يوسف أيها الصديق ح 25 – يوسف أيها الصديق افتنا في سبع بقرات سمان


تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 25 – يوسف أيها الصديق افتنا في سبع بقرات سمان

دخل الساقي السجن بأمر الملك فخاطب صاحبه القديم الذي بقي دونهما في السجن المشترك بينهم:

يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿46﴾.

بعد أن تذكر صاحب السجن قصته مع يوسف قال للجمع المحيط بالملك ولعل ذلك كان في حضور الملك نفسه: أنا أكشف لكم تأويل المنام فأرسلوني إلى يوسف في السجن لأعرض الرؤيا عليه.

ولا ريب أنه فتح على الملك وحاشيته باب أمل لحل اللغز الغريب وإخراج أسرة الحكم من دوامة الخوف والحيرة.

جاء اسم يوسف مرة أخرى في الوسط الحاكم بقوة أكثر من ذي قبل بحيث لم يتمكن العزيز من أن ينبس ببنت شفه. ولا أظن أنه كان يمانع لأنه كان يحب يوسف دون شك ويحترمه ويُكرمه ولكنه بالطبع رأى أن عودة يوسف سوف تُحيي قصة زوجته من جديد في سهرات القصور الملكية. لكن رؤيا الملك كان أمرا بالغ الخطورة فيستعد كل مهتم بشؤون الملك أن يضحي من أجلها، ولذلك لا نرى من القصر الملكي برمته إلا الموافقة على دق باب يوسف وإعادته إلى مسرح الأحداث مع المزيد من السيطرة والسلطان ومن نوع السيطرة والسلطان لا من نوع احترام علمه وذكائه كما كان متحليا به قبل أن يُسجن.

وصل الخبر دون ريب إلى زوجة العزيز فاستعدت بحدة ذكائها للمواجهة ولكنها الآن لا يمكن لها أن تمكر مكرا فعليها أن تتهيأ للبوح بالحقيقة أمام الملك.

كانت تعرف عناد يوسف في استجلاء الحقيقة التي قد أشعرته بالكثير من الضجر أن يُسجن بتهمة لا تليق بساحته أبدا. تعرف المرأة أكثر من أي شخص آخر مدى نظافة يوسف وإبائه وإخلاصه في نفس الوقت لأسرة العزيز الذين نجّوه من أن يُباع عبدا لدى أسرة لا تعرف قدره ولا تهتم بإخلاصه وعلمه.

دخل الساقي السجن مرة أخرى ولكن رسولا من الملك وليس سجينا. من الصعب أن نصف ما جال بخاطره وهو يعود إلى محبسه الذي سمع فيه بأنه سوف ينجو من السجن ويعود إلى عمله بقوة أكبر. 

دخل الساقي على يوسف وهو يفكر احتمالا في أن يوسف سيخرج من السجن اليوم أكثر عزة منه وأكثر احتراما لدى الملك. ولعلّ الساقي كان مغرما بيوسف بحيث لم تأخذه الغيرة والحسد من يوسف.

ولعلّه قال في نفسه بأن هذا الرجل العظيم يستحق كل احترام وحظوة أمام فرعون مصر. ولعله شعر بالخزي مع نفسه بأنه نسي طلب يوسف منه طيلة الأعوام التي تردد في أيامها على ربه مغتبطا بالسقاية وناسيا صاحبه السجين المؤمن والخبير والعالم.

ولعله فكر وهو منتصر يشق طريقه إلى سجنه القديم في الكلمة التي يرحب فيها بالعودة إلى صاحبه في السجن فرأى بأن أجمل كلمة هي ما تدل على أن تأويل يوسف للمنامين وللارتباط بينهما كان صادقا وبأن يوسف كان صادقا أيضا في تفسير الرؤيا لهما بكل إخلاص ودون أن يُخفي عنهما شيئا.

أراد أن يبدي ليوسف مشاعره وهو يأتي إليه بما يُخرجه من سجنه بقوة لا بضعف.

الساقي لا يدري بأن يوسف يحمل نمطا فكريا مغايرا له. إنه لا يريد أن يخرج من السجن قبل أن تتجلى كل الحقيقة في أنه ظُلم ولم يكن مستحقا للسجن. ساقٍ أخطأ فسُجن فخرج من السجن بعد بشارة يوسف له بالعودة إلى بيت الملك ساقيا شخصيا له، يلتقي بسجين لم يرتكب خطأ ما وانما لأُنه كان نظيفا تقيا صالحا متغلبا على طغيان الشهوة ومفضلا السجن على معصية الله تعالى.

ولننظر إلى ما حصل أمام يوسف فقد نطق الساقي المرسل من قبل فرعون مصر إلى صاحبه في السجن بالكلمة التي اختارها وصفا ليوسف:

يوسف، أيها الصديق.

