مناقشات حول الشورى والإمامة ‏ واخرى

مناقشات حول الشورى والإمامة ‏
دارت بيني وبين بعض الإخوة الكرام في الشهر الماضي مناقشات لا بأس بها حول الشورى ‏والإمامة ومسائل أخرى جانبية. تركت الاستمرار وقته لأنني كنت مشغولا جدا وعاجزا عن أن ‏أقرأ بعض الردود المطولة ولا سيما ما بعثه أخي أحمد الكاتب حفظه الله تعالى. ‏
يبدو بأن هناك كمٌّ كبير من المسائل ونحتاج إلى أن نناقشها جميعا. لكن أوقاتكم الشريفة ‏ووقتي القليل لا تسمح بمناقشة كل صغيرة وكبيرة. ولذلك فسوف أختار واعذروني في اختياري. ‏وسوف أرقم المواضيع. واسمحوا لي بأن أقول بصورة عامة بأننا نريد مناقشة المسائل حسب فهمنا ‏ولا يهمنا فهم سلفنا. فلا عبرة عندي وعند كل محقق فيما قاله فلان وفلان مهما كبروا في قلوبنا. ‏
‏1. ‏
موضوع رأيي في كنتم خير أمة أخرجت للناس. قال تعالى في سورة الجاثية: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي ‏إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16). بنو إسرائيل من ‏بداية تواجدهم كانوا مجموعة مؤمنة وفاسقة مع بعض وقد لاحظنا بأن عشرة من أولاد يعقوب ‏الثلاثة عشر الذكور أرادوا أن يقتلوا أخاهم يوسف. وهكذا بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى وبعد ‏أن أنجاهم الله تعالى من ظلم فرعون أرادوا أن يعبدوا غير الله ثم عبدوا العجل. فكيف فضلهم الله ‏على العالمين؟ وفضلهم في أي أمر؟ والتفضيل كان قبل أن تأتيهم التوراة. قال تعالى في سورة ‏الأعراف: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ‏الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137) وَجَاوَزْنَا ‏بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ ‏إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ ‏إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140). فضلهم على العالمين وهم يطلبون إلها غير الله ولم تنزل التوراة ‏بعد؟ ‏
هناك صفة طيبة لديهم وهو الصبر وعلى أساسه ميزهم الله تعالى على قوم فرعون ونقلهم ‏إلى أماكن أخرى هي قراهم القديمة احتمالا وأنزل عليهم التوراة. فهم مختارون لاستلام التوراة ولهم ‏مزايا. وحين تشريف موسى باستلام التوراة كاملة من ربنا العظيم أخبره ربه بأن قومه عبدوا ‏العجل. لاحظوا بأن سبحانه اختار قوما لينزل عليهم التوراة وهم يعبدون العجل! قال تعالى في ‏سورة الدخان: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ‏‏(31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32). ‏
والآن نأتي لنعرف السبب في اختيار ربنا أهل مكة لينزل عليهم القرآن. هناك فضيلة لديهم ‏خاصة بهم مشابه لفضيلة بني إسرائيل. ليس بنو إسرائيل أفضل من في الأرض فلو كان كذلك فهو ‏يعني بأن المجرم نتنياهو أفضل من خاتم النبيين لأن الأول من بني إسرائيل والثاني ليس منهم. هذا ما ‏تقوله الآية الكريمة من سورة آل عمران بالنسبة لأهل مكة الخير: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ ‏بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ‏الْفَاسِقُونَ (110). كنتم تعني كنتم فيما مضى واستدلالاتكم بأن كان لا تعني ذلك مردودة ولو ‏تريدوني أن أرد عليها واحدة واحدة فأنا قادر على ذلك والحمد لله ولكننا نريد الاختصار لنصل ‏إلى نتيجة. ‏
دعنا نفكر في كيفية اختيار ربنا لأهل مكة لينزل عليهم القرآن من واقع الآية الكريمة: ‏
ألف: ‏
كان أهل مكة يتعاملون مع الناس جميعا بغض النظر عن دينهم بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن ‏المنكر. كان مكة مزارا عاما للناس وكان أهل مكة يستقبلون الناس جميعا ويسقونهم ويعمرون ‏المسجد الحرام ويساعدون الزائرين. كانوا يقرون الضيوف ويحترمون الحقوق وكان يزعجهم أن يروا ‏أحدا منهم يظلم شخصا ولو كان غريبا. ولكم في حلف الفضول خير شاهد على ذلك. فهم ‏يتعاملون مع الناس بما هو معروف بينهم بالحسنى ويمنعون أهلهم عما يُكره الناس وهو المنكر. ‏
ب: ‏
كانوا يؤمنون بالله وهو الشرط الأول في الواقع لبعث الرسل. والله تعالى لم يرسل رسلا إلى ‏الفرس لأن إيمانهم بالله بعيد عن الحقيقة ولا إلى الصينيين لأنهم أبعد من الفرس ولا إلى الهند لأنهم ‏جميعا فاقدون للشرط الأساسي. ‏
فاختار سبحانه أهل مكة من بين كل البشر وهم “الناس في خير أمة أخرجت للناس” ‏لاستلام القرآن الكريم. واسمحوا لي لأضيف إلى ذلك ما كان معروفا آنذاك ولذلك لم يذكره القرآن. ‏إنه اهتمام أهل مكة باللغة العربية وإقامتهم لأسواق الشعر على أن أصل الشعراء من اليمن لكن أهل ‏مكة يضيِّفون الجميع ويقيمون لهم أسواقهم حرصا منهم على توحيد لغة التفاهم بين الناس. وهو مهم ‏أيضا لنشر القرآن الكريم. هناك صفات أخرى لدى أهل مكة تميزهم على غيرهم من البشر بغض ‏النظر عن دينهم وشركهم في العبادة وغيرها من صفاتهم السيئة التي جاء الرسول ليصلحها وقد وفقه ‏الله تعالى أكثر من بقية الرسل برأيي كما قرأتم عن أصحاب بقية الرسل. قارنوهم بأصحاب رسولنا ‏لتجدوا بأن رسولنا كان أقل الرسل تعبا وإيذاء من أصحابه وأكثرهم حظا في تجميع المؤمنين ‏برسالته. وما سمعناه من سلفنا بأنه عليه السلام قال ما أوذي نبي مثل ما أوذيت محض الكذب. ‏ليس من حقه أن يقول ذلك فهو لا يعلم ما حل بالرسل بل هو من حق الله تعالى؛ وهو عليه السلام لم ‏يقل ذلك قطعا ويقينا. وهذا مثل قولنا الأحمق بأنه سيد الرسل أو بأنه خير خلق الله. معاذ الله من ‏الكذب ومن التحدث باسم الله تعالى. كلها من حقوق الله سبحانه ونحن نفتري على الله الكذب في ‏ذلك. ‏
‏2. ‏
السابقون الأولون. استند الأخ ماجد المولى على الآية التالية من سورة التوبة لإثبات وجوب ‏اتباع السابقين الأولين: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ ‏عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100). هذه ‏الآية معطوفة على سابقتها وهي: وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ‏اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (99). لا يوجد أي أمر ‏باتباعهم أنفسهم في الآيتين. إنهما تتحدثان عن أنهم من المشمولين برحمة الله تعالى فقط ولا يذكر ‏ربنا بأنهم من أهل الجنة لأن ذلك سابق لأوانه وحكم يحكم به الله تعالى يوم القيامة فلا يوجد مبشر ‏بالجنة من الأحياء حين نزول القرآن وما يقولونه كذب أيضا مع الأسف. ‏
الذين اتبعوهم بإحسان وليس بصورة عامة تتحدث عن أمر حصل وليس عن أمر يحصل. ‏إذا تريدون إنكار المفاهيم النحوية فأظن بأنكم تحتاجون إلى أن تكتبوا نحوا جديدا لنطبقه على ‏تفسير جديد للقرآن. فافعلوا ذلك ثم ناقشوا غيركم. الجملة خبرية وليست أمرية إخواني الكرماء ‏حفظكم الله تعالى. ‏
هناك حديث غير صحيح آخر معروف بيننا بأن الرسول عليه السلام قال: أصحابي ‏كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. وهناك حديث الثقلين عند الشيعة بأن الرسول ترك الثقلين كتاب الله ‏وعترته. أقوله لهم جميعا: هاتوا آية قرآنية تجيز للرسول أن يعين لنا مراجع بشريين ثم اكذبوا بعده ‏وعينوا من تشاؤون مراجع لنا. ‏
