القسم الخامس من الأقسام الخمسة من “يوم القيامة”


تابع مركز #تطوير_الفقه_الاسلامي
https://www.facebook.com/Islamijurisprudence/

Doomsday1.jpg

 

تصحيح أخطائنا التراثية

القسم الخامس من الأقسام الخمسة من “يوم القيامة”

شواهد قرآنية أخرى على حالات الجنة وأهلها:

سوف نتحدث في هذا الفصل عن شاهدين دنيويين هما آدم والمسيح لنتعرف على صبغة الجنة بدقة أكثر. ونبدأ بأبينا آدم ولكن ليس بأنه قبل المسيح بل بأن القرآن الكريم وصف حاله قبل المعصية بالذي يعيش مع زوجته في الجنة كما وصفه بعد المعصية بالعيش في الأرض وكلتا الحياتين كانتا في مكان واحد في الواقع.

قصة آدم وحواء باختصار:

بدأ الله تعالى خلق الإنسان في هذه الأرض التي نعيش فيها ومن أديم هذه الأرض أيضا. وحينما مر الإنسانُ الحيوانُ بمراحل تطورية كبيرة وطويلة الأمد اختار الله تعالى واصطفى من بين الذين تطوروا خلية واحدة هي خلية أبوينا آدم وحواء فمنحها النفس الإنسانية من الروح الإلهية عن طريق الروح القدس كما يبدو ليتداول الروح بين البشر فيخلق لهم النفوس البشرية. هناك آيات قرآنية يمكن تفسيرها بأن آدم وحواء ولدا في البيت الحرام ومما لا شك فيه أن هذا البيت هو بيتهما بعد الولادة لقوله تعالى في سورة آل عمران: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96). فأول بيت للناس هو بيت أول إنسان وهما أول البشر. ولكنهما لم يعيشا هناك بل نقلهما الله تعالى وهما صغيران إلى جنة مسورة بالأشجار الكبيرة في طور سيناء كما أظن. كان الهدف من حبسهما هناك ألا يريا الحركات الجنسية لدى الحيوانات فلا يتعلما حقيقة عمل العضوين المختلفين بين الرجل والمرأة. وقد أمرهما الله تعالى إضافة إلى ذلك ألا يأكلا ثمار شجرة الزيتون فلا يتحرك الجنس لديهما بصورة طبيعية.

ومن الواضح أن هذا الأمر كان بمثابة تشريع لهما فلازم ذلك أن يكونا بالغين سن الرشد حين استلام الأمر بطريقة لا نعرفها نحن ولكنها كانت مفهومة لهما بأنه أمر الله تعالى. وواضح أيضا أنهما كانا عاجزين عن الوصول إلى ثمار الزيتون في الصغر لصغر سنهما وعدم قدرتهما على اقتطاف ثمار الشجرة الكبيرة احتمالا. فلم يكونا متذوقين من الزيتون ومُنعا منها حينما نضجا وكانا قادرين على ذلك. هذا المنع لوحده يشجع الإنسان على أن يأكل منها ليرى آثار الأكل ولكنهما امتنعا كما يبدو حتى أغواهما الشيطان. والآية التالية من سورة طه تشرح لنا حالهما في تلك الجنة البعيدة عن أعين الحيوانات وأعين أشباههما من الحيوانات الإنسية التي انحدر منها الإنسان الأول: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121).

 فعدم سجود الشيطان دليل على عداوته لهما وهي تعني أن السجود لم يكن سجود خضوع فهو حرام لغير الله تعالى ولا يمكن أن يأمر بها سبحانه لبشر أو أي موجود آخر؛ ولم يكن سجود تكريم لعدم وجود أسباب لتكريم موجود جديد لم يتبلور حقيقته والحق أن آدم كان في الخلية حينما أمر الله تعالى الملائكة والجن بأن يسجدوا له. قال تعالى في سورة الأعراف: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11). فالأمر بالسجود تم بعد التصوير في الخلية الأولى، والعلم عند ربنا عز اسمه.

لذلك أقول بأن السجود سجود رحمة ومساعدة لآدم ومن رفَضَ منح الإنسان الضعيف الصغير الرحمةَ المطلوبةَ الضروريةَ فهو عدوٌ له في الحقيقة. فلهذا السبب حذر الله تعالى آدم من الانصياع لوساوس الشيطان. بالتأكيد أن الشيطان لم يكن قادرا على أن يري آدم نفسه ولم يكن آدم في طور يمكنه من رؤية الشيطان لأنهما في عالمَين مختلفين كما عليه نحن الذين انحدرنا من آدم وحواء. ولو كان الجن قادرين على أن يظهروا أمام عيون الناس لكان لهم سلطان علينا لتفوقهم الطاقوي علينا وقد أنكر القرآن أي سلطان لهم على البشر. فكل الارتباط كان يتم عن طريق القلب وبأسلوب الوسوسة لا غير. لكن الله تعالى يمثل لنا لسان الحال لنستبين الحقيقة منه. وهكذا قوله تعالى في الآيتين 118 و119 المذكورتين أعلاه. إن لسان حالهما أن من حقهما ألا يجوعا ولا يعريا ولا يظمئا ولا يضحيا.

والجوع والعطش هنا ليس جوعا بطنيا ولا عطشا لانعدام الماء كما أن العرى ليس عرى من الملابس فهما كانا عريانين لأنهما أول إنسان ولم يكن البشر قد تعلم اللبس لعدم شعوره بالحاجة إليه كما أن الحيوانات لم تكن وليست إلى اليوم باحثة عن الملابس. فالجوع والعطش بالنسبة لآدم وحواء تحت ذلك الاختبار،       هو جوع جنسي وعطش جنسي وقد وضحت معناهما بدقة في التفسير ولعلي أكتبها مستقبلا بإذن الله تعالى. وأما العرى فهو بأنه لن يفقد الطاقة الجنسية الدنيوية إن لم يأكل الزيتون ولكنه لن يقوم باللقاء الجنسي من تلقاء نفسه. ذلك لعدم إحساسه الداخلي بما يدفعه نحو الجنس وعدم وجود مشجعات خارجية تهيجهما. والمشجعات بالنسبة لهما لم تكن غير رؤية الحيوانات في حال السفد وكانت الجنة البعيدة عن تلك الحيوانات كفيلة بحجب الحركات الجنسية عن عيونهما. وأما الضحى فهي بالنسبة لهما في تلك الحالة تعني الظهور بمظهر الهيجان الجنسي وخاصة بالنسبة للأنثى حواء فهي لعدم معرفتها بما يمكن أن يزيد في رغبة زوجها لم تقم بأي تهييج له. كل هذه العوامل كانت مساعدة لآدم في عدم التفكير بالجنس. وقول الشيطان له في هذا المجال بأنها شجرة الخلد وملك لا يبلى هو وعده إياه بأن الشجرة تتسبب في تكاثر نسله فسوف يتكاثر الإنسان متواجدا حاكما على الأرض وإلا فسيبقى هو وحده وزوجته إنسانين وحيدين على وجه البسيطة.

والأمر المهم بالنسبة لموضوعنا هو أن الله تعالى في حين أنه يتحدث عن لسان حال آدم وحواء في مرحلة خاصة من مراحل حياتهما فإنه يستعمل كلمات وجملا توضح لنا حقيقة الجنة ومعناها في الواقع. فجنات النعيم ليست مكانا للجوع البطني ولا الجنسي ولا للعطش الفيزيائي ولا العاطفي كما أن اللبس هناك ليس سترا للعورة وليست الشمس ساطعة في الجنة فطبيعة الجنة ألا تُرى فيها الشمس كما أن تظاهر الجنسين لبعضهما ليس مفتاحا للقاء الجنسي كما هي في الدنيا حيث لا جنس في الآخرة. كل المأكولات والمشروبات الفردوسية مُعَدَّةٌ للتمتع وليس لدفع الجوع والعطش. هذا يعني بأن الأحاسيس مختلفة تماما عما نحن عليه في الدنيا فنحن هنا نشعر بلذة الأكل لأننا نجوع كما نشعر بلذة الماء والمشروبات لأننا نعطش وبما أن الجوع والعطش ينغصان العيش الجميل فلا يمكن تصورهما في الجنة. وأما الجنس فإننا هنا نشعر بالجوع الجنسي فنستمتع بالعمل الجنسي كما أننا نشعر بالحاجة للتعاطف فنستمتع بالملاعبات والمداعبات الجنسية. وأما النهم الذي نراه لدى البشر بالنسبة لأكل بعض الأطعمة ولشرب بعض الكحول وكذلك للبحث عما يزيد في القوة الجنسية فهي بسبب الشعور بالحاجة إلى مزيد من اللذة نظرا لكثرة المشاكل فلا يجد الأغنياء والملوك ملاذا غير البحث عن مزيد من الأكل والشرب والجنس مبتغين في ظلالها المتعة التي تنسيهم همومهم.

