من هو الامام محمد الباقر؟ وكيف شق طريقه نحو الامامة؟وما هي النظرية السياسية التي تبناها؟


من هو الامام محمد الباقر؟ وكيف شق طريقه نحو الامامة؟
وما هي النظرية السياسية التي تبناها؟

 الظروف السياسية المحيطة بالباقر  

    وجد أبو جعفر محمد بن علي الباقر( 57 – 114 هـ)  نفسه في بداية القرن الثاني الهجري أمام مجموعة من القيادات الشيعية المتنافسة كالهاشميين: أتباع أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية (توفي سنة 98هـ)  والعباسيين (الراوندية) الذين ادعوا الوصية من أبي هاشم ( إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم ابنه ابراهيم الإمام أخي السفاح والمنصور) والجناحيين بقيادة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار، الذي ادعى الوصية من أبي هاشم أيضا. والحسنيين بقيادة عبد الله بن الحسن بن الحسن، بالإضافة إلى البيانية (اتباع بيان بن سمعان النهدي التميمي) والحربية (أتباع عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي) الذين كانوا يدعون الزعامة لأنفسهم ويتنافسون حول قيادة الشيعة. ولذلك وجد الباقر نفسه أمام مهمة كبيرة تتمثل بالتصدي لقيادة الشيعة، وممارسة حقه في الزعامة كواحد من الهاشميين.   استراتيجية الباقر في الصعود نحو القمة:
أ –  شعار “أهل البيت” في مقابل “العترة” 
 وبما أن العباسيين والطالبيين (آل جعفر وآل عقيل) كانوا يستندون في بناء شرعيتهم السياسية إلى دعوى كونهم من العترة النبوية؛ اعتمادا على تفسيرهم الخاص لآية :”قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى”. الشورى 23  التي كانت تشمل (حسب ذلك التفسير) جميع العوائل الهاشمية المتنافسة في ذلك الوقت.  وحديث الثقلين: “إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي”.   الذي كان يشمل كل من له علاقة نسبية بالرسول، لأن “العترة” حسب اللغة: هم أقرباء الرجل الذين يشتركون معه في “العتر” أي الذكر، وتطلق على الأبناء وأبناء العم.  لهذا كان على الباقر أن يضيق دائرة الشرعية، ويفند دعاوى العباسيين والطالبيين، ويؤسس دعوته للإمامة على أساس جديد مغاير، ويقدم حجة أقوى تسمح له بإفحام خصومه تمهيدا للتفرد بالزعامة، ودعوة الناس إليه دون غيره.   وبناء على ما يستنتج من بعض الروايات، ولكي يخرج الباقر أبناء عمه من حلبة الصراع، قام أولاً بطرح شعار “أهل البيت” في مقابل شعار “العترة” الذي كان يتشبث به العباسيون والطالبيون. وخطب في المدينة قائلا:” قد بلغ رسول الله (ص) الذي أرسل به فألزموا وصيته وما ترك فيكم من بعده من الثقلين كتاب الله وأهل بيته اللذين لا يضل من تمسك بهما ولا يهتدي من تركهما”.       وارتكز الباقر أيضاً على آية أولي الأرحام: ” النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله” .الأحزاب 6، ليحصر الإمامة في ذرية النبي. وقال:” إنها نزلت في الإمرة، فنحن أولى بالأمر وبرسول الله (ص) من المؤمنين والمهاجرين والأنصار”.   وبما أن الآية  – على هذا التفسير – كانت تشمل جميع أرحام النبي من العباسيين والطالبيين، فقد فسرها الباقر تفسيرا ثانيا بالذرية، وقال لعبد الرحيم بن روح القصير الذي سأله: هل لولد جعفر أو العباس أو سائر بطون بني عبد المطلب فيها نصيب؟ قال بصورة قاطعة:” لا،  لا،  لا”.    

