تدريج المرحلة الثانية .. قبول التناقض


تدريج المرحلة الثانية

degree

نحن أمة نتقبل التناقض بكل سهولة ويسر ونغَنِّي على ذلك.  كما أننا أمة ترفض التناقض بكل قوة وعسر وتغني على ذلك.  نحن كلاهما معا.  وهل عرف أحد مقصودي من استعمال الضمير نحن؟  لم يعرف أحد ذلك.  مقبول؛ ولو قلنا عرف الجميع ذلك فهو مقبول أيضا.  نحن العرب أم نحن المسلمون أم نحن الشرقيون أم نحن البشرية جمعاء أم نحن خلق الله؟  كلها صحيحة وكلها مرفوضة.  مقبول أيضا.  قد أتحدث عن نفسي وأقول نحن, وقد أتحدث عن مركز تطوير الفقه السني وأقول نحن, وقد أتحدث عن مركز تطوير الفقه الإسلامي وأقول نحن.  كل منا نحن, وكل منا كل شيء, وكل منا يمثل البشرية جمعاء بل كل منا يمثل خلق الله تعالى. 

 

وبحسابات المرحوم جان بياجيه فإننا جميعا لم ننتقل بعد من مرحلة إدراك أطفال السادسة, وينادي تلميذه كمال شاهين يوميا بأننا لا زلنا في المرحلة الثانية أعلاه.  هذه مرحلة طويلة جدا فيجب تدريجها.  مثالنا مثال الماء الذي نضعه في مكان بارد وننظر إلى التغييرات الحاصلة. نراه ينتقل بسرعة من 40 درجة مئوية إلى 39 ثم إلى 38 وهكذا ليصل إلى الصفر. لكنه بمجرد أن يصل إلى الصفر ونحن نلاحظ نزول درجة الحرارة نراها وقفت فترة طويلة في مرحلة الصفر وبعد مدة طويلة بدأت تنزل إلى درجة تحت الصفر ثم بسرعة درجتين تحت الصفر وهلم جرا لتصل في وقت قصير إلى درجة حرارة المكان الذي وضعنا فيه الماء.

 

ولذلك أقترح على تجمعنا العلمي وعلى الأستاذ الدكتور كمال شاهين بالذات أن يسعى لتعيين درجات للمرحلة الثانية. بمعنى الدرجة الثانية فاصلة واحد, ثم الدرجة الثانية فاصلة 2, وهلم جرًا, وكأنها درجة الصفر المئوية حتى نصل إلى الدرجة الثالثة.  تلك الدرجة التي لن نصل إليها ما دمنا على حالنا هذا.  الملَكية عندنا عين الديمقراطية, ولذلك نرى ملوكنا الكرام, رضي الله عنهم وجعلهم أكثر استبدادا, يبكون على عدم ديمقراطية بعض الشعوب التي تنتخب رؤساءها ولو بصورة غير دقيقة.  يدفعون المليارات, ويقتلون البشر, ويدمرون الحجر, لتثبيت الديمقراطية, وهم ملوك, وسلاطين, وأمراء كبار, وأئمة دين, لن يتغير أي منهم إلا بالموت.

 

هل هم متناقضون في تصرفاتهم؟  كلا فهم عادلون.  نعم هم متناقضون ولكن قبول التناقض ليس عيبا.  بل هو أمر مهم نحتاج إلى تدريجه أيضا.  فالتناقض درجة أولى, ودرجة ثانية, ودرجة ثالثة, إلى ما لا نهاية.  نسرق سرقات مليونية ولا بأس ولكن الويل لمن يسرق قوت عياله من خزانة الدولة.  نقطع يديه قطعًا كاملا, ودعه يموت بلا يدين جزاء فعلته الفاسدة وسرقته أرغفة خبز وعدم تحمله الجوع حتى الموت.  الفاحشة حرام, والفاحشة تعني ارتباط الذكر بالأنثى بلا زواج, وارتباط الأنثى بالأنثى, والذكر بالذكر.  لو تم القسم الثالث فجزاؤه الإعدام إلا إذا أفتى المفتي بجوازه قبل أن يأتيا به.  للمفتي كامل الحق أن يفتي بجواز إتيان الرجل بالرجل إذا كانت هناك علة شرعية مقبولة مثل أن يخفي قنبلة تقتل الأبرياء في مكان ما من بدنه.  مقبول وما به تناقض لأننا نقبل التناقض. 

