يوسف ايها الصديق 13 – امرأة العزيز 4


Shepherds are looking what has happened in Bethlehem.

تواصلا مع شرح سورة يوسف :

يوسف أيها الصديق ح 13 – امرأة العزيز 4

متابعة لما حدث في لقاء النسوة بيوسف حين وصفن يوسف :

وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)

النسوة لم يصفن الملَاك بالعفة بل وصفنه بالكرم. ذلك يعني أنهن وصفن يوسف بأنه كثير العطاء ولا ينتظر شيئا من أحد كالملائكة التي تعطينا وتساعدنا بأمر الله تعالى دون أن تنتظر منا شيئا.

انتهى بيان تأثير يوسف في ضيفات امرأة العزيز وحان دورها لتجني الثمرات. وحينما نحقق في مقولتها هنا نشعر بأنها حينما واجهت يوسف بكل شدة أمام زوجها بعد أن فتح يوسف الباب له، إنما كانت تقول ليوسف بأنه هو الذي خالفها فهو مقصر وليست هي. ثم إنها هي التي مُنيت باللوم الشديد من زوجها كما مُنيت قبل ذلك بالرد القاسي لطلبها من فتاها فتريد أن تستعيد كرامتها التي حطمها يوسف أيضا. ولذلك سمعن منها أنها،

قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ ﴿32﴾

 بدأت بإعادة اللوم عليهن بأنهن خلال ساعة وقعن في حب يوسف فكيف بها وهي تعيش معه سنوات طويلة؟.

لقد تمكنت المرأة العاقلة من إشراك عدد من نساء النبلاء معها في حب يوسف وفي الخضوع لعلمه وأخلاقه وفضائله ومكرماته.

إنهن جميعا شعرن بأنه أكبر من أزواجهن وهذه المقولة عند نساء محدودات الأخلاق ومحدودات الكرامة تعني بأنهن يدعونه ليقابلن عطاءه ولطفه بعطاء من أجسادهن.

تلتزم الغانيات عادة بتفضيل أزواجهن على كل الرجال كما يقوم بعض الرجال أيضا بتفضيل زوجاتهن على بقية السيدات.

هذا يعني بأن اولئك الأزواج من الرجال ونسائهم لا يطمعون في الارتباط بأحد غير شركائهم في الحياة الزوجية. وهذا القول منهن دليل على أنهن سقطن على أعتاب يوسف يطلبن المزيد منه.

ثم أرادت امرأة العزيز أن تستعيد كرامتها من يوسف ولو شئنا سمينا ما تقوم به انتقاما من يوسف.

لقد زال الخوف من قلبها في تلك الجلسة بأن يوسف استجاب لأمرها وجلس في مجلس يخلو من الرجال سواه وأظهر قدراته لكبار نسوة المدينة في غياب أزواجهن.

لسان مقالها ليوسف بأنك لم تستنكف عن الجلوس بين هؤلاء النسوة في جلسة استراحة نسائية ولسان مقالها لهن بأنكن جميعا فضلتم يوسف على البشر بمن فيهم أزواجكن. فاعلموا بأني أنا أيضا قمت بما قمتن به لا أكثر ولكنه أهانني.

أنا الذي راودته عن نفسه فعلا كما فعلتن دون أن ترين منه أي تجاوب وراء إظهار شخصيته المعرفية الكبيرة وإبراز خصائله الكريمة. لكنه استعصم على أنني صارحته بكل حب وإخلاص فأنا أهدده أمامكن بأنه لو لم يستجب لي فسوف أبعثه إلى السجن وأقوم بتحقيره على الرغم مما له من احترام كبير في هذا القصر.

وكلمة استعصم مشتقة من عصم بمعنى مسك. والمقصود بأن يوسف يحتاج إلى أنثى مثلي وليس هناك حب أو غنى أو عجز أو كره لي يمنعه من أن يستجيب لي.

لقد صارحتهن بأن يوسف أيضا يميل إلي ولكنه ضغط على رغباته النفسية فأمسك عن التمتع بجسدي. لم توضح امرأة العزيز السبب في إمساك يوسف نفسه ولعلها لم تعرف ذلك. من الصعب جدا أن نقرأ تفكير امرأة العزيز وتحليلها أسباب امتناع يوسف ولكننا نشعر بأن يوسف كان يلمع بينهن بعظم الشخصية وبكبرياء النفس الأبية.

