إعادة هيكلة البنك المركزي اليمني والقطاع المصرفي

من جديد، عودة الى المقال الشهري، وهذا عدد خاص ( العدد 48-49 يناير، فبراير 2026)

إعادة هيكلة البنك المركزي اليمني والقطاع المصرفي

(ضمن خارطة طريق الدولة التنموية البراغماتية والحكم الذاتي الاقتصادي)

صفحة 22 –

https://eaf-ye.com/admin/uploads/magazine/pdf/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-48-49_compressed.pdf

image - إعادة هيكلة البنك المركزي اليمني والقطاع المصرفي 1

إعادة هيكلة البنك المركزي اليمني والقطاع المصرفي

(ضمن خارطة طريق الدولة التنموية البراغماتية والحكم الذاتي الاقتصادي)

image 1 - إعادة هيكلة البنك المركزي اليمني والقطاع المصرفي 3

مرحبا،

كل عام وأنتم بخير ومسرة،

كل عام وأملنا بالله تعالى ان يجعل هذا العام عام خير على البلاد والعباد، هذه التهنئة المتأخرة لكنها متناسبة مع لحظة كتابة المقال الذي اكتبه في ختام ديسمبر 2025 وافتتاح العام 2026.

مع دخول هذا العام 2026، يبدو الاقتصاد اليمني كمنظومة تعمل بمولد كهرباء يقدم نصف تغطية، تداول نقدي كبير خارج البنوك، وتمويل تنموي شبه متوقف، وبنك مركزي منشغل بتشغيل يومي بدل القيام بوظيفته السيادية.

تقرير البنك المركزي عن سبتمبر 2025 [1]، لم يأتِ كأرقام عابرة، بل كإنذار مبكر: ودائع تهبط بسرعة، وائتمان ينكمش، وتمويل حكومي يضغط على العملة والتضخم.

هذه ليست مشكلة “بنوك” فقط، بل مشكلة هندسة النظام المالي نفسه: من يجمع النقد؟ من يديره؟ ومن يضخ التمويل في الاقتصاد الحقيقي؟

في هذه الورقة (مقالي الشهري)، أقدم تصوراً عملياً لإعادة هندسة المنظومة المالية والمصرفية بدون الحاجة الى تغيير قانوني:

الهدف من ذلك تحويل البنك المركزي إلى “حَكم لا لاعب”، ونقل التشغيل اليومي إلى البنوك كقنوات دفع ووكلاء، وإعادة بناء نموذج مصرفي يخدم المحافظات والقطاعات الإنتاجية بدل استنزافها.

ينشر المقال ولست اعلم ما المتغيرات التي حدثت سياسياً، رغم اننا نشاهدها مع نهاية العام 2025ـ، نرجو ان تكون خيراً جديداً، وهذا الأمل ، ثقة بالله تعالى.

دعوني انطلق للتذكير بمفهوم اقتصاد الدكاكين الذي اشرت اليه في مقالي لشهر نوفمبر 2025، لاقتصادي للدولة اشرت الى مفهوم (اقتصاد الدكاكين)، وكنت أعنى به حالة التفتت الهيكلي في المنظومة المالية، حيث تفقد البنوك دورها كوسيط مالي فاعل وتتحول الأنشطة الاقتصادية إلى وحدات صغيرة منعزلة غير قادرة على تمويل التنمية المستدامة. هذا التحول ليس مجرد تغيير في شكل مقدم الخدمة، بل هو انهيار في “العقد المالي” بين الدولة والمواطن. 

ومن خلال تحليل تقرير البنك المركزي لشهر سبتمبر 2025 يقدم الدليل على تجذر هذه الحالة.