 

نفجر أنفسنا ونقتل بها من نعرف ومن لا نعرف وندخل الجنة ولكن الويل لمن يناقش حكاية فريضة الصلاة وهل هي واجبة أم لا.  إنه يستحق عقاب القتل فورا.  يقول الله تعالى بأن القتل للقاتل ظلما فقط ودون إسراف, بمعنى أن لا نقتل أكثر من شخص مقابل شخص مقتول.  يحرم الله تعالى قتل أي إنسان لغير الذي قتل نفسا.  قال تعالى في سورة الإسراء: وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33).  صدق الله العظيم. ويضيف أحاديث بشرية بأن نقتل كل من لا نحبه أو لا نحب عمله بكل إسراف.  حديث شريف.  إنهما غير متناقضين.

 

يموت الذي يفجر نفسه ويحترق بكامل بدنه ولكن الحور العين بانتظاره ليتزوج بهن أو ينكحهن بلا بدن. كيف يستعملهن بلا أدوات؟  لا ندري.  تماما مثل قولهم بأنه سوف يتناول الوجبة التالية مع رسول الله عليه السلام وكلاهما ميتان لا يملكان فمًا, ولا أسنانًا, ولا جهاز هضم. مقبول جدًا.  وحينما نسألهم كيف يأكلون بلا بطن يقولون لا ندري ولكنهم يأكلون, ويتمتعون, وكل شيء, بلا أعضاء تناسلية.  يقول الدكتور كمال في تحليلاته بأن مشكلتهم هي أنهم لم يتجاوزوا مرحلة أطفال السادسة من العمر في إدراكهم.  لكن الأطفال لا يعرفون النكاح, ولا يعرفون كيفية إنزال الموت على الغير, ويجهلون معنى الجنة والنار, وهؤلاء يعرفون كل ذلك.

 

ليس لنا إلا أن نقبل بأنهم فعلاً لم يتجاوزوا مرحلة إدراك الأطفال الذين يقبلون التناقض بكل سهولة ويسر, ولذلك أقترح على سيادة الدكتور كمال شاهين في غياب المرحوم جان بياجيه أن يقوم بوضع درجات كثيرة للمرحلة الثانية من الإدراك. هكذا يمكننا أن نقول للفرد منهم أو منا بعد أن يتجاوز مرحلة 2 ويصل إلى 2.1 بأنه بدأ ينتقل إلى المرحلة الثالثة شيئا فشيئا.  هكذا نشجع بني جلدتنا بأنهم صاروا كبارًا بصورة جزئية فعيب عليهم أن يقتلوا أنفسهم.  ثم بعد أن يصلوا إلى مرحة 2.2 نقول لهم بأن قتل الغير عيب أيضا.  وفي المرحلة 2.3 نسعى لنقول لهم بأن على الطفل, أو الإنسان الذي تجاوز مرحلة الطفولة, أن يسمح لنفسه بالتحقق مما قاله السلف الصالح, ويختار منها الصحيح ويترك السقيم.  وفي المرحلة 2.4 نقول لهم بأن الكلام لو لم يكتبه صاحبه في كتاب موثق فلا يمكننا قبوله.  فلو أتى أحد بكتاب كتبه رسول الله عليه السلام بنفسه ولو إملاءً منه, وبخط أبي بكر أو علي القادرين على الكتابة, فهناك يمكن قبوله وإلا فهو مشكوك فيه.  وأما لو تعددت الوسائط فهو كذب وافتراء على رسول الله دون شك.

