المؤمنة كاترين 16- يوم غير ما مضى من الايام


المؤمنة كاترين

المقطع السادس عشر

يوم غير ما مضى من الأيام

أشرقت شمس الصباح في يوم السبت وكان علوي يغني معها وينظر إليها نظرة جديدة فهو اليوم غير وحيد بل قد ربط قلبه بمن يحبها وأشرق المستقبل مرة أخرى بعد أن ألمت به كارثة وفاة زوجته الطيبة سارة. كانت سارة زوجة مخلصة ومهذبة ومهتمة بزوجها، لكن سنة الحياة داهمت بيتها بطرفها الحاد فقطعت رباط ذلك البيت بفرض الموت عليها تقديرا من العزيز العليم. ليس للذين بقوا إلا الصبر ومواجهة الحياة ومتطلباتها من جديد. لا يمكن للإنسان أن يعيش على أحلام الموتى مهما آلمه الفراق فالزواج والإنجاب والحياة الاجتماعية سنن طبيعية تفرض نفسها على الإنسان بدوافع ذاتية موجودة لدى الناس ذكرانا وإناثا.

دخل علوي غرفة عمله وكأنه يدخل سجنا. إنه يفقد شيئا ويشعر بجبل من الهموم والغموم قد لف قلبه فأظلمت عليه الدنيا. إنه غير مرتاح وغير مستبشر ولا يدري ما السبب. وبينما هو في حيص بيص نفسه حتى دخلت عليه كاترين مسلمة قبل أن تدخل مكتبها، بعكس عادتها السابقة. كاترين كشفت الغمة عن قلب علوي وأحضرت معها بشاشة الدنيا وبهجتها لقلبه. شعر علوي بأنه أصبح مثل مدخني المورفين والسجاير بحاجة إلى التدخين قبل أن تنكشف عنه الهموم. لكنه يطلب ما يرضي ربه ويعين قلبه ويمتع أولاده.

أما المدخنون يطلبون ما يغضب ربهم بأنهم يلقون بأيديهم إلى التهلكة الفعلية ويجلبون السرطان والأمراض الأخرى إلى القلب والرئتين ويضرون أولادهم ويذمرون كل من يقترب منهم حتى بعد الانتهاء من التدخين. إن الرائحة الكريهة للسجائر تبقى ملازمة لمن ابتلي بها، كما أن حالة الاضطراب والرجفة توصم جبين متعاطي المخدرات. شعر علوي بقسوة الحب وثقله حينما قرر أن يرتدي ملامحه العادية لئلا يشعر أحد بما يدور في خلده. لم يكن ليقوى على إبعاد قسمات الغرام عن وجهه فاستعان بقلنسوة الحياء ليغطيها ويستعيد نشاطه اليومي المألوف فلا يشعرنّ به أحدا.

قاوم علوي قلبه بشجاعة لا نظير لها فلم يبد منه ما يريب، لكن كاترين كانت تقرأ كل همساته القلبية وتبادله الوجد والوجس حينما تختلي به. راقبت كاترين حبيبها ووقفت على قدرته المثالية لإخفاء صرخات الفؤاد عن كل غريب بل وكل أحد غيرها وتعجبت من سرعة التقلب لدى علوي. كل هذا وهما لم يستعملا اللسان بعد للتعبير عن هواجسهما الباطنية. أدركت كاترين في نفس الوقت خطر اختلاء الفتاة بمن يحمل قوة التمتع معها وادّكرت حكم الحجاب لدى الإسلام لتكبره وتنحني أمامه إجلالا لمن شرعه بعلم وتقدير دقيقين. “أليس الله بكاف عبده”: هذا ما رددته كاترين عدة مرات في نفسها وهي تختلي بعلوي في غرفة غير محكمة الإقفال بل الباب في متناول من يفتحه دون أي مانع.

قالت كاترين في نفسها: سبحانك اللهم في علمك بكل حقائق خلقك وفي لطفك بإرشادهم وتأديبهم وفرض الحقائق عليهم. اللهم إنك تكفي من اتبعك وتكفي من أرادك وتكفي من لم ير أمامه غيرك. إنك تكفيه تشريعا وتعليما وتأديبا وتهذيبا ونجاة من الهلكات، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم إني أرغب في إكمال ديني بالحياة مع علوي وليس لي نية إغرائه وإغوائه فلا تؤاخذني بما أتطرب من حضرته وكن ثالثنا إذا تثنينا فلا نعصيك ولا نخالف أمرك وارض عنا.

كانت كاترين مسيحية بدينها ومسلمة لله بعملها وبسلوكها. قلما نرى مسلما أو مسلمة تحمل أو يحمل هذا الأدب التشريعي وتراعي أو يراعي رغبة الخالق في تنظيم روابط الحياة الاجتماعية والشخصية. ليس الآلام إلا قرآنا من التشريعات والقوانين التي يجب الأخذ بها إذا أسلم الإنسان لربه، ولكن غالبية المسلمين ليسوا مسلمين لربهم بل هم مسلمون لمن سبقهم أو لمن علاهم في الفكر والذكاء. يريد الجميع أن يرضي نفسه وشهواته بتشريعات تبعد عنه الألم وكأن الله تعالى أراد أن يجعل الدنيا جنة للناس. إنه سبحانه يريد لنا أن نتألم ونصبر لأنه تكفل بأن يجزي الصابرين ولم يتكفل بأن يجزي المترفين. الشهوات موجودة ويجب مكافحتها إلا في حدود شريعة الله تعالى ولا يجوز سن تشريعات تبيح الإباحية كما نراها شائعة بين أتباع الديانات مع الأسف.