تضمن التقرير مؤشرات مالية مقلقة جداً قد تنذر بأزمة مصرفية أو انكماش اقتصادي حاد:

  •  انخفض إجمالي الودائع لدى البنوك التجارية والإسلامية بمقدار ضخم بلغ 960.7 مليار ريال (ما نسبته 10.3%) في شهر واحد فقط.
  • تراجع الائتمان (القروض) المقدم من البنوك للقطاع الخاص بنسبة 13.0% (حوالي 208 مليار ريال) في شهر واحد،. هذا يعني توقف شبه تام لضخ التمويل في شريان الاقتصاد الحقيقي.
  •  استمرار تمويل عجز الحكومة (الذي زاد صافي مديونيتها للمركزي بـ 33.9 مليار ريال في شهر) عبر البنك المركزي يعد وصفة لاستمرار الضغوط التضخمية وتدهور العملة على المدى الطويل.

يمكن تشبيه الوضع المالي الحالي في التقرير بمحرك سيارة (الاقتصاد) يُعاني من “نقص حاد في الزيت” (السيولة والودائع التي انخفضت بشدة)، مما أجبر السائق على “الضغط على الفرامل” (توقف الائتمان للقطاع الخاص)، ورغم ذلك فإن حرارة المحرك (التضخم) لا تزال ترتفع، بينما يعتمد خزان الوقود بشكل شبه كلي على “أنبوب طوارئ” من البنك المركزي (تمويل الدين الحكومي) بدلاً من الوقود الطبيعي (الإيرادات الحقيقية).

سأبدأ معكم أولاً بتشخيص الوضع الراهن (القانوني والوظيفي)، ثم أنتقل إلى التصور:  

أولاً: فهم الوضع الراهن:

  • لنبدأ مع البنك المركزي اليمني:
  • ينص القانون رقم (14) لسنة 2000 بشأن البنك المركزي اليمني في مادته (3) على أن البنك يتمتع “باستقلال مالي وإداري تام” ولا يجوز التدخل في أعماله.
مادة (3) للبنك شخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري وله خاتم خاص به ويقوم بأداء مهامه وفقاً لأحكام هذا القانون مستقلاً تماماً عن أي سلطة أخرى في تحقيق أهدافه وأداء مهامه ولن يتلقى التعليمات من أي شخص أو جهة إلا وفقاً لأحكام هذا القانون ويجب احترام استقلاليته ولا يجوز التدخل في أنشطة البنك أو العمل على التأثير على قراراته.
  • كما تنص المادة (32) على قيود صارمة للإقراض الحكومي، بحيث لا يتجاوز 25% من متوسط الإيرادات العامة.
يجوز في الظروف الاستثنائية أن يمنح البنك تمويلات مؤقتاً للحكومة في شكل قروض طارئة ، شريطة أن تكون هذه القروض متسقة مع أهداف السياسة النقدية للبنك والا تؤدي هذه القروض إلى زيادة في المبلغ الاصلي الاجمالي المسحوب والقائم لكل القروض المقدمة للحكومة عن (25%) كحد أقصى من المتوسط السنوي للإرادات العادية للموازنة للثلاث السنوات السابقة مباشرة والتي تتوفر حسابات عنها وعلى الا تزيد فترة استحقاق هذه القروض عن ستة اشهر وتستثنى مديونية الحكومة القائمة عند صدور هذا القانون عن هذا الحد ، وتتم معالجة هذه المديونية بالاتفاق بين البنك ووزارة المالية .
  • ومع ذلك، تظهر بيانات سبتمبر 2025 أن الاقتراض المباشر بلغ 90.6% من الدين العام ، وهو ما يمثل خرقاً جوهرياً لروح القانون ومبدأ الاستقلالية. هذا التناقض يدعم تصور “الدولة التنموية ” فالمؤسسات المركزية قد أصبحت أدوات سياسية وليست اقتصادية، ويعزز الحاجة إلى “لامركزية القرار المالي” لحماية موارد المحافظات من هذا الاستنزاف المركزي المخالف للقانون.
  • في المواد التي تنظم العلاقة مع الحكومة. فالمادة (5) الفقرة 2 فرعي (و):
العمل كبنك ومستشار ووكيل مالي للحكومة.
  • الفهم الطبيعي للنص وفقاً للمعنى القانوني والممارسة الدولية، هو أن يكون البنك المركزي مصرف الحكومة السيادي: يمسك الحساب/الحسابات المركزية للخزينة (مثل ترتيب حساب الخزينة الموحد [2]TSA)، حيث ينفذ تسويات مدفوعات الدولة على مستوى النظام المالي، ويدير بعض مهام الوكالة المالية (خدمة الدين، الإصدارات، المدفوعات الحكومية الكبرى) ويقدم المشورة المالية/النقدية، مع بقاءه في الوقت نفسه منظماً ومشرفاً على البنوك لا منافساً لها كبنك. هذا الدور قد يشمل “معالجة المدفوعات” كخدمة سيادية، لكن العرف المؤسسي هو أن التنفيذ التشغيلي واسع النطاق (تحصيل/صرف جماهيري/انتشار نقاط الخدمة) يُدار عبر البنوك كجهات وسيطة/وكلاء وقنوات دفع، بينما يظل المركزي ممسكاً بالتسوية والحوكمة والرقابة.
  • الفجوة لدينا أن دور “بنك الحكومة” انزلق إلى تشغيل يومي كثيف، فمعظم الجهات تفتح حساباتها عبر فروع المركزي بالمحافظات وبناء على دعوة المركزي نفسه، والتحصيل يتم عبر منصات/شبابيك فروعه، ما يحول المركزي إلى “منصة تنفيذ” ويستهلك طاقته على حساب وظائفه السيادية (السياسة/الرقابة/تطوير أنظمة الدفع).
  • توجه صندوق النقد (حسب ما ينشر في موقع الشرق الأوسط للمساعدات الإقليمية  [3]METAC  وحسب مشاورات المادة الرابعة بين المركزي وصندوق النقد[4]) يذهب التوجه إلى:  تحديث ترتيبات TSA لتجميع النقد وتحسين إدارة السيولة دون الحاجة لتغييرات قانونية/تنظيمية كبيرة، والتركيز على آليات التجميع والسحب وربط التحصيل/الصرف بقنوات مصرفية وأنظمة دفع، مع رقمنة إدارة الضرائب وتحسين إدارة النقد والرقابة على الإنفاق و نقل ، توصيات الصندوق الفنية لليمن تدفع باتجاه استخدام حسابات الصفر (Zero-Balance Accounts) في البنوك التجارية لتحصيل الإيرادات، على أن يتم “كنس” هذه الأموال آلياً وبشكل يومي إلى حساب الخزينة الموحد في المركزي. هذا يحرر فروع البنك المركزي من عبء التعامل المباشر مع الجمهور  وينقلها للمنظومة المصرفية.