إنه من السخافة الواضحة أن يأمرنا رسول الله بأن نتبع بشرا ونكون من الفائزين بثواب الله ‏تعالى. وهل الله لا يعلم كيف يعلمنا حتى يعين لنا العترةُ أو الصحابة أو السابقون ما يرونه صحيحا ‏والله يكافؤنا الجنة؟ فكأنه سبحانه ينفذ ما يريده البشر!!‏
القرآن وحده وليس غيره هو أمر الله وهو الذي يدخلنا الجنة أو النار. قال تعالى في سورة ‏الزخرف: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ ‏تُسْأَلُونَ (44). ليس بيد الرسول أي أمر وأي حق عدا القرآن. هناك آيتان في سورة النساء تمنعه ‏من حق الفتوى الملزمة أيضا فإذا استفتاه قومه فإنه ينتظر فتوى ربه. ثم يوضح الله تعالى له بأن هذا ‏هو نظامه مع الذين سبق أن يتبعوا آيات ربهم فقط فيكمل تعالى الموضوع: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ‏مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي ‏رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ (47). ويذكر ربنا السبب في ذلك ‏وهو أن الذي تتبعونه وتطيعونه فأنتم تعبدونه لأن الطاعة من مظاهر العبادة. إنه سبحانه الرحمن ولا ‏رحمة تضاهي رحمته ولا هدى مثل هداه. ‏
‏3. ‏
موضوع ما صح من أحاديث النبي. نحن نتبع القرآن الكريم باعتبار إيماننا بأنه كتاب الله تعالى ‏ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فهل لأحد أن يصحح القرآن؟ لو مس أحد القرآن ‏فسيدخل النار طبعا. والذين أرادوا اللعب بالقرآن اخترعوا لأنفسهم استحداثات مثل التفريق بين ‏المكي والمدني في الحكم ومثل الناسخ والمنسوخ. بالطبع أنهم كذبوا دون ريب وارتكبوا أعظم إثم في ‏كتاب الله تعالى. أين قال ربنا بأن هناك آيات قرآنية منسوخة. لو كان القرآن عاجزا عن أن يتماسك ‏‏23 سنة واحتاج إلى تبديل ونسخ فأنى لنا بعد 15 قرنا أن نتبعه؟ يستندون إلى الآية التالية من ‏سورة البقرة للاستدلال على لعبهم: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ ‏عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106). وقد وضح ربنا قبلها بأنه في صدد الرد على أهل الكتاب وليس في ‏صدد تصحيح القرآن حيث قال عز من قائل: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن ‏يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105). وحينما ‏نبحث في القرآن لنجد الآية المنسوخة من التوراة لا نجد إلا حكما توراتيا واحدا وهو حكم تحريم ‏شحوم الأنعام. وقد وضح سبحانه لنا بأن ذلك لم يكن تشريعا بل كان حكما عقابيا مؤقتا ضد بني ‏إسرائيل ثم أمر سبحانه المسيح بأن يحلل ذلك. ‏
قال تعالى في سورة الأنعام: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ‏شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ ‏‏(146). فالله تعالى أبقى تحريم ذوي الأظفار ووضح بأن تحريم الشحوم كانت جزاء بغيهم ولم يكن ‏حكما تشريعيا. وقال سبحانه في سورة آل عمران على لسان المسيح عليه السلام: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ ‏يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50). ‏وكما يبدو بأن اليهود لم يتقبلوا ذلك بل اعترضوا على لحم الجمل الذي أحله الله تعالى تصريحا في ‏القرآن. فرد عليهم ربنا في سورة آل عمران: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى ‏نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93). ما يعني بأن يعقوب كان ‏يكره الجمل فحرمه على نفسه واتبعه أبناؤه. ونحن نعرف بأن بني إسرائيل كانوا مهتمين جدا بأبيهم ‏يعقوب ولذلك اهتموا بأسرتهم وكونوا أسرة بني إسرائيل. ‏
ثم حرم بعد ذلك أي اعتراض على القرآن كما أظن بقوله الكريم بعدها: فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ ‏الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94). يعني بذلك أنهم كان من حقهم أن يستفسروا عن ‏تلك المسائل التي كانت غامضة عليهم ولا توجد مسألة غامضة أخرى والعلم عند المولى عز اسمه. ‏
إن سلفنا مع الأسف تشبثوا بما استحدثوه من قوانين إجرامية ليلعبوا في القرآن الكريم إرضاء ‏لحكامهم المجرمين من بني أمية فما بعد مثل الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني وأسباب النزول. أنا ‏أظن بأن أكثر اللعب وقع أيام بني العباس الفاسقين الذين أرادوا تثبيت سلطانهم بأنهم يتبعون أوامر ‏الرسول التي وضعوها بأنفسهم ونسبوها إلى الرسول. إنهم هم الذين أوجدوا مدرسة الحديث ‏الفاسدة التي انتهت إلى بعض الشباب الفرس في نيسابور ليكتبوا لنا الصحاح. ‏
حينما يقولون الصحاح يعني بأننا نتبعهم ولا نتبع الرسول. لا يجوز لأحد أن يصحح كلام ‏الرسول وليس لأحد أن يمس الوحي لأن الرسول لا يتحدث من تلقاء نفسه بل ينقل رسالة ربه فقط ‏وهذا معنى الرسول. نحن لا نعرف محمد بن إسماعيل ولا نعرف مسلم بن الحجاج ولا الكليني ولا ‏الطوسي ولم نرهم ولم نر غيرهم. لكننا نعرف رسول الله عليه السلام باعتبار إيماننا بالقرآن الذي ‏صرح باسمه ومكانه كما نعرف بأن السابقين الأولين من المهاجرين بلا استثناء أناس محترمون نحبهم ‏لأن الله تعالى مدحهم ولم يستثن أحدا منهم. أمر الله تعالى المهاجرين والأنصار وإيانا بأن نتبع رسول ‏الله ولم يأمرنا بأن نتبع السابقين. رسول الله يتحدث عن الله تعالى ولذلك يجب طاعته وليس ‏للسابقين ولا للخلفاء الراشدين منهم ولا للأئمة الإثني عشر أي ارتباط بوحي السماء. نحن أكثر علما ‏وأكثر تطورا منهم فكيف نطيعهم؟ بل نطيع عقولنا بعد أن نطيع القرآن الكريم وكفى. ‏
‏4. ‏
موضوع اللغة العربية. لا شك فيه بأن القرآن نزل بلغة عربية واضحة لا يحتاج الذين حضروا ‏تنزيله إلى أية قواعد وأصول بلاغية لفهم القرآن. لكن الذي حصل بأنهم يوم نزول القرآن كانوا يمثلون ‏أساس العربية وكان كل من يزور بلادهم يسعى ليتحدث مثلهم. لكنهم أيام الفتوحات اختلطوا ‏بالقوميات الأخرى التي كانت أكثر منهم حضارة وأكبر عددا فتأثروا بلغاتهم ولهجاتهم فتغيرت ‏المفاهيم اللغوية لديهم. كما أنهم تركوا بعض الكلمات وأدخلوا كلمات جديدة على لغتهم الأم. هناك ‏كلمات قليلة طبعا ما وجدت لها مثيلا في ما ورثناه من لغة العرب ولاحظت بأن بعض المفسرين ‏انتبهوا أيضا وقد فسرتها يومها على السياق فقط. ‏
وهناك قصة أو قصص كتبوها حول بداية صناعة النحو. وأبرزها أن مجموعة من المؤمنين ‏أيام الخليفة علي بن أبي طالب كانوا يشيعون جنازة ميت وهناك مر بهم شخص فسأل أبا الأسود ‏الدؤلي: من المتوفِّي؟ فقال أبو الأسود: الله جل جلاله. ذهل السائل ثم بينوا له بأن سؤاله كان عن ‏فاعل الوفاة والميت مفعول الوفاة. كان عليه بأن يقول: من المتوفَّى؟ ‏
نقلوا الحكاية للإمام فخاف عليه السلام على فهم المسلمين للقرآن مستقبلا بعد اختلاطهم بغير ‏العرب وأمر أبا الأسود بأن يكتب أصول النحو. ويقال بأنه قال لأبي الأسود: كل فاعل مرفوع، كل ‏مفعول منصوب ووو. ثم قال له أنح هذا النحو. وضع هذا العلم المهم لنا نحن المختلطون بالأعاجم. ‏وجاء بعد أبي الأسود علماء كبار مؤمنون نحتمل فيهم الصلاح والاهتمام بكتاب ربنا الذي هو ‏أساس كل مفاهيمنا؛ فطوروا هذا العلم وأضافوا إليه الصرف والمعاني والبيان والبديع وعلم اللغة ‏وغيرها ليساعدونا على فهم القرآن. ‏
