القصة الحقيقية للثورة المصرية 5 – الرحلة الى الاسكندرية



القصة الحقيقة للثورة المصرية 5

الطريق إلى الإسكندرية

 مدخل : ( موضوع أن الشرطة المصرية هي التي تقوم بقتل الناس, كما تصور قناة الجزيرة الأمر, هو موضوع خيالي.  قناة الجزيرة لا تعرف اللواء أحمد رشدي, ولا اللواء حسن شاهين, ولا اللواء مصطفى العكابري.  يستحيل أن يسمح لواء واحد من هؤلاء اللواءات بقتل الناس بهذا الشكل.  هذه ناس شغلتها حماية الناس لا قتل الناس.  المسألة, بهذا الشكل, كما لو أن الأطباء في مستشفى كفر نفرة بدأوا في قتل المرضى بدلا من علاجهم.  لا يوجد طبيب يقتل الناس بالسم ولا شرطة تقتل الناس بالرصاص.)  

استيقظ الشيخ حسن في اليوم التالي في نفس الميعاد الذي يستيقظ فيه كل يوم وتوضأ ثم خرج إلى جامع الناحية.   يحرص الشيخ حسن كلما ذهب إلى القاهرة على زيارة السيدة زينب وسيدنا الحسين, ويشعر بالراحة المطلقة والاطمئنان المطلق عند الصلاة في هذه المساجد الطاهرة.   إلا أن الصلاة في مسجد الناحية شيء آخر.  هنا لا يصلي الشيخ حسن خلف عمه الشيخ أحمد العكابري وحسب, أو بجوار عمه الحاج عطية العكابري وحسب, أو أبوك الحاج طلعت العكابري وحسب, وإنما أيضًا بجوار والده رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.  هنا يعود الشيخ حسن طفلاً ويشعر بالأمان المطلق الذي كان يشعر به وهو يصلي بجانب والده رحمه الله.  

خرج الشيخ حسن من المسجد واتجه إلى الدار.  كانت هناك برودة في الجو – برودة شهر طوبة.  دخل الشيخ حسن إلى المنزل ليجد زينب قد أعدت صينية الشاي وجلست في انتظاره.  دخلت أمه وبدأ الحديث عن فرح دينا بالأمس وما فعلته أمه, وأيضا ما فعلته زينب, وكيف أن دينا كانت كالقمر في الفستان الذي خاطته الحاجة بسمة.  قامت والدته لبدء أعمال البيت, كعادتها, وقامت زينب لتساعدها, ومد الشيخ حسن يده وتناول المصحف, كعادته أيضا, وبدأ في القراءة قبل أن يعود إلى النوم مرة أخرى.

فتح الشيخ حسن عينيه ليجد زينب وقد حضَّرت صينية الإفطار وجلست أمامها في انتظاره.  وجد أمه كذلك جالسه بجوار زينب إلا أن صوتا خافتا كان يصدر عن التلفزيون.  نهضت زينب عندما رأت أن الشيخ حسن قد فتح عينيه وذهبت لتحضير طبق البيض إلا أنها لم ترفع عينيها عن التلفزيون وهي تسير خارجة من الغرفة.  نظرت الحاجة كريمة إلى حسن وقالت له: “مصر مولعة يا شيخ حسن”. 

قضت كفر نفرة بقية اليوم أمام التلفزيون.  خرجت الناحية لصلاة الجمعة ثم عادت لتجلس أمام التلفزيون.  لم تكن هذه أول مرة يشاهد فيها الناس قناة الجزيرة وإنما كانت أول مرة يشاهد فيها كل أهل نفرة قناة الجزيرة – بما في ذلك الشيخ حسن.  حضر حمدي ابن عم عبد السلام, ومصطفى ابن الحاج علام, كذلك حضر حسين ابن الحاج سليم إلا أن الحديث في هذه المرة لم يدُر حول أخبار “الشغل” أو “أخبار اسكندرية” وإنما حول ميدان التحرير, والقائد إبراهيم, وحي الأربعين, وعن عمليات القتل الدائرة في هذه الأماكن.   لم يكف حمدي, ولا مصطفى, ولا حسين عن إعطاء شريط متواصل من التعليقات على الأحداث التي يعرضها التليفزيون, إلا أن الشيخ حسن كان في دنيا أخرى.