  • وهذا ما يسعى المركزي الى العمل به ، لكن الجهد كبير للوصول الى هذه النقطة.
  • تشير المادة (4) من قانون البنك المركزي:
مادة (4) يكون المركز الرئيسي للبنك مدينة صنعاء لتسير اعماله داخل الجمهورية وخارجها وله أن يفتح فروعاً ووكالات ومكاتب ويتخذ له مراسلين بناءً على موفقة المجلس .
  • تم نقل مقر المركزي 2016 إلى عدن بقرار سياسي من الرئيس هادي،
  • ما أود التركيز فيها حول التوسع في فتح الفروع خلال العقود الماضية لم يكن مدفوعاً بحاجة “نقدية” (لإدارة السيولة في الأقاليم)، بل بحاجة “مالية/حكومية” لتسهيل صرف المرتبات واستلام الإيرادات. هذا التوسع حول البنك إلى “أخطبوط إداري” ضخم ومترهل، يستنزف ميزانيته التشغيلية في تأمين الفروع ونقل الأموال وصيانة المباني، بدلاً من الاستثمار في أنظمة المدفوعات الحديثة والبحوث الاقتصادية.
  • في نموذج الدولة التنموية البراغماتية ، يجب أن يكون البنك المركزي “رشيقاً” ، فوجود فرع للبنك المركزي في كل محافظة لغرض “الجباية” هو مفهوم يعود للقرن التاسع عشر. الواقع اليوم يفرض أن يمارس البنك سلطته عبر “البيانات” لا عبر “النوافذ”.
  • وفي قراءة القانون المالي رقم (8) لسنة 1990 وتعديلاته، يحدد القانون في مادته الثانية “خزينة الدولة”:
خزينة الدولة: حساب الدولة لدى البنك المركزي (إيرادات/نفقات)
  • هذا التعريف الدقيق يعني أن الخزينة هي “الحساب” وليست “المبنى” أو “الخزنة الحديدية”.
  • تأتي المادة (26) لتضع القاعدة والاستثناء في القانون المالي:
مادة(26): تورد جميع الإيرادات إلى البنك المركزي وفروعه أولاً بأول ويحظر حظراً باتاً على الجهات توريد أي نوع من الإيرادات إلى غير البنك المركزي وفي حالة عدم وجود فرع للبنك المركزي يجوز توريد الإيرادات إلى بنك يفوضه البنك المركزي. كما تودع جميع الإيرادات العينية في المخازن الحكومية المخصصة طبقاً لأحكام قانون المناقصات والمشتريات والمخازن الحكومية ولائحته التنفيذية.
  • تعاملت السياسات السابقة مع هذا النص بجمود، حيث سعت الدولة لفتح فرع للمركزي في كل مكان لتجنب تطبيق الاستثناء. بحسب رؤيتي للدولة التنموية البراغماتية: يجب أن يصبح “التفويض” هو القاعدة في التعاملات اليومية، بينما يقتصر دور المركزي على “إدارة الحسابات الموحدة”.
  • ماذا يعني الدور الحالي للبنك:
  • عندما يصر البنك المركزي على سحب الإيرادات (الضرائب، الجمارك، مبيعات النفط والغاز) وتخزينها في خزائنه، فإنه يسحب السيولة من الدورة الاقتصادية ويحرم البنوك التجارية منها. في الاقتصادات الفعالة، تبقى الأموال الحكومية داخل النظام المصرفي التجاري (ضمن ضوابط)، مما يرفع من قدرة البنوك على منح الائتمان وتمويل التنمية.
  • انشغال المركزي بالعمليات اليومية للحكومة يجعله أقل قدرة على مراقبة سلامة البنوك والتدخل كـ “مقرض أخير” عند الأزمات، لأنه ببساطة يستنفد سيولته في تغطية عجز الحكومة بدلاً من دعم استقرار السوق.  
  • عندما يقوم البنك المركزي بفتح نوافذ لخدمة الجمهور (تحصيل رسوم، صرف شيكات حكومية)، فإنه يدخل في منافسة مباشرة مع البنوك التجارية التي يفترض أن يشرف عليها، مما يخلق تشوهاً في السوق.