  ب – دعوى النص على الإمام علي 

وحسبما يروي الكليني فقد طرح الباقر من أجل إثبات حقه في الإمامة، إضافة إلى ذلك، حجة أخرى هي: ” الوصية والنص على الإمام علي بن أبي طالب بالخلافة من رسول الله”. حيث قام  بتقديم رواية خاصة عن النبي (ص) وتأويل آية إكمال الدين بالولاية، فقال:”… نزلت الولاية في يوم الجمعة بعرفة، أنزل الله عز وجل: ” اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ” وكان كمال الدين بولاية علي ابن أبي طالب (ع) … فنزلت ” يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين” فأخذ رسول الله (ص) بيد علي فقال: أيها الناس إنه لم يكن نبي من الأنبياء ممن كان قبلي إلا وقد عمَّره الله، ثم دعاه فأجابه، فأوشك أن ادعى فأجيب وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون فما ذا أنتم قائلون؟ فقالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت، وأديت ما عليك فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين، فقال: اللهم اشهد – ثلاث مرات – ثم قال: يا معشر المسلمين هذا وليكم من بعدي فليبلغ الشاهد منكم الغائب…ثم إن رسول الله (ص) حضره الذي حضر، فدعا عليا فقال: يا علي إني أريد أن أأتمنك على ما ائتمنني الله عليه من غيبه وعلمه ومن خلقه ومن دينه الذي ارتضاه لنفسه. فلم يشرك والله فيها أحدا من الخلق”.       وربما كان الهدف من تلك الرواية إثبات الإمامة بالنص للإمام علي من أجل إخراج العباسيين والطالبيين من المنافسة حولها ومنعهم من ادعاء الحق بالإمامة باسم “العترة”. ج – حصر الإمامة في الفاطميين و إخراج سائر العلويين منها  وحسب بعض الروايات التي يذكرها الكليني، فإن الباقر حاول أن يخرج أبناء عمه العلويين واحداً واحداً من المنافسة معه، بدعوى اختصاص العلم والإمامة بأشخاص معينين من أبناء علي. واعتبار ادعاء الإمامة “دون حق” افتراء على الله، حتى وإن كان المدعي من ولد علي بن أبي طالب.  فانتقل إلى الخطوة التالية، وهي حصر الإمامة في الفاطميين ثم في الحسينيين، فقام بإخراج عمه محمد بن الحنفية (وبالتالي أبناءه زعماء الحركة الكيسانية) من وراثة الإمامة، فقال: “إن عليا لما حضره الذي حضره دعا ولده وكانوا اثنا عشر ذكرا فقال لهم: يا بني … إن هذين ابنا رسول الله (ص) الحسن والحسين، فاسمعوا لهما وأطيعوا، ووازروهما فإني قد ائتمنتهما على ما ائتمنني عليه رسول الله (ص) مما ائتمنه الله عليه من خلقه ومن غيبه ومن دينه الذي ارتضاه لنفسه. فأوجب الله لهما من علي ما أوجب لعلي من رسول الله (ص)  … ثم إن الحسن حضره الذي حضره فسلم ذلك إلى الحسين، ثم إن حسينا حضره الذي حضره فدعا ابنته الكبرى فاطمة – بنت الحسين – فدفع إليها كتابا ملفوفا ووصية ظاهرة وكان علي بن الحسين مبطونا لا يرون إلا أنه لما به، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين ثم صار والله ذلك الكتاب إلينا”.    
  ولكن الباقر كان يواجه مشكلة صعبة تتمثل في وصل حبل الإمامة الذي انقطع باعتزال أبيه علي زين العابدين عن السياسة، وتصدي عمه محمد ابن الحنفية لقيادة الشيعة، إضافة إلى عدم وجود نص واضح وصريح ومعروف من الحسين لابنه علي بالإمامة، فقد قتل الحسين في كربلاء دون أن يوصي إليه – حسبما يقول الباقر والصادق -: “لأنه كان مبطونا لا يرون إلا أنه لما به”.   والروايات المنقولة تشير إلى أن الباقر حلَّ هذه المشكلة بالقول: “إن الحسين أوصى إلى ابنته الكبرى فاطمة وسلمها كتابا ملفوفا ووصية ظاهرة. وإن فاطمة دفعت الكتاب إلى علي بن الحسين، ثم صار والله ذلك الكتاب إلينا”.    “معجزة الحجر الأسود”
   وحسبما يقول الكليني والصفار وابن بابويه فإن الباقر قام أيضا بتدعيم موقفه ضد الكيسانية برواية هذه القصة “الإعجازية” فقال: “لما قتل الحسين أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين.. فخلا به فقال له: يا ابن أخي قد علمت أن رسول الله (ص) دفع الوصية والإمامة من بعده إلى أمير المؤمنين ثم إلى الحسن، ثم إلى الحسين، وقد قتل أبوك رضي الله عنه وصلى على روحه ولم يوصِ، وأنا عمك وصنو أبيك وولادتي من علي في سني وقديمي أحق بها منك في حداثتك، فلا تنازعني في الوصية والإمامة ولا تحاجني. فقال له علي بن الحسين : يا عم اتق الله ولا تدَّعِ ما ليس لك بحق إني أعظك أن تكون من الجاهلين، إن أبي يا عم صلوات الله عليه أوصى إلي قبل أن يتوجه إلى العراق وعهد إلي في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله (ص) عندي، فلا تتعرض لهذا، فإني أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال، إن الله (عز وجل) جعل الوصية والإمامة في عقب الحسين فإذا أردت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك. قال أبو جعفر (الباقر): وكان الكلام بينهما بمكة، فانطلقا حتى أتيا الحجر الأسود، فقال علي بن الحسين لمحمد بن الحنفية: ابدأ أنت فابتهل إلى الله (عز وجل) وسله أن ينطق لك الحجر ثم سل، فابتهل محمد في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر فلم يجبه، فقال علي بن الحسين: يا عم لو كنتَ وصيا وإماما لأجابك، قال له محمد: فادع الله أنت يا ابن أخي وسله، فدعا الله علي بن الحسين بما أراد ثم قال: أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا من الوصي والإمام بعد الحسين بن علي؟ قال: فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله عز وجل بلسان عربي مبين، فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين ابن علي إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة بنت رسول الله (ص) قال: فانصرف محمد بن علي وهو يتولى علي بن الحسين عليه السلام”.   

