النفس المطمئنة والقلب المطمئن


 

تصحيح أخطائنا التراثية

النفس المطمئنة والقلب المطمئن 

بسم الله الرحمن الرحيم

تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

HEART.jpg

لنتعرف على معنى الطمأنينة. وأنقل عن الراغب تفسيره البسيط للكلمة: الطمأنينة والاطمئنان: السكون بعد الانزعاج.  انتهى النقل.

فالطمأنينة لا تعني السكون المطلق وإلا كانت كل الجمادات مطمئنة. وأما القرية المطمئنة فهي باعتبار أن القرية لا تعني المكان لوحده بل تعني المكان باعتبار ساكنيه القادرين على استضافة الغير.

لن تتحقق الطمأنينة إلا إذا كانت هناك سبق اضطراب وعدم اطمئنان. وأكثر استعمالات العرب للكلمة هي للقلب والنفس. وهكذا القرآن الذي يكلمنا عن اطمئنان النفس كما يحدثنا عن اطمئنان القلب. وهذا يعني كما نفهم من تحقيقات المرحوم الراغب بأن القلب والنفس قد تعرضتا لنوع من الاضطراب ثم ظهر سبب آخر قام برفع الاضطراب وأحل الاستقرار مكانه. هكذا يتحقق الاطمئنان القلبي أو النفسي. وحتى نعرف الفرق بين الاطمئنانين فيجب أن نعطي تعريفا للنفس وتعريفا آخر للقلب. ولا أظن بأن أحدا يمكن أن يحتمل بأن الاطمئنان القلبي المذكور في القرآن يناسب القلب الذي يوزع الدم في البدن.

النفس تعبير عربي لبيان حقيقة الكائن الحي ولا سيما الإنسان الذي تتحكم نفسه في بدنه وتسيطر على كل أعضائه بحسب الظاهر. لكن العرب الذين وضعوا الاسم العربي لم يكونوا ليعرفوا حقيقة النفس الإنسانية كما أن الكتابين السماويين السابقين التوراة والإنجيل لم يسعفا البشرية بتعريف دقيق للنفس. والسبب كما أظن هو عدم استعداد البشرية لفهم أوسع لكائن غير مادي وغير قابل للمس والرؤية البصرية. وحتى يومنا هذا فإن النفس غامضة على العلماء الذين سعوا جاهدين للتعرف على النفس وتوفق الكثيرون لإيجاد أنواع مختلفة من العلاج للأمراض النفسية. لكننا لم نسمع من أي منهم تعريفا دقيقا للنفس. وما أكتبه كتعريف احتمالي للنفس قد لا يكون دقيقا بل قد يكون خاطئا أيضا. لكن هذا ما توصلت إليه وأكتبه باختصار يناسب البحث المخصص للطمأنينة.

النفس عبارة عن كرة طاقوية محاطة بكرة أخرى وهي محاطة بكرة ثالثة طاقوية أيضا. الكائن المتوسط في مركز النفس يسمى القلب أو القلب النفسي ووظيفته القيام بالمعالجات والتحليلات العلمية لإيجاد حلول للمشاكل التي تواجه الإنسان وكذلك الوصول إلى تعريفات دقيقة لكل الموجودات سعيا لفهم العلاقات بين مختلف الأشياء سواء الطاقوية أو المادية أو العلاقة بين الله تعالى وخلقه. والقلب يسعى بعد فهم الحقائق والعلاقات أن يقترح حلولا للمشاكل أو المسائل وكشفا للعقد العلمية ليساعدنا على حياة أفضل وفهم أصح لما نسعى لفهمه.

وأما الفؤاد المحيط بالقلب فهو كرة طاقوية شديدة الحساسية ووظيفتها الارتباط بالصدر وبما هو خارج عن النفس. إنه يأتي بالمعلومات من الخزانة النفسية التي تسمى بالصدر المحيط به ومن خارج النفس وينقلها إلى القلب ليساعد القلب على معالجة المسائل التي تطلبها النفس. والنفس طبعا هي أنا وأنت وكل إنسان بل كل جني وكل ملك وكل كائن مدرك غير الله تعالى نفسه. وللحيوانات مركزية تحكم أبدانهن وقد تكون مشابهة لنفوسنا ولكننا لا نعلم عنها شيئا.

وأما الصدر فهو الدائرة الكبيرة التي تحيط بالفؤاد وبالقلب وهو خزانة المعلومات النفسية. هذه التركيبة هي التي لا تموت موتا كاملا حتى حينما تنفصل عن البدن فنَسِمه بالموت. موت النفس جزئي بمعنى فقدانها لإمكانات الرؤية والسمع واللمس والشم والتذوق وغير ذلك من إمكانات الحركة والتحريك للبدن وغير البدن. هي التي تبقى إلى الأبد إلا إذا شاء الله تعالى أن يفنيها. فأبَدِيّتها أبدية فعلية وليست أبدية حقيقية مثل أبدية الله تعالى الذي لا يمكن أن يموت جل جلاله. إن كل معلوماتنا مخزونة في صدورنا النفسية التي تبقى ولذلك يمكن لله تعالى أن يسألنا يوم القيامة عما فعلناه لأننا لم نفقد صدورنا التي هي جزء من نفوسنا. هذا مختصر ما أظنه حول النفس والعلم عند الله تعالى.

