لماذا تصمد دول وتسقط أخرى أمام أمواج الاحتجاج؟

لماذا تصمد دول وتسقط أخرى أمام أمواج الاحتجاج؟
(للتأكيد لا اضع هنا رأيي في الاحداث الحالية في أي دول تمر بمظاهرات او تغييرات في المشهد السياسي، وانما انقل الاطار العام لذلك قد يفهم ما قد يحدث.)
كثيراً ما يراودنا تساؤل جوهري عند مراقبة المشهد العالمي: لماذا تمر المظاهرات العنيفة في فرنسا (كالسترات الصفراء) كعاصفة صيف عابرة لا تطيح بالنظام، بينما تحولت احتجاجات “الربيع العربي” إلى زلازل أطاحت برؤوس أنظمة وبنية دول بأكملها؟
باعتقادي، السر لا يكمن في عدد الحشود، بل في ثالوث: “المؤسسة والنظام” ، والقيادة البديلة، والغطاء الدولي. يمكن توضيح ذلك في أن نفهم جيداً ان نفصل بين بين “الدولة” و”الحكومة” او الدولة ومؤسساتها.
- فرنسا مثلاً: عندما يغضب الشارع، يطالب بتغيير سياسة اقتصادية أو إقالة وزراء. هنا تعمل “صمامات الأمان” الدستورية، فالدولة بمؤسساتها (القضاء، الجيش، الحكومة، الرئاسة…) تظل قائمة ومستقلة، والرحيل يكون للشخص لا للكيان.
- لكن في الأنظمة الديكتاتورية او المركزية غير المنظمة : غالباً ما يتم اختزال الدولة في “شخص الحاكم”. هنا تكمن الخطورة، فإذا اهتز رأس الهرم، تداعت أركان الدولة بالكامل، لأن النظام لم يسمح بنشوء مؤسسات مستقلة قادرة على إدارة الفراغ.
لابد أن نعي أن التغيير الإيجابي لا يأتي من الفراغ، بل يحتاج إلى نخبة منظمة، لكن في تجربة الربيع العربية كانت الاحتجاجات “حركات غضب” وليست “حركات ثورية مؤطرة”، او بمعنى أوضح (الاحتجاجات تم اشعالها عاطفياً من اطراف تفقد مصالحها ، وكانت الجموع تنجر خلفها دون ان يكون لدى أي منهم استفسار او طلب توضيح إلى اين ينتهي بنا هذا الغضب وأين نصل؟ ، هل نمتلك رؤية وجواب لسؤال وماذا بعد ذلك؟ أي أن العقل مغيب!).
لذا عند سقوط الأنظمة ، واجهنا واقعاً مريراً، من نخبة تفتقر للرؤية (مما أدى لتدوير الفشل)، أو “نخب فارغة” بلا أهداف وطنية واضحة “مصالح خاصة جداً وغطاءها الوطنية”.
للأسف! ، الحشود (المنقادة عاطفياً) فعلياً بلا قيادة (او يقودها يهوذا الماعز) ، بمعنى انها قيادة تنجح في “الهدم” ، و لا تمتلك أدوات “البناء”.
ولتأكيد ما أقول ، وبناء على الدرس التاريخي، لا تسقط الأنظمة بالهتافات وحدها، بل عندما يكتمل هذا المثلث:

- انحياز المؤسسة العسكرية: كما رأينا في تونس ومصر، كان رفض الجيش قمع المتظاهرين هو “المحرك” الفعلي للنهاية. بينما في حالات أخرى كسوريا، أدى ولاء الجهاز الأمني للنظام إلى تحول الاحتجاج إلى حرب أهلية.
- القيادة البديلة: القدرة على إفراز وجوه جاهزة لاستلام الدفة فوراً لمنع الانزلاق نحو الفوضى. (الجزائر مثلاً)
- رفع الغطاء الدولي: هذا هو العامل “المُسرع”، في اللحظة التي ترفع فيها القوى العظمى اعترافها بنظام ما، يصبح سقوطه مسألة وقت. في ليبيا واليمن والسودان، كان التدخل و الدعم الخارجي هو ميزان القوة الذي ملأ الفراغ، وللأسف، استوعب هذا التدخل في كثير من الأحيان نخبة “الفراغ” لخدمة أجندات خارجية لا وطنية.
الخلاصة، أيها السادة:
صمود الدول لا يعتمد على غياب الاحتجاجات، بل على امتلاكها مؤسسات مرنة تستوعب المتغيرات دون أن تنهار، وعلى وجود وعي سياسي يفرق بين الرغبة في التغيير وبين تدمير كيان الدولة.
التغيير الحقيقي هو الذي تقوده رؤية وطنية من الداخل، مدعومة بمؤسسات قوية، وليس ذلك الذي تفرضه الصدفة أو يمليه التدخل الخارجي. (ولاجاكم شر!) …
مودتي
احمد مبارك بشير
10/01/2026