في كل التشريعات لأن المشرع سبحانه هو مالك كل ما في الطبيعة ولا يخالف سبحانه قوانينها. فالبنوة والميراث تابعان للطبيعة ولا أثر لما يأثم به الأبوان فهما قد يعصيا ربهما في أي أمر آخر ويكسبا من ورائها الإثم ولا يمكن منع الطفل من حقها الطبيعي بفتوى أو حديث أو ما شابه ذلك. ولا يحق للنبي أن يشرع ولا لأي شخص آخر؛ إنما من حقه أن يحكم بما أوحى الله تعالى إليه ولا دليل بأن الله تعالى أعطى حق الفتوى لأي شخص في الأرض.

تحياتي

أحمد المُهري

29/8/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.