جلست كاترين في غرفتها بعد أن أتمت تدقيق الاعتمادات التي حُولت إلى مكتبها وكان الوقت يقارب الواحدة والنصف بعد الظهر. فكرت مليا في علاقتها الغرامية المستحدثة مع رئيسها واستعاذت بالله من أن يستولي الشيطان عليهما فيدليهما بغرور أو يزين لهما سبيلا غير مقبول لدى خالق الكون. تمنت من كل قلبها أن تتحقق المتعة التي أحبها الله تعالى لعباده بينهما واستعدت لأن تتحمل المرارة والصبر حتى يأتي أمر الله. فكرت في الفتيات والفتيان وهم في سني الصبا، كيف يمكن أن يعيشوا معا دون أن ينفث فيهم الشيطان ويوسوس في قلوبهم الرقيقة التي لم تتعلم الكف ولم تمارس العفة بعمق وقناعة؟ القناعة الذاتية لا تكفي لأن تحرس الإنسان فترة طويلة دون أن يتهاوى في منحدر الرذيلة.

استعادت كاترين عقدين من نضارة الشباب والآلام التي صبت عليها لتكافح هوى النفس وترد عروض الصداقة الهادفة التي كانت تتوالى على حسناء مثلها. قارنت قدرتها وإيمانها ببقية فتيات وفتيان البنك المدني وتحسست الفارق الكبير بينها وبينهم قائلة: معاذ الله كيف يمكن أن أتصور النظافة والقناعة بين هؤلاء الزملاء الذين لا يطيقون الكف عن السجائر التي ثبت ضررها لديهم. إن هناك خطأ كبيرا في تنظيم العلاقات بين الذكر والأنثى في الحياة العصرية، ويجب على المفكرين التنبه لها وتقنينها. كانت تظن فيما قبل أن الإسلام مبالغ في التحريض على إبعاد الجنسين عن الخلوات قبل أن يقترنا بالمعاهدة القانونية والدينية للتزاوج، لكنها اليوم تشعر بوضوح صحة تلك الآيات المحكمات التي تنظم العلاقات بين الطرفين على أساس الآداب والسلوك الحسن مع مراعاة الجاذبية الطبيعية بين المتغايرين جنسيا.

فكرت كاترين بأن هناك بعض المبالغة في التطبيق من قبل الذين يتظاهرون بالولاية على غيرهم وبالمعرفة لأحكام الشريعة. إن طريقتهم تؤدي إلى تذليل المرأة والنيل من مكانتها في المجتمع الإنساني، ولكن الإباحية التي تمنحها النظم الاجتماعية الحديثة تقابل ذلك التحفظ الزائد بالتفكك الخطير في العلاقات الأسرية التي هي أساس البنية الاجتماعية للكيان الإنساني. لقد اضطرت الدول التي أزالت الحجب بين أفرادها أن تشرع الروابط غير الشرعية حتى مع الجنس الموافق كيلا تواجه الخروج على القانون. إن غالبية الأطفال العصريين يولدون عن طريق العلاقات غير الشرعية بين الأخدان فمن يتعهد بحمايتهم؟ لم يكن لدى المشرعين بدّ من تشريع العلاقات الثنائية حتى يحموا أطفال الغد. إن قوانين الزواج في الغرب قاسية ومجال التمتع مفتوح فمن لشرارة الجنس المتقد ومن لشيطان الغرام الذي يوسوس بين الصدور دون حرج؟

والأشرس من كل ذلك أن الأسر في تلك الدول المتقدمة مضطرة لتشجيع الجنسين على الاتصال متحملة كل العواقب خوفا من أن يميل الفتيان والفتيات كل إلى جنسه فيشيع اللواط والسحاق ويقضى على تراثهم الأسري والاجتماعي العريق. إنهم مع كل ما يأتون به من إغراء جنسي فإن التحرك نحو الجنس المماثل في اطراد وتزايد والخوف من الانهيار يراود كل المحافظين ويشغل بالهم بصورة جدية. هذه هي نتيجة الإباحية وأن يرى الشاب بأن المتعة في متناول يديه بالطريقة التي يريدها دون أي تخوف أو حذر. تعمقت كاترين مليا في هذه الفتنة المتأججة وقالت في نفسها:

“يجب الدعوة إلى الله تعالى وإلى اتباع أحكامه بدقة قبل أن تنمحي الفضيلة وتزول على أثرها الإنسانية بأكملها. الإباحية كانت النتيجة الحتمية لقوانين الكنيسة التي لم تكن لتراعي الاعتدال طيلة تاريخها مع النهضة الصناعية. أثبتت الكنيسة أن أحكامها وتشريعاتها غير قادرة لتثبيت الزواج الشرعي بين معتنقي المسيحية بدليل التناقص المطرد لنسبة المتزوجين في الدول المتقدمة. لقد ناقضت المسيحية نفسها حينما ادعى بعض القديسين المسيحيين بأنهم ألهموا إباحة الكثير مما حرمته تشريعات موسى عليه السلام حتى باتت تشريعات التوراة أحكاما يهودية لا شأن لها بين أتباع المسيح عليه السلام”. بمعنى أن المسيحيين يقولون بأنهم يتبعون التوراة ولكنهم عمليا يتبعون شهواتهم أولا ثم يشرعون أعمالهم بأصحاب الألقاب والقلنسوات الدينية الذين يسعون لإرضاء أتباعهم خوفا من أن يخسروا ما تجود به أيديهم لبقاء الكنيسة وأرباب الكنائس.

شعرت كاترين بالضيق في نفسها وهي لا تدري لماذا هي مسيحية؟ لو كان دين المسيح موجودا فأين تشريعاته وأين كتبه؟ هل الكتاب المقدس واف لحاجات المجتمعات العصرية، وهل هو أكفأ من قرآن المسلمين؟ تمنت لو أنها كانت يهودية تهذب نفسها بتشريعات التوراة؟ ثم فكرت هل بإمكانها أن تعتنق دينا يؤمن باصطفاء بني إسرائيل وهي لم تنحدر من يعقوب عليه السلام؟ باتت اليهودية دينا عائليا وليس دينا لأهل الأرض. لو فكر اليهود لعادوا إلى القرآن الذي نادى بأن موسى نبي لكل البشر حتى ظهور المسيح. القرآن لا يحصر الرسول موسى في بني إسرائيل على الرغم من أن بني إسرائيل هم قوم موسى.

لقد بدأ موسى دعوته للفراعنة قبل أن يدعو قومه، فما معنى انكفاء الدعوة إلى دين موسى على بني إسرائيل دون غيرهم إلا قليلا؟ إن اليهودية اليوم أصبحت معادلة لبني إسرائيل وبما أن الناس كلهم عبيد رب واحد فأنى لليهود أن يدعوا الولاء لله تعالى وهم لا يعترفون بغير بني إسرائيل؟ كل هذه الهواجس تبعد كاترين من الإصرار على اتباع الكتاب المقدس وتقربه من دين الله شيئا فشيئا.

قالت كاترين في نفسها: أسلمت وجهي لله وسوف أبدأ العمل بما أراه صحيحا بتدرج لعلي أرضي السماء وفي هذا الطريق أستلهم منه تعالى أن يرشدني ويهديني سواء السبيل. سوف ألبس الحجاب من الغد. لعل التلبس به يرضي الله وما بالي بالناس. الحجاب ليس مخصصا للمسلمين بل هو زي كل المؤمنين بالله الذين عاصروا أنبياءه. الحجاب هو زي اليهود والمسيحيين وزي أتباع أبينا إبراهيم عليه السلام. هذا ما يشهد به تاريخنا ولا ضير في العمل به. كل راهباتنا يلبسن الحجاب فهل هن خير منا؟

وفي المساء اشترت كاترين عدة حجابات من السوق وتطلعت إلى اللاتي يلبسن الحجاب ناظرة إلى مختلف أشكال التحجب واختارت من بينها أكثرها عفة وأشملها سترا للشعر والصدر وجربتها عدة مرات في البيت وكأن يدا خفية تساعدها على شد الحجاب وتشجعها على الظهور المفاجئ غدا أمام زميلاتها غير المحجبات في البنك المدني. أحست بأن شيطانا يوسوس في صدرها ويحذرها من الإنصات لنداء العقل ولكنها قاومته ولعنته قائلة: إن الشيطان للإنسان عدو مبين.

لا زالت كاترين كغيرها من النساء تجهل حقيقة الحجاب وتجهل حكم الله تعالى في القرآن. لا زالت كاترين تظن بأن ما يأتي به المسلمون رجالا ونساء يمثل دين الله تعالى في القرآن الكريم. أصرت كاترين على الحجاب لأنها رأت بأن الحجاب ليس مقتصرا على المسلمات بل هو زي قديم ولا زال معمولا به لدى بعض اليهود وبعض المسيحيين ولا سيما راهبات الكنائس. كل اللائي يزرن البابا يلبسن غطاء الرأس.

مشكل معتنقي الأديان السماوية أن العادات والتقاليد لديهم حلت محل التشريعات المنزلة من السماء. هناك الكثير من العادات الطيبة ذات المظاهر الجميلة نسبيا وقد عمل بها المتدينون حتى أصبحت جزءا من التشريعات السماوية. هناك القليل جدا من المفكرين منتبهون إلى أن الكثير من أحكامنا ليست منزلة من السماء. ففي الحقيقة يحتاج كل معتنقي الديانات السماوية أن يعيدوا النظر في فهم أصولهم السماوية ونشرها حتى لو لم يعملوا بها.

يتبع (حجاب عند الحاجة -1-)

أحمد المُهري

20/4/2019

#تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s