 

 

نقوم بعملية تدريبية لهم على غرار ما فعلته شركة آي بي إم لموظفيها في سالف الأيام.  وتلك الشركة هي التي أنتجت علماء كبار في الكمبيوتر مثل بل غيت وغيره، وهي التي نقلت الحاسوب من المكاتب الكبرى إلى البيوت وصنعت الكمبيوتر الشخصي.  كانت الشركة في خضم تدريباتها المتنوعة تقوم بالتجربة التالية:

يطلب المدرس من نصف الطلبة أن يخرجوا من الفصل ثم يتحدث إلى النصف الثاني أن يسجلوا ما سيرونه من زملائهم بالكامل ليلاحظوا التغييرات في النقل.  وبعد ذلك يدعو أحد المنتظرين خارج الفصل ليدخل ثم يطلب من أحد الباقين في الفصل أن يذكر قصة قصيرة لزملائه لمدة دقيقة.  مثلا يذكر لهم قصة الكيكة التي طبختها أمه الليلة الماضية لإحياء عيد ميلاد الجد الكبير وكيف قام الجد بإطفاء الشمعات المئة, وكيف قطع الكيكة, وكيف تناول القسم الأكبر واستنكف القسم الأصغر من الأكل حتى لا تورثهم الكيكة مرض السكر.

 

قام التلميذ بذكر القصة وانتهى ثم طلب المدرس دخول التلميذ الثاني من المنتظرين خارج الغرفة وطلب من التلميذ الأول أن ينقل قصة الكيكة لزملائه.  بدأ المنتظر الأول بإعادة ذكر القصة مع تغيير طفيف للجميع.  ثم طلب المدرس التلميذ الثالث المنتظر خارج الفصل ليدخل ويستمع إلى التلميذ المنتظر الثاني لينقل له القصة التي سمعها من المنتظر الأول قبل قليل.  نقل القصة مع تغيير طفيف أيضا فالكيكة صارت كعكة وعيد ميلاد المئة للجد صار ذكرى عيد ميلاد الجد الميت قبل مائة عام مثلا.  ثم المنتظر الرابع, ثم الخامس, وهكذا دواليك.  لاحظ التلاميذ المستقرون بأن الحكاية تحولت إلى قصة الموت المفاجئ للجد إثر سكتة قلبية وكيف قامت الأسرة بإقامة العزاء له.

 

كل هذه العملية الطويلة كان يقوم بها مدرسو الآي بي إم ليقنعوا موظفي الآي بي إم بأن يرفضوا أية حكاية أو تعهد غير مكتوب, وغير موثق بالتوقيع والشهود, لأنها ستكون كاذبة دون أن يقصد أصحابها الكذب.  قد يكونوا كلهم أناسا طيبين صادقين مثل زملائهم التلاميذ ولكن حقيقة النقل اللساني هي ما رأوها.  تنقلب القضية رأسا على عقب حينما يتعدد الناقلون ولو كانوا في زمان واحد.  لكن كتب الحديث والسيرة ليست كذلك.  إنها تنقل من شخص يعرفه الكاتب, نقلا عن شخص لا يعرفه, عن شخص ميت, عن ميت آخر.  هي مصيبة وليست حديثا شريفا ولا هم يحزنون.

 

نريد حقائق يمكن تجربتها لنقبلها, أو حقائق يمكن الاستدلال عليها بطرق أخرى إن لم تكن قابلة للتجربة.  نترحم على أيام فلاسفة اليونان ومن تبعهم من فلاسفة المسلمين بعد قرون ونقول لهم جميعا بأن التجربة لو أثبتت زيف التحقيقات العقلية فنحن نتبع الحقيقة المجربة ونرفض الحقيقة العقلية.  قد تكون الحقيقة العقلية مرتكزة على معلومات أولية خاطئة ولو جزئيا.  نحن نرفض كل أحاديث العلاج التي نقلوها عن الدكتور محمّد بن عبد الله الطبيب.  لا أحد منا يعرف ذلك الطبيب الأسطوري، ولكننا نعرف شخصًا آخر اسمه محمّد بن عبد الله وهو رسولنا عليه السلام.  إنه ليس طبيبًا, ولا يعرف أي شيء علمي خارج القرآن, لأنه لم يدرس ولم يتعلم قبل القرآن.  مدرسته القرآن فحسب, وكل ما ينقلون عنه من خارج القرآن فهو مجرد كذب لا قيمة له.  قال تعالى في سورة يونس:

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)

 

الذين افتروا على رسول الله الكذب هم الذين افتروا على الله الكذب في الواقع, وهم مجرمون لن يفلحوا. لم يكن رسولنا أدرى من قومه فقد لبث فيهم أربعين عاما ورأوا مدى علمه وشاهدوا بأنه كان إنسانا بسيطا من الناحية العلمية.  ولما نزل عليه القرآن فإن القرآن كان أكبر منه بكثير وكان بحاجة إلى عقود ليتعلم ما أنزل عليه فقط وهو لم يبق أكثر من 23 عاما بعد نزول القرآن. قال تعالى في سورة الفرقان: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (32) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)