لقد قال يوسف لها في الغرفة المغلقة عليهما بأنه يخاف ربه وغير مستعد أن يفرط بما أكرمه به ربه مقابل إرضاء شهواته حينما قال:

 معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون.

بل قال يوسف أكثر من ذلك. قال بأنه مغرم بحب ربه فليس في قلبه أي مجال ليحل إنسان محل ربه الذي غمره بكرمه ولطفه. والواقع أن تلك الجمل الثلاث القصيرة التي صدرت من يوسف في وقت لا يمكن معه أن يظن أحد شيئا عدا أنه عليه السلام ترجم أعماق قلبه باللغة البشرية وبأنه أراد من صميم قلبه أن تفهم سيدة القصر بأنه يكرمها ويحترمها ويحبها حبا بريئا ولكنه يجب ربه ويخاف من غضبه.

 والجمل الثلاث خليط فعلا بالحب والخوف بالنسبة للذات القدسية المهابة جل جلاله. هو حال الأنبياء فعلا. قال تعالى في سورة الأنبياء:

 فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90).

كل الأنبياء وكل المؤمنين الصالحين يخافونه ويطمعون فيه، جلَّ الحميد المجيد. ويا له من حميد مجيد.

ولعل امرأة العزيز وباعتبار ضعف إيمانها بالله تعالى كانت تنتظر من يوسف أن يعصي ربه ثم يستغفره كما يفعل عامة الناس. ولعلها كانت تفضل شهواتها على حرمة ربها. ولعلها فقدت عقلها ووعيها أمام أنانيتها وشعورها غير المنطقي بالكبرياء فهددت يوسف الطيب الوديع العالم المؤمن الذي لا يسرف على نفسه أبدا بالسجن.

لقد وقعت المرأة الذكية في ضلال حقيقي وابتعدت كثيرا عن المنطق كما ابتعدت عن ربها الذي أكرمها بكل ما بيدها من ترف وغضارة عيش.

كان عليها أن تقول بأنها أرادت من يوسف أن يستجيب لها باعتبار أنها دعته للمتعة وليس للعنت، ولكنها تحترم اهتمام يوسف بربه وتعتبر ذلك حسنا آخر من محاسن يوسف.

أما تهديدها بالسجن فهو منتهى الأنانية ودليل على الضياع في الهوى وعلى فقدان مستمسكات الشرف والوقار.

المهم أنها استأسدت على نساء المدينة بعد أن أوقعتهن في حب يوسف وخدعتهن ليظهرن هذا الحب أمامها وبمرأى بعضهن البعض فأخمدت أصواتهن ولذلك باحت بالكثير مما يجول في خواطرها دون حذر. من الطبيعي أن يسكتن كلهن عنها بعد أن تلاشى كيدهن وتجلى كيد امرأة العزيز في تلك الجلسة.

لكن يوسف النبي العزيز ازداد خوفا وهلعا إثر ازدياد العاشقات من النساء الغانيات اللاتي لا يمكن له أن يستجيب لشهواتهن باعتبار الحرمة الشرعية والحرمة الخُلُقية والإنسانية.

ولذلك توجه إلى سيد الكائنات ملتمسا رحمته بربوبيته المرنة المحببة إلى قلوب المؤمنين فارتفعت زفرات قلبه إلى السماء وهو جالس بين المتنافسات بالحب والقدرة والمغمورات بحب الدنيا وبدون صوت أو لغة ولكن بقلب مملوء بالخوف والرعب من الله تعالى فـــ

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴿33﴾

وإن أجمل شيء بين العبد وربه أن يعترف المرء بضعفه أمام سيده ومولاه ليستدر رحمته. فيوسف بشر وشاب وليس هناك امرأة تستجيب لصبابة شبابه وتخفف من هيجان الشهوات في قلبه فتكون لباسا له وسترا على نزواته الطبيعية.

يوسف يعرف بأن ربه يعرف عنه ذلك فرأى بأن أحلى وأكمل الدعاء أن يفرغ قلبه لرب العالمين ويعترف أمامه بانهيار قدراته.