وعلينا الإقرار بأننا سنبقى كما خلقنا أول مرة إلى الأبد من حيث ماهياتنا النفسية لا من حيث المكتسبات التي تتغير بتغير أفكارنا ونوايانا وأفعالنا. قال تعالى في سورة الأنعام: وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98). فالنفس مستقرة في الحياة الدنيا وفي هذه الأرض بالذات ولكنها تُستودع في مكان لا نعرفها في الفضاء طبعا إلى يوم القيامة حيث تتنشط من جديد لتلبس لباسا جديدا يتناسب معها آنذاك. قال تعالى في سورة الأعراف: قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24). فنحن نستقر في هذه الحياة لوقت حسب مشيئة الرحمن عز وجل. وقال سبحانه في سورة القلم: لَوْلا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ (49). فيونس عليه السلام كان يمكن أن يبقى ميتا في بطن الحوت فيُرمى بنفسه في العراء والعراء تنطبق على الفضاء برأيي القاصر ولكن الله اجتباه مرة أخرى فلم ينبذه بالعراء بمعنى أنه لم يدخل عالم البرزخ بل بقي في الأرض فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين ليبني له جسما جديدا ليعوضه عن الجسم الذي ابتلعه الحوت فمات دنيويا. وهكذا تحولت خلية اليقطين النباتية إلى خلية إنسانية لتنمية بدن يونس الجديد بلا أب ولا أم. وهكذا سوف نخرج من الأرض الجديدة بأجسام نباتية بلا آباء ولا أمهات، للوقوف أمام ربنا يوم يقوم الناس لرب العالمين كما نعرفه من كتاب الله تعالى. قال تعالى في سورة الروم: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19).

وأما الاطمئنان في القرآن فهي تعني فعلا وجود اضطرابات مختلفة في مكان ما ثم حلول الاستقرار ضد كل الاضطرابات بحيث يشعر صاحب المكان بالأمان الكامل سواء كانت الاضطرابات فعلية موجودة أو كانت موجودة بالقوة فقط. فالخوف من أي أمر يخالف الراحة النفسية يعني عدم تحقق الطمأنينة في النفس. وبما أننا نتحدث عن الإنسان فإن حاجات الإنسان للأكل والشرب واتخاذ الشريك والسكن والملابس والحماية من التقلبات الجوية والهزات الأرضية وكذلك الحماية من الأعادي والطامعين وبقية الحاجات الفعلية والاحتمالية؛ كلها تسبب الاضطراب في قلب كل إنسان عاقل مدرك يفكر في المستقبل. فكل العقلاء يحتاجون إلى الشعور بالقدرة على مكافحة كل ما يسبب لهم المرض والجوع والعطش والجهل والموت وغير ذلك. ولولا ذلك فإنهم لن يكونوا مطمئنين.

نظرة فاحصة إلى الآية التالية من سورة النحل تساعدنا على التعمق في معنى الطمأنينة في القرآن الكريم: وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112). القرية في اللغة العربية القديمة تعني المكان باعتبار ساكنيها. وكانت تستعمل لبيان أماكن استقرار الامبراطور وأرباب السلطة وأصحاب الثروات. لكننا اليوم قد نستعمل القرية لبيان أماكن التجمعات الصغيرة حتى الفقيرة منها.

قال تعالى في سورة يونس: فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98). فقوم يونس هم القرية ولكنهم قرية باعتبار مسكنهم والعذابُ المصروف عنهم عذاب جمعي شامل يعم قريتهم فكانوا يُعذبون باعتبار دمار مسكنهم كما أظن. ولكن الله تعالى أكرمهم بصورة خاصة فرفع عنهم عذاب القرية كما أعاد يونس إلى الحياة، لأسباب نناقشها في غير هذه المقالة بإذن الرحمن. فالقرية آمنت لأن القرية تدل على المكان ومن سكن المكان معا. فالقرية بنفسها كانت تعني الاستقرار والأمان والقدرة على استضافة الغير والسيطرة والسلطة. لكن الله تعالى في آية النحل يريد بيان جانب من جوانب القرية وهو الأمان والاطمئنان وكيف فرط أهل القرية بتين النعمتين العظيمتين.

فالأمان تعني الأمان من كل المنغصات مثل الحرب والنهب والفقر والجوع والحرمان بمختلف أنواعها. كل تلك النقائص تؤثر في أمان الناس وأمنهم. ولكن الطمأنينة تتجاوز الأمان بحيث يشعر المرء بأنه في أمان دائم مستقر يخوله ليفكر في العلم والصناعة والإنجاب والتمتع والزينة وبناء الجامعات والمدارس وغيرها. وبما أن الأرض ليست قادرة على إنتاج كل شيء من المزروعات والملبوسات والمركوبات والوقود ومواد البناء بل كل قطعة أرضية تمد أهلها ببعض ما يمتعهم والطقس والزمان تؤثران في تحديد المزروعات. فكل المدن والقرى الأرضية محتاجة للاستيراد ويمكنها ذلك بالقيام بالتصدير لتجلب بثمنها ما ينقصها من الضروريات والمرفهات. فلو توفر ذلك لأهل القرية شعروا بالطمأنينة.