  د – إقصاء بني الحسن
  وحسبما تقول بعض الروايات الأخرى، فقد قام الإمام محمد الباقر، بعد إقصاء أبناء محمد بن الحنفية، بخطوة أخرى هي إقصاء بني عمه الحسن الذين كانوا ينافسونه في قيادة الشيعة، وحصر الإمامة في أبناء الحسين. وبما أن آية أولي الأرحام ” النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله” كانت – حسب تفسير الباقر السابق – تشمل أبناء الحسن والحسين، فقد قام الباقر، حسب بعض الروايات، باتهام أبناء عمه بالكذب على الله بادعائهم الإمامة، وأوَّلَ هذه الآية: “ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة” بهم، ثم فسرها بقوله:” من قال إني إمام وليس بإمام.. وإن كان علويا”.   وفي رواية أخرى:”وإن كان فاطميا علويا”.   وعندما سأله عبد الرحيم القصير : هل لولد الحسن فيها (إي في الإمرة) نصيب؟ قال: “لا والله، يا عبد الرحيم ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا، وإن هذه الآية جرت في ولد الحسين من بعده”.    وقد أثار حصر الباقر للإمامة في ولد الحسين، ابنَ عمه عبد الله بن الحسن بن الحسن الذي رد عليه قائلا:” كيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون الحسن وهما سيدا شباب أهل الجنة؟ وهما في الفضل سواء؟ ألا إن للحسن على الحسين فضلا بالكبر، وكان الواجب أن تكون الإمامة إذن في الأفضل”.  مما دفع الباقر للرد عليه، فقال:”كذبوا والله، أَوَ لم يسمعوا الله تعالى يقول:” وجعلها كلمة باقية في عقبه” فهل جعلها إلا في عقب الحسين؟”.    

