حكومة كفاءات “تكنوقراط” (مطلب ام مطب؟!)

6be2f8ff 21b9 40a7 8562 0b836f490f1e - حكومة كفاءات "تكنوقراط" (مطلب ام مطب؟!) 1

حكومة كفاءات “تكنوقراط” (مطلب ام مطب؟!)

في خضم ما يتم تناقله إعلامياً وسياسياً حول المطالبة بتشكيل “حكومة كفاءات” في اليمن، ينتابني قلق “مباح”، فغالباً ما نقع في فخ كبير يخلط بين “الخبير الفني” و”القائد الإداري”، فالاعتقاد بأن حامل الدكتوراه في “الاتصالات” هو الأقدر تلقائياً على إدارة “وزارة الاتصالات” هو فخ كلاسيكي. فالدولة لا تحتاج لوزير يعرف كيف يبرمج شبكات الاتصال بيده، بل تحتاج لوزير يمتلك ثلاث ركائز:

  1. الرؤية الاستراتيجية: ليعرف “إلى أين” يجب أن يتجه القطاع بعد سنوات.
  2. القيادة والتفويض: فالوزير “القائد” يحيط نفسه بأفضل الخبراء ولا يخشاهم، بينما الوزير “الضعيف” يغرق في المركزية.
  3. الإلمام العام: يكفي أن يدرك أساسيات القطاع لكيلا يُخدع، ولا يُشترط أن يكون “العالِم” الأول فيه.
  4. الذكاء السياسي والتفاوضي: الوزير لا يعمل في فراغ، بل في بيئة مليئة بالتجاذبات والضغوط.

الوزير “التكنوقراط” الصرف قد ينكسر أمام أول ضغط سياسي لأنه يتعامل بمنطق “1+1=2″، بينما الواقع السياسي يتطلب مرونة وقدرة على المناورة لحماية مصالح وزارته وانتزاع الميزانيات وتمرير القرارات.

الدولة اليوم ليست بحاجة إلى وزير “أكاديمي” ينقل قاعات المحاضرات إلى أروقة الوزارة، ولا إلى متخصص يغرق في التفاصيل التقنية ويفقد الرؤية الشاملة.

الوزير الحقيقي هو صانع قرار، يمتلك الجرأة على الحسم وتحمل المسؤولية، والقدرة على إدارة الموارد وتوجيه الطاقات.

إن اختزال الكفاءة في “الشهادة العليا” دون خبرة قيادية، يحول الوزير من فاعل إلى مجرد “ناقد ملاحظ”، تماماً كما أن الطبيب الجراح البارع لا يصلح بالضرورة لإدارة مستشفى ضخم ما لم يمتلك أدوات الإدارة.

وما يزيد الطين بلة، أن دائرة الاختيار لدينا مغلقة ومكررة، إذ يتم استنساخ القيادات من رحم القطاع الحكومي المترهل أو قاعات الجامعات، أو عبر التزكية الحزبية. هذه الآلية تعيد إنتاج نفس “الجينات البيروقراطية” العاجزة عن الابتكار، وتغلق الباب أمام الدماء الحيوية القادمة من القطاع الخاص الناجح أو المجتمع المدني الفاعل.

الوزير في مفهوم الدولة الحديثة ليس “موظفاً كبيراً” ينتظر التوجيهات ويخشى اللوائح، بل هو “شخصية قيادية يتم التعاقد معها” لإنجاز أهداف محددة بعقلية ريادية تبحث عن الحلول لا عن المعوقات.

متى ما تعاملنا مع المنصب الوزاري كـ “عقد إنجاز” لا كحق وظيفي أو مكافأة حزبية، سنبدأ الخطوة الأولى نحو الإصلاح الحقيقي.

يجب أن يكون (الرهان الحقيقي) على من يملك “فكر الدولة” وعقلية الإدارة، لا على من يملك أعلى الدرجات العلمية في تخصص دقيق لا يمت لصناعة القرار بصلة.

مودتي

واصلح الله بالكم

احمد مبارك بشير

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.