 

لنتصور شخصًا عبقريًا في الذكاء ولكنه أمي لم يتعرف على علوم زمانه على أن علوم زمانه ليست واسعة جدا.  هذا الشخص الكبير تسلم كتابًا سماويًا بعظمة القرآن الذي نسعى نحن بعده بخمسة عشر قرنا لنعرف ولا زلنا نجهل.  كاتب هذا المقال سعى في منتصف الخمسينات من عمره ليفسر القرآن وهو اليوم بعد خمسة عشر عاما من التفسير لم يكمل أكثر من ثلثي القرآن تفسيرا.  أليس إنسان ما قبل خمسة عشر قرنا بحاجة إلى 23 عاما ليتثبت فؤاده على القرآن؟ ولعلكم تعرفون معنى تثبيت الفؤاد.

 

الفؤاد النفسي هو مكون طاقوي محيط بالقلب النفسي ومحاط بالصدر النفسي. إنه يربط القلب بالصدر وبالعالم الخارجي وينقل المعلومات إلى القلب لمعالجتها.  فلو كان الفؤاد مضطربًا فإنه سوف ينقل معلومات خاطئة إلى القلب وسوف يضطرب القلب حينما يشعر بالتناقض فيما انتقل إليه.  بالطبع لم يتسلم رسول الله عليه السلام القرآن قبل أن يصل إلى المرحلة الرابعة من الإدراك إذ لم يكن ذلك ممكنا له.  إنزال القرآن على الذين لم يتجاوزوا المرحلة الثانية لن يفيدهم إلا في حدود التجويد والتغني بالقرآن.  وهذا ما نراه اليوم في مجتمعاتنا الإسلامية مع الأسف.

 

كان رسولنا وبعض صحابته يدركون التناقض ويرفضونه ولذلك أكمل الله تعالى إنزال القرآن عليهم. إنهم بغير ذلك لم يكونوا ليعرفوا كتاب ربهم.  قال تعالى في سورة النساء: 

أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83)

الحديث مع الرسول وصحابته وليس معنا والجمل ماضية تتحدث عن أمر مضى فعلا فهو شهادة وليس أمرًا لنا كما تصوره قليلو العلم.  لكن الآية الكريمة تدل على أنهم قبل خمسة عشر قرنا كانوا قادرين على فهم التناقض وكانوا مستعدين لرفضه.

 

قال سبحانه في سورة الأنعام: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154).  إيتاء الكتاب يعني إيصال علم الكتاب وتطبيعه في قلب من سعى, والله تعالى يشهد على نفسه بأنه آتى الكتاب تمامًا على الذي أحسن وليس على كل من استمع إلى التوراة.  الذي أحسن يعني الذي أحسن استعمال قدراته الإدراكية في مقابل إخواننا اليوم – وبعد آلاف السنين – الذين لا يحسنون استعمال قدراتهم الإدراكية ويكتفون بالتلقي من الغير وممن سبقهم مثل الببغاوات أو مثل أطفال المرحلة الثانية من الإدراك.  فإذا كانت معرفة التوراة تحتاج إلى أن يحسن المرء استعمال قدراته الإدراكية تمامًا فكيف بالقرآن العظيم؟

 

قال تعالى بعد ذلك في نفس الأنعام: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ (157). هذا الكتاب مبارك يعني بأنه ينطوي على زيادات ولكن زيادات علمية ولذلك نعتها ربنا بالبركة.  الزيادة التي نشعر بها هي الاستدلالات العلمية التي تجعل القرآن قابلا للبقاء دون الحاجة إلى أنبياء.  لكننا نحتاج إلى دراسته ولا يكفينا ادعاءات من سبق.

 

فإذا انتقل قومنا من المرحلة 2.4 إلى المرحلة 2.5 مثلا فلعلهم يقبلوا بأن كل الأحاديث التي تروي قصص القيامة وما يحدث فيها, وحكاية حوض الكوثر, وحكايات النساء المعلقات من شعورهن في جهنم التي لم يخلقها الله بعد؛ لعلهم يقبلوا بأنها كلها, وبلا استثناء, مفتريات.  أنى لبشر أن يعرف أحوال يوم القيامة؟  قال تعالى مخاطبًا رسولنا في سورة الانفطار: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19).