كان السؤال الذي يدور في ذهن الشيخ حسن هو التالي: من الذي يقوم بقتل هؤلاء الشباب؟  كيف تسمح الشرطة المصرية للعناصر المندسة بقتل كل هؤلاء الشباب؟  ثم من هم هؤلاء العناصر المندسة؟  من أين جاؤوا؟  ثم حتى لو عجزت الشرطة المصرية عن إلقاء القبض على هذه العناصر المندسة فأين الجيش؟  كيف يسمح الجيش بأن تستولي العناصر المندسة على سيارات الشرطة ثم تستخدمها في قتل الناس.  موضوع أن الشرطة المصرية هي التي تقوم بقتل الناس كما تصور قناة الجزيرة الأمر هو موضوع خيالي.  قناة الجزيرة لا تعرف اللواء أحمد رشدي, ولا اللواء حسن شاهين, ولا اللواء مصطفى العكابري.  يستحيل أن يسمح لواء واحد من هؤلاء اللواءات بقتل الناس بهذا الشكل.  هذه ناس شغلتها حماية الناس لا قتل الناس.  المسألة بهذا الشكل كما لو أن الأطباء في مستشفى كفر نفرة بدأوا في قتل المرضى بدلا من علاجهم.  لا يوجد طبيب يقتل الناس بالسم ولا شرطة تقتل الناس بالرصاص.

لم يرفع الشيخ حسن عينيه عن التلفزيون إلا عندما نادى المنادي لصلاة العصر.  أدى الشيخ حسن الصلاة وعاد لمتابعة الأخبار.  حتى الحاجة كريمة لم تستطع أن تبتعد عن التلفزيون.  ولا حتى زينب في الحقيقة.  عملت الاثنتان على الانتهاء من تحضير “الزيارة” كأسرع ما يكون من أجل متابعة الأحداث في البلد.  ومرة أخرى لم يرفع الشيخ حسن عينيه عن التلفزيون إلا عندما نادى المنادي لصلاة المغرب.  أدى الشيخ حسن الصلاة وخرج من المسجد إلا أن سيارة الحاج محمود كانت, كالعادة, تقف في الساحة أمام دار أبوك الحاج إبراهيم العكابري.  كان السؤال الذي دار في ذهن حسن عندما رأى سيارة الحاج محمود هو ما إذا كان من الحكمة أن تسافر زينب إلى الإسكندرية في هذه الأجواء أم لا.  كان السؤال أيضا ما إذا كان من “الحكمة” السؤال عن قضاء الله.  قدَّر الله وما شاء فعل. 

أصرت الحاجة كريمة, كما تصر في كل مرة, على أن يتناول الشيخ حسن “لقمة صغيرة” قبل أن يركب السيارة عائدًا إلى الاسكندرية.  جلس الشيخ حسن وفعل ما طلبته الحاجة كريمة.  سأل زينب بصوت خفيض عما إذا كان من الأفضل أن تبقى هذه المرة في البلد حتى تستقر الأوضاع.  نظرت إليه زينب نظرة عتاب كانت كافية تماما لإغلاق باب هذا الموضوع نهائيا.  تناول الشيخ حسن طعامه, وقبل يد أمه, ودخل السيارة, وأفسح مكانا بجواره لزينب, وانطلقت السيارة في طريقها إلى الإسكندرية, وانطلقت الحاجة كريمة في البكاء.  كيف يستطيع الشيخ حسن السفر إلى الإسكندرية والإسكندرية تحترق؟  كيف يستطيع السفر وأبواب السجون قد فتحت وقطاع الطرق يملأون الطرق؟  وكيف تخرج زينب معه في هذه الظروف؟  وماذا تقول أمها الحاجة صفية عندما تعلم أن ابنتها قد سافرت إلى مدينة يحرقها البلطجية؟ وعشرات الأسئلة الأخرى التي لم تستطع أن توجهها إلى الشيخ حسن.  كان وجه الشيخ حسن ينطق بإجاباته بدون الحاجة إلى أن ينطق بها لسانه.  قدَّر الله وما شاء فعل.

كان الطريق إلى الإسكندرية غير الطريق الذي يعرفه الشيخ حسن إلى الإسكندرية.  كانت سيارة الحاج محمود أغلب الوقت هي السيارة الوحيدة على الطريق.  حقيقة الأمر, بدا الطريق وكأنه طريق مهجور.  لا سيارات شحن, ولا سيارات ركاب, ولا سيارات ملاكي, ولا حتى بشر تعبر الطريق.  لا شيء.  مجرد طريق مهجور.  أدار الحاج محمود مؤشر الراديو بعيدًا عن محطة القرآن الكريم التي لم يغادرها من يوم أن اشترى السيارة وبدأ البحث عن محطات أخرى لمعرفة ما يجري.  كان القتل ما زال مستمرًا في ميدان التحرير كما كانت هناك أخبار عن سقوط الشرطة, ونزول الجيش إلى الشارع, وفتح أبواب السجون أمام المجرمين والقتلة.  وخيم الصمت تماما.  لم يفتح الحاج محمود فمه بكلمه.  كان الصوت الوحيد في السيارة هو صوت الراديو وإن كان يقطعه أحيانا صوت الشيخ حسن وهو يردد “الله غالب” تعليقًا على خبر من ميدان التحرير أو من ميدان القائد إبراهيم.    وفي وسط هذا الهدوء انطلق هاتف الشيخ حسن في الرنين.  كان المتحدث سيادة المهندس خيري الذي طلب من الشيخ حسن التوجه إلى الجمعية حيث سيكون في انتظاره هناك.  لم يحدث أن اتصل المهندس خيري بالشيخ حسن خارج الجمعية أبدا.