أما بعد هذا فما معنى النفس المطمئنة وما معنى القلب المطمئن قرآنيا؟

نبدأ بالقلب المطمئن:

القلب هو مركز النفس المدركة وهو كما قلت مكان للمعالجات العقلية والعلمية. كل العمليات المعقدة العلمية تتم داخل القلب النفسي باعتبار أن القلب هو مركز النفس والنفس هي المالكة والمسيطرة على البدن وعلى كل متعلقات البدن الشخصي في الخارج. هناك تعبير لدى بعض الغربيين وهو القلب الباطن أو العقل الباطن. هو عينا القلب النفسي. نحن لو لا ملاحظتنا للهيمنة الإلهية على كل المتغيرات؛ فإننا سنشعر عند كمال القوة بأننا لجأنا إلى مجموعة قدرات إدارية غير قليلة لتكوين الدولة وتعيين الرئيس أو الامبراطور لتركيز القدرة في شخص يدبر أمور الأمة برمتها. هكذا نشعر بالأمان وحينما يزداد ويتقوى ذلك الشعور فإننا نبدأ بالإنتاج. بمعنى أن الحاجة لوحدها ليست كافية للإبداع والاختراع. بل إن الشعور بالأمان والاطمئنان ضروري ليتمكن كل فرد أو مجموعة من الناس من التفكر في جانب من جوانب الحياة العامة فيبدعون الحلول لمشاكلها ويستحدثون التحسينات ليشعر أهلهم بالراحة النفسية تحت ظلالها.

ونرى بأن البشرية منذ أن توصلت في تفكيرها إلى ضرورة السعي وراء الأمان فإنها شعرت بالحاجة إلى الرئيس والمدير ولم يكتف بذلك بل شعرت بضرورة تعيين ولي للعهد أو نائب للرئيس حتى تضمن دوام السيطرة الأمنية والسيطرة المالية والقضائية والسياسية وبجانبها السيطرة العلمية والتطورية والدفاعية على الإمبراطورية التي يبتغي كل فرد الأمان تحت لوائها. كل ذلك لأن العقلاء يشعرون بالحاجة الملحة للشعور بالأمان حتى يتمكنوا من الإبداع وتحسين المعيشة والظهور المتفوق على الأقران وعلى بقية القوميات والشعوب.

لكن المشكلة الكبرى في التفكير البشري هو أن الناس غالبا ما يفكرون فيما يرونه أمام عيونهم أو يلمسونه ببقية حواسهم البدنية وقلما يشعرون بهيمنة الله تعالى على كل شيء. تلك الهيمنة الشاملة التي تضع كل المتغيرات (variables) بلا استثناء تحت سلطته التامة والقوية القادرة على عمل كل شيء.

والذين يؤمنون بالله تعالى وهم غالبية الناس فهم في الغالب لا يعرفون الله تعالى إلا قليلا بل أقل من القليل. ولذلك فلا يمكنهم الاكتفاء بالله تعالى والله ليس حسبهم كما يظنون. فمثلا يجهلون بأن كل القوانين التي إذا عملنا بها كسبنا واكتسبنا، كلها تمثل قوانين الله تعالى. سواء في ذلك القوانين الطبيعية التي يعلمها الله تعالى وهي ليست موضوعة أو القوانين التي وضعها الله تعالى لإدارة خلقه أو لهداية خلقه. لنتصور الشخص الذي يظن بأن أعمال السلف حجة علينا فهل يعرف هذا الشخص معنى هذه العقيدة الساذجة؟ إنه يؤله السلف دون أن يشعر. ويلحق بهم كلُّ من يظن بأن حكم المفتي أو مرجع التقليد هو عينا حكم الله تعالى والعياذ بالله. هؤلاء لا يميزون بين محدودية المفتي والمرجع وبين سعة الله تعالى وشموليته التي تعم أصغر الجزيئات المادية والطاقوية كما تعم كل المعلومات دون استثناء. هؤلاء وهم غالبية البشر لن يتمكنوا من إعداد الطمأنينة الكاملة لأنفسهم ولأهليهم ولأمتهم. إنهم يعيشون في شك قاتل طول عمرهم. والإنسان الذي يعيش في الشك فهو لو لم يتق الله تعالى فقد يقوم بالسرقة والقتل وفرض السلطة والخداع والتضليل وكل أنواع المكر ليضمن نوعا من الأمان لنفسه وأسرته من بعده.

نحن في الواقع نحتاج إلى أن نتعرف على قوانين الطبيعة ونحتاج إلى العمل بها وتكييف زوايا حياتنا على أساسها إضافة إلى التوكل على الله تعالى. سواء في ذلك لمعرفة القوانين أو لتطبيق القوانين على أفعالنا وتدبيراتنا ومناهجنا أو لضمان تلافي الأخطاء والسهوات وكذلك بعض التجاوزات غير المقصودة أو غير المتعمدة. وباختصار فإننا نحتاج إلى العلم بالطبيعة وإلى المزيد من العلم بالله تعالى وإلى التوكل على الله في كسب العلم وفي تطبيق العلم وفي فض النزاعات وفي ضمان الأمان مما لا نراه ولا يمكننا التنبؤ بها قبل أن تفاجئنا. فنحتاج في الحقيقة إلى القلوب المطمئنة لنقلل من أخطائنا العلمية ولنضمن مساعدة الرحمن في تجاوز النتائج الخاطئة وسوء التدبير وضعضعة المناهج التطبيقية والتنفيذية.