واللطيف في دعاء يوسف وتوجهه إلى ربه هو أنه لم يتحدث عن الضغوط البدنية والنفسية الأخرى عليه بل تقبلها بقوله العاطفي المثير للرحمة:

رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه.

والغريب أنه استعمل كل ذكائه وعبقريته حينما توجه إلى ربه فلم يصر على السجن كما يفعله بعض السذج ولم يعين لربه كيفية النجاة بل أراد أن يبدي لربه بأن السجن الذي يخوفونه به أحب إليه مما يبعده عن رحمة ربه ويدخله في زمرة الآثمين.

ثم وبعد إظهاره للرضا بأي حكم يحكمه ربه حتى السجن فإنه طلب ما يريده بلسان غريب أيضا. لم يقل اصرف عني كيدهن، ليبتعد عن صيغة الأمر بل دعا بصيغة الضعف والحاجة وبأن كل قدراته أشرفت على الانهيار وكل رصيده قارب على النفاد فلو أن ربه لم يسعفه بشحنة روحانية ليصرف عنه كيدهن فإن الضغوط الجنسية سوف تُقطِّع يديه وتدمر كبرياءه فينهار ويصبح أسيرا بين أيديهن.

فذكر لربه ضعفه وطلب منه بكل خضوع أن يصرف عنه مكائد النسوة الطامعات فيه دون أن يحدد كيفية ذلك. لكنه عليه السلام بدأ بذكر أن السجن مقبول لديه ليعترف بحقيقة أن قيود الحرية أحب إليه من انفلات الشهوات ومن الانغماس في الملذات.

لقد ترك يوسف الأمر كله لله تعالى ربه ولم يعين أي طريق محبب للخروج من المأزق.

هذه هي صيغة الدعاء المؤدبة التي يقدمها المؤمن لسيد الكائنات جل جلاله.

على العاقل ألا يُعلِّم ربه بل يعرض عليه مشكلته ويطلب منه سبحانه المساعدة للخروج من الأزمة بالشكل الذي يراه الله تعالى نفسه فيكون دعاؤه مزيجا من التماس الخلاص ومن الرضا بما يقدره الرحمن الرحيم عز اسمه.

و صبا: يعني ترك حرمته وتنازل عن كبرياء الأدب ومراسيم الارتباط المعقول بين البشر وتمثل بفعل الصبيان الذين لا يجدون لما تشتاقه نفوسهم وازعا ولا مانعا.

ولنعلم بأن مثل هذا الاعتراف عيب على الإنسان حتى أمام أقرب الناس إليه ولكنه جميل أمام الله تعالى العالم بالسرائر. فكأن يوسف يقول لربه بأنه يعلم بأن ربه يعلم حقيقته ولكنه يرضى ولا يشعر بأي حرج من أن ينظر إليه ربه ويكتشف مكنون قلبه ويطلع على عمق ضعفه. إنه ربه ومالكه ومن حقه أن يطلع على كل شيء عنده.

لا بل إن لحن القول لدى يوسف يدل على أنه يشعر بحاجته إلى أن يطلع ربه على كل أسراره فهو ضعيف يحتاج إلى عناية ربه ولن تتأتى العناية الصحيحة دون العلم بكل الخفيات فيوسف يشعر بالمتعة أن يراه ربه ولذلك سعى وسيسعى ألا يأتي بما لا يتناسب مع وجوده في مرأى الرحمن جل جلاله.

وماذا ننتظر من رب رحيم وحكيم وسميع وعليم إلا أن نسمع منه سبحانه:

فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿34﴾

لنفتح عيوننا قليلا وندقق بأن الله تعالى يؤكد هنا بأنه سميع عليم. ذلك يعني بأنه سبحانه يعرف ما يحتاج إليه عبده يوسف ويعلم كل القضية فلماذا يستجيب للعبد؟ ثم لماذا لم يقم الله تعالى بدفع الكيد عنه ما دام يسمع ويعلم؟ إنه يساعد كثيرا دون أن نطلب منه ولكنه يزداد رحمة لنا حينما نشكره. قال تعالى في سورة إبراهيم:

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7).

