لم يسبق الله تعالى عباده المختارين بالعلم!


لم يسبق الله تعالى عباده المختارين بالعلم

مبحث لفضيلة الشيخ : أحمد المُهري

بسم الله الرحمن الرحيم

Unseen
Unseen Thailand grand canyon sam pan bok at ubonratchathani

تدور في هذه الأيام مناقشات حارة في مركز تطوير الفقه الإسلامي حول مسألة أثارها أخونا الفاضل الطبيب محمد سلامه وهي مسألة خلق الله تعالى للمثل العلا في النفس الإنسانية. ليس لمفكرنا الكبير أي دليل واضح من القرآن الكريم ولكنه يستنتج هذا الواقع من مجموعة تصورات لديه ويستند في تصوراته إلى بعض الآيات الكريمة. قلت بأن هناك إمكانية احتمالية بأن يقوم جمع من علماء الأرض وبمساعدة إمكانات من عدد من الجامعات الكبرى وتصرف ما يقرب من قرن من الزمان لدراسة أحوال مختلف الناس في مختلف بقاع الأرض. هناك قد يصلوا إلى نتيجة أن ادعاء سيادة الطبيب صحيح أو خاطئ. وطبعا لا يمكن أن ترضى الجامعات بالقيام بهذه المهمة إذ لا فائدة تعود إليها في كشف تلك الحقيقة بعد أن يُصرف وقت وجهد كبيران إضافة إلى مئات الملايين من الدولارات. تلك عملية ممكنة لأن ادعاء أخينا الطبيب يدور في النهاية مدار النفس الإنسانية.

لكن سلفنا العظيم (من حيث العدد طبعا) ادَّعوا مسألة ترتبط بنفس الله تعالى. وأنى لنا أن نكتشف إرادة القدوس العظيم (العظيم فعلا) ونحن لا يمكننا الإحاطة به إطلاقا. تلك هي مسألة علم الله تعالى المسبق بأعمال عباده المختارين والتي لم يصرح بها القرآن بل صرح بعكس ذلك. ويظن سلفنا ومن اتبعهم من الحاضرين اليوم بأن رفض ذلك الادعاء غير المستدل قدح بشأن الله تعالى. وحينما نفكر بحرية نرى بأنهم يخالفون صريح القرآن لمجرد تصورات وهمية باطلة في نفوسهم. صرح ربنا بأنه سيعلم حقيقتنا وهم يقولون كان يعلم من الأزل حقيقتنا. إنهم يرفضون تصريحات القرآن بحجة تعظيم الله تعالى. أليست تلك سخافة ووهم باطل؟

إذن، شاع بين المؤمنين بالله ولا سيما المسلمين بأن الله تعالى كان يعلم ما سيفعله عبيده من الأزل أو من يوم خلق السماوات والأرض أو من يوم خلق الإنسان أو من يوم خلق كل فرد. بالنسبة لنا نحن المسلمين فإن القرآن لا يذكر أبدا بأن الله تعالى كان على علم بما سنفعل بل العكس. كل الآيات التي تتحدث عن أعمالنا الإرادية الاختيارية تتحدث عن كامل اختيارنا بأن نفعل أو لا نفعل. هناك أعمال نأتي بها دون أن نريد ودون أن نبرمج لها فهي أعمال لا تدخل في نظام الاختبار قطعيا. نحن في هذا البحث المختصر سوف نتناول موضوع علم الله المسبق بأفعال المختارين من عباده فقط وسوف نركز البحث على الإنسان دون الجن فالجن بالنسبة لنا غيب لا نعلم عنه إلا قليلا. وهذا القليل يمثل ما تعلمناه من القرآن دون غيره من الكتب.

ونبدأ ببيان مبسط عن العلم.

ماهية العلم.

العلم يمثل الإحاطة الكاملة بحقائق الوجود أو بأخبار أفعال صدرت من الكائنات وهو خاص بالله تعالى. وكل من دونه حتى الأرواح القدسية وكل أنواع الملائكة فهم متعلمون. بمعنى أن الله تعالى يعلمهم أو يخبرهم وفق نظام لا نعرفه نحن ولا يمكننا أن ندركه. وأما نتائج الأعمال المستقبلية الناتجة عن برمجة مسبقة فهي ليست علما قبل وقوعها ولكن الله تعالى إذا برمج لشيء فإن ذلك الشيء سوف يتحقق من دون أدنى شك وسيصير علما بعد حصوله.

ولكن العلم بالنسبة لنا نحن البشر فهو نوع من الإحاطة الفكرية أو السمعية أو البصرية بحقيقة من حقائق الوجود وليست إحاطة كاملة وهكذا علمنا بالأفعال فهو مستنبط من مشاهداتنا السمعية والبصرية أو بقية حواسنا دون فهم دقيق لكل جوانب الفعل. ونسمي القسم الثاني أخبارا أو أنباء. وحينما نبرمج لهدف معين فإن ما سيحصل لا يعتبر علما إلا بعد حصوله ولكن احتمال عدم الحصول أو عدم توافق كل الجزئيات مع البرمجة ليس صغيرا. فنحن لا نملك المتغيرات بل الذي يملكها هو الله تعالى وحده.

وأما العدميات أو السلبيات فهي ليست حقائق في حد ذاتها وغير قابلة للحصر والعد. فقولنا بأن الإنسان لا يطير ولا يمكنه أن يدخل في جحر فأرة وليس قادرا على خرق الحواجز بلا آلة وكل ما شابه ذلك من عدميات فهي غير قابلة للحصر وليست وجودات يمكن أن يشار إليها. يمكن للإنسان أن يتخيل الكثير من الأعدام فلا قيمة لها حتى ندخلها في حيز المعلومات.

إذن حينما نقول بأن الله تعالى عليم بكل شيء فإننا نتحدث عن الشيئية قبل أن نتحدث عن العلم. ولا يمكن أن تسمي العدم شيئا في واقعه فلا معنى للقول بأن الله تعالى يعلم بأننا لسنا من الجن. هذا ليس علما ولا يمثل وجودنا ولكن القول بأننا كائنات نامية متحركة مدركة قابلة لتغيير المكان والحالة وبقية خصائصنا فهو حكاية شيء له وجود والله تعالى يجب أن يكون على علم به من قبل أن يتحقق لأنه جل جلاله حاكم على كل المتغيرات في الكون كله.

هذه الوجودات الموجودة فعلا تمثل حقائق ممكنة بمعنى أنها كانت غير موجودة فأوجدها الله تعالى فوجودها غير واجب مثل وجود الله تعالى نفسه وهو الواجب الأحد. وإذا قبلنا بأن الله تعالى هو الموجد الحقيقي وبأنه عالم خبير مدرك فلا يمكن أن نتصور بأنه تعالى يوجِد شيئا عبثا فالعبث ليس من عمل الرحمن. لو كان الرحمن عابثا لما رأينا هذا الكون المنظم البديع الذي يدل على إتقان وتدبير مسبق بدون أي خطأ. فالمدرك الحكيم لا يمكن أن يوجد شيئا لا يمكنه إدارته والإحاطة به وإزالته حينما يشاء.

ثم إننا نشعر وجدانا بأن هناك قوانين طبيعية تتحكم في الوجودات القابلة للرؤية العينية أو الآلية كلها. إنها قوانين الطبيعة لكون مترامي الأطراف مليء بكواكب مختلفة الماهيات من كرات غازية مهيبة وأجسام صلبة وكلها في تحرك وبسرعات مذهلة وحركات مختلفة. فهذه الحركات المختلفة والحرارة المختلفة والحالات الغازية والسائلة والصلبة المختلفة الدرجات لا يمكن أن تتجانس بلا إدارة. ولو لم نتصور التجانس في الكائنات فيعني بأنها تميل إلى الزوال لاختلاف ماهياتها وحقائقها التكوينية. والله تعالى هو الخالق فهو المالك وهو الذي يهتم بإدارة كل ممتلكاته قطعا. هذا البحث يحتاج إلى كتب لدراسته ولكننا نعتبر القارئ مطلعا عليه وموافقا عليه ولذلك وجب تذكيره فقط وقد تم ذلك.