 

وبعد أن تصل أمتنا إلى المرحلة 2.6 يمكنها أن تعرف بأن الله تعالى خلق الأرض بمكونات كاملة لا تحتاج إلى الكواكب الأخرى. لقد خلق الإنسان في الأرض وليس في كوكب آخر. لم ينزل الله تعالى ثمانية أنعام من كوكب آخر بل خلقها جميعا في الأرض.  لم ينزل الله الحديد من كوكب آخر بل خلقه من الأرض نفسها.  علماؤنا لم يفكروا بدقة ولم يصلوا إلى مراحل التفكير المتقدمة ليعلموا أن لا مجال لنقل إنسان من كوكب يعيش فيه إنسان إلى كوكب آخر يعيش فيه إنسان. لا يوجد كوكبان ليعيش فيهما الإنسان في منظومتنا بل هناك في كل نظام شمسي كوكب واحد يمكن للإنسان أن يعيش فيه.  فإنزال الأنعام لا يعني الإنزال من كوكب إلى كوكب ولا نحتاج إلى أن نغير معنى الكلمات العربية.  نحن نحب إخواننا الذين يسعون لفهم القرآن ولكننا ننصحهم بأن يستمعوا لغيرهم أيضًا قبل أن ينشروا فهمًا مضحكًا لكتاب ربنا. هناك أناس يعرفون معاني هذه الآيات العلمية الدقيقة دون أن يغيروا اللغة العربية ودون أن ينتقلوا بين الكواكب أو يتوهموا حاجة الأرض لغيرها.  لقد أنشأنا الله من الأرض فهل الأرض القادرة على خلق الإنسان عاجزة عن خلق الأبقار والأغنام؟

 

نسبة الله تعالى إلينا وإلى جميع خلقه ليست نسبة الفوقية والتحتية الفيزيائية حتى تكون تنزيلاته تنزيلات فوقية فيزيائية.  تنزيل الله تعالى لنا يعني إخراج الشيء من القوة إلى الفعل. القوة فوقنا والتنزيل هو التوفيق بين القوة وبين ضعفنا وهكذا الإنزال بالنسبة لله تعالى.  أنزل لكم من الأنعام يعني أن الأرض كانت قادرة على خلق الأنعام بتقدير من ربها حين خلقها ولما وصل الزمان المناسب أثار الله تعالى الأرض لتنتج الأنعام كما أثارها من بعد لتنتج الإنسان. أكتفي بهذا الحد وأترك بقية الدرجات لأخي الدكتور كمال حتى يكملها.  لكنني سأكتب في الختام حكاية بسيطة ليعرف القارئ معنى تثبيت الفؤاد.

 

 

تثبيت الفؤاد

الله تعالى هو ملك ما في الطبيعة ومالكها, والقرآن هو لسان الطبيعة في حقيقته. لكن الله تعالى هو الذي ترجم ذلك اللسان إلى لسان رسول الله عليه السلام, وهو لسان عرب الحجاز في القرن السادس الميلادي.  قال تعالى في سورة مريم: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (97). وقال تعالى في سورة القمر: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17). ثم كرر نفس الآية ثلاث مرات أخرى في نفس السورة.  ليس للطبيعة لغة خاصة وليست هناك لغة لله تعالى, أو لملائكته, أو للجن, أو لبقية الكائنات.  حينما يتحدث سبحانه عن تجاوب السماء والأرض بلغتنا فهو لا يعني بأن السماء والأرض تتحدث العربية:  قال تعالى في سورة فصلت: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11).  ليس للسماء والأرض لسان, ولا تعرف أي منهما العربية, لكنه لسان الطبيعة وتجاوبها مع ربها.  كما أن ربنا لا يقول لما يريد كن بالعربية فتكون بل جملة كن فيكون تبين لسان حال الكائنات وكيفية تجاوبها مع إرادة ربها وأمره.