ولو نحلل دعاء يوسف فهو كله تعبير عن الرضا والشكر لله تعالى ولذلك خصه الله تعالى بمساعدة خاصة وليست عامة. إنه يساعد المرء حينما يقع في مأزق بدني أو مالي أو أي ضغط نفسي ولكنه يُبقي عادة كل عوامل الاختبار مفتوحة فعالة لأنه سبحانه يريد أن يختبرنا.

فالذي فعله هنا هو أنه أزال عن يوسف كل أسباب الاختبار واعتبره كمن أدى امتحانه قبل انتهاء أسئلة الاختبار.

إن الأمر الطبيعي في هذه الدنيا هي أن يسقط الأفراد في مثل هذه الاختبارات النفسية لتتجلى حقيقة النفوس ومدى قدرتها على الصمود أمام الشهوات ومدى استعدادها للتضحية في سبيل الله تعالى.

لقد قاوم يوسف مُنزَلَقا فرديا خطيرا بينه وبين امرأة حسناء تحكمه وتأمره بالانقياد لشهواتها ونسيان كل المبادئ. ثم قاوم دعوة جماعية للمزيد من التمتع الجنسي ثم شعر بالانهيار فدعا ربه شاكرا معترفا بالضعف ومقدرا رحمته في أن نجاه من امرأة العزيز كما نجاه ذلك اليوم أيضا ولكنه عليه السلام يرجو ربه أن يوقف هذا الاختبار ولا مانع لديه مما يهددنه به.

والغريب بأن الذي يقاوم أول مرة ضد أمر ما فهو أجدر بأن يقاوم في المرات القادمة مادام في نفس العمر وفي نفس القدرات النفسية التي ينطوي عليها قبل انقضاء ذلك المقطع السِّني والدخول في مقطع سني آخر. لكن يوسف لا يريد المخاطرة على حساب خسارة الإيمان والحب العميق للرحمان وعلى حساب أن تطغى عليه الشهوة فتحل المتعة البدنية محل المتعة النفسية الرفيعة بالتناجي مع خالق الكون العظيم جل جلاله.

ثم إن يوسف اعترف ضمنيا بعلمه وبأنه نال قسطا كبيرا من رحمة الله التعليمية فلا يريد أن ينخرط في سلك الجاهلين فيخسر بعض علمه. إنه يشعر بأنه ينظر ببرهان ربه كما فعل في المواجهة مع استعراض سيدة قصر العزيز لمفاتنها. هذا البرهان هو جزء من العلم الذي أكرمه به ربه فلا يريد أن يخسره. ولذلك أرفق دعاءه بسبب وجيه ومنطقي. إنه سبحانه يحب الشاكرين وكمال الشكر لنعمة العلم أن يسعى المتعلم لحراسة مكارم ربه العلمية عليه. إنه سبب رائع لمثل هذا  النوع من الدعاء فسلام على يوسف.

ولذلك استجاب الله دعاء يوسف بما يتناسب مع صيانة علمه ومنحه المزيد. إن يوسف بحاجة إلى أن يبقى مع الحاكمين ليزداد علما بتأويل الأحاديث و لئلا يبتعد عن ثقافة العصر ليستفيد منها في دعوته إياهم إلى الله تعالى.

وإذا كان موسى قد ابتعد عن قصور الملوك فإنه استعان بربه ليرسل معه أخاه هارون الذي بقي في مصر وكان على علم كامل بالتطورات التي تمت خلال العقد الذي غاب فيه موسى.

وليس ليوسف أخ مرتبط بقصور الملوك ليساعده مثلا مستقبلا حينما يعود إلى القصور لأداء مهمته. فمن الضروري أن يبقى معهم لئلا يخسر تأويل الأحاديث. ولذلك نرى بأن استجابة الدعاء كانت بالموافقة على سجن يوسف في سجن خاص بالطبع.

لقد رأت امرأة العزيز وزوجها كيف تحولا لا شعوريا إلى مدافعين عن يوسف الذي اشترياه من مصر. دافع عنه العزيز ضد زوجته ودافعت هي عنه بشق قميصه من الخلف وهي تؤمن بعبقريتها كثيرا.