نأتي الآن إلى الإنسان وهو جزء لا يتجزأ من منظومة الكائنات الممكنة. حينما ننظر إلى وجوداتنا نشعر بأننا مماثلون نوعا ما للنباتات وبنوع أخص مماثلون للحيوانات وبنوع أخص للأنعام وما يشابهها. لكننا مميزون عنها جميعا بأننا نتحرك بشكل غير محدود أو أكثر مرونة من حركة الأنعام التي تمثل النمو والحياة والمشي والصوت والسمع والشم وبقية المشاعر المشابهة لنا. كما نرى ونسمع عن وجود إمكانات الدمار الشامل لدى بعض البشر بل قيام البعض بالتدمير فعلا على مر التاريخ البشري المكتوب ولكن هذا الإنسان في النهاية بقي ولم يُفن. بقي وتكاثر وازداد عددا كما ازداد تكيفا وتطورا. كل هذا يدل دلالة على أن الله تعالى في حين أنه أعطانا الإرادة فإنه لم يترك لنا كل الأمر. ناهيك عن مختلف الأمراض التي تفشت بين الناس وبين الطيور والأنعام والتي حررتها أقلام البشر وكلها لم تنقص من البشرية ولا من مأكله شيئا كبيرا. إن الإنسان وما يحتاجه الإنسان يتعافى سريعا بعد كل موجة فناء ويزداد ولا يتناقص كما تزداد النعم والإمكانات وتُستحدث وسائل العيش وتُكتشف خبايا طبيعية في الأرض والهواء والشمس مما تدل دلالة واضحة على أن المدير المدبر جل جلاله قد مهد لكل شيء منذ بلايين السنين قبل أن يتواجد أول إنسان على وجه كوكبنا.

والإنسان المعاصر يقيم الكثير من الهيئات الدولية والمرافق الكبرى لإدارة شؤون البشر كما يقيم المصانع و المزارع النموذجية وكأنه هو الذي يدير أموره. مع كل ما نقوم به لحماية أنفسنا فإننا نواجه مؤامرات خبيثة لو توسعت لكانت كافية لفنائنا. فبجانب القنابل الهيدروجينية المدمرة هناك منظمات بشرية للقتل وسفك الدماء ولإشعال الحروب ولهدم البيوت والمصانع وحرق المزارع والقرى والمدن والأقطار ولكن الإنسان يتزايد فعلا والأمور لا تسير كلها وفقا لإرادة المجرمين. نراهم في النهاية يقضون على بعضهم البعض ويعود الإنسان إلى الحياة المتطورة مرة أخرى.

كلما نراه من مكر خبيث لإزالة الإنسان فهي نابعة من قدرة الإنسان على الإرادة ولكن ذلك الإنسان يسيء استعمال قدراته مع الأسف. ويبقى المدبر العليم يسمح بالقليل من الفناء ويعوض البشرية عامة كل ما خسرته لتعود إلى الحياة الأكثر تطورا. ولعلنا نلاحظ بأن هناك بعض التغييرات في أحوال الناس لا يمكن أن تتم بدون سيطرة الخوف والموت عليهم ولو لفترة قصيرة. يمكننا مشاهدة حقيقة قد تكون غريبة للبعض وهي أن الله تعالى يريد تثبيت الحرية بين الناس ليتمكن كل عبد من عبيده من إظهار حقيقته كما ينبغي لها فيعلم الله تعالى حقيقة قلوب الناس. وبمجرد ما نرى كبتا للحريات في مكان ما من العالم فإن الحروب تشتعل حتى يحصل الناس على الحرية الضرورية لاختبارهم.

تكفي هذه المقدمة لندخل في صلب الموضوع.

من هو الله تعالى وكيف يسمح لهذا القدر الهائل من التدمير لبعض الناس وهل هو راض عما يفعله المجرمون أم أنهم يفعلون ما يشاؤون رغم إرادة السماء؟ سوف لا نتعرض لكل المسائل بالتفصيل ولكن المهم معرفة هذه الإشكالات.

الله تعالى هو الذي أخضع كل شيء لنفسه فكيف يسمح بالتدمير؟ ألم يدبر الأمور من قبل فكيف سمح للمجرمين أن يبرمجوا لقتل الناس دون رحمة؟ هل كان الله تعالى على علم بكل ما فعله المجرمون؟ ثم هل كان الله تعالى يعلم ما سيفعله المجرمون؟ لو علم سبحانه بكل أفعال المجرمين وبكل دقة فكيف أذن لنفسه بأن يخلقهم وهو الخلاق العليم؟

نحن نعلم بأن الله تعالى أخضع كل شيء لنفسه فعلا وهذا هو بظني معنى الاسم العربي “الله”. فأنا أظن بأن الله مشتق من أله يأله بمعنى خضع يخضع فيكون المعنى هو استمرار إخضاع كل ما يخلق لنفسه. لكن هناك مسائل أخرى يمكننا دراستها وسأشير إلى بعضها.

  1. السياسة العامة لتطوير المجتمعات ولحمايتها من بأس بعضها البعض. هذه السياسة قد تقتضي أحيانا السماح للحروب والفوضى وسيطرة المجرمين لهدف لا يمكن تحقيقه إلا بأن يشعر الناس بالخوف الشديد.
  2. انتقال الحضارات بين البلدان ولم يكن ممكنا أن يتم هذا الانتقال إلا بانتقال المثقفين والعلماء من بلد إلى بلد لينتشروا في الأرض. ذلك لا يتم إلا بسيطرة الخوف وانعدام الأمان في مساقط رؤوسهم. وهكذا يتم تبادل الخبرات بين الشعوب.
  3. تبادل الخيرات الأرضية والمعادن وكريم الحجارة وكذلك المنتوجات الزراعية بين الشعوب وكذلك الصناعات المختلفة وعامل الخوف أسهل وسيلة لذلك.

لكننا نعرف بأن الله تعالى بالإضافة إلى تعامله مع الشعوب فإن له تعاملا خاصا مع كل فرد وهو بيت القصيد في هذه المقالة. يمكن القول بأن الله تعالى يمهد لبعض الحركات الكبرى ولو كانت بظاهرها سلبية تنفيذا لسياسته وحكمته. ولكن لا يمكن القول بأن الله تعالى يمهد لأفعال الأفراد. لعل الكثير من القراء الكرام سمعوا بعض الشيء عن العلوم الإدارية. فكل هدف للمؤسسات وللحكومات وللتجمعات لا يمكن ضمان تحقيقه إلا إذا سبقه إعدادات مختلفة للقوى العاملة وللمدراء وكذلك تدبير الأماكن والإمكانات وتهيئة الظروف الأخرى بما فيها الظروف المناخية في بعض الموارد ومثلها دراسات التسويق والمنافسة و كثيرا من التدبيرات التي تسبق القيام بأي عمل كبير يؤثر في الحياة العامة. إن قسما من هذه الحركات يقوم بها نظام الألوهية والقسم الآخر يقوم بها الناس وسنشير إليها. وليكن واضحا بأن الذي يدبر لأمر مستقبلي فإنه في الواقع هو الفاعل الحقيقي، وأما الذي يباشر العمل فهو مجرد منفذ لإرادة وتصميم وتدبير المدير. ونحن نريد فهم الأعمال الفردية التي تستحق المكافأة أو المجازاة ولا نتحدث عن الأعمال الجمعية التي تعود إلى إرادة الله تعالى في النهاية وهو الفاعل لكل عمل إيجابي وهو الذي يأذن لبعض السلبيات الكبرى تنفيذا لسياسته وحكمته جل جلاله.