قرأ يوسف كل الحكاية من لقائه الثاني مع صاحبه حُرًّا رسولا من الملك وهو سجين قابع في السجن عدة سنوات.

عرف يوسف بأن الله تعالى قد أكمل تأديبه وأعده لأن يمارس مهمته من جديد وهو في طريقه إلى أن يجلب الكرامة والعزة لبني يعقوب.

شعر يوسف بأن الله تعالى لم ينسه وبأن صاحبه في السجن قد نسيه فكان عليه أن يعرف كيف يشكر ربه وكان عليه ألا يفتخر بأسرته وآبائه بل يفتخر بأنه عبد مخلص لله تعالى.

فكر يوسف، كما أحتمل، كثيرا في ما حصل لصاحبيه القديمين في السجن وفي أن ما حصل للناجي ليس نسيانا حقيقيا وليس صاحبه مقصرا ولكن المقصر هو يوسف الذي لم ينتظر أن يُكمل له ربه مكرمته فيعود إلى أسرته إسرائيل وبني إسرائيل من جديد وقد اجتباه الله تعالى عليهم جميعا.

قال له أبوه بأن ربه سوف يجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث وقد علمه ربه ذلك قبل أن يدخل السجن.

عرف يوسف بأن السجن كان ضمن الطريق ولكنه لم يكن لفترة طويلة ولم تنو أسرة العزيز أن يسجنوه لهذه المدة الطويلة ولكنه هو الذي أخطأ.

لننظر إلى ما حصل بين شخصين يحملان فكرين متغايرين تمام التغاير ولكن يوسف مسيطر على فكر الساقي ويقرأ ما يجول في نفسه بعكس الساقي الذي كان غافلا تماما عما يجول في خاطر صاحبه في سجنه القديم.

عرض الساقي رؤيا ربه على يوسف طالبا منه رأيه في تأويل ذلك المنام الخطير. لم يقل الساقي بأن الذي رأى المنام هو الملك ولكن يوسف عرف بأن الملك هو الذي رأى المنام.

إن نظرة الساقي في ما يراه أمام عينيه ولكن نظرة يوسف في من يحيط بكل شيء و يهيأُ الأسباب لتنفيذ سياسته في عبيده سبحانه وتعالى. إن دائرة النظرتين مختلفتان ودائرة يوسف أوسع جدا تصل حد إرضاء الله تعالى.

هذا هو الفرق بين الذي يهديه الله تعالى والذي يسير خلف مصالحه الآنية. إن هداية الله تعالى تشمل كل شيء في الدنيا بما فيها حقوق الغير وسنرى حينما يفسر المنام كيف أضاف إلى الرؤيا مفاهيمه العلمية ومعرفته بمالك الملك جل جلاله.

سمع يوسف جزئيات المنام من الساقي. رأى عظيم من عظماء مصر سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. لقد تكرر العدد ثلاث مرات على الأقل ولعله عد الرابع أيضا ولكنه لم يخطئ في أن يعد ثلاث مرات فهو منام حقيقي ينبئ عن أمر يهم مملكته.

مصر بلد زراعي يعتمد على النيل العظيم في زراعته ويعتمد على الأبقار مصدرا أساسيا للألبان واللحم والمصنوعات الجلدية وكذلك في حراثة الارض. أنا أحتمل بان الأحداث المشار إليها كلها وقعت في مصر المعروفة بيننا اليوم وليس في مكان آخر كما احتمله البعض .32

البقرة السمينة لأهل مصر تعني الخير والرخاء الذي يتعدى الناس فتسمن أبقارهم أيضا. هذا الخير هو الخير الزراعي الذي يساعد البقرة على السمنة. فالذي قدر المنام سبحانه أراد أن يبلغ النائم الذي يرى نفسه مسئولا عن طعام الشعب الذي يعيش في أرض مصر، بأن هناك جدبا زراعيا بانتظار البلاد. فالبقرة حيوان معتمد على العشب، وسمنتها تعني وفرة النبات والزرع. وأما السنبلات الخضر فهي تشير الى الثروة النباتية، لتشمل أكل البشر بجوار طعام البقر. فسوف تكثر الغلات واللحوم لأهل مصر في أعوام الخير.

ثم يأتي بعد ذلك دور البقرات العجاف. والعجاف كما يقول أرباب اللغة جمع للأعجف والعجفاء وهما ذكر وأنثى الحيوان الذي ذهبت سمنته.