ولقد استعار الله تعالى معاني الجنة بالنسبة لآدم ليسمي جنتهما الدنيوية جنة محضة كما يسمي لجوأهما إلى الجنس ابتعادا عن الجنة وطردا منها. ويعلل سبحانه ذلك بأنهما في تلك الحالة كانا قادرين على البقاء كما هو حال أهل الجنة ولكنهما بعد التلاقي الجنسي فعليهما إخلاء المكان لأولادهما. لذلك قال لهما سبحانه مع الشيطان الذي غرر بهما كما في نفس سورة طه: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123). فالعداوة باعتبار أنهما أطاعا عدوهما الحقيقي فابتليا بما سيحل بهما من موت قريب إذا توسع نسلهما بعد حين. فسيبقى الأولاد أعداء للآباء منتظرين موتهم ليرثوهم وسيبقى الشيطان يُفَعِّلُ فيهم مكره ووسوسته حتى يحاربوا بعضهم البعض مستعينا بموارد الضعف لديهم.

والهبوط ليس هبوطا من مكان كما أن طرد الشيطان من الجنة حينما امتنع عن مساعدة آدم لم يكن طردا من مكان أيضا. والدليل على ذلك هو أنه كان موجودا معهما فغرر بهما. لكن الطرد والأمر بالهبوط هو تنزيل مراتب التقوى إلى الله تعالى وينتج عنها الحرمان من بعض رحمته التي أتاحها سبحانه لكل نوع من أنواع خلقه بما يوفي حاجته كاملة. والحاجة إلى التشريع أصبحت ضرورية بعد تلك المعصية من أبوينا ولكن الله تعالى يترك كل شيء ليحين وقته في الواقع، إذ لم يكن لدى آدم أي هدى وأي تشريع في الحقيقة. إن أول تشريع عام هو تشريع التوراة على يد موسى عليه السلام.

وأما قولنا بأن الشيطان أراد لهما الحركات الجنسية في إغواءهما بأن يأكلا الزيتون فهو ثابت في الآيات التالية من سورة الأعراف: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24). فالذي ووري عنهما من سوآتهما هو أنهما كانا يظنان فيهما التبول ولا يعرفان سر الاختلاف الشكلي بين الآلتين لديهما. ولذلك لم يفكرا أبدا بضرورة إخفائهما في العراء. إنهما بالطبع كانا عاريين مثل بقية الحيوانات التي تعيش على الطبيعة. وقول الشيطان لهما بأن الله تعالى منعهما حتى يكونا ملكين يقصد عفيفين كالملائكة كما أظن.

ولم يكذب اللعين عليهما مخافة أن ينبههما الله تعالى على ذلك. إنه يعرف بأنهما لا زالا في جنة الله تعالى حيث يلهمهما ربهما بكل ما يحتاجان إليه من معرفة ليعيشا حياة طيبة. والله كفيل بأن يُعين من يتقبله في جنته على فهم الحقائق فلا يمكن أن يتركه عرضة للجهل حين الحاجة. ولذلك ترك الشيطان فهم المقصود من الملائكة لهما وكان صادقا وهو يحتمل أنهما سوف لا يقبلان الحياة الملائكية لأن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تستمتع بالمتع المادية. قال تعالى في سورة الفجر: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30). هذه الجنة ليست جنات الفردوس بل هي الطمأنينة النفسية التابعة للإيمان الراسخ بالله تعالى إما باعتبار الإيمان الأول عند الطفولة أو الإيمان اللاحق حينما يترك المرء شهواته ويعود إلى ربه ليرى بأنه أكثر تطمينا له من كل الشهوات والملذات التي اهتم بها.

وأما حديث الشيطان: أو تكونا من الخالدين، فهو أيضا كلام خبيث ناقص متروك لهما لتفسيره. وكان يقصد بأن يظنا بأن الله تعالى أراد لهما ألا يتطورا ولا يتغيرا ويعيشا على وتيرة واحدة مملة غير ممتعة. وحالة الاختبار التي يعيشها الإنسان في الدنيا وكذلك الإنسان البدائي لا يخوله أن يتوقع من الله تعالى أكثر مما قاله له بألا يأكل من الشجرة المعرَّفة حتى لو كان في جنة الله تعالى الخاصة بالمؤمنين المطمئنين في الدنيا. وما أن أطاعا الشيطان حتى تحرك الشعور الجنسي لديهما وأحسا بالجوع والعطش الجنسي الذي كتب الله تعالى على نفسه ألا يُعْرِضهما لمثل تلك الحالتين الخطيرتين. وهكذا فإنهما عصيا بمحض إرادتهما فلم يستحقا المزيد من الهدى فقاما بالعمل الجنسي وشعرا بعده بالخجل من آلتيهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة. وتلك بداية السعي لستر العورة لدى الإنسان والظهور بمظهر مختلف عن بقية الحيوانات. والعلم عند الله تعالى وتقدس.

كيف نثبت بأن الشجرة هي الزيتون:

مما لا ريب فيه بأن الشيطان أراد تحريك الجنس لدى آدم وزوجه لقوله تعالى في سورة الأعراف: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20). فالتبول كان معلوما لديهما والذي ووري عنهما من سوآتهما هو الحركة الجنسية. والدليل على ذلك هو أنهما شعرا بالخجل بعد انتهاء العملية فطفقا يخصفان على آلتيهما اللتين صارتا عورتين من ورق الجنة كبداية طبيعية لإعداد الملابس للإنسان. فالشجرة إذن مفيدة لتحريك الجنس. والآن لننظر إلى الأشجار المذكورة بأنها شجرة في القرآن الكريم. ذلك لأنه تعالى كلما قص قصة آدم وتحدث عن الشجرة فإنه يأتي بها مع ألـ التعريف. هذا يعني بأن الشجرة معلومة لدى من يقرأ القرآن. وبما أننا نرى وجدانا الاختلاف الكبير بين أصحاب التوراة والإنجيل والقرآن في فهم الشجرة فنبحث عنها في القرآن نفسه. هناك شجرتان مذكورتان بالاسم الموصوف بالشجرة.

1. قال تعالى في سورة المؤمنون: فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ (20). لقد ذكر سبحانه قبلها النخيل والأعناب دون أن يصفها بأنها أشجار؛ لكنه تحدث عن شجرة الزيتون فلم يعطها اسما بل وصفها بالشجرة وبأنها تنبت بالدهن وصبغ للآكلين وبأنه تعالى أنبتها في طور سيناء.

2. وقال تعالى في سورة الصافات: وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (146). واليقطين لا تنطوي على مواد مشجعة للجنس. إنها شجرة تنطوي على فوائد كثيرة أخرى مثل محاربة بعض أنواع السرطان ومرض الاكتئاب وبعض أنواع البكتيريا. فاليقطين لا يساعد الشيطان على أن يريهما ما ووري عنهما من سوآتهما.

فالمظنون بأنها شجرة الزيتون طبعا. أنا لا أدري بالضبط كيف يمكن أن يساعد الزيتون على تحريك الجنس. والمشهور بأن زيته قد يساعد على ذلك. والمحتمل أن الزيتون مجتمعا مع بعض النباتات الأخرى المتاحة لأبوينا الأولين كان محركا للشهوة الجنسية لديهما. وهناك سورة قرآنية قد تدل على ذلك وهي سورة التين فلنحلل السورة ونطبقها على هذا الاحتمال.

وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2): نحتمل كثيرا بأن فلسطين هي الموطن الأصلي لهما فسيناء ليست بعيدة عنها فلا ضير لو قلنا بأن طور سيناء قد أنتجهما طبيعيا. وأحتمل كثيرا بأن الله تعالى أباح للأبوين أن يأكلا من التين كغذاء أساسي ومنعهما من الزيتون لأن في اجتماعهما تنشيطا غير مرغوب فيه من الله تعالى. كما أحتمل بأن الله تعالى نقل أبوينا بعد ميلادهما إلى جنة طبيعية مسورة بالعنب احتمالا في طور سينين. ولا ننس بأنهما كانا محرومين من أكل اللحوم ظنا قويا عندي.

وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4): خلق الله تعالى أبوينا في مكة لأنها أول بيت وضع للناس فمكة بيت أو ل الناس. هناك آيات قرآنية تدل على أن الأنعام الصغيرة المحللة لدى اليهود وهي البقر والمعز والضأن مخلوقة في مكة أيضا. وأهمية مكة برأيي والسر في تحريمها هو أنها تنطوي على آثار خلق الإنسان الأول ومن قبله الأنعام الثلاثة وسيأتي اليوم الذي تنكشف فيها تلك الأسرار إن شاء الله تعالى. بالطبع أن أسرار الخلق موجودة تحت أرض مكة منذ ما يقرب من أربعين ألف سنة احتمالا فهي ليست قريبة من سطح الأرض الفعلية كما أحتمل.

وقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم باعتبار أن الإنسان كغيره من الكائنات الحية قد أتى عن طريق الطبيعة. إنها سنة الله تعالى في خلقه بأن يتطوروا ضمن نظام الطبيعة ليكتسبوا شخصياتهم ولا يكونوا روبوتات. لكن هناك خصوصيات في خلق الإنسان يجعله مميزا عن بقية الحيوانات وأذكر ثلاثة منها:

1. بدأ الله تعالى خلق الإنسان من طين كما قال في سورة السجدة: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ (7). إنه سبحانه يختار أحسن الجينات في الكائن الجديد فينشطها ليصير المولود الجديد على أحسن تقويم ممكن. ثم إنه لم يخلقنا من تطور الحيوانات ولم نأت من القرود كما تصوره العلماء بل إنه تعالى طور خلية نباتية أولى من البداية لتصير إنسانا فنحن في الواقع حيوان أولي ولسنا حيوانات متطورة. وهذا تفسيري لقوله الكريم:وبدأ خلق الإنسان من طين.

2. خلق الحيوانات كلها من عدة أصول فهن لا يتطورن مثلنا على أنهن خلقن قبلنا. لكنه سبحانه خلقنا من أبوين لا ثالث لهما حتى نتطور. فجينات كل البشر عبارة عن سلالة جينية متطورة من آدم سواء كانت الكروموسومات ذكورية أو أنثوية إضافة إلى سلالة جينية متطورة من زوج آدم فلم يخلط كروموزومات أبوين أصليين آخرين بيننا كما فعله في خلق الأنعام الأربعة. ونعرف حقيقة خلق الأنعام من ذكرين وأنثيين كما صرح به سبحانه في الآيتين 143 و144 من سورة الأنعام وقد وضحتهما في التفسير والحمد لله تعالى . 

3. وبعد أن تطو ر الخلق الأول وصار إنسانا فإنه سبحانه أبعد الإنسانين الأولين من منطقة مكة وهي الموطن الأصلي لهما ثم قرض بقية الحيوانات الإنسية لتزول من الوجود كما يبدو لأننا فعلا لا نرى أناسي حيوانية بلا نفس إنسانية. وبمجرد ارتباط الخليتين المتطورتين في رحم أم آدم وزوجه فإنه سبحانه أمر الكائنات الطاقوية أن تمر عليها منكمشة حتى لا تتأثر بإشعاعاتها ومنح النفس الإنسانية لآدم عن طريق روح مرسل من الله تعالى مباشرة وخلق منها نفس زوجها ليحبا بعضهما البعض ومن هناك دقت ساعة خلق الإنسان على أحسن تقويم.

ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5): يريد سبحانه أن يعرض الكائن الجديد للاختبار ليبلو البشر فيرى أيهم أحسن عملا فسمح للشيطان أن يقترب من الأبوين ليوسوس في صدريهما وفعل ما فعل لعنه الله تعالى. والواقع أننا جميعا نعيش هكذا. فسر الانحطاط الخلقي هو وجود الشيطان الموسوس ولم يجعل الله تعالى لذلك الموجود الخبيث والخطير والمعادي للبشر أي سلطان على الإنسان وهو في الخلية الأولى. كل ما يفعله الشيطان هو بث الخداع والتضليل للنفس، وأما العمل فيقوم به الإنسان نفسه. هكذا يرتد الإنسان إلى أسفل سافلين.

وهكذا أخطأ أبوانا فخُلق الإنسان ضعيفا مع الأسف إثر تعرضهما للوسوسة وعدم ثباتهما على طبيعتهما الإيمانية الأصيلة. ولذلك السبب قدر الله تعالى لأبوينا أن ينزلا أسفل سافلين بتقديم الطاعة للشيطان. ولعل القارئ الكريم يعرف بأن الطاعة مظهر من مظاهر العبادة فأشرك أبوانا مع الأسف. وأنبه القارئ الكريم إلى أن آدم لم يكن نبيا وما يقوله السلف عن نبوته فهو مجرد ادعاء باطل لا أصل له والقرآن ينفي ذلك بقوله تعالى في سورة طه:فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115). وقال تعالى في سورة الكهف: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190).

إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8): بدأ فصل الأناسي نفسيا من هناك. فلن يؤثر شرك أو كفر الأبوين أو أحدهما في إيمان الابن والبنت. إن كل إنسان مميز عن والديه بَدَنيا إلى حدماونفسيا100% والموضوع مشروح في القرآن ومنشور ضمن مقالاتي والحمد لله تعالى.

لعل القارئ انتبه إلى السبب الذي أخذت وقته الكريم لإيجاز قصة الخلق. ليعلم الجميع بأن الله تعالى هو أحكم الحاكمين، فهو سيقيم يوم الدين للناس بأفرادهم في الواقع ولو جاؤوا في زمر. فلكل فرد حسابه ولن يعاقب الله تعالى أحدا بما أساء فِعلَه أبواه كما لن يثيب أحدا بما أحسن فعله أبواه. والحمد لله رب العالمين.

خلق الإنسان ضعيفا:

قال تعالى في سورة النساء: وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119)لنفكر في تهديد الشيطان بأنه سوف يأمرنا لنغير خلق الله فما هو ذلك التغيير الممكن لخلق الله تعالى؟ ليس هناك أمر بيد الأبوين عدا ما يرتبط بالجينات المشتركة التي تشكل النواة الأساسية للجنين. فكل واحد منا مصنوع من جينات أبويه دون أن تكون له يد في تلك الصناعة أو في الخيارات التي ارتضاها الأبوان لوليدهم المقبل. والنفس مصنوعة بالتناسب مع البدن كما وضحتها في بداية هذا البحث. فالشيطان يمكنه أن يتدخل في صناعة أبداننا عن طريق خداع أبوينا، ونفوسُنا ليست بعيدة عن صناعة أبداننا وإلا لما أحبت نفوسُنا أبدانَنا. والله تعالى يحب أن يصنع كل شيء على أحسن تقويم ولكن الشيطان يتدخل هنا فيلعب فيما هو بيد الأبوين بالضرورة. وهذا ما فعله في أبوينا الأولين فخلقنا جميعا في الواقع مصحوبين بنوع من الضعف، والعلم عند المولى.

حكاية عيسى بن مريم وإكرام الله تعالى له:

كان مثل عيسى عند الله تعالى كمثل آدم من حيث الخلق وسأختصر الموضوع في حدود الضرورة. إن الذي يهمنا هنا هو أن آدم لم يستجب لنداء ربه فأتى بما أفسد عليه تلك الحياة الفردوسية الشبيهة بحياة أهل الجنة. كان آدم يتهنا في تلك الحياة بالمتع غير الجنسية التي لا تحمل عيبا ولا تعقب ضررا ولا يحتاج معها إلى التنظيف والغسل. وقد أودعه الله تعالى مكانا يساعده على عدم التفكير في الجنس كما علَّمَه عدمَ الاقتراب من الشجرة فلم يشعر آدم بالجوع ولا بالعطش الجنسي حيث أن حواء لم تكن تعرف الجنس أيضا. لكن المسيح بقي بين الناس وهو يعلم كل مسائل الجنس ولم يُعلِّمه ربه كيفية الإمساك عن الجنس كما يبدو، ولكنه احترم الطاقة الإلهية المباشرة التي كان يحملها فلم يقترب من الجنس. نحن لو ننظر إلى أنفسنا من الأعماق، فإننا طبيعيا قادرون على الصبر على الحرمان الجنسي ولكننا في الواقع لا نستعين بالقوة النفسية للامتناع من الجنس خوفا من توقف التكاثر أو خوفا من الحرمان الأبدي من المتع الجنسية. ولولا ذلك التخوف الطبيعي المعهود في طبيعتنا كغريزة لا يسهل تجاهلها، فإن الكثير من المحترمين منا نحن البشر لما كانوا مستعدين للقيام بعمل يخشون معه أن يراهم أي إنسان غير من يساعدهم على بلوغ اللذة الجنسية. كأننا نشعر باقتراف ذنب أو بالإتيان بعمل قبيح في الواقع. هو عمل قبيح فعلا لأنه يقوي الحالة الحيوانية لدينا ويبعدنا عن الخصائص الإنسانية العليا. إن حالنا آنذاك شبيه جدا بحالنا حين التخلية حيث نختار مستراحا لا يرانا فيه أحد بل نسعى ألا يسمعنا أحد إن أمكن.