والقلب المطمئن هو الذي يُطمئن النفسَ بالكامل. وطمأنة النفس تعني استقرار النفس وإزالة كل أسباب الاضطراب النفسي عنها سواء ما ترتبط بالخوف مما نراه ونلمسه أو نتوقعه في الدنيا أو الخوف من حقيقة الحساب في الآخرة والسعي لإبعاد نفوسنا عن العذاب الأبدي الذي يناسب النفوس المريضة التي لم يسع أصحابها لتطبيبها وإبعادها عن الأمراض والعاهات النفسية الخطيرة. وأما كيفية ذلك فهو بالإيمان وليس بالعلم. على أن للعلم دورا كبيرا في طمأنة النفس. قال تعالى في سورة النحل: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106).

فهناك قلب مطمئن بالعلم كما نعلم ونسمع ونرى ولكن هناك قلب مطمئن بالإيمان أيضا. الطمأنينة الجزئية هي أن يتقبل القلبُ النفسي بعد إجراء المعالجات حقيقةً علمية. فمن قام بعملية حسابية معقدة ثم توصل إلى نتيجة مقنعة لنفسه فهو يحمل قلبا مطمئنا بصحة تلك الجزئية العلمية. والطمأنينة القلبية بمسائل لا يمكن محاسبتها وإجراء التجارب عليها مثل قبول وجود الله تعالى أو القناعة بعدالته سبحانه وبيوم الدين لا يمكن أن تتم بدون الإيمان القلبي. ولذلك فمرجع الإيمان القلبي هو الله تعالى نفسه في كل ما تتعلق بما وراء الطبيعة. وبما أن الله تعالى عادل يعامل الناس بقدر ما يستحقون فلا يمكن أن نتصور قلبا بشريا لا يعتقد بالله تعالى وبعدالته وبيوم الدين. فلا يمكن أن نتصور أن يولد أحد ملحدا بل يولدُ مؤمنا ولكن الإلحاد يطرأ عليه باختياره بعد أن يحارب ما أودعه الله تعالى في قلبه بصورة طبيعية عامة.

لازلنا نسعى لفهم الأمر قرآنيا إيمانيا فالمقالة هذه لا تفيد الملحدين بل قد لا تفيد الرافضين للقرآن من المؤمنين بالله تعالى. ولا ننس الإشارة إلى المقطع الأخير من آية النحل أعلاه حيث قال سبحانه: .. وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله... الصدر هو الجزء الأكبر من النفس وهو الذي ينطوي على المعلومات سواء المعلومات الخبرية أو المعلومات التي توصل إليها صاحب ذلك النفس بواسطة التحليلات القلبية. وأما شرح الصدر أو ضيقه فهو باعتبار أن الإنسان حينما يودع المعلومات في صدره فإنه يجعل على كل معلومة علامة مخصصة له ليعود إليه مستقبلا. فهو يودع معلومات مشكوكة فيها ويضع عليها إشارة الشك كما يودع معلومات يظن بأنها صحيحة ومفيدة ويعلمها بأنها صحيحة أو بأنها علم لو كانت متعلقة بالكليات.

وبجانب ذلك فإنه يودع المكر والكفر والخبث كلها في الصدر. يضع لنفسه برنامجا بأن يعاند شخصا أو عقيدة أو متجرا أو غيرها. إنه يعرف الحقيقة أحيانا ولكنه ينوي إنكارها لأنها تتعارض مع مصالحه فيودع في صدره النفسي علامة بأنه بنى فكره الظاهر أمام الناس على أساس إنكار تلك الحقيقة. هذا هو الكفر الذي يغطي به الشخص الوصولي حقيقة من حقائق الوجود. ولكن ليس كل شخص على استعداد لإنكار كل الحقائق التي تخالف أهواءه لأنه لم يشرح بالكفر صدرا. وحينما يستقر رأيه على إنكار كل شيء يتعارض مع مصالحه دون الاهتمام بتبعاته فهناك يشرح بالكفر صدره. ومعناه بأنه يتوسع في إنكار الحقائق التي يعلم بأنها حقائق كما يتوسع في محاربة الوجدان والضمير فيدخل في صف المجرمين والعياذ بالله.

ولعل من الضروري أن نعلم حالة أخرى من انشراح الصدر أيضا. قال تعالى في سورة طه على لسان موسى: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28). وقال سبحانه على لسان نفس النبي الأمين عليه السلام وفي نفس الحكاية في سورة الشعراء: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13). الشرح في آية طه رجاءٌ من الله تعالى ليشرح صدر موسى فيتسنى له سرعة الوصول إلى المعلومات أمام فرعون حتى لا ينكسف (حسب تعبيرنا) وحتى ينطلق لسانه بسرعة ودقة فيواجه فرعون مواجهة متفوقة. وعكس ذلك ما ذكره موسى من خوف مذكور في سورة الشعراء بأن يضيق صدره على المعلومات فيصعب عليه الوصول إليها بسرعة ولا يتسنى له التفوق على فرعون القوي منطقيا.

وقال سبحانه في سورة آل عمران: بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126). هذه الطمأنينة ليست نفسية كاملة بل قلبية فقط. ذلك لأن كل إنسان يفكر بقلبه النفسي ويحتاج إلى أن يستيقن بعد الحسابات بأنه قد وفّى كل شيء حسابه وبكل دقة ودون تفريط فيطمئن قلبيا بأنه ليس مغامرا حينما يدخل المعركة مع عدوه. ولكن الذين أمرهم الله تعالى بدخول معركة بدر مع عدوهم فإنهم بحساباتهم لم يصلوا حد الاطمئنان بل وصلوا بعكس ذلك. بمعنى أنهم رأوا تفوق العدو عليهم فكانت قلوبهم النفسية تمنعهم من خوض المعركة لأنها كانت خاسرة بكل المعايير البشرية. بالطبع أننا نحتاج إلى مزيد من الفهم العلمي لنعرف معنى الأعداد الملائكية المذكورة في القرآن الكريم وكلها تتحدث عن معركة بدر الكبرى. تلك المعركة الوحيدة برأيي التي يمكن أن نسميها غزوة وأما بقية المعارك فهي كلها حروب دفاعية تقريبا فيما عدا المواجهات التي لم تصل حد رفع السيف في وجه بعضهم البعض.

