“أفيون الشعوب” وصناعة الأوثان البشرية


صورة ChatGPT 27 سبتمبر 2026، 01 03 56 ص - "أفيون الشعوب" وصناعة الأوثان البشرية 1

“أفيون الشعوب” وصناعة الأوثان البشرية

مرحبا،

حين كتب كارل ماركس في القرن التاسع عشر عبارته الأشهر عن الدين بوصفه “أفيون الشعب”، استقرت العبارة في الوعي العام باعتبارها إعلاناً صريحاً للقطيعة مع الدين والإيمان.

لكن عند العودة إلى النص نفسه تكشف أن العبارة جاءت ضمن سياق أوسع وأكثر تعقيداً، فقد كتب ماركس في مقدمة نقد فلسفة الحق عند هيغل، المنشورة عام 1844، أن المعاناة الدينية هي في الوقت نفسه تعبير عن المعاناة الواقعية واحتجاج عليها، وأن الدين “تنهيدة المخلوق المضطهد، وقلب عالم بلا قلب، وروح أوضاع بلا روح”، قبل أن يصفه بأنه “أفيون الشعب”.

وبعيداً عن الاختلاف الجوهري مع منطلقات ماركس المادية ونظرته إلى الدين، فإن العبارة تفتح سؤالاً يستحق التفكير: متى يتحول الدين من قوة روحية وأخلاقية تحرر الإنسان إلى وسيلة لتعطيل عقله وإخضاعه؟

في ظني، لا تكمن المشكلة في الدين ذاته،

فالدين، في جوهره، منظومة من القيم والمبادئ العليا التي تمنح الإنسان معنى، وتدفعه إلى العدل والرحمة والصدق وحفظ الكرامة الإنسانية، وفي جوهر التوحيد تحديداً تحرير للإنسان من الخضوع المطلق لإنسان آخر.

المشكلة تبدأ عندما يظهر بشر ينصبون أنفسهم وكلاء حصريين عن الله، ويمنحون أنفسهم حق تحديد من هو المؤمن ومن هو المنحرف، ومن يستحق الرضا ومن يستحق السخط، ثم تتحول العلاقة الروحية بين الإنسان وخالقه إلى علاقة تمر عبر أشخاص أو أسر أو جماعات أو مؤسسات.

هنا يتغير كل شيء،

يبدأ الدين الواسع بالانكماش حتى يصبح طاعة لشخص، ويتحول المبدأ إلى ولاء، ويصبح الاختلاف مع الإنسان اختلافاً مع المقدس الذي يدعي تمثيله.

وبمرور الوقت نصنع، من حيث ندري أو لا ندري، أوثاناً بشرية.

والوثن هنا ليس بالضرورة تمثالاً من حجر، فقد يكون شخصاً لا يجوز نقده، أو زعيماً لا يسأل، أو شيخاً تصبح كلماته أعلى من السؤال، أو حزباً يحتكر الحقيقة.

فعندما يصبح السؤال خطيئة، والنقد خيانة، والشك في قول البشر خروجاً على الدين، نكون قد انتقلنا من الإيمان إلى التبعية، ومن التدين إلى صناعة السلطة.

والمشكلة أن بعض من يتحدثون باسم حماية الدين لا يطمئنون إلى عقل المؤمن، بل يريدونه مؤمناً، ولكن بشرط ألا يسأل كثيراً!

هنا يبدأ مفعول “الأفيون”،

ليس لأن الإيمان مخدر،

بل لأن الدين حين يختطف من الإنسان ويتحول إلى سلطة بشرية يمكن أن يستخدم لتخدير الإنسان نفسه،

يبرر واقعه، ويقبل ظلمه، ويعطل عقله، وربما يضحي بنفسه من أجل مصالح أشخاص يظن أنهم يتحدثون باسم الله، ولا حول ولا قوة الا بالله.