والله تعالى الذي يرى كل شيء فإنه يرانا فعلا في كل أحوالنا وأفعالنا، ولكن المسيح لم يقم بالعمل فأصبح وجيها عند الله تعالى في الآخرة. سوف نعرف آنذاك أو نرى في الواقع بأن كلما أتينا به من حركات جنسيةٍ كانت معيبةً في الدنيا ولكن المسيح سوف لا يستحي حينما يرى بأنه لم يقم بما لا يتلاءم مع رؤية الله تعالى والملائكة له في الدنيا فذلك هو سر الوجاهة له في الآخرة كما أظن. بالطبع فإننا بنص القرآن غير ملومين على ممارسة الجنس ولا أظن بأن عدم قيام المسيح يزيد من درجاته في الآخرة. فلو نفترض شخصين مؤمنين صالحين وقد رزقهما الله تعالى ولدين مؤمنين صالحين أيضا، ولكن أحدهما أكثر ذكاء وفراسة من الآخر فهو سوف يكسب ود الأبوين واحترامهما أكثر من أخيه ولكن الأبوين سوف يمنحان الاثنين فرصا متشابهة ويصرفان عليهما مالا متساويا كما أنهما سوف يرثان بأمر الله تعالى ميراثا متساويا أيضا. إنما كسبه المسيح هو فرصة لو سمح الله تعالى بها لإبراهيم فلعله كان أكثر من المسيح إمساكا. ولذلك فإن الوجاهة مذكورة قبل ميلاد المسيح ليعني بأنها ليس من باب الجزاء ولكنها فرصة ميسرة للمسيح فقط كما كانت ميسرة لأبيه آدم.

هي مشابهة لفرصة الإنفاق بالمال المتاح لأصحاب المال والتي حرم منها الفقراء ولكنهم جميعا متساوون أمام الله تعالى سوى أن الغني لو لم ينفق فسيكسب الإثم وأما الفقير فلا يملك شيئا ينفق ولن يكسب إثما في هذا الصدد. هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل أكثر ويمكن لمن يريد المزيد أن يفكر في آيات الإنفاق بسورة البقرة.  وأما السر في أن الله تعالى منح تلك الفرصة للمسيح وذكرها له قبل ميلاده كما نراها في الآية التالية من سورة آل عمران: إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)؛ أظن بأن السر فيها هو أنه عليه السلام كان بالقوة قادرا على ذلك مع فقدان بقية أولاد آدم لتلك القدرة. والسبب في ذلك أنه ليس ابنا كاملا للأبوين العاصيين آدم وحواء في الواقع، وفعلية تلك القوة عائدة إلى المسيح نفسه وقد أدى المسيح كما يبدو اختباره ولم يتزوج حتى توفاه الله تعالى. هذا ما يبدو لي والعلم عند الله تعالى.

وجاهة الرسول موسى كما في القرآن الكريم:

وقد ذكر سبحانه في القرآن الكريم وجيها آخر وهو موسى. قال تعالى في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (69). والوجيه عند الله تعالى يعني الوجيه في الآخرة ولا تعني الوجيه في الدنيا. إن تعبير “عند الله” في القرآن يشير إلى فقدان الإرادة ولذلك فإن الملائكة عند الله دائما باعتبار أنهم فاقدون للإرادة. أو بأنهم لا إرادة لهم وهم مدركون فهم عند الله إذن. ونحن في الدنيا لا نُعتبر عند الله تعالى بل نحن تحت سيطرة الله تعالى هنا، لكننا بعد الموت سنكون عند الله فعلا.

صحيح أننا في الآخرة نتعرف على وجاهة المسيح في الدنيا ولكن الوجاهة في الدنيا قد لا تعطي معنى آخر غير ما قلته في المقطع السابق. وأما وجاهة موسى فهو عند الله تعالى والمقصود بأنه كذلك في منطق رب العالمين ولكن موسى لن يُعتبر كائنا عند الله تعالى إلا بعد الوفاة. هناك احتمال أن يسأل سائل عن السبب في ذكر هذين النبيين بالوجاهة فقط وليس بقية الأنبياء؟ هذا استفسار يستحق الجواب، فلو ننظر إلى مزية النبيين الصالحين موسى وعيسى بين بقية الأنبياء، لنراهما الوحيدين الذين كانا يقومان بأعمال إعجازية في الكرة الأرضية. وقد أثبت موسى أمام فرعون ووزرائه بأن ما يأتي به من حركات فهي منه وليست من العصا، وقد عرف أصحاب فرعون ذلك حينما أخرج يده وهي تشع نوراً لتكون حجة عليهم أمام ربهم. والموضوع مشروح قرآنيا في سورة طه. وأما المسيح فإنه كان ينفخ في الطين فتطير بإذن الله تعالى. هذا يدل بأنه هو أيضا كان يحمل طاقة خاصة قادرة على فعل الغرائب والمعجزات.

وليس لبقية الأنبياء الكرام هذه الخاصية. وأما السبب في عدم ذكر أية وجاهة دنيوية لموسى وهو مثل المسيح يحمل قوة ذاتية فهو بأنه عليه السلام قد تزوج من قبل وأنجب ولا لوم عليه كما لا لوم على الباقين الذين تزوجوا كما يشاءون بل بأمر الله أحيانا. وبالطبع يجب أن نعرف بأن الله تعالى حينما يأمر بالزواج لغرض سياسي أو اجتماعي مثلا كما فعله مع نبينا المصطفى فذلك لا يعني أنه سبحانه يحبذ العمل الجنسي. لقد سمى الله تعالى آدم وحواء زوجين وهما لا يعلمان شيئا عن الحركات الجنسية. إن مفهوم الزوجية عند الله تعالى مختلف تماما عما دأبنا عليه. وقد قلت لتلاميذ القرآن الكريم حينما كنت أفسر سورة طه بأن الله تعالى لم يتحدث بعد توجه موسى إلى النار في طور سيناء أيَّ حديث عن زوجته. واحتملت السبب بأن موسى قد انغمر في الطاقة الربوبية حتى اكتسب تلك الخاصية الإعجازية ولا يمكن لمن يصل إلى تلك المكرمة الكبرى أن يمارس الجنس. ولعل الله تعالى تعمد عدم ذكر شيء عنها بعد ذلك الموقف لعلنا ننتبه لهذه الخصوصية. وأنا واثق تقريبا بأن موسى فقد القوة الجنسية بعد ذلك المس المهيب. ولو ننظر إلى نبينا الذي رأى ربَّه بشكل نور كما رأى موسى ربَّه على شكل نار وقد رأى كل منهما ذلك المشهد الممتع والمهيب مرتين، ولكن نبينا لم يدخل حقل النار أو النور كما أمر سبحانه موسى به. والله يوضح ذلك في سورة النجم هكذا: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11). فيؤكد سبحانه بأنه قاب قوسين ولكن موسى دخل النار إلا أنه دخلها من زاوية خاصة لا يحترق بالنار العظمى. قال سبحانه في هذا الشأن بسورة مريم: وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52).

كما يؤكد الذات القدسية بأن المرة الثانية لنبينا كانت عند سدرة المنتهى وهي منطقة قريبة من المسجد الأقصى احتمالا. هناك أيضا غشي النور السدرةَ ولم يغش رسولَ الله نفسه. قال تعالى في نفس سورة النجم: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17). وكلا الرؤيتين قلبيتان في الواقع كما أكد سبحانه تلك في الآية 11. ونقصد بالرؤية القلبية بأن النبي رأى الله بقلبه لكن النور كان حقيقيا ورؤية النور المشع كانت بالعينِ، والعلمُ عنده سبحانه. لم يكن نبينا بحاجة إلى مثل تلك المعاجز فلم يتعبه ربه بتلك القوة الهائلة بعكس موسى الذي كان محتاجا لها في رسالته، وهو مع كل ذلك لم يفلح في إقناع فرعون وحاشيته ولا الشعب القبطي. وما يقوله بعض قليلي العلم بأن الآيات تدل على المعراج فهم غير بليغين. المعراج تعني الصعود والله تعالى يقول نزلة أخرى ولم يقل سبحانه صعودا أو عروجا آخر. هداهم الله تعالى وإيانا إلى طريق الحق والصواب، آمين. ولعلنا نتعرف في المستقبل على سر عدم الإنجاب لدى رسولنا بعد وفاة أمنا خديجة.