أولا:

قال تعالى في سورة الرعد: اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11). يبدأ سبحانه بدراسة أو تدبير ما في الأرحام. إنه يعلم قدرة الأجنة من حيث القوة قبل الفعل فيدبر التقسيمات الضرورية لتوزيع الكفاءات المستقبلية التي تؤثر في تغيير الأقوام والتجمعات الكبرى وتطويرهم إلى الأمام كما أظن. والآية الأولى لا تتحدث عن الذكر والأنثى كما ظن قليلو العلم بل تتحدث عن قدرات الكائن الجديد الذي سيأتي بعد أشهر قليلة. كما أنه سبحانه تبعا لعدالته يراعي استحقاقات الناس أيضا.

وقال أيضا في سورة لقمان: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34). وهنا أيضا فإن العلم بما في الأرحام لا يمكن أن يعني ما ظنه المفسرون بالعلم بالذكر والأنثى ولكنه العلم بحيثيات البشر حين التكوين الأساسي في الأرحام. فالله تعالى لو لم يعلم ذلك لرأينا بأن المهن في الأرض اليوم غير موزعة توزيعا عادلا وكانت الحياة غير منظمة بين الناس. فالله تعالى يساعد الطفل الذي تكوّن ليصل إلى المراتب التي يمكن أن يصلها ويوجهه التوجيه الضروري للوصول إلى تلك المراتب. وهذا الأمر يحتاج إلى العلم والله عالم بكل الأمور علما محيطا كاملا؛ كما يحتاج إلى الخبرة بمعنى حاجة المجتمع إلى المهن الضرورية تبعا لمن سبق منهم في الحياة وهو سبحانه يستعمل علمه وخبرته للتوفيق بين الأجنة مع حاجة مجتمعهم. وهكذا يجعل اللهُ القادرَ على الرسالة أن يصير رسولا لو رأى حاجة إلى ذلك ولو لم ير حاجة فإن نفس القوة يمكن تحويلها إلى علم التفسير مثلا أو إلى علم الأدب العربي مثلا فيحولها. هذا معنى رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين بالنسبة لأم موسى بإذن الله تعالى.

ثانيا:

قال تعالى في سورة النساء: وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (25) يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا (28). يؤثر الأبوان في النسل من بعض الحيثيات مثل الشعور بالحرية فيعلِّم الله تعالى الناس ليهتموا بالزواج مع الحرائر ولو عجزوا عن تحرير الفتيات فيتزوجوا مع المملوكات بإذن أهلهن فيمنحوهن بعض الحرية من تمليكهن المال وذلك للشباب الفقراء إذا شعروا بالخطر من الزنا فقط. لكن أتباع الشهوات يشجعون الناس على الارتباطات الجنسية بلا حساب وأظن بأنها إشارة إلى الإباحية التي يقوم بها الأثرياء باسم الزواج المتعدد وباسم الزواج المؤقت وأما المملوكات فبلا حساب ولا كتاب. كل ذلك محرم في القرآن وهم جميعا آثمون طبعا. والزواج مع الحرائر يمثل السنن التي أشهرها أنبياء السلف بين الناس لتحسين النسل. هذه المسائل بيد الناس أنفسهم والله تعالى يكتفي بنشر العلم بينهم وقد منحهم الإدراك من قبل.

نكتفي بهاتين المسألتين إحداهما من صنع الله تعالى والأخرى من صنع الناس والله يهدي فقط. وحينما يقول سبحانه بأنه يهدينا فهو يعني بأنه منحنا الخيار لنتبع التعليمات أو نتجاهلها. نلاحظ بأن مسألة النسل وهي في الواقع أهم مسألة لتشكيل المجتمعات وتقوية الأقوام فإن الله تعالى يكتفي أحيانا بأن يهدينا ولا يقوم بفرض شيء علينا. ولم نجد في القرآن أية إشارة إلى أنه سبحانه يمهد لأفعال الأفراد من قبل أو يعلم ما سيفعله الأفراد من يوم خلقهم أو من يوم خلق السماوات والأرض أو من الأزل حسب ادعاء بعض المغالين بلا علم ولا روية. لكننا نجد العكس وسأذكر الآيات التي تنفي العلم المسبق لأعمال الأفراد. وأكرر بأننا لا نتحدث عن التغييرات الاجتماعية الكبرى فهي سياسة وحكمة الرحمن وهي بالتأكيد مبرمجة إلى حد كبير بمعنى أن هناك الكثير من الاحتمالات في البرمجة مصحوبة بالمعالجات الضرورية باعتبار اختيار البشر. ولكننا نتحدث عن أعمال أفراد البشر في هذه المقالة.

  1. قال تعالى في سورة الحديد: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4). تبدأ السورة ببيان تسبيح الكائنات الموجودة لله تعالى الذي يملك كل شيء موجود وهو يحيي ويميت. ثم إنه سبحانه عليم بكل شيء وليس بما ليس بشيء. والله تعالى بصير بما نعمل. فنحن نعمل والله تعالى يبصرنا ويعلم ببصيرته حقيقة أعمالنا ونوايانا. نحن الذين نعمل دون أي فرض علينا  ولو كان الله على علم مسبق بما سنفعل من قبل ان يخلقنا فنحن الذين ننفذ علم الله ولسنا نحن الذين نعمل. لقد نسب الله تعالى كل شيء إلى نفسه ثم نسب أعمالنا إلينا لا إلى ربنا. وهو عليم بما نعمل ولم يقل بأنه كان عليما بما سنعمل. ووضح لنا بأنه عليم بما نعمل لأنه معنا أينما كنا يرانا ويسمعنا ويعلم كل ما في صدورنا.

ثم يقول سبحانه في نفس السورة: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22).

فالآية تعني بأن الله تعالى ضمن كتاب أي ضمن نظام مكتوب عنده ومعلوم لديه يبرأ المصيبة أي يسمح بها إن كانت المصيبة منسجمة مع كتابه. فهو سبحانه في هذا المجال يعلم النتائج كلها ويعلم آثار الإصابة في ملكه وفي نظامه ويبرؤها أن يسمح بها لتسير وفق النظام. هكذا لا يفقد هيمنته وملكوته ولا يحتاج لأن يعلم به سبحانه من قبل أن يخلقنا أو من قبل أن يخلق الكون حتى نكون مسيرين. هكذا لا يفقد الله تعالى هيمنته ولا نكون مسيرين.

في هذه الآية يحدد الله تعالى سبق علمه لما يصيب الأرض والأنفس ويحدد زمان العلم كما أظن. إنه ضمن كتاب يؤكد سياسة الله تعالى في عبيده من قبل أن يبرأ الله تعالى تلك الحادثة. فما معنى يبرؤها الله تعالى؟ قال تعالى في سورة الحشر: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24). فقبل أن ندرس البرء لغويا يمكننا النظر إلى الآية الكريمة لنتعرف على الفاصلة الزمانية بين البرء وحصول الشيء. يتم خلق الإنسان في البويضة خلال عدة لحظات تبدأ بارتباط الحيمن بالبويضة وهما (الحيمن والبويضة) عقيمان. فالبويضة كانت في جوف الأم سنين أو عشرات السنين دون أن تتكاثر والحومن أيضا عاجز عن التكاثر. فأول عملية يقوم بها الله تعالى هو أن يشفيهما من مرض العقم ثم تبدأ عملية التصوير الجيني. هذا نوع برء يتم لحظات قبل التصوير.