 

والقرآن يحدثنا عن الطبيعة المخلوقة لله تعالى ويعلمنا كيف نتجاوب مع الطبيعة. الطبيعة كموجود وليس كنظام فقط وهي كموجود أوسع بكثير مما نراه بعيوننا في الكون الفعلي. إنها تشمل كل الخلق المستقبلي والله تعالى يعلمنا كيف نتجاوب مع مقتضيات الطبيعة هنا ثم في النشأة الآخرة. والفؤاد يمثل الواسطة بين قلبنا النفسي وهو مركز الإدراك لدينا وبين صدرنا النفسي وهو مركز معلوماتنا وكذلك يربطنا بالعالم الخارجي. فنحن نحتاج إلى تثبيت الفؤاد وعدم اضطرابه حتى ينقل لنا المعلومات الدقيقة لندركها.  وهذه حكايتي أنا مع الفؤاد. فنحن بدأنا التفسير من الجزء الثلاثين ثم انتقلنا إلى الجزء 29 وهكذا حتى سورة الأحقاف. ثم بدأنا القرآن من بدايته كما بدأنا جلسات التفسير في شمال لندن من سورة الإسراء في منتصف القرآن.  فكنت مضطرا لأفهم معنى الآية السابعة من سورة الانفطار منذ بدايات التفسير وهي هذه مع آيتين مفسرتين لها: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7). راجعت كل التفاسير وكل المفسرين المعاصرين الذين سعوا لبيان أن الماء الدافق يخرج من بين الصلب والترائب دون أن ينجحوا.  ما تمكنت من أن أعرف المعنى وفي الجلسة سألت الأطباء الزملاء فقالوا لي بأن لا علاقة للمني بالصلب والترائب. قلت لهم إذن لا أعرف معنى للآية وأنتظر حتى يفتح  الله تعالى علينا مستقبلا. ما كنت أعرف معنى الفؤاد وأهميته في ذلك التاريخ.  وفي الأسبوع التالي فكرت كثيرا لأجد بأن حديث الآيات عن الإنسان نفسه وليس عن الماء الدافق؛ فحينما يقول سبحانه عنه مم خلق، خلق من ماء دافق فهو قد أكمل بيان خلقه.  ثم يعود إليه مرة أخرى ليقول بأنه هو الذي يخرج من بين الصلب والترائب وليس الماء الدافق.  يقول ذلك لأن السورة تتحدث عن النجوم وكيف تكبر كثيرًا بعد فترة لتطرق الكواكب البعيدة عنها.  فشمسنا سوف تكبر بعد حوالي أربع بلايين سنة وتزداد حرارتها حين يتحول كل الهيدروجين فيها إلى غاز الشمس.  هناك سوف تبلع عدة كواكب من منظومتها وسوف تطرق أرضنا لتحرقها وليس لتبلعها كما يتظنن الفيزيائيون.  يريد سبحانه أن يقول لنا بأن لنا مثالا في الإنسان نفسه بأنه تعالى يخلقه من ذرة صغيرة ثم ينميه في رحم أمه فيكبر حتى يملأ صلب أمه وترائبها.  هكذا يكبر الله تعالى الكائنات وينمي الصغائر.  تلك مقدمة لمفاهيم أخرى لا مجال لذكرها. هذا معنى تثبيت الفؤاد إخواني وأخواتي, فلو كان الفؤاد مضطربا لبقيت أفكر في المعنى السائد بين المفسرين ولم أكن لأصل إلى نتيجة.  ولكن لما تثبت فؤادي صار قادرا على أن ينقل لي المعلومات بدقة إلى مركز المعالجات في نفسي حتى لا أكتفي بما لدي بل أتوسع في فكري. والله تعالى يقول عز من قائل في سورة الحج:

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35). المخبت يعني الذي يتوسع في فكره كالذي يمشي في الوديان فيصل إلى خبت واسع. قال امرئُ القيس:

فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى      بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل

فعلينا بأن نخبت ونتوسع في أفكارنا ونعطي الفرصة لأفئدتنا لتأتي لنا بالمعلومات من كل مكان حتى نعرف الله تعالى بالقدر الذي يمكن لنا أن نعرفه وحتى نعرف قرآنه بالكامل فهو كتاب أنزله الله تعالى لنا.  لكم خالص الدعوات.

 

أحمد المُهري

13/12/2016 

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s