وخلاصة الأمر أن المعاجز لم تظهر على يد أي نبي غير موسى وعيسى وكان ظهور المعاجز مشروطا بعدم ممارسة الجنس كما نرى. فموسى ظهرت المعجزات التسع على يده بعد أن ترك الجنس وعيسى كانت القدرة لديه لأنه لم يمارس الجنس قطعا. ولو ننتبه إلى إحدى الآيات الكريمة التي يوبخ الله تعالى محمدا فيها بالشكل التالي وهي في سورة الأنعام: وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35). فهي مثل قولنا لمن لا يعرف عواقب أمر يطلبه: لا تكن جاهلا، ونقصد بأنه لا يعرف مخاطر ما يطلبه ولذلك نسِمُه بالجهل إن استمر يطلبه.

 ومثلها ما قاله سبحانه له في بدايات سورة طه: مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إلى أن يقول سبحانه: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ ِلأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10). بالطبع أن الرسول ما كان يشعر بالشقاء حينما يُكثر من الصلاة كما تراءى لبعض علماء الحديث من السنة والشيعة بل كان يشعر بالراحة النفسية وبالبهجة والحبور. وما أضافه هؤلاء المحدثون بأن الرسول كان يتعب نفسه عمدا في الصلاة فهو محض خيال خال من الحقيقة وقد تكلف أخونا العلامة الطباطبائي مشكورا بصرف الوقت على ردهم وإثبات خطئهم. ولكن السورة في الواقع جاءت لتطمين رسول الله عليه السلام لئلا يتوقع من المعارضين اليهود مزيدا من الإيمان به. شأن هذه السورة شأن سور الشعراء والنمل والقصص. وقوله سبحانه في الآية التاسعة مشابه لقولنا لنفس الشخص المحتمل في المثال السابق إن تشبَّثَ بمَن طلبَ نفسَ الشيء: هل تعرف حكاية من تتحدث عنه وما حصل له في النهاية؟ ثم يذكر الله تعالى القصة الخطيرة ويبدأ بأنه قال لأهله امكثوا. وفي الواقع أنه قال امكثوا ولم يعد أبا لهم بظني وإنما أصبحت زوجته وأولاده إخوانا وأخوات لموسى مثل بقية أقاربه وأهله حسب مفاهيمنا عن الزوجية. ذلك لأن موسى قد غرق فعلا في طاقة كبيرة تُغيِّر كلَّ كيانه وتجعله إنسانا آخر لا يشابه الناس إلا في الشكل الظاهري. وما قام به أمام فرعون والسحرة ومع البحر شاهد على ما نقول. ولو أراد الله تعالى نفس الشيء لمحمد كما كان يطلبه الرسول فكان عليه أن يقول لأهله امكثوا أيضا! والعلم عند الله تعالى.

وليس غريبا أن يقول أحد بأن الله تعالى ذكر وجاهة موسى بعد ما ذكر أحوال نبينا المصطفى مع زوجاته. وهناك مسألة غريبة أخرى وهي أن الله تعالى يتحدث عن الطلاق بالنسبة لنساء النبي أكثر من مرة والطلاق يعني الحرية من البقاء قيدَ الزوجية لشخص ما والترخيص لها بالزواج من آخر وعدم جواز فرض العضل عليها. لكنه سبحانه في سورة الأحزاب بالذات يمنع المؤمنين من التزوج بحلائل رسول الله عليه السلام بعد وفاته وبأنه ثقيل عليه وكبير عند الله تعالى. هناك شيء ما قد حصل للرسول بعد أن كان مسموحا له التطليق وقد طلق الرسول زوجته الثانية التي تزوج بها أياما قبل عائشة كما يذكره المؤرخون. أنا لا أعلم شيئا عن داخل البيت النبوي ولكني أعرف أن مقدار النور الذي أحاط بمحمد إثر تكاثر إنزال الروح القدس على قلبه قد فعل في كيانه شيئا مبهما لنا وكان الله تعالى لا يريد أن يعرف الناس شيئا عن ذلك حماية لكرامة رسوله الأمين. حقا إن مسألة التواصل مع الله تعالى واستلام وحيه حتى عن طريق الملائكة ليس سهلا. ومن هنا يمكننا أن نتصور خطورة نزول الملائكة على الإنسان ونعرف السر في أمر الله تعالى إياهم بأن يكمشوا نورهم حين المرور بهذا الموجود الحيواني الضعيف والعلم عند الخالق الكريم جل جلاله.

وبعد فهم حكاية موسى مع نور الله تعالى فإنه صار عند الله تعالى مثل الملائكة ومثلنا نحن بعد الموت ومثل المسيح باختياره فاحترم حمله لنور الله تعالى ولم يمارس الجنس بعد ذلك كما أحتمل فكان من يوم صار أكثر من غيره عند الله تعالى، صار وجيها، والعلم عند المولى عز اسمه.

 حقيقة التمتع بالحور العين في جنات النعيم:

سنقوم بتحليل المتعة الجنسية الدنيوية كمقدمة لعلنا نتمكن من تصور اللذة الفردوسية مع الجنس الآخر. بالطبع أن مسألة التكاثر منتفية تماما في الجنة، فالحور العين لا يحملن الأرحام ولا مصانع الحليب. ولو لم يكن لديهن أرحام فأين يُصب المياه المتدفقة التي تصدر من الرجال؟ هذه مشكلة كبيرة تحتاج إلى حل، ولكن الأكبر منها هو أن المرأة الفردوسية لا تحب أن تكون سببا في استرخاء زوجها وضعفه وفقدان حيويته، فالجنة ليست مكانا لذلك. ناهيك عن أنها لم تشاهد معايب الدنيا فلا تتوقع أن يختلي بها زوجها وكأنه يريد أن يعمل عملا قبيحا معها فهي لن ترضى بذلك وسوف تخاف وتهرب إلى خارج القصر! هي فردوسية تعرف المداعبة والملاعبة أمام الملأ وبمشهد من أقرانها فقد قال تعالى في سورة الصافات: وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52). فالماء المهين والخلوة ليستا من محاسن التمتع الجنسي. وأما النوم فهو من أتعس وأسوأ ِ المشاكل الدنيوية وهو ليس مناسبا للفردوس البهيج. فالنوم للكسالى المحبين للموت ولكن الجنة مكان للناشطين الذين يحبون الحياة.

وقد قال الحي القيوم في سورة آل عمران: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15). وقال سبحانه في سورة العنكبوت: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64). فسوف يكون الناس عند الله تعالى في الدار الآخرة في الواقع. والسبب الحقيقي للأبدية هو أننا سنكون عند ربنا في الآخرة. وقد ذكر سبحانه بأن المتقين سيكونون عند الله في جنات مع أزواج مطهرة لتكن مناسبات لضيوف الله تعالى الذي يمنحهم رضوانه. والرضوان مغاير لعدم اللوم فيقول سبحانه حين إباحة اللقاء الجنسي الحيواني للبشر في سورة المعارج:وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30). وواضح أن الله تعالى يحبذ حفظ الفروج ولكنه لا يلومنا فيما نفعله مع أزواجنا. ولذلك منح مريم روحه حينما أحصنت فرجها، كما قال سبحانه في سورة التحريم: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12).

والإحصان هو عمل سلبي يتحقق في عدم ممارسة الجنس في الواقع، فكيف أصبح الأمر العدمي سببا يستتبع رحمة خاصة من الله تعالى؟ ولا يمكن تثبيت الإحصان إلا بعد وفاة الشخص ولكن الله تعالى في هذه الآية الكريمة يثبت الإحصان لأختنا الصالحة مريم ليستتبع ذلك النفخ في فرجها من روحه سبحانه؟ فإحصان مريم قد لا تكون فقط امتناعا عن ممارسة الجنس وإبرازا لعدم الرغبة في اللقاء الخاص مع الرجال، بل هو طلب خاص منها من ربها ليمنع عنها أي ارتباط جنسي ويمنع الآخرين من الاعتداء عليها أيضا، ثم تقبل الله تعالى دعاءها وحرم عليها أي اعتداء جنسي تكوينا. ولكن هناك احتمال أن مريم دعت فقط لمنع التجاوز الغصبي عليها باعتبار أنها كانت رافضة للجنس تماما ولذلك قالت للروح القدس حين رأته بشرا سويا أمامها: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا. ذلك لأنه إن لم يكن تقيا فهو ممنوع من مسها تبعا لدعائها التي اطمأنت أنها قد استجيبت. فحق القول أن نقول بأنها أرادت أن تبلغه فقط بأنها غير راغبة في الزواج بأي حال حينما رأته داخلا على خدر فتاة متعبدة في بيت الله تعالى. وواضح أن من يفعل ذلك فهو يريد التحدث عن طلب اليد. واستعاذتها بالرحمن لتؤكد له بأنها نذرت العفة الدائمة مع ربها وتسميتُها لربها بالرحمن تُخفي نوعا من الدعاء له أن يوفقه لزوجة صالحة غيرها. فالعفة الحقيقية المثبتة بالدعاء والابتهال إلى الله تعالى خولت مريمَ لاستقبال الروح القدس ليمنحها الروح العظيم من خالق السماوات جل جلاله.