وبالطبع لو رأينا جملة سماوية تخالف النحو فنحن نخطئ النحو. لكنني لعلمكم ما رأيت حتى ‏يومنا هذا مع اهتمامي الكبير بالقرآن أية جملة تخالف القواعد التي وضعها سلفنا العالم بالعربية. لكن ‏علينا بأن نعرف المعاني قبل أن ننتقد القرآن أو نرفض النحو. قولوا لي أي اختلاف فلعلي أفيدكم أو ‏تفيدونني ولا تتحدثوا بصورة عامة في موضوع أساسي للمفسرين. فقول أخي الكريم بأن العرب ‏عرفوا القرآن بدون قواعد النحو صحيح ولكن أين تفسير أولئك العرب؟ إنهم لم يخلفوا كتبا لنتعرف ‏على فهمهم. لقد وضعوا علم النحو قبل أن يبدأوا بالتدوين فبدأ الكُتاب يكتبون وأمامهم النحو علما ‏موجودا في صدورهم. فهل لي أو للأخ حمادة اليوم أن نخطئ النحو؟ أظن بأن ذلك غير منصف. ‏ولعلم الأخ حمادة فإن كبار أئمة النحو هم من السنة وهناك القليل ممن نحتمل بأنهم كانوا شيعة من ‏بينهم. أولئك فعلا علماء أخي العزيز فكيف ترفض سعي عشرات الأئمة وتتقبل فهم أخينا ‏الفارسي محمد بن إسماعيل الذي لم يكن نحويا ولا إمام لغة ولا هم يحزنون. ونحن نشك بأن صحيح ‏البخاري الذي بين يدينا هو نفس الكتاب الذي كتبه البخاري أو كتبوه باسم البخاري. يكفينا أن ‏نعرف بأن المغول دخلوا بغداد وأحرقوا المكتبات بما فيها مكتبة دار الحكمة التي احتوت على أربعة ‏ملايين كتاب مخطوط! أغلب الظن بأن المسلمين أعادوا كتابة بعض الكتب من الذاكرة. ‏
فما بين يدينا نقل من الصدور عن كاتب نقل من الصدور عن الصدور عن الصدور!! ‏مصيبة يا إخواني. ‏
‏5. ‏
الفعل كان: كان في العربية فعل لازم لا يحتاج إلى التعدية في أساسه. كان يعني تكون من ‏الكينونة وهي تعني الوجود أو الصيرورة كقول الشاعر: ‏
إذا كانَ الشِّتاءُ فأَدْفئُوني فإنَّ الشَّيْخَ يُهْرِمُه الشِّتاءُ
فلا نجد في قوله خبرا بل الشتاء فاعلُ كان الكامل اللازم. وكقولنا: كان الله تعالى ولم يكن ‏شيء معه. فكان الله جملة كاملة بفعل وفاعل لأن الفعل كامل وليس ناقصا فلا يحتاج إلى خبر ولا ‏نحتاج إلى تقدير خبر كما فعل البعض. وأما كان المعروفة بالناقصة وهي الأشهر طبعا فهي لا تعني ‏الكينونة بل تعني الإخبار بحال خاص مذكور في خبر كان فتقول كان زيد متكئا على سرير. هذا ‏إخبار وليس إنشاء. ‏
وأما الفعل الماضي فهو في واقعه ليس بمعنى الأمر الذي مضى كما هو شائع بل بمعنى الأمر ‏المحتوم ومنه جاءت كلمة الإمضاء بمعنى التأكيد والحتمية فهو يمضي يعني يؤكد حصول أمر أو حصول ‏تعهد أو عقد. وهكذا نرى بأن كتاب العدل لا يرضون بأن يستعملوا غير الماضي للعقود لتثبيت ‏الإبرام وهكذا التعهدات فالفعل حينذاك إنشائي وليس إخباريا. وهو كذلك في اللغات الأخرى ولعل ‏في جميع اللغات. وإن من حق الله تعالى وحده أن يستعمل هذا الفعل للزمن الماضي أو المستقبل كما ‏يشاء لأن ما يخبر به الله تعالى سواء في أمر مضى أو أمر سيقع فهو محتوم لأن المتغيرات كلها بيده ‏سبحانه. فقوله مثلا في سورة الأنبياء: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ ‏نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104). فهو سبحانه بدأ بالفعل المضارع بداية حتى لا يضيع المستمع ‏ثم أكد بأنه كان فاعلا بنفس المعنى ولكن مع قيد التثبيت والتأكيد في الحصول مستقبلا. لكننا نحن ‏البشر لا يجوز لنا ذلك لأننا لا نملك المتغيرات. ولذلك لا نستعمل الفعل الماضي إلا للأمر الذي وقع ‏كشهادة منا على ذلك. ولا ننس بأن المضارع تعني المشابه للاسم. فأصل كنا فاعلين هو كنا نفعل ‏ولكنه تعالى أتى بالاسم وهو أصل المضارع للمزيد من التأكيد لأن الاسم أكثر حتمية من الفعل. ‏
وهو سبحانه عادة ما يستعمل الماضي بمعناه الأصلي مع سبق فعل المضارع حتى لا نضيع. ‏فقوله تعالى حكاية عن فرعون يوم القيامة كما في سورة هود: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا ‏أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)؛ فهو لا يعني بأن ‏فرعونا قد قام بعمله فعلا فالقيامة لم تقم بعد. ولكنه سبحانه للتأكيد على وقوعه استعمل الفعل ‏الماضي مع تقديم المضارع: يقدم قومه؛ حتى لا نضيع. والعلم عند مولانا عز وجل. ‏
وما تشبث به المفسرون الكرام لتغيير معنى كنتم خير أمة إلى الفعلية فكل سعيهم مرفوض ‏برأيي المتواضع. ولقد حذا أرباب اللغة حذوهم لأن هناك نوعا من الجزمية بأن العرب وكذلك ‏صحابة خاتم النبيين هم خير الناس وهو خطأ جسيم. لا توجد في القرآن قومية خير من بقية ‏القوميات ولا توجد فضيلة مطلقة للصحابة. قال تعالى في سورة النحل: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا ‏مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ ‏لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي ‏مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93). الأيمان هو العهود والمواثيق الموجودة بين الأمم والدخل ‏تعني الفساد والدعوة بالنَّسب. هناك الكثير من اللوم وبعض اللعن لبعض الصحابة. كل المنافقين كانوا ‏من صحابته عليه السلام وكلهم ملعونون. والشهادة بأي نوع من الإحسان لا يمكن أن تكون شهادة ‏مستقبلية لأن الناس مختارون في الدنيا فكم من مؤمن ترك إيمانه وكفر وكم من كافر جعل الكفر وراء ‏ظهره واستقبل الإيمان خير استقبال. ‏
‏6. ‏
والعترة كلمة تشمل كل الأولاد والأحفاد على الأقل. وكم من العترة النبوية فاسقون وكم منهم ‏فجار وكم منهم كفروا وكم منهم ظلموا وقتلوا فصاروا من أصحاب النار؟ وأما السنة التي أوجبوها ‏على لسان الرسول زورا فكان لزاما أن نرى الله تعالى يصون تلك السنة الواجبة والله لم يفعل مع أنه ‏قادر على ذلك. فلماذا لم يفعل ربنا ليخرجنا من التيه فلا نحتاج إلى إخواننا شباب نيسابور بالنسبة ‏للسنة وغيرهم من أبناء فارس مثل الكليني والطوسي وابن بابويه القمي بالنسبة للشيعة؟ هل نحن ‏فاسقون حتى يتركنا ربنا في التيه أم نحن مؤمنون متمسكون باتباع الله تعالى ورسوله الأمين؟ وكيف ‏عاش سلفنا قبل أن يظهر شيوخ نيسابور أو شيوخ قم وطوس والري؟ ‏
‏7. ‏
والواقع أن ليس للرسول سنة قولية إطلاقا وله سنة عملية صانها الله تعالى. إنها في واقعها ‏سنن أبينا إبراهيم إلا أن رسولنا أضاف آيات وسور القرآن الكريم بدل الأذكار الإبراهيمية القديمة ‏باعتبار ظهور الوحي القرآني العظيم على يده الشريفة سلام الله عليه وعلى أبيه إبراهيم وعلى رسلنا ‏الكرام جميعا فنحن نؤمن بهم ولا نفرق بين أحد من رسل ربنا المتعالي. ‏