هناك ثلاثة آلاف من الملائكة المنزلين وخمسة آلاف من الملائكة المسومين وألف من الملائكة المردفين وهم الذين يتحدث عنهم القرآن في معركة بدر الكبرى التي لم يتمكن المسلمون من تقبلها قلبيا بدون تلك البشائر السماوية. المسألة قد تكون معقدة بعض الشيء ولذلك فسوف أشرح الأعداد في مقالة أخرى بإذن الرحمن ولكن تلاميذ القرآن يعرفون ذلك ولعل بعضهم يقوم بشرحها. فالملائكة في الحقيقة جاءت لتقوم ببعض الأعمال غير العسكرية لتحل محل الحسابات التي قام بها الصحابة الكرام بقلوبهم النفسية ولم يجدوا لها حلا. ما كانت قلوبهم لتستقر قبل أن يسمعوا من ربهم عن الملائكة الذين لم يكونوا ليروهم إطلاقا. هذا هو أجلى أنواع الاستقرار القلبي بظني القاصر أو بقدر سعيي لفهم القرآن.

وأما ما نقرأه من حكاية موسى عليه السلام ليلة التكليم وما قام به فهي لا تمثل الطمأنينة القلبية بل تعكس حقيقة أخرى وهي خروج موسى من عباءة الاستقرار وقيامه بأخطاء كبيرة في تصرفاته كتركه لأهله في وسط الجبال وهرعه باتجاه النار التي رآها دون أن يراها أهله كما أحتمل. ولو نقرأ الآيات الكريمة بدقة فسنشعر بأن موسى قام بأخطاء كبيرة مما تعني بأنه لم يكن ليفكر أبدا في تلك اللحظات المهيبة بل كان مندفعا يقوم بما يقوم به لا شعوريا إثر تعرضه لتلك الإشعاعات المهيبة والخطيرة في تلك الليلة العظمى. ولولا ذلك لما ترك أهله في ظلام الليل وفي وسط الجبال الوعرة ولما حمل معه عصاه بعد أن سمع ربه يُعلمه بأن يخلع نعليه لأنه أمام القدوس العظيم. فهل يدخل أحد قاعة الملك العلي وهو يحمل عصاه الذي يستعملها لرعي الأغنام وللدفاع عن النفس؟ !!

هكذا تعيش الملائكة المكرمون وهكذا عاش موسى ساعات من عمره مرتين وهكذا عاش رسولنا ساعات أخرى مثل أخيه موسى لأغراض أخرى. كان ضروريا لهما أن يريا تلك الآيات المهيبة ليطمئن بها قلباهما بعدها فيبلغا رسالتي ربهما دون أن يسعيا لفهم كل الأوامر. ألا ترون أننا في كل يوم نكتشف من القرآن الكريم حقيقة جديدة بمساعدة التطور العلمي، حقيقةً لم يكن ليعلم بها رسولنا الأمين عليه السلام قبل خمسة عشر قرنا؟ إنه عليه السلام كان يعيش حالات ملائكية حين استلامه للوحي فكان ضروريا أن يرى ما رآه موسى من التجليات الربوبية المشروحة في سورة النجم.

ولنعم ما قال رسولنا نفسه وبعض صحابته كما وضحه ربنا في سورة آل عمران: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (7). إنه عليه السلام كان على رأس الراسخين في العلم. ونلاحظ بأن الله تعالى لم يتحدث في الآية عن الاطمئنان النفسي الكامل بل تحدث عن الطمأنينة القلبية الخاصة بالعلم فقال سبحانه بعدها على لسان النبي ومن معه من أهل العلم: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8). هكذا شعروا بأن قلوبهم في خطر الاضطراب لو أرادوا أن يفهموا كل شيء عن آيات الله تعالى. وهكذا نحن اليوم يجب أن نسعى ونعرف بأننا نصل إلى بعض المفاهيم القرآنية بقدر التطور العلمي والتطور الفكري لنا ولا يمكن لإنسان أن يفهم القرآن بالكامل قبل أن يوضح الله تعالى نفسه لنا يوم القيامة. هو وحده الذي يعلم تأويل القرآن الكريم، سبحانه وتعالى.

وأما ما نراه في الآيات التالية من سورة الرعد: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29). فهي اطمئنان علمي معرفي يحصل عليه المرء إذا سمع كلام الله تعالى وفكر فيه وعرفه فهو يسمع كلاما يؤمن به فيجتمع في قلبه النفسي معرفة بالله تعالى وصَلَته عن طريق التفكير في القرآن بعد الإيمان بالقرآن. إنه مزيج من الطمأنينة العلمية والإيمانية. هذا الشخص يتعلم ويتعرف على الصالحات من كتاب الله تعالى الذي يؤمن به ويعمل الصالحات على أساس معرفته وإيمانه فهو الذي يستحق الحياة الفردوسية الطيبة ويستحق الرجوع الحسن إلى ربه.