فالعملية الجنسية عائق حقيقي على أن يحمل الشخص روحا من الله تعالى وبدونه لا يمكن البقاء إلى الأبدية، كما أن الاستقرار في الجنة على ما عرفنا معناه في قصة آدم فهو مستحيل مع ممارسة الجنس. وبما أن الجنة ليست مكانا للاختبار فلا يمكن أن يكون هناك أي عضو جنسي حيواني مشابه لما في الدنيا موجود باختيار البشر في الدار الآخرة. ولننظر الآن إلى حقيقة ما يفعله العضو الجنسي لدى الرجل والمرأة والتي تسبب الكثير من المتعة لديهما تبعا لما يسمى بالحرارة الجنسية وعدم البرود الجنسي. فالحاصل هو أن بعض مناطق الجلد حساس جدا ويتحلى بالمزيد من الأوتار العصبية التي تبلغ المخ أو النفس بحصول الاحتكاك والملامسة بين الرجل والمرأة. هذا النوع من الحساسية ليس حكرا على العضوين المعروفين ولكنه متوفر في اللسان وبقية مناطق البدن وخاصة المقاطع الناعمة من الجلدة الخاصة بمناطق الاستشعار والمناطق الناعمة التي تكثر تغطيتها عادة من بين أعضاء البدن.

ولو أن الله تعالى أعطى مزيدا من الحساسية في هذه المناطق فإن المتعة الجنسية سوف تتحقق كاملة مع المزيد دون الحاجة إلى الخلوة والإتيان بما يتنافى مع جمال الجنة ونظافتها. هذه الحركات يمارسها غير المؤمنين وغير الملتزمين في الدنيا ويُظهرون المزيد من المتعة أمام الناس ودون الالتجاء إلى غرف النوم المقفولة. نحن نرى في الغرب كيف يستمتعون معا في الحدائق العامة والخاصة وعلى مقاعد الطائرات والسيارات وعلى ظهور البواخر الماخرة عباب المياه وفي المطاعم والمشارب والمنتزهات وفي المسابح والبلاجات المشتركة وفي كثير من موارد الشركة والترف العام في مرأى من كل البشر. فلو أن هؤلاء كانوا غير واقعين تحت وطأة طبيعة التكاثر الدنيوي التي تضغط عليهم لترك البهجة الممتعة في الحوانيت واللجوء أحيانا إلى الخلوات لما مارسوا اللقاء الجنسي. ولو أن النوم وضغوط العمل لم تعصرهم لبقوا في متعتهم عشرات الساعات بل عشرات الأيام جالسين على الأرائك يكتسحون الخمور اللذيذة ويداعبون الجنس الآخر مع أقران الجنسين وبمرأى من الجميع. هي محرمة على المؤمنين لأسباب أخرى ولكنهم موعودون بها في الجنة بإذن الله تعالى. وسوف يرى المؤمنون متعة غامرة لم يكن يحلم بها الذين يستعجلون الإتيان بها في هذه الدار الفانية بطبيعتها. لكن ما يأتون بها دليل على وجود المتعة المشتركة الطاهرة غير الخفية والتي تناسب جنات الخلود مع الشعور بأن الله تعالى وملائكته يرونهم دون أن يشعروا بأي نوع من الخجل أو الانفعال.

هذا هو الحد الذي نعلم ولدى الله تعالى المزيد من المتع التي لا يمكن لنا تصورها اليوم لعدم وجود نماذج دنيوية منها وكلها نظيفة وجميلة ولا تحتاج إلى الإخفاء والخوف والابتعاد عن عيون الناظرين. وهناك الأسفار الطويلة المبهجة التي تفوق كل ما في الدنيا. نحن كما قلنا في عالم البرزخ وحين الفزع الأكبر أو بعده، فسوف نلتقي بالكثيرين من أبناء الكواكب الأخرى الذين لا يُحشرون معنا ولا يُحاسبون معنا ولكن يمكننا الارتباط بهم بالهمس احتمالا. إن الهمس متاح لأهل الجنة مع أهل الجنات المقدرة لغيرِ مَن في كوكبنا. فسوف يتفق أهل الجنة على الزيارات ويستقلون المراكب الفضائية السريعة لزيارة الكواكب البعيدة والتنزه عند الغير والتعرف على الحضارات المختلفة. أتصور بأن كل واحد من أهل الجنة سوف يتعرف على الملايين ممن يشعر بالود تجاهه في البرزخ فيسعى لزيارتهم أو دعوتهم لزيارته في جنات الأرض. سوف يكون هناك استقبال فردوسي ممتع للذين يزورونهم من أهل الكواكب البعيدة. حفلات الاستقبال ومجالس الرقص والخمور والجلسات المشتركة الممتعة والحديث عن أهل السماوات والأرض والمزيد من التعرف على الجبار العظيم ملك السماوات والأرض وحبيب المؤمنين الصالحين الذين سيخلدون في رضوانه ونعيمه وضيافته الربوبية التي تفوق الوصف. سبحانه وتعالى. سيقول المؤمنون جميعا آنذاك من كل قلبهم وداعا للقاءات الجنسية المعيبة غير الطاهرة في الدنيا وسوف يكرهونها ويضحكون على أهل النار الذين فضلوها على النعيم الخالد.

 الفوارق الفيزيائية الأخرى وعدم المَلَل في الجنة

بالطبع أن فيزياء الكون سوف تتغير قليلا في النشأة الثانية والأخيرة لأنها ستكون قادرة على الاستجابة لأمر ربها بالبقاء الأبدي. وستكون أبداننا من المكونات الجديدة للأرض الجديدة بالطبع لنسعد أو نشقى داخل الأرض الثانية. نحن هنا ننتظر الموت دائما وأبدا كما ننتظر الفقر والمرض والخوف وفقدان الفرص. ولهذا السبب فإن كُلاًّ منا يسعى للتمتع السريع بما يتأتى له من موارد البهجة والحبور الدنيوي من الأكل والملابس والسيارات الفاخرة والزواج والدراسة والبيوت الفاخرة وغير ذلك. ثم إن التمتع في الدنيا يكون عادة من دوافع الحاجة والضعف. فالرجال يشعرون بالضغط الجنسي عند امتلاء البروستات بالسائل المنوي والنساء يشعرن بالحاجة لنفس الشيء عند ما يفكرن في المستقبل والحاجة إلى من يؤنسهن من النسل أو الحاجة الجنسية حينما يسمعن عن الأخريات مثلا. والناس يتلهفون للأكل حين الشعور بالجوع ويسعون للطيبات من الطعام لأنهم يعرفون نفاد قدرتهم على أكل المزيد وهكذا يبحثون عن المشروبات عند العطش ثم يسعون لاختيار الأفضل لعلمهم بمحدودية باطنهم لاستيعاب الشراب. كما أنهم يختارون السيارة لحاجتهم للمركب ولكنهم يختارون الأفضل حتى لا يشعروا بالضعة أمام الذين يملكون مراكب جميلة وجديدة.  وهكذا بقية الملذات التي تفرض نفسها على الإنسان باعتبار الحاجة الشخصية أو الاجتماعية وكذلك الحاجات السياسية والأمنية والعلمية وغير ذلك من حوائج الدنيا. ولذلك فإن التمتع في النشأة الأولى مزيج من خوف الفوات وشعور بالحاجة إلى ذلك المجال الممتع.

وهناك بعض الظواهر التي هي ليست ممتعة بطبيعتها ولكنها ممتعة حين الشعور بالضد مثل الأمان والصحة. فأنت لا تشعر بلذة الأمان دون أن تعرف معنى الخوف وتراه أو تسمع عنه بشدة كما أنك لا تشعر بلذة الصحة إلا إذا عانيت من مرض عضال ثم عافاك الله تعالى من ذلك المرض. ولا يوجد في الجنة أي مظهر من مظاهر الجوع أو العطش الجنسي ولا الجوع والعطش للأكل والشرب ولا الشعور بالحاجة إلى اقتناء السيارة والمركب ولا الشعور بأي نوع من أنواع الخوف وليس هناك أي احتمال لأن يفاجئك الموت أو المرض أو الخسارة المالية أو خسارة المال والبيت أو أي نوع من أنواع المصائب الأخرى مثل فقدان الأحبة والزلازل والاحتلال والحكم الظالم والاغتيال وأي نوع من أنواع المنغصات التي تكدر صفو العيش وتقلص من الهناءة بالملذات.