قال تعالى في سورة الحاقة: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40). وهذا هو رسولنا البشري وليس الروح ‏القدس لأنه هو الذي اتهمه المشركون بالشاعر والتعلم من الكهنة لقوله تعالى بعدها: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ ‏شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43). فهذا ‏القرآن هو قوله الذي أنزله عليه ربه ولا شيء غيره. وقال سبحانه في سورة الأعراف: كِتَابٌ أُنزِلَ ‏إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ‏مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3). فالقرآن هو قول الرسول وحرام علينا اتباع غير القرآن لأنه ‏سبحانه منع من ذلك. هكذا نكون مسلمين وبغير هذا نكون سنة وشيعة بمعنى أننا نكون مسلمين ‏بالاسم فقط ولسنا مسلمين في الحقيقة. ‏
‏8. ‏
المذهبية: لقد حرم الله تعالى علينا التمذهب في سورة الروم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ ‏اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ ‏إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا ‏لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32). وواقع هذه الأحزاب أنها مفرقة بين المسلمين إلا إذا اعتبرناها أحزابا اجتماعية ‏بعيدة عن الدين فأنت سني باعتبار أسرتك وأنا شيعي باعتبار أسرتي ولكنني أنا وأنت ندين ‏بالإسلام دين محمد والمؤمنين من صحابته الكرام. الإسلام هو دين الله تعالى وهو الدين الذين أمر ‏بالعدل والإحسان. لاحظوا بأن القرآن الكريم يخلو من أي أمر بالقتل إلا قتل القاتل بناء على طلب ‏ولي المقتول فقط. كل أوامر القتال وكذلك القتل وقتية للرسول لأنه تعالى لم يسمح للرسول أبدا بأن ‏يعلن أي حرب بدون إذنه. اقرأوا القرآن واحكموا بأنفسكم. ولذلك فكل الغزوات المنسوبة إلى ‏الرسول مفتريات وأكاذيب. لم يغز الرسول أحدا بل حارب حروبا دفاعية بأمر من الله في القرآن ولم ‏يجهز جيشا لفتح الروم حسب ادعاء السنة والشيعة. ‏
قال تعالى في سورة محمد: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ ‏فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20). ‏فالقتال وقتي ينزل في سور وليس في آيات مثل سورة التوبة وسورة الأنفال وغيرهما. ‏
كما أن كل أنواع الارتباط الجنسي محرم عدا الزواج وهو حكم كامل في القرآن ويتبعه الألفة ‏والمحبة والميراث. وبقية أحكام الزواج التي يذكرها فقهاء الشيعة والسنة هي كلها زنا ومحرمة. يخلو ‏القرآن من المتعة ومن زواج المسيار وبقية المحرمات لكن الفقهاء هم وعاظ السلاطين والأثرياء مع ‏الأسف وأكثرهم أتباع الشهوات. قال تعالى في سورة المؤمنون: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاّ ‏عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7). ‏وقال مثلها في سورة المعارج. ‏
أتحدى أي ملحد أو غير ملحد أن يأتيني بآية قرآنية مخالفة للعقل والمنطق. لكن البخاري ‏يتحدث عن زنا القردة ورجمهم ويتحدث عن الرجم وهو حكم يهودي إجرامي لا أثر له في القرآن ‏وهكذا كتب الشيعة. يتحدثون عن التفخيذ مع الطفلة وعن مضاجعة الوداع وعن أن المرأة المريضة ‏لا تستحق العلاج على حساب زوجها وغيرها من أحكام غير إنسانية وأحكام إباحية وأحكام ‏فاسدة. هكذا يصححون أقوالا كاذبة نسبها الوضاعون لرسولنا الصادق الأمين عليه السلام. ‏البخاري بنفسه يقول بأن أكثر من 98% من الأحاديث التي حفظها كاذبة وأقل من 2% منها ‏صادقة. فنحن نتبع البخاري إذن ولا نتبع رسول الله كما ندعي! ‏
أرسلوا إلي أي إشكال على القرآن وسوف أوضح لكم بإذن الله تعالى. وأنا أرسل لكم طيه ‏‏20 إشكالا على القرآن حاولوا أن تجدوا حلا لها من كتب الحديث السنية والشيعية ومن كتب ‏التفسير السنية والشيعية. ذلك لتعلموا بأن هذه الكتب لا علاقة لها بالقرآن وبالنتيجة لا علاقة لها ‏بدين محمد والسابقين وبقية مؤمني الصحابة والتابعين. إنهم يدعون إلى دين جديد دنيوي لم ينزل الله ‏تعالى به من سلطان. ولو تسألوا كل زملائي في جلساتنا التفسيرية فسيردون على الإشكالات ‏العشرين بإذن الله تعالى. ‏
‏9. ‏
ديننا دين المحبة والصدق والمنطق وليس دين السيف. السيف دين المجرمين والعتاة وكل من ‏شهر السيف على الناس فهو مجرم وهو من أهل النار وكل الفتوحات بربرية غير إسلامية. ذلك دين ‏المجرمين من بني أمية وبني العباس والفاطميين ودين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وبقية السفاكين ‏ودين الأحزاب التي صنعتها إسرائيل وأمريكا في أيامنا هذا ليشوهوا سمعة الإسلام ويقنعوا الطيبين من ‏البشر بأن الإسلام دين السيف والقتل. فمحمدنا يا إخوان غير محمدهم وكتابنا السماوي غير كتابهم ‏وإسلامنا غير إسلامهم. ‏
لو كان الله تعالى يريد لنا أن نتبع الأحاديث لأمر رسولنا بأن يشجع قومه لتدوين أحاديثه. ‏والحال أن المؤرخين يقولون بأنه عليه السلام منع من كتابة أحاديثه. وقرأت في أحد الكتب حكاية ‏الخليفة أبي بكر رضي الله عنه حينما حضرته الوفاة وكان قد احتفظ ب 500 حديث لنفسه. ‏يُقال بأنه استشار بعض الصحابة واستشار ابنته السيدة عائشة رضي الله عنهم جميعا فأشاروا ‏عليه بأن يحفظها لمن بعده. لكنه قال بأنه استخار الله تعالى فتراءى له بأن يحرقها حتى لا تزاحم ‏القرآن. فأحرقها ولم يبق لنا نموذجا حيا نثق به من كلمات حبيبنا وحبيبهم محمد عليه السلام. ‏
كان رسولنا يحب المشركين والمسيحيين واليهود ويتألم لهم ويسعى من كل قلبه أن يهديهم حتى ‏يتوقوا عذاب جهنم. قال تعالى في سورة القصص: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ‏وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56). أليس هم المشركون؟ وقال تعالى في سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ‏عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6). أليس هم النصارى الذين قالوا اتخذ الله ولدا ‏ورسولنا يؤذي نفسه أسفا عليهم؟ وهكذا كان المؤمنون من الصحابة. قال تعالى في سورة آل ‏عمران: هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ ‏عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119). وقال تعالى في الآية 31 ‏من سورة الرعد: …أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا… مما تدل على أن ‏المؤمنين كانوا مهتمين بأن ينجوا المشركين من تبعات الشرك. هذا هو الإسلام وأولئك هم المسلمون ‏حقا، رضي الله عنهم ورضوا عنه. ‏
‏10. ‏
الآية التي يستشهد بها بعض الإخوة لتثبيت الأحاديث وهي في سورة الحشر: وَمَا آتَاكُمُ ‏الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا. هي مقطع من آية وهي ليست للأحاديث بل هي لتوزيع المال. ‏هاكم الجملة الكريمة كاملة ضمن آيتها مع آيات قبلها وبعدها. وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ ‏عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَّا أَفَاء اللَّهُ ‏عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً ‏بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) ‏لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8). لو نقطع الآيات تقطيعا فسنكسب الإثم أولا ثم نخسر المعنى دون ريب. ‏اقرأوا الآيات وفكروا منصفين فهل هي للأحاديث أم لغنيمة خاصة من الغنائم؟ ‏