عرفنا إلى حد ما بأن الاطمئنان القلبي مرتبط بالعلم والمعرفة وبراحة الإنسان حينما يكتشف حقيقة علمية سواء عن طريق البحث العلمي أو التعلم من الغير أو بواسطة الإيمان بالغيبيات اعتمادا على سيد الكائنات جل جلاله. فمن واجبنا أن نستيقن بأن ما توصلنا إليه إيمانيا هو ما جاءنا مباشرة من ربنا وليس ما نقله لنا الناس كائنا من كانوا. وعلينا بأن نرفض كل من يدعي أمرا غيبيا أو ينسب كلاما أو أمرا أو نهيا إلى الله تعالى دون أن نراه في القرآن الكريم. نحن المسلمون نؤمن بالقرآن ونحن على ثقة بأن القرآن كله كلام محفوظ من الله تعالى مباشرة وكلما دون ذلك فهو كلام البشر ولا علاقة له بالله تعالى. فعلى المسلم أن يرفض كل الحقائق الغيبية التي لم يجدها في القرآن الكريم. إنها ليست حقائق بل تخرصات وأوهام دون ريب.

حذار أخي المسلم من أن تتحدث عما بعد الموت وعن أسماء أبواب الجنة وعن الأشخاص المبشرين بالجنة بالاسم وعن التشريعات والأوامر الجهادية وأي موضوع سماوي غيبي دون أن ترى آية واضحة صريحة قرآنية تؤكد ذلك. وارفض الإشارات والاستناد إلى الآيات التي تتحدث عن القتال أيام الرسل أو عن زوجات الرسول أو عن حياة الرسول الشخصية التي لم يصرح بها الله تعالى. كل من يشير إلى آية تأمر أمرا خاصا بالرسول ليطبقه على نفسه فيأمر المؤمنين وكأنه رسول الله فهو كذاب أو أحمق وعلينا رفض كليهما.

النفس المطمئنة:

وأما النفس المطمئنة فهي على شأنين مختلفين. اطمئنان خيالي مبتن على الاحتمالات أو الظنون واطمئنان حقيقي مبني على أساس وعد الله تعالى. مثال الأول قوله تعالى في سورة النساء: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (103). هذه هي الطمأنينة الدنيوية التي نظنها ولا علاقة لهذه الطمأنينة بوعد الرحمن عز اسمه. فالإنسان حينما يطمئن بأن الخطر قد زال فهو يصلي الصلاة العادية وإلا فيصلي كما يقوى عليه دون خوف. هذه الطمأنينة خيالية أو ظنية وقد تكون في غير محلها.

ومن هذا النوع اطمئنان غير المؤمنين. قال تعالى في سورة يونس: إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7). هذه الأنواع من الطمأنينة نفسية كاملة لا تحتاج إلى علم ولا تحتاج أن تمر بطمأنينة القلب علميا أو إيمانيا. ولا ضير أن تسبقها طمأنة القلب طبعا ولكن ليست ضرورية.

وأما الطمأنينة النفسية التي تأتي من السماء ولا دخل لها بظنوننا ولا بخيالاتنا فهي ما نتلوه من سورة الفجر: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30). تتحدث الآية الكريمة عن طمأنينة النفس بكامل عناصرها الثلاثة المعروفة قرآنيا وهي القلب والفؤاد والصدر. القلب يطمئن بصحة المعلومات في حال أنه تحلى بالإيمان. هناك يحصل له نوع من اليقين باعتبار أن القلب في تلك الحالة لا يعول على استكشافاته أو تخرصاته بل يعول على ما يلقيه ربه فيه من حقائق إيمانية. والفؤاد يرتاح لأن القلب لا يطلب منه المزيد من البحث عن المعلومات فيتوقف الاضطراب في ذلك العنصر الحساس جدا داخل النفس الإنسانية. وأما الصدر فسوف يحسم أمر المعلومات فيها ويزيل كل العلامات المشكوكة فكل شيء فيه صار واضحا مقبولا لدى صاحبه. انفصل الحق عن الباطل في المعلومات وتبينت الأخطاء كلها وعرف الإنسان بأن بعض معلوماته صحيحة وتعرف عليها كما عرف بأن بعض معلوماته خاطئة وتعرف عليها. هكذا يطمئن النفس بأنها تسير في الطريق الصحيحة.

هكذا تعود النفس الإنسانية المؤمنة والنفس الجنية المؤمنة إلى خالقها راضية مرضية. فتدخل النفس في عبادٍ خصصهم الله تعالى للتعرف عليه وأدخلهم جنة الرضوان قبل أن يدخلهم جناتِ الفردوس نُزُلا. إنهم بنفوسهم المطمئنة يعيشون بجوار ربهم ولكنهم بأبدانهم المادية يحتاجون إلى مكان طيب فيسكنهم ربهم في جنات الفردوس ويفتح عليهم أبواب المتع المادية. فالمدرك المؤمن المختار جنا وإنسا ينتقلون من دار غير مأمونة إلى دار مليئة بالأمان حينما يموتون. تماما بعكس المدرك الفاسق المختار جنا وإنسا فإنهم ينتقلون من دار غير مطمئنة إلى دار أخرى أكثر خوفا ورعبا وأشد وأبقى عذابا وضغطا.