ولفهم المسألة بهدووووء،

أعتقد أننا بحاجة إلى تمييز ثلاث دوائر متداخلة، لا متصارعة:

  • أولها علاقة الإنسان بخالقه، وهي دائرة إيمانية وروحية شديدة الخصوصية، لا يستطيع بشر أن يدخل إلى أعماقها أو يقيس صدقها بمسطرة سياسية أو اجتماعية،
  • وثانيها علاقة الإنسان بالكون والطبيعة، وهنا تكون أدواتنا هي العلم والملاحظة والتجربة والسببية. فبناء المستشفيات والاقتصاد وشبكات المياه والكهرباء لا يتم بالنيات الحسنة وحدها، بل بالمعرفة والعلم والإدارة.
  • أما الدائرة الثالثة فهي علاقة الإنسان بالإنسان، وتحكمها الأخلاق والحقوق والقانون والعدل والمواطنة. وفي هذه الدائرة لا يكفي أن يدعي الإنسان صلاح نيته أو قداسة فكرته، فحقوق الناس لا تدار بالنوايا.

هذا التمييز لا يعني إقامة جدار بين الدين والعلم والأخلاق، بل يمنع استخدام إحداها لإلغاء الأخرى، ويمنع تحويل الإيمان إلى أداة للسيطرة على المجتمع.

ومن المهم اننا نعرف تماماً أن القرآن واجه بصورة متكررة عقلية الاتباع التي تستبدل التفكير بتقليد السابقين:

(إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ)

وفي المقابل تتكرر دعوات القرآن إلى التدبر والتعقل، وإلى تقديم البرهان:

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ)

(أَفَلَا تَعْقِلُونَ)

(قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)

هذه ليست لغة عقل يخشى السؤال، بل لغة تجعل الإنسان مسؤولاً عن وعيه واختياره،

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للدين ليس كثرة الأسئلة، بل تحريم السؤال.

والأمر لا يخص الجماعات الدينية وحدها،

فالسياسة أيضاً قادرة على إنتاج أديانها الأرضية،

بعض الحركات والأيديولوجيات تبدأ بأفكار يمكن مناقشتها، ثم تتحول بمرور الزمن إلى عقائد مغلقة، ويصبح القائد رمزاً، ثم يتحول الرمز إلى ما يشبه المقدس، وتنتهي المسألة بجمهور يدافع عن الشخص أكثر مما يدافع عن الفكرة التي جاء بها.

وإذا كان الوثن الديني خطيراً لأنه يتحدث باسم الله،

فإن الوثن السياسي ليس أكثر لطفاً لمجرد أنه يرتدي بدلة.

لكن كيف نفكك كل هذا؟

 بالتأكيد ليس بالصدام مع معتقدات الناس، ولا بالسخرية من تدينهم، ولا بمحاولة اقتلاع ثقافتهم،

أتذكر هنا قصة رواها لي صديق عن مدير له كان هندوسياً ويحمل درجة الدكتوراه، حاول هو وبعض زملائه المسلمين دعوته إلى الإسلام، فأجابهم الرجل مبتسماً بمعنى جميل:

” نحن جميعاً نقف حول بحيرة عذبة كبيرة، وكل منا يغترف منها ويسعى بطريقته إلى الاقتراب من الله.”

توقفوا أمام رده وسرعة بديهته،

ولا تعنيني هنا صحة تشبيهه الديني بقدر ما تعنيني دلالته الإنسانية: الإنسان لا يغير قناعته لأنك رفعت صوتك عليه، ولا لأنك أعلنت أنك تملك الحقيقة كاملة،

بل إن الصدام كثيراً ما يفعل العكس، يدفع الإنسان إلى الاحتماء أكثر بما تريد أنت أن تحرره من سوء استخدامه،

ثم إن دعوتك إلى ما تعتقد أنه الحق تفقد كثيراً من قدرتها الأخلاقية إذا كنت تعيش في مجتمع تتفكك فيه الأخلاق، ويعجز عن توفير حياة كريمة للإنسان، ويتقاتل أبناؤه على أوهامهم، ثم يعلن كل طرف منهم بثقة مطلقة أنه وحده على الحق.

الإقناع لا يبدأ من الكلام وحده،

الأخلاق نفسها حجة،

والنموذج الحضاري حجة،

والعدل حجة،

واحترام الإنسان حجة ربما تكون أقوى من ألف خطبة،

ولهذا فإن البديل ليس صدامياً، بل هو بديل طويل، تراكمي وأخلاقي، يشبه قطرات الماء التي تبدو ضعيفة منفردة، لكنها مع الزمن تغير حتى الصخور.