وحتى نعرف حقيقة اللذة في الآخرة فإننا نتناول المفهوم من زاويتين مختلفتين:

الأولى:

إن الخوف والمرض وكثيرا من مظاهر الحزن والشقاء التي يراها المؤمنون حينما تُتوقد النار الكبرى في نهاية الحساب، أو في عالم البرزخ أو كانوا قد رأوها في الدنيا فهي تبقى في ذاكرتهم إلى الأبد. إن السبب في نسيان المصائب في الدنيا هو أن المرء لا يستعين بالذاكرة النفسية ولكنه مقهور بتصفح المخزونات الذهنية فقط. والخزانة الذهنية تتعرض للتجديد كلما نام المرء حيث تذهب الكثير من الآلام والآمال أدراج الرياح وكما يقوله الناس: كلام الليل يمحوه النهار. والواقع أن كلام ساعات النشاط يمحوه ساعات النوم. فمن الأفضل أن يقولوا: كلام النهار يمحوه الليل. لكن هذه المسائل برمتها مخزونة في مستودعات النفس التي ستكون في متناول يد الناس طيلة الحياة الأبدية التي لا ولن تنتهي. ألا نرى بأن الله تعالى يذكر لنا بأننا في يوم القيامة سوف نُسأل عن كل ما فعلناه في حياتنا الدنيا وذلك بعد أن مررنا على برزخ بطول بلايين السنين. ذلك دليل قرآني واضح بأن النفس تبقى محتفظة بكل ما صورته أو سجلت صوته إلى ما لا نهاية.  وسوف يمر المرء بيوم الحساب العظيم ويرى بأم عينه النار الكبرى ويرى المجرمين يساقون باتجاه النار وبما أنه يستعمل الخزانة النفسية فسوف يبقى دائما وأبدا متفطنا لحال أهل النار الظالمين المجرمين، فيشعر بالفرق ويذوق لذة السلام والأمان والكثير من مظاهر البهجة في الجنة.

قال تعالى في سورة الصافات: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلاّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ (61) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62. وقال في سورة الطور: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28). وقال في سورة القيامة: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلاّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42). والتساؤل بظني يفيد تساؤل المرء مع نفسه، إذ لا يعقل أن يتركوا الارتباط متواصلا بين أهل الجنة والنار بعد يوم الفصل. حتى الارتباط بالهمس سوف ينقطع يوما ما لأن تفهمهم لآلام أهليهم السابقين في النار سوف لا يمتعهم ولذلك فإن يوم الفصل قد يكون يوم فصل فعلي بين أهل الجنة وأهل النار.

الثانية:

نحن في الدنيا نستمتع بالتخلص من الضغوط التي تنوء كواهلنا ولكننا في الآخرة نستمتع بطور آخر. هناك نريد أن نتلذذ ولكني سوف أضرب بعض الأمثلة لنعرف معنى اللذة النسبية بادئ ذي بدء ثم نتحدث عن اللذة الحقيقية. كل إنسان يدخل بلدا جديدا أو يترك بيت الأبوين فإنه يحتاج إلى مكان يستأجره ليستقر فيه. سوف يشعر بلذة عميقة حينما يحصل على المكان المناسب مع ميزانيته المالية، المكان الحاوي لما يعوزه من تسهيلات. سوف يستمتع كثيرا حينما ينتقل إلى البيت الجديد. وبعد فترة يتمكن من شراء البيت عن طريق البنك وترتيب رهن بنكي. إن لذته تزداد أضعاف ما كان عليه وهو باق في نفس البيت الذي يشعر بأنه يملك جزءا منه وبأنه يدفع نفس الإيجار ولكن كقسط من قيمة البيت. إنه الآن يشعر بالكثير من الغبطة بأنه استقر أخيرا في بيت مملوك له وبعد فترة سوف يتخلص من دَين البنك ويدخل قائمة المالكين الحقيقيين. وحينما يحين وقت أداء كامل دين البنك فإن الغبطة والبهجة لديه ولدى أهله وأبويه وإخوانه لا توصف. إنه تمكن من تملك بيت سكنه قبل أكثر من عشرين سنة مثلا. سوف يقيم عدة ولائم بأنه صار مالكا للبيت ويتمنى أن يموت في هذه الشقة التي أحبها وسكنها حتى اشتراها بالكامل.

إنه يعرف بأنه مقبل على الموت ولكن الاستقرار النسبي لِما تبقى من عمره يمنحه المزيد من الفرحة والشعور بأنه يحمل وزنا اجتماعيا معقولا. إنه مالك للبيت الذي يسكنه في حين أن الكثيرين من أقرانه وممن هم أكثر منه قوة وشبابا يعيشون مستأجرين في شقق الآخرين. دعنا نتصور بأن هذا الشخص يتسلم وحيا من عند الله تعالى بأنه سوف يعيش مائة عام أخرى بصحة جيدة لو رضي بأن يبقى في نفس البيت. ليس لنا أن نصف الفرحة التي تغمره إذا ما عرف بأنه سوف يعيش مائة سنة في صحة جيدة. سوف يرى جدران البيت أكثر أمانا مما مضى وبأن صبغ الجدران قد اكتسب مزيدا من الجمال ومزيدا من الرومانسية. بالطبع أن الموت ينتظره ولكن بعد حين وقد ضمن حياة صحية لمائة عام. دعنا نقارن الآن بينه وبين مشاعر أهل الجنة الموعودين بالحياة الأبدية في غمرة المتع الفردوسية التي لا تنتهي ولا تقف عند حد. حياة صحية سليمة آمنة وبدن سليم آمن من كل عيب، وإخوان على سرر متقابلين وفتيات حسناوات لم يعرفن قبله متاعب الدنيا ولم يجربن مصائب الاختبار العسير. لا يحتاج أن يفكر في الأمراض ولا في الحكومات الظالمة ولا في تقوية الحزب الذي يفيده ولا في جمع المال ولا في بناء البيت ولا في تركيبة الديكور والأثاث ولا في المأكل والملبس والمشرب. إن كل شيء متاح له ليتنعم. أضف إلى ذلك إخوانا مثل إبراهيم ومحمد وموسى وعيسى ويونس وإلياس وداود وسليمان. ورضوان من الله تعالى ملك السماوات والأرض وهو أكبر شيء في الواقع والحقيقة.

وأظن ظنا قويا بأن أكبر الأرزاق الفردوسية هو رزق العلم والمعرفة. قال تعالى في سورة مريم: إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62). بالطبع أن الرزق الذي يأتيك بكرة وعشيا لا يعني الأكل والشرب فهما متاحان متى ما شئت وأردت. أكل الصباح والمساء خاص بالسجون الدنيوية وليس بالفردوس البديع. ثم إن البكرة والعشي ليستا من أوقات الجنة. ليس هناك عشاء بل كله صباح. والرزق في قصة مريم كلها هو الرزق العلمي وليس المأكل والمشرب كما تراءى للمفسرين الكرام سامحهم الله تعالى. لو كان الرزق الذي يأتيها في المحراب مأكلا ومشربا كما تصوروا لكان الأجدر أن يأتيها يوم المخاض والولادةِ مائدةً سهلةً يسيرةً. لكن الله تعالى أعلمها على لسان الوليد الجديد بأن تهز بجذع النخلة وتشرب من السري التي تسير تحت رجلها. كانت مريم في كل يوم تأتي بباب علمي جديد فتعَلَّم منها زكريا ودعا ربه كما علمته مريم فاستجيبت دعاؤه بسرعة لم يتوقعها زكريا. فالرزق الباكر هو العلم الأولي الإبداعي الذي يصل إليه القلائل من الناس بعد تفكير طويل والعلم العشي هو العلم الذي توصل إليه الغير ولكن المتعلمين يدرسونه ويتعلمونه كما هو عليه أكثر طلاب العلم. فذان الرزقان متاحان لأهل الجنة والعلماء يعرفون قدر العلم والمعرفة ويشعرون بلذة كسب الكمال المعرفي الموجود في جنات النعيم.