 هـ –  إقصاء الباقر لأخوته العشرة
وخاض الإمام الباقر معركة أخيرة في إثبات الإمامة بالوراثة لشخصه من بين اخوته العشرة.  لا سيما وأن الناس كانوا يتساءلون :”ما بالها أبطحت من ولد أبيه مَن له مثل قرابته ومن هو أكبر منه وقصرت عمن هو اصغر منه؟” فاعتمد في حصر الإمامة فيه من بين اخوته، على دعوى الوصية إليه من أبيه ووراثته لسلاح رسول الله، حيث قال: “يعرف صاحب هذا الأمر بثلث خصال لا تكون في غيره، هو أولى الناس بالذي قبله وهو وصيه وعنده سلاح رسول الله (ص) ووصيته وذلك عندي لا أنازع فيه”.  وقال إن أباه ورث سلاح رسول الله، من أبيه وجده فاختصه به عند وفاته، وكان يوجد في سفط، وعندما نازعه اخوته على السفط، قال لهم¬:” والله ما لكم فيه شيء ، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه إلي”.   
 و –  إقصاء الإمام زيد
 وبالرغم مما يقال من وجود تنسيق بين الباقر وأخيه زيد.  فان بعض الروايات تتحدث عن وجود منافسة قوية للباقر من أخيه زيد بن علي الذي رفع راية الجهاد والثورة، وقال: “ليس الإمام منا من جلس في بيته وأرخى ستره وثبط عن الجهاد ، ولكن الإمام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حريمه”.  مما أدى إلى التفاف كثير من الشيعة حوله، وخاصة في الكوفة التي أرسل أهلها إليه كتبا يدعونه فيها إلى أنفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويطلبون منه الخروج. وحسبما ينقل الكليني، فإن الباقر قام هنا بطرح موضوع “العلم” وسأل أخاه قائلاً: هذه الكتب ابتداء منهم أو جواب ما كتبت بهم إليه ودعوتهم إليه؟  فقال زيد: بل ابتداء من القوم لمعرفتهم بحقنا وبقرابتنا من رسول الله ولما يجدون في كتاب الله (عز وجل) من وجوب مودتنا وفرض طاعتنا، ولما نحن فيه من الضيق والضنك والبلاء . فقال له الباقر: إن الطاعة مفروضة من الله عز وجل، وسنة أمضاها في الأولين وكذلك يجريها في الآخرين، والطاعة لواحد منا والمودة للجميع، وأمر الله يجري لأوليائه بحكم موصول وقضاء مفصول وحكم مقضي وقدر وأجل مسمى لوقت معلوم، فلا يستخفنك الذين لا يوقنون .. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا فلا تعجل، فان الله لا يعجل لعجلة العباد ، ولا تسبقن الله فتعجزك البلية فتصرعك..  
   وسواء كانت العلامات والمحاولات والأحاديث والقصص التي نسبت إلى الإمام محمد بن علي الباقر صحيحة أم مزورة وموضوعة من قبل الغلاة، فإنها لعبت، أو لعب بعضها على الأقل، دورا في تأسيس إمامة الباقر “الدينية” للشيعة في بداية القرن الثاني الهجري،مما دفع جماهير الحركة الكيسانية – فيما يبدو –  إلى الانضواء تحت لواء الإمام الباقر وإعلان الولاء له، وهذا ما أدى إلى انتقال تلك الجماهير مع الكثير من أفكار ونظريات الكيسانية المغالية إلى شيعة الباقر، وقيامها بإسقاط نظرياتها على الإمام، مثل الألوهية والنبوة فضلاً عن “الإمامة الإلهية” (القائمة على النص والوصية والوراثة في السلالة العلوية الحسينية) وتأليف أحاديث ونسبتها إلى الإمام الباقر وابنه جعفر الصادق فيما بعد. 
مقتبس باختصار من كتاب: التشيع السياسي والتشيع الديني، لأحمد الكاتب
#تطوير_الفقه_الاسلامي 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s