ولم تكتف بذلك بل حاولت إغراء نساء المدينة بعظمة يوسف بعد أن أمرته بالجلوس بينهن ولكنه كبر في أعينهن ولم يعبأ بمظاهر الدعوة للمصادقة معه.

لقد أجبر يوسف سيدة القصر أن تعترف أمام نساء الوزراء بأنها هي التي دعته للمواقعة وبأن يوسف هو الذي امتنع عنها. لقد اضطرت المرأة أن تفعل ذلك حتى تُسكت النسوة عن مداولة قصة غرامها من جانب واحد مع يوسف. لقد خرجت القصة إلى نساء الوزراء على الرغم من محاولة العزيز تغطيتها بكل قوة:

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴿35﴾

من الصعب التكهن بمن هم الذين بدا لهم سَجن يوسف ولكن مما لا شك فيه أن العزيز وامرأته كانا فيمن بدا لهم ذلك. وليس مقبولا أن يبعث العزيز الذي أحب يوسف من أول ساعة ودافع عنه حتى ضد زوجته وأصر على أن تستغفر امرأته وتستمر في إكرام يوسف، من الصعب القول بأن العزيز سجن يوسف ليعذبه. لقد سجنوه ليمسحوا العار عن أسرتهم فقط وليس لأمر آخر. لقد أرادوا إبعاده أياما ثم إعادته إليهم لأنهم قد تعودوا عليه ولا يمكنهم الاستغناء عنه. ليس بين أفرادهم أحد يشابه يوسف في العلم والفهم والإدراك. إنه هو الذي استولى على عقل ملكهم فيما بعد في عملية واحدة صدرت منه فكيف بالذين عاش يوسف بينهم ورأوا منه الكثير من المكرمات والافكار النيرة وحسن الخصال؟ إنهم اضطروا لإبعاده عن قصرهم أياما أو أشهر ولم يفعلوا ذلك بنية العقاب.

لنتصور نبيا من أنبياء الله الكرام يعيش معنا عدة سنوات فكيف يتأتى لنا أن نبعده عن أعيننا بأيدينا؟ أضف إلى ذلك الشعور العاطفي الذي انتاب امرأة العزيز تجاه يوسف!

فمن غير السهل أن نفهم ما كان يدور في أعماق امرأة العزيز التي كانت مصرة على حبها ليوسف ولم تقتنع بغير الارتباط العاطفي البدني معه.

ولكن من السهل أن نفهم ما انطوت عليه نفس يوسف من أفكار وهو ينتقل إلى السجن. كان يوسف يعيش في متعة غامرة مسيطرة على مشاعره لأنه هو الذي طلب السجن من ربه ضمنيا فتحققت رغبته واستجيب دعاؤه.

فالرابح هنا هو يوسف أيضا والخاسر هم العزيز وامرأته وأهل القصر ونسوة المدينة وكل الذين تعرفوا على حدة ذكاء يوسف وحسن أدبه وتعمقه في المسائل وتحليلاته العلمية والفكرية الممتعة.

 لقد خسروا فعلا وربح يوسف بحق. إنهم رأوا آيات براءة يوسف ورأوا علامات قوته وارتباطه بربه وكيف قدر الله تعالى ليوسف أن يدخل العزيزُ بيته في أخطر لحظات امرأته وهي تعيش سكرة الشهوات وتسعى لإطفاء غليلها بالاعتداء على يوسف وإجباره بالممارسة المشينة معها.

إنهم مذنبون ويوسف هو الذي وقاه ربه مكرهم. هذا هو معنى نصر الله تعالى. سنعرف قبل أن ندخل قصر فرعون مصر مع أخينا يوسف المزيد من اهتمامات النبي العظيم عليه السلام.

وبما أن السجن خاص بالشخصيات السياسية وليس سجنا مظلما كما تصوره البعض فإن دعاء يوسف لربه لم ينتج السجن الحقيقي المتعب له. وبالعكس فإنه استحب هذا السجن ليريح نفسه الطيبة الشريفة من دعوات الفاحشة التي انطلقت باتجاهه من نسوة مصر الجميلات.

يتبع …

أحمد المُهري

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

ان كان لديكم الرغبة في الانضمام لمجموعة النقاش في المركز برجاء ارسال بريد الى :

islamjurisdev@gmail.com

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s