لن تجدوا في القرآن الكريم آية واحدة تدعونا لاتباع غير القرآن بل لن تجدوا في القرآن آية ‏واحدة تتحدث عن إنسان يؤتي العلم إيتاء. نحن البشر يمكننا أن نؤتي المال والحب وما على غرار ‏ذلك لكن إيتاء العلم خاص بالله تعالى. ذلك لأن إيتاء العلم يعني طبع المعلومة العلمية في الصدر ‏النفسي لتبقى مع الإنسان ولا سلطة لأحد بمن فيهم الشخص نفسه على ما في الصدور بل على كافة ‏مكونات النفس من قلب وفؤاد وصدر. كل العلم في القرآن منسوب إلى الله تعالى بما فيها بعض ‏المعلومات البسيطة. فمثلا تعليم كلاب الصيد وهو مسألة جد بسيطة ولكن الله تعالى ينسبها إلى ‏نفسه. قال تعالى في سورة المائدة: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ ‏مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ ‏الْحِسَابِ (4). كلما يفعله المعلمون أنبياء وغير أنبياء هو أنهم ينقلون معلوماتهم إلى من يستمع إليهم ‏والذي يقوم بالإيتاء ويعني إيصال العلم إلى النفس هو الله تعالى وليس الرسول. والآية تتحدث عن ‏الإيتاء والأحاديث مسائل علمية فأنى للرسول أن يؤتيها أحدا؟ ‏
‏11. ‏
غلبت الروم. قال تعالى في سورة الروم: الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ ‏غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ ‏مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6). تلك هي ‏الحكاية المختلف عليها من القرآن الكريم. يقول المفسرون بأن المسلمين تألموا من انتصار الفرس ‏المشركين على الروم المؤمنين بالمسيحية. بالطبع أن الروم كانوا مجرمين عتاة دخلوا نينوى ليستولوا على ‏بلاد الفرس. بالنسبة للمسلمين فإن كلتا الدولتين ظالمتان مجرمتان ولا علاقة لأي منهما بتعليمات ‏السماء. ويقولون بأن الله تعالى وعدهم بأن الروم المسيحيين سيغلبون الفرس في بضع سنين ويومئذ ‏يفرح المؤمنون بنصر الله. فهل يفرح المؤمنون بأن ينتصر الروم الغزاة على الفرس؟ وهل هناك وعد من ‏الله تعالى لينصر غزاة الروم؟ إنهم غزاة ولو انتصروا فسوف يغزون العرب أيضا. إنهم فاسقون لا ‏يمكن أن ينصرهم الله تعالى. على المسلمين أن يفرحوا بأن الفرس طردوا الرومان من نينوى ليتخلصوا ‏من شر عتاة غربيين لن يرحموا أحدا لو دخلوا المنطقة. لو دخل الروم بلاد فارس واحتلوها ‏لأصبحت فارس أقوى بكثير من يوم دخلها المسلمون وأصبحت عصية على جيش خالد. ‏
وأما التاريخ فيقول التاريخ الفارسي وكذلك التاريخ غير الإسلامي احتمالا بأن الروم هجموا ‏على الفرس عام 622 ميلادية أي قبل وفاة الرسول عليه السلام بعشر سنوات ثم هُزموا على يد ‏الفرس وفروا. ثم أعادوا الكرة بعد أن توفى قائد جيش الفرس عام 627 ميلادية وتغلبوا على ‏الفرس. وفي عام 628 أدركت الحكومتان الرومية والفارسية بأنهما منهكتان وتقبل الفرس شروط ‏الصلح مع الروم وانتهت حروب الروم مع الفرس. ولو نريد تطبيق التفسير المعروف على القصة ‏الحقيقية فإنه بصورة كلية تنطبق فعلا ولكن الآيات تقول شيئا آخر. ‏
برأيي أنهم لم يعرفوا ما يقوله القرآن فتشبثوا بأقاويل غير صحيحة ليقولوا فسرنا الآيات. ‏فلننظر إلى الآيات الكريمة ولكن بعد أن نقرأ نهاية السورة السابقة العنكبوت: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ‏آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ ‏كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ‏وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69). الآية 67 تتحدث عن حرب الروم مع الفرس عام 622 ومكان ‏الحرب كان في مصر وتركيا كما يبدو. في تلك الحرب هُزمت الروم على يد الفرس. ‏
وفي سورة الروم أشار سبحانه إلى نفس الحرب كما يبدو وبأن الروم قد غُلبت. ثم أعاد ‏الروميون الكرة على الفرس عام 627 وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بالفرس في حرب نينوى. لعل الآيات ‏الكريمة في السورتين تشير إلى هزيمة الروم عام 622 ثم هزيمة الفرس عام 627. ‏
ولعل من يسأل عن السبب في أنه سبحانه فصل بين المسألتين في سورتين متتاليتين. ليعلم بأن ‏كل سورة قرآنية تتحدث عن موضوع خاص وهناك سور متتالية تتحدث عن موضوع واحد بحالات ‏مختلفة. السور التي تبدأ بـ ألم فهي تتحدث عن فوائد التمسك بالله وباللقاء معه سبحانه. السورتان ‏الأوليان تتحدثان بصورة عامة عن تزكية النفس لغرض كسب الرضوان والجنان في الآخرة والفرق بين ‏البقرة وآل عمران هو أن الأولى تتناول المسائل والتشريعات والثانية تعطينا النماذج من أنبياء السلف ‏ومن الصحابة الذين ساعدوا في إقامة الكيان الإسلامي بمكة لتكون مدينة خاصة بالدعوة إلى ‏الإسلام. وأما السور المتوسطة التي تبدأ بنفس الفواتح فهي تتناول الفوائد الدنيوية أكثر من الفوائد ‏الأخروية للتمسك بالله تعالى وباللقاء معه. والفرق بين سورتي العنكبوت والروم هو أن الأولى جاءت لبيان ‏المكاسب الدنيوية السريعة مع بيان مقتضب للمكاسب الأخروية ولكن الروم تتحدث عن المكاسب الدنيوية ‏المستقبلية. نعرف ذلك بملاحظة الآية الثالثة والآية الرابعة والسابعة و39 و47 والآية الأخيرة من سورة الروم ‏الكريمة. ‏
لكن مقولة المفسرين بأن الله تعالى نصر الروم على الفرس لا تنسجم مع واقع القرآن الكريم ‏الذي يدعو إلى الإسلام ويرفض المجوسية والمسيحية معا. لا يمكن أن ينصر الله تعالى المسيحيين ‏الغزاة على الفرس الغزاة. يفرح المؤمنون بنصر أنفسهم ولن يفرحوا بنصر أي من الفرس والروم على ‏بعضهم البعض ولا سيما أن هزيمة الروم كانت مفيدة لهم وهزيمة الفرس كانت ضارة لهم. لكن ‏الضعف الذي انتاب الدولتين كان مفيدا للمسلمين فيما بعد طبعا. ‏
فالجملة الكريمة “وهم من بعد غلبهم سيغلبون” لا يمكن أن تشير إلى الروم بل تشير إلى ‏المسلمين الذين كانوا ضعفاء في بداية الهجرة إلى المدينة المنورة وقبل أن يأذن الله تعالى لهم بالدفاع ‏المسلح. قال تعالى في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) ‏الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ ‏صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) ‏الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ‏‏(41). الانتصار في آيات الحج هو نفس الانتصار في آيات الروم كما يبدو لي. هناك كان الانتصار ‏وعدا وهنا اقترب الوعد الحق ليصير الانتصار حقيقة. ‏
يريد الله تعالى بنصره للمؤمنين أن يُبقي كل أماكن العبادة قائمة لكل من يريد أن يعبد الخالق ‏الرؤوف بطريقته دون أن يمسها أحد بسوء. هكذا أراد ربنا تشريعا وبمساعدات أولية أن يؤكد ‏عدم الإكراه في الدين. كما أن المتتبع يمكنه أن يلاحظ بأنه سبحانه في بداية سورة الحج يتحدث عن ‏أن الذي يمكنه أن يفصل بين مختلف أتباع الديانات هو الله تعالى وحده وليس غيره. كان رسولنا ‏عليه السلام يستقبل أتباع كل الديانات السماوية وغير السماوية في المسجد الحرام وفي مسجده ‏بالمدينة ويدعوهم إلى تصحيح عقائدهم بربهم ساعيا إلى إقناعهم بصحة سماوية الدين الجديد. لولا ‏ذلك لما تمكن من أن ينقل معلوماته السماوية إلى مختلف متبعي الأديان والعقائد السماوية وغيرها ‏ليجعلهم يفكروا ويختاروا الدين الذي يرونه صحيحا من تلقاء أنفسهم مستهدفا الرضوان والجنان له ‏ولهم عليه السلام. ‏