هناك مشكلة في فهم لذة التحصيل العلمي التي سوف لا تزول بزوال الدنيا بل تزداد شدة وأنواعا ودقة في العالم الآخر. لكن الناس –حتى الذين يعلمون منهم- مع بالغ الأسف، لا يفكرون بأنفسهم في العالم الآخر ويكتفون بالإنصات إلى المعروفين بالعلوم الدينية. هؤلاء الإخوة ليسوا على علم عميق بالدين في الواقع، بل إنهم يتراءون كذلك. وليس صعبا معرفة ذلك، فلو ننظر إلى الكتب التي بين أيديهم فهي نفس الكتب التي كُتبت قبل مئات السنين من قِبل أناس هم أقل منهم تطورا وأقل منهم خبرة وعلما بالتبع. وفي المقابل نرى الأطباء والمهندسين وعلماء الكيمياء والفيزياء وحتى المحاماة والقانون والآداب، فإنهم يتطورون وتتطور معهم كتبهم ومؤلفاتهم. إنهم يذكرون الماضين بخير إكراما لهم ولكنهم لا يتبعونهم لأنهم كانوا أقل تطورا ممن هم في زمانهم الفعلي. هذا دليل واضح على أن الإخوة المعروفين برجال الدين يكتفون بتحقيقات الحسن البصري والبخاري وأحمد بن حنبل أو تحقيقات نصير الدين الطوسي والكليني وعلي بن موسى الرضا، رحمهم الله تعالى جميعا. إنهم جميعا سعوا لمعرفة حقائق الدين وسعوا سعيهم وعند الله مكافآتهم تبعا لنواياهم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. لكنهم لا يعرفون شيئا عن حياتنا وحياة الأمم التي نتواصل معهم العيش في أقطار الأرض.

إننا نصلي الفجر في نيو يورك وننتقل في الظهر إلى لندن ونصلي العشاء في الرياض. نحن نركب السيارة ونجوب الفضاء ونطلع على شكل الجنين داخل أعماق الرحم. نحن اليوم وبكل سهولة يمكننا التعرف على أخطاء مسلم في حديث رضاعة الكبير وأخطاء الطوسي في حديث صلاة الغدير وأخطاء الإمام مالك في عدة الحمل.

والعلم ليس بابا ضيقا من البهجة فهو بأبوابه الوفيرة الواسعة مدعاة للفرح والحبور للذين دخلوا الجنة كأصحاب لها. وكما نعرف بأن هناك الكثير من المستلزمات التي تساعد على المعرفة كما نراها اليوم في الجامعات ولن يبخل الله تعالى على الصالحين من عبيده بكل ذلك وبالمزيد. وهناك النشر والموسيقى وفنون الرقص والرسم والنحت والشعر وأنواع الصناعات اليدوية والكثير من الحرف الجميلة مثل النجارة والصباغة والديكور والسينما والتصوير وكل الفنون البديعة والجميلة. كل ذلك في متناول يد الفردوسيين دون أي تحديد أو اقتصاد، فكل شيء موفور بلا حساب ولا حديث عن الإسراف والتبذير ولا الندرة ولا أية حالة سلبية أخرى. فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ولدى الله تعالى المزيد من المتع التي لا نعرف عنها شيئا.

لم يحدد الله تعالى متع الجنة ولكنه سبحانه حدد متع الدنيا التي لن تنتقل إلى الجنة وهي كما ذكرناها في الآية 14 من سورة آل عمران. تقتصر تلك المتع المعقولة المخصصة للدنيا دون الآخرة على الشهوة الجنسية المعروفة دنيويا والتكاثر وتملك الذهب والفضة والتفرد بالمراكب المسماة باسم أصحابها وكذلك الرعي والزراعة. هذه المتع الدنيوية بحاجة إلى الصيانة والحراسة والسعي للحصول عليها وكثيرا ما تخسرها فتشعر بالحزن على تلك الخسارة. هذه المتع متعبة لكل شخص في الواقع لأنه يشعر بالواجب تجاه كل منها فشريكة الحياة أو شريكها بالنسبة لكل من الزوجين جميل وممتع ولكنه مكلف ويصرف الفرد الكثير من وقته وإمكاناته لإرضاء الذي يعيش معه ويشعر كل منهما بمسؤولية كبيرة لا تنتهي عند حد. إن مرض الشريك يتعبه ويتعب شريكه وعاهته يزعجه ويزعج صاحبه وموته يؤلم صاحبها أو صاحبته كثيرا. هناك لكل منهما أهل يشعر المرء بأنه مسؤول عنهم أيضا ولا يمكن أن يرضى الشخص الطيب بأن يعيش مرتاح الخاطر وجاره أو قريبه أو قريب زوجته أو زوجها مريض أو فقير أو يعيش في خوف.

وأما الأموال والثمرات فإن تحققت فسوف تأتي ببعض المتعة لك ولطالما انتهت السنة وأنت لا تجبي ثمرة ولا تجني قطافا. إن ثمار المزارع ونتاج المصانع محدودة ومعرضة لكل شروط المنافسة ومعرضة للآفات والفساد وكل مصائب الدنيا. وفي النهاية فأنت تتخرج من المزرعة الشخصية فلاحا أو من المرعى الشخصي راعي غنم وكفى! فهل يتشبع طموح الإنسان الذي يحمل نفسا كبيرة جدا وقادرة على استيعاب الكثير من العلوم والفنون وعلى كسب رضوان الله تعالى وجنات الأبدية أن ينتهي في الدنيا وهو يهش الغنم أو يبيع الحبوب والزرع؟ ولهذه الأسباب يشعر كل شخص بأن الحياة الطويلة تضره. إنه يقيس النشأة الثانية التي لا مفر منها بالمقاييس الدنيوية فيتظنن بأن جنات النعيم مملة مثلا. لكن الذي يفكر في العلم وكسب مراتب الكمال فإنه يرى بأن الحياة الدنيا قصيرة لا تخوله لإصابة طموحاته. إنه ينتظر الجنة بفارغ الصبر حتى يروي ظمأه في المزيد من العلم والمعرفة ودرك كنه الوجود والاطلاع على حقائقه. نحن هنا نتمنى أن نعرف شيئا عن الكواكب المحيطة بنا ولكننا لو دخلنا الجنة فسوف نزورها ونتواصل مع أهلها بإذن الله تعالى. كل مظاهر الخمول غائبة عن الدار الآخرة. فالشيب والكسل والنوم والموت والمرض والعاهة والسرقة والكذب والحكم الجائر وكل مظاهر الظلم والجور، كلها من تبعات حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث. 

لكن الآخرة فهي دار الرضا للجميع والله تعالى سوف يقوم ببسط القسط والعدل فيشعر كل فرد بأنه لم يُظلم من الغير ولكنه هو الذي ظلم نفسه ولم يعبأ بآخرته وصرف كل إمكاناته في الملذات الزائلة ونسي الدار الآخرة. أضف إلى الرضا من حكم الله تعالى فإن كل شيء متاح بوفرة وكثرة لجميع أهل الجنة بمختلف درجاتهم. حتى درجات الفنادق المجانية يمكن أن تكون متفاوتة تبعا لدرجة الإنسان الفردوسي وكذلك درجات الطائرات والقطارات والسيارات المختلفة وحتى وسائل الزينة والراحة والملابس فهي كلها مرتبة ضمن درجات تمنح لكل مجموعة ما يناسبها من تحف الجنة وأدواتها وتسهيلاتها. فلا تحتاج إلى مال لتشتري شيئا وليس مسموحا لمن هم في الدرجات العادية أن يتنعموا بمثل من هو أعلى منهم رتبة وكانوا أكثر منهم تقوى وإيمانا في الحياة الدنيا. قال تعالى في سورة الإسراء: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21).

والخلاصة أن الموت والشيب وفقدان طاقة الشباب والرضوخ لسلطان النوم ليس مطلوبا للإنسان ولكنه مضطر لها. وهذا لا يعني بأن الإنسان سوف يطلب الموت لو بقي على شبابه ألف سنة مثلا. كلا، سوف يتمنى المزيد من العمر ليستمتع بالحياة ومقوماتها. وحتى العجوز يتمنى البقاء على قيد الحياة مع أنه فاقد للكثير من موارد المتعة الدنيوية، لكنه يشعر بأن الحياة خير من الموت. فكيف بحياة يبقى فيها الإنسان نشطا قويا دون أن يفقد أي مظهر من مظاهر الشباب والجمال ودون أن يخسر أياً من مقتنياته ومتعه ودون أن يشعر بالإسراف أو بأنه شبع وحوله بطون غرثى وأكباد حرّى؟

نهاية القسم الخامس من يوم القيامة ويليه ملحق بأحوال صحابة الرسل ويبدأ بأنواع العذاب الأخروي.

 

احمد المُهري

20/12/2017

كتبت الأصل في أبريل 2007 احتمالا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s