لكن النفس لن تصل إلى الاطمئنان ما لم يسبقها اطمئنان علمي من صحة المعلومات وصحة التحليلات التي تمت وتتم داخل القلب النفسي وكذلك المعلومات المخزنة في الصدر النفسي. النفس تشمل كل الكرات الطاقوية الثلاث (القلب والفؤاد والصدر) وبالعلم والإيمان معا يمكن مدها بالانسجام الكامل. فالمرء يفكر ويسعى والله تعالى يساعده بإلقاء الحقيقة في قلبه. بالطبع أن الله تعالى يساعد الجميع ولكن هناك نظرة ربوبية خاصة بالنسبة للمؤمنين. وأظن بأن الفرق بين الفريقين عند ربنا هو أنه سبحانه يمد غير المؤمنين بالحقائق العلمية التي يسعون لاكتشافها ويجدّون في سبيلها بما يساعد البشرية ليعيشوا سعداء في الدنيا. لكنه تعالى يخصص المكرمات التي تساعد الإنسان ليعيش حياة معقولة في الدنيا وحياة طيبة في الآخرة، يخصصها للمؤمنين المخلصين كما أظن والعلم عنده سبحانه.

قال تعالى في سورة النحل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (97). لو اجتمع الإيمان بالعمل الصالح الذي يتقبله الرحمن فإن صاحبه سوف ينال من ربه الرحمة في الدنيا بحياة طيبة وفي الآخرة بأن يجعل حياته على أساس أحسن أعماله. بمعنى أنه تعالى قد يغفر كل أخطائه التي تؤثر في تمتعه بنعيم الآخرة ويعتبر أحسن أعمال المؤمن مثلا لحقيقته النفسية التي يدخل الإنسان على أساسها الجنة أو النار، والعلم عند المولى عز اسمه.

ومعرفة الأسباب ليست صعبة. فالإنسان ضعيف في خلقه تبعا لأسباب أولية بدأت من أبوينا الأولين رحمهما الله تعالى ولذلك فإن الله تعالى يعفو ويصفح الكثير من الأخطاء ويعتبرها هفوات صدرت من دون قصد سيء ومن دون نية مبيتة للكفر والطغيان. فقد يكون الإنسان حاملا نفسا طيبة ولكنه يخطئ تبعا لما يمليه عليه ضعفه النفسي الذي يصعب عليه مقاومته. كيف يمكن أن نتصور أنبياءنا وهم يخطؤون ويطلبون العفو من ربهم والله تعالى يمن عليهم بالغفران؟ هذا يعني بأنهم مثلنا مخلوقون من نفس الأبوين ومتأثرون بما ورثوه منهما. يذكر القرآن الكريم خطأ نوح وموسى وسليمان ويونس ومحمد ووو… سلام الله عليهم جميعا.

مجرد الخطأ أو ظهور بعض المعاصي والذنوب لا يدل على عدم سلامة النفس. ولذلك فإن غير الله تعالى نفسه ممنوع من تفتيش عقائد الناس أو الحكم عليهم. من حقنا أن ندافع عن أنفسنا وأن نبحث عن الشريك المناسب للحياة الزوجية لنا ولأولادنا ولكن ليس من حقنا أن نحكم على أحد بالإيمان أو بالكفر حتى لو تجاهر الشخص به. ومن حقنا أن نبحث عن سوابق الشخص سواء للمشاركة في التجارة أو في الحياة الزوجية أو في المصادقة أو في أي عمل تعاوني آخر، ولكن لا يجوز أن يتعدى ذلك إلى إصدار حكم على أحد أو معاقبته. كما أن من حق الدولة أن تعاقب المجرمين في حدود ما ذكره الله تعالى فتقتل القاتل وتجلد الزاني والزانية وتقطع يد السارق والسارقة إذا ثبت أنهما دخلا منازل الناس للسرقة وعرضاهم للخوف والاضطراب الشديد. ولكن ليس من حق الدولة أن تقطع يد اللصوص التجاريين لأنهم لم يرعبوا أحدا ولكن من حقها أن تمنعهم وتردعهم وتفرض عليهم الغرامات المناسبة. من حق البرلمانات تعيين الغرامات والحبس ولكن ليس من حق البرلمانات أن تحكم بقتل أحد أو تعذيبه طبعا. ذلك لأن حكم البرلمان صادر من الشعب الذي ألزم نفسه بتشريعات نوابه. ولكن لا يجوز بأي حال أن نتجاوز حدود الله تعالى.

فمما لا ريب فيه أن الذين يفتون بالقتل والتشريد وإبعاد الناس من بيوتهم الآمنة تحت أي مسمى فهم مجرمون آثمون ويجب مواجهتم بكل قوة إن أمكن. إنهم ليسوا رجال دين ولا رجال دنيا بل هم سقط الناس وهم من أرذل خلق الله. إنهم يحملون نفوسا شرسة مجرمة وهم مفترون وضعوا أنفسهم مقام الله تعالى وحكموا على الناس حسب أهوائهم. إن فتاوى الأنبياء ليست ملزمة لأحد إلا في حدود إبلاغ حكم الله تعالى وفي حدود القضاء فكيف بفتاوى غير الأنبياء؟ ونرى في القرآن بأن الله تعالى يمنع رسولنا من أن يفتي ولكن أصحاب الفضيلة الزائفة يفتون ويُلزمون الناس بالعمل بفتاواهم وتقوم أذرعتهم العسكرية الفاسدة بتعذيب وتشريد بل قتل الناس. لا أظن بأن هناك في الدنيا أناس أكثر فسادا وأكثر شراسة وأكثر إجراما من رجال الدين ومن رجال الدولة الذين يتجاوزون حدود التنزيلات السماوية. ونحن كمسلمين لا نؤمن بكتاب سماوي عدا القرآن. نحن نتبع التوراة في التفصيلات ونؤمن بأن الله تعالى يصون تفصيلات التوراة من التحريف.