أما ما نراه اليوم من منع غير المسلمين من الدخول في مكة فهو عمل غير صحيح وغير ‏مشروع لأن أفضل مكان لنا لجذب غير المسلمين هو مكة المكرمة. أصحاب القرار في الحكومات ‏وبهذا العمل غير الصحيح يقفون أمام انتشار الإسلام كما يريده الله تعالى وعليهم بأن يتركوا هذه ‏السياسة المتوارثة من الظالمين. كم هو جميل بأن يعيش الكل آمنين في بلد الأمان مكة ونرى في كل ‏عام أفرادا منحرفين دينيا وهم بأنفسهم يشعرون بتفوق ديننا على عقائدهم فيدخلون دين الله ‏أفواجا. إلى الله المشتكى. ‏
والخلاصة بأن الذين وعد الله تعالى بأن ينصرهم بقوة ليسوا هم الغزاة الروم بل هم المسلمون. ‏لاحظوا الفرق بين الموضوعين: غلبت الروم؛ وهم من بعد غلبهم سيغلبون. الروم مع قوتهم ‏وإمكاناتهم أصابهم الفشل والمسلمون مع ضعفهم سوف ينصرهم الله تعالى على أعدائهم في بضع ‏سنين. وقد نصر الله تعالى المسلمين وفتحوا مكة كما وعدهم ربهم. وليبس صحيحا أن نهتم بما ‏توصل إليه سلفنا الذين نرى الكثير من الأخطاء لديهم بل الصحيح أن نفكر ونستمد العون من الله ‏تعالى لنأتي ببيان أصح من فهم السلف. ‏
‏12. ‏
تفسير الأخ الكريم ماجد المولى للجملة الكريمة “وأمرهم شورى بينهم” ليس باطلا برأيي ‏وليس مخالفا كثيرا مع رأيي المتواضع. إنه حمل الآية ما لم تحمله ولكنه أتى بنتيجة طيبة في نهايتها ولا ‏أحب أن أدخل في سجال علمي معه في هذا الموضوع الذي أقبل نتيجته. لكنني وحتى لا أكون ‏مجحفا بحق الجملة السماوية الكريمة من آية من سورة الشورى، أكتفي بأن أنقل الآيات ليقرأها من يريد ‏بإمعان ويتعرف على المعنى الحقيقي للجملة الكريمة. سأضع خطا تحت الجملة الكريمة وبعض ما ‏قبلها وبعض ما بعدها وأذكر القارئ الكريم بأن يفكر في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة التي تكثر الإشارة ‏إليها في القرآن الكريم ثم يتعرف على معنى “وأمرهم شورى بينهم” المتوسطة بين الصلاة والإنفاق. ‏قال تعالى في سورة الشورى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) ‏وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ‏الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ‏‏(40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ‏وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ‏‏(43). ‏
‏13. ‏
قول أخي ماجد المولى التالي: ‏
والله بعلمه الأزلي يعلم بما سيختاره العباد بحرية إرادتهم الممنوحة لهم.. ويعلم مصيرهم ‏الذي سيؤولون إليه نتيجة اختيارهم هذه. فهل لديكم شك في علم الله هذا؟!!! انتهى النقل. ‏
ليس لدي شك بل أنا على يقين من خطأ ما تفضلتم به. هناك بحث ونقاش طويل لعل أخي ‏الأستاذ الدكتور أحمد مبارك بشير ينشره مستقبلا. لكنني باختصار أطلب من سيادته ألاّ ينسب ‏شيئا لم يقل به الله تعالى إليه سبحانه. هات آية قرآنية يقول الله تعالى ذلك وسوف أقوم بتخطئة ‏نفسي. وللعلم فهناك آية قرآنية في سورة الحديد لنقرأها معا: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي ‏أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22). هل تاريخ الإذن في الآية الكريمة ‏يعود إلى العلم الأزلي أم إلى لحظات قبل أن يبرأها الله تعالى. لو علم الله تعالى أمرا بعلمه الأزلي فإن ‏العبد ليس حرا ولا معنى للاختيار ولا معنى للحياة الدنيا برمتها أخي الكريم. هذا من أخطاء ‏السلف سنة وشيعة مع الأسف. سلفنا قالوا بأن التناقض مستحيل ولكنهم أتوا بالمتناقضات دون ‏أن يشعروا. ‏
قالوا بأن علم الله تعالى عين ذاته فإذا علم أمرا لا يمكن تصور عدم حصوله وأنا العبد مختار ‏بأن أعمل أو لا أعمل. أليست الجملتان متناقضتين أخي العزيز؟ هل قال الله تعالى بأنه كان يعلم ما ‏سنأتي به أم قال ليعلم؟ وكمثال ننظر إلى سورة سبإ: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلاّ فَرِيقًا ‏مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إلاّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ ‏عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21). أنا كأخ صغير لكم فخور بكم إخواني أنكم تحبون الله تعالى وتكرهون ‏أن تنسبوا إليه الجهل. لكن الله تعالى لم يقل بأن العلم بما سيفعله المختارون هو علم في حقيقته بل هو ‏محال إخواني. الله تعالى يعلم الممكن وقادر على أن يعمل الممكن لكن المستحيل فهو بحد ذاته ‏مستحيل ولا علاقة له بالقدرة والضعف ولا بالعلم والجهل. مثاله مثال الخالق الثاني فهو في حد ذاته ‏مستحيل ولا نقول بأن الله تعالى غير قادر على أن يخلق خالقا آخر؛ بل نقول بأن خلق خالق آخر ‏مستحيل لأنه حينذاك يكون مخلوقا لا خالقا. ‏
ومن الطريف أن أخي الكريم ماجد المولى ذكر آية من سورة النجم كشاهد على علم الله ‏تعالى المسبق بأفعال العباد وهي: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ‏هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ‏‏(32). أين قال الله تعالى في الآية بأنه كان يعلم بنا من الأزل؟ هو يعلم حقيقتنا حينما نكون أجنة في ‏بطون أمهاتنا. وهو أعلم بنا حينما أنشأنا من الأرض. متى أنشأني من الأرض؟ أنشأني حين ارتباط ‏الحيوان المنوي لوالدي مع البويضة في رحم أمي والحيمن والبويضة هما من الأرض. حقيقتنا التكوينية ‏إخواني مغاير لأعمالنا التي نقوم بها فيما بعد باختيارنا. حقيقتنا التكوينية تشير إلى قدراتنا الخَلقية. ‏هذا العلم ضروري للخالق. إنه به يقدر التقسيم الجغرافي لعبيده في الأرض. على أساس هذا العلم ‏يقدر للناس أن ينتقلوا من بلد إلى بلد ليوزع الأطباء والمهندسين وبقية العلماء والعمال وهكذا الذكور ‏والإناث في الأرض لتوزيع المهن والإمكانات في كل أرجاء المعمورة. ‏
ويترك باقي الأمر للأنظمة البشرية. فمثلا إذا رأى ربنا بأن القادرين على دراسة الطب ‏تكاثروا في بلد وتناقصوا في بلد آخر فهو سبحانه يقدر لبعضهم أن ينتقل إلى البلد الآخر حتى لا ‏يُحرم البلد الثاني من الأطباء ثم يترك توزيع المهن العلمية للأنظمة. وهو سبحانه لو لم يفعل ذلك فلعلنا ‏نرى بلدا كبيرا لا ينطوي على من يمكن أن يصير طبيا وعلماء الطب من ضرورات المجتمعات ‏الكبيرة. ‏
وهذا هو معنى قوله تعالى في سورة الرعد: اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا ‏تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9). لم يقل سبحان ما ستحمل ‏كل أنثى بل ما تحمل فعلا. وقال سبحانه في سورة الذاريات: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا (2) ‏فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4). الذاريات كما أظن تشير إلى ما يعرف بالسدم وعلى إثرها ‏تُصنع المجرات وهي الحاملات وقرا. ومن بعدها تُخلق النجوم أو الشموس والشمس هي الجارية ‏حتى في اللغة. ومنها تُخلق الكواكب الصلبة وهي الأراضي. وقد سماها سبحانه بالمقسمات بأمره ‏سبحانه. هذه ضرورة صناعة الكواكب الأرضية المسكونة في مختلف أرجاء الكون. وهو سبحانه ‏الذي يعلم كل ما يمكن علمه ليقوم بالتوزيع الدقيق للإمكانات الطبيعية والبشرية في كواكبه البليونية. ‏