  • واذن ما الحل ؟ النموذج الذي اقترحه يتطلب فصلاً واضحاً بين “إدارة المال العام” (مسؤولية وزارة المالية) وبين “حفظ المال وإدارة تدفقاته” (وظيفة النظام المصرفي برعاية المركزي). البنك المركزي في هذا النموذج هو “المنظم” و”غرفة المقاصة”، وليس “أمين الصندوق”. وتأتي التفاصيل لاحقاً.
  • البنوك ، والبنوك المتخصصة:
  • عرف القانون “العمل المصرفي” في المادة (2) فقرة ح:
قبول الودائع النقدية القابلة للدفع عند الطلب أو حسب ترتيبات أخرى والقابلة للسحب بالشيك أو الحوالة أو أمر الصرف ومنح القروض والتسهيلات الائتمانية.  وتعد أيضاً من الأمور المصرفية الأشياء الأتية: أ-  بيع وخصم الكمبيالات والحوالات والكوبونات والسندات للأغراض التجارية. ب-  اجراءات المعاملات المصرفية الاعتيادية مع المراسلين والحصول على التسهيلات المصرفية المألوفة. ج-  شراء وبيع العملات الأجنبية والسبائك والنقود الذهبية والفضية والأسهم والسندات. د- إصدار وخصم الكمبيالات وخطابات الضمان. ه- فتح الاعتمادات المستندية وتحصيل مستندات الشحن. و-  تحصيل الشيكات والسندات والحوالات والكمبيالات. ز- القيام بأعمال الوكيل أو الأمين بصفة مراسل أو وكيل للمؤسسات المصرفية والمالية. ح- شراء وبيع سندات الدولة والحوالات الحكومية.
  • لكن سياق القانون وتطبيقاته ركزت على “المراسلين الدوليين” أو البنوك الأخرى، ولم تؤسس لمفهوم “وكيل التجزئة”
  • المادة (6) تحظر استخدام مصطلح “بنك” أو ما يشير إلى أعمال مصرفية لغير المرخص لهم. هذا يجعل التاجر البسيط في الريف خائفاً من تقديم خدمة “السحب والإيداع” لصالح بنك معين خشية المساءلة القانونية.
  • المادة (9) تفرض موافقة مسبقة وإجراءات معقدة لفتح أي “فرع” أو “مكتب”. تعامل البنك المركزي تقليدياً مع “وكيل البنك” وكأنه “فرع جديد” يتطلب تجهيزات أمنية وخزائن وموظفين، مما قتل الجدوى الاقتصادية للنموذج.
  • الصرافة:
  • في المقابل وفي القانون رقم (20) لسنة 1995 وتعديلاته بالقانون رقم (15) لسنة 1996 يسمح قانون الصرافة وتعديلاته للصرافين بممارسة نشاطهم بمرونة عالية، خاصة الفئة (ب). هذا خلق وضعاً مقلوباً: الصراف (غير الخاضع لرقابة صارمة) لديه مرونة أكبر من البنك (الخاضع لرقابة صارمة) في الوصول للجمهور. والنتيجة هجرة الأموال من البنوك إلى الصرافين، مما يهدد الاستقرار المالي.  
  • (المادة 9): يسمح القانون للصرافين (فئة ب) بـ “قبول التحويلات”، وهو نشاط يتطلب سيولة نقدية عالية وشبكة فروع. استغلت الشركات هذا النص لبناء شبكات واسعة وتجميع السيولة، وتدريجياً بدأت في “الاحتفاظ” بأموال العملاء كأرصدة دائنة (ودائع مقنعة) لتسهيل التحويلات، متحولة بذلك إلى بنوك “غير رسمية” دون ان تقدم خدمات بنكية ، اعتمدت على سياسة الأمر الواقع.
  • حدد القانون رأس المال بـ 10 ملايين ريال يمني للفئة (ب). ومع تدهور سعر العملة، أصبح هذا المبلغ زهيداً جداً، مما سهل دخول آلاف اللاعبين الصغار إلى السوق دون ملاءة مالية حقيقية.  
  • رغم أن القانون يحظر على الفئة (أ) العمل خارج الموقع المرخص، إلا أنه سمح للفئة (ب) بفتح فروع متعددة بمجرد “الإخطار” ، مما أدى إلى انتشار سرطاني للفروع دون قدرة البنك المركزي على الرقابة الفعالة.  
  • هذا قد يكون السبب الجذري لظاهرة “اقتصاد الدكاكين”. فشركات الصرافة تمتلك شبكة واسعة وسيولة ضخمة (كما يظهر من حجم التحويلات)، لكنها قانونياً ممنوعة من تحويل هذه السيولة إلى قروض تنموية. النتيجة هي بقاء الأموال “راكدة” في دورة استهلاكية أو مضاربة على العملة، بدلاً من الاستثمار.