أما لغويا فإن الراغب يقول بأن البرء في أصله يعني التقصي مما يكره مجاورته. التقصي يعني الابتعاد. ولذلك يسمون الشفاء من المرض برءا. وقال ابن فارس في مقاييس اللغة: للبرء أصلان أحدهما الخلق والثاني التباعد. لم يقل الراغب بأن البرء يعني الخلق ولكن ابن فارس يستشهد بآية واحدة من سورة البقرة وهو كما يبدو كان يجهل معناها فظن بأن البارئ يعني الخالق وهي هذه: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54). إضافة إلى آية الحشر. والكلمة مذكورة 28 مرة أخرى كلها تعني التباعد. وأنا أظن بأن معنى آية البقرة هو أن يقتلوا شهواتهم النفسية ليشفي الله تعالى نفوسهم وهو الذي شافى خلقهم يوم خلق نفوسهم. فالله تعالى يصنع لنا النفس لحظة شفاء الحومن والبويضة من العقم وتحقق ارتباطهما وتزاوجهما بالكامل. هناك يمنحنا النفس ثم تتم عملية التعديل الجيني. والعملية مذكورة في سورة الانفطار: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (8). مغزى قول موسى لقومه كما في سورة البقرة بظني هو أنه عليه السلام أراد أن يذكر قومه بأن ربهم الذي شافى خليتي أبويهم لصناعة نفس حرة فهو سبحانه كفيل بأن يشفي تلك النفس المريضة التي مارس صاحبها عبادة غير الله تعالى فأدخل المرض في نفسه. فإذا عاد المذنب إلى ربه فقد يكرمه ربه ويشفي نفسه. ولذلك علمهم بأن يقتلوا أنفسهم ويعني أن يتركوا الشهوات النفسية كمقدمة لشفاء النفس من مرض الشرك واتباع الشهوات والعلم عند الله تعالى. فعلمنا بأن الفاصلة بين البرء وحصول الشيء ليست فاصلة كبيرة فمن قبل أن نبرأها لا يمكن أن تعني من يوم خلقهم مثلا.

  1. قال تعالى في سورة غافر: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64). وقال سبحانه في سورة السجدة: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (9). هل يمكن القول بعد الإمعان في الآيتين أعلاه بأن الله تعالى كان يعلم مسبقا بأن هتلر وصدام حسين وجنكيز خان والحجاج بن يوسف سيقتلون الأبرياء؟ ولنعم ما قال أخي وزميلي المهندس عادل الحسني: إنه تعالى يريد أن يخلق خلقا حسنا فهل يجوز له حسب قوانينه التي ذكرها في القرآن أن يخلق إنسانا واضحا بأنه مجرم كفار؟ ولم يقل سبحانه أبدا بأن إجرام المجرمين كان واضحا من قبل أن يأتوا.
  2. قال تعالى في سورة الأعراف: قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130). أليس موسى موحى إليه ويتحدث بأمر الله تعالى بأن ربهم قد يهلكهم ثم يسلطهم على الأرض فينظر كيف يعملون؟ كما فعل نفس الشيء لفرعون وقومه حيث اختبرهم بالنقص لعلهم يعودوا إلى ربهم. لو كان عدم عودة قوم فرعون معلوما من قبل وما سيفعله بنو إسرائيل معلوما من قبل فإن ما فعله الله بالقومين عبث وهو سبحانه لا يمكن أن يعبث. كما أن رجاء التذكر غير صحيح لمن يعلم بأنهم لن يتذكروا. وأما قول الذين يقولون بأن الله تعالى كان يعلم ولكنه أراد أن يقيم الحجة عليهم أو أن يعلم علم رؤية فهو قول في غاية السخافة. لو أراد الله تعالى ذلك لكان لزاما أن يعامل جميع الأفراد معاملة واحدة ليرى فعلية قيامهم بما علمه ربهم عنهم من قبل أن يخلقهم. ونحن نرى بأنه تعالى يميت بعض الأشخاص وهم لم يبلغوا سن الرشد. كما أن الراشدين البالغين أيضا لا يُختبرون اختبارات متوازنة ومتساوية فاختباره تعالى ليس مثل اختبار طلاب الثانوية في قاعات الامتحان. والواقع أن الله تعالى يحاسب الناس على نواياهم ويسمح للقليل منهم تبعا لسياسته أن يمارسوا الإجرام. وهناك برنامج آخر للمحاسبة يوم الحساب كما نعلمه من القرآن الكريم. وليس هذا مجال ذكره.
  3. قال تعالى في سورة التكوير: إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (27) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29). ربط الله تعالى مشيئة الناس للاستقامة بمشيئته حتى لا يفقد السيطرة عليهم ولو كان قد شاء من قبل لقال وما تشاؤون إلا إن كان الله قد شاء من قبل. كل العمليات تتم فيما بعد. هناك نية لدى الفاعل يصاحبه على طول مشيئته مشيئةٌ من الله تعالى ليقوى على أن يشاء. ومن الطبيعي أن يتلوه مشيئة من الله تعالى للسماح له إن شاء أن يسمح له ثم يتلوه قيام الشخص بما نواه فعلا. فأين المشيئة القديمة وأين الإرادة الأولى حين خلقه؟
  4. قال تعالى في سورة الكهف: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30). الذكر والحق في الآيات يعودان إلى القرآن الموحى إلى الرسول الأمين. وبعد أن سمعوا الذكر من الرسول عليه السلام يقول لهم الرسول بأن القرآن هو الحق من ربكم ثم يذكرهم بالخيار الممنوح لهم. كل إنسان باختياره يؤمن وباختياره يكفر والهدى بين يديه. ثم إنه سبحانه هدد من يثبت بأنه ظالم وبأنه ينكر الحقيقة نار جهنم وليس كل من لا يؤمن فقد يكون عدم إيمانه عن جهل حقيقي أو عدم إدراك لما يسمعه من كتاب الله تعالى وهدْيه.
  5. التدبير الذي يتحدث الله تعالى عنه للبشر محدد زمانيا في القرآن. فسنعود إلى آية السجدة أعلاه لنقرأها مع ماسبق: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (9). هذا التدبير الألفي خاص بالبشر وليس للسماوات. قال تعالى بالنسبة للسماوات في سورة فصلت: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12). فأمر السماء والأرض موحى إليها من يوم خلقها وهو مستمر إلى ما بعد النشأة الثانية لقوله تعالى في سورة الذاريات: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23). فكل ما نوعد من دمار كوني ونشأة جديدة و جنة ونار وحياة مستقبلية كلها مبرمجة يوم خلق الله تعالى السماوات والأرض. ذلك لأن السماء مسير بالكامل وهو مبرمج من قبل والله تعالى قادر على ذلك فيعلم كل ما سيحصل للسماء باعتبار أنه برمج لذلك فالفاعل هو الله وليس السماء. هناك بعض التغييرات المذكورة في القرآن حيث وعد الله تعالى بأن يستعجل فيها ولا مجال لذكرها في هذه المقالة.

لكن تدبير أمور الناس بمعنى الخطة المستقبلية لحياة الناس فهو يتم مرة كل ألف سنة فقط. وهذا دليل على عدم وضوح أعمال الناس الاختيارية من قبل. والتدبير لا يعني بأنه تعالى يدبر نوايا الناس بل يدبر تبعات نواياهم ويبلغها الملائكة الكرام مرة كل ألف سنة في ليلة تسمى ليلة القدر والقرآن لا يذكر أكثر من عشر ليالي قدر خلال عشرة آلاف سنة وهي عمر الحياة الإنسانية المتطورة في كوكبنا كما أظن والعلم عند المولى عز اسمه.

المشكلة هي أن السلف ومن اتبعهم حتى يومنا هذا يقارنون بين الكائنات غير المريدة وبين الإنسان الذي خلقه الله تعالى ليكون خليفة لله في الأرض حتى يموت وتنتهي خلافته. كل السماوات وكل الأراضي وكل الأبدان بما فيها أبداننا مسيرة وغير مخيرة. ولذلك ليس لأي منها وليس لحركاتنا البدنية الداخلية أي ثواب أو عقاب. شأنها شأن الصخور والمياه والغازات. إنما نثاب ونعاقب على إراداتنا ونوايانا النفسية فقط. لقد علم الله تعالى حركة الكواكب من يوم خلقها فلم تجد الكواكب بدا إلا أن تسير حسبما علمه الله تعالى فلو كنا مثلها فنحن مسيرون وهو يتنافى مع الاختيار.

  1. يعتبر الله تعالى الإنسان باعتبار إرادته خصيما لله أحيانا. قال تعالى في سورة النحل: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (4). وقال سبحانه في سورة يس: فَلا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ(76) أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (77). فهل قال سبحانه بأن الجبال أو الملائكة أو البحار أو الفضاء خصيم مبين، أم قال بأن الإنسان خصيم مبين؟ هل السماء والأرض تسر وتعلن أم الإنسان يسر ويعلن؟ هل قال سبحانه بأنه كان يعلم ما سوف نسر وما سوف نعلن أم تحدث عما نسر ونعلن فعلا؟

وقال سبحانه في سورة المؤمنون:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16).