وهناك مناقشات طويلة في مركز تطوير الفقه الإسلامي وفي تجمع المودة وفي جلساتنا القرآنية ‏حول علم الله المسبق بأفعال العباد. لقد اختصرتها في مقال نشر في المركز وسوف أرفقه بهذه ‏الرقيمة المتواضعة لعله يفيدكم. ‏
‏14. ‏
مسألة التاريخ. ليس لدينا أي تاريخ مدون من أيام الرسول ولا أيام الخلفاء الراشدين. ‏أعطوني عنوان ذلك الكتاب فلعلي أرى شيئا كان خافيا علي. التاريخ الذي كتبه الطبري وابن ‏خلكان والمسعودي وابن الأثير وغيرهم وأهمها في الواقع هو تاريخ الطبري. الطبري يبدأ تاريخه من ‏خلق آدم ويتحدث عن قصص آدم وأولاده وقصص الملوك ومن كان في عهدهم. من أين أتى الطبري ‏بتاريخ آدم؟ هل كان هناك مؤرخون آنذاك أم أنه مع احترامي له ينقل لنا مفتريات اليهود. فهل يمكن ‏أن نثق بشخص يتحدث عما لا يد له فيه؟ يقول البعض بأن رسولنا نقل قصص أنبياء السلف. ‏هاتوا آية واحدة تقول بأن هناك وحيا خاصا له عليه السلام ينبؤه عن أخبار إخوانه الأنبياء. ‏
قال تعالى في سورة يوسف: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن ‏كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3). وقال سبحانه في سورة هود: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ ‏عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا ‏إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49). وقصة نوح عليه ‏السلام موجودة في التوراة ولكن الله تعالى يؤكد عدم علم الرسول وعلم قومه ومنهم اليهود بقصة نوح. ‏ذلك لأن التفاصيل المذكورة في سورة هود زائدة على التفاصيل الموجودة في التوراة الأصلية كما يبدو ‏والله يفند كلها. وقال تعالى في سورة آل عمران: ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ ‏يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44). حكاية مريم ليست قديمة جدا بل ‏حدثت قبل ستة قرون فقط والرسول لا يعلمها لأنه لم يكن موجودا. فمن أين أتى الرسول عليه ‏السلام بحكايات السابقين أم أن مؤرخينا نقلوا لنا المفتريات فقط. ‏
وأما حكاية التاريخ الإسلامي. فلدينا مرجع واحد فقط وهو غير موجود بين أيدينا. يدعي ‏مؤرخونا ومنهم الطبري بأنهم اطلعوا على ذلك المرجع المفقود من المكتبة العربية. كاتب ذلك المرجع ‏هو محمد بن إسحاق. ومن هو محمد بن إسحاق؟ إسحاق أبوه من سبي العراق ويحتملون بأنه كان ‏من اليهود الذين أسلموا أيام الخليفة عمر رضي الله عنه. خلف إسحاق ولدا معروفا بالذكاء واسمه ‏محمد. يقول بن إسحاق بأنه أدرك نهايات حكم الإمام علي عليه السلام لكنه كان صغيرا. هذا ‏الشخص كان معروفا بين الناس أيام الخليفة المجرم أبي جعفر المنصور وكان له مجالس يحضره الناس ‏ليقص عليهم قصص الماضين بمن فيها حكايات نبينا. علم به المنصور وطلب منه أن يكتب تاريخ ‏الرسول وسيرته لتثبيت ما سمعه في مكتبة بني العباس وتعهد بأن يعطيه كل مصاريفه. فهو موظف ‏السلطة العباسية المأمور بكتابة التاريخ. سوف يكتب تاريخا يفيد بني العباس طبعا كما سيكتب ‏سيرة تفيدهم ولذلك أنفقوا عليه. مات ابن إسحاق ومات المنصور ومن بعدهم وفُقد تاريخ ابن ‏إسحاق وسيرته النبوية. ‏
في القرن الرابع الهجري ادعى شخص لا أذكر اسمه وهو من نجد بأنه عثر على السيرة النبوية ‏لابن إسحاق ويمكن أن تكون السيرة التي تطبع في زماننا هي نفس السيرة التي ادعاها ذلك النجدي. ‏أما التاريخ فهو مفقود تماما. الطبري مؤرخ تاريخ آدم يدعي بأنه ينقل من ابن إسحاق. وهكذا بقية ‏المؤرخين. ومن هو ابن إسحاق هذا؟ هل يمكن الاعتماد على تاريخ كتبه شخص بعيد عن ‏الصحابة وليس من أهلهم ولا من أهل التابعين وكتابه مفقود والذي أنفق عليه المنصور الدوانيقي؟ ‏هذا هو تاريخنا وهذه هي سيرتنا المكتوبة ناهيك عن بقية الأحاديث المعنعنة. عن أي تاريخ ‏تتحدثون؟ افتحوا عيونكم واتركوا هذه الكتب المضللة وعودوا إلى كتاب ربكم. ‏
‏15. ‏
موضوع المسكين واليتيم والأسير في سورة الإنسان الذي وضحته كشاهد. تشبث الأخ ‏ماجد المولى بتفسير السلف وبأنه المعقول. قلت حينما استشهدت بالآية بأنهم نقلوا حكاية خاصة ‏تعرفونها وفي النهاية وضعوا الإمام عليا وفضة الخادمة في مقام واحد عند ربهم وهذا لا يمكن أن ‏يكون صحيحا. لكن هذا الإشكال كما يبدو لم يقنع الأخ المولى بخطإ سلفنا. فإليكم إشكالات ‏أخرى على تفسيرهم: ‏
ألف: ‏
من الواضح بأن الآيات تتحدث بصورة عامة ولا تحكي قصة خاصة لنا. هل أتى على ‏الإنسان؛ إنا خلقنا الإنسان؛ إنا هديناه السبيل؛ إنا أعتدنا للكافرين؛ إن الأبرار. فالحديث عن ‏الإنسان وبأنه بعد أن يهديه ربه إلى طريقين يختار إحداهما وليس عن أشخاص معينين. ‏
ب: ‏
لكن الذي حصل هو أن المفسرين لم يتمكنوا من تعميم آية: ويطعمون الطعام على حبه ‏مسكينا ويتيما وأسيرا. لو كانت آية عامة فعليه حسب قواعدهم النحوية أن يقول سبحانه: ‏ويطعمون الطعام على حبه المساكين والأيتام والأسرى؛ أو يقول: المسكين واليتيم والأسير. لكنه ‏سبحانه قال يطعمون مسكينا. هذا يعني بأن الحكاية ليست عامة بل هو حكاية أشخاص قاموا ‏بعمل محبوب عند الله تعالى فأنزل بشأنهم آيات أو سورة ليصيروا مثلا لغيرهم. ‏
ج: ‏
وعلى الفرض الذي افترضوه فإن عليا وفاطمة والحسنان وفضة الخادمة في درجة واحدة في ‏الجنة وهي ليست من الدرجات العليا. فهناك الذهب مقدم على الفضة والذهب غير مذكور في ‏الآيات الكريمة. ‏
د: ‏
لم يعد الله تعالى أحدا بعينه بالجنة قبل موته. ذلك يعني بأن هذا الشخص انتهى اختباره ‏وصار بقاؤه في الدنيا بغير سبب عقلاني. إن الدنيا دار مصائب فلا يناسب الرحمن أن يصيب أهل ‏الجنة في الدنيا لكنه سبحانه يقوم بالابتلاء ليمحص القلوب وليميز المحسن من المسيء وليتعين درجات ‏المتقين وكذلك درجات الفاسقين. ولقد سمعنا الكثير عن المصائب التي أصابت سبطي الرسول ‏عليهم السلام بعد وفاة جدهم. ‏
هاء: ‏
الأسير يعني المسجون في سجون الدولة باعتباره أسير حرب فكيف جاز للدولة التي يرأسها ‏رسول الله عليه السلام أن يترك الأسرى يشحذون في الشوارع طالبين الطعام من أهل الخير؟ لو كانت ‏الدولة عاجزة عن إطعام الأسرى فعليه أن تطلق سراحهم فورا. على أن سير أسير الحرب في ‏الشوارع يخرجه أصولا من الأسر. ‏
و: ‏
كيف سمح الإمام علي عليه السلام لنفسه بأن يعطي طعام طفلين صغيرين صائمين للمسكين ‏واليتيم والأسير؟ هذا عمل محرم قطعيا. كان بإمكانه أن يعطي رغيفا للمسكين مثلا ويوزع الأرغفة ‏الأربعة بينه وبين فاطمة والحسنين وفضة رضي الله عنهم جميعا. ‏
ز: ‏