 كانت الإسكندرية التي وصل إليها الشيخ حسن مساء الجمعة 28 يناير غير الإسكندرية التي تركها مساء الأربعاء 26 يناير.  لم تكن هناك سيارة واحدة في شارع واحد من شوارع الإسكندرية.   لم يكن هناك شرطي واحد.  ولا نقطة تفتيش واحدة, وإنما كانت هناك عشرات النقاط من التفتيش يقف عليها رجال, وشباب, وأطفال.  امتدت الحواجز تمنع مرور السيارات,  وامتدت أيدي الرجال, والشباب, والأطفال لتمسك بالرخص والبطاقات الشخصية للتأكد من أن السائق والركاب ليسوا لصوصًا ولا بلطجية.  كانت هناك أيضًا في الجو رائحة حريق, ومن آن لآخر كان يمكنك أن ترى – ولو من بعيد – النيران مشتعلة في مباني المدينة.  لم تكن السيارة تترك نقطة تفتيش إلا لتدخل نقطة تفتيش أخرى, وامتد الوقت بامتداد شوارع الإسكندرية.  وتوقف الشيخ حسن تماما عن النظر إلى ساعة السيارة. 

وصل الشيخ حسن إلى منزله في بولكلى وطلب من الحاج محمود أن ينتظره, ثم صعد مع زينب إلى الشقة وأخبرها أن سيادة المهندس خيري قد طلب منه الذهاب إلى الجمعية وأنه سيذهب لمعرفة ما هو مطلوب وسيعود على الفور.  دخل الشيخ حسن إلى الجمعية ليفاجأ بعشرات الشباب والرجال – إن لم يكن المئات – يملأون كل شبر في المدخل.  كان الأمر يبدو وكأن القيامة قد قامت.  مئات الرجال الذين لم يرهم في الجمعية من قبل.  الذين لم يرهم, في الحقيقة, في حياته من قبل.  صعد الشيخ حسن إلى مكتب المهندس خيري ليتكرر نفس المنظر.  عشرات الرجال والشباب, والكل يتحدث بصوت خفيض للغاية إلا أن التوتر كان واضحًا تماما.

قام المهندس خيري من على مكتبه وسلم على الشيخ حسن وسار معه بهدوء إلى غرفة داخليه, وأغلق الباب وراءهما.  نظر المهندس خيري إلى الشيخ حسن وابتسامة هادئة تعلو وجهه وأخبره أن لديه رسالة يريد أن يرسلها إلى القاهرة ولا يريد أن يغامر بإرسالها عبر الهاتف أو الإنترنت كما لا يعرف أحدًا يمكنه أن يثق به لتوصيلها إلى القاهرة سوى الشيخ حسن, وعليه فهو يسأله إن كان يمكنه الذهاب إلى القاهرة “الآن” لإيصال هذه الرسالة.  جاء رد الشيخ مختصرًا غاية الاختصار: “إن شاء الله”.   سحب المهندس خيري أحد الإدراج في المكتب الذي يقف بجواره وأخرج منه ظرفا ناوله للشيخ حسن.  طلب المهندس خيري من الشيخ حسن أن يستخدم سيارة الحاج محمود وبين أنه سيرسل معهم شابًا ليدلهم على العنوان.   جاء الرد بأنه “قدَّر الله وما شاء فعل”.

خرج الشيخ حسن من مكتب المهندس خيري وركب سيارة الحاج محمود وطلب منه العودة إلى البيت.  دخل حسن البيت ليجد زينب ما زالت بنفس اللبس الذي جاءت به من كفر نفرة.  أخبرها بأنه مضطر إلى السفر إلى القاهرة الآن لأمر يتعلق بالعمل إلا أنهم سيذهبون إلى البلد أولاً حيث إنه لا يستطيع أن يأخذها معه إلى القاهرة, كما أنه لا يستطيع أن يتركها لوحدها في الاسكندرية.   طلبت زينب بعض دقائق لإخراج الزيارة من الثلاجة وإعادتها إلى الأقفاص التي جاءت فيها.  لا أحد يدري متى سيعود الشيخ حسن من هذه المهمة.  حملت زينب حقيبة ملابسها, وحمل الشيخ حسن أقفاص الزيارة, واتجها إلى سيارة الحاج محمود في الطريق إلى القاهرة –  مرورًا بكفر نفرة.

كمال شاهين

#تطوير_الفقه_الاسلامي 

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s