حديثنا عن الخلق الآخر الذي أنشأه الله تعالى بعد خلق التكوين البدني. إنه هو الإنسان المريد الذي يستعمل كل البدن كآلة بيده وهو الذي يموت ويُبعث وليس البدن. إنه خصيم لربه وخليفة في الأرض وليست الملائكة كذلك. فكيف يكون خصيما لو فقد الاختيار أن يفعل أو لا يفعل؟ هل الأحصنة خصماء لنا في الحروب أم الذين يركبون الأحصنة؟ هل نحرق الدبابات لو تركها راكبوها في الحروب أم نستملكها لأنها ليست خصماء لنا؟ الخصيم هو كائن مريد يخلف الله تعالى في الإرادة ولو بصورة مؤقتة لاختباره ولكنه سبحانه لن يختبر الملائكة ولن يختبر الأحصنة ولن يختبر الدبابات.

  1. هناك فرق إخواني بين الإنسان وبين السماوات بأنها تسير وفق النظام المرسوم وليس لها أعمال إرادية شخصية ولكن الإنسان مغاير لها. قال تعالى في سورة الانشقاق:

إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الإنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلاّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25).

السماء تنشق والأرض تمتد استجابة لأمر ربها ولا تكدح ولا تنوي شيئا وليس للسماء والأرض ثواب أو عقاب. لكن الإنسان كادح إلى ربه كدحا فملاقيه.

السماء والأرض عند ربها منذ خلقها ربها ولكن الإنسان مرسل بإرادته إلى أجل مسمى ليرى ربه عمله وليس ليرى ربُّه عملَ ربِّه. وتعلمون بأني أقصد بتعبير “عند ربها” بأن الشيء محاط بالنظام الربوبي وفاقد للإرادة.

ولذلك فالإنسان بحاجة إلى قرآن يهديه ولكن السماوات والأرض لا تحتاج إلى من يهديها بالقرآن والكتاب بل تحتاج إلى من يسيرها ويديرها. سجود السماوات والأرض سجود طبيعي غير اختياري فلا تثاب ولا تُعاقّب ولكن سجود الانسان اختياري إرادي يُثاب عليه ويُعاقّب على تركه. كما لا توجد بشائر للسماوات والأرض ولكن هناك بشائر وإنذارات للإنسان لأنه مختار أن يفعل أو لا يفعل. ولذلك لم يقل الله تعالى أبدا بأنه كان يعلم ما سنفعله نحن لأنه لو قال ذلك لأصبحنا مسيرين وفقدنا الاختيار. ولعلكم تعلمون بأن السجود الاختياري يسمى عبادة وهي خاصة بالإنس والجن ولكن الملائكة يسبحون ولا يعبدون الله تعالى لأنهم غير مختارين. ولكن الملائكة لن تستنكف عن عبادة الله لو مُنحت الاختيار.

  1. مشكلتنا بصورة عامة بأننا ورثنا بعض المفاهيم الخاطئة من سلفنا وظننا بأن تلك المفاهيم تعظم شأن الله تعالى وهي في الواقع تقدح من شأن القدوس العزيز. فحينما نقول بأن الله تعالى كان يعلم ما سنفعله من قبل أن يخلقنا أو من قبل أن نفكر في ما سنفعله فإننا في الواقع لا نعظم الله تعالى بل نفند ونكذب الله تعالى مع الأسف ومعذرة من ربنا العزيز. قال تعالى في سورة هود: وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7). فالله تعالى يؤكد بأنه خلق السماوات والأرض بصورة خاصة ليبلونا أينا أحسن عملا. هكذا نظم سبحانه المجموعة الكونية المهيبة بأسلوب خاص بالاختبار لمن أراد أن يمنحه الاختيار ونحن البشر من أولئك المختارين.

أظن بأن من أسخف الادعاءات ما يقولونه بأن الله تعالى كان يعلم سابقا ما سيفعله الناس ولكنه سبحانه قال وكرر بأنه منذ البداية أراد أن يبلونا ويختبرنا أينا أحسن عملا. وادعى السلف بأن الله تعالى كان يعلم ولكنه أراد أن يعلم علم مشاهدة. لكن هذه الآية لا تتحدث عن أنه تعالى يريد أن يرى ماذا نفعل بل يكتفي بذكر الاختبار (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ولم يقل ليراكم أيكم أحسن عملا. فلو قلنا بأن الله تعالى علم بأعمال البشر قبل مليون سنة ولكنه مختار فهو كلام غير موزون، إلا إذا قلنا بأن علم الله تعالى قد يتحقق وقد لا يتحقق، معاذ الله.

وأنا لا أدري لما ذا يصر الإخوة رجال الدين ومن سار على دربهم على أن ينسبوا إلى الله تعالى ما لم ينسبه هو إلى نفسه وأن يتحدثوا بحديث يتنافى مع عدالة الله تعالى؟ نحن مجموعة علمية نستعمل عقلنا للتعرف على الحقائق فهل من المعقول أن يسير الإنسان وفق علم سابق لا يمكن مخالفته لله تعالى ونقول بأنه مخير؟

  1. قال تعالى في سورة العنكبوت: الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3). لم يقل سبحانه بأنه كان يعلم بل قال فليعلمن الله الذين صدقوا وهو لا يعني بأنه كان يعلم الذين صدقوا بل يعني بأنه بالتأكيد سيعلم الذين صدقوا.

وقال تعالى في سورة آل عمران

مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179).  فالله تعالى لم يقل بأنه يعلم ما سيفعله الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه و آله وسلم فكيف يقولون بأنه كان يعلم ما سيفعله كل الناس من قبل؟

  1. نحن في حياتنا الدنيا لا نعاقب أحدا على نواياه ونحن فعلا لا نعلم حقيقة نوايا الأفراد. ولكن الله تعالى يتعامل مع الناس بنواياهم حينما تجزم نفوسهم على عمل شيء أو ترضى بعمل شخص آخر. هناك بعض القصص في القرآن تتحدث عن نفسيات بعض المجرمين والله تعالى يعدهم بأشد العقوبات يوم القيامة أو يعجل في عذابهم دنيويا. فمثلا قصة عاقري ناقة صالح وإنزال الله تعالى العقاب على كل القوم فالعاقر شخص واحد ولكن القوم كانوا موافقين وراضين على ذلك. لم يكن لصالح عليه السلام لو تأتى له أن يقوم بأي أذى لعاقر الناقة نفسه لأنه لم يقتل إنسانا ولكن الله تعالى حاسبهم على نفوسهم الشرسة وعلى رضاهم بالمخالفة الصريحة لحكم الله تعالى فأهلكهم جميعا. أو الحكم الذي أصدره الله تعالى على أبي لهب وزوجته بالنار في الآخرة وبالضلال وعدم التوفيق للهدى. كان ذلك الحكم الشديد جزاء لما كسبته نفساهما وليس لما كسبته أيديهما ولا ما ستكسبه نفساهما.

ويظن البعض بأن تلك القصص تدل على علم الله تعالى بمستقبل أعمال الناس فهم غير مصيبين. قال تعالى في سورة البقرة: وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281).

وقال سبحانه في سورة الأنعام: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (70) قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72). يمكن للقارئ الكريم أن يلاحظ بأن الذين كسبت نفوسهم في الآيات أعلاه لم يعملوا عملا يدويا وإنما دعوا إلى ما لا يضرهم ولا ينفعهم. وحتى لا نزعج بني جلدتنا فإن المسلمين اليوم إلا أعدادا قليلة منهم يدعون إلى غير الله تعالى. يدعون إلى الموتى ويتشبثون بالقبور أو يدعون إلى الملوك ويتشبثون بكتب بشرية مثل كتب الحديث أو يدعون إلى المجرمين القتلة الذين يسفكون دماء خلق الله تعالى باسم الإسلام. فبعضهم يكتفي بالدعاء لهم وبعضهم يمدهم بالمال وبعضهم يشاركهم في إجرامهم. كل أولئك دعوا من دون الله تعالى ما لا يضرهم ولا ينفعهم شيئا يوم القيامة. وكلهم يدخلون النار إلا من رحم الله تعالى وأكثرهم لم يعمل شيئا بيده. وأبسلوا يعني ارتُهنوا بما كسبوا والآية مشابهة لقوله تعالى في سورة المدثر: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) .