والبداية من التعليم،

ولا تقل لي إن المثال السابق يتحدث عن رجل يحمل درجة الدكتوراه، فالتعليم الذي أعنيه ليس كتباً ولا شهادات معلقة على الجدران،

قد يحمل الإنسان أعلى الشهادات، ويبقى عاجزاً عن ممارسة التفكير الناقد،

نحن بحاجة إلى مدرسة تعلم الطفل كيف يفكر، لا ماذا يفكر فقط،

كيف يسأل، وكيف يبحث عن الدليل،

وكيف يراجع أفكاره،

وكيف يختلف دون أن يكره،

وكيف يحترم الإنسان دون أن يقدسه.

ثم تأتي الأسرة، فهي الحصن الأول في تشكيل الشخصية،

وللمرأة، بحكم حضورها الكبير في السنوات الأولى لتكوين الطفل في كثير من مجتمعاتنا، دور محوري في صناعة جيل لا يخاف من السؤال، ولا يتنازل بسهولة عن عقله، ولا يتعلم أن الطاعة العمياء فضيلة.

ثم يأتي الإعلام والخطاب العام،

من يقف على المنبر،

ومن يقدم البرنامج على الشاشة،

ومن يدير المدرسة،

ومن يكتب في الصحيفة،

ومن يصنع محتوى الهاتف الذي يقضي الطفل والشاب أمامه ساعات طويلة،

جميعهم يشاركون في تشكيل العقل الجمعي،

ونحتاج كذلك إلى إعادة الاعتبار لدائرة الأخلاق والقانون والضمير الاجتماعي.

فمجتمعاتنا عرفت تاريخيًا مفهوم “العيب” بوصفه رادعاً اجتماعياً سابقاً على القانون:

عيب أن تعتدي على ضعيف،

وعيب أن تنتهك عرض إنسان،

وعيب أن تأكل مال غيرك،

وعيب أن تستبيح دماً أو حقاً.

ولا أعني أن يحل “العيب” محل القانون، فالدولة لا تدار بالأعراف وحدها،

لكن المجتمع يحتاج إلى منظومة أخلاقية تجعل بعض الأفعال مرفوضة في الضمير قبل أن تصبح مجرمة في نص قانوني.

فالإنسان الذي لا يسرق فقط لأنه يخشى الشرطي لم يكتمل بناؤه الأخلاقي بعد.

ولهذا لا يكفي إصلاح المناهج إذا ظل الخطاب العام قائماً على التلقين والتخوين والتقديس،

وإذا ظلت الأسرة تربي الطفل على الطاعة أكثر مما تربيه على المسؤولية.

وفي مجتمعات فتية مثل اليمن والسودان والصومال، حيث يمثل الأطفال والشباب كتلة سكانية ضخمة، تصبح المسألة أكثر إلحاحاً.

فما نزرعه اليوم في عقل الطفل لن يبقى درساً مدرسياً،

سيصبح بعد سنوات ثقافة مجتمع، وطريقة إدارة دولة،

وربما وقود حرب أو أساس سلام.

ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الدين واللادين،

ولا بين المحافظ والحداثي،

المعركة الأهم هي بين العقل الذي يسأل والعقل الذي يُستدعى للطاعة فقط،

بين مجتمع يحترم رموزه، ومجتمع يصنع منها أصناماً،

وبين إنسان يؤمن بوعي،

وإنسان يسلم عقله لشخص آخر ثم يسمي ذلك إيماناً.

أختلف مع ماركس عندما يقوده نقده إلى اعتبار الدين وهماً ينبغي تجاوزه،

لكن عبارته “أفيون الشعب” تظل إنذاراً يستحق التأمل،

عندما يستخدم الدين لتسكين المظالم بدلاً من مقاومتها،

أو لتبرير السلطة بدلاً من مساءلتها.

فالخلاص، في رأيي،

ليس في تحرير الإنسان من الدين،

بل في تحرير الدين من احتكار البشر.

أن تبقى العلاقة مع الخالق سامية وشخصية،

وأن تحكم علاقتنا بالكون المعرفة والعلم،

وأن تحكم علاقتنا بالناس الأخلاق والعدل والقانون.

وحين نستعيد للإنسان حقه في السؤال والتدبر والبحث عن البرهان، لن نكون قد أضعفنا الإيمان،

بل ربما نكون قد أنقذناه من أحد أخطر ما يمكن أن يصيبه: أن يتحول الإيمان بالله إلى إيمان بالبشر.

أصلح الله بالكم،

احمد مبارك بشير

‏26‏/09‏/2026

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.