وقد صرح القرآن الكريم بأن الملك رأى سبع بقرات سمان ولم يصرح بأنه رأى في المقابل سبع بقرات عجاف. فلو كانت العجفاء تعني التي زالت سمنتها، فكيف عرف الملك ذلك في المنام؟ ثم إن المنظر مخيف فعلا أن ترى آكلة عشب تأكل مثلها قبل أن تنتبه إلى أن الآكل نحيف والمأكول سمين! ثم لا ندري كيف رآهن حتى تمكن من عدهن بكل دقة؟ لعله رآهن في صف واحد وخلف كل واحدة بقرة ضعيفة تأكل أختها السمينة.

ومما لا شك فيه أن الآكلات أبقار ولو أن الله تعالى لم يكرر ذكرها مكتفيا بالذكر الأول على أن الموضوع مكرر مرتين في السورة لأهميته على ما يبدو. ولعل السبب هو أن يوضح لنا سبحانه تعجب الساقي حينما قام بذكر المنام، ولعله سعى إلى عدم تغيير اللفظ الذي سمعه من الملك حتى لا يُربك المفسر.

فلو أنها كانت مصفوفة وخلف كل واحدة آكلتها فهي تعني عام خصب وعام جدب فكيف فسرها يوسف بسبع سنوات خصبة تتلوها سبع سنوات جدباء؟ ولو أراد الله تعالى أن يري الملك بأنها سبع متتالية عن طريق الأبقار السمان ثم العجاف فكيف يمكن ذلك؟!

إن السنبلات ترد على هذا الإبهام. إنه رأى بجوارها سبع سنبلات خضر فعرف يوسف بأن الحديث عن الأرض وبأن السنوات متتالية لأنه رأى سبع سنبلات خضر بشكل الأبقار من حيث الصف.

فرأى الأبقار مصفوفة ورأى بجوارها سنبلات مصفوفة أيضا. ثم إنه عليه السلام تعلَّم من المنام بأن السنبلة لو تركتها لتيبس مع حباتها فإنها تحافظ على الحب حتى لا تتعرض للمؤثرات الخارجية. ولذلك فكر في أن الحل هو أن يحافظ على السنبلات في مكان بارد لتقوم السنبلات بصيانة الحبوب.

كما أنه عرف بأن السنبلة حين الفصل عن الحب تكون مناسبة للمواشي والحبوب للبشر فهكذا يحتفظ بغذاء الحيوانات حتى لا تخلو الأرض من اللحوم كما يحتفظ بالحبوب لتزويد الشعب بالغلات الضرورية للحياة.

وقبل أن نكمل تفسير المنام الذي قدمه يوسف لصاحبه، دعنا نتحدث عن المقطع الأخير من الآية حيث أضاف الساقي المرسل من طرف الملك:

لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون.

يظهر لنا من تعبير الساقي وتمنيه المكرر مرتين لعلي ولعلهم، بأنه كان حريصا على إخراج صاحبه من السجن لأنه الذي بشره بالسقاية وبالخلاص من السجن ولأنه خجلٌ من أنه نسي قصة صاحبه طيلة السنوات الماضية.

أراد الساقي بأن يوحي إلى يوسف بأن نسيانه كان مفيدا فهكذا وبعد أن يفسر يوسف هذا المنام الغريب سوف تكون معرفتهم بأهمية يوسف كبيرة أكبر بكثير مما لو قال لهم بأن يوسف فسر منام الساقي والآخر فنجى الساقي فعلا وصُلب الآخر فعلا.

أين منام الساقي وصاحبه من منام ملك البلاد، وأين أهمية هذا المنام وغرابته من غرابة حلمه؟ فكأنه طلب من يوسف أن يهتم بتفسير هذا المنام ولا يلومه على النسيان فما حصل كان خيرا له.

ومما لا ريب فيه أن يوسف بكياسته قرأ ما يُخفيه الساقي في قلبه فلم يعبأ أيضا. وسنعرف ذلك لاحقا .

( هامش 32 :   إن البقرة من معالم مصر وليست من معالم اليمن كما ظنّ البعض ولا من معالم عسير كما ظن البعض الآخر. والملك هو أحد فراعنة مصر ولكن الله تعالى سماه الملك تمييزا بينه وبين فرعون المتجبر الذي عاصر موسى. ففرعون يوسف رجل مسالم نسبيا وكان يؤمن بالله تعالى وهو وحده العليم بحق. قالوا بأن مصر تعتمد على النيل وليس على الأمطار ولكنهم نسوا بأن مصر تعتمد على فيضان النيل والفيضان يعتمد على الأمطار. كان المصريون يحتفلون بالفيضان لأنهم بدونه يواجهون الجدب. لنتصور غياب الأمطار عدة سنوات فسوف يجف النيل قطعا. وسنعرف المزيد بعد بيان التأويل. ثم إن الله تعالى لم يصف ملوك الأرض بالرب عدا فرعون موسى وملك يوسف. ولذلك فهو فرعون مصري كما أظن. والعلم عند الله تعالى. نهاية الهامش 32)

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s