ولقد أمر الله تعالى خاتم النبيين بأن يخاطب اليهود الموجودين أمامه والذين رضوا بما فعله جدودهم من قبل عدة قرون بأنهم من أهل النار. هذه الحكاية موجودة في سورة آل عمران: لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (183). والواقع أنه لا يوجد أي نبي مقتول في الكرة الأرضية. هناك سعي لقتلهم فقط والرسل موعودون بالسلام من ربهم. قال تعالى في سورة الصافات: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181). هذه الآية الكريمة ليست دعاء ندعو بها نحن ولكنها تمثل واقعا ربانيا. فقوله تعالى سلام على المرسلين يعني بأنهم لن يُقتلوا أبدا. والنبي الوحيد المعروف بين أتباع الديانتين الأوليين بأنه مقتول هو المسيح وقد نفى الله تعالى ذلك وقال بأن الله تعالى رفعه إليه ولم يقتله أحد.

لكن آيات الأنعام أعلاه تؤكد عذاب الحريق لمن يريد أو يرضى بقتل الأنبياء وهو العذاب الواصب الذي لا ينقطع في الآخرة وهو غير عذاب النار. والذين خاطبهم رسولنا بعد ستة قرون من انقطاع النبوة فهم لم يقتلوا نبيا ولكنهم رضوا بما شاع عن سلفهم بقتل المسيح.

هكذا يتعامل الله تعالى معنا ويجب أن نكون على حذر شديد حينما نتحدث عن أية مسألة مرتبطة به سبحانه ونترك استنتاجاتنا العلمية والعقلية فهو سبحانه قد وضح كل شيء وصرح بذلك في القرآن وكل ما يقوله الناس حتى لو أجمعوا عليه فهي ليست واقعية. لا يعلم أي منا ما يفعله الله تعالى وكيف يتعامل معنا ولا يمكننا معرفة ذلك بعقولنا وفلسفتنا. لله تعالى شأن آخر وسوف يحاسب الذين عرفوا القرآن حسابا عسيرا إن أضافوا  أو نقصوا أمرا من مفاهيم القرآن. قال تعالى في سورة الزخرف: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44).

وقال سبحانه في سورة الإسراء مخاطبا نبينا: وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً (86) إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (89). هذا هو القرآن بين أيديكم وهو تبيان لكل شيء وكل ما قاله السلف والخلف وكل ما قاله ويقوله الفلاسفة والمحدثون والفقهاء عن مسائل غيبية لا يعلمها إلا الله، كلما يقولونه من خارج القرآن باطل بلا استثناء والله تعالى هو بكل شيء عليم ولا يحتاج إليكم لتوضحوا لعبيده ما لم يصرح به هو بنفسه. ولقد تألمت كثيرا على بعض إخواني في جلسات التفسير حينما أيدوا مسألة علم الله المسبق بأفعال عباده وهو مناف للحرية ومناف لمفاهيم السماء ولم يكن بيدي حيلة. وها نحن اليوم مرة أخرى نتحدث عن أن الله تعالى أودع في نفوسنا المثل العلا وما شابه ذلك. تلك فرية تدخلنا النار إخواني الأعزاء وأشهد الله تعالى بأنني نقلت لزملائي في التفسير ما أفهمه عن طريق زميلي الفاضل المهندس عادل الحسني ونقلت لزملائي في مركز تطوير الفقه الإسلامي ما أعرفه عن أخطاء زميلنا العزيز حينما ادعى بأن الله تعالى أودع أمورا في النفس الإنسانية تبعا لاستنتاجاته ولا حجة لكم علي. وها أنا ذا أقول لهم ولكم لو أتوا بآية قرآنية توضح ادعائهم فسأخضع لها و أعترف بأنني أخطأت ولا أتحمل أوزار المعاصي أمام الله تعالى. ولكم الخيار في أن تبقوا على ما أنتم عليه أو تعودوا إلى ظاهر القرآن ولا تضيفوا شيئا عليه ولا تنقصوا منه شيئا واعلموا بأن فلسفتكم وفلاسفتكم ليسوا معترفا بها عند الذي أنزل القرآن. كانت الفلسفة الإغريقية موجودة حين نزول الإنجيل ثم حين نزول القرآن ولم يذكر الله تعالى أي شيء عن المفاهيم الفلسفية الجميلة الحلوة والتي تجاهلها كتب السماء. فخير لنا أن نتقي الله تعالى ونحتاط ولا نسعى للدفاع عن أفكارنا الغيبية فالله تعالى ربنا لا يضل ولا ينسى.

  1. بالنسبة لنا اليوم فلا حجة غير القرآن وحده. قال تعالى في سورة النساء: رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170). وختم الآيات الكريمة هكذا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (175). هذا نور مبين وواضح ولا تحتاجون إلى أمثالي أنا أو غيري ليوضحها لكم. اللهم إلا إذا قمنا بشرح الكلمات من القرآن نفسه فهو قد يساعدنا على المزيد من الفهم. والله تعالى كفيل بأن يعلمنا لو أننا استعننا به وحده وتركنا أفكارنا وتراثنا الخرف.
  2. كل إنسان يريد أن يقوم بعمل هادف فإنه يمهد لذلك العمل فكل ما كان الفاعل مدركا فهو يدبر ملاحظا إمكاناته وكلما كان قويا فهو أقدر على بلوغ أهدافه. والله تعالى باعتبار قوته الكاملة وتدبيره الشامل فإن علمه سبحانه بأفعاله مساوق لتلك الأفعال. بمعنى أنه سبحانه لو أراد شيئا فهو بالتأكيد صائر إذ لا ضعف في قوته ولا هوان في تدبيره عز اسمه. فإذا علم سبحانه بأن المُهري سوف يكتب هذه المقالة بهذا الشكل في هذا اليوم فهو يعني بأن المُهري فقد الخيار وهو سيفعل ما علمه الله تعالى بكل حيثياته دون أي تغيير. أظن بأن كل فلاسفة المسلمين موافقون مع هذا القول وأنا تعلمت ذلك منهم حينما كنت صغيرا. دعنا نحلل هذه الجزئية. لقدعلم الله بأنني سأكتب هذه المقالة اليوم فهل لي أن أختار عدم الكتابة؟ يقولون بأنك لو كنت تريد عدم الكتابة لعلم الله تعالى عدم كتابتك من الأزل أو من قبل أن يخلقك. نعود إلى نفس المشكلة بأنني سأكون فاقدا للخيار إن علم الله تعالى ذلك. ومن شواهد هذه العقيدة الحمقاء السائدة بين علمائنا ما قاله عمر الخيام في شعر أقدم لكم ترجمته.

قال الخيام: إن شربي الخمر كان معلوما لله تعالى من الأزل؛ فلو أنني أمسك عن شرب الخمر اليوم فهو يعني بأن علم الله تعالى تبدل إلى جهل. وقد رد نصير الدين الطوسي على الخيام بشعر آخر يدل على عدم توازن الفلسفة والكلام عند الطوسي وعند كل الفلاسفة الذين ظنوا مثله وهم يتشبثون بالأوهام لإثبات أمر في نفس الله تعالى والله لم يخبر أحدا به بل أخبرنا بعكس ذلك وإليكم ترجمة شعر الطوسي:

إن من يسهل عليه العصيان فليعلم بأن العلم الأزلي بعصيانه ليس علة لعصيانه وإن ظنَّه يمثل كمالَ الجهل عند العقلاء.  انتهت الترجمة.