هذا ما قاله رسولنا كما نفهمه من الآيات التالية من سورة القصص: فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53). نعلم التالي بكل وضوح من هذه الآيات الكريمة:

1. لم يجد الرسول الأمين كتابا أهدى من التوراة ومن القرآن ليتبعهما. فهو بنفسه تابع وليس مشرعا.

2. لقد وصل الله تعالى لنا القول وانتهى فلا يوجد وحي ولا تنزيل سماوي بعد التوراة والقرآن.

3. أحكام الله تعالى المفصلة في الكتابين السماويين واضحة للمؤمنين من أهل الكتاب الذين اتبعوا التوراة من قبل كما هي واضحة للمسلمين الذين يتبعون القرآن والتوراة.

4. وبعد إنزال القرآن المفصلة آياته فإن الناس لا يحتاجون إلى وحي أو حكم سماوي آخر. كل الذين أسلموا لله تعالى وعملوا بما أنزله من قبل القرآن، فإنهم جميعا كانوا مسلمين من قبل ولذلك لم يجدوا حرجا من اتباع القرآن.

5. ليس في القرآن ما يخالف التوراة ولكنه مفصل لأن الأنبياء قد ختموا ولا داعي للمزيد من التفصيل ولا للمزيد من الارتباط المباشر بالسماء.

6. يذكر القرآن في مكان آخر بأن حكم تحريم شحوم الأنعام لم يكن حكما تشريعيا دائما بل كان حكما مؤقتا ضد بني إسرائيل وقد جاء المسيح وأحل شحوم الأنعام بأمر ربه طبعا. والاستثناء مذكور في سورة آل عمران: وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50).

7. هناك في التوراة المحرفة اليوم حكم بتحريم لحم الجمل وقد وضح الله تعالى ذلك في القرآن ونفى صحة تلك الآيات التوراتية. قال تعالى في سورة آل عمران أيضا: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94).

بهذه التفصيلات البسيطة نرى بأن القرآن كتاب جامع مانع ولا مجال للدس فيه إلا للنفوس المجرمة. فكيف نتبع أصحاب الأهواء وننتظر من ربنا أن يرحمنا في الدنيا والآخرة؟

والخلاصة هي أن أصحاب النفوس الطيبة الذين لم يفرطوا في سلامة نفوسهم وسعوا لإبقائها على حالتها الطبيعية الفطرية الطيبة التي فطرنا الله عليها، فإنهم لا يتبعون غير القرآن الكامل ولا يأكلون طعاما خارج نطاق التوراة فيما عدا لحم الإبل المشروح مشروعيته من قبل ظهور الدين الإسلامي. هؤلاء يحملون نفوسا طيبة تتبع القلب الطيب ولا تخرج عن نطاق الشريعة السماوية وتسعى لتصحيح أخطائها حتى تستحق حياة دنيوية طيبة وحياة أبدية مليئة بالحبور. والقرآن فصل لنا ما أحله الله لنا وما حرمه علينا وأمرنا فعلا بالرجوع إلى التوراة وصان تلك الآيات حتى يومنا هذا؛ كما أنه منعنا من اتباع الدعوات غير القرآنية كاملة حتى لا نفرط في آخرتنا. وحينما نفكر ونرى أحوال البشر المتطور اليوم نشعر بأن كل إنسان يساير الركب الحضاري فهو قادر على أن يفهم تشريعات القرآن وقادر على أن يتعلم بقية حقائق القرآن أيضا. فنحن اليوم لا نحتاج إلى الأنبياء المكرمين بفضل القرآن وبفضل تطورنا العلمي الذي أكرمنا الله تعالى به ولا نحتاج إلى أي فقه أو تشريع خارج نطاق الكتابين السماويين. كما لا نحتاج إلى تفسير المفسرين الذين لم يبلغوا حدنا نحن من التطور الفكري والعلمي. ونتجنب اتباع أصحاب الملابس والألقاب الدينية إلا في حدود بيان بعض الدلائل اللغوية مثلا ونتقبل الدليل والبرهان فقط.

لو فعلنا ذلك فنحن ذووا نفوس طيبة اتبعت العلم والفكر وتستحق أن تعود إلى ربها آمنة مطمئنة وإلا فإن مصيرنا غير سليم بعد الموت.

أتمنى أن يمن علينا ربنا بإدخال الطمأنينة في نفوسنا قبل أن نترك الحياة الدنيا لنلقاه سبحانه مطمئنين نعرف ربنا ونعرف واجباتنا وقد عملنا بعلمنا وفكرنا في كلام ربنا وشكرناه ثم شكرناه ثم شكرناه وحده لا شريك له. وأتمنى أن نتحلى بقلوب مطمئنة تقوم بتحليل المسائل العلمية ولا سيما ما تتعلق بالغيب وبعالم الربوبية والألوهية وبالحياة الآخرة.

وكل عام وأنتم بخير

أحمد المُهري

4/1/2018

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s