  • يمكن اعتبار الزام كبار الصرافين من قبل البنك المركزي بالتحول الى بنوك تمويل اصغر، يسهم في تخفيف هذا العبء، لكن هذا التحول غير مكتمل لعدة أسباب منها الكفاءة  التنظيمية والتشغيلية، والنموذج المحصور للتمويل الأصغر او البنوك التقليدية (تجارية او إسلامية).
  • كما أن شروط قانون البنوك رقم (38) لسنة 1998 رأس مال لا يقل عن مليار ريال (وهو رقم تم رفعه لاحقاً بتعليمات البنك المركزي إلى مبالغ أكبر بكثير، تصل إلى 6 مليارات للبنوك الإسلامية و45 مليار للبنوك التجارية في مناطق معينة). هذه الحواجز، مع تعقيدات الحوكمة (سن وخبرة أعضاء مجلس الإدارة)، جعلت من المستحيل على الصرافين التحول إلى بنوك عبر هذا القانون مباشرة.
  • التحول يتطلب “فصلاً” بين عقلية الصراف (المضاربة قصيرة الأجل) وعقلية البنكي (الاستدامة وإدارة المخاطر).
  • البنوك المتخصصة:
  • يسيطر على المشهد المصرفي اليمني نموذج “البنوك الشاملة (إسلامية او تجارية)، حتى البنوك التي نشأت بمسميات تخصصية وهي بنوك حكومية أنشئت بقوانين مستقلة (مثل بنك التسليف الزراعي – كاك بنك 1982م ) تحولت بمرور الوقت إلى بنوك تجارية تمارس كافة الأعمال المصرفية وتنافس في سوق الاعتمادات المستندية والتحويلات، تاركة وظيفتها الأساسية في التنمية الزراعية. كما أن البنك الصناعي (تم تصفيته 1999م) وبنك الإسكان (تأسس العام 1977) لكن فعلياً  أصبح هيكلاً فارغاً تقريباً. هذا الغياب للتخصص أدى إلى فجوة تمويلية هائلة في قطاعات حيوية ، من ذلك:
  • الإسكان: لا يوجد تمويل عقاري طويل الأجل للمواطنين، مما فاقم أزمة السكن والعشوائيات.
  • الصناعة والزراعة: تعتمد هذه القطاعات على التمويل الذاتي أو القروض التجارية قصيرة الأجل ذات الفوائد العالية، مما يعيق النمو.
  • الادخار: غياب أوعية ادخارية آمنة ومحفزة لصغار المدخرين.
  • في القانون رقم (38) لسنة 1998 بشأن البنوك المادة (2) فقرة هـ:
بنك أو مصـرف : أي شخص معنوي يمارس بصفة أساسية الأعمال المصرفية ويشمل البنوك التجارية ( بما في ذلك البنوك الاسلامية) والبنوك المتخصصة أو أي فرع لأي مؤسسة أجنبية تعمل في المجال المصرفي.
  • البيئة التشريعية تسمح بإنشاء بنوك متخصصة لكن هناك عوائق هيكلية تمنع نشوء هذه البنوك التخصصية:
  • المادة (11) تشترط حداً أدنى لرأس المال (مليار ريال، ويرفعه المركزي دورياً) يطبق على “أي بنك” دون تمييز. هذا يرفع تكلفة الدخول لتأسيس بنك ادخار صغير أو بنك تعاوني زراعي في منطقة ريفية.
  • المادة (21) و (22) تفرض قيوداً صارمة على تملك البنوك للعقارات أو المساهمة في مشاريع تجارية. هذه القيود، وإن كانت منطقية للبنوك التجارية لحماية المودعين، إلا أنها “تخنق” بنوك الإسكان (التي تحتاج لتملك وتطوير مشاريع سكنية) والبنوك الاستثمارية.
  • لا يقدم القانون أي حوافز للبنوك التي توجه تمويلاتها لقطاعات تنموية ذات عائد منخفض (كالزراعة والإسكان الشعبي).
  • ولذا ولتحقيق رؤية “الدولة التنموية” ودعم “الاقتصادات المتعددة كالأزرق والبرتقالي والرقمي”، نحتاج لابتكار نماذج مصرفية جديدة.
  • انقسام إدارة البنك المركزي:
  • أدى انقسام البنك المركزي بين صنعاء وعدن إلى خلق بيئة تنظيمية ” بيئة تنظيمية مزدوجة/منقسمة/متعارضة ” كمرضى الفصام [5]. فالبنوك مطالبة بالامتثال لتعليمات متناقضة من سلطتين نقديتين، مما عرضها لعقوبات مزدوجة وشل قدرتها على الحركة. في المقابل، استطاع الصرافون العمل بمرونة أكبر في المناطق الرمادية، مستفيدين من كونهم “أصغر من أن يستهدفوا” بعقوبات دولية، وأكثر مرونة في التعامل مع النقد السائل.
  • يتطلب كل ما سبق إعادة النظر في هندسة النظام المصرفي، وهذا ما اسعى في الآتي لتقديمه:

ثانياً: تصوري لإعادة هندسة المنظومة المالية والمصرفية:

المحورالهدف/النموذجالتوضيح
 إصلاح العقل النقدي (المركزي اليمني حكماً لا لاعباً)تحرير الخزينة العامة (نموذج الوكيل المعتمد)من أجل تقليل تكاليف التشغيل، وسرعة التحصيل، وتفريغ البنك المركزي لمهامه السيادية (الرقابة، السياسة النقدية، تطوير الأنظمة)، يتم:تفعيل نظام “البنوك الوكيلة” لإدارة التدفقات النقدية الحكومية بدلاً من فروع البنك المركزي.اعتماد آلية “حساب الخزينة الموحد الافتراضي (TSA)، حيث تجبى الإيرادات عبر البنوك وتصفى آلياً إلى حساب الدولة الرئيسي يومياً.إنشاء وحدة متخصصة داخل قطاع العمليات المصرفية بالبنك المركزي لإدارة العلاقة مع البنوك التجارية الوكيلة، ومراقبة تسويات حساب الخزانة الموحد (TSA) بشكل يومي.يصدر محافظ البنك المركزي، بالتوافق مع المجلس الرئاسي، قراراً بوقف التعامل النقدي المباشر في فروع البنك المركزي للإيرادات والنفقات، واعتماد نظام “البنوك الوكيلة” في كافة المحافظات المحررة.
وقف التمويل التضخمي واستعادة أدوات الدينإلزام الحكومة بوقف “السحب على المكشوف” (الذي يمثل 90.6% حالياً).تفعيل أدوات الدين العام (سندات وأذون) بأسعار فائدة حقيقية لجذب السيولة من خارج المنظومة المصرفية.
 الهيكلة المؤسسية (بنوك تخصصية لتمويل التنمية المحلية)تحويل البريد اليمني إلى “بنك الادخار الوطني”البدء في فصل الذمة المالية لقطاع التوفير البريدي وتحويله إلى شركة مساهمة عامة (بنك الادخار الوطني) تحت إشراف البنك المركزي، مع طرح جزء من أسهمه للاكتتاب العام لتعزيز الشفافية.لتجميع المدخرات الصغيرة واستثمارها حصرياً في “سندات تنمية محلية” لتمويل مشاريع البنية التحتية في المحافظات، مما يضمن بقاء مدخرات الريف داخله.
بنوك سلاسل القيمةإصدار تعميم من البنك المركزي يحدد متطلبات رأس مال “متمايزة” بحيث يكون أقل للبنوك التي تتخصص في قطاعات تنموية (زراعة، إسكان) أو التي تفتح مقارها الرئيسية في محافظات نائية، تشجيعاً للامركزية الاقتصادية.وهذا يسمح بتحول بعض الصرافات و /البنوك او الدفع لتأسيس بنوك متخصصة (كبنك الاقتصاد الأزرق في حضرموت والمهرة) بمتطلبات رأس مال مرنة.مع التركيز على “تمويل سلاسل القيمة” المرتبطة بمواسم الصيد والزراعة والأنشطة الإنتاجية الصغيرة ومتناهية الصغر.
بنوك الإسكان الأصغرتشجيع تأسيس بنوك تمويل أصغر متخصصة في “تمويل تحسين المنازل” لتقدم قروضاً لترميم وبناء المنازل تدريجياً، وهو ما يناسب الطبيعة اليمنية للبناء.
برنامج تحول الصرافينهذا ما يتم حالياً في دفع شركات الصرافة (فئة ب) إلى التحول لـ”بنوك تمويل أصغر”والاجدر والإسراع تقديم حوافز لشركات الصرافة الكبرى (فئة ب) للتحول إلى “وكلاء معتمدين” لبنوك قائمة ، أو الاندماج لتأسيس “بنوك تمويل أصغر”، مع ومستقرة ومنحهم فترة سماح لتوفيق الأوضاع (سنة واحدة).   وكذلك يمكن الدفع لتأسيس بنوك متخصصة للتمويل الأصغر.
 الشمول المالي والتمكين الرقميلائحة الوكالة المصرفيةلدمج الاقتصاد الريفي (الأزرق والزراعي) في الدورة المالية بأقل تكاليف إصدار لائحة تنظيمية شاملة تسمح للبنوك بالتعاقد مع وكلاء تجزئة، مع تحديد شروط الأهلية، والحدود المالية، ومتطلبات التكنولوجيا والربط الشبكي. (وهي من صلاحيات البنك المركزي اليمني بموجب القانون).هذا يتيح للمتاجر ومحطات الوقود العمل كوكلاء للبنوك.
تنظيم النقود الإلكترونية والفينتكإصدار لائحة مستقلة تسمح لشركات التقنية المالية بتقديم المحافظ الإلكترونية ” ما تم في صنعاء بموجب صلاحيات البنك المركزي اليمني” ، مما يسهل استقبال الحوالات الخارجية ودعم الاقتصاد الرقمي.
 تعزيز الحكم الذاتي الاقتصادي للمحافظات (توطين الائتمان والبيانات)إصدار تقارير مناطقيةتوجيه البنك المركزي لنشر بيانات الودائع والائتمان لكل محافظة على حدة، لتمكين السلطات المحلية من التخطيط المبني على الأرقام.
شرط إعادة الاستثمار المحليإلزام البنوك بتوجيه نسبة (مثلاً 30%) من ودائع المحافظة لإعادة إقراضها في مشاريع تنموية داخل نفس المحافظة، لمنع نزيف السيولة نحو المركز.