كلام مضحك وأحمق فعلا مع احترامي لعلم الخواجة نصير الدين الطوسي. وهذا مع الأسف ما يزعمه بقية رجال الدين والفلسفة الإسلامية أو يقولون ما يشابه ذلك. نحن لا نقول بأن علم الله تعالى سبب في عملنا ولكن نقول وقال الخيام بأننا لو نخالف علم الله فهذا يعني بأن علم الله قد تبدل إلى جهل. الطوسي مفكر كبير ولكنه يعتقد كغيره بخرافات السلف ويعرف دون شك بأن العاصي لو سبق علمُ الله لمعصيته فهو ليس مختارا ليفعل أو لا يفعل. ليس لي إلا أن أقول بأن الشيطان سيطر على أفكار علمائنا وسيضحك عليهم يوم القيامة. الخيار بالنسبة لي ليس أمرا قديما ولكنه أمر حادث جديد ولذلك يثيبني ربي عليه أو يعاقبني. أنا اليوم أريد أن أفعل عملا صالحا أو طالحا فأنا الفاعل الكامل لهذا العمل. ولكن الله تعالى يعطيني القدرة على الإرادة إن شاء كما يعطيني القدرة على التنفيذ لو شاء. فهو سبحانه لا يمكن أن يسبق علمُه إرادتي وإلا كنت مجبرا دون أ ي ريب. إن إرادته سبحانه تسير على طول إرادتي اليوم وليس قبل مليون عام أو من الأزل كما توهموا.

إذا علم الله شيئا فهو لا محالة صائر ولا دخل له بالزمان إطلاقا. الزمان هو حاجتي أنا لأنفذ إرادتي ولو كانت الإرادة تكوينية من الله تعالى مثل إرادته لخلق السماوات والأرض فإن السماوات والأرض تنفذ الإرادة التكوينية ضمن الزمان أيضا. لا يحتاج ربنا إلى زمان لإرادته ولكن الكائنات تحتاج إلى زمان لتنفيذ إرادة الله تعالى. فلو أراد الله تعالى لي أن أذهب إلى القمر وهيأ لي كل ما أحتاج إليه من وسائل فأنا كإنسان لا يمكن أن أنفذ إرادة الله تعالى إلا ضمن زمان محدد لضعف المخلوق وليس لضعف الخالق. فإذا علم الله تعالى بهذه المقالة من الأزل فإن الزمان لا يؤثر في إرادة الله تعالى ولكنه حاجتي أنا بأن أُخلق وأكبر وأتعلم وأصادق أعضاء مركز تطوير الفقه وأعضاء المودة ثم أقف على كل الاحتمالات فأكتب مقالتي دون أن يكون لي خيار ودون أن أثاب عليها. ذلك مما أراده ربي الذي كان على علم بضعفي وأراد شيئا ليتحقق بعد ملايين السنين. سخيف فعلا.

فاستنتاج الخيام صحيح ورد الطوسي باطل ولكن أصل المسألة غير صحيح. فالخيام أخطأ مثلهم حين قال بأن الله تعالى كان يعلم بأنه سيدمن الخمر من الأزل، ولكن لو علم الله تعالى ذلك فإن شرب الخيام للخمر لازم لا يمكن له الابتعاد عنه وإلا كان علم الله جهلا، معاذ الله.

أما ما يقوله القرآن فهو بأننا نقوم ببعض الأعمال باختيارنا. هذه الأعمال تحتاج إلى نوايا صادرة منا فلا وجود لها حتى يعلم بها الله تعالى من الأزل بل وجودها وجود حادث جديد. فالعلم في واقعه يعني الإحاطة الكلية أو الجزئية بشيء في حال الوقوع وليس بشيء لم يبدأ بعد. دعنا نفترض أن الاتصالات بعد 100 عام سوف تتم عن طريق المبادلات النفسية وليس عن طريق الآلة. ودعنا نضع لهذه الفرضية ما يمكننا وضعها من احتمالات فهي ليست علما بل هي مجرد ظنون واحتمالات أو أوهام.

ولكن لو أننا تمكننا من دراسة النفوس دراسة تكفي لاستعمالها كوسيلة للارتباط ودرسنا الآلات الضرورية لتشغيل هذه القدرات النفسية و تحويلها إلى لغة تفاهم سمعية أو سمعية بصرية ثم درسنا كل مقومات الآلات الضرورية فإننا نكون قد مهدنا لنوع جديد من الاتصالات في طور التشكل. ولو قمنا بعد ذلك بتنفيذ ما تصورناه ودرسناه فإن علمنا بالشيء المستقبلي قد ارتقى من مرحلة الظن والتدبير إلى مرحلة الحصول والتحقق.

أعود فأقول لو أننا قلنا دون تمهيد وتدبير ودراسة فقولنا مشابه لحكايات ليالي الشتاء وتسمى تخيلات وأوهام وما نسميه اليوم بـ  Fictions  ولا يمكن تسميته بالعلم. ولذلك حينما نقول بأن الله تعالى يعلم بأنني أنا وإخواني وأخواتي الكرماء سوف نقوم بهذه المناقشات بهذا الشكل قبل مليون عام فهذا يعني بأنه تعالى في صدد تسيير مجموعة من العوامل خلال مليون عام لنأتي نحن ونكتب ما نكتبه تماما مثل الآلات التي يدبرها الذي يريد تبني نوع جديد من الاتصالات. لكنه بشر لا يقوى على التمهيد لآلاف أو ملايين السنين بل لعدة سنوات فقط.

أما الله تعالى فهو قادر على تنفيذ كل ما يريده كما كان قادرا على تنفيذ كل ما شاء من قبل فصار كل شيء كما شاءه سبحانه. ليس أي منا ينفي هذه القدرة لله تعالى ولكنه سبحانه لم يقل بأنه أراد خلق إنسان آلي بهذا الشكل بل قال بأنه خلقنا مريدين كما وضح سبحانه ذلك في سورة السجدة كما وضحت أعلاه. المشكلة الكبرى بأن السلف ومن تبعهم لا يتحدثون عن علم التكهنات المستقبلية بل عن علم إلهي بأن عملا ما سيحصل من عبد من عبيده بكامل اختياره أن يعمل أو لا يعمل وقد علم به الله من قبل. هذا محال ولكن لو فرضنا بأن الله تعالى قد قاله قبلناه دون تريث وقلنا بأننا نجهل كيفية ذلك ولكن الله سبحانه وتعالى أن يقول كلاما غير معقول أو يؤكد اختيارنا وهو يعلم بما سنفعله. معاذ الله من الجهل المتفشي في أمتنا مع الأسف الشديد.

  1. يتشبث البعض بأن الخبرة لله تعالى تعني علمه بما سيحصل في المستقبل وهي ليست كخبرة البشر. الإنسان يصير خبيرا إذا تراكمت المشاكل والحلول في ذهنه طوال سني عمله فيصير خبيرا بالنتائج الاحتمالية باعتبار الكم الكبير من القضايا التي مر بها ورأى بدايتها حتى نهايتها. والواقع أن الخبرة لله تعالى هو عين معنى الخبرة للبشر ولكن بقوة أكبر وشمول كامل. قال تعالى في سورة العاديات:أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ (11). فهو سبحانه يومئذ خبير بهم ولم يقل بأنه خبير بهم اليوم. هذه الخبرة هي ضرورية لمعرفة تأثر النفس الإنسانية بمختلف الحالات والتمييز بين ما هو مفروض لا مفر منه للفاعل وبين ما هو مقصود وهادف ليميز الله تعالى الخبيث من الطيب في كوكبنا هذا. وخبرته في هذا الكوكب مغاير لخبرته في الكواكب المسكونة الأخرى لتغير الظروف طبعا. أرجو التدقيق والإمعان في السورة الكريمة.