تزوج الإمام علي عليه السلام في المدينة حينما كان المسلمون في حالة جيدة والحكاية التي ‏اختلقوها يجب أن نفترض حصولها في نهايات حياة الرسول حيث كانوا في حالة مالية جيدة بعد أن ‏استرجعوا أموالهم من المكيين وبعد أن كسبوا أموالا كثيرة في حروبهم الدفاعية ضد أعدائهم. ‏فكيف نتصور صهر الرسول الأمين وبعد أن أنعم الله على المسلمين بالمغانم الكثيرة وهو يحتاج إلى أن ‏يقترض من شمعون اليهودي ما يشبعه وأهله ثلاث إفطارات دون سحور؟ ‏
ح: ‏
كان عمر الحسين عليه السلام حين وفاة جده الرسول عليه السلام أربع سنوات فلو فرضنا ‏بأن الحكاية وقعت في آخر حياة الرسول فكيف جاز لأبيه أن يسمح لابنه الطفل بالصيام أصلا وبلا ‏سحور؟ ‏
ط: ‏
هل يعرف الطفل الصغير أن يقوم بنذر الصوم وهل يجوز له الصيام وهل يجوز لأبويه أن ينذرا ‏الصوم للأطفال. ‏
والخلاصة أن الحكاية التي نقلوها لا يمكن أن ننسبها إلا إلى المفتريات ونرمي بها بعيدا عن ‏تاريخ رسولنا الأمين وأهل بيته عليهم السلام. وأما ما قلته في تفسير الآية فهي السبيل الوحيد ‏للخروج من مأزق الحكاية غير الصحيحة. فكرت كثيرا في الموضوع وحاولت بأن أستعمل النصب ‏بنزع الخافض فلم أجد حلا. ليس لي إلا القول بأن المسكين واليتيم والأسير حال للمتبرع بالطعام ولو ‏خالفت بعض قواعد النحويين. أكون شاكرا لمن يحل لي المشكلة ويهديني إلى تفسير أصح مما ظننته؛ ‏إلا أن تفسير المفسرين خطأ دون ريب. بالطبع أنني اختصرت الموضوع الذي أخذ مني قسما كبيراً ‏من محاضرة علمية غير قصيرة. وأما ظنون أخي المولى حفظه الله تعالى وإيانا فهي غير دقيقة مع ‏الأسف. ‏
‏17. ‏
وأما ما كتبه أخونا محسن الفهد فهو كلام صحيح وإشكاله في محله. أنا لا أؤمن إطلاقا بأن ‏الله تعالى عين لنا 12 إماما. وأعتبر حديث الثقلين إخبارا بالغيب لو فسرناه بالأئمة؛ والرسولُ عليه ‏السلام لا يعلم الغيب. ولو اعتبرنا الثقلين هما الكتاب والسنة فهو ضلال أيضا كما انتبه الأخ الكريم. ‏ذلك لأن كتاب الله تعالى موجود ومصان ولكن أين السنة المكتوبة فهي مثل العترة المزعومة؟ ‏مشكلتنا أخي الكريم بأننا لا نجد أي مؤرخ أو محدث يدعي بأن هناك كتابا خلفه الرسول عليه ‏السلام أو الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم. حتى النسل الأول من التابعين من بعد الصحابة ‏لم يخلفوا كتبا. ‏
أنا أعتبر الشيعة والسنة حزبين اجتماعيين لا بأس بهما لو أبعدناهما عن شريعة الرحمن عز ‏اسمه. على الشيعة والسنة أن يتركوا كل كتبهم التي كتبها سلفهم ويعودوا جميعا إلى كتاب الله تعالى ‏الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لعلهم يفوزوا برضوان ربهم. لقد حرم الله ‏تعالى علينا التحزب في الدين في سورة الروم: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ ‏أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ ‏لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا ‏تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32). ‏
فأنا شيعي جغرافي ولست شيعيا مؤمنا بالإمامة الإلهية التي ما أنزل الله بها من سلطان. ‏الأئمة الأحد عشر أناس عاديون عاشوا حياة لا بأس بها وليس لهم أي دور في تثقيفي عدا قليلا مما ‏ورثناه من بعضهم من حكم طيبة. أما الإمام الثاني عشر فهو مجرد وهم لا وجود له وقد تفرغ أخي ‏الكريم الشيخ أحمد الكاتب حفظه الله تعالى بدراسة الموضوع تاريخيا وهو مستعد ليرد على كل من ‏يستشكل عليه. والقرآن الكريم لم يذكر أي شيء عن الأئمة أو عن الإمام المهدي أو عن أن الله تعالى ‏يسبق يوم القيامة في الدنيا بأن يفرض الهدى على الناس عن طريق المهدي. ‏
قال تعالى في سورة الأنبياء: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ ‏مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47). وجدير بأن نقرأ مجموعة الآيات كاملة لنعلم ‏منها مسائل أخرى وهي: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ (45) وَلَئِن ‏مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا ‏تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ ‏الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ ‏مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (50). نعلم منها بأن وحي السماء لنا هو هذا القرآن وهو ذكر ‏مبارك، وبأن رسولنا أنذر قومه بهذا القرآن فلا نشعر بفقدان الرسول إلا عاطفيا. الرسول بقوله ‏موجود بيننا وهو الكتاب الذي أنذر به عليه السلام. ولعل سر البركة أو الزيادة هو ما نراه في القرآن ‏من دلائل واضحة على تشريعاته وهي التي قلما نجد مثلها في التوراة التي بين يدينا بغض النظر عن أن ‏اليهود ولعل بعض النصارى حرفوا الكلم عن مواضعه. وأظن بأن القرآن هو الرسول الحي الموجود ‏بيننا باعتبار الدلائل الموجودة بين صفحاته لأننا أكثر تطورا من سلفنا الذين سبقوا رسولنا البشري، ‏وكذلك الذين عاشوا في زمن الرسالة المجيدة. ‏
‏18. ‏
علم النحو العربي: ولا تنسوا إخواني بأن النحو منسوب في أساسه إلى الإمام علي بن أبي ‏طالب عليه السلام الذي قال كما نقلوا لنا والعهدة عليهم: الكلام كله ثلاثة أشياء اسم وفعل ‏وحرف؛ كل فاعل وما شابهه مرفوع وكل مفعول وما شابهه منصوب وما دونهما مجرور. ويقول ‏البعض بأنه عليه السلام تحدث عن المعرفة والنكرة وعن وجوه الإعراب بأنها الرفع والنصب والجر ‏والجزم. وكما يقولون بأنه قالها لأبي الأسود وأمره بأن يضع قواعد النحو حماية للغة القرآن من ‏الضياع. وتلاهما مجموعة كبيرة من كبار علماء المسلمين الذين أكملوا النحو في مدرسة البصرة ‏الكبرى وقسما منها في الكوفة. ويقول البعض بأن علم النحو بدأ من عهد الخليفة الراشد عمر ‏رضي الله عنه وهو الذي أوصى أبا الأسود ولكن عليا عليه السلام ساعده بوضع الأسس. وغير ‏ذلك من الأخبار التي تدل على أن النحو هو أول علم عربي في مدارس المسلمين. فليس من السهل ‏تجاهل النحو لمن يريد أن يعرف القرآن الكريم. ‏
‏19. ‏
وأخيرا نأتي إلى ما كتبه أخي الفاضل أحمد الكاتب. وبغض النظر عن أنني أعتبره من ‏أصدق إخواني فإني بدون ملاحظة الصداقة والصدق استمتعت بما كتبه فضيلته. لعل لدي ‏ملاحظات بسيطة أكره أن أذكرها هنا. لقد كتب الموضوع بدقة فاحصة فله الشكر على ما كتب. ‏
وجدير بالذكر أنني لا أعرف شخصيات الذين شاركوني في الكتابة عدا الشيخ الكاتب فأنا ‏أعتذر من كل من ظن بأنني ما اتفقت معه. أنا لا أتحدث عن الأشخاص فكلهم محترمون عندي ‏ولكنني أناقش المواضيع فقط. ‏
وهكذا نأتي إلى ختام هذه الرسالة الطويلة. ولا أدري كيف نجمعها في كتيب بسيط ‏وننشرها لتفيد الباحثين. والمجال طبعا مفتوح للإخوة المشاركين الذين ذكرتهم بالاسم أو نسيت أن ‏أذكرهم ليستمروا في المناقشة ولا سيما الرد علي كما يشاؤون لعلنا نصل في النهاية إلى بعض ‏التوافق. لكنني أوصي الإخوة بألا يكرروا ما قالوه لو كنت قد علقت عليها بالرد؛ إلا إن كان لديهم ‏دليل واضح على خطأي حتى لا يذهب وقتنا سدى. ‏
هدانا الله جميعا إلى طريق الصواب ورحم الله تعالى سلفنا وغفر لهم ولنا. رمضان كريم ‏وكل عام وأنتم بخير. ‏
أحمد المُهري ‏
‏12/5/2019 ‏

 #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.