مقترحي في هذا المقال لا يتطلب ثورة تشريعية بقدر ما يطلب إرادة تنفيذية:

  • المركزي يعود لوظيفته السيادية (سياسة نقدية، رقابة، أنظمة دفع).
  • البنوك تصبح قنوات التحصيل والصرف والتمويل عبر نموذج الوكيل المعتمد و(TSA).
  • المحافظات تعامل كوحدات اقتصادية لها بيانات وائتمان محلي.

إن ظللنا ندير اقتصاد الـ 2026 بأدوات القرن التاسع عشر، فسنحصد نفس النتيجة: توسع اقتصاد الدكاكين، وتآكل الوساطة المالية، وتراجع التنمية.

أما إذا نقلنا السيطرة من “النافذة والخزنة” إلى “النظام والبيانات”، فسنفتح باباً عملياً لتثبيت العملة، واستعادة الائتمان، وخلق تنمية محلية ممكنة في بيئة غير مستقرة.

ربما تأتي هذه الأفكار في وضع غير مستقر، لكنني اظن انه حان الوقت لنفكر بطريقة مختلفة ، لمعالجة قضايانا الحقيقية من خلال الاقتصاد ، بدلاً عن المنظور السلبي للسياسة التي تعيق النشاط ، كل الخلافات يمكن ان تتصالح عندما تجد ضالتها في الاقتصاد.

ختاماً،

أصلح الله بالكم،

ودمتم بإذن الله سالمين،

ونرجو ان تكون هذه السنة 2026 هي السنة التي يغاث فيها الناس وفيها يزرعون.

احمد مبارك بشير

‏24‏/12‏/2025


[1] https://cby-ye.com/files/69381df930125.pdf

[2] Treasury Single Account

[3] https://www.imfmetac.org/

[4] https://www.imf.org/en/news/articles/2025/10/09/imf-cs-yemen-2025-imf-article-iv-mission

[5]  الفصام هي اضطراب نفسي مزمن وشديد يؤثر على طريقة تفكير الشخص وشعوره وتصرفاته وإدراكه للواقع

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.