وقال تعالى في سورة فاطر: إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14). قد يقول قائل بأن هذه الآية تدل على أن الله تعالى عليم بما سيفعله عباده أو بما سيقولونه يوم القيامة. نظرة بسيطة بإمعان جزئي نعرف بأن الآية تتحدث عن استنتاجات ولكن مع قيد الاحتمال. فقوله الكريم: لا يسمعوا، ثم إضافته: ولو سمعوا، دليل واضح على أنها تتحدث عن احتمالات دقيقة من واقع الناس. ذلك لأنه تعالى عليم بقلوب الناس وخبير بما يقولونه في مثل تلك الحالات. ولذلك عزا الأجوبة إلى خبرته وليس إلى علمه سبحانه وتعالى. وأما إخباره عن يوم القيامة فإننا آنذاك سنكون فاقدي الاختيار ومع ذلك فإن كل ذي لب يشعر بأن انكشاف خطأ أو خداع وتضليل المضلين سوف يؤدي إلى لوم أو لعن المضللين بالنسبة للذين أضلوهم.

وذلك مشابه لقوله الكريم في سورة الملك: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14). يسند سبحانه خبرته إلى علمه بنوايا وخبايا وحقائق قلوب خلقه. أو قوله تعالى في سورة الفتح: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11). فأخبر سبحانه بالمستقبل باعتبار علمه بما يجول في خواطرهم وما تحويه قلوبهم النفسية. وهكذا الآية التالية من نفس السورة فهو ينبئ عن علمه بما يفكرون فيه: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً (15). إنه سبحانه رآهم وسمع نجوى قلوبهم فأخبر عن مستقبلهم ثم رد عليهم بأن السر في نسبتهم الحسد إلى المؤمنين هو أنهم لا يفقهون إلا قليلا.

  1. ويستشكل البعض بقصة الغلام الذي قتله الذي كان أعلم من موسى وطلب موسى منه أن يعلمه مما علمه ربه وهي في سورة الكهف: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80). بالطبع أن القاتل لم يكن بشرا لأنه قام بأعمال وحسابات لا يمكن للبشر العادي أن يقوم بها مثل محاسبته للثقب الذي أوجده في السفينة بحيث لا تغرق السفينة حينما يصل إلى ذلك الملك الغاصب ثم يتم تصليح الثقب بعد أن يعبروا مكان الملك الغاصب. أظن بأنه كان ملكا من الملائكة وقد ظهر أمام موسى بشكل إنسان. فحكم الله تعالى على أحد بالموت ليس عيبا لأنه لا يقتل حقيقة بل ينقل الشخص من عالم إلى عالم آخر. إنه سبحانه يقدر الزلازل فيموت آلاف الأطفال ولكن لا يجوز لنا أن نقوم بالقتل لأن قتلنا يُعتبر إماتة حد الفناء. نحن نريد أن نفني أحدا حينما يقوم أحدنا بقتل إنسان. والله تعالى صرح على لسان ذلك الشخص الملَك احتمالا بأنه خشي أن يرهق أبويه طغيانا وكفرا ولم يجزم بشيء مستقبلي.

إنه سبحانه رأى أفكار الغلام الشاب ولاحظ خطورة مستقبله وقد فعل ما فعل حماية للأبوين اللذين شهد الله تعالى  لهما بالإيمان. ولنكن واقعيين فلو أن الله تعالى كان يعرف من قبل أن يخلق الغلام ما سيفعله وكان يعرف أبويه بأنهما مؤمنان وهو سبحانه يريد أن يساعدهما ليبعد عنهما شبح الكفر فلماذا خلق الغلام، ولماذا لم يقتله قبل أن يصير غلاما؟ ما السبب في اختيار تلك الفترة من عمر الغلام وهو في بداية المراهقة؟ أليس لأن الغلام بدأ يسير باتجاه الضلال في تلك الفترة من عمره؟

  1. رسالة موسى عليه السلام.

يستشهد البعض بآيات من سورة القصص تدل على أن الله تعالى كان يعلم مستقبل موسى ولذلك جعله رسولا: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7).

إن أصل اسم الفاعل هو الفعل المضارع والكلمتان رادوه وجاعلوه هما اسما فاعل. فرادوه تعني نرده وجاعلوه تعني نجعله ولا تعنيان رددناه وجعلناه. والله تعالى ذكر لنا أخطاء موسى بعد ميلاده مثل عدم احتياطه حين المواجهة مع القبطي الذي خاصم إسرائيليا في مصر فضربه موسى ضربة قوية قتله فيها. ثم استغفر موسى ربه فغفر له. فلو كان الله عالما من قبل فلم يحتج موسى لأن يستغفر لأنه دور أتى به ولم يكن مختارا لأن الله قد علم به من قبل. فهل يمكن أن تتصور رسولا يقتل الناس أم أنه كان في طور الإعداد للرسالة؟

وما قاله الله تعالى هو ما نفعله نحن مع أولادنا أيضا. تصور لو أن لديك ولدا قادرا على أن يصير طبيبا وأنت تملك المال ولك ولد آخر قادر على أن يصير مهندسا وآخر ليصير فلاحا وأنت ترى ذلك في أعمالهم وحركاتهم فإنك سترسل الأول إلى كلية الطب والثاني إلى كلية الهندسة والثالث إلى المزرعة لتجعلهم أطباء ومهندسين وفلاحين.

وقد أراد الله تعالى ضمن نظامه أن يمن على الذين استضعفوا من بني إسرائيل ليجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، والأمر يحتاج إلى وجود رسول منهم بينهم فاختار موسى حينما تكوَّنت خليته في رحم أمه لتلك المهمة. فلو أن موسى كان قد تأثر فيما بعد بزخارف قصر فرعون ونسي ربه فكان لا يكسب النبوة والرسالة ولكنه لم يفعل ذلك فكسبهما. وهكذا أولادك الثلاثة لو أنهم لم يجتهدوا لما كسبوا الطب والهندسة والفلاحة.

  1. ونضيف مجموعة أخرى من الآيات الكريمة التي تدل على عدم العلم المسبق بأفعال العباد. قال تعالى في سورة الزمر: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ (66). فلو كان سبحانه على علم بما سيفعله رسوله لما قال له لئن أشركت بل قال له سوف لن تشرك.

وقال سبحانه في سورة الحديد: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25). ليعلم الله من ينصره ولم يقل سبحانه: والله يعلم من ينصره.

قال تعالى في سورة آل عمران: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142).  ليمحص الله وليعلم الله الذين جاهدوا ولم يقل بأنه سبحانه لا يحتاج إلى تمحيص بل يعرفكم من قبل ولم يقل سبحانه بأنه كان على علم مسبق بجهاد المؤمنين.

وقال سبحانه في سورة التوبة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16). لم يقل سبحانه بأن الله كان على علم بما سيفعلونه بل قال بأنه سبحانه لن يتركهم وهو بعد لم يعلم الذين جاهدوا منهم. هذا تصريح بعدم علمه سبحانه ولكنه تعالى خبير بما يعملون وليس خبيرا بما عملوا والخبرة غير العلم طبعا.

والخلاصة أقولها مكررة بأن الله تعالى هو وحده الذي يعلم الغيب وليس غيره فأية مسألة غيبية لم يذكرها الله تعالى في القرآن فهي بالنسبة للمسلمين افتراء على الله ومستوجبة لدخول النار. ولذلك فالذين قالوا بأن الله تعالى كان على علم مسبق بأفعال عباده من الأزل أو من يوم خلق السماوات والأرض أو من يوم خلقهم فقد افتروا على الله الكذب والعاقل المفكر يرفضهم حتى يأتوا بآية صريحة. وكذلك الذي يدعي بأن الله تعالى أودع في نفوس الناس شيئا من يوم خلقهم دون أن يأت بتصريح من القرآن فكلامه باطل ونحن لن نسمع له إلا إذا أتى بتصريح قرآني على ادعائه. كل هذا مع أنني أحبهم جميعا وأحترمهم فردا فردا ولكن لا محاباة ولا مجاملة في الحقائق.

مع التحيات والدعوات

أحمد المُهري

19\8\2016

#تطويرالفقهالاسلامي

http://tiiu.education/

https://www.facebook.com/Islamijurisprudence

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s